PDA

View Full Version : من نـافذة المخيم ( قراءة لنص: فتحٌ غاشم )



عابر_سبيل
26-08-2006, 08:50 AM
إطـلالة على الحرف من نـافذة المخيم

" شَدَّ الوِثاقَ وأَلجمَكْ
واسترسلَت كَفّاهُ ..
تَعبثُ في مَعالمِ جِسمكَ المَكدودِ
تَنكأُ كل جُرحٍ آلمَكْ "

" شدَّ الوثاق " : ويلقي بك الحرف إلى " جوف الصورة " مباشرة !! إن الشاعر لا يتخذ طريقة " عادية " لكي ينتقل بالقارئ معه إلى الحدث ، وإنما يُلقي به إلى " قلب الأحداث " مرة واحدة .. من الملاحظ أن الشاعر قد " كوّن " صورة معينة سابقة في مخيلته ، ثم قام بـ " تحريك " هذه الصورة ، ومنحها " حياة " كاملة من خلال فترة " زمنية " ، ثم اعتمد لسبب ما فهم القارئ لتلك الصورة ، ثم نقله إلى " مرحلة زمنية " تالية لكي يبدأ منها قصيدته !!

" شدَّ الوثـاق " : إننا مع مجموعة من مفردات صورة غاية في الخصوصية .. إن الشاعر يستعمل لتكوين صورته التي يريد للقارئ أن يستوعبها جيداً ثلاثة مكونات هي ( شدّ ) كزمن ، و (شدّ ) كفعل ، والوثاق كاسم ومعطى من معطيات الصورة .. إن الشاعر يمنحنا معطى مهم للفهم ، فلنحاول أن نركز مع الصورة : صورة شخص يشدّ وثاقاً .. ماذا نفهم من هذه الصـورة ؟
أولاً : أن هناك شخصاً فاعلاً يقوم بشد وثـاق .
ثانياً : إثبات الزمنية ، فالوثاق موجود منذ زمن!! ، ويبدو أن الشخص الذي يشد أحس بضرورة ملحة " لإحكـام السيطرة " فقام بشد الوثاق وكأنه لم يكن مُحكماً قبلاًَ أو احتاج للمزيد من إحكام السيطرة .

" شدّ الوثاق " : هنا الإبـداع كله !!
وكأن الشاعر يريد أن يقول لنا أن هذا الوثاق يحمل صفتين عجيبتين :
الأولى : أنه وثاق جسدي ، يُستخدم لإحكام السيطرة على " الجسد " بالاعتبار المباشر لفهم كلمة وثـاق .
الثاني : أنه وثـاق للفكر والكلمة ، باعتبار استخدام كلمة " ألجمك " !!

ومن هنا يمكن فهم الصورة على هذا الاعتبار : أن هذا المسؤول عن بلاده اكتشف فجأة أن الوثاق الجسدي الذي يُكبَّل به الشعب لم يعد كافياً ، فلا الجوع ، ولا الألم بمانع شعبه من " الكلام " ، و " التعبير " فاكتشف أنه في حاجة لإحكام السيطرة فشدّ وثاقه ليُلجم " فم " الشعب حتى لا يتكلم ، ولقد استطاع أن يوصل لنا هذا المعني من الإرهاب الجسدي الفكري من خلال استعمال ثلاث كلمات فقط هي : شد – الـوثاق – وألجمك !!

" وألجمك " : استخدام رائع للمفردة ، يوحي بـثلاثة أمور :

الأول : نجاح المسؤول في شد وثاقه الفكري مع عدم نسيان الحساب الزمني المتمثل في الواو.
الثاني : توقع المسؤول لحاجة الشعب للتعبير بالكلام منذ بداية التوثيق الجسدي ، فقام بأخذ " احتياطات مستقبلية " في حالة احتياجه لكتم صوت الشعب ، وشد وثاقه الفكري العقلي .
الثالث : شفقة الشاعر على هذا المواطن الذي سمح للمسؤول عنه أن يوثقه جسدياً وفكرياً منذ البداية ، فالشاعر يقول لنا أن شد الوثاق الفكري كان متوقعاً أساساً ، فالشاعر يشفق على شعب لم ينجح في أن يترك لنفسه لا المجال الجسدي ولا الفكري للثورة على الأوضاع !!

" واسترسلَت كَفّاهُ .. "
" واسترسلت " : يمنحني هذا الفعل شعوراً عجيباً بـ " الراحة " !! .. إن الفعل ينقل لك هذا الإحساس الذي شمل المسؤول وهو يمارس فعل الاسترسال ، وكأنه يمارس فعلاً " راقياً " يبث في نفسه " الرغبة " في استمرارية ممارسة هذا الفعل ، والمفردة تعكس لنا بهذا هذا الإحساس العجيب بموت الحس والشعور لدى هذا المسؤول لدرجة كوّنت رغبة دائمة في الاستمرارية والاسترسال في ممارسة الفعل !! .

" واسترسلَت كَفّاهُ .. " : ويأخذك السؤال ، لماذا أثبت الشاعر الاسترسال للكفين تحديداً ؟؟ .. وكأن الشاعر يريد أن يمنحنا الوصول لفهم محدد يتمحور في نقطتين :
الأولى : إثبات " قوة التأثير " للممارسات التي قام بها هذا المسؤول إلى الحد الذي جعلها قوية وفعالة ، فقد اختار من بين كل الجوارح مفردة " كف " مما يوحي بالقوة والقدرة على " إحكام السيطرة " .
الثانية : الدقة في استخدام المفردات والتوافق فيما بينها ، فاللجام لكي يشد يلزمه " كف " تمسك به وتشده وتحكم به السيطرة ، مما يعني أن الشاعر يريد أن يقول لنا بصراحة أن هذا المسؤول استطاع أن ينجح في استخدام " القوة البدنية " للإرهاب الفكري والكلامي ليلُجم هذا الشعب .

" تَعبثُ في مَعالمِ جِسمكَ المَكدودِ
تَنكأُ كل جُرحٍ آلمَكْ "

" تعبث " : فعل عجيب يستخدمه الشاعر ، ولكي أفهمه جيداً يلزمني ربطه بالفعل ( شدّ ) ، ومفردة ( ألجمك ) ؛ لأنك تحس ظاهرياً أن هناك عدم انسجام واتساق بين استخدام هذه الأفعال ، فالعبث لا يتناسب ظاهرياً وقدرة هذا المسؤول العقلية لاستخدام إمكانياته لإحكام السيطرة وشد الوثاق البدني والفكري .. فما الذي يريد أن يوضحه لنا الشاعر من خلال توضيح عدم الانسجام الظاهري بين المفردات ؟؟

اقرأ هنا بقراءتين :

الأولى : إما أن الشاعر يريد أن يثبت لنا أن هذا المسؤول يملك طاقة وقوة " غرائزية" غير موجهة ، تستخدم العنف وإحكام السيطرة بقوة مبعثها الغزيرة وحب الدفاع عن النفس لا العقل تمكنه من السيطرة والتحكم إذا ما جابه أي طرف ما مصالحه وبقاء أذرعه الرهيبة في السلطة .. ومن هنا فهو غرائزي لا يمكنه سوى النجاح في إتقان فعل إلا إذا هدد وجوده ، فهو " عابث " لا يجيد " الدقة " في اختيار أماكن العذاب والوجع في جسد وروح خصمه ... وهو المعنى الذي لا ترتاح له النفس ولا يطمئن له القلب .

الثانية : أنه خصم ذكي ، ومُعذِّب بارع لا يشق له غبار في التعذيب ، فهو " يعبث " في تعذيبه لجسد وروح خصمه ، وكأنه " يتلذذ " بما فعله ، فهو شخص " سادي " يروقه ما يفعل ، ويتخذ من هذا العبث الأولي طريقة لتحقيق أمرين :
الأول : اختبار ردة فعل خصمه ليري ماذا سيكون رد فعله ، ومدى قدرته على تحمل الآلام ، ومن هنا يحدد شكل وطرق العذاب .. كما فعل المسؤول في اختبار ردة فعل شعبه على التنازلات التي قدمها للاحتلال والغرب ، وعلى أساس ردة فعل الشعب يرى هل سيتمادى في تنازلاته وعبثه أم يوقفه رد فعل الشعب .
الثاني : إثبات القدرة على التحكم بالمصير ، فالمسؤول المعذب يعبث بضحيته كما يعبث القط بالفأر ، ليمارس معه تلك اللعبة المشهورة ، يطلقه ثم يمسكه ، وهكذا حتى يمل فيجهز عليه ، وكذا هذا المسؤول المعذب بـ " عبثه " هذا يثبت لمن يعذبه تلك القدرة على تمكنه من خصمه ، فهو يعبث معه ليثبت له هذا التحكم وتلك القدرة على إحكام السيطرة ؟

" في مَعالمِ جِسمكَ المَكدودِ " :
" معالم " : مفردة قوية ذات دلالات متعددة ، ونرى أن شاعرنا لا يزال يطلب منه في فهمنا أن نحمل هذه الصورة المتوازية ، الصورة الرمزية التي يسوقها أمامنا ، بالتوازي مع الصورة الحقيقة المرادة

" معالم " : مفردة تقود ذهنك مباشرة للوصول إلى المقدسات العربية والإسلامية ، ولعل هذه المفردة تطمئن القلب إلى اعتماد الفهم الثاني بذكاء هذا المسؤول وساديته وتلذذه بالعبث مع شعبه ، وثقته التامة بنفسه ، فهو يتعامل مع " معالم " الجسم / الأرض وقضاياها بطريقة " العابث " الذي لا يهتم لقيمة تلك المعالم وأهميتها .

" جسمك " : مفردة عميقة ، والسؤال يطرح نفسه ، لماذا اختار الشاعر هذه المفردة تحديداً ؟؟ ولماذا لم يعبر عن معنى مختلف كالعبث بالروح مثلاً ؟!!
إن الشاعر قد وفق هنا كثيراً في استخدام هذه المفردة " جسمك " لأنه لم يكن ليستطيع أن يستخدم مفردة روحك مثلاً .. لماذا ؟؟
لأنه أثبت للشعب / صورة المُعذَّب صفة ( الإلجام ) ، وهي صفة تستلزم ( كتم ) الصوت الذي يُعدُّ وسيلة أساسية للتعبير عن ألم الروح ، ومن هنا لا يبقى أمام الشخص المعذَّب سوى أن يعبر بوسيلة واحدة عن ألمه وعذاباته .. وسيلة الجسد في التعبير بانفجارات الجروح وانبثاق الدماء عوضاً عن الصوت والآهات !!

" جسمك " : استخدام الكاف له دلالة معبرة هنا ، فتعريف الجسم بإضافته إليه يمنحك إحساساً عجيباً بـ " الوحدة " !! .. وكأن الشاعر يريد أن يثبت لهذا الشعب وهذا الإنسان المعذب في الصورة الرمزية أنه وحيد لا سند له ، فالعذابات عذاباته ، والآلام آلامه وحده ، وعليه أن لا ينتظر من أحد أن يخلصه من هذه الآلام .. ماذا تقصد أيها الشاعر المبدع ؟؟ أن هذا الشعب الموثق قيده وحيد وسط هذه الأمة العربية كلها ، وما له من نصير ؟؟ أم أن هذا الشعب يستحق أن نطلق على بلده الصغير كلمة ( جسد ) لأنه بعظمة مقدساته " وطن " وحده ، و " أمة " بأسرها .

" المكدود " : لا أعرف كيف يُطوّع شاعرنا مفرداته بهذه الطريقة المذهلة ؟؟ منذ لحظة حملني معه على أجنحة اليأس إلى كون هذا الشعب لا أمل له بوحدته ، وتفرده وسط كل شعوب الأرض ، ثم بمفردة ثانية " المكدود " ينقلني معه إلى آفاق من الأمل والإيمان !! .. لقد أثبت الشاعر صفة المكدود للجسد ، ولم يصفه بالمهزوم ، أو الميت ، أو أي صفة أخرى تثبت له الانهزام وعدم القدرة على النهوض من جديد .. حقيقة أنه جسد مكدود متعب شديد الإعياء ، ولكن ما من إشارة واحدة تثبت موته وهوانه ، وكأن الشاعر يترك لنا بصيصاً من أمل باستخدام تلك المفردة بالأمل الذي سيحمله الغد لا ريب ليتخلص فيه هذا الجسد من هذا التعب الشديد لينهض من جديد !!

" تَنكأُ كل جُرحٍ آلمَكْ "
" تنكأ " : فعل لا يمكن فهم دلالاته وأبعاده المقصودة ، دون أن نحمل معنا صورة هذا المعذب السادي ؛ لأن استخدام الشاعر للفعل " ينكأ " يثبت لنا أن الصورة التي يريد منا أن نحتفظ بها لهذا المسؤول هي صورة " العابث الذكي " الذي يتخذ العبث كطريقة من طرق الوصول لأهدافه / نكأ الجروح ، مستخدماً من العبث وسيلة لإثبات عدم قصد النية ، وثبوت الترصد !!
وكأن الشاعر يريد أن يقول أن ما نراه من تنازلات تشبه العبث في حق الشعب ما هي إلا مخططات ذكية جداً ومحسوبة بدقة تبدو في صورة العبث والتخبط وعدم القدرة على اتخاذ القرار الصحيح ، في حين أنها مدروسة بعناية فائقة ومرتب لها بشكل مذهل .

" كل جُرح " : هنا يجب أن نتوقف قليلاً ولو لثوان ، في محاولة للفهم ، ونتساءل ما الذي يريد الشاعر أن نفهم باستخدامه تلك المفردات " كـل " و " جرح " ؟؟
أولا : " كل " هي إثبات للإجمال والإحاطة ، ولا تحاول أن تبتعد في فهمك لها عن الصورة الرمزية السابقة " صورة الكف العابثة " ؛ لأن العبث بالجسد باستخدام الكفين كطرف إنما تعني استخدام المساحة الكاملة للكفين في الاستمرار في هذا العبث والمرور بها في "معظم " الاتجاهات .
ثانياً : كلمة " جرح " أفادت إثبات " عدم الشفاء " لهذه الجروح ، فهو لا يعبث بأي منطقة من مناطق الجسد .. حاول أن تصنع نوعاً من التوازي بين الصور ، لتحتفظ بها في عقلك .. لاحظ المعذب " المسؤول" يعبث بكفيه" الوثاق الجسدي الفكري " على جروح الجسم " معالم ومقدسات الوطن " في حركات تمريرية جسدية " التنازلات المقدمة للاحتلال والغرب " !! ..

" آلمك " : مفردة يشحذها الشاعر كسكين ، مختارة بعناية فائقة ، وكأن الشاعر يريد أن يقوم بحركة " مقاومة " للصورة الرمزية السابقة " صورة الوثاق الفكري الجسدي " ، فيستعمل " آلم " بمدلولاتها " الصوتية – الجسمية " فالألم يتعبر عن ذاته بحركة جسدية ، وأخرى صوتية ليقاوم بها الوثاق الفكري الجسدي ، وكأنه يستخدم المفردة كنوع من أنواع " التحدي" والمقاومة لهذا المسؤول المُعذَّب !! وليس بخافٍ الأثر النفسي الذي أراد الشاعر أن يُحدثه بإضافه كاف المخاطب ، وكأنه يؤكد على إثبات وحدة هذا الشعب المعذب في مقاومة هذا الألم السادي.

" وعلى حُطامِكَ..
يَرتقي..
يَعلو..
يَدوسُ هَشيمكَ المَنثورَ..
يَقطِفُأَنجُمَكْ"

" وعلى حُطامك " : هنا يُجبرك الشاعر على التوقف والسؤال عن هذه الصورة العجيبة " وعلى حطامك " !!! وهنا تجد نفسك حائراً أمام فهمين :
الأول : أن يكون الشاعر بإدراجه هذه الصورة " صورة حطام الشعب " يريد أن " يثبت " حقيقة هذه الصورة ، وكأنها واقع حقيقي يعايشه الشعب ويعانيه !!

الثاني : أن يكون الشاعر قد " طوّر " صورته الشعرية السابقة " صورة المسؤول المعذِّب " ، فراح الشاعر ينقل لنا " تخيلاً مستقبلياً " لصورة هذا الشعب لكن من خلال " رؤية المسؤول المعذب" فقط

وأنا ارتاح للفهم الثاني باعتبار أن هذه الصورة التي ينقلها لنا الشاعر " صورة حطام الشعب " هي صورة تمثل رؤية مستقبلية مُتخيلة في عقل المسؤول المعذب المريض ، ودليلي يعتمد على جانبين :

الأول : جانب واقعي ، فلم يتحول بعد مصير الشعب إلى حطام .
الثاني :جانب فني ، وهو استكمال الصورة الشعرية بعد ذلك .

" يَرتقي..
يَعلو..
يَدوسُ هَشيمكَ المَنثورَ..
يَقطِفُأَنجُمَكْ "
" يرتقي – يعلو – يدوس – يقطف " : مجموعة من الأفعال المضارعة أجاد الشاعر استخدامها بإبداع مذهل ، وهي بهذا الاستخدام تنقل لك مجموعة من الدلالات ، أهمهـا :
" إثبات" و " تأكيد " الصورة التي تبناها الشاعر سابقاً ، وهي أن حُطام الشعب إنما هو صورة متخيلة في ذهن المسؤول المعذب ، والدليل على ذلك " ترتيب " الشاعر لاستخدام الأفعال ، فلقد قدّم الشاعر الفعل " يرتقي " و الفعل " يعلو " على الفعل " يدوس " ، مع أن الأصوب هو أن " يدوس " الإنسان أولاً ليرتقي ويعلو ، ولكن الشاعر ببراعة يؤكد بهذا الاستخدام صورة الوهم المتخيلة في عقل المسؤول ، فكأنه لفرط هيامه بالصورة " يرتقي " أولاً ويعلو ، ثم يدوس ، فالرقي والعلو أفعال دالة على رغبته وأمنيته في تحقيق هذه الصورة ، فكأنه لفرط رغبته " يرقى " و " يعلو " خيالاً وسعادة ، ثم أراد أن يثبت لنفسه حقيقة الصورة فحوّل خيالها إلى واقع خاص به باستخدام الفعل " يدوس " !!

يَدوسُ هَشيمكَ المَنثورَ..
يَقطِفُأَنجُمَكْ "
صورة " خرافية " التكوين ، استطاع الشاعر أن يمزج فيها بإبداع بين مكان المسؤول المعذِّب والإنسان المعذَّب .. فالأول في الثرى والثاني في الثريـا !!
ولكي يتضح لك إبداع الشاعر هنا في الصورة قم بالربط بين هذه المفردات :
( يدوس هشيمك - يقطف ) ،، ( المنثور – أنجمك )
لاحظ :
يَدوسُ هَشيمكَ المَنثورَ
يَقطِفُأَنجُمَكْ "
إن الشاعر يثبت للمسؤول المعذِّب مكانه في الثرى حتى وهذا الأخير في أعمق وأروع تصوراته الخيالية بالانتصار !! فالمسؤول " يدوس " / فعل أرضي ، بينما أثبت الشاعر بمفردتين مذهلتين مكان الشعب والإنسان المعذب باستخدام " هشيمك " و " المنثور " !!
إن مفردة " هشيمك " تتناسب مع استخدام الفعل " يدوس " وتكمل للقارئ الصورة ، ولكن الشاعر لا يترك الحزن ليتملك القارئ فوصف الهشيم بالمنثور ، فما الذي نفهمه من ذلك :
أولا : التأكيد على خيالية الصورة ، وأن مكانها الوحيد هو عقل وخيال المسؤول ، فهل يعقل أن تدوس قدم ما مهما كان حجمها كل الهشيم المنثور !!
ثانياً : إثبات مكان المسؤول بأنه في الأرض باستخدام الفعل ( يدوس ) و الفعل ( يقطف ) فهي أفعال ( أرضية ) مما يدل على أن مكان هذا المسؤول حتى وهو في قمة خيالاته هو الثرى !!! بينما أثبت باستخدام كلمة ( المنثور ) و ( أنجمك ) مكان الإنسان والشعب المعذب فهو الثريا والسماء ، وكأن هشيم الشعب قد تحول إلى أنجم درية في السماء ، استلزمت من المسؤول المعذب أن يرتقي ويعلو لكي يحاول أن يقطفها !!! وكأن عذابات وآلام هذا الشعب هي في حد ذاتها رحلات رقي وعلو وارتقاء تحتاج من المعذب أن يصعد إليها من جحوره المظلمة !!

منتهى الإبداع في تركيب الصور ، فالشاعر " يقاوم " هذا المسؤول حتى في ثنايا تخيلات هذا السادي المعذب فيعكس له الصور ، ويغير من الخيالات ، فتمسي كل محاولات هذا المسؤول لعذاب الشعب والإنسان هي محاولات للمقاومة لا تنتهي ، فالثرى مكان المسؤول ، والثريا مكان الشعب !!

" يقطف أنجمك " : استخدام بارع للمفردات ، فالشاعر يستخدم كلمة " أنجمك " باعتبار أنها جمع قلة ، وكأنه يشير إلى قلة عدد المقدسات الإسلامية التي بقيت في يد هذا الشعب وضياع الكثير من نجوم الأمة المسلمة .

عبدالرحمن الخلف
16-09-2006, 02:45 AM
أخي عابر سبيل
قراءة واعية لنص يستحق أكثر من قراءة ..

سأعود لألقي حجراً في هذه البحيرة الوادعة.. وإلى أن أعود سألقي هذا التساؤل:

تبادر لي بعد أن قرأت الأسطر الأولى أن القراءة انطباعية صرفة ولكن مع استمراري في القراءة وجدتها أقرب للتحليلية فما الذي ياترى جعل منها مبتورة من الأعلى والأسفل حيث لا تمهيد ولا تذييل؟

وإني أشيد على أية حال بمثل هذه المقاربات التي تزيد من التعالق مع النصوص الأدبية نحو تلقٍ واع يثمر حراكا مطلوباً في مشهدنا الأدبي..

فلك التحية من قبل ومن بعد.

سلطان السبهان
16-09-2006, 01:29 PM
جهد واضح ومميز

لازلت أقرأ ، فقط أحببت حجز المكان .

مصطفى عراقي
16-09-2006, 02:26 PM
أخي عابر سبيل

أسمى باقات الشكر أهديها إليك لهذه الرؤية النقدية المضيئة الكاشفة

لقد وفقت توفيقا باهرا في الإفادة من طاقات اللغة الإبداعية وإمكانات النحو التفسيرية في سبر أغوار النص والكشف عن الكثير من أسراره عبر الدخول من باب البناء اللغوي انطلاقا من أن اللغة للشاعر (المبدع) أداة بناء وتعبير، وللناقد (الواعي) أداة كشف وتفسير.

كما وفقت أيضا في الإفادة من توظيف إمكانات الصورة على أساس أن الشعر - على ما قال الجاحظ - " ضرب من النسج وجنس من التصوير".

ثم أضفت إلى ذلك كله الوعي بالسياقين الداخلي في بنية النص وتركيبه ،والخارجي وهو ما يحيط بالنص من أحداث، من غير انفصال في هذه المستويات عن رؤية الناقد وموقفه.

ومن ثم أرى أن ملاحظة الأخ الفاضل عبد الرحمن إنما هي في صالح التحليل ، حتى لا يحافظ النقد على حيويته من جهة وعلى روح النص ثم لكي يكون النقد عاملا من عوامل إثراء الوعي .



أخي الفاضل
كم أنا سعيد بهذا النقد الذي يبين أن النقد أبداعٌ موازٍ للإبداع ، ويُجليه سبيلا من سبل الوعي والرؤيا


دمت بخير وسعادة


مصطفى

عابر_سبيل
16-09-2006, 09:02 PM
أخي عابر سبيل
قراءة واعية لنص يستحق أكثر من قراءة ..

سأعود لألقي حجراً في هذه البحيرة الوادعة.. وإلى أن أعود سألقي هذا التساؤل:

تبادر لي بعد أن قرأت الأسطر الأولى أن القراءة انطباعية صرفة ولكن مع استمراري في القراءة وجدتها أقرب للتحليلية فما الذي ياترى جعل منها مبتورة من الأعلى والأسفل حيث لا تمهيد ولا تذييل؟

وإني أشيد على أية حال بمثل هذه المقاربات التي تزيد من التعالق مع النصوص الأدبية نحو تلقٍ واع يثمر حراكا مطلوباً في مشهدنا الأدبي..

فلك التحية من قبل ومن بعد.


المشرف الكريم / عبد الرحمن الخلف
السلام على من اتبع الهـدى
أبداً لم يخطر ببالي يوماً أن خربشة من خربشاتي يمكن أن يفرد لها موضوع مستقل أصنعه بذاتي فما بالك وقد قام بذلك الكبير عبد الرحمن الخلف ؟!!

أيها الكريم الكبير العذب
شرفتني ورفعتني مقاماً علياً بهذا القرار
وأسعدني أنك لم تستأذنني فيه
أما عن سؤالك عن الاستهلال والخاتمة فالأمر يرجع ببساطة إلى أنني بدأت كتابة الخربشة على عجل ، ولم يسعفني الوقت لأن انتهى منها ، فما انتهيت حتى من الفقرة الأولى !!
أما عن الخاتمة فما زلت استجدي الوقت ساعة أكمل فيها ما بدأت
وربما كان لهذا التأخر ميزة ، فلا زلنا بانتظار إلقاء حجر في هذه البحيرة الوادعة


تقديري أيها العذب
عابر_سبيل

بيان
16-09-2006, 09:09 PM
يبدو أننا سنتحلق حول هذه البحيرة الغنية..

قراءة مميزة.. لنص بديع.. بانتظار الحجارة.. والعصي .. :p

وتحية لك أيها العابر ..فتحت على الأفياء نافذة فسيحة..!

عبدالرحمن الخلف
16-09-2006, 10:03 PM
المشرف الكريم / عبد الرحمن الخلف
السلام على من اتبع الهـدى


f*

يبدو أن أحد كفار قريش عُيّن مشرفاً في أفياء فاللهم سلم!!

حي بن يقظان
16-09-2006, 10:31 PM
f*

يبدو أن أحد كفار قريش عُيّن مشرفاً في أفياء فاللهم سلم!!

:)
لا تتملص وارم حجرك
ثم أين النص كاملاً ؟

عبدالرحمن الخلف
16-09-2006, 11:15 PM
^
لم أتملص يا دخيل ولكنها محاولة لاستجماع القوى الواهنة..

وهاك النص :
http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?p=1001797

هيا.. أرنا حجارتك أيها الكهل الوسيم..
:)

عابر_سبيل
17-09-2006, 07:54 AM
جهد واضح ومميز

لازلت أقرأ ، فقط أحببت حجز المكان .


سلطان الشاعر المبدع / سلطان
أشفقنا على مَنْ سيأتي بعـدك ، إذ كيف يتسع المكان لشاعر كأنت أيها الكبير


تقديري

مصطفى عراقي
17-09-2006, 08:22 AM
أخي عابر سبيل

أسمى باقات الشكر أهديها إليك لهذه الرؤية النقدية المضيئة الكاشفة

لقد وفقت توفيقا باهرا في الإفادة من طاقات اللغة الإبداعية وإمكانات النحو التفسيرية في سبر أغوار النص والكشف عن الكثير من أسراره عبر الدخول من باب البناء اللغوي انطلاقا من أن اللغة للشاعر (المبدع) أداة بناء وتعبير، وللناقد (الواعي) أداة كشف وتفسير.

كما وفقت أيضا في الإفادة من توظيف إمكانات الصورة على أساس أن الشعر - على ما قال الجاحظ - " ضرب من النسج وجنس من التصوير".

ثم أضفت إلى ذلك كله الوعي بالسياقين الداخلي في بنية النص وتركيبه ،والخارجي وهو ما يحيط بالنص من أحداث، من غير انفصال في هذه المستويات عن رؤية الناقد وموقفه.

ومن ثم أرى أن ملاحظة الأخ الفاضل عبد الرحمن إنما هي في صالح التحليل ، حتى لا يحافظ النقد على حيويته من جهة وعلى روح النص ثم لكي يكون النقد عاملا من عوامل إثراء الوعي .



أخي الفاضل
كم أنا سعيد بهذا النقد الذي يبين أن النقد أبداعٌ موازٍ للإبداع ، ويُجليه سبيلا من سبل الوعي والرؤيا


دمت بخير وسعادة


مصطفى


تصويب: ورد في التعليق: حتى لا يحافظ النقد على حيويته

والصواب: حتى يحافظ

عابر_سبيل
17-09-2006, 02:04 PM
أخي عابر سبيل

أسمى باقات الشكر أهديها إليك لهذه الرؤية النقدية المضيئة الكاشفة

لقد وفقت توفيقا باهرا في الإفادة من طاقات اللغة الإبداعية وإمكانات النحو التفسيرية في سبر أغوار النص والكشف عن الكثير من أسراره عبر الدخول من باب البناء اللغوي انطلاقا من أن اللغة للشاعر (المبدع) أداة بناء وتعبير، وللناقد (الواعي) أداة كشف وتفسير.

كما وفقت أيضا في الإفادة من توظيف إمكانات الصورة على أساس أن الشعر - على ما قال الجاحظ - " ضرب من النسج وجنس من التصوير".

ثم أضفت إلى ذلك كله الوعي بالسياقين الداخلي في بنية النص وتركيبه ،والخارجي وهو ما يحيط بالنص من أحداث، من غير انفصال في هذه المستويات عن رؤية الناقد وموقفه.

ومن ثم أرى أن ملاحظة الأخ الفاضل عبد الرحمن إنما هي في صالح التحليل ، حتى لا يحافظ النقد على حيويته من جهة وعلى روح النص ثم لكي يكون النقد عاملا من عوامل إثراء الوعي .



أخي الفاضل
كم أنا سعيد بهذا النقد الذي يبين أن النقد أبداعٌ موازٍ للإبداع ، ويُجليه سبيلا من سبل الوعي والرؤيا


دمت بخير وسعادة


مصطفى


الشاعر الرقراق / مصطفى عراقي


أوقع حرفي فيض كرمك، وجود كلماتك في حيرة التطاول إلى الرد على حرفكم الكبير
ورأيتني أقف على ناصية الحرف أتعلم كيف تُنسج الحروف ، وكيف تُصاغ الأبجدية
كبيرٌ أنا أيها العذب بما أسبغت عليّ من رقيق الحرف ، وعذب الكلام
واسمح لي أن أقف - ما وسعني الوقوف - هنـا على حرفكم تلميذاً يتعلم كيف تتوج الحروف بأكاليل الجمال


تقديري أيها الأرق

عابر_سبيل
17-09-2006, 02:12 PM
يبدو أننا سنتحلق حول هذه البحيرة الغنية..


قراءة مميزة.. لنص بديع.. بانتظار الحجارة.. والعصي .. :p


وتحية لك أيها العابر ..فتحت على الأفياء نافذة فسيحة..!


المشرفة المبدعة / بيـان


مررتُ عابر سبيل على نـافذة الأفياء
فأبي الكبير القدير / عبد الرحمن الخلف إلا أن يوقف العابر
وأن يستعرض ما معه على أهـل الأفياء فأزجاها بضاعة


لك تحية بمثل قـوة حرفك وجزالته
وللأفياء تحية عابر قادته إليها هوامش السُبُل


تقـديري

عابر_سبيل
17-09-2006, 02:18 PM
f*

يبدو أن أحد كفار قريش عُيّن مشرفاً في أفياء فاللهم سلم!!


الكبير العذب / عبد الرحمن الخلف


أسعد الله صباحاتك كلها
لملمتُ هنـا شبح ابتسامة
سأحفظها هنا لكَ بنافذة الأفياء حتى يأذن الله فأعرفُ أي أقسام الساخر
تتوجون ، فأضع فيه ابتسامتك النقية


دم نقاء كأنت
تقديري

جريرالصغير
03-12-2006, 08:52 PM
عذرا يا عبد الرحمن

والله ما أعلم كيف وصلت إلى هنا

وأظن هذا الموضوع من العصر المملوكي

ولكن جاءني في الخاص رسالة بها رابط ، ومن رابط إلى رابط

تنقلت إلى كل مكان لا أعرفه ، فإلى آخر لا أعرفه ، وكأني أعمى في سفينة

لم أتعود يا عبد الرحمن حمل الآثار

ولا أعرف والله مما يجري شيئا

الشيء الذي أعرفه هو أني غارق ضحكا :
يبدو أن أحد كفار قريش عُيّن مشرفاً في أفياء فاللهم سلم!!

محمد غطاشة
03-12-2006, 11:54 PM
أما زالت تُرزق..!!
:xc:
شكراً لك يا جرير الكبير
فقد ذكّرتني بابنتي ذكرك الله بكل خير

لكل من وقف هنا ألف تحيّة
ومثلها لكل من ألقى حجراً أو صخرة أو همّ بالإلقاء
:)

والشكر دائماً -بعد الله- لأستاذي المقيم في القلب.. عابر السبيل

زادكم الله بسطةً في العلم والرزق
...المقاوم...