PDA

View Full Version : انت وطائرتي....



بنت_القمر
18-09-2006, 10:52 PM
http://img106.imageshack.us/img106/5913/sr9905bsummerbrzks0.jpg


يبدو أنهم جميعا كانوا يعلمون بهويتي المزعومة وأنا الوحيدة التي كانت تجهل ذاك...

كل الذي ادري أني منذ كنت صغيرة كل حلمي كان يقتصر على طائرة ورقية مزركشة باللون الأصفر... و اليوم تحققت كل أمانيهم إلا أنا ما زالت انتظر.....لا اعلم سر تعلقي بغير المكتملات فدائما ما كانت تنقصني الخطوة الأخيرة

أخبرتني أمي أني لم ابكي حينما أهدتني إلى الحياة على غير عادة الأطفال.. ظنوا في البداية اني ولدت صماء ثم اكتشفوا اني اهوى الصمت بكبرياء...

وروت لي اني الوحيدة من بين اخوتي التي ولدت وعيني تنظر إلى الفضاء... واني الوحيدة التي لم تنطق بابا واكتفت بالصمت حتى وقت بت فيه اجيد الغناء.. واخبرتني أن اول طلب كان لي ليس دمية محشوة ولا حبة شوكولا وانما كان طائرة ورقية صفراء...

يبدو أن يدي والدي التي كنت الحظها كل مساء.. كانت كفيلة بجعلي من عشاق اللون الاصفر فما زلت اذكر رائحة الحلوى الصفراء التي ما اتقن احد صناعتها كما فعل ابي...
في عينيه اعلم اني لطالما لمحت السماء.. وفي يديه كنت ارى العيد وابتسامة الصغار.. لكني لا اذكر انه في يوم قابلني على باب البيت باي ابتسام..

لليوم صدقا لا اعلم... هل كان ابي لا يلحظ الاشياء الصغيرة ام انه تعمد عدم ملاحظتي... حتى لا اهرع اليه بطلبي.. طائرة ورقية صفراء... مسكين انت يا ابي.. كل احلامي كانت تقتصر على طائرة ورقية صفراء... وكل احلامك كانت تقتصر على امتلاك منجم ذهب اصفر ...

انا اليوم لا الومك على ذاك... فمسؤولية الاشراف على عائلة كانت تقتضي أن تصنع رجلا يمتاز بالخشونة وقليل من الابتسام غير المبرر لترطيب الحلوى الصفراء...

كم انتظرت العيد ليحمل اللي هوايتي الاجمل.. .. مراقبة الطائرات الورقية المحلقة بشموخ وكبرياء والمتربعة بقوة في احضان السماء.. كم كنت احسدها وكم كنت اتمنى أن اكون مثلها لا ألحظ الا انا في دربي ولا اعبأ بما تتبادله حولي الانظار.. يبدو أن تلك المهمة مستحيلة في عالم لا يكتفي بالانسان.. عالم يتطلب منك أن تمارس هواية المراقبة والمتابعة ومحاولة زراعة شجرة في درب كل من يحاول صناعة حلوى صفراء...

في مدينتي كل اولئك الذين كانوا يمارسون دور البطولة كان يبدو انهم يتمتعون بارتداء الملابس الرسمية وربطات العنق.. الا انه ما كان يثير تساءلي دائما لماذا تراهم يبتسمون فقط حينما يخلعونها ويضعونها في درج الخزانة...حتى ابي الذي لطالما كان يبدو مستمتعا بارتداء ذاك المريول الابيض لم أراه يوما مبتسما الا حينما كان يخلع ذاك المريول الابيض عن كتفيه...

وتوالت الاعياد... وفي كل عيد كانت تزداد رغبتي في اقتناء طائرة ورقية صفراء,,, وكانت تزداد رغبة ابي في اقتناء منجم ذهب اصفر... وكان يزداد عدد اولئك الذين يمارسون دور البطولة بملابسهم الرسمية السوداء.. وابتساماتهم البيضاء...

دائما ما كان يغريني صوت اولئك المترنمين على وقع اوتار العود.. فاذكر اني عملت مدة اسبوع في دار عرض موسيقية اجمع الاوراق لاحظى بفرصة الاستماع الي صوت موسيقاه... وكبرت وكبرت معي عادتي... الا اني الان بت املك اوراقا تتيح لي شراء مقعد في الصف الاول لامارس مثلهم التصفيق والنظر حولي بحثا عن جامع الاوراق... كم اتمنى اليوم أن اعود لاجمع الورق فحينها كان وقع موسيقى العود اجمل وكانت متعتي في استراق السمع من بين تلك الستائر الحمراء اكبر...

وجاء عيد اخر.. وكل ما كان حولي كان يشير الا انه العيد الاجمل.. كل من كان في مدينتي كان يحسدني على سترتي الرسمية السوداء ... لكني ما زلت امقتها فبنطالي القطني وقميصي الاصفر وورقتي وصوت موسيقاه هي ابتسامتي التي لطالما بحثت عنها واعتمدتها كمقياس لمدى نجاحي.. الا اني اليوم اخترت أن اكون مثلهم وان اكتفي بممارسة ابتسامتي في المساء...

لا اعلم لليوم سر اعتقادي أن هذه الحفلة ستكون على غير العادة .. ولا اعلم لما اخترت مصاحبة دفتر اوراقي في رحلتي إلى ذلك المسرح... كنت اخشى على اوراقي منهم جميعا وكنت اخاف أن يوقعوا عليها كما انا بعدم الاكتمال... الا اني تجاهلت كل ذاك واخترت مصاحبتها إلى القاعة الموسيقية الحمراء...

ها نحن نقف على اعتاب تموز... الا انه وقت لطالما حمل اللي المفاجات... ولطالما احتفظ باسراري كلها وباح باسراري كلها لهم جميعا... انه موعد الحفلة السنوية ولا اعلم لليوم لما اصطحبت مظلتي معي ... يبدو اني وتموز كنا دائما على موعد دائم للاختلاف.. لذلك هذه المرة اخترت أن اكون اكثر ذكاء منه...

حملت مظلتي... ودفتر اوراقي وارتديت معطفي... واقفلت بابي وودعت كل اولئك الذين يشعرون اليوم بالابتسام... ودعتهم واذكر اني اخر ما اخبرتهم اياه... شمعتي في غرفتي فلتضيئوها كل ليلة قبل أن يغادر القمر شرفتي... ابتسم الجميع في وجهي ولوحو بايديهم... واخبروني أن اسرع بالعودة فجميعم سيشعرون بالشوق اللي... صدقتهم هذه المرة وهي المرة الوحيدة التي استشعر صدق اعينهم فيها...

اغلقت الباب خلفي... وسرت ... وكأن تموز علم بخروجي فاراد أن يهديني هذه المرة اخر هدية واول هدية في ذكرى ميلادي... نظرت إلى السماء... وبحركة مفاجئة القيت مظلتي على الرصيف.. واخترت أن اشارك تموز هذا العام رقصتي تحت وقع المطر.. لم اشعر بالخوف على اوراقي فانا كنت اعلم أن تموز يحبها كما انا رغم اختلافنا الدائم...

كل ما كان بالطريق ... لون اسود ومصباح كهربائي كنت ادعوه منارة... رحت اجري حتى وصلت اليه واكتفيت بالمكوث تحته ...فلطالما حلمت بالرقص على ذاك المسرح وانت... وصوت موسيقاه حولي وطائرة ورقية صفراء تحلق في الفضاء...

رقصت ورقصت ورقصت وتموز يرقص حولي في ذكرى ميلادي اليوم... كانت معي اوراقي ومنارتي وصوت موسيقاه.. وكل ما كان ينقصني طائرة ورقية مزركشة باللون الاصفر تحملها انت...

اغمضت عيني ... واكتفيت بالجلوس على الرصيف ... وقطرات ماء تجدل خصال شعري بفرح... انظر إلى اوراقي وامارس تهمتي اليومية على ورقة وقلم... لطالما حلمت برسم تموز... واليوم ها انا احقق حلمي تحت وقع المطر...

رحت ارتقب تموز ... محاولة أن اهديه بقلمي المتفحم بضعا من نور تلك اللحظة... كل ما كان حولي كان عمارة قديمة وباب خشبي مطرز بقلائد حديدية ... وفنجان قهوة ملقى على جانب الباب..

اسدلت عيني على الورقة محاولة استراق الوقت... وكل ما كنت اتمنى في تلك اللحظة أن احصل على طائرة ورقية صفراء وانت...

عدت بنظري إلى ذاك الباب ... لاجدك هناك... رجلا بعينين مضيئتين ... وقلب ابيض... ويدين دافئتين... وصوت لمسرح موسيقي... ولوحة لتموز وفتاة كانت كل احلامها انت وطائرة ورقية مزركشة باللون الاصفر ...

عدت إلى لوحتي..وهذا العيد اخترت أن انهي خطوتي... وان اقترب منك لتهديني انا... وقلبك الابيض..وابتسامتك السمراء... وحلمي باكتمال حكايتي...
حلمي ... أن تكون انت وطائرة ورقية مزركشة باللون الاصفر...

احبك تموز... احبك انت... واحب لوحتي الاخيرة بعنوان...


انت وطائرتي ....