PDA

View Full Version : قراءة تحليلية لنص: (غداً سوف أكمل)



عبدالرحمن الخلف
11-08-2006, 05:45 AM
النص : غداً سوف أكمل
الشاعرة: نوف

المكان: أفياء الساخر
الزمان: في الساعة الأولى من اليوم السابع والعشرين من شهر يوليو/2006

__________________________________________________ ____

مسقط أفقي:
صورة تطالعنا بالأسود والأبيض تحوي نافذة عتيقة مفتوحة المصراعين.. على جدار أشهب مقشر تفوح منه رائحة الحارة..
ربما تسخر الصورة من نوافذ بيل قيتس (windows) المزركشة والتي صارت إطاراً لمنتجاتنا القلمية، لتخرج بنا للحظات عن جو الحاسوب الكئيب نحو الأمكنة النقية.. نحو فضاء الذكرى..

مسقط عمودي:
لافتة معلقة على باب النص:
غداً سوف أكمل

ربما صيغت بحروف عربية أبجدية بسيطة ثم سبكت على ورق سولوفان شفاف.. ولكن جملة الاستفهامات المثارة من ظلال العنوان إلى فضاء التأمل تأتي كمحرض على سبر غور النص وحفر كوامنه..
هذا النص الذي يأتي وتوأمه الفقيد ضمن باكورة إنتاج هذا الاسم الصاعد في سلّم الحرف باتجاه سماء الإبداع، يؤسس لتجربة بوح لافتة في لغتها وتقنياتها في تمكنها من زمام التجديد الحذر المتجرد من شبهة الاستنساخ و مسايرة المشهد المنفلت من كل ضابط..

حبات العِقد:
ماذا تريد؟!

صرخة داخلية باتجاه الآخر والذي شكل عنصر المخاطَب في سائر النص.. تبدأ بها الشاعرة منظومة الأسئلة التي تحمل المتلقي إلى إعمال الأجوبة المتعددة للسؤال الواحد دون أن تمارس عليه تنفيرا يجعله يفر من ساحة القصيدة.

سألتك كيف ستنمو عليك زهور سرائرنا المعلنه ،
وثمة بحر تمدّد بيني وبين الجدار الذي ترتديه ؟
فماذا تريد أيا سيّد الماء ماذا تريد ؟

تركيز الصورة المتمددة على جسد الأسئلة كان شديدا شديد..

ابتداءً من (السرائر المعلنة) والتي حملت المفارقة والتركيب المتناقض الجميل..
ومروراً بالتشبيه الفريد العجيب.. تشبيه حالة (كيف السبيل إلى وصالك دلني) بالجدار الذي صار قميصا!
ثم وقوفاً عند هذا التكرار الحميد والذي طعّم هذه المرة بالمنادى:

(سيد الماء)

وهذه دفعة جديدة من الومضات تضخ المزيد من المحاولات لجر المتلقي للتأمل.. للغوص في بطن النص.. وربما عرجت لاحقاً على مأخذي على هذه الجزئية إن عصمني الجبل من الماء!

ءأنفخ في بوق هذا المساء وأشتُم ذراته الساكنه ؟
ءأطلق منطاد شعري وأركض بعد انحسار رياح الخريف ؟
ءأصرخ مثل صراخ المراهق إن رن هاتفه الخلوي ؟

فقل لي بربك ماذا تريد ؟
ماذا تريد ؟

تستمر شحنات الأسئلة في حمل النص على زورق عنيد يبحر به بين عباب المعاني وعواصف البوح!

ولكن يجدر هنا التوقف أمام (منطاد الشعر) هذا الذي أتي به ليعطي النكهة المجددة الفائقة للغة النص الرشيقة..
(منطاد) مفردة من خمسة حروف وهي مضاف و(الشعر) مفردة مجانية مضاف إليه مما يوحي للوهلة الأولى أن التركيب ساذج لا يحمل دلالة ذات بال.. ولكن الشاعر/الشاعرة الحق/الحقة هو/هي من يجيد/تجيد التقاط الأشياء العادية المبعثرة ليجمعها/لتجمعها ثم يشكلها/تشكلها في قالب نهائي يقف أمام عيني المتلقي كتحفة بهية تختال بين الكلمات.

ثم تأتي قمة المفارقة في خلق (رياح) تخيلية يخمنها المتلقي بحدسه "الربيعي" بدلا من رياح خريفية اندحرت بفعل دوران فصلي..

ويأتي السؤال الأخير في هذه المقطوعة ليعود بنا إلى مرآة واقعية فيها (مراهق) و (هاتف خلوي) أقف معها لاحقاً بشيء من التساؤل.

ثم تعيد الشاعرة التساؤل الذي يختم كل مقطع بتكرارِ في حده الحد بين الدلالة والحشو!

كسرتُ لأجلك صندوق صمتي
غمرتُ جراحي برائحة الليلِ
أغلقت فيها منافذ وقتي
وأعددت كوباً من الحلم / والملح يكفي لظلّ نهار طويل !

هنا يدلف بنا النص لتداعيات مبررة النبرة العالية في ما مضى من تساؤلات لطرف صامت..
كلها حوت صورا بديعية هازة للعادة جاء أبرز ما فيها قول الشاعرة:

وأعددت كوباً من الحلم / والملح يكفي لظلّ نهار طويل

ياااه..
أي زاد وهمي هذا؟!
لقد تمكنت الشاعرة هنا من قيادة نهاية مؤقتة لمشهد التحول من عالمنا إلى العالم المرسوم في ذاكرة الورق..
بحيث أغلق المشهد على فعل يمكن الاتكاء عليه للقادم من المفاجآت!

تركت الفضاءات تنقل أنباء نحر الفرات وأشياء أخرى !
تركت الأقارب في الأمسياتِ
يديرون كأساً مليئاً بلغطٍ وبعض حديثٍ يثير الشكوك !
تركت الحفاة الرعاة يعيقون أسيادهم عند سوق التداول .. حول البنوك !

هنا منعطف يمر بمشاهد من الحقيقة موازية للحلم..
مشاهد من:
الفرات _ الأقارب _ ثرثرة _ حفاة _ رعاة _ أسهم تربك المتلقي المترقب للصور التقليدية المرافقة للمشاهد الذاتية في القصيدة العربية حديثها وقديمها.. وهنا ممارسة إبداعية ذكية تنتج رسالة تعري بعض الواقع المحيط دون أن تنزلق لوعظ أو تقرير أو مباشرة..
ولا ننس التلاعب الذكي بالحروف المتكئ على الدلالة قبل الإيقاع في المفردة (الرعاة) والمنقلبة من المفردة النبوية "العراة"

وعشت لوحدي
لوحدي
هنا
تحت سقف اعتزالي !
مُقوَّسةَ الظهر مُنكَبّةً فوق "حرفي إليك"
أزيّن هندامَه للخروج .. وألبِسه زِيَّه الشاعري
أما زلت تطلب مني المزيد ؟

وهنا النتيجة المنطقية لنبذ الواقع.. إنها (العزلة).. ويبرز هنا أجمل تضاريس هذا الاعتزال:

أزيّن هندامَه للخروج

لا أبسط ولا أعمق ولا أجمل من هكذا صورة وهكذا تركيب.. تخيل معي كيف تجهد الشاعرة في تزيين الحرف وتنميقه وشعرنته كي يظهر للمقصود بأبهى حله ثم تأمل معي كيف تتكامل هذه الصورة التراكمية حين تهندس الشاعرة هذه الحروف وتزينها وتلبسها (هندامها للخروج) إلى "أفياء" قبل ضغط زر أضف موضوعاً!

ثم تعود قافلة الأسئلة للظهور من جديد على مسار النص:

أما زلت تطلب مني المزيد؟

ألا تكفي هذه التضحيات وهذه العزلة وهذا التقوقع؟!
سؤال بألف سؤال!

لا !
لا فائدة !
وإن عدتَ تقترف الود يا أيها الكاتب المستبدْ ..
لا فائدة !
ومهما امتثلت لكيمياء قلبك .. سوف تطاردك السخريهْ ،
وروح الكآبه

هنا تتكشف بعض ملامح الآخر الذي بدا مبهما في أول النص حيث لا يحتمل المنادى: (الكاتب المستبد) أكثر من تفسير!
وهنا تحضر الاستناجات بدلاً من الاستفهامات..

وحتى إذا ما اقتربت لتهمس لي قائلاً -بانتشاءٍ- :
" مساؤك بيروتْ " !
كأنك تعلن درساً جديداً وتطلب إقرارَه منهجاً في أصول الكتابه !
كما الأمنيات التي لا تموت !

تمارس الشاعرة تعرية الآخر في مقطوعة ناقصة يكملها المتلقي بحرية..

أتعرف إحساس عَذْق وحيد تعلّق في جيد نخل قديم ؟!
وقد غادرته العصافير صيفاً ؟!
فأمطره الصبية اللاعبون بأقسى الحجاره ؟
لقد كان ذاك شبيهاً بقلبي !
وكنت شبيهاً بطعم الحجاره !

فماذا تريد ؟
ماذا تريد ؟

تحضر الاستفهامات المسبقة الإجابات هنا بطريقة فرض الأمر الواقع بسطوة المنطق الشاعري..
أما التشبيه فكان ملتهباً ضارباً في الأسى.. حيث الوحدة القاتلة التي طعمت بشيء من الطعنات العابثة!
يالها من صورة!

على كل حال
سأغلق شاشة حاسوبي الآن يا أنت يا زئبقيّ الظلالْ
فما زال ينداح بين المفاتيح بعض الكلام !
ولكنني لست أتقن تقليب ذاكرة العرض قبل المنامْ !



غداً سوف أكملْ

يكتمل النص هنا ولا يكتمل!

حيث يحكم الظلام ثم المنام قبضتيهما على المشهد رغم صحوة شيطان الأسئلة!


وقفات:
- يؤخذ على الشاعرة في هذ النص عدم الانتباه للدلالة المعجمية لبعض المفردات وذلك سعياً لتكوين صورة ما في مخيلتها على حساب التوصيل الأفضل..
وهذا يدل على أن التجربة الإبداعية للشاعرة لم تنضج بعد ولكن مآلها للنضوج في ظل وجود المخزون اللغوي الجيد والملكة الشعرية الظاهرة مع أهمية تكثيف القراءة..
كما أن تعقيد بعض الصور أثر على وحدة النص حيث بالغت الشاعرة في ترميز بعض المشاهد حد الطلسمة! وأزعم أن هذا عائد في بعضه للذائقة الشخصية والتي تتفاوت من متلق لآخر ولكن السائد العام المتفق عليه يمكن التعرف عليه وسط زحمة النسبية.

- جاء تكرار (ماذا تريد) في محله في أكثر من موضع ما عدا هنا:
فماذا تريد أيا سيد الماء ماذا تريد؟!

مع غموض نوعية المنادى وصفته هنا، يأتي تكرار السؤال ليضعف الجملة الشعرية والتي لو صيغت بشكل أوضح لشكلت مدخلاً مهماً للنص خصوصاً وأنها أتت في المطلع الذي هو أهم التضاريس على خارطة النص.

- في قول الشاعرة:
ءأصرخ مثل صراخ المراهق إن رن هاتفه الخلوي ؟
تبرز ملحوظتان: أولاهما ضعف الجملة (أصرخ مثل صراخ) حيث أن الجملة الشعرية يجب أن تكتفي بالإشارة أو كما يقول النقاد: " قول نصف الحقيقة" فالدلالة الصوتية وقبلها اللغوية تجعل من المفردة (أصرخ) مع إضافة همزة الاستفهام قبلها كافية لإكمال الجملة دون تكرار المشتقات (صرخ يصرخ صراخا) وأظن كذلك أنه من الكافي معنى و وزنا لو قالت:
ءأصرخ مثل المراهق إن رن هاتفه الخلوي ؟
وثانيهما: أن المشهد كان ضارباً في التخيل والعوالم الحالمة فمن بوق المساء إلى ذراته ومن منطاد الشعر إلى رياح الخريف المنحسرة يقفز صراخ المراهق في وجوهنا معكراً جو النص مما أثر على التناغم (المعنوي لا الإيقاعي).

- وفقاً لفهمي المتواضع أرى أن المتلقي يتيه هنا:
وحتى إذا ما اقتربت لتهمس لي قائلاً -بانتشاءٍ- :
" مساؤك بيروتْ " !
كأنك تعلن درساً جديداً وتطلب إقرارَه منهجاً في أصول الكتابه !
كما الأمنيات التي لا تموت !
حيث يبرز خليط يريد أن يقول شيئاً ولكنه لا يقوله! أو يقوله بصوت متقطع!
أي نعم الشعر قول نصف الحقيقة ولكن العناية بالرمز والإشارات البلاغية ومناسبة الدلالات تخدم الفكرة ولا تؤثر على الومضة الشعرية.

- هنا خطأ لغوي في قول الشاعرة:
أتعرف إحساس عَذْق وحيد تعلّق في جيد نخل قديم ؟!
حيث أن المضاف (جيد) مفرد و المضاف إليه (نخل) جمع والجيد جزء من الجسم وليس من الفصاحة إضافة جزء مفرد من الجسم على جمع.

وبالمناسبة لا أتفق مع الشاعرة في التفاصيل الزائدة لهذه الصورة وفقاً لملاحظة أبي سفيان فالصورة جميلة لا حشو فيها ولا تفصيل زائد لولا هذا الخطأ.

- أتفق مع أبي سفيان في ملاحظته على التركيب: (حول البنوك) الزائد عن حاجة الصورة الشعرية المكتملة في قول الشاعرة:
تركت الحفاة الرعاة يعيقون أسيادهم عند سوق التداول .. حول البنوك !
حيث أجبرت القافيةُ الشاعرةَ لإضافته وأرى أن شعر التفعيلة فيه من الفسحة والبدائل ما يجعل الشاعر/الشاعرة تقود القافية لا العكس.

مع أمنياتي لصاحبة النص بالتوفيق في طريق الحرف الشاق مع التذكير بأن تقبلها للنقد بصدر رحب _ _وهو مالمسناه في نصها هذا_سيساعدها على سرعة الترقي نحو الأفضل.



وللجميع التقدير والتحية.

أبونزار
14/7/1427هـ

سلطان السبهان
12-08-2006, 12:48 AM
لو كان الأمر بيدي لألصقت هذه القراءة بمسمار صلب على الجدار في الأعلى .


سلمت يمينك أبا نزار

محمود أمين
13-08-2006, 02:04 AM
حين تمس الأنامل ياصاح

رعشة حرف بتول

سيصعد سرب يمام يحاذي السماء

وتملأ كل العناقيد

كأسا

وغيم




نوف / الخلف

تحاياي

نوف
13-08-2006, 02:46 AM
أبا نزار .. أنا محرجة جداً والله .. http://www.alsakher.com/vb2/images/icons/icon11.gif

اللون الأحمر والرمادي .. يشعرني دائماً بحدوث طارئ ما ..
وهناك مكبر صوت بجانب الإعلان الإداري .. أشبه بصفارة إنذار ..
وقبلها كانت دفقة ضوء تسبح في بحر من السواد ..
فأضطر في كل مرة أن أرمي بالقديم في غيابة النسيان من الخوف .. :(

لذا ..
ربما أكون أقل قدرة من العودة إلى هنا ..
أقول ربما :)


أشكرك كثيراً يا عبدالرحمن الخلف
وشكراً سلطان / محمود أمين

.

عبدالرحمن الخلف
08-09-2006, 05:08 PM
هذا رد للأخت نوف في النسخة البائدة من أفياء يستحق المناوشة وربما المهاوشة.. :)





ها قد عدنا ..
أولاً وقبل أولاً وأخيراً وبعد أخيراً وما بينهما
أشكرك والله يا عبدالرحمن فقد كانت القراءة ككفّ متصدّق ليلي ..
تدس في حرف فقيرة مثلي قطع فرح ورقية من فئة الـ 1000 ابتسامة ..

سأدحرج القلم يا سيدي إلى منطقة الوقفات ..
فقد كنت أمر على ما قبلها ركضاً ، أرواغ الغرور ..

(1)

- يؤخذ على الشاعرة في هذ النص عدم الانتباه للدلالة المعجمية لبعض المفردات وذلك على سعياً لتكوين صورة ما في مخيلتها على حساب التوصيل الأفضل..
وهذا يدل على أن التجربة الإبداعية للشاعرة لم تنضج بعد ولكن مآلها للنضوج في ظل وجود المخزون اللغوي الجيد والملكة الشعرية الظاهرة مع أهمية تكثيف القراءة..


اممممم .. "لم تنضج بعد" ! :o
أتدري أنها تقال لي كثيراً ، وليس في مجال الكتابة فقط ؟! الله يعين ! :(
لي وجهة نظر صغيرة بخصوص المخزون اللغوي يا أبا نزار إذا سمحت لي ..
لا أدري ، ربما سأجيبك بعبارات كتبتها أنت في مكان ما بالأعلى ..


ولكن الشاعر/الشاعرة الحق/الحقة هو/هي من يجيد/تجيد التقاط الأشياء العادية المبعثرة ليجمعها/لتجمعها ثم يشكلها/تشكلها في قالب نهائي يقف أمام عيني المتلقي كتحفة بهية تختال بين الكلمات.

بمعنى ، أنه ربما لا نحتاج لتخزين واسترجاع مفردات معينة لتشكيل صور مبتكرة ..
بل لغتنا البسيطة المتواضعة تفي بالغرض وزيادة ، كل بحسب طاقته ..
أجد أن الشاعر/الشاعرة الحق/ الحقة هو/هي من يجيد/تجيد .. الخ :p
ولكن بالتأكيد لسنا بغنى عن القراءة ..

(2)

- جاء تكرار (ماذا تريد) في محله في أكثر من موضع ما عدا هنا:
فماذا تريد أيا سيد الماء ماذا تريد؟!

امممم .. طالما أن متلقياً مثلك قد شعر بهذا ، إذن فالتكرار هنا لم يقم بدوره كما يجب ..
مع أنني أحب التكرار :(

(3)

- في قول الشاعرة:
ءأصرخ مثل صراخ المراهق إن رن هاتفه الخلوي ؟
تبرز ملحوظتان: أولاهما ضعف الجملة (أصرخ مثل صراخ) حيث أن الجملة الشعرية يجب أن تكتفي بالإشارة أو كما يقول النقاد: " قول نصف الحقيقة" فالدلالة الصوتية وقبلها اللغوية تجعل من المفردة (أصرخ) مع إضافة همزة الاستفهام قبلها كافية لإكمال الجملة دون تكرار المشتقات (صرخ يصرخ صراخا) وأظن كذلك أنه من الكافي معنى و وزنا لو قالت:
ءأصرخ مثل المراهق إن رن هاتفه الخلوي ؟
وثانيهما: أن المشهد كان ضارباً في التخيل والعوالم الحالمة فمن بوق المساء إلى ذراته ومن منطاد الشعر إلى رياح الخريف المنحسرة يقفز صراخ المراهق في وجوهنا معكراً جو النص مما أثر على التناغم (المعنوي لا الإيقاعي).


هنا وهنا تماماً ضغطت بحرفك على العصب التالف في القصيدة ..
أرى أن عبارة "ءأصرخ مثل صراخ" هبوط عنيف .. أسقط البيتَ على رأسه ..
ولا أخفيك أنني تعبت فيها قليلاً
فقد كنت محتارة بين ثلاثة أمور :
- الصورة التي في مخيلتي وهي الأهم في نظري
- الوزن
- عدد التفعيلات

الصورة التي أردتها تماماً هي ( الصرخة المصحوبة بالفرح ) ولم أجد مفردة لائقة بحيث لا تخل بالوزن (وقتها)
وأنا أرى أن الكلمات التي تخرج من فرن الروح ساخنة ، هي الأسرع وصولاً !
كما أنني لن أفرّط في الهاتف الخلوي مهما يكن لأنه " داخل مزاجي" وبقوة :mad:

المخرج الذي اقترحتَه يا أبا نزار :
( ءأصرخ مثل المراهق إن رن هاتفه الخلوي )
مخرج جيد .. وقد فكرتُ به أيضاً .. ولكنني اهتممت بعدد التفعيلات في البيت الواحد ..
أقصد أن الأسئلة التي قبلها كانت تحوي 8 تفعيلات على ما أعتقد ..
أحببت أن يكون السؤال الثالث له نفس العدد ( لشيء ما يتعلق بذائقتي الموسيقية فقط لا غير)
فخرج البيت بهذه الصورة العجولة بالفعل ..

الآن السؤال هو التالي :
ما الذي يهم القارئ أكثر ؟
الصورة أم الموسيقى ؟ على اعتبار أن الشاعر سيضطر لأن يضحي بإحداهما من أجل الأخرى ؟!
استفتيت الشيخ محمود درويش -حفظه الله- فأجاز لي ذلك بوجود ذي محرم :)

الأمر الآخر المتعلق بالملحوظة الثانية !
لا أدري يا أبا نزار ..
لا أرى أي انسجام بين الصور في الأسئلة الثلاث " جميعها " ..
الصورة الأولى " مساء وذرات ساكنة " << الأماكن المغلقة .. الهدوء
الصورة الثانية " منطاد وخريف " << الشاطئ .. الحلم .. الانطلاق
الصورة الثالثة " المراهق وهاتفه الخلوي " << هستيرية .. طيش

فلا أرى أي رابط بين الثلاث حتى نعتبر الثالثة مغايرة !
وهنا تعمدت النقل المفاجئ بين صورة وأخرى ..
ولا أدري ، قد لا أكون على حق .. ولكن هذا ما أردت إيصاله .. وتمنيت أن يصل .. ولكن .. :(

(4)

- وفقاً لفهمي المتواضع أرى أن المتلقي يتيه هنا:
وحتى إذا ما اقتربت لتهمس لي قائلاً -بانتشاءٍ- :
" مساؤك بيروتْ " !
كأنك تعلن درساً جديداً وتطلب إقرارَه منهجاً في أصول الكتابه !
كما الأمنيات التي لا تموت !
حيث يبرز خليط يريد أن يقول شيئاً ولكنه لا يقوله! أو يقوله بصوت متقطع!
أي نعم الشعر قول نصف الحقيقة ولكن العناية بالرمز والإشارات البلاغية ومناسبة الدلالات تخدم الفكرة ولا تؤثر على الومضة الشعرية.

اممممم ، أرى أن هذا هو بيت القصيد كما يقولون .. ليته وصل :(
أنا والله لا أستطيع الحكم في هذه المسألة بالذات .. لذا سأتركه للقارئ ..

- هنا خطأ لغوي في قول الشاعرة:
أتعرف إحساس عَذْق وحيد تعلّق في جيد نخل قديم ؟!
حيث أن المضاف (جيد) مفرد و المضاف إليه (نخل) جمع والجيد جزء من الجسم وليس من الفصاحة إضافة جزء مفرد من الجسم على جمع.

وبالمناسبة لا أتفق مع الشاعرة في التفاصيل الزائدة لهذه الصورة وفقاً لملاحظة أبي سفيان فالصورة جميلة لا حشو فيها ولا تفصيل زائد لولا هذا الخطأ.


وبالمناسبة أيضاً ، أنا أتفق مع أبي سفيان :)
وهنا سبب آخر غير الخطأ النحوي ، أو زيادة التفاصيل بالصورة
فقد اكتشفت بأن "عذق" بمعنى "نخلة" والعذق الذي كنت أقصده يسمى أعذقاً في اللغة وتعني العنقود ..
لذا لا مفر من اختصارها بالطريقة التي اقترحتها سابقاً ..

(5)

- أتفق مع أبي سفيان في ملاحظته على التركيب: (حول البنوك) الزائد عن حاجة الصورة الشعرية المكتملة في قول الشاعرة:
تركت الحفاة الرعاة يعيقون أسيادهم عند سوق التداول .. حول البنوك !
حيث أجبرت القافيةُ الشاعرةَ لإضافته وأرى أن شعر التفعيلة فيه من الفسحة والبدائل ما يجعل الشاعر/الشاعرة تقود القافية لا العكس.

هنا ، أخالفكما ولا ألح بالمخالفة ، فقد أكون على غير صواب ..
أرى أن سوق التداول وتعني أسواق الأوراق المالية والأسهم الخ ..
والبنوك وهي الأرصدة والحسابات ،
مختلفتان تماماً وإن كانتا متعاضدتين .. لا تقلل إحداهما من دور الأخرى !
ولا أدري ... :)

الرأي رأي الأغلبية دائماً ..


ملحوظة أخيرة ، يا أبا نزار لو سمحت يعني ..
أنا مع أن القصيدة لي وأنا من كتبتها .. ولكنني وصلت إلى هنا متهالكة الأنفاس ..
أقارع الأقدام بالطريق .. وكأنني في سباق مع العدّاء "موريس جرين" .. :i:

يعني بالله عليك يا أبا نزار ، استغفر الله ..
فأنا أجزم أنك قد دعوت عليّ في سرّك وجهرك وبعد الركوع :o

على أية حال :

أولاً وقبل أولاً وأخيراً وبعد أخيراً وما بينهما
أشكرك والله يا عبدالرحمن فقد كانت القراءة ككفّ متصدّق ليلي ..
تدس في حرف فقيرة مثلي قطع فرح ورقية من فئة الـ 1000 ابتسامة ..

^
:o


"شكراً" عبدالرحمن الخلف
"شكراً" لكم جميعاً ..


.