PDA

View Full Version : الــكوب الخــزفيّ



حنان الاغا
23-08-2006, 01:01 PM
الكوب الخزفي


غمست فرشاة ألوانها للمرة الثالثة في كوب القهوة الخزفيّ ، وصاحت بنزق وبصوت متباك كأنها طفلة تحس بالذنب . ماذا أفعل الآن؟ هل أعد القهوة للمرة الرابعة؟؟ خلال أقل من ساعة؟؟ وفكرت.. لم لا تخطىء بالاتجاه الآخر؟ إن كانت تخطىء بوضع الفرشاة في القهوة بدلا من النفط فلماذا لا ( تخطىء ) وتضعها في الكوب الصحيح؟!!
حملت كوبها بيدها اليمنى وسارت باتجاه المطبخ الصغير الذي يفصله عن صومعتها ، عفوا ، مرسمها قاطع بخزائن خشبية صغيرة تستخدم سطحها لوضع الأطباق والفناجين والفاكهة ، وأحيانا ( لفرْش ) أدواتها وخاماتها اللونية ،وفي حالات خاصة تتربع فوقه وهي ترسم عندما تتعب من طول الوقوف.
ولكي تنفي عن الخزائن صفة المطبخ ها هي قد ثبتت عليها من جهة الصومعة لوحات قديمة من بقايا أيام الدراسة فأضافت بذلك لمسة عفوية جميلة للمكان .
تناولت علبة البن ، وأغمضت عينيها تشتمّ عبير البن الطازج الذي تقيم له طقسا يوميا قصيرا بشغف يضاهي رسم لوحة .. تحمص بنفسها حبات البن الخضراء بعناية وتحرقها قليلا ، ثم تنتقي مطحنة بن من العديد من المطاحن التي تحب اقتناءها ،
بعضها خشبي والآخر نحاسي... بمتعة شديدة تفرغ البن في علبته وتعد قهوتها من بن وماء فقط. لا إضافات .
ها هي الآن تهز العلبة بيدها اليسرى ولا بن ! لا بن تعني لا قهوة لما تبقّى من ليل !!
اقتربت من النافذة التي تطل علىالحديقة وكادت أغصان من شجرة الصنوبر السامقة
تلامس وجهها ، ورائحتها المنعشة تتخلل رئتيها ولكنها لم تبتسم كعادتها.نظرت أمامها وألقت علبة البن إلى الحديقة ، ونظرت إلى الكوب الخزفي الذي تراقصت فوق سطح القهوة فيه دوائر طافية شكلها النفط الآتي من الفرشاة ، وهمت بإلقائه من النافذة إلا أن يدها الأخرى استطاعت أن تتلقفه قبل أن يهبط على بلاط الأرضية ويتكسر ، فتناثرت قطرات القهوة الملوثة بالنفط على شعرها ووجهها وثوبها ويديها وكل شيء .تنفست بعمق . الحمد لله اني لم أفعلها .. قالتها وهي تمسح عينيها بظاهر يدها .. لا بأس ، علبة البن معدنية وأحضرها في الصباح .أما أنت؟؟ لالا وضمته كطفل إلى صدرها .. لقد صنعته بيدها منذ كان تربة جافة وحولته إلى طين شكلته وزخرفته و (خبزته) .زاغت عيناها عن المشهد كله وشردت بعيدا عن الزمان والمكان ، لقد انسحبت إلى لا زمان ولا مكان.. هي الآن غير موجودة .. ربما هي كينونة أثيرية لا ملمس لها .. هي هناك فقط . لم يستطع جفناها حبس دفقة من الدمع انهمرت وامتزجت ببقايا القهوة ورائحة النفط على خديها ، وشرقت بضحكة لا تفسير لها . قلبت الكوب الخزفي بيد وتحسست قاعدته الخارجية بإصبعي يدها الأخرى السبابة والوسطى وتلمست الحرفين المحفورين عميقا هناك. وما زالت نظراتها خارج النافذة بعيدا في منطقة غير موجودة .هناك . هذه ال(هناك)تخلط كل الأمور ، ولكنها قبضت على الكوب بيديها وسارت به إلى حوض الأطباق فغسلته وجففته بعناية وهي تتحسس ملمسه الحي .. إنه طين ، والطين تراب ، وأنا
من تراب .. وكلنا إليه..هناك رابط في التكوين الأولي وهذا يكفي.
هو عمر انفلت من عمرها !
هو عنصر مفقود في عناصر تكوينها !
هي أشبه ما تكون بحبة دواء تشفي ، ومصنوعة حسب الوصفة الأصلية ولكن ينقصها مادة ما غير متوفرة محليا ، هي ليست إذن مسألة حياة أو موت .. ذات الشكل وذات الفائدة ولكن التركيب مختلف بما هو غير ملحوظ.
هي كذلك الآن . ترسم ما زالت، تلون الأرض والسماء ولكن ألوانها ليست بدرجة التشبع ذاتها ، ولن يميز أحد هذا سواها .. الحمد لله .
مزيد من دموع غسلت ما تبقى من بقع القهوة إلا أنها تحس بلسع في وجهها من أثر النفط . حملت الكوب وصعدت فوق كرسي قريب ووسدته خزانة معلقة في أعلى مكان في صومعتها .. ثم نزلت وسارت باتجاه الماء ، غسلت وجهها واستدارت إلى النافذة
وأغمضت عينيها وهي تستنشق عبير الأغصان الحرجية وتخرج زفيرا متقطعا بحركة كأنها الصفير لتخرج ما تبقى مختزنا منذ دهور .. بينما قطرات الماء تقطر من وجهها ، ثم فتحت عينيها تستقطب ما قبل بزوغ الفجر من مسحات ضوء لا يبين ، وقالت للشجرة.. سأرسمك الان.
<!-- / message --><!-- sig -->
__________________


حنـــان

حنان الاغا
23-08-2006, 01:02 PM
اقتباس :
كتبت بواسطة الشاعرة
حنان أيتها العزيزة ....
أمر من هنا تاركة محبة وتحية تليق بحجم قلمك الرائع وفكرك المتميز....

توقفت كثيرا يا جميلة أمام الفكرة وأمام الطرح الرائع ورأيت بعيني الصور التي حاولتي تصويريها لنا فجاءت كما أردت واستمتعنا كثيرا بالمشاهدة والرؤية ....

حنان هنا توقفت لبرهة وتأوهت ..
كيف يا ساحرة توصلت إلى الرابط بينها هي من طين وهو من طين وهو يمثل عمرا انفلت منها ولكنه بقى في تكوينها...


حنـــــــــان لكِ تحية تليق بحجم إبداعك..
كوني هكذا دوما يا ساحرة.

___________________________________

أهلا بك أيتها الشاعرة . اشتقنا لطلتك حقا
شكرا عزيزتي لنظرة عميقة متفحصة في روح هذه القصة
شكرا لوقفاتك داخلها لأنها تدل على ناقدة رائعةفي تعاملها مع الموضوع
وعذرا أن جاء ردي ليس بترتيب صحيح فقد وجدت نفسي أرد بدءا من آخر رد فعذرا
__________________

حنان الاغا
23-08-2006, 01:03 PM
اقتباس :
كتبت بواسطة مصطفى
كاتبتنا التي تكتب بريشة الفنانة ، وفنانتنا التي تصور بقلم الأديبة

شكرا للكوب الخزفي الذي جسد رؤيتك للفن وللأشياء بوحي شفيف ورمزٍ موحٍ

لقد باح هذا الكوب بأسرارٍ طالما أحسست بها غائمة من قبل حتى أماط عنها اللثام بعفوية بريئة كعفوية صاحبته!
التي تكتب وترسم

" كأنها طفلة تحس بالذنب"

لتضيف إلى الفن والأدب وإلينا " لمسة عفوية جميلة "

جامعة بين العفوية النابعة من النقاء والجمال المتفرد المتجدد أشعارا وقصصا وخواطر ولوحات

حتى في صراعها مع أدواتها في لحظة مخاض التجربة الفنية تتعامل معها ومع ما يحيط بها بإحساس راقٍ وحميمية رائعة

لتدرك الأبعاد كلها من صوت ورائحة ولون
حتى وهي تغمض عينيها لترى ببصيرة الفنانة " تشتمّ عبير البن الطازج الذي تقيم له طقسا يوميا قصيرا بشغف يضاهي رسم لوحة "


ويبدو أن لهذا الكوب الخزفي مكانة متميزة من هذا العالم الساحر في الصومعة العجيبة الحبيبة حتى ليحق لفنانتنا أن تضمه " كطفل إلى صدرها .. "

ورغم كل هذه الحميمية مع الأشياء وجمال الإحساس بها وعفوية التعامل معها لعبا وعتابا وحبا وحنانا، تبقى النظرة المتجاوزة الشاردة المستشرفة للآفاق ، كأنما تريد أن تصطاد الخيالات المستحيلة: "وما زالت نظراتها خارج النافذة بعيدا في منطقة غير موجودة "


وهاهي الكاتبة الفنانة تظل في لحظة ما قبل الإبداع بين كر وفر حتى يأتي في لحظة انكشاف نادرة ساحرة وميض العزم الخاطف كالبرق :" سأرسمك الان"


لنكتشف أن كل هذا الهروب واللعب والصراع لم يضع سدى وإنما كان هو الاستدعاء لهذه اللحظة، والتحضير الإنساني لها.

فشكرا لك
ولكوبك الخزفي الذي عرف كيف يبوح بعفوية وجمال وفي الوقت ذاته برمزية واقتدار

_______________________________________________

ليتني يا دكتور مصطفى كنت أعرف أنني سأحصل على رد كهذا
كنت على الأقل بذلت جهودا أكثر لكي أستحق مثل هذا التقييم الذي أفخر به .
أخي دكتور مصطفى كنت قد أشرت برد سابق إلى نقص في تفاعل القراء مع القصة القصيرة
بعامة ولست أدري لماذا مع أنه على مستوى سوق الأدب الواقعي أي خارج الأنترنت فإن هناك
تزايد ملحوظ في قرائها.
شكرا أيها الشاعر المبدع
__________________

حنان الاغا
23-08-2006, 01:04 PM
اقتباس :
كتبت بواسطة عزت الطيرى
هذاشعر راق يتخفى فى صورة سرد
هذاهو القصقصيدة

دمت راقية مبدعة

___________________________

شرف كبير لي هذا الرد من شاعر متألق
شكرا لك أخي عزت الطيري ، ولكن ألا تجد معي أن القصة القصيرة بعامة لا تجد الكثير من الاهتمام من قرائنا الأعزاء؟ أمر محزن
شكرا مرة اخرى
__________________

مصطفى عراقي
23-08-2006, 05:03 PM
لك أسمى الشكر لأنك أهديتنا إياها مرة أخرى
نعمت الهدية هذه.

مصطفى

حنان الاغا
23-08-2006, 08:20 PM
لك أسمى الشكر لأنك أهديتنا إياها مرة أخرى
نعمت الهدية هذه.

مصطفى
____________________________________
دكتور مصطفى
شكرا أخي العزيز على استقبالك لكوبي الخزفيّ
دمت