PDA

View Full Version : "دستويفسكــي".... في أعينهــم



نيــــرفانا
12-09-2006, 11:34 PM
السلام عليكم.
آن لهذا الموضوع أن يعود حيث بدأ :)
---


"دستويفسكــي".... في أعينهــم

".. لم يكن دوستويفسكي هو كاتب القرن العشرين الأكثر عصرية ومتعة فحسب، بل ثمة كلالمبررات للافتراض بأن القرن الحادي والعشرين سيجري تحت رايات " الجريمة والعقاب" حسب رأي الكثيرين من النقاد والمحللين.‏".


إن لدوستويفسكي روحا ما زالت تتعذب في كل منا، وفي كل مرة نقرأ لهذا الرجل فكأننا نقوم بعملية استحضار لتلك الروح المعذبة، تغوص بنا في أعماق الإنسانية الكالحة، نسبر أغوار أنفسنا نحن، نخرج منها شبه مخنوقين، ولعلنا نصل إلى نتيجة سبقنا إليها بقوله " أنا إنسان مريض "! .
وكم كان -هذا الرجل المصروع - جريئا حين تكلم عن أكثر أفكاره شذوذا، ليثبت أن لاشيء أعمق من الإنسان، وأن البعض ،على علّاتهم، لا بأس بهم في النهاية!


في هذا الموضوع سنُنهض الروح الدوستويفسكية ذاتها ليس بأقلامنا بل بأقلام وعيون أولئك الذين كتبوا عنه مستهلين الحديث بسرد طويل ذو شجون لقصة حياته كما تقدمت روايته الأكثر خلودا " الجريمة والعقاب "، نسرد بعدها قراءات ومقالات أو حتى دراسات عن بعض رواياته الشهيرة، وملامح شخصياته المشهورة التي تحمل في طياتها ملامح العابرين به كوالدته المصدورة، أو والده السكير، ولعلنا نكمل حديثنا بتأثيره على الأدب العربي بصفة عامة...


يرى توماس مان أن دوستويفسكي هو "أول مبدع نفساني في الآداب العالمية على مر العصور"...‏
إن الاهتمام العالمي بإبداع دوستويفسكي ليس وليدالمصادفة. فهذا الإبداع يتميز باندفاع إنساني جارف وشعور عميق بالرأفة "بالمذلين والمهانين". إنه مامن شك في أن دوستويفسكي هو منشد الأمل وداعية لبث روح الثقة والإيمان بالإنسان. كما يرى كثير من النقاد بأنه مؤسس للتيارات الأدبية المتصلة بعلم النفس في القرن العشرين مستشهدين بذلك، بالفرويديين والوجوديين وغيرهم"..‏


سيبقى الأدب الروسي خالدا بكتّابه العظــام، وستبقــى بصمــاته مادام فينـا..

نيــــرفانا
12-09-2006, 11:37 PM
( المقدمة ) بقلم الدكتور فؤاد أيوب
من رواية ( الجريمة والعقاب ) مترجمة عن النص الروسي
ترجمة فايز نقش الكردي
الصادرة عن دار مكتبة الحياة
*الكتاب موجود هنا لدى الساخر والمكتبة العربية،وسأضع الرابط له فيما بعد






http://anoutsider.jeeran.com/Dostoyevsky.JPG





إن دوستويفسكي، هذا الذي ليس ما يعادل موهبته الفنية قوة إلا موهبة شكسبير وحده على حد تعبير غوركي، ليشكل بحد ذاته عالما شاسع الأرجاء، عميق الأغوار، متكامل العناصر، تضطرم وتتصارع فيه الأفكار والعواطف المتضاربة، أفكار أصبحت أقوى من البشر، بل ليس البشر أنفسهم إلا تجسيدا لها، وعواطف امتزج فيها الحب بالحقد، والكبرياء بالتواضع، والثورة بالاستسلام، والرحمة بالقسوة، والإيمان بالإلحاد، حتى ضاعت الحدود ما بينها فتداخلت وانصهرت. ههنا يكتشف المرء اللانهاية ، فيستولي عليه تلقاءها القنوط. هذا العالم لن يستطيع قط أن نسبر أغواره، إذ تسود قوة سحرية غريبة عنا، وهو يعرض علينا فكرة تضيع في لانهاية سديمية، ويبشرنا برسالة لعلها ليست موجهة إلينا في الأصل، فنحن نحار في فهم مغزاها.



وهكذا فإن انطباعنا البدائي حيال هذا العالم هو القنوط من جهة، والهلع من جهة أخرى. إلى أين يريد أن يقودنا هذا الإنسان، هذا العملاق، هذا المستنير، هذا النبي؟ لكننا إذا ما سرنا معه حتى خاتمة المطاف تحول انطباعنا الأول، البدئي والسطحي، على شعور جديد، شعور بالعظمة اللامحدودة. ذلك أننا سنكون قد حفرنا في أعماقنا في هذه الأثناء، فنستطيع أن نكتشف في هذه الأعماق، في خفاياها المطوية، الرباط الذي يجمعنا إليه. أجل، يجب أن نفعل مثله، أن ندفع حتى الحد الأقصى ما لا نجرؤ أن نبلغ به أكثر من منتصف الطريق، وأن ننحني أمام اللانهاية، وأن نتمرس بسائر صنوف العذاب التي تمرس بها، فنستطيع عندئذٍ أن نفهمه، أن نحبه.


ذلك أن مختلف أدوات التعذيب قد مزقت هذا الجسد البالي طوال ستين عاما، كما أن العوز الذي لا يرحم قد انتزع من صباه ومن شيخوخته جميعا كل عذوبة وكل نتفة من الهناءة. وكانت الرغبة تلتهمه في الوقت نفسه، وهي رغبة مزدوجة، روحية وجسدية معا، تنخسه مثل الإبر، وتتركه أبدا ظمآن لا يرتوي. ذلك هو القدر يطارده، يقسو عليه حتى درجة السخف، ولا يقسو عليه هذا الغرار إلا كي ينتزع الإبداع منه، ولا يفرط في إيلامه إلا ليجعله أهلا له وكفؤا.


وان الشك ليعذبه أيضا، وعلى الرغم من سائر جهوده ومحاولاته فإنه لن يعرف اليقين قط يخيل إليه، هو الذي يتعثر في الألم مع كل خطوة من خطواته، أن الله لا يعاقبه من أجل شكوكه إلا بسبب من محبته إياه. وهكذا فإنه لا يترك له لحظة واحدة من الراحة أو السعادة، بل يطارده أبدا على طريق اللانهاية. وإذا ما رق قلب القدر له يوما، فغض الطرف عنه برهة، وابتسمت الأيام له قليلا، فما ذلك غلا ليسرع فيقذف به من جديد بين الأشواك، ويدفعه نحو الحضيض، فاتحا عينيه أكثر فأكثر على اتساع اليأس والإشراق على حد سواء، ولن يرحمه قط إلا مع إغماضة الجفنين الأخيرة.>>

هذه القسوة الغزيرة بالمعاني تجعل من حياة دوستويفسكي أثرا فنيا قائما بذاته، ومن سيرته مأساة كاملة الفصول، بحيث لا تعدو مؤلفاته كلها أن تكون صورا متفرقة عن مصيره الذاتي. ولقد كانت البداية نفسها رمزا لهذه الحياة بمجموعها على حد تعبير ستيفان زفايج، إذ ولد فيودور ميخائيلوفيتش دوستويفسكي يوم الثلاثين من شهر تشرين الأول عام 1821 في مستشفى الفقراء في موسكو. وهكذا حدد له مكانه، منذ فتح عينيه للنور، في موضع خارج المجتمع، بين أولئك الذين هم موضع الازدراء، بين " المذلين والمهانين"، وفي اتصال دائم بالألم والموت جميعا. وهل المصير الإنساني برمته، في واقع الأمر، إلا تراكيب من الألم والموت.

كان أبوه طبيبا عسكريا معدما، إذا قيست الثروة بمقاييس تلك الأيام، ترك الخدمة ليعمل في مستشفى الفقراء، فنشأ الطفل في بيئة تعاني الضيق المادي، وفي جو تسيطر عليه روح الثكنة التي لم يستطع الأب، أو لم يحاول، التخلص منها. ولعله كان يعاني ضجرا خبيثا، ضجرا سببه العوز في المحل الأول، مما جعل أخلاقه شرسة قاسية، ومعاملته لزوجه وأولاده رديئة ظالمة. كان هذا الرجل يخجل من فقره، فيعيش وعائلته في انطواء على النفس يكاد يضعهم خارج حدود الحياة، فلا مسرح، ولا نزهات، ولا صداقات. وهكذا نشأ دوستويفسكي بعيدا عن كل احتكاك بالعالم الخارجي، محروما من الأصدقاء، ومن التجارب، ومن الحرية، إن الإناء مغلق بإحكام على هذه النبتة المتعطشة إلى الهواء، بحيث أن هذا الحرمان سيدمغه طوال حياته : " نحن جميعها قد فقدنا عادة الحياة" . أجل، إن دوستويفسكي لم يستطع فيما بعد أن يعتاد الحياة.

وأن حاجزا حديدا مشبكا ليفصل حديقة المنزل عن باحة المستشفى الواسعة حيث يتنزه المرضى في ساعات النهار، وقد ارتدوا مناماتهم وغطوا رؤوسهم بطاقيات قطنية. وكان فيودور يحب، متجاوزا في ذلك أوارم أبيه، أن يتعرف إلى هؤلاء المرضى، وأن يبادلهم الحديث من خلال الحاجز المشبك. إن هذه الإنسانية المعذبة القبيحة لا تنفره- وهل عرف الإنسانية حتى الآن إلا على هذه الصورة؟- بل تثير في قلبه حنانا وفضولا وتجتذبه إليها. أجل إن هذا البرجوازي الصغير المتوحد يسعى على صحبة هؤلاء الناس المقهورين- وهل أقهر من الفقر والمرض مجتمعين؟ - الخجولين، اليائسين، المرفوضين من قبل عالم لا يعرف عنه هو شيئا. ما هي مأساتهم يا ترى؟ وأي قدر ظالم رهيب أودى بهم على هذا الحال؟ وكيف يحسهم غير غرباء عنه، رغما عن فارق السن والوضع الاجتماعي؟ وكان الأب، إذا فاجأ ولده في صلته مع هؤلاء المساكين، يوبخه بشدة، بل يعاقبه بقسوة أحيانا.

هذه الطفولة المخنوقة لا يتحدث دوستويفسكي عنها مطلقا، ولا ريب أن هذا الصمت العنيد من قبله ينطوي على الخجل. بيد أننا نستطيع أن نلمس مشاعره الحقيقية من خلال أحاسيس أبطاله الصغار. لابد أنه كان مثل ( نيللي )، هذه الصبية المرهفة الحس حتى الدرجة القصوى، التي انتهى بها البؤس والحرمان والاضطهاد إلى الصرع فالموت، أو مثل ( أيليوتشكا ) ابن الكابتن السكير، الذي يخجل من بؤس عائلته، ومن تصرفات أبيه التي يمليها البؤس عليه، فيموت كمدا وقهرا. أو مثل ( كوليا )، هذا الفتى الناضج باكرا، الواسع الخيال، المتأجج رغبة في الصيرورة شيئا عظيما، المتشرب بذلك الهوس العنيف، هوس دوستويفسكي نفسه، الذي يريد من المرء أن يتجاوز نفسه كي يتألم مع الإنسانية بأسرها...


.

.


يتبــــع :)

نيــــرفانا
12-09-2006, 11:39 PM
ويهرب دوستويفسكي من ظلمات هذا العالم الحالك، ملتجئا إلى حيث يلتجئ عادة الناقمين، على الكتب. إنه يقرأ ليل نهار، ولا يرتوي له ظمأ، يلتهم ولتر سكوت، وديكنز، وجورج صاند، وهوغو، حالما بأروع المغامرات، بالسفر على البندقية، أو القسطنطينية، أو البلدان الشرقية النائية حيث الأسرار التي لا حلول لها، تراوده صور الانتصارات العظيمة، وعواطف الحب المتفاني.

وتموت أمه، مصدورة، عام 1837م ، فيفقد بفقدها سنده الروحي الوحيد في الحياة. وتجعل الحاجة منه جنديا فينتسب إلى مدرسة المهندسين بيد أنه لا يبرح، حتى في عالم الجندية الصاخب، منزويا بعيدا عن الناس. إن خجله المرضي، وما يؤدي إليه مثل هذا الخجل من حب مفرط للذات وانطواء متصل عليها، يبعد الرفاق عنه. إذ يلتهب شوقا إلى بذل الذات، إلى منحها لأول قادم، لكنه يعود منذ الوهلة الأولى فيتكوم على بعضه. إنه يخاف أن يعيش. وماذا يجمع لين هؤلاء الفتيان المرحين اللعوبين وبينه هو الذي تئيد كآبة ثقيلة على وجود؟ وما وجه الشبه بين مطامحه الرومانتيكية ورغباته الغامضة في المجد والعظمة وبين تصرفات زملائه السخيفة؟ إن مثل هذه الحياة لتنفره : " لقد أرسلوني مع أخي ميشيل، البالغ السادسة عشرة، إلى سان بطرسبرغ، إلى مدرسة المهندسين، وبذلك أفسدوا مستقبلنا، تلك كانت خطيئة بالنسبة إلي".

ويخاطب أخاه ميشيل في إحدى رسائله قائلا : " إن الحياة مثيرة للاشمئزاز هنا، فما خلص من المادية ومن السعادة الأرضية هو وحده جميل". بيد أن سائر ما يجري حوله وجميع تصرفات زملائه تذكره بهذه " المادية " وهذه " السعادة الأرضية " بالضبط. الوصول، الارتقاء في الرتب، المستقبل الزاهر .. وهو، أتراه يفكر في مستقبله؟ إنه يتيه في الأروقة، وحيدا، يائسا، مظلم القسمات، وفي يده كتاب، يتجنب الطلاب والأساتذة على حد سواء. لكنه يقوم في الوقت ذاته بالواجبات المترتبة عليه خير قيام، فهو مجد، ينفذ كل الأوامر الصادرة إليه، ولا يحتج مطلقا : " كائن يعتاد كل شيء، هذا في رأيي أفضل تعريف يمكن أن يعطى عن الإنسان".

لكن أصعب ما يعانيه هو العوز. فلتمطر السماء، وهو لا يملك ما يبتاع به كأسا حارة من الشاي وبعض الملابس الداخلية الدافئة. فلتحرق الشمس الأرض، وهو لا يملك أن ينظف جسده من العرق الناتج عن لبقيظ الشديد. وإن أباه الذي ترك عمله في المستشفى ليقيم في الملكية الصغيرة التي ابتاعها في الريف بفضل تقتيره، لا يبرح على بخله القديم الذي أضيف إليه حاليا تعشق شديد للخمرة، وقد رفع بينه وبين العالم، بما فيه أبناؤه، حاجزا لا سبيل إلى اجتيازه. ويتوسل فيودور إليه : " أرسل لي شيئا بأسرع وقت ممكن، وسوف تنقذني من جحيم لا يطاق! أواه، ما أفظع أن يكون المرء في حاجة!" ومرة أخرى : " يا أبي العزيز الطيب، لا تحسب أن ابنك يطالبك بشيء فائض حين يسألك معونة مالية .. إن لي رأسا، وذراعين . ولو كنت طليقا لما سألتك كوبيكا واحدا .. كنت أعتاد البؤس إذن. لكن تذكر يا أبتي العزيز أني في هذا الوقت " أقوم بخدمتي " بكل معنى الكلمة، ولا بد لي شئت أم أبيت أن أتكيف مع قواعد المجتمع الذي أعيش فيه..
وبالفعل، فإن حياة المعسكر تكلف كل طالب 40 روبلا على الأقل ( إني أكتب إليك كل ذلك لأني أتحدث إلى أبي ) ولست أحسب في هذا المبلغ قيمة السكر والشاي. ومع ذلك، فهذه أشياء لا غنى عنها، حين يكون المرء مبتلا بالأمطار حتى عظامه، تحت خيمة من القش، أو حين يعود من تدريب مضنٍ، فتجمد أطرافه من البرد ولا يجد قليلا من الشاي، فإنه قد يقع مريضا – وهذا ما جرى لي في المناورات في العام الفائت- ومهما يكن من أمر، فإني سآخذ بعين الاعتبار ما تعانيه من ضيق وأستغني عن الشاي، إني سأطلب منك الضروري فحسب.. ما ابتاع به زوجين من الأحذية العادية" .


إلا إن الأب لا يعير طلباته أذنا صاغية، بل يعاتبه ويعنفه لجرأته على رفع صوته أمام أبيه، ويروح يشكو الضيق المادي الشديد، مدعيا أنه لا يملك هو نفسه فلسا واحدا، ويتعاظم رأس فيودور أكثر فأكثر: " من المحزن أن يحيا المرء دون رجاء يا أخي.. إني أنظر أمامي، فأرتاع للمستقبل. وإني لغارق في جو جليدي، قطبي، حيث لا يلمع شعاع شمسي واحد. ومنذ زمن طويل لم أعرف همهمات الإلهام، وبالمقابل فما أكثر ما عانيت أحاسيس سجين شيللون في زنزانته، بعد موت أخوته..">>
ومرة أخرى: " لا أدري ما إذا كانت أفكاري الكئيبة ستتبدد يوما.. إن لدي مشروعا.. أن أصبح مجنونا .."

إنه تائه، تائه في دروب الحياة المظلمة، يقرأ بلزاك وغوته وشيللر حينا، ويرتمي في تيار الحياة الصاخب حينا، محاولا أن يقتل يأسه بالانغماس في الرذيلة. بيد أنه يظل، حتى في أمواج الرذيلة المتلاطمة، وحيدا على الدوام، اللهم إلا من حس الاشمئزاز من لذته العابرة، ومن الشعور بالخطيئة في ملء السعادة الكاذبة. إنه مثل سائر أبطال كتبه، وحيد لا صديق له، ومثلهم جميعا يحلم، ويفكر، ويتذوق رذائل الفكر والحواس على حد سواء. ويعزيه قليلا ما يحسه من أن فيه قوة كامنة، قوة توشك أن تنفجر، وهو يخاف منها. إنهيرقة لا تبرح عديمة الشكل، ولا يدري إلام ستصير ومتى ستصير. إنه فريسة التشاؤم، طريد الخوف من الحياة، والخوف من نفسه، والخوف من الموت، والخوف من الفوضى الهائلة السائدة في قليه.

وفي ملء هذه الفوضى يأتيه خبر مقتل أبيه على يد بعض فلاحيه الذين لم يطيقوا صبرا على معاملته الفظة. قبل شهر واحد من ذلك كان قد كتب إليه يطالبه بمبلغ من المال دون أن يتلقى جوابا، ومما لا ريب فيه أنه كان يلعن كل ليله بخل هذا الأب وقسوة قلبه، ولعله كان يتمنى موته في نفس تلك الليلة التي قتل العجوز فيها. افلم يهتف إيفان كارامازوف، ولعله يعبر في ذلك عن مشاعر دوستويفسكي نفسه: " من منا لا يتمنى موت ابيه؟" وتنعكس جريمة الفلاحين القذرة في وجدان فيودور ميخائيلوفيتش، فيتهم نفسه بما لم ترتكبه يداه قط. إنه هو المسؤول الأول عن هذه الجريمة، ومسؤوليته لا يمكن أن يفهمها أحد سواه، وهي جسيمة بحيث تبتلع مسؤوليات الآخرين. إنه مذنب بصورة تتجاوز القوانين البشرية. ويهزه هذا الكشف بلك قسوة الحقيقة الواقعة، فإذا انتفاضة هائلة تهزه وتصرعه أرضا، مزبدا متحشرجا : تلك هي نوبة الصرع الأولى منذ كان في السابعة من عمره. ولن يتحدث في رسائله عن حادث القتل مطلقا، لكن أبطاله يتحدثون نيابة عنه بطلاقة عجيبة. إن إيفان لم يقتل أباه، ومع ذلك فإنه مقتنع بكونه القاتل الرئيسي، كما يعالنه بذلك الأجير سميردياكوف الذي يعتبر نفسه مجرد الأداه المنفذة، ولا يفعل إيفان شيئا لينفي عنه هذه التهمة. وكذلك يقبل ستافروغين في " الأبالسة "، مسؤولية قتل زوجته التي ذبحها شخص آخر. إن قبولا ضمنيا، مهما يكن غير واع، يكفي لجعلنا شركاء في الجريمة. " أكنت أرغب في موت أبي حتى هذه الدرجة؟ " وإن هذا السلطان الغريب الذي يتمتع به الفكر على المادة، وهذا التجاوز للمادة من قبل الفكر، ليئيدان على ذهن دوستويفسكي. أجل إن هناك نواميس الطبيعة واستنتاجات العلوم الطبيعية، كما أن ثمة تراكيب العلوم الرياضية الباردة، بل والقوانين الاجتماعية الجامدة أيضا. وإنها لتتراكب جميعا كي تشكل " جدارا حجريا "عاتيا. وما العمل حيال هذا الجدار؟ " من المؤكد أني لن استسلم لمجرد كونه جدارا حجريا". ولن يستسلم دوستويفسكي، بل سيحاول أن يتخطى ذلك الجدار. وأما يتخطاه، فإنه سيقع في ميدان لا منطقي هو الموطن الحقيقي لأبطاله، ميدان عجيب، لا هو بالواقع ولا هو بالعدم، حيث الأبرياء وفقا للقوانين الأرضية هم مذنبون وفقا لقوانين أخرى غير مخطوطة، وحيث الأفعال لا تتعلق بفاعليتها، وحيث المشاعر تقوم مقام الأدلة، وحيث الأفكار تتبخر، وحيث لا يوجد شيء ثابت، مؤكد، معروف سلفا. إن كل طعنة جديدة يوجهها إليه القدر ستبعده أكثر فأكثر عن الواقع كي تقربه أكثر فأكثر من السر الدفين " ثمة أشياء يخشى المرء أن يكشفها حتى لنفسه".

ومهما يكن الأب بخيلا، فقد كان يرسل إلى ولده بعض المال من وقت لآخر، أما الآن فلابد أن يلجأ إلى الغرباء في حاجته. وتتراكم عليه الديون مع مرور الأيام، يحاول أن يفيها بديون جديدة، مناضلا متذللا، متوسلا كي لا يسحقه تيارها الجارف. بيد أنه لا يعرف، مع ذلك، أية قيمة للمال، وإذا وجد أن خادمه، أو خياطه، يسرقانه لم يأبه للأمر مطلقا، ولم يطرد الخادم أو يغير الخياط. وينكب على ( أوجيني غرانديه ) يرتجمها في محاولة يائسة لتحسين أوضاعه المالية: " ترجمت أوجيني غرانديه لبلزاك. يا لها من رائعة! إن ترجمتي مدهشة، وأقل ما يدفعونه لي ثمنا لها هو 350 روبلا ورقيا. إن بي رغبة لاهبة في بيعها، لكن المليونير المقبل الذي هو أنا لا يملك مالا من أجل نسخها، ولا وقتا أيضا. بحق ملائكة السماء، أرسل 350 روبلا أجرة النسخ..." وبعد ستة أشهر: " إذا تواني الخنازير الموسكوفيون، فقد ضعت. ولسوف يجرونني في كثير من الجد إلى السجن. يا له من وضع مضحك حقا. إنك تتحدث عن القسمة العائلية، ولكن أتعرف ماذا أطلب؟ التنازل عن كل مشاركة حقيقة في حقوق الملكية، والتنازل التام عند حلول الساعة، مقابل 500 روبل فضي دفعة واحدة، وخمسمائة روبل آخر تدفع على أساس عشرة روبلات من الفضة شهريا – هذا كل ما أريده.. أعترف بأنه قليل، وبأنه لا أسرق أحدا.. وإذا كانوا لا يملكون هذه الإمكانيات، فإن سبعمائة وحتى ستمائة روبل تكون مناسبة في وضعي. وقد أرجع بعد رأيي، أكفلني أنت.. وأن لدي أملا، فأنا أنهي رواية في حجم أوجيني غرانديه، إنها رواية نسيج وحدها، وأنا حاليا أنسخها، ولا ريب أني سأحصل على جواب بشأنها حوالي 14 كانون الثاني. سوف أعطيها إلى ( حوليات الوطن ). إني راضٍ عن عملي، وسأتناول عنه حوالي 400 روبل. هذه كل آمالي!"

.

.

.


يتبــــــــــع

نيــــرفانا
12-09-2006, 11:40 PM
تلك هي ( المساكين ) هذه الرائعة، هذه الدراسة العميقة للنفس الإنسانية! إن دوستويفسكي في الرابعة والعشرين حاليا، ولقد كتبها، هو الوحيد، بنار هواه المحرقة وبدموعه اللاهبة. ذلك أن الإذلال الأقسى الذي يمكن أن يتعرض له الإنسان، ألا وهو الفقر، قد أوحاها إليه، تدعمه القوة العظمى في هذا العالم، أعني بها حب أولئك الذين يتعذبون.

بيد أنه يتطلع إلى هذه الصفحات في شيء من الخشية، لا يريد أن يسأل القدر لأنه يخاف الحكم الذي قد يصدره، وأخيرا يقرأ المخطوطة لصديقه وشريكه في الغرفة، الكاتب غريغوروفيتش، فيرتمي هذا بين ذراعيه باكيا، ويختطف المخطوطة منه ليحملها إلى نيكراسوف. ويقرآنها معا، الليل بطوله، يضحكان حينا ويبكيان أحيانا، حتى إذا لم يعودا يستطيعان صبرا ينطلقان إلى صاحبهما، حوالي الرابعة صباحا، يوقظانه من نومه، يهنئانه ويقبلانه، لأن ذلك " أهم من النوم ".

ويحمل نيكراسوف المخطوطة إلى بيلنسكي، الناقد الشهير، المرهوب الجانب، الباني أمجاد الكتاب الروس والهادم إياها: " لقد ولد لنا غوغول جديد". فيرد الناقد باستنكار: " إن أمثال غوغول عندكم ينبتون مثل الفطور". لكنه يقبل أن يطلع على المخطوطة، حتى إذا ذهب إليه دوستويفسكي في الغداة شاهده مشرقا بالفرح :" هل تدرك ماذا صنعت هنا؟" ويلتهب بيلنسكي حماسة:" إنك لم تكتب مثل هذا المؤلف إلا لأنك بكل بساطة فنان عظيم الحساسية، ولكن هل قدرت كل سعة الحقيقة الرهيبة التي وصفتها لنا؟ يستحيل أن تكون فهمتها وأنت في العشرين من عمرك.. إن الحقيقة تكشف لك وتعلن بوصفك فنانا، أنت تلقيتها هبة، فاعرف كيف تقدر هذه الهبة. ابق أمينا لها، وسوف تصير كاتبا عظيما".

ويصعق دوستويفسكي، وينتشي، ويصيبه الدوار، إنه يريد أن يقبل كل الناس، وأن يشكرهم، وأن يقسم للبشر جميعا صداقة أبدية. ويهبط الدرج مترنحا كأنه في حلم، ويتوقف عند زاوية الشارع عاجزا عن متابعة السير، يتطلع إلى السماء، وإلى صفاء النهار، وإلى المارة الذين يخيل إليه أنه لم تعد تجمعهم به أية رابطة. الم يرتفع إلى الأعلى منهم بصورة مفاجئة. ويتساءل: " أيمكن أن أكون حقا على هذا القدر من العظمة؟" أجل ، إنه ليشعر الآونة بكل وضوح بأن سائر تلك الأشياء الغامضة الخطيرة التي انبثقت من فؤاده هي أشياء عظيمة حقا، ولعلها بالضبط ذلك ( الشيء العظيم ) الذي كان يحلم به في طفولته: الخلود، والعذاب من أجل الإنسانية بأسرها. ويتعثر في مشيته، يمتزج في دموعه الهناءة والألم جميعا.

وهذا هو بين عشية وضحاها، وبطرسبورغ المثقفة كلها تعرفه، والضواحي أيضا. ولقد أنقذه كتابه نوعا ما من ضائقته المادية، إذ تناول عنه 500 روبل ما أسرع أن ابتلعتها ديونه العتيقة والجديدة معا. وهذا هو ذات صباح مدين بستمائة روبل. ما العمل؟ " إن المرء ليمل في هذا العالم يا سادة! ما عسى أن يكون المستقبل، يا ترى؟ " إن هذا المجد يشكل في الوقت ذاته الحلقة الأولى في السلسة التي ستقيده إلى العمل الإجباري، والإبداع لن يكون بالنسبة غليه، من الآن فصاعدا إلا واسطة لكسب المال، ودفع الديون، والخلاص من السندات، رغما عن كل محاولاته لإنكار ذلك. ولن يكون كل كتاب جديد إلا رهينة لسلفة مالية تلقاها، فالجنين مرهون للعبودية منذ الحمل به، قبل الحمل أيضا.
وهذا دوستويفسكي قد حبس إلى الأبد ضمن جدران سجن الأدب، ولن يحرره سوى الموت وحده.

ولو أنه كان إنساناً آخر, لو كانت أعصابه أقل إرهاقاً, وحبه للإنسانية أق عنفاً, فلعله كان يستطيع أن يعيش حياة هادئة, وينتج في جو من الدعة والهدوء. بيد أن شيطانه يدفعه دون هوادة, أو قل هو القدر يقف له بالمرصاد, إن الحياة لا يمكن أن تكون بمثل هذا اليسر, بل إن حياة سهلة على هذا الغرار هي حياة ميتة. أما هو فيجب أن يعرف الحياة حتى أعمق أعماقها.

ما باله؟ إن صالونات بطرسبورغ مفتوحة له, وبيلنسكي لا يدري كيف يكيل المديح له, وتورجنيف يبدي له كل عطف ومحبة, والجميع من حول يرددون كل كلمة تسقط من فمه. بيد أنه يشعر بالضيق, ويدفعه هذا الإحساس إلى الانطواء, والتكبر. إنه يحس أن مكانه ليس ههنا, بين هؤلاء القوم السعداء, الأثرياء الرافلين في أبهى الحلول, غير العارفين كيف يزجون الوقت. إنه غريب بينهم, يهاجمهم خوفاً أن يهاجموه, ولا يفكر طوال الوقت. إلا في الفرار بأسرع وقت والعودة إلى غرفته الصغيرة, السيئة الإنارة, الغاضة بدخان التبغ, المزدحمة بالكتب والأوراق. إن الوحدة هي ملجأه الأوحد.

وإنه ليتخبط في بؤسه ـ هذا البؤس الذي أصبح مركب نقص بالنسبة إليه ـ ويريد أن يتحرر منه. إنه لمقتنع بأنه لا بد في سبيل ذلك من فعل اجتماعي يحرره مع سائر إخوته المعذبين في الأرض, بحيث تمنحه هذه الحرية أخيراً الثقة بالنفس, والإيمان بالمستقبل, واليقين بالقدرة على فعل الخير, هو الذي تضيع عليه فوضى حياته كل خير.

وهكذا ينضم إلى حلقة بتراشيفسكي الثورية, حالماً بتحرر روسيا الأم من القيصرية والعبودية والفقر, ورفع البائسين فيها إلى مستوى إنساني حقاً. وإنه ليقرأ في اجتماعات (( الثوار )) السرية صفحات من الشعراء الروس الكبار, ورسالة بيلنسكي إلى غوغل, ويحرر (( اتهامات )) ضد النظام القائم, بل يكاد أن (( ينزل إلى الشارع حاملاً علماً أحمر)).

وهذا هو ذات صباح موقوف بتهمة التآمر على سلامة القيصر.. وتنطبق عليه جدران زنزانة ضيقة في قلعة بطرس وبولس طوال أربعة أشهر, ثم يصدر عليه مع رفاقه الحكم الصاعق: الإعدام رمياً بالرصاص.

ويخيم الموت بجناحه عليه.. إنه يساق مع تسعة من رفاقه مع خيوط الفجر الأولى, وقد رميت الأكفان على أكتافهم, إلى ساحة سيميونوفسكي حيث يقيدون إلى الأعمدة وتغطى عيونهم. هذه هي آخر مرة يرى فيها نور الحياة, وفي هذه الثانية القصيرة, مع انطلاق الرصاص الغدار, يتركز مصيره كله. إنه يصغي إلى قرار الحكم يتلى عليه, وإلى الطبول تقرع لحن الموت, بيد أن رغبته في الحياة مجتمعة, كل قوتها الجارفة, في تلك البرهة من الانتظار, انتظار الموت, في تلك الهنيهة التافهة من الزمان الذي لا حدود له. ولكن هذا الضابط المكلف بحكم الإعدام يلوح بمنديل أبيض في يده, فتتوقف الطبول عن القرع, ويخيم صمت رهيب على الساحة. أهو صمت الموت؟ كلا, بل هذا قرار الرحمة القيصرية يتلى عليهم, مستبدلاً حكم الإعدام بالأشغال الشاقة في سيبيريا لمدة تسعة أعوام.

وتتلقفه الهاوية. إن ألفا وخمسمائة وتد خشبي تشكل طوال أربع سنوات حدود أفقه, وهو يعد عليها أيام سجنه الباقية. إن رفاقه ههنا ـ وقد كانوا في بطرسبورغ نيكراسوف وبيلسنكي وتوجنيف ـ قتلة ومجرمون ولصوص, وبعض البولونيين الذين يكرهون كل ما هو روسي, هؤلاء جميعاً يمنعون عليه, هو المثقف السجين السياسي, صداقتهم الرخيصة. وإن عمله, هو الذي صنع (( المساكين)), صقل الرخام ونقل الأجر ورفع الثلوج. ههنا ليس له من رفيق سوى الكتاب المقدس, وقد دفعته بين يديه على الطريق إلى سيبيريا محسنة طيبة وفي طياته ورقة من فئة الخمسة وعشرين روبلاً, وليس له أصدقاء سوى كلب جربان ونسر كسير الجناح مثله. وتتوالى عليه نوبات الصرع: (( كنت أشرب الشاي, وأكل أحياناً قطعة اللحم الخاصة بي, وهذا ما أنقذني. وإن انهيار أعصابي قد أدى إلى إصابتي بالصرع. إني أحيا في تهديد دائم من العقاب, والقيود, في خنق دائم للفكر. إلام صارت نفسي, ومعتقداتي, وذكائي, وقلبي؟ ذلك حديث طويل جداً. بيد أن التركز الأبدي في ذاتي من الواقع المرير قد آتى ثماره )). ويبقى هكذا أربع سنين في (( بيت الموتى )) في الجحيم, ضائعاً بين الأخيلة, مجرد رقم ليس غير, قد أنكرت عليه سائر صفات الإنسانية على الإطلاق.

وحين رفعت القيود أخيراً من قدميه, وأدار ظهره إلى تلك الأوتاد, لم يعد الشخص نفسه. لقد ذهب مجده هباء, ولم يعد ثمة من يذكره في بطرسبورغ, كما دمرت صحته, فنوبات الصرع تنتابه على أشد ما يكون. لكن فرحته بالحياة بقيت له, بلى زادت تأرثاً في جسده الناحل الممروض. ولا تبرح أمامه سنوات أخرى يقضيها في سيبيريا, جندياُ بسيطا بادئ الأمر, ثم ضابطاً برتبة ملازم ثانٍ, بعيداً عن الجو الأدبي, ممنوعاً من نشر أي مؤلف. ولم يكن البعد عن روسيا عذابه الوحيد, بل إن عوز المال يلاحقه دائماً. ويحب أن يتزوج, لكن الزواج يكلف في حسابه ستمائة روبل. ومن أين له هذا المبلغ؟ ويمد يده, ويستجدي (( إني أتصرف بجيبك فكأنه جيبي, لكن السبب في ذلك جهلي بأوضاعك المالية. إن فيليبوف قد أهداني خمسة وعشرين روبلاً فضة )) . وإنه ليكتب أثناء ذلك, بل ينشر أحياناً بأسماء مستعارة, لكنهم لا يدفعون له كما ينبغي: (( أنا لا أجهل أني أكتب بصورة أسوأ من تورجنيف, وآمل ألا أظل كذلك في المستقبل. ولماذا لا أنال, أنا فقير جداً, سوى مائة روبل عن كل ملزمة مطبوعة, بينما ينال تورجنيف, وهو رجل غني يملك ألفي نفس, أربعمائة روبل عن كل ملزمة؟ إن فقري يجبرني على السرعة أبداً. إني أكتب من أجل المال, وأفسد عملي. بحق اليسوع أنقذني )).

.
.
.
.

يتبـــــع

نيــــرفانا
12-09-2006, 11:42 PM
ويعود إلى بطرسبورغ وقد نسيه الناس, وهجره رفاق القلم, وتبعثر أصدقاءه. وفي العاصمة لا بد له أن يعيش, ولا بد من المال في سبيل ذلك. ولذا يجب ن يكتب, أن يشرع القلم, منفساً بذلك في الوقت نفسه عن نشوة الحرية التي تعبئ طاقته العصبية.

ويرسل كتابه عن (( بيت الموتى )), هذه اللوحة الخالدة عن حياة إنسان في سجن الأشغال الشاقة, عاصفة من الحماسة في كل روسيا وينتزعها من لا مبالاتها الناعسة. إن الأمة بأسرها تكشف أن السطح الساكن الهادئ للعالم الروسي يخفي عالماً آخر, عالماً يكدس كل العذابات الممكنة. ويبلغ لهيب الاتهام حتى الكرملين, فيروح القيصر نفسه ـ ويا للسخرية! ـ يسقي صفحات الكتاب بدموعه. وهذا اسم دستويفسكي من جديد على كل لسان: إن سنة واحدة قد كانت كافية لبعثه, لإرجاع إكليل الغار إلى جبينه أعظم بهاء منه قبلاً. ويؤسس مع أخيه مجلة هو محررها الوحيد تقريباً, فتنال نجاحاً عظيماً. أليس مؤلف (( بيت الموتى )) من ورائها؟ وإنه لينهي رواية في الوقت نفسه. أليس من حقه أن يطمئن الآن, وقد ابتسم القدر له قليلاً, وأصبح مستقبله في أمان كما يبدو, وثروته مؤكدة بعد اليوم؟

ولشد ما كان مخطئاً. إن كل شيء يتهدم وينهار في لحظة واحدة, إذ تمنع المجلة دون سبب, وتموت الزوجة وقد كانت مريضة على الدوام, ويلحق بها الأخ, وهذا الصديق الوفي الناصح الأمين, فتتراكم الديون من جديد, ديونه الخاصة وديون الأخ الراحل, فينحني ظهره تحت وطأة هذه الضربات المتلاحقة وإن ظل يناضل بتلك القوة التي يبعثها اليأس في الإنسان, فيشتغل ليل نهار, يكتب وينسخ بيده كي يقتصد أجرة النسخ في محاولة يائسة لتسديد وإنقاذ شرفه وسمعته.

بيد أن التيار أقوى من أن يستطيع مقاومة له, فيفر إلى أوروبا ورفيقه الوحيد فتاة في العشرين, عدمية العقيدة, قد أعجبت بموهبته وتيم بهواها. وهذا هو تائه في دروب العالم الأوروبي الغريبة, بعيداً عن الوطن الأم حيث تغرق جذوره, ويعذبه الحنين إلى روسيا, الأرض المقدسة, مصدر حياته وينبوع إلهامه, وإن الحاجة لتلاحقه ههنا أيضاً دونما هوادة, تدفعه نحو مائدة القمار حيث يغامر بكل شيء, متحدياً قدره. لكن هيهات أن يواتيه الحظ, فالهوة تحت قدميه لا تزداد إلا اتساعاً.

إنه مجبر على الحياة في بلاد أجنبية لا يحبها، بل يبغضها ويبغض سكانها أيضا، لا يعرف فيها أحدا ولا يعرفه أحد، وحيدا تماما بعدما هجرته عشيقته، محاطا بطغمة من البقالين وأصحاب الدكاكين الألمان الذين لا يفقه كلمة واحدة من حديثهم، مقيما في غرفة حقيرة، طعامه الرئيسي الشاي، وبذلته المهترئة لا يملك بديلا لها، وألبسته الداخلية قذرة لا يملك أن يخلعها، لأنه لا يملك سواها، يقصد المقاهي طلبا للدفء وقراءة الصحف الروسية، أو موائد القمار طلبا ( للمائة ألف فرنك )، يربح حينا ويخسر أحيانا، ويعود دائما في آخر الليل وقد نقصت محفظته بضعة روبلات ما كان أعظم حاجته إليها، أو يقف الساعات الطوال أمام شباك المصرف، ينتظر حوالة مالية كتب من أجلها عشرات رسائل السؤال المهين إلى عشرات الأشخاص الذين لا يردون عليه، أو يذهب إلى محلات الربا، يرهن ساعته أو بعض أثاثه القليل أو ثيابه لقاء دريهمات قليله تقيم أوده، أو تشبع حنينه المحرق إلى الأحمر والأسود.

" لقد كنت أسعد حالا في سيبيريا، في السجن "

وأنه ليشتغل طوال النهار والليل دونما كلل، بينما الصرع يصعقه دونما رحمة، وأحيانا أكثر من مرة واحدة في اليوم، ثم يتركه أياما بكاملها في حالة من الخدر التام، لا يستطيع إلى مجرد الحركة البسيطة سبيلا.

لكنه لا يكاد يحس دبيبا من القوة في جسده حتى يزحف من جديد إلى مكتبه. إن العمل هو خلاصه الوحيد، وهو سبيل العودة إلى الوطن.

إنه يكتب " الجريمة والعقاب" و " الأبله" و " المقامر " و " الأبالسة "، هذه الآثار التي هزت القرن التاسع عشر، ولا تبرح غذاء روحيا غنيا لعشرات الملايين في القرن العشرين.

وأخيرا، في ساعة الحزن الأعظم، تأتيه رحمة الأقدار. إنه في الثانية والخمسين، لكنه قد عانى خلال هذه السنوات القليلة قرونا من العذاب.

ولقد مهدت له كتبه أن يعود إلى وطنه، إذ كسفت تولستوي وتورجنيف، وجعلت عيون روسيا كلها تتجه إليه. إن " مذكرات كاتب " قد جعلت منه رسول بلاده، وهو حاليا يكرس قواه وكل فنه فيما يمكن تسميته وصيته الأخيرة " الإخوة كارامازوف ".

إن البذرة قد أتت ثمارها، ولم تيبس وتمت. ذلك أنها بذرة حية قد ألقيت في تربة خصيبة جدا. ويوم تداعى الكتاب الروس إلى الاحتفال بالذكرى المئوية لميلاد الشاعر الأكبر بوشكين، استقبل الجمهور دوستويفسكي، حين انحنى بوجهه الرمادي المتعب، المحفور بسنوات العذاب الطويل، بعاصفة حادة من التصفيق، بعدما كان استقباله بالأمس لتورجنيف، أول المتحدثين، فاترا نوعا ما. ووقف ينتظر ، وبين أصابعه العقدة أوراق محاضرته، إذ استمر الهتاف طويلا رفع يده يلوح بها بخرقة، طالبا الهدوء، ثم بدأ حديثه بصوت لاهث راح يرتفع شيئا فشيئا حتى سيطر على القاعة الواسعة الأرجاء. من أين واتته القوة، هو العجوز المنهك القوى، على الصراخ بكل هذا العنف من أعلى منبر؟ وأي عنفوان عجيب يكهرب هذا الجسد ويلهب تلك النظرة. إنه يعلن، بواسطة بوشكين، عن الرسالة المقدسة لروسيا، رسالة المصالحة العمومية. وفي الحقيقة من هو بوشكين؟ إن بوشكين هو تجسد الروح القومية مع قابليتها العجيبة لالتقاط عبقريات الشعوب الأخرى. إن بوشكين هو روسيا بكل ما تتضمنه من شمول، فهو اسباني في " دون جوان " وانكليزي في " الحفل أثناء الطاعون " و ألماني في " مقطع من فاوست " وعربي في " محاكاة القرآن " وروسي في " بوريس غودونوف ". ولأن بوشكين هو كل هذا، لأنه يعرف كيف يكون كل هذا، فهو روسي. إن مغزى الإنسان الروسي قبل كل شيء مغزى أوروبي وعالمي، فإن يكون المرء روسيا حقيقيا، أن يكون روسيا كليا، ذلك إنما يعني أن يكون أخا لسائر البشر، إنسانا كليا إذا جاز التعبير. وأن سائر شعوب الغرب القديمة عزيزة على الشعب الروسي الفتي، ولسوف ينقذها، لأنه يظل بفضل سذاجته الرائعة الملجأ الأخير للمسيح " لم لا نكون نحن الذين نحتوي على كلمة المسيح الأخيرة؟".

إن القاعة بأسرها ترتعش تحت انفجار الغبطة المنطلق من الجمهور المستمع، ويخر الرجال ساجدين، وتنحني النسوة على يدي دوستويفسكي يقبلنهما، ويغمى على طالب عند قدميه. ويتنازل بقية الخطباء عن حق الحديث، فليس لهم ما يقولون بعد دوستويفسكي. ومنذ تلك اللحظة الفريدة، أصبح المجد مؤكدا، وتم العمل وتحققت الرسالة. ومن ثم، فقد أينعت الثمرة، فسقطت عنها القشرة، الجافة وكان ذلك في العاشر من شباط عام 1881.

وتتدفق الوفود، التي هزها النبأ الفاجع، من سائر الأنحاء، القريبة منها والبعيدة، ومن داخل الحدود وخارجها، لتقدم إلى الراحل العظيم الواجب الأخير. إن الجميع يريدون أن يشاهدوا الميت الذي أجمعوا على نسيانه طوال حياته، فالشارع الذي سجى جثمانه في أحد منازله يغص بالناس الذين يرتقون سلم البيت المتواضع على مهل، ويتكدسون حول النعش يختلسون إليه النظرة الأخيرة، نظرة الوداع.

وتتلاشى الزهور عن سرير الميت، قد تخاطفها الناس كأثر ثمين يعتزون به. وتنطفئ الشموع في الغرفة التي أصبح جوها خانقا، ويكاد النعش أن يقع أرضا، فتسنده بوهن الأرملة الثكلى وأولادها اليتامى.

ويريد مدير الشرطة أن يمنع الجنازة العامة، إذ ترامى إليه أن في نية الطلاب أن يسيروا خلف النعش حاملين سلاسل المحكوم بالأشغال الشاقة، لكنه لايجرؤ على مجابهة هذه الحماسة التي لا بد أن تفرض نفسها بقوة السلاح إذا اضطرت. ويتحقق حلم دوستويفسكي لساعة من الزمان على الأقل، حلو قبره: اتحاد جميع الروس. إن الألم يذيب في كتلة واحدة مئات ألوف الناس السائرين بقلب وجيع خلف نعشه. إن الأمراء ورجال الإكليروس، والضباط والعمال، والطلاب، والأُجراء، يبكون جميعا، تحت سماء من الأعلام والرايات، الراحل العزيز على قلوبهم جميعا.

" يا أبنائي، لا نًحنِنْ إلى حياة أبدية مقبلة! يا أبنائي .. ما لم نتوصل إلى الخلود على هذه الأرض، فإننا لن نبلغه إذن أبدا.. إن الخلود ههنا، وفي هذا الوقت بالذات .. وثمة لحظات ينبغي الوصول إليها، وهي لحظات من الوجود الأمتع والأسمى، وذلك حين يقف الزمان جامدا، وتذوب كل حياة بشرية في حياتكم الخاصة.. تلك هي لحظات الخلود.. وأن الجنس البشري بكاملة لما يتحرك نحو هذه اللحظة الكاملة، هذه اللحظات الخارجة عن نطاق الزمان. ذلك أن معنى الحياة ليس في استمرار الإنسان من جيل إلى جيل، بل في استحالته من وحش إلى ملك رفيع، من خاطئ إلى قديس! إن الحياة صعود مستمر من المستويات المنخفضة إلى المستويات المرتفعة من الوعي حتى صيرورتها لحظة القديس الأسمى وحقيقة الخاطئ الأبدية، وعندها تنتقل الخليقة بأسرها من الدياجير إلى النور".

.





.



.



يتبــــــــع

نيــــرفانا
12-09-2006, 11:43 PM
يقول الناقد الروسي ميريجكوفسكي، في معرض حديثه عن دوستويفسكي، ما يلي : " إن تورجنيف وليون تولستوي و دوستويفسكي هم زعماء القصة الروسية الثلاثة. وتورجنيف هو الفنان بكل معنى الكلمة، ههنا تكمن قوته، كما يكمن سر ما يعانيه من ضيق الأفق النسبي. وأن ما يستقيه من ينبوع الجمال من ملذات يصالحه بسهولة عظيمة مع الحياة. لقد سبر روح الطبيعة بصورة أشد عمقا وأعظم نفوذا من دراسته قلب أشباهه من البشر، فهو أقل قدرة من تولستوي و دوستويفسكي على الدراسة السيكولوجية. ولكن أي فهم بالمقابل لحياة الكون بأسره، هذا الكون الذي لا يشكل البشر الفانون إلا جزءا يسيرا منه، وأي نقاء في الخطوط، وأية موسيقى في اللغة. إن من يستسلم طويلا لجاذبية هذا الشعر الرقيق يميل إلى الاعتقاد بأن الحياة ذاتها لم توجد إلا في سبيل هذه الغاية الوحيدة، ألا وهي الاستمتاع بجمالها وفتنتها".

"أما ليون تولستوي فقوة عملاقة بالمقارنة مع الصفر البسيط. إن الانسجام ينقطع هنا، فيزول الاستمتاع التأملي المستبشر الهانئ ولا يبقى سوى الحياة وحدها، بكل عظمتها الفائقة، وكمالها البدائي، وطراوتها المتوحشة قليلا، لكن العاتية في الوقت نفسه. لقد فر هذا الرجل من وجه المجتمع بمحض إرادته، وعزل نفسه عنه طائعا مختارا:

غمرت بالرماد رأسي

وهربت، في أطماري، من المدن العامرة...

" ولكن هذه القسوة في إنكار ثقافة يعود تاريخها إلى آلاف الأعوام ينفع خيال الألم والعذاب، مثله مثل تحجر تورجنيف – هذا السائح في تأمل الطبيعة- نفسا جليديا في وجه الفانين العاديين، وجه أولئك الذين لا ينتسبون إلى زمرة الأنبياء.إن هذين الكاتبين يبتعدان عن الحياة كي يتأملاها، فيلجأ أحدهما على سلام مصنعه كفنان، بينما يعتصم الآخر بقمم الأخلاق المجردة.

" أما دوستويفسكي فأوثق بنا صلة وأقرب منا. لقد عاش فيما بيننا، في مدينتنا الكئيبة الباردة، ولم يخف تعقيدات الوجود الحديث، وقضاياه العضالة، ولم يتهرب من عذاباتنا، ولا من عدوى العصر. إنه يحبنا بكل بساطة، كصديق، كند لنا، ليس من أعماق بعد شعري كتورجنيف، ولا بسمو المبشر مثل تولستوي. إنه ملك لنا بكل أفكاره وبكل عذاباته. " لقد شرب معنا كأسا مشتركة، وهو مثلنا جميعا قد أصيب بالعدوى رغما عن سموه". إن تولستوي يضمر ازدراء عظيما للمجتمع الفكري، " هذه النفاية "، إنه يغذي حقدا شديدا على ضعف الخطاة من أشباهه، إنه ينفر ويخيف باحتقاره، وبالقسوة التي يلجأ إليها كي يدين ما هو باق على قلوب البشر مقدسا في أنظارهم رغما عن كل شيء، دون أي اعتبار لسائر التهجمات عليه، وأن دوستويفسكي ليؤثر فينا أحيانا أكثر مما يفعل الأشخاص من أقاربنا وأصدقائنا الذين نحيا فيما بينهم والذين نحبهم. إنه يجعل من نفسه رفيقا لنا في أمراضنا، شريكا لأفعالنا السيئة والحسنة، وليس ما يجمع البشر مثل العيوب المشتركة. إنه يعرف أفكارنا الأكثر خفاء ويعرف مطامح قلوبنا الأكثر إحراجا. وليس من النادر أن ينتاب القارئ الذعر تجاه معرفته الشاملة، تجاه هذا النفوذ العميق بصورة لا متناهية إلى وجدان الآخرين. وأنك لتلقى عنده بعضا من تلك الأفكار الدفينة التي لا تجسر على الإسرار بها حتى لنفسك، وأقل من ذلك لصديق قريب. وعندما يمنحك هذا الرجل الذي اعترفت له بكل أعماقك غفرانه رغما عن ذلك، عندما يقول لك" آمن بالخير، آمن بالله، آمن بنفسك "، فمن المؤكد أن في ذلك شيئا يسمو على تحليق الفنان أمام الجمال، شيئا يتجاوز عظات ذلك النبي المتجبر، المنعزل عن الجميع.

" إن دوستويفسكي يفتقر إلى الانسجام، ينقصه ذلك التناظر القديم في ترتيب الأجزاء – ميراث الجمال البوشكيني- ينقصه كل ما أفعم به مؤلف " الآباء والبنون " من تراث مدهش، كما تعوزه تلك القوة البدائية، تلك الصلة المباشرة مع الطبيعة، التي نجدها عند ليون تولستوي. هذا إنسان خرج حديثا من الحياة، قد تألم لتوه وبكى، ولم تجف الدموع بعد عن أجفانه، كما لا يزال صوته يرتجف ويداه ترتعشان بفعل انفعاله. يجب ألا نقرأ مؤلفات دوستويفسكي، بل يجب أن نعيشها، أن نتلمس عذاباتها كي نفهمها، وعندئذ فإنها لن تغادر ذاكرتنا إلى الأبد!".


.

هنا ينتهي الجزء المنقول من رواية "الجريمة والعقاب"...

و..

.
.
بالطبـــــــع يتبـــع :)

الحـــالـــم.
13-09-2006, 05:54 AM
نقل جميل نيرفانا,
حبذا لوتزودينا بالمصادر.




دمت بود.

العنووود
13-09-2006, 07:13 PM
نيرفانا يبدو انك مغرمه مثلي بالادب الروسي
شكرا لك هذا العطاء الجميل

هاوية
14-09-2006, 12:13 AM
شكرا على الموضوع المميز
لقد قرأت النسخة الإنجليزية و هي بحق رواية عظيمة

محمد العدوي
14-09-2006, 12:16 AM
شكرا لك نيرفانا ..



لي عودة .

نيــــرفانا
15-09-2006, 12:25 PM
الحــالم..

مصدري يأتي في الطليعة :)

فما أعلاه منقول من رواية الجريمة والعقاب عن دار مكتبة الحياة كما ذُكر سابقا..

وسأضع بالطبع كل المصادر على حسب وجودهـا، ولو للتحميل..


شكرا..


****

العنووود

دستويفسكي على وجه الخصوص.. :)

نعم مهتمة بالروس، ولولا اتجاهي للتنويع لاقتصرت عليه..

لكننا أيضا بحاجة للإطلاع على الثقافات الأخرى..

سعيدة بوجودك

دمت

*****

هاوية

أهلا

الرواية بحق من أفضل ما قرأت

وأتمنى أن تهبني "رسائل من بيت الموتى" متعة مماثلة! :)

دمت

****


نشيد الربيع

العفو...هي متعة..

وأهلا بك دوما

بانتظار عودتك..

دمت

نيــــرفانا
17-09-2006, 10:23 PM
مــن كتاب "الرواية الروسية في القرن التاسع عشر"
تأليف: د. مكارم الغمري
من سلسلة "عالم المعرفة"



دستويفسكي أحد أئمة الرواية الروسية الكلاسيكية، فإنتاجه الروائي يشغل مكانة هامة وخاصة لا في تاريخ الرواية الروسية فقط بل وفي الرواية العالمية أيضا.

تشكل تجاه دستويفسكي إلى الرواية كفن تحت تأثير التجربة الروائية لكل من بوشكين و جوجول، كما أشار الكثير من الباحثين أيضا إلى أهمية رواية كل من بلزاك وجورج صاند و فيكتور هوجو وديكنز بالنسبة لروايات دستويفسكي.

برز دستويفسكي في الساحة الأدبية في أربعينيات القرن الماضي، واتسم إنتاجه الروائي منذ أول رواية له وهي " المساكين بالمنهج الفني الجديد، فنجده يبتعد عن الخط الهجائي المميز لرواية معلمه جوجول الذي كان يجذب اهتمامه وصف الحياة الموضوعية المعيشية بأنماطها المتعددة، واتجه دستويفسكي إلى البحث العميق في نفس أبطاله حيث يعطي الكاتب من خلاله صورة للواقع والحياة "الجارية".

كتب دستويفسكي القصة والرواية، وكانت أشهر رواياته " المساكين ( 1845 )، "المحقرون والمهانون" (1861)، "الجريمة والعقاب" (1866)، "الأبله" (1869)، "الشياطين" (1822)،"المراهق"(1875)،"الإخوة كارامازوف" (1880).

ويعتبر وصف حياة فقراء المدينة من أكثر الموضوعات المحببة عند دستويفسكي الروائي وقد اتجه إلى هذا الموضوع في العديد من رواياته، من ذلك "المساكين" "المحقرون والمهانون"،"الجريمة والعقاب".

ودستويفسكي في تصويره لحياة الفقراء ينحو نحوا جديدا، فهو لا يهتم بتصوير اللوحات المعيشية التي تعكس الفقر والتناقضات الاجتماعية التي تحكم وجود الفقراء قدر اهتمامه بتصوير العالم الروحي والأخلاقي للفقراء، والذي يبرز في ارتباط وثيق بوجودهم المادي، فالمشكلة الاجتماعية للفقر تبرز في روايات دستويفسكي من خلال المشكلة الأخلاقية والنفسية. والعالم الداخلي لفقراء دستويفسكي هو عالم صعب ومعقد، فرغم ما يظهر فيه من غيظ وحنق وأنانية ورغم ما يسيطر عليه من أفكار كاذبة أو وعي مريض، فهو مع ذلك عالم الخير والمشاعر الطاهرة ومبادئ الإنسانية والأخوة والضمير الحي والنفس القادرة على التضحية والمعاناة والتصحيح.

حملت روايات دستويفسكي بصمة الواقع المعاصر، فهي تصور الكثير من أحداثه الجارية ومشاكله الملحة كالجريمة، والركض وراء المال، ووقوع الإنسان ضحية الإغراءات والأفكار الشريرة، والانفصام بين الشخصية والمجتمع وبين الطبقات الحاكمة والشعب، وتفكك وسقوط الركائز العائلية التقليدية وأزمة الحياة الاجتماعية المعاصرة، ومشكلة وجود الإنسان بها وخلافه، كما اهتم دستويفسكي أيضا في ستينات وسبعينات القرن الماضي برسم نمط البطل المفكر ذي العقل المتأمل والاتجاه التحليلي تجاه الواقع، وهو الذي برز في أشهر رواياته "الجريمة والعقاب" و "الإخوة كارامازوف". لكن بطل دستويفسكي هذا – ورغم ما يملكه من إمكانات عقلية وفكرية كبيرة- يظهر فريسة للأفكار الكاذبة المضللة ويبدو بعيدا عن الشعب ولا يشارك في الحركة التحريرية لبلاده مع أن فكره يتيه في البحث عن مخرج من أزمة الحياة، وهذا البطل يسيطر عليه شك عميق تجاه المثل الثورية الاشتراكية والليبراليه. ويتأرجح بين الاتجاهات الفوضوية المدمرة وبين الأفكار الدينية التي تدعو إلى الخنوع.

ورغم أن دستويفسكي حاول أن يربط بين هذا النمط من الأبطال وممثلي الحركة الاشتراكية الثورية وأن يسخر ويشوه بشكل أو بآخر ممثلي هذه الحركة، إلا أن روايات دستويفسكي على الرغم من ذلك اعتبرت ذات أهمية بالنسبة لتطور الحركة الثورية في روسيا، فقد كان هؤلاء الأبطال بمثابة تجسيد للأقلية الصغيرة من شباب الحركة الثورية ممن وقعوا تحت تأثير أفكار ونظريات مضللة، وقد أوضحت الدراسة النقدية للأشكال المختلفة لهذه الحركة عدم صلاحيتها وقوتها المدمرة، ومن ثم اكتسبت رواية دستويفسكي قوة تطهيرية كبيرة، وعلاوة على ذلك فأهمية رواية دستويفسكي ترتبط بسماتها العامة وفي مقدمتها الروح الديمقراطية والإنسانية، فدستويفسكي يرفض في رواياته ويهاجم الشر الاجتماعي ويرسم لوحة مريعة للتناقضات بين الأغنياء والفقراء، ويحدق في ألم وتعاطف في مصير الإنسان البسيط المضطهد من الشعب والذي كان يؤمن به إيمانا كبيرا.

كما حملت روايات دستويفسكي حلما حارا بالتغيير وإيمانا بالبعث وبمستقبل مشرق للوطن بغض النظر عن تصورات الكاتب تجاه سبل التغيير. ورواية دستويفسكي هي أيضا نموذج للرواية الاجتماعية النفسية الفلسفية، فإلى جانب الخط الاجتماعي البارز لروايته نجدها أيضا ذات اتجاهات "أيديولوجية" ونفسية في ذات الوقت، فدستويفسكي المفكر كان يسعى في تصويره للحياة الواقعية إلى فهم القوانين التي تحركها، وكان يحاول النفاذ إلى مغزى المشاكل الجوهرية لتطور الإنسانية، ولذا فإن دستويفسكي يصور مصير شخصياته في ارتباط لا ينفصم بالموضوعات الفلسفية والأخلاقية والدينية التي يطرحها في رواياته والتي يضعها في مركز اهتمامه وبحثه، ويتحدد تبعا لها بنيان الرواية وخصائصها، ولذا نجد أن رواية دستويفسكي تتميز بالديالوج الحار وعنصر الإثارة الشكلية الذي يخفف من حدة اصطدامات الشخصيات ومن الديناميكية المتوترة للأحداث التي تنبع من صراع الشخصيات حول ( نعم ) أو ( لا ) حيال الأفكار الواردة في الرواية والتي ترتبط بكل الأحداث وبكل خطوط المضمون والتي تفسر تصرفات الأبطال أنفسهم. وقد أكسبت ديناميكية الحدث وتوتره رواية دستويفسكي طابعا دراميا، ويتدعم هذا الطابع من جهة أخرى بمأساة وجود الشخصيات وبالمصير التراجيدي للإنسان في ظروف التناقضات القاسية. وأيضا بمأساة وجود آلاف العائلات التي يصرعها التناقض الداخلي ، ودراما الانفصام الداخلي للشخصية. إن دستويفسكي قد قدم حقيقة –كما أشار العديد من النقاد- رواية جديدة أطلق عليها لقب " الرواية المأساوية" أو " الرواية المفجعة".

بالإضافة فإن دستويفسكي – كما أشرنا آنفا- أحد رواد الرواية النفسية، فروايته تتسم بتوتر حاد في إحساسات الشخصية وبدقة في تصوير أفكارها ومشاعرها، وبعمق في النفاذ إلى التناقضات الداخلية للإنسان الذي يتكشف في أكثر لحظات حياته الصعبة ومن خلال صراعات عنيفة مع نفسه وتوتر حاد للرغبات، فبطل دستويفسكي لا يتضح جوهره الداخلي في الحالات النفسية العادية بل وهو في قمة معاناته وفي وقت الاهتزازات الروحية المعذبة. ودستويفسكي المحلل النفسي يستند في تحليله لنفسية أبطاله إلى معيار " الشعبية" فنجده يقارن بين أفكار ومعاناة أبطاله الرئيسيين وبين الوعي الأخلاقي للجماهير الذي يقيس به صحة أو خطأ تصرفات الأبطال، وبالإضافة إلى ما ذكرنا فقد اتسمت روايات دستويفسكي بالعديد من الخصائص الفنية الأخرى التي ارتبطت بمهمة تجسد أفكار الكاتب والتي سنتناولها بإيضاح أكثر عند تحليلنا لأهم روايتين لدستويفسكي وهما: "الجريمة والعقاب" و " الإخوة كارامازوف" وهما الروايتان اللتان تظهر من خلالهما أبرز السمات الفكرية والفنية لروايات دستويفسكي..

.


.



.



يتبـــــــع "الجريمـــة والعقــاب" :m:

نيــــرفانا
18-09-2006, 10:36 PM
تنــويه يبري الــذمة!:

على الرغم من كون رواية " الجريمة والعقاب"، كما ورد باكرا، ليست بالرواية البوليسية، ( الأخوة كارامازوف فيها تورية للقاتل )، لكن من الحكمة أيضا أن نقول لمن لم يقرأ الرواية بعد، أن يحترس إن كان من الذين لا يحبون أن يؤخــذوا غيلة!..فمن هنا، سيكون الحديث عن الرواية ( وما بعدها من روايات ) فضائحيــا!

أقصد سيحكيهــا حتى النهاية، ولعله سيقدم أيضا وجهات نظر مطبوخـة قد تلوث تلك التي بعد فطرية فيكم!

وعلى الرغم من كوني أؤكد مسألة روائعية الرواية حتى بعد ذلك، لكني جَبنُـت عن قراءة هذا وغيره حتى اشتريت الرواية وأتممتها

لذلك جرى التنويـــه بالحذر، وقد أعذر من أنـــذر :)


****


رواية ( الجريمة والعقاب ) مترجمة عن النص الروسي (http://abooks.tipsclub.com/index.php?act=view&id=1969)

ترجمة فايز نقشالكردي (http://abooks.tipsclub.com/index.php?act=view&id=1969)

الصادرة عن دار مكتبة الحياة (http://abooks.tipsclub.com/index.php?act=view&id=1969)


لتحميــــل الروايــة اضغــط هنـــا (http://abooks.tipsclub.com/index.php?act=view&id=1969)

نيــــرفانا
18-09-2006, 10:40 PM
" الجـــريمة والعقــــاب"


نتناول في هذا الجزء رواية دستويفسكي الشهيرة " الجريمة والعقاب" التي تشغل مكانة هامة في تاريخ الرواية الروسية، وينقسم تحليلنا إلى أربعة مقاطع، سنتناول في المقطع الأول الأفكار الرئيسية في الرواية، أما في المقطع الثاني فسنعرض لأهم الأحداث بها، أما المقطع الثالث فسنكرسه للحديث عن شخصية البطل الرئيسي رسكولينكوف الذي أثار حوله جدلا طويلا والذي يعتبر مفتاحا للكثير من القضايا التي تعرض لها الكاتب في روايته، وسنحاول في هذا المقطع أن نتوقف بالذات عند الدوافع المختلفة التي دفعت به إلى الجريمة، أما المقطع الرابع والأخير فسنخصصه لحديث سريع عن الخصائص الفنية للرواية.



الأفكـــار الرئيسية:



تتطرق " الجريمة والعقاب " لمشكلة حيوية معاصرة ألا وهي الجريمة وعلاقتها بالمشاكل الاجتماعية والأخلاقية للواقع، وهي المشكلة التي اجتذبت اهتمام دستويفسكي في الفترة التي قضاها هو نفسه في أحد المعتقلات حيث اعتقل بتهمة سياسية، وعاش بين المسجونين وتعرف على حياتهم وظروفهم.

وتتركز حبكة الرواية حول جريمة قتل الشاب الجامعي الموهوب رسكولينكوف للمرابية العجوز وشقيقتها والدوافع النفسية والأخلاقية للجريمة.



ولا تظهر " الجريمة والعقاب" كرواية من روايات المغامرات أو الروايات البوليسية، بل هي في الواقع نموذج لكل تأملات الكاتب في واقع الستينات من القرن الماضي بروسيا، وهي الفترة التي تميزت بانكسار نظام القنانة وتطور الرأسمالية، وما ترتب على ذلك من تغيرات جديدة في الواقع الذي ازداد به عدد الجرائم، ولذا نجد الكاتب يهتم اهتماما كبيرا في روايته بإبراز ظروف الواقع الذي تبرز فيه الجريمة كثمرة من ثماره. ومرض من الأمراض الاجتماعية التي تعيشها المدينة الكبيرة بطرسبرج ( ليننجراد حاليا ) وهي المدينة التي أحبها الكاتب وبطله حبا مشوبا بالحزن والأسى على ما تعيشه من تناقضات، ولهذا السبب بالذات نجد الكاتب كثيرا ما يخرج بإحداثه للشارع ليجسد من خلاله حياة الناس البسطاء والمدينة الممتلئة بالسكر والدعارة والآلام.

إن حياة الناس البسطاء أمثال البطل الرئيسي رسكولينكوف وأمه وأخته وعائلة مارميلادوف أحد معارف رسكولينكوف وابنته سونيا، تبدو مظلمة وقاتمة يشوبها اليأس والعذاب والفقر وسقوط الإنسان الذي سُدت أمامه كل السبل حتى لم يعد هناك " طريق آخر يذهب إليه" وهي الكلمات التي ساقها الكاتب في أول الرواية على لسان مارميلادوف في حديثه مع رسكولينكوف.

ويجعل هذا الواقع القاسي من مارميلادوف فريسة للخمر ويدفع بابنته سونيا إلى احتراف الدعارة لإطعام أخوتها الصغار الجائعين، ويجعل زوجته عرضه للجنون، كما يدفع هذا الواقع بالشاب الجامعي الموهوب رسكولينكوف إلى الجريمة ويجعل أخته عرضة للإساءة بالبيوت التي تلتحق بخدمتها، إن شخصيات الرواية تبدو مقسمة إلى مجموعتين تمثلان مواقع اجتماعية متعارضة: مجموعة تمثل الشعب المضغوط الذي يطحنه الفقر والحاجة والحرمان، وتتمثل في كل من رسكولينكوف وسونيا وعائلاتهما، ومجموعة أخرى تمثل أصحاب المال الذين تعطيهم ثروتهم "حق" الإساءة إلى المحتاجين، وفي مقدمة هذه المجموعة تبرز المرابية العجوز الشريرة التي تمتص دماء الناس وتقتص منهم والداعر المجرم سفيرديجالوف التي تمكنه ثروته من الإساءة إلى المعوزين بلا رادع ولا عقاب.

وإلى جانب وصف الواقع المعاصر تطرق الكاتب في الرواية من خلال بطله المجرم غير العادي صريع "الفكرة" على نقد الفكر الاشتراكي والليبرالي المعاصر له وانعكست من خلال ذلك مثل دوستويفسكي العليا ومبادئه ونظرته على سبل التغيير وهو ما سنتناوله بالتفصيل عند حديثنا عن رسكولينكوف. ورغم أن دستويفسكي قد رفض شتى الأفكار التي كانت تنادي بالتغيير إلى أنه قد هاجم بشدة الظلم الاجتماعي والمجتمع الذي تعج فيه بكثرة " المنافي والسجون والمحققون القضائيون والأشغال الشاقة"، كما ندد بظروف الواقع الذي تهدر به كرامة الناس والذي تراق به الدماء " التي كانت تراق مثل الشمبانيا" ، وبالإضافة إلى هذه الموضوعات فقد انعكست في الرواية نظرة الكاتب للجريمة كوسيلة من وسائل الاحتجاج ضد الظلم الاجتماعي، كما تجسد فيها تقييم الكاتب للدوافع المختلفة للجرائم والجذور الاجتماعية والنفسية لها وهو ما سنتناوله بإسهاب عند الحديث عن شخصية البطل الرئيسي.



.

.

.

.

.

.



يتبــــــع (أهم الأحداث بالرواية)

نيــــرفانا
18-09-2006, 10:42 PM
2- أهم الأحداث بالرواية:



( أ ) الجريمــة:





هاهو الشاب رسكولينكوف يخطط لجريمته المزمعة، أو لتلك " الفكرة" التي تختمر برأسه، وهو يرتب ويعد لها بمهارة ودقة وعناية شديدة، فهو يقوم بزيارة استطلاعية لمكان الجريمة وهو بيت المرابية العجوز، لكن على ما يبدو لم يكن قد قرر نهائيا في تلك اللحظة تنفيذ الجريمة، وهو ما نعرفه من المونولوج الداخلي للبطل:"يا إلهي إن كل هذا لكريه، أحقيقة، أحقيقة أنا...لا،إنه لهراء، إن هذا لسخف، أحقيقة يمكن لهذا الهول أن يخامر رأسي"

كان رسكولينكوف يشعر في الفترة الأخيرة بالنفور الشديد تجاه شيء، وها هو هذا الشعور يتفاقم وهو في طريقه على بيت المرابية، توجه رسكولينكوف إلى بيت المرابية لزيارتها وليرهن ساعته وبالصدفة –وهو مار بالطريق على بيتها- قابل شقيقتها الوحيدة ليزافيتا التي تعيش معها في نفس الشقة، وفهم من حديث ليزافيتا مع الآخرين أن ليزافيتا لن تكون بالمنزل الساعة السابعة مساء وأن المرابية بالتالي ستكون بمفردها في هذا الوقت، وفي التو راودت رسكولينكوف بشدة فكرة الجريمة، فالفرصة في هذا الوقت ستكون سانحة لتدبيرها وقد لا يكون هناك بديل لهذه الفرصة. وعاد رسكولينكوف إلى حجرته بعد أن صمم على تنفيذ الجريمة "كالمحكوم عليه بالموت" "ولم يكن يفكر في شيء، ولم يستطع على الإطلاق أن يفكر بل أحس بكل كيانه فجأة بأنه لم يعد عنده حرية البصيرة والإرادة وأن كل شيء قد حسم فجأة ونهائيا".

ويصف الكاتب بوم الجريمة بأنه كان ذلك اليوم "الذي قرر كل شيء مرة واحدة، فقد اثر عليه بطريقة آلية، وكما لو كان قد أخذه أحد ما من يده وجذبه خلفه بلا مقاومة، بعناء بقوة غير طبيعية، بلا اعتراضات". قبل أن يتوجه رسكولينكوف إلى بيت المرابية فكر في أن يعرج على مطبخ صاحبة الدار التي يقيم بها ويأخذ من هنالك بلطة، ولكن بالصدفة كانت الخادمة هناك تؤدي عملها فلم يتمكن من ذلك، لكنه وجد عند البواب بفناء المنزل بلطه أسفل المقعد، فأخذها وخبأها في ردائه، وسار على بيت المرابية في خطى هادئة ودون أن يتعجل كي لا يثير الشكوك به، وكان ينظر قليلا إلى المارين محاولا ألا يحدق على الإطلاق في الوجوه، وأن يكون ما أمكن غير ملحوظ.

صعد رسكولينكوف على شقة المرابية، ودق جرس الباب، في البداية لم تجبه العجوز، فقد كانت وحيدة وهي شكاكة بطبعها، وهو يعرف عن عاداتها بعض الشيء، الصق رسكولينكوف أذنيه بالباب وأصغى جيدا فسمع حركة يدها الخفيفة بالباب فأصغى جيدا، وبدا له أنها أيضا بالداخل كانت تنصت غليه، وأخيرا فتحت له العجوز الباب وهي تحدق نحوه بنظراتها الحادة المرتابة، مما جعل رسكولينكوف يقبض على الباب بشدة تجاهه خشية أن تعود فتقفله مرة أخرى، وسمحت له العجوز بالدخول غليها بعد أن أخبرها بأنه ندم لإعطائها بعض الرهن. إلى أن نظرات العجوز الغريبة أثارت خوف رسكولينكوف، الشيء الذي أوقعه في خطأ كلفه الكثير، فقد نسي رسكولينكوف من ورائه الباب مفتوحا.

وقدم رسكولينكوف للعجوز الرهن، فاستدارت عنه بظهرها وهي تحاول أن تفك الرابطة المعلقة برقبتها، وهنا فك رسكولينكوف أزرار ردائه لكي يستل البلطة، لكن يديه صارتا ضعيفتين لدرجة أنه " كان مسموعا له نفسه كيف كانت تنملان وتتخشبان مع كل لحظة".

لكن رسكولينكوف خشي من ضياع اللحظة المواتية، وفجأة وكما لو كانت رأسه بدأت تدور هوى بالبلطة وبكل قواه على رأس العجوز، فصرخت في ضعف ثم خرت صريعة مضرجة في دمائها. وضع رسكولينكوف البلطة على الأرض بجوار القتيلة وزحف إلى جيبها وهو يحاول ألا "يخدش نفسه بالدم المنسكب منها، فقد كان رسكولينكوف في تلك اللحظة في كامل وعيه وتنبهه، لكن يديه كانتا ما تزالان ترتعدان، واستل المفاتيح من جيب العجوز وكانت في ربطة واحدة وجرى بها على حجرة النوم... وبدأ يفتش بين المفاتيح عن المفتاح الذي يفتح الدولاب الذي تخبئ به العجوز الأموال والأشياء الثمينة التي في حوزتها، وهنا انتابه شعور غريب، فقد شك في أن العجوز لم تمت بعد، فألقى بكل شيء وركض غليها للتأكد، وهنا لاحظ على رقبتها الرابطة المعلقة وتمكن بصعوبة من أن يقطعها، وكان بها صليبان سوى حافظة نقود فأخذها ووضعها بجيبه، ثم عاد مرة أخرى على حجرة النوم ليجرب فتح الدولاب، وفجأة سمع ما يوحي بوجود شخص آخر في الحجرة التي كانت ترقد بها العجوز القتيل فهب رسكولينكوف من مكانه وصمت " كالميت" وخيل له في تلك اللحظة أن شخصا ما يصرخ صرخة خفيفة، وهنا وبدافع من الحفاظ على النفس قبض على البلطة وخرج من الحجرة على مكان الصوت فوجد ليزافيتا شقيقة المرابية والتي حسب من قبل عدم وجودها، وجدها واقفة في منتصف الحجرة تتفحص أختها القتيل وهي مأخوذة بدرجة لا توقى معها على الصراخ، لقد عادت ليزافيتا فجأة ودخلت من الباب الذي تركه رسكولينكوف من ورائه مفتوحا طوال وقت الجريمة.

وارتجفت ليزافيتا حين شاهدت رسكولينكوف. وبال إرادة أخذت تتراجع للخلف دون أن تصرخ، وهو رسكولينكوف على ليزافيتا المسكينة وأرداها قتيلة في الحال هي الأخرى، وارتعدت بعدها أوصال رسكولينكوف من شدة الخوف، فقد اضطر إلى جريمة مفاجئة لم يكن قد حسب حسابها، وإنما اضطر إليها اضطرارا، ومن ثم انتابه شعور شديد بالازدراء. لقد خيل لرسكولينكوف أنه قد خطط بمهارة لجريمته، وأنه قد حسب كل صغيرة وكبيرة، لكن الحياة أعقد من أن تُحسب، فهي دائما أوهى من كل حساباتنا.

فكر رسكولينكوف في الهرب سريعا، فقد كان مضطربا وخائفا لدرجة كبيرة أنسته فتح الدولاب الذي كان يحاول فتحه والذي كانت تحتفظ به العجوز بأهم جزء من ثروتها.

أسرع رسكولينكوف على المطبخ بعد أن أقفل الباب وهناك اغتسل وغسل البلطة وعدل من هيئته ثم اتجه على الباب ليهرب سريعا بعد أن اخذ معه حافظة نقود المرابية وبعض الحلي التي وجدها أسفل سريرها، ولكن كانت هناك مفاجأة تنتظره، فبعد أن فتح الباب وهم بالخروج بلغ مسمعه وقع أقدام أشخاص قادمين إلى شقة العجوز فتراجع للخلف وأوصد الباب في هدوء شديد، واضطر رسكولينكوف أن ينتظر بمنزل العجوز فترة حتى يخلو له الطريق إلى الشارع وحتى ينصرف زبائن العجوز الذين انتابتهم الشكوك في أسباب عدم فتحها لهم، وما إن تمكن رسكولينكوف من الخروج من منزل العجوز حتى سار على حجرته وهو في حالة شديدة من الإعياء وكأنه انتابته حمى شديدة، وقبل أن يصل على حجرته أعاد البلطة على مكانها الذي أخذها منه، أما الأشياء والحافظة التي تمكن من أخذها من عند العجوز فقد ألقى بها في كومة في أحد أركان حجرته وخبأها في فتحة خلف ورق الحائط ودون أن تعتريه أي رغبة في مجرد النظر إلى محتوياتها، بل نجده يفكر في إلقائها جميعا والتخلص من آثار الجريمة، ثم قرر بعد ذلك لإبعاد الشبهات عنه أن يحتفظ بها في مكان مهجور أسفل أحد الأحجار الكبيرة.





( ب ) العقــــاب:





بقتل العجوز وأختها ليزافيتا قتل الكاتب بطله وحطمه تاما،

رسكولينكوف نفسه يتساءل بعد الجريمة " وهل قتلت العجوز؟ لقد قتلت نفسي لا العجوز" ودستويفسكي لم يعاقب بطله بتقديمه إلى حبل المشنقة، فقد بدا العقاب القانوني أخف أشكال العقاب التي لقيها رسكولينكوف، أما العقاب الحقيقي فقد كان من داخل البطل نفسه ومن ضميره حيث ثاب إلى رشده عقب الجريمة، فكما يقول رسكولينكوف نفسه " إن من عنده ضميراً فهو الذي يتعذب إذا وعى الغلطة، وهذا هو عقابه".

وإذا نظرنا إلى صفحات الرواية المخصصة لوصف الجريمة فسنجدها أقل بكثير من تلك المخصصة لوصف العقاب، وعقاب البطل هنا عقاب فريد وقاس يختلف عن أي عقاب تقليدي يناله أي مجرم.

لقد بدأ العقاب النفسي للبطل بعد الجريمة مباشرة، فما أن فرغ رسكولينكوف من محو الآثار المادية لجريمته حتى بات صريع شعور جديد غير محدد بدأ يتعمق تدريجيا بداخله، ألا وهو شعور بالنفور تجاه كل شيء وكل شخص يقابله، أما وجوه الناس فقد كانت تبدو له "قبيحة وكذا مشيتهم وحركاتهم".



لقد بدا لرسكولينكوف أنه قد انفصل تماما عن عالم الأحياء، وأنه كما لو كان قد " قطع نفسه بمقص عن الجميع".

كان رسكولينكوف في تجولاته الكثيرة بشوارع المدينة يبدو شارد الفكر، كانت قدماه كثيرا ما تجرانه بلا إرادة، وكما لو كان يسير بفعل قوة خفية إلى مكان الجريمة، ليعود بعد ذلك إلى حجرته فيسقط في حالة من الغيبوبة والتيه، يتراءى لرسكولينكوف خلالها أحلام مفزعة تمتلئ كلها بالعواء والدموع والدم، ويرقد رسكولينكوف أثناء ذلك يهذي بكلام غير مفهوم يبدو معه أمام القلة المحيطة كالمجنون، وإلى جانب كل هذا العذاب بدأ رسكولينكوف بدأ رسكولينكوف يستشعر شعورا جديدا أحس به لأول مرة بعد تمكنه من الهرب بصعوبة من منزل المرابية، ألا وهو شعور الخوف والاضطهاد عند الإنسان المطارد، وهاهو هذا الشعور يتفاقم بعد معرفة رسكولينكوف بمطاردة الشرطة له، فقد فطن رسكولينكوف إلى ملاحقة المحقق القانوني له الذي كان يسترسل معه في أحاديث طويلة، محاولا الإيقاع به والحصول على اعتراف منه، وقد أثارت هذه الأحاديث غيظ رسكولينكوف الذي شاهد بها محاولة مكشوفة لاستدراجه، فهو يقول "إذن هم لا يريدون أن يخفوا أنهم يطاردونني كقطيع كلاب".

وكان شعور الإنسان المطارد يتفاقم لدى رسكولينكوف مع الأيام، وهاهو شخص يظهر من تحت الأرض ويشير إليه " يا قاتل". واقعة غريبة تحدث مع رسكولينكوف وتثير بداخله المخاوف بدرجة تجعل "قدميه تخوران"، وكما لو كان قد تجمد، ففي إحدى المرات التي خرج فيها رسكولينكوف للتجول شاهد البواب وهو يقف أمام حجرته فلفت نظره مشيرا إلى شخص ما طويل الهيئة، وحين سأل رسكولينكوف البواب عن الموضوع أخبره بأن الرجل كان يسأل عنه، وحينئذ اندفع رسكولينكوف في أعقابه حتى لحق به وسار في محاذاته، وسأله رسكولينكوف عما إذا كان يسأل عنه، فلم يجبه الرجل ولم يرد ولم يعره بالا، حينئذ قال له رسكولينكوف غاضبا: "من أنت..ولماذا إذن حضرت... سالت ثم الآن تسكت...نعم...ماذا يكون هذا؟!"

فرد الرجل عليه بصوت هادئ وواضح " يا قاتل"..لقد أخذ رسكولينكوف بهذه الحادثة، وما أن عاد إلى حجرته حتى رقد بلا حراك على الأريكة، وتمدد عليها وهو يتأوه، فما لبث أن غفا في حلم عن أيام طفولته.. ثم تنبه بعد ذلك على صوت وقع أقدام صديقه "رازوميين" ووضع رسكولينكوف يده على رأسه التي كانت تعتصرها الأسئلة: "من هو، من هو هذا الشخص الذي خرج من تحت الأرض؟ أين كان وماذا شاهد؟ لقد شاهد كل شيء، هذا لا شك فيه، أين كان يقف آنذاك ومن أين كان ينظر؟ لماذا يخرج الآن فقط من تحت الأرض؟ وكيف استطاع أن يرى وهل هذا ممكن؟"

ومالبث أن ضعف جسد رسكولينكوف ووهن مرة واحدة، وأحس لدقائق " كما لو كان يهذي: وسقط في مزاج متهيج منفعل".

لقد وضع الكاتب بطله في مواضع مختلفة من الناس المحيطين به وذلك كي يكشف آلامه وعذابه بعد الجريمة، ورد فعل حالته على هؤلاء الناس، وذلك خلال لقاءات رسكولينكوف مع أمه وأخته اللتين قدمتا إلى بطرسبرج بعد الجريمة وصديقه رازوميين ولوجين الذي يرغب في الزواج من أخته دونيا، وسفيرديجالوف الذي كانت تعمل لديه دونيا كمربية والذي نالت من جرائه إهانات، لقد كان أكثر الناس الذين أحسوا بالتغيير الذي طرأ على رسكولينكوف هم أمه وأخته اللتان انتابتهما الحيرة والحزن لما يعانيه رسكولينكوف من عذاب نفسي. أما رسكولينكوف الذي كان من قبل الجريمة يتجنب الأصدقاء والزملاء فقد أصبح الآن بعد الجريمة يحس بالغربة حتى عن أقرب الناس وأحبهم إليه وهو يقول: " أمي وأختي، كم كنت أحبهما فلم الآن أبغضهما، أبغضهما، ولا أستطيع تحملهما قريبا مني".

لقد استطاع رسكولينكوف أن يهرب بضعة أشهر من الحكم القانوني، ولكنه لم يستطع ولو للحظة واحدة منذ قيامه بالجريمة أن يتخلص من شعور الذنب والخطأ وتعذيب الضمير، وقد كان هذا الشعور هو العقاب الحقيقي المؤلم الذي أوقعه الكاتب ببطله، وكان هذا الشعور هو العقاب الحقيقي المؤلم الذي أوقعه الكاتب ببطله، وكان هذا العذاب يحدث عن وعي من جانب البطل، ففي اعتقاد رسكولينكوف أن : " العذاب والألم ضروريان دائما للوعي الواعي والقلب العميق".

وبعد سلسلة طويلة من العذاب والألم اللذين عاشهما وعي وقلب رسكولينكوف، تقدم بعد ذلك طوعا واعترف بجريمته وأدلى بكل الدقة والوضوح بتفاصيل الجريمة، دون أن يشوه أية حقائق في سبيل مصلحته، كما اعترف بالمسروقات وأوصافها، مما بعث حيرة المحققين والأخصائيين الاجتماعيين في تفسير دوافع رسكولينكوف للجريمة، ولاسيما أنه قد اعترف بأنه لم يستخدم النقود التي أخذها من عند المرابية ولم يحاول حتى أن يتعرف على محتويات المسروقات.

وقد دفعت هذه الملابسات إلى اعتقاد بعض المحققين بأن أسباب الجريمة ترجع على "اختلال عقلي مع ميل انحرافي للقتل والسرقة، بلا أهداف مستقبليه أو حسابات للفائدة"

أما رسكولينكوف فقد كان تبريره للجريمة في وقت المحاكمة يرتبط بوضعه المحتاج ورغبته في التدعيم المادي وبناء أولى خطواته في الحياة بنقود المرابية، وأيضا بسبب بعض الطيش بطبعه وصغير شنه. وحكمت المحكمة بعقاب رسكولينكوف بالأشغال الشاقة لمدة ثماني سنوات فقط، وقد كان هذا الحكم مخففا بالنسبة لشخص ارتكب جريمتي قتل مرة واحدة، وقد نطقت المحكمة بهذا الحكم المخفف لأسباب عديدة، فقد أخذت في الاعتبار كل الظروف الذاتية والموضوعية الخاصة بالمجرم، فهو علاوة على تقدمه طوعا للاعتراف في الوقت الذي لم يكن هناك ثمة أدلة مادية ضده، بل على العكس كان هناك شخص مهتز عقليا ونفسيا كان قد تقدم قبل ذلك واعترف بارتكابه لهذه الجريمة، علاوة على ذلك فقد كانت ظروف رسكولينكوف قبل الجريمة قاسية وصعبة بالفعل، وإلى جانب كل ذلك فقد أخذ المحققون برأي أن رسكولينكوف لم يكن في كامل قواه العقلية وقت ارتكاب الجريمة، فشخص ينسى قفل الباب وقت الجريمة لابد أن يكون في حالة اضطراب غير عادية وبالإضافة إلى كل هذه الظروف والملابسات، فقد قدّم صديق رسكولينكوف إلى المحكمة معلومات وإثباتات تكشف الجانب الإنساني الحسن من رسكولينكوف طالب الجامعة السابق، فقد أعطى بيانات عن رفقاء الجامعة الفقراء الذين كان يساعدهم رسكولينكوف في الوقت الذي كان يرزح هو نفسه تحت وطأة الفقر، كما حكت صاحبة الدار التي كان يسكن لديها عن كيفية تطوع رسكولينكوف بإخراج طفلين من شقة تحترق وكيف نالته حروق من جراء ذلك.



وبعد انقضاء خمسة شهور من محاكمة رسكولينكوف، نقل إلى المنفى في سيبيريا.





.



.



.



.



يتبـــــــع ( رسكولينكــوف )

a1a1a1a1
19-09-2006, 03:32 AM
الاخوة الكرام في اي مكتبات الرياض تباع رواية الجريمة والعقاب وغيرها للمؤلف.
وجزاكم الله خيرا

معتز السلال
19-09-2006, 09:05 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ؛؛

شكرا لك يا نيرفانا على تلخيص رواية الجريمة والعقاب ..

أخي a1a1a1a1 :
طلبك موجود في توقيع نيرفانا وهو :
****
رواية ( الجريمة والعقاب ) مترجمة عن النص الروسي


ترجمة فايز نقشالكردي


الصادرة عن دار مكتبة الحياة


لتحميــــل الروايــة اضغــط هنـــا (http://abooks.tipsclub.com/index.php?act=view&id=1969)

a1a1a1a1
20-09-2006, 02:10 AM
اخي الكريم معتز
شكرا لك على مداخلتك الطيبة .. والمكتبة العربية استفدت منها الكثير واما الجريمة والعقاب فيبدوا ان الجزء الثاني لايعمل عند فتحه .
رغم ان الكتب الاخرى التي انزاتها من هناك لم اواجه فيها مشاكل..
اشكرك مرة اخرى على اهتمامك ..
وشكر خاص للاخت صاحبة الموضوع فقد شوقتني جدا لتتبع وقراءة الادب الروسي واتمنى منها المزيد
للتعريف بادباء روس اخرين .
ولكن هل من الممكن الحصول على الاعمال الكاملة لدوستوفسكي.
والسلام عليكم

نيــــرفانا
20-09-2006, 01:52 PM
a1a1a1a1

للأسف ليست لدي معلومات عن الرياض أبدا، لكن مثلا في جدة توجد رواية أو اثنتين لكاتب روسي في مكتبة وفي مكتبة ثانية توجد أخرى!..فالمسألة تدوير وخطف :)...
لكن الحذر جدا من الطبعات ثنائية اللغة ( إنجليزي / عربي ) لا تشتريها حتى لو لم يوجد غيرها!!!!

في معرض الكتاب ( فرصتك الكبيرة )..المعرض في جدة كانت هناك مجموعة لدستويفسكي ( مكونة من ثمانية عشر مجلدا ) عن دار الفارابي ترجمة سامي الدروبي وهي بحسب ما قرأت الأفضل...

كان سعر المجموعة 700 ريال كما قلت وهو ذاته سعر الإنترنت ( بدون الشحن ) في مكتبة النيل والفرات أو أدب وفن..( تختلف الأسعار )

أيضا لاحظت أن شراء المجموعة متفرقة أرخص! ولو المفروض العكس!!!!

لذلك ربما تكون المجموعة موجودة في معرض للكتاب بالرياض وكما قلت هي فرصة لعلها لا تتكرر..

أحببت دستويفسكي تحديدا، لذلك أكتب عنه عن محبة، ويا ليت يكتب أحد عن كتاب روس آخرين كعظيم روسيا بوشكين أو تولستوي..والأدب الروسي مدرسة..

العفو... وشكرا لك

دمت

====

معتــز أهلا

وشكر عـ التوضيح، يبدو أن روابط المكتبة تحتاج إلى مراجعــة..

هناك شيء

للذين يواجهون مشكلة في الروابط، يوجد مكان هناك لإعلام صاحب الموقع ( رابط لا يعمل) وهذا أفضل جدا ..
هذه الطريقة تحدد لصاحب الموقع وتسهل له مسألة مراجعة الروابط التي لا تعمل تحديدا..

ويستحق مجهوده أن نفعل ذلك..

دمتم

معتز السلال
20-09-2006, 04:56 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ؛

الأخت نيرفانا :

الآن جميع روابط فسم الروايات تعمل كلها ..

a1a1a1a1
22-09-2006, 02:12 PM
نير فانا
لابد من كلمة شكر لردك المفصل ..
والاخ الفاضل معتز قدم الكثير ..
ولكما صادق الود والتقدير.

عروة
24-09-2006, 12:27 AM
عذرا لا أعرف البسورد الخاص بكتاب الجريمة والعقاب
فأرجو إرشادي وجزيتم خيرا
أخوكم الجديد على الموقع
عروة