PDA

View Full Version : و .. غدا نلتقي ..



محمد رمضان
25-08-2006, 06:22 AM
أخي اعشق، وغنِّ، وهات الدموع!

وعش في الحياة!

فلا كان عيش كدود القبور!

***

ولا تسأل يا صاحبي من أحب؟

ستعشق يا صاحبي واحدة

ككل النساء!

ولكنها لن تكون لديك ككل النساء!

سترنو إليها كأصل الجمال

كنبع الجمال

وننسى جذور الجمال هناك بعيدا بجوف الطبيعة

فتنسى المياه وعطر المروج

وتنسى السماء وسحر النجوم

وتنسى القمر

أخي انظر إليها وحيِّ الجمال!

وخلِّ الطبيعة أصل الجمال!

***

أخي اجلس بليل عميق السواد

يجلله لؤلؤ من نجوم

لتصغى إلى همسات النسيم

وهذي الضفادع حين تنادي

وتلك الجنادب حين تصيح!

وغنِّ مع الناي يا صاحبي

لتسمع صوت الحياة ينادي

وصوت الحبيبة يا صاحبي

أتهتف...... إني أهيم به؟

أصوت الحبيبة يا صاحبي

سيعلو على همسات الحياة؟

***

أخي انظر لهذي السماء طويلا

وكيف تزغرد فيها الطيور

لهذي الشجيرات حين تميل

وهذي الزوارق حين تسير

وهذي المياه!

فأصل المياه بكاء المحبين منذ القدم

تجمع في مثل هذا الغدير

ليجري، فيملأ أرضا بزرع نضير

وزهر يضوع!

هدوء الحبيبة يا صاحبي

أتهتف.. إني أهيم به؟

وهذا الجلال.. هدوء الطبيعة..

أما فيه يا خل كل الجمال؟

***

أخي يا رفيق

لتشهد يوما هياج المياه

وكيف ستقذف بالزورق؟

فيصرخ يا صاحبي صرخة

تضيع بعيدا

أخي انظر إلى الريح حين تثور

وكيف تبعثر هذي الطيور..

فتسمع أناتها في الفضاء

وهذا الشجر

ستسقط أوراقه الذابلات

لتشدو -على الأرض- لحنا حزينا

يضيع مع الريح حين تروح!

أخي ابك هنا!

اهجر الحبيبة يا صاحبي

يزيد الدموع..

وهذي الطبيعة

أما تستحق عصي الدموع؟

***

ولكنك يا صديقي عشقت!

وكان الجمال جمال الحبيب

ولم يشجني غير صوت الحبيب

وكان الهدوء هدوء الحبيب

ولم أبك إلا على هجره..

أيا صاحبي، وعشقت البكاء!

وسالت دموعي..

لتنعى معي عهد هذا الغرام

.. فلما أفقت...

.. وجدت القمر!

أخي والشجر!

وصوت الجنادب والضفدع!

وهمس الشجيرات قرب الغدير

وشدو وريقاتها الذابلة!

شدوت أنا..

أنا مثلها.. ذابل يا رفيق!

حنوت عليها..

قبضت على حفنة في يدي

وألقيتها في مياه الغدير

وقلت.. سلاما

غدا نلتقي!

-------------------------------------
كثير هم من يفارقوننا .. ولكن قليل من تشعر بانك خسرت الكثير برحيلهم ..

بالأمس القريب ..ودعنا الاستاذ العظيم عبدالوهاب مطاوع .. والذي ترك بصماته على نفوسنا وحياتنا المجدبه ..وكثيرا ما أعيش معه واحاوره كلما عاودني الحنين و تناولت واحدا من كتبه الممتعة ... لاعيد قرائتها مرات و مرات ..

وكذلك حالي مع صاحب القصيدة ..الأديب الدكتور أحمد مستجير ..رجل قلما يجود الزمان بمثله ... وقد رحل عن عالمنا الدكتور مستجير منذ 10ايام بتاريخ 16 - 8 -2006 ... الأمر الذي حزنت له كثيرا ...

وكثيرا ما استمعت باحاديثه التلفزيونيه .. اذ تجد نفسك امام عالم اديب موسوعي وانسان فياض المشاعر قبل اي شيء ..

هو : عالم أديب و أديب عالم ..او كما لقبه البعض بـ " الأديب المتنكر في صورة العالم " ..
في الأدب : شاعر فنان .. وأديب متميز ..
في العلم : هو جامعة الوراثة و الزراعة و البيولوجيا ..

-----------
يقول عن نفسه :

أنا في الحق موزع بين شاطئين كلاهما خصب وثري، أجلس على شاطئ وأستعذب التأمل في الآخر.. وأعرف أن الفن أنا، والعلم نحن ، ذبت في الـ نحن وأحن إلى الأنا، وأعرف أن الفن هو القلق وأن العلم هو الطمأنينة؛ فأنا مطمئن أرنو إلى القلق ..

------------

هو ابن من ابناء مصر - ولد عام 1934 بقرية الصلاحات بمحافظة الدقهلية وفي المرحلة الثانوية اهتم مستجير بكتب البيولوجيا؛ لأنه أحب مدرسها "خليل أفندي" الذي تخرج في كلية الزراعة، فأحب مستجير أن يلتحق بنفس الكلية، افتتن بأستاذه في الكلية عبد الحليم الطوبجي أستاذ علم الوراثة، فسلك ذات التخصص، وبلغت ثقة "الطوبجي" في مستجير "الطالب" أنه لما احتاج أن يكتب مذكرة للطلاب ولم يكن وقته يسمح بذلك أعطى الطلاب ما كتبه مستجير في المحاضرات ...

كان أحمد محمود أعز أصدقاء مستجير صديقا للشاعر الكبير صلاح عبد الصبور، تزاملا بمدرسة الزقازيق الثانوية، وكانت قصيدة "الملك لك" لصلاح عبد الصبور هي أول قصيدة من الشعر الحر يقرؤها مستجير، بعدها أحبهما (الشعر الحر وصلاح عبد الصبور). وكتب مستجير أول مرة في حياته قصيدة من الشعر الحر بعنوان "غدا نلتقي" - موضوعنا هنا - ، وطلب من صديقه أحمد أن يصطحبه ليقرأها أمام صلاح.

قرأ مستجير القصيدة فى خجل متخوفا أن يكون قد أصاب عبد الصبور بالملل، أما الشاعر فقد ظل صامتا إلى أن وصل مستجير لقوله "... فأصل المياه بكاء المحبين منذ القدم"، هنا نظر عبد الصبور إلى صديقه وقال: "كاتب هذه القصيدة شاعر" يومها طار مستجير فرحا، وبدأ يكتب الشعر وقد أصدر ديوانين هما: "عزف ناي قديم"، و"هل ترجع أسراب البط ؟".

من أبرز جهوده الأدبية كتاباته في عروض الشعر، وضع في إحداها نظرية علمية رياضية لدراسة عروض الشعر العربي وإيقاعاته الموسيقية أودعها في كتابه "مدخل رياضي إلى عروض الشعر العربي"، قدم فيها رؤية مختلفة في موسيقى الشعر، من شأنها أن تبسط أمره لكل من يود معرفته، عوضًا عن الطريقة التقليدية التي تعتمد على التفعيلات والتي تقوم على الذوق أساسًا.


أحب من صغره لون الأرض المبهر ، وعن ذلك يقول: "أنحاز إلى الأرض الريفية؛ لأني ابنها، وربما كان تفوقي في كلية الفلاحين (الزراعة) بسبب عشقي للزراعة والخيال واللون الأخضر، والريف هو عشقي الأبدي ومنبع الرومانسية المتأججة بداخلي".

كما أثر فيه والده تأثيرا كبيرا، فقد كان والده قارئا نهما، ملأ المنزل بالكتب، فشابهه في حب القراءة كما شابهه في ملامحه الخلقية،

وكان الأديب "كامل الكيلاني" صديقا لوالده فزوده بعشرات الكتب يشتريها له من المنصورة (إحدى المدن القريبة من قريته).

-----------
حين كان في العاشرة من عمره نهر مدرس اللغة الإنجليزية "شفيق أفندي" أحد التلاميذ قائلا: "روح موت"، ومضت ثلاثة أيام ولم يظهر يوسف وفي اليوم الرابع وصل للأطفال خبر موته، فبكى مستجير طويلا، واعتقد أن شفيق أفندي قتل زميله !

ولم يكتف بالاعتقاد بل كتب خطابا لرئيس الوزراء أحمد ماهر باشا، لكن الناظر توفيق أفندي عفيفي حاول أن يقنعه بما حدث، ولكنه يقول عن نفسه: "لم أقتنع ساعتها أبدا".

---------------

بعد أن تخرج مستجير الملقب بـ"الأديب المتنكر في صورة العالم"؛ نظراً لتعدد إسهاماته في أكثر من ميدان علمي وأدبـي وإنسانـي عام 1954، عمل مهندسا زراعيا لمدة 55 يوما فقط، تركت في نفسه أثرا كبيرا حيث تعامل مع الأرض بحب جارف.
يذكر مستجير أنه أثناء إشرافه على الأرض لفت نظره طفل يجمع القطن، يقول إنه: "قرأ في وجهه وجه مصر؛ بهجة غامرة، وحزن بعيد وغامض وعميق"، فأعطاه قرشين، بعدها جاء مفتش من القاهرة وعلم ما فعله مستجير فعنفه وأوصاه أن يعامل الفلاحين بقسوة حتى يهابوه، ليلتها لم ينم وكتب في مفكرته: "هل تستلزم الوظيفة الجديدة قتل الإنسان داخلي؟.. هل يستكثرون أن يحظى الفلاح مني ببسمة؟ يكرهون أن يربت إنسان على كتف إنسان، أمن أجل 15 جنيها أحتاجها يقتلون فيَّ الإنسان؟"، ومن فوره ترك مستجير العمل.

التحق مستجير بالمركز القومي للبحوث عام 1955 ليحصل على الماجستير في تربية الدواجن من كلية الزراعة جامعة القاهرة سنة

1958 ويعمل معيدا بنفس الكلية، وفي هذه الفترة عرف من خلال قراءاته "آلان روبرتسون" أستاذ علم الوراثة البريطاني، فراسله وطلب منه مساعدته للالتحاق بمعهد الوراثة جامعة أدنبرة وقد كان.

ومن المواقف الطريفة التي أوقعته فيها جرأته أنه أثناء دراسته في المعهد ذهب إلى رئيس المعهد بروفيسور "وادنجتون" يشتكي من عدم فهمه شرح أحد الأساتذة؛ فاستدعاه على الفور وواجههما معا، وكانت النتيجة عقوبة قراءة كتاب إضافي مكون من 400 صفحة!".

حصل عام 1961 على دبلوم وراثة الحيوان بامتياز، وكانت المرة الأولى في تاريخ المعهد أن يحصل طالب على هذا التقدير.. ثم بدأ العمل للدكتوراة مع أستاذه "آلان روبرتسون"، وعنه يقول مستجير: "ذلك الرجل الذي سافرت كي أتتلمذ على يديه، أصبح عندي بعد أن عرفته المثال الحق لرجل العلم! تواضعا وحبا للخير، كان أذكى من قابلت في حياتي" ثم مالبث ان حصل على العديد من شهاداات الدكتوراة واكمل مسيرته الى ان عين عميدا لكلية الزراعة التي تربع على عرشها لتسع سنوات متتالية .

ولا ينسى مستجير يوم أن ذهب إلى سكرتيرة المعهد لتكتب له رسالة الدكتوراة، فاعتذرت عن كتابتها لأن بها جزءًا كبيرًا من المعادلات الجبرية، فخرج حزينا، وعلى باب مكتبها قابله روبرتسون، ولما عرف سبب حزنه أخبره أنه سيجعل زوجته تكتب رسالته، ونظرًا لهذه العلاقة الراقية التي نشأت بين أستاذ وتلميذه فبعد حصوله على الدكتوراة عام 1963 وعودته إلى وطنه لم تنقطع صلته بأستاذه، "بعد عودتي من أدنبرة كنت أتلقى منه في كل عيد بطاقة تهنئة بخطه الجميل، إلى أن توفي في أغسطس 1990".

وعن زوجته يقول : لحسن حظي أن زوجتي امرأة عظيمة تعرف كيف تدفعني للأمام، رغم أنها أوربية التقيت بها أثناء دراستي هناك وتزوجتها عام 1965، فإنها لم تتردد لحظة في ترك بلادها من أجلي، إن من أسرار نجاحي وجود مثل هذه الزوجة في حياتي، فإذا كانت عمادتي لكلية الزراعة استمرت 9 سنوات فإن زوجتي عميدة حياتي لأكثر من 35 عاما.

ترك الراحل الأديب احمد مستجير مكتبة ضخمه من مؤلفاته في العلم والأدب والفلسفة .. انقل منها ما يعنينا هنا في الجانب الأدبي :

1- في بحور الشعر - الأدلة الرقمية لبحور الشعر العربي.
2- عزف ناي قديم (ديوان شعر).
3- مدخل رياضي إلى عروض الشعر العربي.
4- هل ترجع أسراب البط؟ ( ديوان شعر).
5- أحاديث الإثنين.
6- في بحور العلم.
7- القرصنة الوراثية.


رحم الله الدكتور مستجير عالما اديبا انسانا .... واسكنه فسيح جناته .