PDA

View Full Version : ونَفْسٌ بيننا ..!



المتئد
17-08-2006, 06:20 PM
لا تتحدث . تبدو مبطَّنةً كلَّ ما يحلو لي سماعه . تتلحفُّ بالصمتِ كثيراً ، أو تهربُ منه إلى جبلٍ من المجاملات لا يخلو من موطئ قدم ، ولا تملُّ ارتقاءه .
لا .. لا أقنعُ بأنّها عامدةٌ إلى هذا تتسنَّدُ عليه ، بل يبدو أنَّ قلبَها ما زال غضَّاً طريَّاً ، لم يجرّب الحبَّ من قبل !
نعم .. من الممكن أن تكون مائلةً إلى هذا دون قصدٍ أو إرادة ، أو أنّها ربما لا تجد تربةً لقدمها في البداية إلا هذا ، وهي في طريقها للاكتفاء والتغيير ، وعلى كلٍّ ما زال في الوقتِ متّسعاً يبين لي ما إذا كانت من ذوات النبض الهادئ أم الصاخب !
لم أقصد أو أتطرق إلى النبض كونه يعمل أم لا ، فمسألة عمله أمرٌ مفروغٌ منه ، بيد أنّه الحب البارد .. ربما !
لا أبرئُ نفسي ـ أنا كذلك ـ من هذه التهمة ؛ هناك من قال لي ذلك ، ولو اطّلع على داخلي ، لعلم كيف أنّ الأجيج المقترن بشوقي لا تهدأ ناره ولا تخمد !
ربما أكون كذلك أمام كلّ عين لا أود أن ترى ما يتسرب من الإنسان حال ضعفه ، أو ربما أكون كذلك إذا اقتربتُ منها ، فما بين القربِ والأنفة في نفسي ثأرٌ قديم ، لا يحكم بينهم إلا المكابرة ، عدى أنّي عندما استمع إلى صوتها عبر أسلاكٍ تقرب ما بيننا من آلاف الأميال ، أكاد أذوب شوقاً إلى اللقاء ، فأنثر لها ما بخلتُ به على من هو أقربُ وأفضلُ وأكرمُ منها ، نعم لستُ في ذلك الحبيب الأعمى ، ولا أظنُّ بأني أقل ممن بلغ حبه شغاف قلبه !
واسأل نفسي ما بين لحظةٍ وأخرى ، ماذا تريدُ من ذلك ؟!
أما وجدتَ لسفينتك مرسى لطالما بحثت عنه ، حتى أنّك شككت في أن تجد هذا الشيء ، واكتفيت بالفرجة على أقرانك من القراصنة وهم ينعمون بما لا تنعم به !
أما كنت في أمس الحاجة لأن تجد ما يحوي حزن عينيك المنبثق عن نفسٍ تئن من الفقد وتعد بالمنح ، فقط كنت تتمنى أن لو حصلت على هذا الشيء ولم تزد !
أما كنت تحلم بذاك الحضنِ الذي إن ضممته تسرّب منك ما تجرعته من حزنٍ وشجنٍ وولهٍ منذ أن عرفت أن تحيا في الحياة كما هي لا كما تريد أنت ، فما بالك تطمع بالقصور ، وأنت لا تجد لك خيمة تبات فيها !

نعم، هذا ما تبثه إليَّ نفسي فلم أزل مطأطئ الرأس حالما تردّني إلى أساس ما كنت عليه بتثبيط لا يفعله عدوٌ لي فكيف بنفسي !
نعم .. أيتها النفس القانعة ، أنا أطمعُ فيما لا قناعة به أصلاً ، أمّا وقد ولجت عالماً كلّ ما توغلت فيه ازداد حسناً وجمالا ، فما كنت بمجنونٍ ولا ممرور حتى أسمح للواحظي أن تلتفت إلى الخلف ، فكيف بالعودة من حيث الإتيان !
أتضنين عليّ بقليلٍ من حديثٍ يصنع بنفسي ما لا تبلغه خطبٌ مطولة، وجلسات منوعة في هذا الشأن، وتحيليني صاغراً إلى المركب الذي لولاه لما صنعتْ مرسًى لها !
نعم أيتها النفس ، أنا محتاج ، وهل كان للحاجة من قرار وقعر ، أجيبيني بالله وأنتِ ما زلتِ تستحثين بي ما تريدين إكماله ، غير متوقِّفة عند حدٍّ متبلِّغة به ، بل لم تكتفِ وما زال لسانكِ يلهج بالنواقص !
نعم .. كنتُ أحلم بذات الحضن ، لكني لا أعلم لماذا تواربي في هذه المسألة ، أو أنَّكِ مما لا يعلم كيف أنّ لهذه الحالات إدماناً يوازي إدمان الرضيع حليب أمه إن لم يكن أشد ، فكيف هو حاله إذ فُطِم !.
أوَ تمهّدين لي ذلك أم تأمريني به ، أم هو الإفساد في عمق المتعة !
إيهِ يا نفس، لا أظنُّ أن قد بقى لديكِ ما تنفثين به طمعي، فكلانا ذلك الرجل، وإنّي لأخشى أن يكون للغيرة دورٌ في ذلك، فما لكِ ولي إذ تحدثّتُ عمّن أحب، لِمَ هذا التوغل والفضول؟.
أما عهدتُ إليكِ قلباً حنوناً رحيماً أبيض لم تلوّثه حوادث الأيام ، ولم يلُكْه قلبٌ امرأةٍ غيرك ، فماذا صنعتِ به ، لا شيء ، فقط احتجنتِه لنفسك ، وأغلقتِ عليّ معه في قوقعةِ حزنك وهمّك وما دٌفنَ في أعماق أعماقك ، حتى عدنا لا ننظر إلا إلى الجانب المظلم ، خشينا النور ، أقلقتنا الشموع ، فابتدأنا من حيث ينتهي الناس !
أنا لا أنكر ألبتة أنّكِ حاولتِ قدر جهدك بأن تجنبيني ما غاصت به قدماكِ إلا أنّكِ لم تحسني الجذب !
بيد أنّ ما أحفظه لكِ من جميل، هو ذلك البياض الذي عهدته مجلِّداً قلبي، إذ لم أجد به أي خدشٍ أو غِيَر !
لا تخشِ أيتها الفاتنة من خزينةِ غيرك ، فهذا حكمٌ سار عليه الكثير سواكِ ، فما أنتٍ بزائدةٍ عنهم ولا ناقصة ، ولا أنتِ بمُسَوَّدَةٍ عليهم ولا مستعبدة، ثمّ إنكِ مهما بلغ من تعاقب الأيام ، وترادف السنين ، تضيقين عن حمل هذا الصغير الكبير دون غيرك ، وإن كان له النصيب الأوفى ، بيد أن هذا إقرارٌ فأعلميه .
لستُ معها ضدكِ ، ولا معكِ ضدّها ، بل معي ضدكما ، وسأعود أطلب منها أن تتحدث ، لا بد أن تحرك لسانها الراكد بما يجعلني كالطوفان، ولا بد أن تصعد جبلاً آخر غير الذي عرفته بها وبغيرها ، على أن يكون أكثر ارتفاعاً من سابقه ، لابد أن تشكِ لي ما يمور في صدرها بدلاً من أن تشتكيني له . لا بد أن تسعى إلى ما يبقي هذا الحب طافياً متأججاً ، لا يتقادم عهده ، ولا يتجدد بعده بباعثٍ من الأثر الذي إن هي جفّت منابعنا ، عدنا ننهل لما بقي منه من ذكرى نروي بها ذلك العطش الذي خلّفه فينا النسيان ونوائب الأيام وشوائبها !
ما أردتُ إلا أكثرَ القليل لا أقلَّ الكثير، فهل هي فاعلة ؟!.<!-- / message -->