PDA

View Full Version : ذِكر شَنطي.



حسين التميمي
15-08-2006, 02:44 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

حين علم برحيل الناقد الكبير الدكتور (محمد بن صالح الشنطي) عن (حائل) حزن واعتصر قلبه،لكن عزاءه أن أخلاق أستاذه أثرت فيه وفي غيره، وأن كتبه على رفوفه ورفوف غيره!

***

ذات صباح تأخر عن وقت الاختبار دقائق يسيرات ،فأمّ القاعة، وقلبه يخفق، ونفسه يتردد، وأطرافه ترتجف، فلما وصل رده المراقب والمسئول، وقال: لقد مضى على بدء الامتحان خمس دقائق، ولا أستطيع قبولك ثم لا يغيب عنك أن النُظم للكبير قبل الصغير! فوقع كلامه على هذا الطالب المسكين كالموت !! ماذا يفعل !! النظام هنا كحد السيف لا يستطع أحد ملاينته، وكالآلة الصماء لا يستطيع مخلوق مراجعتها ...! هل هوت آماله وأحلامه، التي قعد يشيدها سنين ،حتى غدت ناطحة للجوزاء، لا تطاولها سماء!!

فأردف المراقب : إلا أن تلحق برئيس قسم اللغة العربية، الدكتور: محمد الشنطي.

بلا إحساس انقلب يركض كالمجنون، وأخذ يعمل فكره : الدكتور محمد..!!

لله! كيف سأقابله ! هذا أديب كبير، ومسئول مرموق!أيقبل حُجة مذنب!
ماذا أقول له؟! أ أكذب؟!
هل ألحق به أم أنكفىء على البيت وأدرس المادة القادمة!
وإن رفضك ولم يقبلك!
لا ..لا... لا... ارجع إلى البيت ،فالمادة القادمة كثيرة قضاياها، دقيقة مسائلها ... !!
فأخذت البلابل تلعب بعقله وقلبه، فأخذ يقلب وجوه الرأي !
ثم عزم أخيرا على اللحاق به!

ـ يا دكتور ..يا دكتور !

لم يلتفت !! ياويلي !! ربما صوتي لم يصله!

فأعلّها... يا دكتور يا دكتور...!

فالتفت الدكتور!

ـ فقال وقد نضب ريقه السّــ...السلام عليكم!

ـ فرد بأحسن منها ،وشفعها بابتسامة حَديبة، فكانت على هذا الطالب المرتجف بردا وسلاما!

ـ المراقب رفض دخولي لعلة تأخري وقال الحق بالدكتور محمد وأخبره أنـ ـ .....!!

ـ لا حول ولا قوة إلا بالله لمَ لمْ يقبلك يا بني !!
هيا معي فشخص بصر الطالب وقال في هول: لله ما أحسن خلقه وألين طبعه!

فصعدا الدرج قاصدين الطبقة الثانية، فقال الدكتور مداعبا: ليته أدخلك ولم يجشمنا هذا المرقى الوعر، من سيصعد هذه الدرجات، لقد شِبنا ورقت عظامنا!! أيظننا مازلنا أشداء أقوياء!!

فانشرح صدره لهذا الخفض والتواضع فانطلق لسانه :
أنتم تبالغون يا دكتور فمازلتم في شرخ العمر، وميعة الشباب، والشيبُ ليس آية على الخمول والضعف، بل هو الفره والقوة،وكم تغنى العرب بالشيب، وفضلوه على الشباب، فهو يبقى مع الإنسان حتى يوارى،فهو ذو وفاء.

وبعد هذه الرحلة التربوية اليسيرة،التي جلت معدنه، وأظهرت خلقه، وبينت فضله، وعلقت قلب الطالب به،وصلا إلى القاعة، فأومأ إلى المراقب أن أدخله، فدخل! ولما يذهب في ذهنه هذا المشهد الأبوي العظيم !وُضعت بين يديه الورقة ! فطفق يحل مشكلها ويملأ فراغها ! وكلما أراد أن يستخرج الكلمة أو المصطلح من رأسه، عرض له هذا الموقف الذي أشعره وكأنه كان على أرض أحلام، لا على أرض وقائع!!

كان صاحب شفاعات حسنة، ذات مرة أفضى إليه أحد الطلاب بشكاته، فسعى فيها الدكتور ما شاء الله له أن يسعى، ولم ينتظر مكالمة الشاكي، بل بادر هو واتصل وأخبره بكل شيء!

***

مرت أيام ببياضها، وليال بسوادها، فكتب هذا الشاب بحثا قاصرا ،عن كتب وشخصيات وأحاديث وأخبار، أُحسن فيها الظن ،ونُصبت للناشئة منارات هداية ورشد، ثم عرضه على بعض أساتذته، لكن لم يجد رجعا !لأن بعضهم شكك فيه واتهمه بالسرقة الأدبية، وبعضهم لم يقرأه معتلا بشواغله التي لن تنصرف، وبعضهم سكت خضوعا لـ (قل خيرا أو اصمت)!

فعزم بعد استشارة على عرضه على الدكتور محمد الشنطي، فجامله وأخذه وسرح النظر فيه على ركاكة البحث وهناته، وضحى بثمين وقته ونفيس زمنه، ثم كتب له ورقة ملأها مدحا وثناء، في فرش يدل على تواضعه وفضله، وتقديم لم يكن إلا طيف حلم لمثل هذا الشاب! وكم عملت هذه الكلمات في قلبه، وكم كانت له وقودا ودافعا، وكم جددت الدماء في عروقه !
فأحس بأنه أتى بما لم يأته به الرافعي ولا الطنطاوي وأن أبا الحسن الندوي وحلمي القاعود لم يأتوا بشيء!

***

وذات مساء طرق (الشاب) باب الدكتور (محمد) فلما أُذن له عرض قصيدة اختلطت بحورها (الخليلة) بالرمال (الحائلية)!
فلم يرد الدكتور جرح مشاعره فأثنى عليها ثناء عظيما وقال : لغتها قوية ولولا هنات يسيرات، فعظمت نفس الشاب، وشعر أنها أتت بما لم تأت به (قفا نبكِ) و (عدمنا خيلنا) وأنها فاقت (لولا الحياء) و ( على قدر أهل العزم ) وأنها ستهز النفوس أكثر من(لكل شيء إذا ما تم نقصان) و (أضحى التنائي) وأنها لا تقارن بـ(قم ناج جلق) و (أنا البحر في أحشائه الدر كامن) فينقص قدرها !وليست صنوا لـ(هيهات ما كل البكا خور) و(ما تلكم الأهوال يا قدس)فتحتقر!
وكاد أن ينشرها لكن الله سلم وحمى الأمة من شرها!

***

محاضراته في الأدب واللغة، نعيم النفس ولذتها، وكان جزء منها يعقد في وقت يكون الناس فيها قُيّلا ومرتاحين ، ومع ذاك كانت تمر مر السحاب ،من جمال عرضه وفصاحته، وسعة علمه وخلقه،وكم ألقى من القصائد العذاب، التي تقشعر منها جلود البلغاء، وكان (الشاب) يتلذذ ويتمنى أن له آذانا كثيرة،حتى تتضاعف لذته وتعظم !

كان من أمانته ـ متعه الله بالصحة والمسرة ـ أنه يأخذ الوقت كله، و لا يجلس على الكرسي على أنه شيخ كبير، حتى إذا أنهكه التعب، استأذن الطلاب لجلوس دقيقة أو دقيقتين!!وهناك من هم أصغر منه سنا وعلما، يتسمرون في كراسيهم، وهم لا يؤدون من الوقت إلا أقله!

كان الدكتور (محمد) دليلا لطلابه في الأدب والتاريخ فـ(الشابُ) لم يعرف الأديب الإسلامي الكبير عبد الباسط بدر، إلا من خلاله حين دلهم على كتابه الماتع (مذاهب الأدب الغربي)! وكان يحمسهم بقوله : اقرؤوا هذه الكتب !فأنا أرى طلابا حريصين على القراءة والاطلاع!

كان إذا رأى الملل قد انتشر في نفوس طلابه، مال قليلا عن الدرس، وأخذ يسرد عليهم طرائف وملحا أدبية فينتعشون وتتجدد دماؤهم ثم يعود إلى درسه.

***

ضاعت ورقة حضور دورة، كان (الشاب) قد حضرها، فأُسقط في يده واحتار وقلق، لأن ضياع هذه الورقة ضياع كمية كبيرة من الدرجات، ربما تؤثر على مستقبله التعليمي، وكان المسؤول عن هذه الدورة الدكتور (محمد) فأتاه وأخذ يشكو إليه:

ـ ضاعت الورقة يا دكتور ووالله إني كنت من المواظبين الحريصين، فما أتم كلامه حتى قال له: لا تخف (أنت عندي من المصدقين).
فانشرح صدر (الشاب) وهدأ روعه!

***

لم يكن (الشاب) متعصبا لأستاذه (محمد الشنطي)، لأنه تعلم منه الحيدة العلمية والتجرد النقدي، من أجل ذلك كان يخالفه في بعض آرائه النقدية، ولايروق له حكمه على بعض النصوص والشخصيات!


حفظك الله يا دكتور!

ورفع الله بك الدين والملة!وتابع عليك الفضل والنعمة!


بقلم: حسين بن رشود العفنان
عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية
حائل