PDA

View Full Version : في ظلال رغيف



فادي عاصلة
24-09-2006, 07:58 PM
أخوتي الأعزاء ...
في هذه الزاوية ارفق لكم مجموعة نصوص تحت عنوان " في ظلال رغيف .. شوق لكسرة " تحمل نصوص بعضها حقيقية والآخر خيالي ساخر من واقع الفقراء .. على أمل ان يكون للفقراء المسحوقين بعشقهم للأرض ... مساحة ...



1.

لا يا رفيق ما هكذا أنت

حمله جرحه مذ الصباح، يقيس شوارع القرية، ويجمع المال لدعم الاطفال الجائعين في مدارس المخيمات، كان المبلغ الذي جمعه ليس بالقليل ، سبعة آلاف شاقل يكفون لدعم أكثر من خمسين طالباً .
وصل بيته منهكاً، وعلى عادته أمسك دفتر الديون، أبو خالد خمسمائة شاقل، ابو مجدي سبعمائة شاقل ، أبو وابو وابو ... وأرقام لا نهاية لها ...
وطرقات على الأبواب : " يا رفيق اني اتفهم ظروفك لكن الشهر الثالث مر .. والله مش محوجات الخمسمية شيكل دفعتهن بنزين " ... " خلص الليلة بتدبرو " !!!!!!!!
طرق رأسه في الجدار، لماذا لماذا لماذا ؟؟؟ ماذا تبقى لأبيع ؟؟ وفي النهاية وصل إلى هاتفه الخليوي ، رائع بحالة جيدة، لم يفكر كثيراً وباعه لأقرب شركة هواتف ، سدد الدين وكأن الدنيا نزلت عن ظهره ...
مضى بجنون، غضب مستشرس يمضغه على مضض ، شيء ما يلوك اعصابه، كان يود ان يركل كل شيء، الأدب والتاريخ والثقافة...
وصل البيت منهكاً جلس ، و سبعة آلاف شاقل في جيبه لا يملك حق التصرف بهم ، أما هو فتجرأ لأول مرة بأن يسأل نفسه : من يا ترى يجمع لي بعض المال ذات يوم !!! قرصه الجوع فنام ...

فادي عاصلة
24-09-2006, 08:00 PM
2.



خير طريقة للجياع

ويقال، كان ابن السابعة في خلال اختلاسه النظر للتلفاز عند ابن جيرانه ، رأى في البرامج الكرتونية أن القط حينما سقط دار من الطابق العلوي دار حول رأسه بضعة عصافير ، وعاد الطفل مشدوهاً إلى منزله، وحينما حمله الجوع، وصمت امه ، والبيت خالي من كسرة خبز.

قال : لما لا نطهو بعض العصافير ؟ ركض طارقاً رأسه في الجدار ...وانتهى ...!!!

ويقال ان بعض الفقراء قد رأووه في الحلم جالساً وأمامه موائد لا نهاية لها
ومذ ذاك اليوم،خير طريقة للجياع ... طرق رؤوسهم في الجدران !!!

فادي عاصلة
25-09-2006, 02:03 PM
3


لم يكن يحب ان يعرف عنه أحد أنه وحده من أقام هذا المشروع لقاء دعم المحتاجين والفقراء، أسعده كثيراً الرجل السمين ذو الكوفية حين بكى وهو يتشكره على دعمه وعلى مساعدته في إعالة أطفاله، لكنه بكى مراً حينما التقيا في البنك وكان هو يقارع الموظفة كي تعطيه قرضاً لإكمال حياته، بينما الرجل السمين ذو الكوفية كان يودع ألفي دولار ...

فادي عاصلة
26-09-2006, 10:11 AM
4


وصل إلى الكرمل ، وككل مرة ساوره ذات الشعور بالقهر ، بالغضب ، كانت الاصوات ، اللافتات ، الاغاني ، كل شيء يجبره ان يؤمن بان حيفا الآن هي ليست حيفا غسان ، وان حيفا التي كان يعشقها قد ماتت منذ مات محمد علي أكبر .
من يكون الذي خلق فيه كل هذه الثورة ، لما تحملنا أقدارنا لنكن غريبين في وطن لنا ، أن تكون في كرمل حيفا ، هي مجازفة في زمن كهذا ، كل العيون تتفحصك ، تراقبك ، انت فلسطيني ، انت مدان حتى تثبت برائتك ...
بين نزف الخيبة ، وطعنة الغربة ، أيقظه الحلم في باب حزن ، ليلج مدائن يعرف أنها لن تقوده لأكثر من بداية النهاية ، حيفا والكرمل وكل شيء هو له ، من يملك الحق في عشق حيفا أكثر منه وان كان قيسي جديد فيجب ان تكون حيفا هي ليلى ... بينه وبينها مسافة من العشق والثورة ، تعبدها الدماء والرصاص ...
ايقظه رنين هاتفه المحمول من خلسة الأحلام التي تسرقه بعض الدقائق لعوالم من الحلم المجبول بالحزن ، وكان هذه المرة في الهاتف رئيس تحرير إحدى الصحف يبلغه انهم يعرضو عليه ان يعمل لديهم كصحفي ، مقابل مبلغ مغري من المال ، وبعد الحديث لبعض دقائق كان الاتفاق ان يتصل به مندوب الصحيفة في الداخل الفلسطيني والموجود في حيفا لتنسيق الأمر.
تذكر فجأه انه كاتب فلسطيني بسيط ، دوماً كان يهرب من لعنة الكتابة ، كان قاسياً في كلماته.
لكنه كان دوماً الكاتب الفلسطيني ، والنادل البسيط في احدى القاعات الاسرائيلية ، وكان هذا ما يحرق دمه حتى التبخر ، لما تشأ الأقدار ان يكون دوماً مثقفينا خدم لهذا الشعب ، من هو الذي ساقه إلى هنا ؟ هل هي لقمة العيش ؟ أم لقمة الطيش ؟ هل هي سخرية القدر ؟ ام سخرية البشر ؟
سخر من الصحافة وركل اول صحيفة وجدها امامه ، عار على أمة أن تبيع مثقفيها ، تمتص ابداعهم حتى النخاع لتركلهم بين الفقر والحاجة ، حينما ينسى أوراقه كي يفتش عن رغيف خبز يأكله بكرامة.
يذكر ان جاره قال له ذات يوم " ولك بكفي وطنية بكرا اذا حبسوك ما بتلاقيش حدا يطق باب دارك بربطة خبز " ... .
لم يكن يخجله ان يعمل كنادل ، وكان مستعد ان يعمل في اي شيء ، لكن ما يؤلمه في الامر هو انه يخدم أفراد شعب يقف على أرضه ...
ربما هذا العرض من الصحيفة ، قد يكون نقلة نوعية في حياته ، ربما يترك هذا العمل ويتفرغ لمهنته الحقيقية كصحفي ، ربما تكون مآساته قد انتهت ...
أيقظه رنين الهاتف مرة أخرى ، وكان رئيس التحرير ذاته ، يسأله ان كان يستطيع القدوم لمقابلته في قاعات الامير في تمام الساعة الرابعة .
وافق على ذلك وانتهى الحديث عند ذلك ، بدأ يتذكر الحديث ، ويراجع تلك المحادثة ، هذا غير معقول ، يريد مقابلتي في قاعات الامير ؟ في القاعة التي اعمل فيها نادلاً ؟ وكيف يمكنني مقابلته وانا في الرابعة تماماً دوامي ؟
استطاع ان يعالج غرابة الموقف وسخريته في آن ، هو رجل المفاجئات دوماً ، هو رجل الخيبات دوماً ، وبين حصاد فرحته ، وفضاضة البذار في عينيه ، استطاع ان يحمل سلة من الانتظار .
وصل القاعة وعلى مدخلها كانت تقف سيارة فاخرة ، لاحظ فخامتها من بعيد ، دخل القاعة ، ولم يكن فيها الكثير وكان في الزاوية اليمنى رجل يرتدي ملابس فاخرة ، وربطة عنق تكاد تخنقه ، امامه بعض الصحف والاوراق الكثيرة والملفات ، ايقن انه صاحب السيارة في الخارج ، وانه ذاته رئيس التحرير .
قرر الاعتذار منه لانه لا يمكنه الجلوس نظراً لانه في دوام ، لكنه قرر قبل ذلك ان يعتذر باسلوب مميز ، فحمل كوباً من عصير الكرز الجولاني ، وأتى اليه حياه بكل لطف وقال له سيدي هذا لك ، على حساب القاعة .
نظر اليه الرجل بازدراء ، ثم صرخ في وجهه ، ما هذه الوقاحة ؟ ومن قال لك اني بحاجة لكوب العصير ؟ هل تحسبني شحاذاً ؟ ما في جيبي يشتري القاعة وما في داخلها .
لم يكن مجال لمناقشته ، حمل كوب العصير وعاد ادراجه بصمت ، واذ بصوته يصفعه من جديد ، يا نادل سيأتي هنا ضيف ، وسأدعوه للغداء أريدك ان تحضر أشهى ما عندك ، فأومأ بالايجاب ، واذ به يصرخ ها انا سأتصل به لأعرف موعد قدومه .
حمل هاتفه النقال ، فدوى رنين الهاتف في جيب النادل ، دخل بسرعة لكي لا يعرفه رئيس التحرير ، ويكتشف ان النادل هو الصحفي الذي ينتظره .
في الداخل فتح هاتفه :
- اني انتظرك ، وقد مر عشرة دقائق على موعدنا ؟
- اعذرني لا استطع المجيء .
- متى اذاً يمكنني رؤيتك
- لن تراني
- لماذا ؟
- لان امثالك لا يستطيعون رؤيتي .

اقفل سماعة الهاتف ، وخرج من المطبخ ، إلى قاعة الاستقبال ، واذا برئيس التحرير ، يجمع اوراقه ، ويهم واقفاً وقال : يبدو ان ضيفي اليوم لن يأتي ، ربما مرة أخرى اعود ، هذه اكرامية لك " وضع في يده عشرة شواقل ومضى ...
اما هو دخل إلى القاعة ، رمى الشواقل العشرة في سلة المهملات ، مسح الطاولة ، وعاد للعمل ...

محمد شتيوى
26-09-2006, 10:52 PM
خير طريقة للجياع

حلوة فعلا اخى

فادي عاصلة
27-09-2006, 12:48 AM
بل هو ذوقك الرائع

كن بخير

فادي عاصلة
27-09-2006, 12:49 AM
5
لم يكن الانتقال من عمله كنادل إلى مجال البناء سهلاً، لكن الحرب اللبنانية لم تترك مجال للعمل في اطار يعتمد على السياحة فقد خلت فنادق اسرائيل من الزوار، ولم يعد لي في هذا المجال عمل.
في اليوم الأول للعمل في البناء كان مختلفاً تماماً عن العمل كنادل، وهناك ايجابيات وسلبيات، ولكنه لم يعرف لما أحس انه استرد بعضاً من كرامتي ...
تفحصه المشغل في البداية كمن جاء ( لينقد عروس ) وقد لا حظ ان ضعف بنيته لم يرق له، لكنه أبدى اعجابه من نشاطه ...
في ساعات الغداء جلسوا قليلاً، لم يكن له اي شهية للطعام، ولم يخطر بباله الماء مع أنه ساعات طويلة وهو يعانق وجه الشمس ... جلسا بكلمات جافة وانهاك ، وجسمي كمن خرج لتوه من بركة سباحة، قال المشغل وربطة عنقه تكاد تخنقه :

- تعبت ؟
- يعني، ماشي الحال !!
- بكرا بتعود، وبتصير " معلم عمار " قد الدنيا
- الله كريم، مصحوبة بابتسامة
- لما كنا نقلكو أدرسوا تضحكوا علينا ... تفضلكو هاي آخرتكو
- ابتسم مرة أخرى

المشغل مد رجلاه، وبدأ بتدخين " سيجار " من النوع الفاخر ...
أما هو فكان سارحاً يلهو ببعض الأحجار الصغيرة ويرسم على وجه الرمل أشياءً واشياء...
لم يتركه المشغل وحاله.. فهو كثير الكلام ، ونظراًُ لأن اجابت العامل مقتضبة فقد أحب أن يتكلم أكثر ...
إنتهت الاستراحة، كإنتهاء لحظة ثمينة من العمر ، عاد إلى لقائه معي الشمس، وتزويد البنَّاء بالاحجار الثقيلة والطين ، وكان الحجر اثقل منه، وعلو الطين أكثر من ركبتيه ...
وجاء كثير الكلام، وقال : يبدو أنك فعلاً تحب هذه المهنة ... من الغد سأرفع لك راتبك وسأبدأ في تعليمك هذه الوظيفة ... انتظر ضحكة لم تأته ...

ما هو رايك ..
ها ؟ أتسمعني ؟
بحكي معك ... شو رأيك ...

وإذ به يدوس فوق مسمار لئيم عالق في إحدى الخشبات ... وما زال معصب الرجل مذ أسبوع ، وما زال ينتظر ولادة " معلم عمار " قد الدنيا ... ليملأ الزوايا الخالية في جيبه بالنقود ...