PDA

View Full Version : المقامة الحجرية



حنان الاغا
11-09-2006, 03:31 AM
المقامة الحجرية



انتشر الخبر ، بل انفجر .. وحملت نثاره أشعة الشمس والنسمات الباردة ، وتلقته البيوت الطينية ببعض الحبور . اذ أن تراكمات الهموم وسنوات القهر جعلت الحذر والشك أول ما تبثه هذه العتبات المختبئة وراء الأشجار العتيقة ، والسلاسل المحملة بأغصان الكرمة اليابسة. عباس وصل . عباس رجع.
عباس وهو يحمل حقيبة أوراقه ، سمع صدى الصوت يندفع الى أذنيه في دفقات متلاحقة مع هبات الريح القادمة من جهة الغرب.. هو لا يكاد يذكر كم من السنوات غابت صورة هذه الأشجار وتلك البيوت عن ناظريه.
وضع عباس حقيبته على الأرض والتقط حجرا من تلك الحجارة الغريبة المسكونة بالزمن ، حجارة مخرمة كأنها جسد تلقى عشرات الطلقات فتكوم على نفسه بلا شكل محدد، أو قل كأنها جماجم التحمت معا فاختفت جل تفاصيلها وبقيت منها العيون المجوفة والأفواه الفاغرة .ولكن لم لا تحاول_ فكر عباس _ أن تنتقي الصورة الأجمل ، لم لا تقول أنها كنوز تعبق برائحة الزمن ، وتمتلىء بنسغ المكان؟ التاريخ والأجداد والأرض الطيبة هم الذين زرعوا هذه الزيتونات التي تثقبت جذوعها كما الحجارة فأصبحت الواحدة منها مأوى لمخلوقات كثيرة متفاوتة في الحجم ومختلفة في النوع . لطالما أحب هذه الأشجار واتخذها ملاذا يقيه الصهد والعيون ، ولطالما جمع تلك الحجارة وبنى منها اشكالا كانت بمثابة ممتلكات خاصة به .. لم يكن حينها يعي ما تقترحه هذه الأشكال ولكنه _على أي حال_ كان يقف لساعات يتأملها ، بل كان يقاتل من أجلها أقرانه الذين كانوا يسخرون منها ومنه، وكان يكفي أن يمد أحدهم ساقه ويلكزها بقدمه حتى تنهار أمامه ، فيلهث عباس وراءه محاولا الأمساك به عبثا ، ويعود أدراجه ليبني من جديد والدموع تتجمد في مآقيه. سيبنيها ذات يوم وستكون له ، ملكه ، ولن يستطيع أي مخلوق أن يهدمها .
جلس عباس وهو ما زال يحمل الحجر بين راحتيه ، ثم استند بظهره الى واحدة من تلك الأشجار _ عجوز جاوزت المائتين_ وضع الحجر أمامه برفق كأنما هو رضيع يوسد مهدا ، ومسح بظهر يده دمعتين معلقتين بين أهدابه، وشرد بذهنه بعيدا ، هناك في تلك البلاد البعيدة المليئة بمقالع الرخام ، كان يرى الرجل يقسو على الحجر ، وكلما ازداد قسوة يعطيه الحجر من أعماقه الصلبة جمالا وكلما غاص أزميله في قلب الكتلة الحجرية كلما تفتق ذاك القلب حبا وابداعا!يا الله! كيف يكون هذا؟
لم يكن يجرؤ على فعل ذلك .. كيف يضرب الحجر وكيف يطعنه في القلب ؟ كيف يقابل حبه قتلا ؟ كان يذهب الى المقالع يوميا ويتخيل أشكاله المفترضة تنفصل ، وتنزلق من الكتل العملاقة وتقترب منه ، وتقترب. أكثر..أكثر فيخاف ويصرخ هاربا.
قال له الطبيب يوما أن مايكل انجيلو كان يرى اشخاصه قبل أن ينحتها تتحرك وتقفز من الكتل الهائلة ، وقال له في وقت آخر أنه سيصبح نحاتا عظيما مثله .. ابتسم عباس ، لم يكن الطبيب يعرف أن الحجارة هناك في قريته الجبلية الغافية في أحضان الضباب والتاريخ والزيتون ، لم يطعنها أزميل النحات وأنها تتطور وتتشكل وتتجسم وتتثقب دون أن تخضع لعمليات التعذيب . حجارتنا دافئة وحجارتكم صقيلة باردة.
قالوا انه مجنون . فهو ينحت الحجر بعينيه . مجنون . وتدافعت صور كثيرة أمام ناظريه وتقافزت الى ذاكرته المضطربة أحداث هاربة من اسار الزمان والمكان . أمسك عباس حقيبته التي تحمل شهاداته الطبية المصدقة حسب الأصول .. نظر اليها طويلا ، ثم فتحها .كانت الريح قد اشتدت واهتزت لها أشجار الزيتون العتيقة ، طارت الأوراق وحملتها الريح وبعثرتها .. ربما وصل بعضها الى حيث بيت العائلة ، هو لا يعرف .
نظر الى حيث تأتي الريح من جهة الغرب وقد اتخذ قرارا بالسير هبوطا ،ثم صعودا وهبوطا مرة أخرى ليصل هناك حيث يتقدس الحجر، فهو المأوى والرغيف والسلاح ، يستسلم للأيدي الصغيرة وينفلق لها طوعا دون أزميل ، ومنه يتدفق شريان الحياة الآتية


__________________
حنــــــــان

فلاح الغريب
11-09-2006, 11:12 PM
.

سردٌ وتأمل جميل أيتها الكريمة ،،

وقد يصل القلب إلى مرحلة من القسوة تفوق الحجارة والصخور !

دمتِ بخير .

.

( سعيد )
11-09-2006, 11:40 PM
الحجر بات يتشكل لا بالأزميل ولا بعوامل التعرية بل كان للمسات الصغار فعل السحر . بات الحجر السلاح يعرفها ويميزها بل يشتاق إليها . هي تعرف عباس وعباس يعرفها . ذكرت مقطعاً حجرياً من قصيدة قديمة لي فشكراً لك على هذه المقطوعة الحجرية ذات المقام ................
حنان مبدعة أنت في هذا التأمل .

علي أسعد أسعد
12-09-2006, 01:50 AM
الأخت حنان ....
أنت اليوم استنطقت الحجر ......
ينتابني شعور بالغبطة اليوم .....
ولا أعرف كيف أقرأك ....
وأنت تتنوعين كحديقة ....
لوناً .. وعطراً
يحق لي الصمت ...
بعض حقي ...
ولكن يحق لي أن أنحني لقلم مترف كهذا
ويحق لي أن ارسل وردة الأخوة والتقدير
لكاتبة عملاقة
بحجم حنان الآغا ......
كل حجر هنا ياقوتة .....
أحييك .....

مصطفى عراقي
12-09-2006, 03:55 AM
الأستاذة الأديبة السامقة حنان


لفت نظري في هذه القصة المتميزة اللغة الشاعرة ، والمتفجرة التي كتبت بها:
منذ البداية :
"انتشر الخبر ، بل انفجر"
بما تحمل من حيوية وتشويق لهذا الخبر
ثم هاهي الطبيعة تشارك في رسم المشهد :
"وحملت نثاره أشعة الشمس والنسمات الباردة"
في مفارقة بين أشعة الشمس بما توحي من حرارة، والنسمات التي تدل على البرودة
ومنهما تتولد الأحداث:
فهاهي البيوت الطينية تتلقى هذه الأشعة ببعض الحبور
فالبيوت هنا كما الأشعة شخوص حقيقية لها مشاعرها مثلها مثل العتبات المختبئة، والأشجار العتيقة ، والسلاسل المحملة بأغصان الكرمة اليابسة. ،
ثم يسلمنا هذا المشهد الكوني إلى بطلنا الإنسان:
" عباس وصل . عباس رجع."
وكأن هذا الهتاف نابع من الطبيعة والبيوت.

وبين الوصول والرجوع:
تتحرك القصة المقامة حركتها الوجدانية العميقة

كل شيء هنا حي من العجوز ذات المائتين خريفا والحجر الرضيع
هذا الحجر الذي يشبه حجر مايكل انجلو حيث كان يطيل فيه التأمل ليصوغه فنا جميلا
تماما كما صنعت كاتبتنا من المقامة الحجرية لوحة فنية إنسانية، وقصة أدبية حميمة مثلما كان كل شيء هنا حميما مع عباس ومعنا


شكرا لك يا أستاذة حنان على هذه التحفة الغالية التي ترسخ ملحمة الحجر في وجداننا وأدبنا


مصطفى

حنان الاغا
12-09-2006, 10:26 AM
أسعد الله صباحك
محظوظة أنا هذا الصباح المحمل بأنسام أيلولية منعشة
لهذا أحب الخريف
لأنه صدق الأشياء
وخلاصة الكلام المُصفّاة
دمت بخير
وتحياتي الصباحية دكتور مصطفى

حنان الاغا
12-09-2006, 10:31 AM
.


سردٌ وتأمل جميل أيتها الكريمة ،،


وقد يصل القلب إلى مرحلة من القسوة تفوق الحجارة والصخور !


دمتِ بخير .


.
_________________________________________

صباحك سعيد
نعم يا سيدي وشكرا لأنك وصلت اللب
فهناك فعلا من تعني له كلماتي أمرا عاديا ، بل يوميا
أطفالنا حتى هناك باتوا والحجر في قلب الحدث
تحياتي لردك أخي فلاح غريب

حنان الاغا
12-09-2006, 10:33 AM
الحجر بات يتشكل لا بالأزميل ولا بعوامل التعرية بل كان للمسات الصغار فعل السحر . بات الحجر السلاح يعرفها ويميزها بل يشتاق إليها . هي تعرف عباس وعباس يعرفها . ذكرت مقطعاً حجرياً من قصيدة قديمة لي فشكراً لك على هذه المقطوعة الحجرية ذات المقام ................
حنان مبدعة أنت في هذا التأمل .
____________________________________
بل مبدعة إذ حظيت بهذا الرد
سعيد
ذوقك وأدبك لا يخفى علىأحد
وليتني أطلع على القصيدة فقد أثرت فضولي
سلمت أخي

حنان الاغا
12-09-2006, 10:37 AM
الأخت حنان ....
أنت اليوم استنطقت الحجر ......
ينتابني شعور بالغبطة اليوم .....
ولا أعرف كيف أقرأك ....
وأنت تتنوعين كحديقة ....
لوناً .. وعطراً
يحق لي الصمت ...
بعض حقي ...
ولكن يحق لي أن أنحني لقلم مترف كهذا
ويحق لي أن ارسل وردة الأخوة والتقدير
لكاتبة عملاقة
بحجم حنان الآغا ......
كل حجر هنا ياقوتة .....
أحييك .....
_____________________________________
علي أسعد أسعد
كلماتك حرية بأن تميل الرأس أيها المبدع
وبالكاد أمسك رأسي
إحساسك العميق الراقي وصلني
أشكرك على هذه القراءة وهذا الصمت
ومعك ننحني احتراما لأطفال الحجارة

متفائـــــله
12-09-2006, 10:48 AM
عباس وصل..عباس رجع

اهذه على نسق عاش الملك .. مات الملك
ولا عاش ولا مات
اذا عباس هو الاخر مجرد حجر
لا وصل ولا رجع

( سعيد )
12-09-2006, 10:54 AM
هي مقطوعة قديمة جداً سأبحث عنها بين أوراقي وأعود بها لك وللجميع - شكراً

عزت الطيرى
12-09-2006, 12:36 PM
لا اجامل ولا اتجمل
فقط اقول انه عمل خلاب خلاق سامق يتناسب وقامتك الشاهقة
يكفينى اننى قرأت سطورها عشر مرات ولم اشبع
هنيئا لنا بك

محمود سليمان
12-09-2006, 12:49 PM
اذ أن تراكمات الهموم وسنوات القهر جعلت الحذر والشك أول ما تبثه هذه العتبات المختبئة وراء الأشجار العتيقة ، والسلاسل المحملة بأغصان الكرمة اليابسة. عباس وصل . عباس رجع.
" حنان الاغا
بالفعل انت متهمة بالابداع المميز والصورة التى تتناسب مع لوحة فنان بطل
شكرا لك واسعد بتواجدك الذى يضعنا على خارطة ابداع رهيف وصادق
محمود

ن.ليلـى
12-09-2006, 02:44 PM
ويعود أدراجه ليبني من جديد والدموع تتجمد في مآقيه. سيبنيها ذات يوم وستكون له ، ملكه ، ولن يستطيع أي مخلوق أن يهدمها .
جلس عباس وهو ما زال يحمل الحجر بين راحتيه ، ثم استند بظهره الى واحدة من تلك الأشجار _ عجوز جاوزت المائتين_ وضع الحجر أمامه برفق كأنما هو رضيع يوسد مهدا

حنان الآغا
مبدعة حد الدهشة

لن أنفحك بغير هذه وهي وان كانت لغيري فكأنما كتبها كاتبها استشرافا لزمن تطل فيه هذه المقامة ويعود عباس الى أشجاره وأحجارة التي تؤسس للآتي....
يقول:
أي مبدع غيرك أيها الطفل...أي مبدع غيرك يرفع صــوته عاليــا في الـطريق كي يكــلم الحجــر؟؟!!

حنان الاغا
12-09-2006, 03:32 PM
عباس وصل..عباس رجع

اهذه على نسق عاش الملك .. مات الملك
ولا عاش ولا مات
اذا عباس هو الاخر مجرد حجر
لا وصل ولا رجع
______________________________________

المتفائلة
جميلة
دعينا نتفاءل معك عزيزتي
الحياة والموت وجهان لشيء واحد

حنان الاغا
12-09-2006, 03:33 PM
ليتك تجدها
شكرا سعيد

حنان الاغا
12-09-2006, 03:35 PM
لا اجامل ولا اتجمل
فقط اقول انه عمل خلاب خلاق سامق يتناسب وقامتك الشاهقة
يكفينى اننى قرأت سطورها عشر مرات ولم اشبع
هنيئا لنا بك
_____________________________________

أنت لا تجامل ، فلمَ يحتاج مثلك للمجاملة؟
شكرا شاعرنا الرقيق
دمت لنا
أختك حنان

حنان الاغا
12-09-2006, 03:38 PM
اذ أن تراكمات الهموم وسنوات القهر جعلت الحذر والشك أول ما تبثه هذه العتبات المختبئة وراء الأشجار العتيقة ، والسلاسل المحملة بأغصان الكرمة اليابسة. عباس وصل . عباس رجع.
" حنان الاغا
بالفعل انت متهمة بالابداع المميز والصورة التى تتناسب مع لوحة فنان بطل
شكرا لك واسعد بتواجدك الذى يضعنا على خارطة ابداع رهيف وصادق
محمود
_________________________________________

أخي محمود
لو كان الاتهام هكذا فما أجمله
أتمنى إذا أن أبقى متهمة لأحظى بمثل هذه الحفاوة
دمت متهما

حنان الاغا
12-09-2006, 03:41 PM
ويعود أدراجه ليبني من جديد والدموع تتجمد في مآقيه. سيبنيها ذات يوم وستكون له ، ملكه ، ولن يستطيع أي مخلوق أن يهدمها .
جلس عباس وهو ما زال يحمل الحجر بين راحتيه ، ثم استند بظهره الى واحدة من تلك الأشجار _ عجوز جاوزت المائتين_ وضع الحجر أمامه برفق كأنما هو رضيع يوسد مهدا

حنان الآغا
مبدعة حد الدهشة

لن أنفحك بغير هذه وهي وان كانت لغيري فكأنما كتبها كاتبها استشرافا لزمن تطل فيه هذه المقامة ويعود عباس الى أشجاره وأحجارة التي تؤسس للآتي....
يقول:
أي مبدع غيرك أيها الطفل...أي مبدع غيرك يرفع صــوته عاليــا في الـطريق كي يكــلم الحجــر؟؟!!
_______________________________________________
أهلا بك ليلى العزيزة
افتقدت كلماتك الدافقة
احييك على هذا الرد مهما كان مصدره
شكرا

( سعيد )
12-09-2006, 05:11 PM
لهفي على الحق السليب
وعصارة الغصن الرطيبْ
لهفي على كنز الثرى
مما يطيب ولا يطيب
لهفي على الثدي الذي
أعطته أميَ للغريبْ
وبقيت ظمآن الحشا
والثدي من شفتي قريب
()
أم تلوذ لتحتمي
برضيعها فمن المجيب ؟؟؟
دوت لصرختها الجبال
وكل فج ٍ والكثيبْ
وتناثرت صم الصخور حصًا
على السهل الحبيب
يحدو بها شوق العناق
لكف راميها المصيبْ
كف البدور المزهرات
الطالعات من المغيبْ

هذه بقايا مقطوعة شعرية من بداية كتاباتي يا حنان الاغا ليس فيها
الكثير لكنك ذكرتيني بها فشكراً لك
كانت مهداة لأطفال الحجارة

حنان الاغا
12-09-2006, 06:23 PM
أم تلوذ لتحتمي
برضيعها فمن المجيب ؟؟؟
دوت لصرختها الجبال
وكل فج ٍ والكثيبْ
وتناثرت صم الصخور حصًا
على السهل الحبيب
يحدو بها شوق العناق
لكف راميها المصيبْ
كف البدور المزهرات
الطالعات من المغيبْ


__________________________
رائعة يا سعيد
وبخاصة الجزء المقتبس
جميلة الكف المزهرة
سلمت يديك