PDA

View Full Version : مولود ..!



رجـل أخـر
05-09-2006, 07:25 PM
رجلٌ قضى دهرهُ مقيداً بأغلال الشقاء بل مسجوناً في زنزانة المعاناة الأبدية تلتفُ على دوالي جسده إبتلاءاتُ هذا الزمان ويضيقُ فكره أزاء هذه المصاعب والظروف ، تتحوَّلُ إجمالية نجاحاته بلحظة إلى مداد زائل في برواز الحياة وإلى حقائق سرابية يتوزعُ فيها ملاذ الأوهام ، مسكينٌ هذا الرجل إنه موبوءٌ بداءِ الإنكسار الذي وجب عليه وضيعُ المنفى حيثُ لا فناء ، لا شئٌ يستوجهُ مخيلته سوى الأسى الذي يتباهى في حضرته بزيهِ المعتاد ، جلَّدتهُ الحياة في صغره بل في سنِّ فطنته/رضاعته حين إعتادت شفتيه على البزي من مطاطية الأثداء ، ولد وحيداً دون إشقاء أو أمكنةِ حنان يومُ إبصاره للنور كان يوم التضحية العالمي ، كان يوماً مضيئاً/مظلماً ممتلئ بالأضداد تقاسمت فيه الدمعة/الفرحة أعين أبيهِ المسكين ، فيوم ولادة هذه الرجل إستوأمَ به الحرمان ولاذَ به الحزن في وقع الفقدان ، فتاريخ إحتفاله بعيد ميلاده أشبه بالمنبه الذي يدوِّنُ مروق السنة السنتين الثلاث عن ..؟! ذلك اليوم كان يمثِّلُ إحياءً لذكرى وفاة تلك المرأة التي حملته سبعة أشهرٍ في الأحشاء ، كانت تلك المرأة مبهتجةً به بل إنها كانت تمتطي جواد الفرحة فعجلت بعدوه في مضمار الحياة وأطلقته دون الستون يوماً ، وفي إنطلاقه لم تشهد جمهرة التوق والشوق لحمله لم تشهد ذلك الإحتفال لأوَّلِ شهقة في جهازهِ التنفسي ، بل شهدت موتها شهدت إنتهاء صلاحية جهازها التنفسي وعاينت جثتها الطاهرة جمهرةُ العزاء والبكاء ، رحلت عن وليدها مزلزلةٍ هذه الحياة رحلت إلى عالمٍ آخر تاركةً للإمكنة الحزن لتنوء في رحيلها عيونُ الفجيعة ، رحلت تاركةً صخور القهر تجثمُ على أحلى الأمسيات بالنسبة لها رحلت مشهرةً الأسى لتغرسه في أفئدة المهنئين/المعزيين ، خسرانٌ تجسد في ملامح الأب الذي كان على وشك أن يلعن القدر في صخبِ هذا الممات إلا أن إيمانه بالله كان كبير ، ويلي حتى الملامح نراها هنا تجسدُ الخسران في الوجوه رغم ذاكـ المكسب الأعزل الذي تحدد في ولوج ذاك الوليد إلى الدنيا ، رغم إلقِ البشارة التي كان يراها الأب في زرقة البحر ويومؤها في منارات السطوع إلا أن الوقوع كان عتمةً لاإنتهاء منها ، حزنُ ذلك الأب الكبير أوحى شائعاتٍ جمّا بأنه يسكبُ حقدهُ/كرههُ على ذلك الوضيع/البرئ ، إلا إنها وشاية وأقاويلٌ لا أساس لها من الصحة فالأبُ كان يرى في طفله الوديع صورة شريكتهِ الراحلة ، مجملُ الإهتمام تضاعف لذلك الرضيع فلقد صبَّ فيه الأبُ مثنى الإهتمام لأمه/له ، كان يحنوا عليه وفي عناقه يهيأُ الفجر للتسابيح يشكرُ الله ملء مقدرته لهذه النعمة ويحمدُ الله على كل شئ يصيبه في السرّاء والضرّاء ، كان يرى حلاوة طفولته في إبنه وإن أزاح الأحداق عنه دمعت عيناه فعاد مسرعاً يرشقه بنظراته ليعاود الإبتسام ، كانت لحظة مجالسته لإبنهِ لحظةً قدسية/مبجلة فيها معانٍ سامية للهدأة والإنسجام والصفاء ، أستهلَّ الرضيعُ مرحلة نموِّهِ ومرت عبر شرفاتِ خلاياه السنوات وهو في مرعى ذراعيِّ أبيه ، أنشأهُ الأب نشأةً صالحة وعلمهُ أبجديات الحسن في الخلق/الكلم/الهيأة ، جعلهُ شيخاً لقبائل حبه وقائداً لجنود شغابهِ له وإنشغاله بتربيته ، كبر الفتى وأصبح سنداً لا مسنوداً وغدى محل إعتمادٍ للأشياء وقرصاً مهدئ لقلق أبيه في الأعوام المنصرمة ، بدأت تتلاشى لحظات الإلتقاء بينهما وأنشغل الإبن/الرجلُ في دنياه وأمتشق صهوة الطموح للأشياء ، ذهب إلى عالمٍ آخر يرغبُ من خلاله تلوين الأحلام وتحقيق الأهداف ، مرقت السنين وفترة الإلتقاء بأبيه كانت لا تتعدى ربع الدورة الكاملة لعقارب الدقائق في ساعة اليد ، حقق الرجلُ أهدافه ومجملُ طموحاته/أحلامه فكان موهوباً بالفطرة وبالوراثة تماماً مثل أبيه ، إلى أن جاء يوم كان فيه النهار خائف مجففةٌ أضواءه على الطرقات يوحي بفجائعٍ تضجُّ في أيقونة الإنتظار للإنطلاق ، مرَّ هذا النهار المظلم بخطىً ثقيلة وخلفه المساء حتى توقف الإستبهامُ في رنين هاتف على مدخل الليل
(( أبوك في حالةٍ سيئة جداً وهو على هذا الحالِ له يومين لكنهُ أبى أن نتصل بك لكنا عصيناهُ وها نحنُ نعلمك بذلك ))
إنعدم الحسُّ في جلد الرجل ولم يمنطقه الإدراك حتى وصلَ إلى مدخل المدينة/إلى باب الحجرة ، إلى تاج السرير الذي يتوسد رأس أبيه في محيطه تلك المخدة التي كان يستضاء بها حلمُ إبنه في المنام هكذا أخبره فلذةُ كبده/الرجل ، أقترب الرجلُ/الإبن من أبيه وفرش راحة كفهِ على جبين أبيه وأستفسر بدمعةٍ في هبوطها حفرت خندقاً على وجن أبيه ، تكوَّمت فيه اليقظة ليستفيق الأب ليجد أمام مرآهُ روعة الرؤى التي تأسرُ أحداقه ألا وهي رؤية إبنه الوحيد ، نسي مصابه الأب وأستجمع مهازل القوى المتبقية في نقاطه للنهوض ، لكنَّ يَدَ القلق المتفرعة من جسد إبنه كبحت محاولاته ولفظ لسانُ الحب في الإبن عبارة (( إسترح يا أبي فإني لزيمُ أسفل قدميك ونهضتي هذه ماكانت إلا منك فدعني الليلة أراقبُ حلمك تماماً مثلما كنت تراقبُ أحلامي ))
إستمرَّ الوقتُ بينهما معرشاً بطيب الروائح وبأنداء القبلات الصادقة وبإبتسامات الحياة ، كان الرجلُ يمدُّ جسراً من التفاؤل بلفظه نحو أبيه وبنفس اللحظة كان يهدمه في قلقه عليه ، وكان الأب يطمئنُ ولده في لفظه وكينونته وفي سره بالرغم من جسده الشاكي فحبهُ لإبنه كان يفوق كلَّ التوعكات ، أخبرهُ إبنه بضرورة مراجعة الطبيب وتحت إصرار الإبن وافق الأب ، ركب الأب مع إبنه السيارة في صباح يومٍ مبهم في تمام الساعة الغارقة إلا ربع من النجاة بالتحديد متجهين إلى المستشفى
نظر الرجلُ إلى أبيه وقال :- لا تهتم ياأبي بإذن الله ستستردُّ صحتك وسأبقى معك ولن أتركك أبداً .
إبتسم الأب بروح شفتيه المجملة بنطقِ النداء في مفردة (( إبني ))
قام الأب بإجراء الفحوصات بعد معاينة الطبيب له وكذلك قام بالأشعة وكل ما تستلزمه مثل هذه الحالات ، في اليوم التالي ظهرت نتائجُ التحاليل والفحوصات وعرضها الرجلُ على الطبيب
سألهُ الطبيب بعد إن أطلع ع
لى نتائج الفحوصات والتحاليل :- هل أنت من أقرباء المريض .
قال الرجل :- نعم إنه أبي .
قال الطبيب له :- الحمدلله إن أباك بخير
لكنه يشكو من بعض الإلتهابات في(...) .
تعجب الرجل لمتسهل حديث الطبيب بأن نعتَ حالته الصحية بالإستقرار
ثم أردف المرض الذي يعاني منه أبيه
رشق الرجل الطبيب بنظرةٍ باسلة وقال :- ما الأمر ..؟!
من ماذا يعاني أبي ..؟!
تنهَّد الطبيب وبدأ العرقُ يملأ محيط وجهه
ثم قال بصوتٍ سيكولوجي :- منذ متى وأبوك في هذه الحالة ..؟!
أجاب الرجل :- من يومين أو أكثر
ألم تلاحظ عليه شئ قبل ذلك ..؟!
قال :- لا فأنا لا أسكن معه
أفلت الطبيبُ فقرة عنقه وكأن رأسه قلادة متدلية على صدره وتأوه وعيناه تعانقُ مسندُ الكرسي الذي يجلس عليه .
ثمَّ قال :- إن حالة أبيك غير مستطاعٌ الآن سعفها فقد تأخرت كثيراً فالمرض إقتات على مجملِ جسده ولا أستطيعُ أن أصف لك مدى عجزنا إتجاه هذه الأعراض الذي باتت إحداثياتها متوغلة في إنتكاسة/حيوية الأنسجة المغزولة في جسد أباك
شعرَ الرجلُ بضآلة حسن التعامل مع الموقفِ هنا وخشي أفتضاح ضعف إيمانه فآثر الخروج من عيادة الطبيب دون إلقاء كلمة شكرٍ واحدة ، ركب الرجل سيارته وبدأ يقودها دون وعي يتجاوزُ إشارات المرور لا شئ يستوقفُ إنشغاله بما قيل له ، ظلَّت كلمات الطبيب تطارده في كلِّ مكان وصل إلى البيت نظر إلى أبيه بعينٍ راثية وقبل جبين أبيه الذي خفت وميضه ، صوت الطبيب مازال يطارده حتى وهو يتأمل ملامح أبيه التي حفظتها ذاكرته طويلاً ، دخل غرفته يصلي ويدعوا ربه إن يشفي أباه ليتفرَّغَ بعد ذلك لإشعال معركة بين مداركه والأشياء قام يحطمُ هذا ويكسر ذاك حتى تعب من القتال الفارغ من النصر ، لتنتهي بهِ معاركه بإنتصار الصمت وإنهزامه للمنام المتقطع الممتلئ بالكوابيس والواقع الحزين ، طرأت له فكرة بأن يأخذ والده إلى الخارج فهناك خبراتٌ أكفأ وأجدى من هنا كل هذا كان من وحي الرفض لهذا المصاب ، تديَّن الرجلُ المال اللازم للسفر من هنا وهناك قصدَ كلَّ صديقٍ وقريب وذهب في رحلةٍ مدعومة بأملٍ ضئيل ، مؤنةُ تلك الرحلة هي تشبتُ ذلك الرجل بضرورية إيجاد الحلول وأن أباه سيعود كما كان بالسابق ، فالرجلُ يعلمُ تماماً قيمة أبيه ويسعى بإبقاءه ليحقق لهُ آخر أمنياته ألا وهي رؤية أحفاده ، وصل الرجلُ هو وأباه إلى بلادٍ غير بلاده التي كان يشعرُ فيها بالأمان ، رغم جمال تلك البلاد إلا أن أباه كان يكوِّنُ الشوق لأرضه في كلِّ منظرٍ رائع يشهدونه في تلك البلاد ، ثم أنتهت بهم سيارةُ الأجرة إلى فندقٍ أرَّخ مكثهم لبضعِ أيام ، بدأ الأب بتفحصِ أرجاء الغرفه بعينيه فحالته المتعبة تمنعه من التمتع بخاصية الحركة ،
ثم أخبر الأبُ إبنه :- ياولدي ماكان يستدعي قدومنا إلى هنا فهناك هو هنا وهناك بالنسبة لي أفضلُ هنا
قال الإبن :- يا أبتي لا تحزن ولا تقلق فقط نودُّ أن تأكد من إنك لا تشكوا من شئ وكلُّ شئٍ سيكون على ما يرام
قال الأب :- لكنني أخشى من هذا المكان فلي سنينٌ إنحصر فيها دحقُ قدماي على حدود أرض قبيلتي ولم أعش في حياتي يوم إغتراب أخشى أن أكون في مماتي غريباً يا ولدي بكى الإبن هنا
وقال بصوته الباكي :- لن تمت يا أبي بعيداً وأنت بالأمس كنت في أرضك قريباً مني حين يحين يومك سيكون لحدك بقرب أحبائك ثق بهذا يا أبي
لكني مازلتُ في أوجِ الإحتياج لك فلا تمت الآن أرجوك
قال الأب :- يا ولدي لقد أصبحت كبيراً وتملك حلالاً
قاطعه الإبن قائلاً :- كبيرٌ في أعين الآخرين صغيرٌ في عينيك محتاجٌ لرعايتك
دمعت عيون الأب ليسرع الرجل إليهِ في معانقة ساحرة مع أباه مقبلاً قدميه/أيديه ويستكينوا بعدها سويةً لضيافة المنام
في صباح اليوم التالي ذهب الرجل مع أباه إلى المستشفى وقاموا بإجراء الفحوصات اللازمة والتحاليل ، وبعد إطلاع الطبيب على النتائج جاء موعد إعلان الحالة للرجل حتى يطمئن على أباه ، كان يحملُ قلبه بين كفيه والخطى الراجفه تقوده إلى حجرة الطبيب ، لم يكن الطبيب الأجنبي يوخي إهتماماً لأقرباء المرضى كالطبيب المحلي ، فلقد باغت الرجل بالنتيجة وأخبره بها دون أي مراعاة لإحساس ذلك الرجل ، لقد أفلت الطبيب بطريقته هذه قلب الرجل من بين كفيه لينفجر على أسطح البلاط ، مشكِّلاً بذلك متزلجاً من الدماء توقِّعُ على سفيحهِ أثارُ الفجائع في هذه الأنباء
لقد كانت نفس النتيجة المشؤومة
بأنَّ حالة الأب ميؤوسٌ منها وقد أدمن فيها التأخير حتى أصبح الحضور عديم الفائدة
تلوَّنت حينها السماء فوق رأس الرجل بألوان الرعب شعر الرجلُ بأنفاسه تضيقُ في رئته بأن الروح تنقبض ومن حوله يبكون لمصابِ أبيه ، بدى للمارة وكأنه يحتضرُ في رؤياه مكفناً مجال الرؤيا بموتٍ مرتقب ، جميعُ الأشياء ترمقه بعينين متألمة وحيرةٌ في المجابهة تغزوا فكره وماهية الطريقة التي يكون بها إطلاعُ أبيه عن ما أوتي إليه مازالت ضائعة عنه ، أو يخبرهُ بأن ماتبقى هي أسابيع قليلة ..؟!
أو يخبره بأنه على مشارف الموت ..؟!
لا يدري الرجل المسكين ماذا يفعلُ هنا ..؟!
ظني بأنه آثر الصمت والدعاء لأبيه والتصدقُ عليه
يال حجم هذه المآساة ..!
يال هولِ فجيعة هذا الرجل ..!
دعواتي الصادقة له بأن يخفف عليه هذا البلاء .
__
تمت
رجـل أخـر
أخوكم / أحمد الطائي

حنان الاغا
06-09-2006, 12:48 AM
قراءة سريعة لأقول أو ليس الآن
سأعود لأفصل الجمال هنا

رجـل أخـر
06-09-2006, 03:43 PM
شكراً لكِ ا أختي
بنتظارك فلا تتأخري
أخوك / أحمد الطائي

نسمة الفجر
06-09-2006, 05:51 PM
...رجـل أخـر...

وكم من قصة أمستْ جزءاً لا يتجزأ من سيناريو الواقع ..

وكم من رواية أبكتْ الأفئدة قبل العيون لشجن أحداثها المتراكمة المتسلسلة ..

وكم من حادثة قُيِّدَت ضد مجهول .. فأمسى الغموض لها عنوانا..

.
.

وهنا..تمتزج الدعوات الصادقة بأن يُخفف عليه هذا البلاء .. فلربما تبسم الأقدار ..



دمتَ نبض فكر أنيق ..



نسمة الفجر

حنان الاغا
07-09-2006, 04:04 AM
أخي أحمد
لقد تأخرت في العودة فعذرا وما كنت لأفوت على نفسي قراءة هادئة لهذا القص المميز
وأول ما شد انتباهي هو عدد من التعبيرات الفريدة المختلفة عن المألوف ، وهذه أعطت نكهة مختلفة أيضا من مثل

ثم أنتهت بهم سيارةُ الأجرة إلى فندقٍ أرَّخ مكثهم لبضعِ أيام

ومثلها العديد.
على بساطة الفكرةإلاأن طريقة السرد الطويل منحها أعماقا متدرجة
بدأت بالفجيعة وانتهت بها
مرورا بسنوات الحرمان في الطفولة ،التي أعقبتها سنوات من حرمان في مرحلة الشباب .

وها هو المرض يأكل صحة الأب ولا يستطيع فعل شيء .
وبين هذه الأحداث جميعها تبقى علاقة الأب بابنه قوية وجميلة رغم قسوة الماضي
الحوارات بسيطة وناعمة معظمها بين الأثنين ، وكنت أود لو كانت أقل مباشرة .
انتاب النص بعض الاسهاب ولكن التعبيرات المستخدمة جعلته مقبولا غير ممل، وتسللت لإلى النص بعض الأغلاط البسيطة والأرجح أنها بسبب السرعة في الطباعة . سلمت أخي الطائي ونص سردي (روائي ) جميل .