PDA

View Full Version : الألم هو المكان الأمثل للقلب



منال العبدالرحمن
22-08-2006, 05:34 AM
ودعتكِ وداع مفارقٍ حينَ نظرتُ إليكِ آخر نظرة !
لم تكن كغيرها ..
و لم أشعر بالحزنِ و أنا أنظرُ إليكِ أبدًا مثل ذلك اليوم ، أجزم أنّه شعور المحبّ حين يفارق حبيبه ، كنتُ أريدُ لعيني أن ترسمكِ ثم أُغمضها فلا ترى سواكِ إلا أنتِ .. و لا يعانقُ ضياءها غيرَ نوركِ الذي أعرفه تمامًا ، فقد كنتِ في ظلمةِ اليأسِ و اشتدادِ حلكتِهِ ذات أملٍ و توكّلٍ أحسبُ أنّهما عِبَر تجارب الحياة التي اشتدت بكِ في زمانٍ ما ، و لكنّكِ بدوتِ آخر يومكِ تُقطّعين وصال التوكّلِ و تطفئين شمعة الأملِ ، فكنتُ كلّما شددتُ على يديكِ أرخيتِ ، و كلّما ذكرتكِ باليسر بعد العسرِ ازددتِ وهنًا ، و كلّما ابتسمتُ و وعدتكِ أن أكون غدًا بين يديكِ كما تمنيتِ زمانًا ما أجدُ منكِ إلا عينًا ترمقُ الوعدَ بوعدٍ أقوى و أشد بأسًا .. عينيكِ لم تعدني سوى بموعدِ الأجلِ !
لا أدري أيّ إحساسٍ ذلك الذي زارني في مرقدكِ ، هل كنتُ أشعر بما تشعرين ؟!
لم يخالفني إحساسي قطّ معكِ ، لكنّه كانَ حذرًا من توجّسِ ما تكرهين و أكره .. و إن كنتُ لا أدري هل ذهبتِ لما أردتِ ، أم صادفكِ ما كنتِ تخشين ؟!
ما أشبه اليوم بالبارحة .. فالألم الذي يشل فكري و يخنق عبرتي و يلجم مشاعري هو ذاته الذي شعرتُ بهِ يوم بلغني خبرُ موتكِ !
ياااه ما أقسى هذه الكلمة ..
يرددها الكثيرون و يطربون بها بل و ينتشون عندما يموتون - و حروفُ الجرِّ – الحبّ .. الغرام .. الحبيب .. و الشوق ، و ليتهم يدركون أنّه إذا وقعَ ذهبَ كلّ ما رموا به الموت و قذفوا عليه من طربهم .. زلزالٌ لا يعني إلا فراقاً بلا لقاءٍ .. و انقطاعاً بلا وصالٍ .. و انتهاءً بلا بدايةٍ و لا انتصاف ..
قادرٌ على خلقِ أي شئ .. إلا الأمل

أعودُ إليكِِ و أنّى لي ذهابٌ عنكِ .. ألا يكفي أنّ الأرض تكسّرُ القلم و الأحلام حينما ترتطم بالواقع تصبح كابوسًا !
كررتِها بصوتٍ لا يكاد يُسمع إلا أن يُفهم بتمتمةِ الشفاهِ ..
رفضتِ العلاجَ و رفضتِ مغادرةَ المكانِ الذي ساقكِ إليهِ انهياركِ .. تحطّمكِ .. أو ربّما شئ لا نعرفه
و لكنّ الأمل الذي كانَ يترنحُ بيننا لم يترك لرفضكِ موقعًا ، و قد كنتِ إذا رفضتِ الواقعَ المحتوم جعلتِ منه عابرًا لا يستقر ، و لكنّها الأيامُ ترفعُ و تخفضُ و ما رفعت حتى خفضت و ما خفضت حتى ألهمتِ الصبر أو رفعت ، و ما كنتُ أراكِ ذلك اليوم إلا مسيّرة في أمرِ حياتكِ ، دموعكِ ...
أكانت دموع يأسٍ ، أم دموع رفضٍ ، أم ضعفٍ ، أم ماذا ؟!
قليلة هي المرات التي رأيتُ فيها دموعكِ برغمِ قلّة السعادةِ و ازديادِ العناءِ ..
كنتُ أقول لمن يقفُ حولكِ بصوتٍ منخفضٍ .. " لا تريدُ أن تغادر ! "
وددتُ لو أنّهم أخذوا بقولي لتبقي أمام عينينِ حلمت بكِ طويلاً ، و بكت عليكِ كثيرًا ، و تألمت فراقكِ و ستبقى
وددتُ لو أنّي أملكُ شيئًا من الأمرِ و لكنّي كنتُ الأضعفَ بينهم
قبّلتكِ و يديّ متشبثةٌ بكِ
أي سفرٍ هذا .. بل أي قدرٍ !
اللّهم لا اعتراض و لا سخط و لا شئ إلا الرضا
و لكنّي حُمّلتُ ما لا أستطيع ..
فارحم يا ربّ و اصفح
لستُ متألمة لأمرٍ قد كتبتَه على سائرِ الخلقِ و لكنّ الألم حممٌ متفرّقة جُمعت في صدرٍ لم يحسب العمر قصيراً!
أعلمُ أنّ الحياة لن تفنى بفراقِ من نحبّ
و لكنّ الأرواح أُفنيت عليهم ..
بحثتُ كثيرًا .. و كانَ الصمتُ حليف كلّ سؤال و التجاهل منطقُ الحكماءِ و عدو الضعفاءِ ، و كنتُ بين يوم و آخر أناجيكِ و أسمعكِ تارةً ثمّ تغيبين أخرى و ثالثة و رابعة ثم ترمقين خطوي خامسة ...
و معكِ ..
بكيتُ .. ضحكتُ .. سهرتُ .. لعبتُ .. حلمتُ .. سألتُ .. نسيتُ .. بُليتُ .. ضجرتُ .. اشتقتُ .. معكِ أنا كنتُ
كان للألمِ حسرة و لكنّها تختلفُ
و للبكاءِ حرقة و لكنّها أخرى
حتى صدودكِ عنّي لم يكن قادرًا على زعزعةِ مشاعرِ الحبّ و الشوقِ ، و لم يقف حاجزًا بيني و بينكِ بل على العكسِ تمامًا ، فما يعني الصدّ إلا ضدّه و ما يعني الجفاءُ إلا البقاء ..
هكذا كانَ و هكذا أنتِ أردتِ .. أردتِ عندما كنتِ تملكينَ حقّ الإرادة في الأقل من الحياة !
ذهبتِ محمولةً باكيةً رافضةً
أيّ إحساسٍ كنتِ تشعرين به !!
كلّ شئ كانَ مجهّزاً.. لموتكِ
الأهل .. و من تحبين .. الطائرة .. الطاقم الطبي العالمي المتكامل .. الصباح .. السرير .. الحارس .. و أنا
تمامًا كأنّه القبر
غادرتِ و معكِ غادر كلّ شئ ، و الله الذي لا يحقّ القسم إلا به أنّه غادر كلّ شئ
ذهبوا إلى موتكِ و بقيتُ أضربُ رأسي في جامدٍ كانَ مثلي ينازع ..
حُرمتُ حياتَكِ أأحرم موتكِ ؟؟؟
احتضرَ بي هذا السؤال و احتضرتُ به ..
جلستُ حتى غادرت الطائرة سماء المدينة و أصبحتِ و إيّاها .. هناااك ...
ثم الساعات طويلة و الحياة قصيرة
و لا شئ إلا أنتِ حتى كانَ كلّ شئ إلا أنتِ !
أفارقتِ الحياة في سماءٍ ما جعل ربي لها من موطنٍ و لا مستوطنٍ و لا انتماء ؟!
هل كانت حياتكِ هكذا فراغاً .. لا وطن .. لا سكن .. و لا غربة ، حتى تكون المنيّة في سماء !
نعم قلتِها لي في واحدةٍ ضمّت منكِ و منّي ، قلتِ لي أنّكِ فارغة مما حولكِ و إن كثُر النعيمُ و الزخرفُ و البهجةُ و السرورُ لكنّ الفراغَ أكثر و أكبر ، قلتِ بأنّ الفراغ يعميكِ عمن تعرفين فكأنكِ تجهلين أقرب الناس .. و ها أنتِ رحلتِ في فراغٍ
بعدكِ ..
ربّما تسلل إليّ هذا الفراغ و سكنَ منّي لأجلكِ ما سكنَ منكِ لأجلي ، و ربّما ستكونُ منيّتي في سماءٍ أساقُ إليها كارهةً مكرهةً ، و أنا التي أحزمُ و أحلُّ و أعقدُ أمري و شأنَ غيري ، فهل سأكونُ كـ أنتِ ؟!
و إنّي لأشعر و الله بما وصفتِ ، و كأنّكِ اطّلعتِ على غيبِ روحي و فؤادي لتري من حالهِ و تحكي لي في ليلةٍ ضمّت منكِ و منّي

بحثتُ أعوامًا و التقيتكِ عامًا و بعض عام ، و ربّ ما رأيتُه منكِ كانَ مبهرًا عظيمًا ليسَ لأفخر بكِ أو أتغنى بذكركِ - فلا يعني من يسمع - بل لأقتات منه زادَ طريقٍ أقسم بربّي أنّي أسيرُ عليه مرغمة ، و لو كانَ الأمر بيدي لقلتُ للعمرِ كفى !
لن يبقى للوجودُ طعمٌ إلا من ذاكَ الذي نثرتِ به شيئًا منكِ ، و جعلتِ من بعضِهِ حكايةً تأخذني إلى حيثُ كنّا يوم التقينا و التقينا
أسردُ الحزن سردًا .. و أهذّ الألم هذًّا ، و أنتِ بكلّ ما نقصتِ النساءُ و زيدَ بكِ تبتسمين لابنةٍ ـكِ
أو ربّما تقولين شيئًا آخر .. أعذب



م. ن.
شـذا

غدي !
22-08-2006, 09:37 AM
لن يبقى للوجودُ طعمٌ إلا من ذاكَ الذي نثرتِ به شيئًا منكِ ، و جعلتِ من بعضِهِ حكايةً تأخذني إلى حيثُ كنّا يوم التقينا و التقينا
أسردُ الحزن سردًا .. و أهذّ الألم هذًّا ، و أنتِ بكلّ ما نقصتِ النساءُ و زيدَ بكِ تبتسمين لابنةٍ ـكِ
أو ربّما تقولين شيئًا آخر .. أعذب
:)
رائع و عذبٌ هذا القلم ..
و ما كل قلم يعزفُ الحزنَ رائع
خالص التقدير
غدي

الغيم الأحمر
22-08-2006, 10:58 AM
جبر الله كسرك و حزنك ، و الله المستعان .

رفقة
22-08-2006, 02:02 PM
الغالية شذى:
نعم لا مكان للألم إلا القلب حيث اللوعة الدائمة والحرقة التي لا تكاد تنتهي إلا لتبدأ من جديد
لوعة وحرقة تٌنقص كل مسرّة ولا يكتمل معها وهج الفرح
نحاول التناسي ولكن هيهات تبقى ولا أدري ما الحكمة من بقاء لوعة وحرقة فراق الأحباب ترى هل لنزداد أجرا مع الصبر ولربما لنبقى نحملهم في قلوبنا فلا ننساهم من الدعاء ما بقينا
ولا يبقى الا الأمل في رحمة الله وفضله أن يجمعنا بأمواتنا في جنة المأوى إنه على ذلك قدير
ولقلبك مني خالص المودة

أحمد المنعي
22-08-2006, 02:31 PM
<center>


أي عبثٍ قد أكتبه عند هذه الهالة من الأحزان والنجوى المبكية ..

وما أبلغ حزنك يا شذا أنْ رأيتِ في صعودها من السماء إلى السماء ما يبعث الأسى ، وما رأيتِه علواً في الحياة وفي الممات .

كل ما فاضت به هذه الكلمات موجع موجع .

موسى الأمير
22-08-2006, 02:45 PM
شذا ..

كان الله في عونك وألهمك صبراً ..

منال العبدالرحمن
26-08-2006, 06:29 AM
أشكركِ غدي على مروركِ و تعقيبكِ
و صدقيني الحزن لا يحتاج إلا كاتبٍ أو أديبٍ
كل ما في الأمر أنه يكتبك دونما تدري

مرة أخرى لكِ الشكر

منال العبدالرحمن
26-08-2006, 06:39 AM
جزاك الله خيرًا

الغيم الأحمر

و إن كان العزاء قد انقضى دونما نقضي فيه شيئا

لكن شكرا على كل حال

منال العبدالرحمن
29-08-2006, 04:05 PM
أهلاً بكِ عزيزتي رفقة ..
القضية بالنسبة لي كانت أكبر من ألم !
و ليتها وقفت على عتباتِ الألم و الحزن و الدموع و لكني أظنّ بل متيقنة أن الأمر أكبر و ما تركه هذا الغياب في نفسي أكبر بكثير مما كتبتُ هنا ..

شكرًا لأنّكِ الأقرب
دمتِ

منال العبدالرحمن
29-08-2006, 04:09 PM
أخي الكريم جدًا أحمد المنعي

شكرًا لحضورك و تعديلك ما يلزم .. ممتنة لذلك
و صدقني يا أحمد بعضُ الوجعِ يهون عند آخر و لكن النفس دائما تتلمسُ ما ابتليت به و تتجاهل ما تنعم فيه





دام حضورك

منال العبدالرحمن
29-08-2006, 04:13 PM
أشكركَ روحان ..
و لك بالمثل !

أفياء
30-08-2006, 06:33 AM
ثمة إنسانة عاجزة عن الكلام هنا ..!

.

.

كلماتكِ بالصميم يا شذا .. حركتِ شيئاً ما قد سكن بداخلي زمناً ..
رحمها الله وموتى المسلمين وجمعكِ بها في عليين ..
وأسبغ على قلبكِ الرضا والطمأنينه ..


محبتي ..

الضياء البراق
30-08-2006, 12:42 PM
موجعة ومبكية ... اعادت ذاكرتي التي ما نسيت قط شهرين إلى الوراء ... حيث كان يوم الفراق المماثل ... فراقٌ سبقه المرض والفراش

أخيتي وصفتي فأحسنتي الوصف وجبر الله كسر كل مصاب بما فقد

وسلمت يمناك

منال العبدالرحمن
01-09-2006, 04:56 PM
حيّاكِ الله عزيزتي أفياء ..

بعضُ الجراحِ لا تلتئم و لو بعدَ حينٍ من الحزنِ و الحزن ..
و لا أدري لماذا أصبحتُ أعيشُ الموتَ أكثر ..
عمومًا شكرًا لوجودكِ هنا

كوني بخير

منال العبدالرحمن
01-09-2006, 05:02 PM
الضياء البراق

مرحبًا بكَ أخي الكريم ..

المشاهدُ تتشابه حتى أجزم أنّ بعضها من بعض ..

دامَ حضورك

علي أسعد أسعد
01-09-2006, 05:17 PM
أي بركان هذا ..
وأي ألم ..
لله ما اجمل هذا اليراع

منال العبدالرحمن
02-09-2006, 04:26 PM
و ما زال في النفسِ متسعٌ لأكثر من هذا !
حيّاك الله أخي الفاضل علي أسعد
ممتنة لمرورك من هنا


كل التقدير