PDA

View Full Version : رداء ابراهيم



مصطفى ممدوح
24-08-2006, 09:26 PM
بدا الجبل شامخا يعتلي الدنيا كلها.
ترقبت العيون خروج الجثمان في خشوع بالغ.الرجال النساء المتشحات بالسواد والأطفال الحفاة.ما ان ظهرحتى تفجرت الحناجر بقوة هاتفة:الله أكبر الله أكبر.تزاحم الرجال كل يمد يده ليشارك في حمل الجثمان.كل يبحث عن قبس من بركات الشيخ-حتى بعد وفاته.كل واحد منهم-رجالا ونساءا- قد شهد في حياته كرامة من كرامات الشيخ الكثيرة.لا تقع بأحدهم واقعة أو تصيبه مصيبة حتى يلجأ الى الشيخ-الشيخ الذي يقال عنه انه جال في ميادين الحقيقة وبلغ درجات الأولياء الزاهدين.الشيخ الذي لم يشغله عن قضاء حوائج الناس سوى العبادة والذكر.تحرك الموكب هابطا الجبل نازلا الى قلب الشمس الغاربة .الرجال في المقدمة مهللين مهرولين كانهم يتسابقون-حاملين الشيخ.دوت النساء بالزغاريد خلفهم يزفون الشيخ لملاقاة ربه.
(ب)
اهتز الجبل بفعل المشيعين،ثم تخافتت الأصوات حتى هدأت تماما.تركوا ابراهيم وحده في بيت الشيخ الحجري.مع آلامه يحرقه الأسى والحزن على شيخه.الليل في الخارج أسدل عباءته السوداء على الدنيا لكن قلبه كان أشد ظلاما.هو وحده سمح له الشيخ من أن يقترب من نبع أسراره.كان مجرد تلميذ من تلاميذ كثيرين.لمس الشيخ ما في قلبه من نور وما في روحه من خير.اصطفاه من بين التلاميذ.يعطيه شيئا فشيئا ولكنه طلب المزيد.فتح له الشيخ الباب مواربا فدق عليه بكلتا يديه.تقاطرت عليه المعرفة نقطة نقطة لكنه أراد البحر كله.عرج في درجات العشق والوصال .تملك الشيخ من روحه.وتبعه ابراهيم تقوده ثقة لا محدودة.كان يرى ذاهلا زاهدا في الدنيا.يكتب كل ما يتفوه به الشيخ.كان يأكل كما يأكل الشيخ يمشي كما يمشي-يلبس كما يلبس.والأن تركه ومضى.هنا كان الشيخ يقوم الليل،هنا كان يسبح ويذكر ربه.لم يترك مالا ولا ولدا-لم يترك سوى هذا الرداء.الرداء الخشن الذي لم يلبس غيره.الغلالة التي تغطي النور.كم عبد الله في هذا الثوب!كم شهدالثوب من الكرامات والخوارق!الثوب الذي لم يحتمل النور فتفتق إلى اثنتا عشرة رقعة.كان خيوطه موصولة تنتظر من يتمسك بها.قبض ابراهيم عليه.هذا ما بقى له.
(ج)
طرق ابراهيم الباب ودخل.تأمل ابراهيم قدم عثمان العرجاء لحظة.قال عثمان:
!ما أعظم المصيبة-
كان الحزن القابض بقسوة على ابراهيم وهيئته لا يحتاجان للتعبير بعبارات العزاء.قال عثمان
لقد رايتك بعد الصلاة على الشيخ تعتزل الجنازة.كانك لم تحتمل-
قال ابراهيم بصوت مختنق
.جزى الله شيخنا عنا خير الجزاء-
قال عثمان وعينيه تدوران في المكان
.البلد كلها في حدادالكل في منزله يركبه الحزن-
لم يرتح ابراهيم لحركات عثمان فقال في بطء
.لقد كان يوما شاقا-
تحرك عثمان في ارجاء البيت وهو يمد عنقه في كل حجرة مما أثار ابراهيم فقال
.لعلي ألقاك غدا يا عثمان-
برقت عينا عثمان.عرج الى داخل الحجرة،قبض على رداء خشن ملئ بالرقع وقال
.لعل هذا يعزيني عن الشيخ-
لا-
.ارجوك دعه لي فان به رائحته-
قال ابراهيم وهو يرتجف والدمع على وجنتيه
.قلت لا-
فصدم عثمان وخرج مسرعا.لبث خارج البيت.تكور على نفسه اسفل النافذة حتى حل الظلام.ثم رفع نفسه وانزلق الى داخل البيت مطوحا عرجته.وجد ابراهيم قائما يصلي.الرداء امامه بمسافة.تناول عثمان عصا غليظة.هوى بها بكل ما أمكنه على رأس ابراهيم.واحدة وثانية وثالثة.تكوم ابراهيم عند قدميه.وغمرت الدماء الأرض.لف عثمان الرداء بإحكام وخرج.
(د)
المقهى.تشكل الدخان في صور عبثية تخالطه أصوات القرقرة.والضحكات والنكات البذيئة.اقتحم عثمان المكان يجر عرجته،قال
.السلام عليكم-
لم يرد أحد عليه.فقال بصوت عال
.عندي شئ من خبر الشيخ-
التفت الأعناق ناحيته مرة واحدة فقال
.قبل وفاة الشيخ رحمه الله اعطاني-بنفسه-ثوبه وقال لي وزعه على اهل البلد لتعم عليهم البركة-
.ربنا يهنيه في الفردوس.كريم حيا وميتا-
.وقال يا عثمان من ياخذ منه فعليه أن يقدم صدقة للفقراء مقابل ما ياخذ-واصاني ان اتولى جمع الصدقات-
(ه)
امتلأ بيت عثمان بطالبي البركة .بلغت شهرته الآفاق.جاء البشر من كل البلاد المجاورة.
كان يلف حول رقبته مسبحة كبيرة.جلست أمامه كتلة هائلة من الشحم واللحم
.لجأت إليك في طلب ما يا مولانا-
.اطلبي يا ست الكل-
جارتي الست ام هند..الله لا يكسبها..تزورني كل يوم لكي تغيطني..كل هذا لإن هند سوف تأتي بولد قريبا..تأتي علي انا-
المسكينة لان ابنتي قد جاوزت الثلاثين ولم يحضر نصيبها بعد
.أعوذ بالله من شر الناس-
.أكيد الولد ده لن يحمل سوى شرها إلى الدنيا-
لا تخافي سأعمل لكي حجابا فعالا من الرداءيرد كيدها عليها..سأقص قطعة زائدة على المعهود..لكن هذا يتطلب صدقة -
زائدة
(و)
كان الرداء يتناقص،وتزيد كومة الصدقات.قبض عثمان على جيب الرداء- القطعة الوحيدة الباقية.كان في حالة شاملة من السعادة والنشوة.أحس تحت أصابعه خشخشة.كانت هناك ورقة في جيب الرداء.فتحها.أذكارا وأوردة.قربها من وجهه وهو لا يفهم.ابراهيم هو الذي يكتب هذه الأشياء.خرجت الى مخه فكرة عجيبة.حاول أن يطردها بكل قوة.فالرقع شاهدة على ان الثوب كان للشيخ.ولكن الم يكن ابراهيم يقلد الشيخ في كل شئ؟البركان في داخله يتصاعد اكثر واكثر.يكاد يحرفه.ترك البيت وجرى ناحية الجبل.كان يصعد-وهو يرى دماء ابراهيم تنهمر عليه من فوق.وتسحبه لاسفل.دلف الى البيت الحجري.اخذ يقلب كل شئ.ثم جلس على الارض.اخذ يحفر كان الشياطين كلها خلفه .ظهرت قدما ابراهيم.تنفس في ارتياح.كان يرتدي ثوبا اخر.لكنه لمح ثوبا اخر من تحت ثوبه.ثوبا به اثنتا عشرة رقعة