PDA

View Full Version : أحلام مستغانمي ..." 2 "



ابو ميشال
17-10-2006, 10:42 AM
بعد ان أصبحت زاويــة " أحلام مستغانمي... " طويلة و صعبة التصفح , وجد الاخ المشرف " نشيد الربيع " ان نغلقها و نتابع في مكان آخر.
و لأن الزاوية أصبحت وجهةً عشاق هذه الكاتبة العظيمة من داخل و خارج المنتدى ....
أحببت أن اتابع هذه الزاوية في جزأها الثاني , لينهل كل من يعشق قلم احلام مستغانمي منها .
و دمتم
أبو ميشال




لتصفح زاوية احلام مستغانمي- الجزء الأول-
http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=99625

وهي مجموعة كلها في ملف واحد هنـــا (http://www.alsakher.com/books/ahlam.zip)

ابو ميشال
17-10-2006, 10:47 AM
من كتاب " الكتابة في لحظة عري "

إهداء




لأنني لم أمنحك غير الكلمات
تذ ّ كري أنني أحبك جدًا
إنني أشعر أحيانًا بالخجل, وأكاد أطلب منك العفو
لأنني لا زلت على قيد الحياة ولست ضمن قائمة الشهداء
إليك يا جزائر أمنح سنواتي الاحدى والعشرين
في عيدك الواحد والعشرين

أحلام




رسائل




إلى الفدائي الذي منحني كلّ الأسماء...
إلا إسمه!

من أين عاد وجهك إليّ هذا المساء؟
كيف أطلّ وسط هذا الحزن الخريفي
أكتب إليك وخلف شباكي تبكي السماء. وفي ذاكرتي صور كثيرة لنا في
كل المواسم.

تصوّرت قبل اليوم أنني قد أستقبل الفصول معك.
يبدو أنني سأظلّ أستقبلها وحدي.
لا زلت أجوب شوارع التاريخ
أبحث عن وجهي الضائع الملامح في وجوه السواح والغرباء
في وجوه الثوار والزعماء.

ذاكرتي عشرات الرجال من كل قارات العالم.
جسدي لم تبق عليه مساحة صغيرة لم تتمرغ عليها شفاه رجل.
تغرّبت بعدك كثيرًا

في غربتي الكبرى يحدث أن أجمع أحزاني على كفيك وانتظر المعجزة.
يحدث ان أسرق منك قبلة وأنا أسير في المدن البعيدة مع غيرك.
يحدث أن أتسلل معك نحو عنب الخليل.. أن أزحف معك على الأرض
الطيبة.

وأسقط الى جوارك متعبة.
أيمكن لقلبك أن يحملني عندما يجب أن يخف الحمل!
أيمكن أن نحقق هناك كلّ الأحلام التي لم تكتمل؟
كم كنت حزينة بعدك

ولكن صورتك وحدها سافرت وعادت معي
صورتك وحدها نامت معي في فنادق العالم
وشفتاك وحدهما اللتان أرتعش لهما جسدي
ذات مرة أتاني صوتك من بعيد
كنت سائحة غريبة في بلد غريب
حاولت أن اراك كما أردتك أن تكون
وكانت سماء حيفا ماطرة.. ولم أكن هناك
فحسدتك.

أيلول 1973

* * *

كبر الحزن أيّها الرفيق
في هذه المدينة لا يأتي الصيف أبدأ
الرياح لا تفارق السماء
وأنا متعبة
عندما تغلق كل الأبواب
أرتدي أحلى فساتيني وأجلس لأكتب إليك
أيلول 1973

* * *

تتحدّث اليوم آخر الأخبار عن الكيلومتر 101
يتحدّثون طوي ً لا عن رقم لم يكن في ذاكرة الشهداء
لأن الماء يغلي في درجة المئة وأنا أصبحت أغلي بدرجة المئة وواحد.
سأخلع أحلى فساتيني وأكتب إليك عارية
سعداء أولئك الذين ماتوا وهم يعتقون انهم تجاوزوا المئة وواحد ومنحونا
رقمًا مطلقًا
سأكتب شيئًا عظيمًا هذا المساء
ظروفي تساعد على الجنون
أكتوبر 1973

* * *

لا زلت أشتري الجريدة كلّ صباح بحكم العادة
لا زالت القاهرة تتردّد وبغداد ترفض ودمشق تقاوم وعمّان تتفرّج
وبيروت ترقص
ولا زلت أكتب إليك عارية
أكتوبر 1973

* * *

هذا المساء وأنا أغادر الجامعة, جرّتني مظاهرة طلابيّة إلى شارع
العربي بن مهيدي.
كنت في حاجة الى أن أصرخ.. حتى يغمى عليّ

تذكرت أحد الأحلام, تمنيت لو نزل لحظتها مئة مليون عربي الى
الشوارع, لو زحف ملايين الشباب نحو كراسي الخونة.
لو أنّ القصور العربيّة ُنسفت في لحظة واحدة
لو أن التاريخ بدأ من شارع الشهداء
لومثلهم قلنا (لا)
ولكن.. كنت فقط أهتف مع الشباب
(بالروح.. بالدم.. حنكمل المشوار)
وكنت أبكي
أكتوبر

* * *

يخال لي أن الحرب أنتهت
رغم أن عناوين الجرائد لا تزال تحافظ على حجمها الكبير
ولونها الأحمر
أنا لا أنتظر شيئًا على الاطلاق
نوفمبر

* * *

أصبح الآن مؤكدًا أن الحرب أنتهت
لقد تبادلنا الأسرى والموتى والفرح والتعازي والشتائم

والشعارات والتهم..
وكثرت الأوسمة على الصدور
ديسمبر

* * *

أسأل نفسي هذا الصباح أين يمكن أن تكون..
كلما تذكرت آخر لقاء لنا شعرت بالخوف عليك
أعيد قراءة رسالتك الوحيدة
اتوّقف عند الجملة الأولى (أنت مفاجأة جميلة, شعرك الأسود بقدر حقدي
التاريخي يش ّ كل هالة قدسيّة على ملامحك الأبديّة).
ربما كان هذا أجمل ما قلت لي
وبعدها.. لاشيء
قلت انك تدمن احتساء الصمت والدخان والنبيذ
فهمت أّنك قد لا تكتب إليّ بعد الآن من الجزائر
آخر مرة التقينا فيها كانت ليلة رأس السنة الماضية
جلسنا في مقهى نتحدّث عن الحبّ.. والحرب والزواج..
كنت أحبّك.. وكنت حزينة ككذل بداية سنة
تمني ُ ت لو أنتميت اليك
كان عمري عشرين سنة

خفت ألا أنتمي لشيء بعدك
مكن أن تكون بداية شيء وكان ي , كنت تمثل عندي قمّة الرفض والثورة
رائع في حياتي
ولكن خرجنا
كنت تقول: "أنا أيضًا.. أشعر هنا أنني لا أنتمي لشيء لهذا يجب أن
أرحل".
سألتك:
- أيّ الفترات كنت فيها أكثر سعادة؟
قلت:
- عندما كنت أحمل شيئًا آخر غير الجرائد!.
- وماذا صنعت؟
- حاولت أن أهب هوية للأطفال الذين ولدوا غرباء عن العالم.
وخرجنا.
التقينا بصديق أخبرنا أنّ أحدهم قد أنتحر بالأمس.
عمّ الصمت.

كان المنتحر رسّامًا مغربيًّا حاول أن يوّقع على لوحة حياته توقيعًا حزينًا,
فأنتحر.
كان طيبًا.
ما كانت له من هواية عدا التنّفس.
كانوا يعرفون خطورة التنفس عندما يبدأ هواية ويتحوّل فجأة الى مبدأ.
كانوا يعرفون ذلك, فألقوا بالغازات السامّة, ملأوا بها سماء البلد الطيب
وهاجر الفنان يبحث عن أوكسجين.
جاءنا.. ولكنه ما استطاع الحياة بعيدًا عن السماء الأولى.
فقد أكتشف فجأة أّنه نسي رئتيه هناك
فأنتحر.

كان الناس يمرون أمامي مسرعين
بعضهم يجوب الشوارع بلا هدف. وكنت أسير بينهم.
أبحث في ملامحهم عن شيء, ربما عن ملامح الشاب المغربي.
تساءلت وأنا أراهم: أيستحق هؤلاء أن يموت أحد من أجل قاضياهم؟!
مات الفنان! (فتاة ببنطلون ضيّق تنتظر قادمًا لا يأتي)
أحقًا مات! (عجوز تسأل بائع الخضر.. إذا كانت أزمة البصل قد
حّلت).
قلت ذلك لصديق, فأجابني: يجب أن نحلّ قضايا الجماهير أو ً لا. أن
نجعلها تشبع, تحتمي بسقف, وتلبس, وتحلم. وعندها فقط يصبح بإمكانها
ان تف ّ كر في القضايا الكبرى.
لا يمكن ان تسألي إنسانًا يكاد يغطيه الطوفان:

لماذا لا يحتمي بمظّلة عند سقوط المطر؟ لنخرجه أو ً لا من الطوفان!
عدت الى الجامعة وأنا أحاول أن أتخيّل كميّة المياه الهائلة التي تغرقنا
يوميًا.
قلت لي قبل أن نفترق "اليوم أصبح كل أصدقائي بين شهداء ومساجين
ومنتحرين, وحدي رفضتني السجون وكلما كان لي موعد مع الموت لم
يحضر".

سالتني فجأة..
- أتحبين الموت؟
قلت:
- لا أعتقد.. لكنني لا أخافه
عّلق َ ت:
- لن تكوني فدائيّة حتى تحبينه
وأفترقنا.
مرّ عام على ذلك اللقاء. ذلك الفراق.
ولا زلت أسأل عنك الرفاق. ربما لأقول لك فقط, أنني بدأت أحبّه.
لا زالت صديقاتي في الجامعة يسألنني عنك
قلت لأحداهن, أّنك فدائي ولم تحضر الى الجزائر كي تقيم بيننا.
ضحكت, لأّنها لم تتصوّر فدائيًّا في وسامتك. ربّما لم تصدقني.

أظّنها تأّثرت ب(جمهورية) أفلاطون.. فهي ترى أنّ الحرب خلقت
لتخّلص البشرية من القبيحين والمرضى وضعاف البنيّة.
نجحت في إقناعها بأنّ شي غيفارا أيضًا كان وسيمًا, وأّنه لو عمل في
السينما لحطم أسطورة عمر الشريف.
وأنّ ليلى خالد لم تكن أقلّ جاذبية من جورجينا رزق.
ولكنها قامت بثلاث عمليّات لتشويه وجهها, كي تتم ّ كن من مواصلة
مهمتها, أيّ شجاعة هذه!.. لا أذكر أنّ امرأة عبر التاريخ شوّهت وجهها
قصدًا, كي تخدم قضيّة. لا جان دارك ولا جميلة ولا أنجيلا, غير أنني
أذكر مبالغ خيالية كانت تدفعها ماري أنطوانيت من أجل ثوب سهرة
جديد. وأرقامًا أكثر جنونًا تدفعها مدام أوناسيس أرملة كينيدي سابقًا
وأرملة أوناسيس حديثًا كي نظل أنيقة وتبقى بشرتها ناعمة ويبدو فمها
أقل إتساعًا. ومبالغ أخرى لا تقل جنونًا تدفعها أميرات عربيّات وزوجات
حكام من أجل حفنة لؤلؤ نادر أو قارورة عطرٍ فريد.
ألا ترى أّنه أصبح ضروري أن أحبّ الموت!

* * *

ابو ميشال
17-10-2006, 11:00 AM
بطاقة عاديّة في يوم غير عادي!



اشتقت إليك
تدفعني أفراح الآخرين إليك
اليوم صباح عيد, وأنا أصبحت أخاف الفرح
لأننا نصبح أنانيّين عندما نفرح
يجب أن أحزن قلي ً لا كي أظلّ معك
ثمّ إنّ الفرح لا يلهمني
وأنا أريد أن أكتب شيئًا على ورق مدرسي
أكره أن أترك كلماتي على البطاقات المستوردة للأعياد
أشكالها الفرحة.. تعمّق حزني.
* * *
لو كتبت لك بطاقة في بداية هذه السنة لقلت:
"لأنك...
18
ولأّنني...
أتمّنى أن..."
وكان لا بدّ أن تملأ أنت الفراغ..
أؤمن أنّ مهمة الرجل ملء الفراغ
الفراغ الأرضيّ
الفراغ الكونيّ
الفراغ في قلب إمرأة
الفراغ في جسمها
* * *
يحدث أن أمتلىء بك..
يوم حدث هذا وضعت حدًّا للحزن المسالم
وبدأت أجمع صور الشهداء
يوم حدث هذا.. قلت أنك قادر على إمتلاكي
الآن ترحل.
كنت رصيف فرح
الآن يجب أن أتعوّد الوقوف على أرصفة أخرى
سأذكرك
تعّلمت معك أن أعود إلى طفولتي
أن أحبّ البسطاء
أن أرتبّ خريطة هذا الوطن
وأقف في صف الفقراء
ديسمبر 1974

ابو ميشال
17-10-2006, 11:00 AM
ملعونة.. يا رولز رويس

جـــاء مَن يسأل ديستوفسكي: "كيف أستطيع أن أصبح كاتباً يا سيدي؟"، فأجابه على الفور "بأن تستقلّ عربات الدرجة الثالثة في القطار".
نصيحة لم تفدني كثيراً، فقد قرأتها بعد أن قضيت شبابي محشورة في الحافلات التي كنت أنتظرها تحت القيظ حيناً، وأحياناً كثيرة تحت المطر، كي تقلّني من العاصمة إلى ثانوية "عائشة أم المؤمنين"، في "حسين داي"، الثانوية الوحيدة الْمُعرَّبة آنذاك، للبنات.
وعلى الرغم من كوني أنهيت دراستي الثانوية، وأنا نجمة إذاعية، بحُكم تقديمي برنامجاً شعرياً ليلياً في زمن كان فيه للإذاعة سطوتها، فقد كنت أصرُّ على ركوب الحافلة، ورفض "لطف" مَن ينتظرونني عند باب الثانوية بالسيارة، لعرض خدماتهم بمرافقتي إلى البيت.
في باريس أيضاً، وأنا أقصد السوربون، واصلت ركضي سنوات عدّة خلف عربات الدرجة الثانية للميترو، وهي العربات التي يستعملها جلّ الناس في فرنسا، بمن فيهم الطلبة، لأنه لا وجود، منذ زمن ديستوفسكي، لعربات الدرجة الثالثة: سهولة التنقُّل بالميترو والحافلة في باريس أنسَتني، لخمس عشرة سنة، أن أتعلّم قيادة السيارة. وكانت الكارثة عندما عدتُ إلى لبنان ووجدتُ معارفي من النساء يقدن سياراتهن، أو يتنقلن برفقة سائق خاص.
ولكوني لا أتحمَّل وجود سائق "تحت أمري"، وفي انتظاري طوال النهار، وأرى في استثمار وقته تفريطاً في وقتي، فبدل المكوث في البيت للكتابة، يصبح همّي البحث عن مكان يرافقني إليه كلَّ يوم، فضّلت مواصلة التنقُّل بالحفلات والسيارات العمومية.
وحدث مرّة غَدَاة مروري في برنامج "خليك بالبيت"، أن تعرَّف إليَّ سائق الحافلة (رقم/17)، التي أركبها غالباً من المتحف إلى برمّانَا، حيث أُقيم، فأصرَّ الرجل على إجلاسي خلفه تماماً، ورفض أن يتقاضى ثمن تذكرتي، وفاجأني وهو يخبرني بزهو، أنني ثاني كاتب يركب حافلته. فقد فوجئ قبل أيام بسعيد عقل يصعد الحافلة قاصداً "عين سعادة". وكانت مفاجأتي بما سمعت، أكبر من مفاجأته بما رأى. فليس سعيد عقل بشاعر عادي، لا في أشعاره التي خلّدتها فيروز، ولا في ثقافته مُتعدِّدة اللغات التي أوصلته حدَّ الحلم بكرسي رئاسة الجمهورية. وهو فوق هذا يملك من الإمكانات المادية، ما جعله يُنشئ جائزة أسبوعية بمليون ليرة، مكافأة على أي نصّ أدبي جميل يعثر عليه أثناء مطالعاته.
لكأنّ ركوب وسائل النقل الجماعيّة ممرّ حتميّ لأي مبدع. فإن لم يختبرها فتىً أو شاباً، اختار طوعاً أن يجرّبها عن كبر. هذا إذا لم يكن أبوه سائق قطار، فيكون له حظّ نيرودا في قضاء طفولته متنقلاً مع أبيه بين القطارات.
الدكتور غازي القصيبي علّق ساخراً على إصراري على ركوب وسائل النقل العموميّة، بأنّ حماقة كهذه لا يُقدِم عليها المرء إلاّ في شبابه لأسباب لا علاقة لها بالأدب. فقد خبر مزايا الحشر في حافلات مكتظة بالطلبة والطالبات أيام دراسته في القاهرة، قبل دخوله "شقّة الحريّة".
أمّا نزار قبّاني، رحمه اللّه، فبمزاجه الأرستقراطي، ما أظنّه ركب في حياته حافلات غير حافلات لندن. كان يجلس في الطابق العلويّ، متأمِّلاً الحياة "تحته"، وكثير من تأمُّلاته ومَطَالِع قصائده وُلِدَت، حسب ما قال لي، وهو في تلك الحالة من السهو اللذيذ، الذي لا يشبه في شيء "التعتير" والبهدلة اللذين يعرفهما مَن يركب حافلات الدول العربيّة، خاصة مَن هو مثلي، يجد توازنه النفسي في اختلال توازنه الجسدي، وهو بين الشغالات والطلبة، والعمّال الأجانب (الذين انضمَّ إليهم في السنوات الأخيرة، بسبب الضائقة الاقتصادية، لبنانيون في كلِّ أناقتهم) اعتدت أن أتأمّلهم، أسترق السمع لحواراتهم، ثم أنزل من الحافلة إلى عزلتي الإبداعية التامّة.
اكتشفت "خَلَلي" عندما دعتني صديقة إلى العشاء، وأمام إلحاحها، ولحاجتي إلى زوجها الذي يعمل بروفيسيراً في علم العيون، اشترطت أن يعود بي سائقها مساءً إلى البيت. لكن طوال طريق العودة كنت أشعر بالدَّوار والغثيَان والسيّارة تصعد بين مُنعطفات برمّانَا، حتى إنني فقدتُ لياقتي، ورحت بلهجة جزائرية ألعن لأختي "أبو هذه السيارة البائسة اللِّي طلّعتلي روحي"، فعجبت أختي لأمري، ثمّ علّقت مازحة: "ما سمعت أحداً يتذمّر من ركوب الرولز رويس!". قلت متحدِّية: "هذي رولز رويس؟ واش بيك هبلت؟". ردّت: "اسألي السائق". رفعت التحدِّي وسألته، فأجاب الرجل كَمَن يعتذر: "إنها رولز رويس يا مدام!".
بلعت صدمتي وصبرت على مصابي، أختي وشوشتني: "اسكتي.. بهدلتينا مع الراجل"!

Pen
18-10-2006, 02:14 AM
شكرا لك...

وسوف أقوم بإذن الله بتسيق جميع ما اجمعه للرائعة احلام بشكل كتاب exe كتاب ألكتروني
بطريقة سوف تعجبكم بإذن الله ...
أنتظر أكتمال الباقة لديكم... حتى يكون الكتاب شاملا

ابو ميشال
18-10-2006, 09:15 AM
الأخ بين
شكرا لك سلفا على عملك
و انا متابع بإذن الله مع كل ما يقع بين يدي بخصوص احلام مستغانمي

beesan
21-10-2006, 09:00 PM
ابو ميشال تحية معطرة بياسمين الشام
عودة جميلة لقلم السيدة الجميلة ونقلك الرائع معك متابعيين لكل ما تنقله لنا
دمت

ابو ميشال
22-10-2006, 11:00 AM
أهلا بيسان
ألقاك دائما على شواطئ احلام مستغانمي
أسعد بك .... و بلقاك

Little author
23-10-2006, 12:09 AM
اليوم صباح عيد, وأنا أصبحت أخاف الفرح"

:)
أخافُ,,...

نـوال يوسف
23-10-2006, 01:05 AM
ملعونة.. يا رولز رويس

بلعت صدمتي وصبرت على مصابي، أختي وشوشتني: "اسكتي.. بهدلتينا مع الراجل"!

والله بهدلتنا، اللي *موالف بالمزيرية* ما تخرج عليه حتى حاجة k*
أبو ميشال، لو لم تصعد أحلام الحافلة التي سبق و أن صعدها سعيد عقل، لما أنتجت فقرة كتلك، أول مرة اسمع أنها درست في ثانوية عائشة أم المؤمنين، حسين داي كلها تحبك يا أحلام.

الميزيرية: ممكن تكون مرادفة لكلمة رزايا، أو الحالة الاجتماعية الصعبة.
موالف: من الألفة و أعني بها هنا " تعود"

شكرا بعدد أحرف الصفحات التي تهديها إلينا

نور الأحمد
23-10-2006, 02:46 PM
ثمــة حزن يصبح معه البكاء مبتذل،


حتى لكـأنه إهانة لمن نبكيه .


فلم البكاء؟؟ ... مادام الذين يذهبون يأخذون دائما ً مساحة منا.. دون أن يدركـوا، هناك حيث هــُم ،
أننا، موتا ً بعد أخر، نصبح أولى منهم بالرثاء، وأن رحيلهم.. كسر ساعتنا الجدارية ، وأعاد عقارب ساعة الوطن .. عصورا ً إلى الوراء؟

............................................



لـ نشفى من حالة عشقية يلزمكـ رفاة حب ، لا تمثالا ً لحبيب تواصل تلميعه بعد الفراق ، مصرا ً على ذيـّاكـ البريق الذي انخطفت به يوما ً. يلزمكـ قبر ورخام وشجاعة لدفن من كان أقرب الناس إليك .


انت من يتأمل جثة حــُب في طور التعفن ، لا تحتفظ بحـُب ميت في براد الذاكرة.





.................................................. ..........................





هي الحياة .. إذن.


قطعـا ً " لا يحدث للإنسان .. ما يستحقه .. بل مايشبهه "


فلم الألم .. ؟ ما دامت تلك النهايات تشبهنا .. حتى لكأنما الموت يجعلنا أجمل ؟


رحم تقذفنا إلى رحم . ونحن الذين تساوينا في المجيء ، لن نسأل .. لم يكن الميلاد واحدا ً .. ويتعدد الموت إلى هذا الحد !





...........................................





بـ وجع الغاليه أحلام مستغانمي

ابو ميشال
30-10-2006, 11:51 AM
والله بهدلتنا، اللي *موالف بالمزيرية* ما تخرج عليه حتى حاجة k*
أبو ميشال، لو لم تصعد أحلام الحافلة التي سبق و أن صعدها سعيد عقل، لما أنتجت فقرة كتلك، أول مرة اسمع أنها درست في ثانوية عائشة أم المؤمنين، حسين داي كلها تحبك يا أحلام.

الميزيرية: ممكن تكون مرادفة لكلمة رزايا، أو الحالة الاجتماعية الصعبة.
موالف: من الألفة و أعني بها هنا " تعود"

شكرا بعدد أحرف الصفحات التي تهديها إلينا



أختي نوال
شكرا للمداخلة ..... و كل عام و أنت بألف خير

ابو ميشال
30-10-2006, 11:52 AM
ثمــة حزن يصبح معه البكاء مبتذل،

حتى لكـأنه إهانة لمن نبكيه .

فلم البكاء؟؟ ... مادام الذين يذهبون يأخذون دائما ً مساحة منا.. دون أن يدركـوا، هناك حيث هــُم ،

أننا، موتا ً بعد أخر، نصبح أولى منهم بالرثاء، وأن رحيلهم.. كسر ساعتنا الجدارية ، وأعاد عقارب ساعة الوطن .. عصورا ً إلى الوراء؟


............................................



لـ نشفى من حالة عشقية يلزمكـ رفاة حب ، لا تمثالا ً لحبيب تواصل تلميعه بعد الفراق ، مصرا ً على ذيـّاكـ البريق الذي انخطفت به يوما ً. يلزمكـ قبر ورخام وشجاعة لدفن من كان أقرب الناس إليك .

انت من يتأمل جثة حــُب في طور التعفن ، لا تحتفظ بحـُب ميت في براد الذاكرة.



.................................................. ..........................



هي الحياة .. إذن.

قطعـا ً " لا يحدث للإنسان .. ما يستحقه .. بل مايشبهه "

فلم الألم .. ؟ ما دامت تلك النهايات تشبهنا .. حتى لكأنما الموت يجعلنا أجمل ؟

رحم تقذفنا إلى رحم . ونحن الذين تساوينا في المجيء ، لن نسأل .. لم يكن الميلاد واحدا ً .. ويتعدد الموت إلى هذا الحد !



...........................................



بـ وجع الغاليه أحلام مستغانمي


أهلاً بنور الأحمد
أحلام تلمس جراحنا بقلمها الشفاف
ما أروعها من طبيبة للقلوب

ابو ميشال
30-10-2006, 11:58 AM
ثمــة حزن يصبح معه البكاء مبتذل،

حتى لكـأنه إهانة لمن نبكيه .

فلم البكاء؟؟ ... مادام الذين يذهبون يأخذون دائما ً مساحة منا.. دون أن يدركـوا، هناك حيث هــُم ،

أننا، موتا ً بعد أخر، نصبح أولى منهم بالرثاء، وأن رحيلهم.. كسر ساعتنا الجدارية ، وأعاد عقارب ساعة الوطن .. عصورا ً إلى الوراء؟


............................................



لـ نشفى من حالة عشقية يلزمكـ رفاة حب ، لا تمثالا ً لحبيب تواصل تلميعه بعد الفراق ، مصرا ً على ذيـّاكـ البريق الذي انخطفت به يوما ً. يلزمكـ قبر ورخام وشجاعة لدفن من كان أقرب الناس إليك .

انت من يتأمل جثة حــُب في طور التعفن ، لا تحتفظ بحـُب ميت في براد الذاكرة.



.................................................. ..........................



هي الحياة .. إذن.

قطعـا ً " لا يحدث للإنسان .. ما يستحقه .. بل مايشبهه "

فلم الألم .. ؟ ما دامت تلك النهايات تشبهنا .. حتى لكأنما الموت يجعلنا أجمل ؟

رحم تقذفنا إلى رحم . ونحن الذين تساوينا في المجيء ، لن نسأل .. لم يكن الميلاد واحدا ً .. ويتعدد الموت إلى هذا الحد !



...........................................



بـ وجع الغاليه أحلام مستغانمي


أهلاً بنور الأحمد
أحلام تلمس جراحنا بقلمها الشفاف
ما أروعها من طبيبة للقلوب

ابو ميشال
30-10-2006, 02:55 PM
أيها المواطن التلفزيوني.. أنقذ نفسك



شكراً للّه. فمن نعمه عليَّ في رمضان الكريم، أنه منحني القدرة طوال شهر، على مقاومة غواية الفضائيات العربيّة، ومقاطعة كلّ ما يُبثُّ عليها من مسلسلات، وبرامج ترفيهيّة، ومسابقات رمضانيّة، ومقابلات تهريجيّة.
تجرّأت وخنتُ وطني، حسب تعبير محمد الماغوط، رحمه اللّه. ذلك أنك في العالم العربيّ تنتمي إلى التلفزيون. هو وطنك وحزبك وأهلك وعشيرتك. تشي قناتك المفضّلة بقناعتك وهواياتك وسنّك العقلية والثقافية ومزاجك العاطفي، ونواياك الانتحارية.
إذا كنّا جميعنا مواطنين في جمهورية التلفزيون، فأنا أُعلن نفسي مواطنة منشقة، بعد أن قضيت صيفاً كاملاً وأنا في حالة تخدير مشهدي، أركض مع المراسلين الحربيين من ضيعة إلى أُخرى، ومن قناة إلى أُخرى. حتى في نومي، كنت أفتح التلفزيون مذعورة، عسى كارثة حلّت أثناء نومي ولم أدرِ بها. هلع واحد يسكنني: ماذا لو سقط أحد المراسلين شهيداً على مرأى منّا وورّطنا في دمه؟ كتيبة المراسلات الجميلات الشجاعات اللائي كنّ يتحدثن إلينا، واصلات الليل بالنهار، غير آبهات بالصواريخ التي تمطر حولهن وفوقهن من كل صوب.. أين هنّ؟
كيف لصبايا فضائيات التبرُّج، اللائي يسهرن ليلهنَّ ويُحيين نهارهنّ ببيعنا المباهج الكاذبة، وأزياءهنّ الباذخة، المقدَّمة كإعلانات للمصممين، أن يُنسيننا صبايا الخوذة والسترة الواقية، صبايا الشجاعة والغضب المهذّب والحزن الراقي؟ يا للعجب! ما دعاهنّ أحد إلى برنامج تلفزيوني لنتعرّف إليهنّ أكثر، لنطمئن عليهنّ، وقد كنّ أهلنا وبناتنا؟
قرّرت ألاّ أكون من نُسّاك التلفزيون، أيّاً كان مذهب القناة.
الذين باعوا العالم العربي البهجة الكروية المشفّرة، أَمَا كان في إمكانهم إنقاذنا من قهر متابعة مباراة موتنا، بتشفير أعراس الدم العربيِّ أيضاً؟
العرض المجاني لايزال مستمراً، مادام الأمر يتعلّق بهلاكنا. ليواصل مَن شاء الفرجة. سواء أتابعت الفضائيات الإخبارية، أم تلك الترفيهية الخلاعية، ثمّة اتفاق على الإجهاز عليك.
أيها المواطن التلفزيوني.. أنقذ نفسك!

عندما ينتحر الممثل.. نيابة عن المشاهد

توقّعتُ هذا الصيف، وأنا أُتابع مسلسل الدمار العربي، أن يُقدم أحد المشاهدين العرب على الانتحار قهراً. ثم جاء رمضان، وخفت أن يتمرّد أحد عبيد المسلسلات الرمضانية، وينتحر احتجاجاً على تكبيله شهراً كلّ سنة أمام التلفزيون. وإذا بالممثلين هُم المنتحرون. فقد فاجأتنا الصحف بخبر محاولة انتحار الفنانة الشابة إيمان أيوب بقطع شرايين يدها، لعدم عرض المسلسل الرمضاني الذي تشارك فيه مع نخبة من ألمع النجوم.
ولن أُعلِّق على الخبر بما يزيد من قهر هذه الصبيّة، ذات الملامح البريئة والجَمَال الهادئ، كما تبدو على الصورة. فأنا أعذر يأسها من عالم الأدغال التلفزيونية، ومافيا المسلسلات الرمضانية، التي أصبح لها ذئابها وثعالبها ووحوشها البشرية، التي تعرف من أين تُؤكَل "كتف المشاهد"، ومن أين تُؤتى جيوب القنوات، ومتى تنقضُّ على العقود والصفقات، فتسلقها لنا كيفما اتفق شوربة رمضانية من ثلاثين وجبة يومية.
إنها حقاً "سوق للخضار" حسب تسمية المسلسل الذي رُصد له أكثر من 9 ملايين جنيه كميزانية مبدئية، وكُتبت قصته على قياس نجومية فيفي عبده، المشغولة على مدار السنة بنشاطها الخاص في الملاهي وحفلات الأعراس، ولا تحلُّ ضيفة على طاولة إفطارنا إلاّ في رمضان· ولنكن واقعيين. إنّ تسعة ملايين جنيه ليست اليوم بمبلغ يُذكَر، حتى وإن كان البعض يستكثره على أعمال أدبية حفرت وجدان القارئ العربي، مادام ردفا روبي يساويان مليوناً ونصف المليون دولار، أو بالأحرى حق تصويرها في إعلانات عن ماركة مايوهات. موجهة إلى أسواق عربية!
وتريدون بعد هذا ألاّ تُقدم ممثلة شابة وجادة على الانتحار، بعد أن أصابها الإرهاق من العمل ليلاً ونهاراً على مسلسل لن يرى النور، تدور أحداثه في فترة ما قبل ظهور الدعوة الإسلامية، وتم تعديل اسمه من "نصر اللّه" إلى "نصر السماء" قبل أن يصبح الاسمان، حسب القاموس السياسي اللبناني الجديد.. سيَّــان!

ابو ميشال
06-11-2006, 08:39 AM
ميّ.. سيِّدة بيروت الجميلة


صور ميّ الشدياق في عدد سابق في "زهرة الخليج" أصابتني بالذهول. أنا التي قلّما تستوقفني نساء الإعلانات، أو صور الأزياء المعروضة في المجلات، بقيت للحظات أدقق في تفاصيل هذه المرأة العائدة من الموت، في أناقة تشهق لها عيون النساء، وبهاء ما كان لها قبل أن تعقد قرانها على التحدِّي.
معجزتها ليست في بقائها على قيد الحياة، بل على قيد الأُنوثة والجَمَال. أجزاء من جسدها ما عادت موجودة، لكنها تواصل تزيين ماناب عنها من قطع غيار بشريّة. تضع ساعة ثمينة في معصم ما عاد معصمها، وخواتم كبيرة في أصابع تعرّفت لتوّها إليها، وتطلي بعناية أظفاراً لن تنمو إلاّ في ذاكرتها.
لأنني كتبت ثلاثية بطلها فنان بُترت ذراعه اليسرى، تعمّقت على مدى سنوات في دراسة أحاسيس مَن فَقَد عضواً من جسده، وكُتب عليه أن يعيش يُتم الأعضاء. عدتُ إلى "عابر سرير" أبحث عن قول كنتُ كتبته على لسان بطلي وهو يحاور صديقه الصحافي. يقول خالد بن طوبال في الصفحة (111): "هذا أمر لا يفهمه إلاّ مَن فَقَد أحد أطرافه. وحده يعاني "ظاهرة الأطراف الخفيّة". إحساس ينتابه بأنّ العضو المبتور لايزال موجوداً، بل هو يمتدُّ في بعض الأوقات إلى كامل الجسد. إنه يؤلمه ويشعر بحاجة إلى حكِّه، أو تقليم أظفار يد لا توجد! كذلك الأشياء التي فقدناها، والأوطان التي غادرناها، والأشخاص الذين اقتُلِعُوا منّا. غيابهم لا يعني اختفاءهم· إنهم يتحرَّكون في أعصاب نهايات أطرافنا المبتورة، يعيشون فينا كما يعيش وطن، كما تعيش امرأة، كما يعيش صديق رحل. ولا أحد غيرنا يراهم".
لا أدري، هل ستجد ميّ الشدياق نفسها في هذا الحوار، هي الْمُحاوِرَة الذكيّة التي تَمَادَت في إهانة القَتَلَة إلى حدِّ عودتها إلى بيـــروت، في تايــور وردي في كلِّ زينتها، واختارت لحلقتها الأُولى الصحافي سركيس نعوم، آخر مَن حاورته قبل محاولة اغتيالها بساعات، كما لتقول لهم، إنّ الوقت لم يتوقف لحظة، وإنّ لا شيء ممّا أرادُوه حَدَث.
مثل بيــروت التي قَامَــت دوماً من ركامها ودمارها، أجمل ممّا كانت وأكثر شهيّة للحياة، وكأنهم ما أحرقوها ولا قطعوا أوصالها، مثلها تطلع لنا ميّ، الخارجة من بين فكَّي الموت، جميلة عصيَّة، شُجاعة ذكيّة، أنيقة بهيّة، مُقبِلَة على الحيــاة بشهيّة مَن يدري أنّ الحياة لا تَمنح نفسها إلاّ لِمَن خَانَها مع الموت، وعاش السعادة كلحظة مُهدَّدة.
إن كانت بيروت "ستّ الدنيا" حسب نــزار، فلابد من إعلان ميّ الشدياق "ستّ بيروت". إنّها صورتها الأنثى التي قَامَت من تحت الرَّدمِ، المرأة التي "هَزَمَت القَتْل والقَاتِل"، حسب تعبير بيار ضاهر. رفضت أن تهزمها عَصَا، وأن يُقزِّم من قامتها كرسيّ. لــذا، كلَّما أطلَّت أعطتنا درساً في الإرادة.. والسَّعادة.
إنّها تُذكّرني بما رواه لي الصديق العزيز الدكتور غـــازي القصيبي، أطــال اللّه عمره، عن زيارته لـ"نــزار قبّــانــي" أيام مرضه في لندن. وكان نــزار، رحمه اللّه، يتكئ حينها على عَصَا بسبب كسر في وركه، أذكر أنه أصابه عند سقوطه وهو يغادر المصعد.
ولم يفت الدكتور غازي القصيبي، وهو الشاعر، التنبُّه إلى حرص نــزار على ألاَّ تُهين العَصَا قامته، أو تُشوّه صورة الشِّعر الذي كان يُجسِّده، أناقــة وتألُّقــاً.
إنّــه الحَرَج نفسه الذي شعر به نــزار يوم زار طـــه حسين في القاهرة لأوّل مرة، فلم يَدْرِ كيف يعتذر لعميد الأدب عن فقدانه البَصَر في زمن فقدان الآخرين البصائر، فصاح بــه:

ارمِ نظارتيكَ، ما أنتَ أعمَى
إنّما نحنُ جوْقَة العُميانِ

فما كان من القصيبي، بظرفه الشعري، إلاَّ أن صاح بـ"نــزار" وهو يعودُهُ:

ألقِ عكازتيكَ وحدكَ تمشي
إنّما نحنُ جوْقَة العرجَانِ

أَفَهِمْتِ يا مــيّ.. يا "ســتّ بيــــروت"، لماذا كلَّما وقفتِ أجلسْتِنا على ذلك الكرسيّ!

ابو ميشال
12-11-2006, 12:02 PM
تلك التفاحة


منذ سنة أو أكثر، بدأ الوزراء اللبنانيون جلستهم الوزارية بقضم تفاحة، دعماً لتفاح لبنان، الذي كان معرّضاً آنذاك للكساد بسبب مقاطعة إحدى الدول المغاربية له بعد أن كانت سوقه الأُولى.
قرأت أنّ التفاح يقي أمراضاً كثيرة، وأنّ تفاحة واحدة في اليوم كافية لدعم صحتك، وإذا بالتفاح نفسه يحتاج إلى إنقاذ، ولا تتوقف الحملات لدعم صحته الاقتصادية. آخرها، حملة قامت بها إحدى المؤسسات اللبنانية، رافعة شعار "بديّاتنا (أي بأيدينا) نقطف تفاحاتنا"، قصد تشجيع الشباب اللبناني على المشاركة في عملية قطافه.
وإن كان لا أجمل من يد فتيّة تقطف ثمرة من شجرة، فلا أخطر على الثورة من لحظة دخول الدودة إلى قلب الثمرة.
لذا أُشفق على الفلسطينيين، الذين بعد أن سَرَقَت منهم إسرائيل برتقال يافا وعنب الخليل، اكتشفوا أنّ دودة دخلت تفاحتهم، التي تمَّ قضمها سرّاً من قِبَل الذين كانوا يوزّعون بالتساوي الشعارات الواعدة على الجائعين، والتفاح على المسؤولين.
حمــداً للّــه أنّ العراقيين وفَّرُوا على أنفسهم هموم التفاح، مـذ جاءهم بستاني، يتولّى في البيت الأبيض زراعة وقطاف كل ما تحبل به أرض العراق.
وبينما كان مطربنا رابح درياسة يغني "يا التفاحة.. يا التفاحة قولي لي وعلاش الناس والعة بيك"، كان ناظم الغزالي يستبق المصاب ويستعدُّ لزمن لن يجد فيه عراقي تفاحة يهديها إلى حبيبته: "وتريد مني التفاح وأنا ما عندي تفاح". وعندما اكتشف العراقيون أن "لا تفاح لمن تنادي"، انخرطوا في حزب البرتقالة، وسلَّطوا علينا مخلوقاً يُردِّد على مدار النهار "يا برتقالا ااة" "يا برتقالا ااة".
بربكم، لولا عقم نخيل العراق حزناً، أكان لأغنية كهذه أن تتصدَّر الأغاني العراقية رَوَاجَاً؟
مناسبة الحديث عن التفاح، أنني قبل أسبوع قمت بدعم التفاح اللبناني وأنا في المطار، قاصدة الجزائر، فارتأيت أن أشتري لأمي منه صندوقاً صغيراً، لعلمي بانحيازها إليه.
البائع الشاب في محل "غوديز" في المطار، الذي سبق في إحدى الرحلات أن تعرّف إليَّ، فأهديته كتاباً لي كان في حوزتي، أسرع إلى خدمتي، وتفانَى في عرض أكثر من فاكهة عليَّ. لكنني بقيت على وفائي للتفاح. قلت له وهو يرافقني إلى الصندوق، إنّ لي قَرَابَة بالتفاح، مستشهدة بمقولة أمين نخلة: "ولد الفن يوم قالت حواء لآدم ما أجمل هذه التفاحة، بدل أن تقول له: كُل هذه التفاحة".
ولأننا كنّا في رمضان، احتفظت لنفسي بخاطرة جارتي الجميلة شهرزاد، التي حوّلت التفاح من فاكهة للخطيئة إلى ثمرة للتقوَى، حين قالت: "كلّما رأيت أمامي تفاحة، ردّدتُ في داخلي: سأتقاسمها معك في الجنّة بإذنه تعالى".
ولأنّ التفاح ثمرة التأمُّل، ارتأيت أن أكتب لكم هذه الخواطر استناداً إلى قول جميل احتفظت به بين أوراقي، للرائعة غادة السمّان: "لو شاهدتَ التفاحة وهي تسقط من الشجرة، وفكرت في قانون الجاذبية، فأنت عالم، لو أخذت التفاحة وبعتها فأنت تاجر، لو التهمت التفاحة فأنت واقعيّ، لو أحزنك موت التفاحة فأنتَ شاعر، لو انحزت إلى الأفعى ضدّ آدم فأنتَ سياسي، أما لو فكرت في كل ذلك، ولم تملك إلاّ أن تكتبه فأنت كاتب وروائي".
اعذرونــي إذن، إن كنت أحتاج إلى كلِّ هذه الروايات لأُحدِّثكم عن تفاحة.

بلقيس..
16-11-2006, 10:15 AM
رائعة أحلام
يوم أمس انجزت قراءة روايتها الثالثة عابر سبيل ، ولا أشك في أنها من أهم الأديبات العربيات

ابو ميشال
19-11-2006, 09:03 AM
أهلا بلقيس
روايتها عابر سرير هي اجمل ما قرأت على الإطلاق .

ابو ميشال
21-11-2006, 08:17 AM
أكاذيب.. بالجملة

النَّصب أخــو الكذب. لذا دوماً كانت حقول الأكاذيب الغربية تُزهر كلَّما رأت رؤوس أموال عربية قد أينَعَت.. وحان قطافها. أميركا، حيث يُخترَع الدواء ثمّ يُختَرَع له مرض، ويُخترع سلاح ثم تخترع له حروب، اختراع العدوّ علم في حدِّ ذاته، واستثمار جيد على أكثر من صعيد. أمّا تحويل الذّريعة الافتراضيّة إلى ذريعة فعليّة تُجيز وتُبرِّر الفتك به، فلها اسم كذبة جميلة، ذات غلاف أخلاقي يليق بمهمّتها” الضربة الوقائية". وهو اختراع لغويٌّ مُسجلٌّ باسم إسرائيــل، مُــذْ قامت بتدمير "المفاعل النووي العراقي"، من دون استئذان من أحد، ومن دون مفاوضات ولا مساوَمَات، واثقة بأن لا أحد سيُحاسبها على تدمير مشروع سلاح تملك أضعاف أضعافه، ويوجد منه في العالم 27 ألف رأس نووي "حسب البرادعي". ثمّ جاءتنا "الحرب الاستباقيّة" على الإرهاب، نكتة أميركية أطلقها راعـي الإرهاب بذريعة محاربة نظام ديكتاتوري دموي يُصدِّر الإرهاب إلى العالم، حتى غَدَت حسب بوش "سلامة أميركا تعتمد على نتيجة المعركة في شوارع بغداد"، و"غَدَا العالم أكثر أمَانَاً لأنّ صدّام حسين لم يعد في السلطة". ليست مهمّتي أن أدحض حُجج الرئيس، ولكن ككاتبة، أردُّ بما قاله كاتب آخر، هو الكاتب الإنجليزي هارولد بينتز، بمناسبة نَيْلِــهِ قبل سنة، جائزة "نوبل" للآداب. فقد شنّ في خطابه هجوماً شرساً على السياسة الخارجية الأميركية، في مُراجعَة تاريخية شاملة لجرائمها في العالم. قال..من جملة ما قال مُسجِّلاً الكذب الذي سبق الحرب على العراق "الولايات المتحدة أَيَّـدَت أو أنشأت كلَّ ديكتاتوريّة عسكرية يَمِينِيَّة في العالم، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وأنا أُشير هنا إلى إندونيسيا واليونان وأورغواي والبرازيل وبارغواي وهاييتي وتركيا والفلبين وغواتيمالا والسلفادور، وطبعاً تشيلي. إنّ الرعب الذي مارسته الولايات المتحدة في تشيلي، لن يُمحَى أو يُنسَى. مئات ألــوف الوفيات وقعت في هذه البلدان، إلاّ أنّكم لن تعرفوا بوجودها." إنّ جرائمها مُنظَّمة، ووحشية ومستمرة، غير أنَّ قلَّة من الناس تتحدّث عنها". هارولد بينتز قال باختصار، إنّ الْمُبرِّر الحقيقي لكلِّ هذه الحروب، هو نَهْب شعوبها. أمّا الصَّمت عن هذه الجرائــم فسببه التضليل الإعلامي، وترويج الأكاذيب التي تُعتَبَـر أميركا أبْـرَع بائع لها. مؤخـراً، شهد شاهد من أهلها، ووفَّـر علينا تهمة التحامُل عليها. ففي جريدة "لوموند ديبلوماتيك"، لشهر سبتمبر "أيلول" الماضي، جاء تحت عنوان كبير، إنّ لجنة برلمانية أميركية أحصَت "237 كذبــة” ارتكبتها إدارة بوش، من أجل الإعداد لغزو العراق والاستمرار في احتلاله. والأكاذيب حصلت في 40 خطاباً، و26 محاضرة صحافيّة، و53 مُداولَـة عامَّـة، و4 تصريحات مكتوبة. ذلك أنّ الأكاذيب السياسية تتناسَل، وتتكاثر كالبكتيريا. ومن "كذبـــة" في إمكانك صناعة سلالة من "الأكاذيب"، وفي إمكانك أن تكذب ما شاءت لك الوقَاحَــة، مادام عدوّك لا لسان له، ومادام لك ألسنٌ وأبواقٌ حتى في عقر داره، نهبت ميزانيتها من قُـوتِـهِ، كما مع مجموعة "لينكولن"، التي اشتهرت بفضيحة دفع الـرِّشَى للصحف العراقية، بهدف نشر أخبار إيجابية عن الاحتلال، وفازت مؤخراً بعقدٍ قيمته ستة ملايين دولار سنوياً، لمراقبة التغطية الإخبارية لعدد من الوسائل الإعلاميّة. وزارة الدفاع الأميركية، تملك موازنة ببليوني دولار أميركي، لخداع العالم وشراء الضَّمائِـر، لكن هذا المبلغ لا يكفي لإعماء البصائر، فبضع عشرة قناة تلفزيونية نَمَت كالفطر بعد المطر في العراق، كل منها يُمثّـل طائفة ويُحرِّض على الطوائف الأُخرى، وَتَشِي بأكبر كذبة تُسجَّـل على بوش حين صرَّح "أُريد أن تعرفوا أننا عندما نتحدَّث عن الحرب ففي الواقع نتحدَّث عن السَّـلام". إنها تُذكِّرني بقول ديغــول "لـمَّـا كان السياسي لا يعتقد بما يقول، فإنّـه يُدهَشُ كثيراً عندما يُصدِّقه الآخـرون". أَمَــا لاحظتم بوش وهو يخطُب، كم يبدو في حالَـة اندهاش دائم من وَقْع كلماته على الحضور. لقد جعل هذا الرجل من "اليوم العالمي للكذب السياسي"، الْمُصَادِف ليــوم 20 مارس "آذار".. عيداً يوميا.

NAN 911
21-11-2006, 10:32 AM
في الحقيقية أنا من عشاق الروايات العربية

وكوني من سكان المملكة العربية السعودية كان من الصعب علي أن أحصل على روايات العبقرية أحلام مستغانمي ........

ولاكن شائت الأقدار أن يقام معرض جدة للكتاب وأن أحصل على روائع أحلام ( ذاكرة الجسد - فوضى الحواس - عابر سرير )

وإن شاء الله أنا الآن في صدد قراءة الروائع الثلاث

ابو ميشال
23-11-2006, 08:32 AM
nan 911أتمنى لك قراءة ممتعة و كن على ثقة بأنك ستقرأ أروع ما كتب في الأدب العربي
تحياتي

حبرها زِئْبق
23-11-2006, 02:20 PM
قال عنها الجزائريون :

"إنّ أحلام مستغانمي شمس جزائرية أضاءت الأدب العربيّ.
لقد رفعت بإنتاجها الأدب الجزائري، إلى قامة تليق بتاريخ نضالنا.
نفاخر بقلمها العربيّ، افتخارنا كجزائريّين بعروبتنا ))



أبو ميشال00

يحتار الحرف بأي ابجدية يرسم شكرا 00

وتبقى أحلام أ وحياة كما احتار بينها خالد
هي برنسيسة القلم الحر

ابو ميشال
30-11-2006, 08:09 AM
حبرها زِئْبق
أهلا بك في دنيا "الأحلام"

ابو ميشال
30-11-2006, 08:15 AM
الشهرة بأي ثمن


فــوّتُّ على نفسي هذا الصيف، فرصة كسو أولادي مجاناً، وتوفير ثمن ثيابهم الشبابيّة، التي يذهب فيها نصف ميزانيتهم. فعندما يكون لك ثلاثة فتيان هذه الأيام، حتماً مصروف كسوتهم يحرز. وعليك ألاّ تتردّد في إرسالهم عُراة إلى محل شهير للثياب الرياضية، أعلن في حملة دعائية، أنه سيكسو كلّ مَن يحضر إليه عارياً، رافعاً شعار "اخلعوا ثيابكم سنهديكم غيرها"!
يا للفرحـــة.. يسألك ابنك إن كنت غسلت بنطلونه المفضّل وقمت بكيّه جيداً، فتردِّين: ليش يا ماما بدّك تعذبني، روح يا حبيبي عريان للمحل راح يعطوك غيره".
المشكلة، أن المحل موجود في ألمانيا، وسفر الأولاد من "كان" إلى ألمانيا كان سيكلّفني أغلى ممّا قد يُقدَّم لهم من ثياب. ولنفترض أنهم بمنطق جيلهم في الحرص على عدم تفويت أيّ مكسب، أصرّ الأولاد على الذهاب ثلاثتهم عراة إلى ألمانيا. فربما كانوا قد عادوا منها كما قصدوها "ربّنا كما خلقتنا". وفي أحسن الحالات بـ"تي شيرت" وسروال قصير. هدية ترضية من المحل، تمكّنهم من العودة لبيوتهم مستورين، كما حدث مع الثلاثمئة عــارٍ، الذين وصلوا متأخرين عن العرض، ليجدوا أنّ أربعمئة عـــارٍ سبقوهم إلى تعرية المحلّ عن بكرة أبيه، وحصل كلٌّ منهم على ثياب، يصل ثمنها حتى 260 دولاراً، بعد أن احتاط البعض بالحضور منذ الليل، وقضاء الليلة عُـراة مرتجفين عند باب المتجر، في انتظار الصباح الفتّاح.
ولو كان أولئك العُراة قد قَدِمُـوا من الهند أو من أدغال أفريقيا، لوجدنا في الحاجة سبباً لهذا العذاب والبهدلة، ولكنهم ينتمون إلى أُمَّــة شَبِعت حتى التّخمة، إلى حدّ إنفاقها في العام الماضي وحده، أربعة وعشرين مليار دولار (أي واللّه!)، على واحد وعشرين مليون حيوان أليف يقوم الألمان بتربيتها!
تصوّروا، لفرط ثرائهم، أصبح العري عند الغربيين تَرَفَــاً، وهَدَفَــاً في حدِّ ذاته. وبعد أن اكتسبوا كلَّ الحريّات التي تمّ "تشليحنا" منها، وجدوا في العريّ أقصر طريق للاحتجاج، ووسيلة أُخرى تُضاف إلى فائض وسائلهم في التعبير. وعندما أدركوا أنّ عالمهم مبني على الإشهار، عثروا فـي التعرِّي على الفضيحة التي تقذف بهم إلى الشهرة في لحظات.
أحدهم سرق الأضواء من اللاعبين، لحظة انتهاء مباراة كرة قدم دولية، عندما دخل الملعب عارياً، وراح يطوفه راكضاً مُحيِّيَـاً الجمهور، بينما رجال الأمن يُطاردونه، وكذلك "كاميرات" العالَم. وآخر نزل من سيارته في مدينة "ستراسبورغ" في فرنسا، وراح يتفقَّد محرِّكها وهو في كامل عريه. بينما لحق به صديق ليصوِّر المشهد كي يعرضه عبر محطات تلفزيونية. غير أنَّ الشرطة قبضت عليه وقضى ليلته في السجن مرتجفاً بعد أن بَــرَّر فعلته ببحثه عن الشُّـهـرة. وهو تبريــر غـبــــيّ، فقد كان في إمكانه بلوغ الشهرة عارياً، ولكن بذريعة أسمَى، مدافعاً مثلاً عن إحدى "القضايا الكبرى"، التي تشغل الغربيين. كأن يُدافع عن طيور تهدِّدها بنادق الصيّادين وأشجار تواجه عَزْلاء مناشير الحطّابين. أو دببة على وشك الانقراض في القطب الشمالي، أو قطط يلتهمها البيروفيّون.
فأقصى درجات التَّرف في الغرب اليوم، أن تستغني عن ثيابك الفاخرة الموقّعة وتعيش عارياً في نادٍ للعُراة، الذين يملكون منتجعاتهم وشطآنهم الخاصة في كلِّ مصيف، أي العودة للعيش كما مازالت تعيش قبائل قليلة مهدَّدة بالانقراض في أفريقيا وأدغال الأمازون.
وأقصى درجات النضال، أن تثبت إنسانيتك بتساويك مع الحيوان، فتتعرَّى لتُدافع بجلدك العاري عن فروه وجلده، وهي ظاهرة شاعت لدى النجوم والمشاهير، الذين نذروا حياتهم لأخيهم الحيوان. آخرهم النجمة بريتني سبيرز، التي قامت بتأدية بعض المشاهد العارية، لمصلحة مؤسسة أميركية تدافع عن الحيوان، ظهرت في بدايتها بملابس جلدية تعود للنمور وغيرها من الحيوانات. ثم ما لبثت أن خلعتها تماماً، مُعلنة أنّ وحدها هذه الحيوانات يحقُّ لها ارتداء هذه الملابس.
أما دونا نيتو، الفنانة الاستعراضية، فقد قامت بحملة ضد قطع أشجار كاليفورنيا الحمراء، وذلك بتعرية صدرها وقراءة الشعر أمام الحطّابين مشدوهين، مبررة ذلك بقولها "إنها وسيلة قوية، أُثير انتباههم بالكشف عن صدري، الناس لا يحبّون الصيَّاح فيهم، ولكن يحبُّون النساء الفاتنات. إنه مزيج من الإغراء والروحانية والطبيعة".
أما وقد صار لـ"غرين بيس" وأنصار الطبيعة، حضور في لبنــان. وشاهدناهم يدافعون عن بحره الذي لوّثه الحقد الإسرائيلي. أخشى، ولبنان أُم البِدَع والصَّرعَات، أن يأتي مَن يستنجد بالصَّبَايَا الفاتنات ليدافعن بصدورهنّ العارية عن غابات لبنان الجميلة التي يلتهمها كلَّ يوم "البيطُون" والمقاولون.. فتقوم ساعتها حرب أهلية أُخرى عابرة للمناطق تهزّ البيوت التي لم يُسعف الحظ صاحباتها نفخ صدورهنّ بـ"السيليكون".

Pen
30-11-2006, 07:30 PM
شكرا لكم..
موفق بإذن الله

ابو ميشال
03-12-2006, 10:35 AM
أهلا بن
و نتابع....

ابو ميشال
03-12-2006, 10:36 AM
أحتاجُ أن أُحبَّك.. ككاتبة


أحيانــــاً..
أحتاج أن أخسرك
كي أكسب أدبي
أن تغادر قليلاً مفكِّرتي
كي تقيم في كُتبي
أن أتخلَّى عن وسامتكْ
وسامتكَ الخرافيّة تلكْ
من أجلِ خرافةٍ أكتُبُها عنكْ
***
أن أُهدي ابتسامتك
بحَّة صوتكَ الصَّبَاحيّ
أسئلة غيرتكَ التي
تَغَارُ منها النساء
لِمَن شِئتَ من إناث الأرض
ريثما أنجبُ منكَ كتاباً
لن تحبلَ بِه أُنثَى سِوَايْ
أحياناً..
أحتاجُ أن أكتُبَكْ
أكثر من حاجتي لحبّكْ
أن أَصِفَكْ
أكثر من حاجتي لرؤيتكْ
أن أبكيكَ.. أن أَفتقدَكْ
أن أَشتَهِيكَ.. أنْ أَستَحضِرَكْ
***
أن أسألَ عنكَ الأمكِنَةْ
أكثر من حاجتي إلى زيارتِها معكْ
أن أحزنَ
وأنا أتصوَّر حياتي من دونكْ
أكثر من حاجتي
لفرح الاستعدَادِ لكْ
***
أحيانــاً..
أُحبّ ألاَّ تشغَل هاتفي
كي يزدَادَ انشغالي بكْ
أن يهزمني جَبَروتُ الحنين إليك
فأُهاتفكَ
غير واثقةٍ بأنّكَ سَتَرُدّ
أن تردّ..
فأخفي عنكَ شهقَةَ قلبي
حين صوتك يشهق بي
***
استغرَقَني حُبّكْ
أنساني أن أكتُبَكْ
وأَنَا أُريدُكَ مُلهمي ومُلتهِمي
رجُلي حيناً..
وحيناً قَلَمي
فارقْني قليلاً
أحتاج أن أحبّك.. ككاتبة.

ابو ميشال
03-12-2006, 10:44 AM
أحتاجُ أن أُحبَّك.. ككاتبة


أحيانــــاً..
أحتاج أن أخسرك
كي أكسب أدبي
أن تغادر قليلاً مفكِّرتي
كي تقيم في كُتبي
أن أتخلَّى عن وسامتكْ
وسامتكَ الخرافيّة تلكْ
من أجلِ خرافةٍ أكتُبُها عنكْ
***
أن أُهدي ابتسامتك
بحَّة صوتكَ الصَّبَاحيّ
أسئلة غيرتكَ التي
تَغَارُ منها النساء
لِمَن شِئتَ من إناث الأرض
ريثما أنجبُ منكَ كتاباً
لن تحبلَ بِه أُنثَى سِوَايْ
أحياناً..
أحتاجُ أن أكتُبَكْ
أكثر من حاجتي لحبّكْ
أن أَصِفَكْ
أكثر من حاجتي لرؤيتكْ
أن أبكيكَ.. أن أَفتقدَكْ
أن أَشتَهِيكَ.. أنْ أَستَحضِرَكْ
***
أن أسألَ عنكَ الأمكِنَةْ
أكثر من حاجتي إلى زيارتِها معكْ
أن أحزنَ
وأنا أتصوَّر حياتي من دونكْ
أكثر من حاجتي
لفرح الاستعدَادِ لكْ
***
أحيانــاً..
أُحبّ ألاَّ تشغَل هاتفي
كي يزدَادَ انشغالي بكْ
أن يهزمني جَبَروتُ الحنين إليك
فأُهاتفكَ
غير واثقةٍ بأنّكَ سَتَرُدّ
أن تردّ..
فأخفي عنكَ شهقَةَ قلبي
حين صوتك يشهق بي
***
استغرَقَني حُبّكْ
أنساني أن أكتُبَكْ
وأَنَا أُريدُكَ مُلهمي ومُلتهِمي
رجُلي حيناً..
وحيناً قَلَمي
فارقْني قليلاً
أحتاج أن أحبّك.. ككاتبة.

ابو ميشال
11-12-2006, 10:09 AM
هل أنا ساذجة؟

لا أعتقد أنه سينساني، سائق الأجرة الذي ركبت سيارته البائسة قبل سنتين. ما كنتُ أتوقع، ما كانت عليه من بهدلة في الداخل، ولكنني أمام فرحته بالعثور على راكب، سلّمت أمري لله، وجلست خلفه.
وعندما سرنا شوطاً من دون أن يقاسمني أحد "فخامة" كراسي السيارة المهترئة، مددته بخمسة آلاف ليرة (3 دولارات) بدل ألف. لأعوض عليه ثمن أربعة ركاب آخرين، فاتسعت أساريره، وشكرني. تذكرت ابني وليد المقيم حالياً في لندن، عندما كان يستجديني كي أطلب "تاكسي" لشركة محترمة، كما كان يفعل هو في تنقلاته، مضيفاً: "إن ما توفرينه تدفعينه صدقة أثناء انتظارك سيارة أجرة عمومية.. أرجوك ماما، كفي عن جنونك".
سألتُ الرجل: "لماذا تركت سيارتك في هذه الحالة؟ أمعاؤها لَبرة.. وشرايينها تتدلى؟". كان ينتظر من يشكوه همه وغمّه، غير متوقع نجدة من أحد. أخرج ورقة طبية من صندوق سيارته، وقال: "منذ سنة والطبيب يقول: إن لم تُجرِ عملية القلب ستقع يوماً ميتاً على مقود السيارة. لبلِّش الأول بشراييني وبعدين ألحق شرايينها".. طالعت التقرير الطبي، قرأت الاسم نفسه المكتوب معلقاً في السيارة للتعريف بهوية السائق، كان الرجل صادقاً.
سألته: "ولماذا تأخرت إذن؟". ردَّ بسخرية المغلوب على أمره: "من أين لي المال يا بنتي، لي ضمان صحي لا يغطي كل العملية، ومهما اشتغلت ماراح جمّع مصاري.. وبعدين كيف راح أمّن للعائلة مصروفها وأنا في المستشفى.. كيف راح يعيشوا؟".
بدأ قلبي يعتصر ألماً. فتحت حقيبتي وأمددته بمئتي دولار، فأمسك الرجل بالورقتين وهو على حافة البكاء.. وراح يدعو دعاءً ما سمعت مثله. فقلت وأنا أرى رقم الطبيب: "اطلب طبيبك واسأله عن أقرب موعد لإجراء العملية". لم يصدق الرجل سمعه، ركن السيارة جانباً، وتحدث للطبيب، واتفقا على تاريخ 26 الشهر الجاري، أذكر التاريخ لأنني هاتفته بعدها لأطمئن عليه، ففاجأني باعترافه بأنه لم يُجرِ العملية، وبأن زوجته دخلت المستشفى لأسباب صحية خطيرة، فأنفق المال عليها.
كان كبيراً لم يطلب مني شيئاً بعد ذلك. اتصل بي مرتين ليعايدني، برغم كونه يعرف عنواني. ابني مروان صاح بعد ذلك: "لماذا تأتيننا بالشحاذين حتى البيت". وهو يراني أدخل عجلى إلى غرفتي وأعود بمبلغ أمده به، أختي كانت تقول الكلام نفسه، اعتادت أيام إقامتها في بيروت أن تراني أصل بيتها على عجل، وأطلب منها مبلغاً أعطيه السائق، لأن ما في حقيبتي لا يكفي حاجته.. وما قصّ عليّ من هموم.
باختصار، كنت أعتقد أنني كريمة. فقصصي مضرب مثل، وتندر أيضاً، فأهلي يعتقدون أنني ساذجة، وأن الناس يضحكون عليّ. فأرد: "إن من ضحك عليّ فقير ومحتاج.. لا رجل أعمال.. أو نصاباً دولياً".
كنت أعتقد، أن لا أحد دفع ثمن مقعدٍ بائس في سيارة أجرة، أغلى من ثمن السيارة نفسها، حتى قرأت أن رجلاً وهب سائقه إحدى كليتيه لينقذه من الموت، فأستحيت من نفسي. ماذا يساوي مبلغ من المال مقابل عضو من جسدك يقتلع منك بملء إرادتك، بعد عملية وبنج.. وإقامة في مستشفى، كي تهبه لمريض ليس قريبك وإنما عامل عندك.. لا غير؟
مؤخراً، قص عليّ صديق سعودي قصة رجل من سراة عبيدة في الجنوب، كان يعاني فشلاً كلوياً، ويُجري باستمرار غسيل كلى، حتى سمع أن هناك زراعة للكليتين في باكستان، غير مكلفة. فقد كان الرجل غير ميسور الحال، ما اضطره إلى بيع بيته بخمسين ألف ريال كي يسدد ثمن العملية (30 ألف ريال)، وينفق الباقي على سفرته.. وتدبُّر عائلته. وقبل إجراء العملية، طلب الرجل أن يلتقي من سيهبه كليته. كانت امرأة. سألها: "لماذا تبيعين كليتك؟". قالت: "لأعول أطفالي". فتأثر الرجل وحزن لكلامها، وقدّم لها الثلاثين ألف ريال، ثمن العملية، وعاد إلى قريته بكليتيه المعطوبتين، وعاوده عذاب غسيل الكلى، وكانت المعجزة عندما اكتشف الأطباء أن كليتيه صارتا تعملان بصورة طبيعية، واستعادتا قدرتهما على أداء وظائفهما كاملة.
فوق كل كريم كريم، وأعظم الكرماء، الله تعالى.

ابو ميشال
20-12-2006, 09:07 AM
تمارين يوميّة على السعادة

أكبر سوق سيعرفها العالم مستقبلاً، ستكون سوق السعادة.
400 كتاب صدرت في أميركا تدلّك عليها، تمّت ترجمتها فوراً إلى لغات "بؤساء" العالم.. أي اللغات الأوروبيّة.
ضحايا سوق السعادة كثيرون، والغنيمة أكبر من ألاَّ يتنبَّه لها بائعو الصفقات الوهميّة.
إنّها مأساة الدول الغنية، التي حلّت جُلّ مشكلاتها، ووضعت تحت تصرُّف مواطنيها كلّ ما يمكن استهلاكه، ومنحتهم القوانين التي تقيهم وتحميهم، لكنها ما وجدت قانوناً يُجنّبهم التعاسة والكآبة والوحدة. فليس للسعادة قانون ولا منطق ولا ثمن. إنّها تَهب نفسها مَن يعيشها كلّ لحظة كنعمة، مهما صغُرَت.
لا أحتاج إلى قراءة تلك الكتب، لأعرف كيف أكون سعيدة، مذ اقتنعتُ بأنني أحتاج أحياناً إلى ألمي لأبقى إنسانة.. وكاتبة. فالسعداء أُناس لا يحدث لهم شيء يستحقُّ الذِّكر، أو يستحق الكتابة.
ثم ، تعلّمت في صباي درساً في السعادة، أغناني عن كلِّ ما كُتب عنها. حين سمعت أبي، في محاولة فاشلة لإقناع أمي بمزايا القناعة، يشرح لها أنه إن كان في يد المرء رغيف ونظر إلى مَن هو بلا رغيف، سَعِد وقدّر نعمة اللّه حقّ قدرها، أمّا إذا غَدَا هاجسه النظر إلى فوق، حاسداً مَن يضع على طاولته سلّة "كرواسان بالشوكولاتة" لفطور الصباح، فسيشقى، ولن يستطيب ما في يده.
كان كلاهما على حق. أبي الذي كان يتكلّم بحُكم ثقافته اليسارية، وماضيه النضالي، وأمي التي كان هاجسها المستقبل، والتفكير بمنطق الزوجة. في الواقع، ما كانت تقارن وضعه بمن كانوا "فوق"، ولا بالذين كانوا "تحت"، بل فقط بهؤلاء الذين كانوا في الطابق نفسه من سدّة الحُكم، وبدأوا منذ ذلك الحين يبتلعون البلد، أثناء تكليفه، لفصاحته، بكتابة الخُطَب الحماسيّة نيابة عنهم!
بعد ذلك، أدركتُ مع العمر، أنّ السعادة تضيع منّا أثناء لهاثنا بين الطوابق (أحدهم قال: "الصعوبة ليست في السعادة، ولكن في تفادي التعاسة التي يُسبِّبها السعي إليها"). فالذي يأكل "كرواسان" عينه على الذي يأكل في الطابق العلويّ قطعة "جاتو"، والذي يأكل "الجاتو" يحسد الذي يملك مخبزاً لصنع الحلويات، وهذا الأخير لن يسعد بمخبز مادام لم يفتح له فروعاً في أحياء أُخرى، ثمّ في مدن أُخرى.
فكأننا كلّما بلغنا طابقاً، راحت السعادة تسخر منا، وتسبقنا، كما في لعبة الأطفال، إلى الطابق الأعلى، بينما يكفي النظر أحياناً إلى مَن هم "تحتنا" لنسعد. الدليل هذه الإحصائية التي قمت بترجمتها لكم، كما وردت بالفرنسيّة في صيغتها الطريفة.


***


* إن استيقظت هذا الصباح وأنت معافَى، إذن أنت أسعد من مليون شخص سيموتون في الأيام المقبلة.
* إن لم تُعانِ أبداً من الحرب والجوع والعزلة، إذن أنت أسعد بكثير من 500 مليون شخص في العالم.
* إن كان في استطاعتك ممارسة شعائرك الدينية في معبدك، من دون أن تكون مُرغَمَاً على ذلك. ومن دون أن يتمّ إيقافك، أو قتلك، فأنت أسعد بكثير من ثلاثة مليارات شخص في العالم.
* إن كان في برّادك أكل، وعلى جسدك ثوب وفوق رأسك سقف، فأنت إذن أغنى من %75 من سكان الأرض.
* إن كنت تملك حساباً في البنك، أو قليلاً من المال في البيت، إذن أنت واحد من الثمانية في المئة الميسورين في هذا العالم.
* أَمَـا وقد تمكّنت من قراءة هذه الإحصائية، فأنت محظوظ، لأنك لست في عِداد الملياري إنسان، الذين لا يُتقنون القراءة!

ابو ميشال
24-12-2006, 09:51 AM
الحِذَاء الضَّيِّق للسعادة


لا يمكن لشخص أن يحظى بكل النِّعم، فلكلِّ نعمة ما يُعادلها من ضريبة، حتى لتَـبْـدُو النِّعمة حين تتجاوز حدّها، لعنَة وقصاصاً، لا يُحسَد صاحبها عليها•
فالجَمَال الصَارخ، صَنَع تعاسة مارلين مونرو، وأوصلها، تماماً كما أوصل داليدا ورومي شنايدر، إلى الانتحار•

والوسامة والجاه والثراء الفاحش، أدّت "بفتى أميركا الذهبي" جون جون كيندي، ابن الرئيس الراحل جون كيندي، إلى الموت في حادث مُريع، إثر سقوط طائرته الخاصة التي كان يقودها بنفسه•

والشهرة التي تستبيح الحياة كلَّ لحظة، قَضَت على أميرة القلوب ديــانــا، وحرمتها من أن تعيش قصّة حبّها الكبير، وتهنأ أخيراً مع رجل•

لذا، يخشى العقلاء طفرة النعمة، ويدفعون البَلاء بعدم الإفراط في النِّعَم، بل وبالتقشُّف في السعادة الماديّة، حفاظاً على نِعَم الصحة والبنين والأمَان، التي من دونها لا هَنَاء لإنسان•

شخصيــاً، تُصيبني النِّعَم الماديّة كأولادي أو موهبتي مثلاً، بالذُّعـر، خشية أن يأخذ اللّه مُقابلها ما هو أهم، أو الحبّ الذي ما استطاعت صديقاتي شراءه، على الرغم من ثرائهنّ الفاحش، فأفسد فقدانه عليهنّ كلِّ مَبَاهِج الحياة•

قرأتُ مرّة، أن كازنتازكي، الذي حتماً لا يختلف عن بطل روايته زوربا في تعامله مع الحياة، بتلك الطريقة الفلسفيّة النادرة، التي خلقت له ملايين الأتْبَاع بين قرّائه في العالم، كتب في سيرته الذاتيّة، أنه كان يزور أثينا، المدينة التي ملأته بالدَّهشة والحُبُور، وقد سَعِد يومها سعادة بالغة، أوصلته إلى الذُّعـر، لشعوره بأنّ الشياطين أخذت تُراقبه وتترصَّده• ولأنّه يُؤمِن بأنّ لكلِّ سَعَادَة ثَمَنَاً، هُرِع إلى السوق واشترى حذاءً ضيقاً وانتعله ليضغط على قدميه بشدّة، فيتألَّم أثناء تجواله في المدينة•

الكاتب الذي علّمنا أنّ نحتاط من السعادة، ونحتفي بالفجائع حدَّ الرقص، فضَّل بذلك الحذاء الضيِّق الذي انتعله، أن يدفع ثمناً يعرفه لهذه السعادة التي يعيشها، بدل أن يَتَرقَّـب ثَمَنَـاً غيبيّاً سيهبط على رأسه، كوارث ومصائب من حيث لا يحتسب•

أُعجبتُ بهذا المنطق الذي يليق بزوربا، الكائن الحبريّ الذي كان أوّل مَن أحببت من أبطال الروايات، ثمّ ضحكت• أتكون النعمة الحقيقية في النهاية هي في أن تستطيع اختيار مصائبك، ومصدر ألمك، فتشتري سريراً لا ترتاح في النوم عليه، كي تكفّر عن إثم سعادتك في النهار، وتنتَعِل في النهار حذاءً أضيَق من قدميك، تكفيراً عن عناوين السعادة التي يُوصلك إليها، وتشقَى في القيام بالأشغال المنزلية في بيتك، أكثر من شقاء شغّالة هي في متناول جيبك، كي تحلّ البركة في ذلك البيت، ولا يأتي يوم يُسلِّط اللّه فيه عليك سيداً، أو تستيقظ يوماً، ولا بيت لك؟

والمثل واقعيٌّ جداً• فأحد أقارب العائلة كان حتى وقت قريب يملك، ما لا يمكن حصره من ثروة، واستيقظ قبل شهرين مُفلساً، فلا يخــت ولا قصور ولا شركات، وقد لا يستطيع الحفاظ حتى على البيت الذي يسكنه• عندما زارنا مؤخراً، بحثاً عن المواساة، ما كنت لأتنبَّه للحذاء الذي كان ينتعله، لولا أن جلده الفاخر الطريّ وتصميمه الراقي لفَتَا انتباهي، فتمنيته لزوجي الذي لم يوفّق يوماً في شراء حذاء يُريح قدميه، المهددتين بأعراض مرض السكريّ، لأنه، مثلي، بخيل على نفسه، سخيٌّ على سواه، ما اشتريت له بدلة أو قميصاً، فاخراً إلاّ وتركه لغسّان"، ابني المقيم في لندن، بذريعة أنّه يحتاج إليه أكثر، مذ أصبح موظفاً مهماً في البنك! أيكون في أحذية زوجي البائسة سرُّ سعادته•• وطمأنينته، وذلك الأمان الذي يشعر به كلُّ مَن يُجالسه؟

وهل في الأحذية الفاخرة فوق المعقول لعنة تُطارد أصحابها، كتلك التي كان ينتعلها صدام حسين، حسب شهادة مصمم أحذيته الإيطالي؟

قرأت أنّ ملكة جَمَال بريطانيا 2006، فَقَدَت مؤخراً تاجها، بعد أن تمّ اكتشاف العلاقة التي كانت تُقيمها مع لاعب الكرة شرينغهام، الذي كان أحد الحكام في المنافسة• افتُضح أمرها بسبب الحذاء الذي اشتراه لها قبل ذلك، وكان ثمنه سبعة آلاف جنيه إسترليني، أي ما يعادل خمسة عشر ألف دولار•

وهذا الأسبوع، يتمّ في مانيلا عرض مجوهرات وأحذية السيدة الأُولى السابقة إيميلدا ماركوس من قِبَل ابنتها، التي تصرُّ على أن يرى "الجيل الجديد" الـ2600 زوج من الأحذية، التي حملتها والدتها إلى منفاها في جزيرة هاواي، بعد أن دفعت ثمنها كرسيّ زوجها، واتِّهامها بنهب 10 مليارات دولار من خزينة البلاد، انتعلتها على مرأى من جياع الفلبين•

ابو ميشال
07-01-2007, 09:57 AM
لم يحدث أن نسيتُ·· أن أنساك

كلّ يوم·· منذ أيام



كلّ يوم أستيقظ وأقول

"سأنساك اليوم أيضاً"

كل يوم منذ أيام

لم يحدث أن نسيتُ

أن أنساك



أعذُرُهنّ

وفاؤك يزيد من خسارات النساء

بريء الأذى

ما التقتك أنثى

إلاّ وَدَعَتْ في سرّها عليك

لأنّك من دون قصد

كنتَ ما تمنّته

ولن يكون يوماً لها

لا تقل لامرأة إنّي مَن تحب

عزلاء أنا·· أمام إناث الكيد!



معاهدة صلح مع شفتيك



أُحبُّ الحروب الصغيرة معك

طمعاً في اتفاقيات هدنة

غير مسبوقة بإشعار

ولعاً بمعاهدات الصلح

التي تبرمها شفتاك معي

بعد كلّ شجار



قبل شتاءين··· وقُبلَة



كأنّه كان يحيك ضدّي مؤامرة

عشقك المفترس النوايا

نظراتك الواعدة بموت عشقي

لا رحمة فيه

هيبتك القاتلة

وهدوؤك الكاذب

وارتجاف صوتي

يوم وقعتُ على عينيك لأوّل مرّة

قبل شتاءين وقُبلة·· من الآن



كما المرّة الأُولى

حتى آخر صباح

حتى استيقاظي الأخير

حتى ترياق قبلتك الأخيرة

حتى نَـفَسي الذاهب نحو الموت

حتى النفس الأوّل بعد الموت

سأتسرّب إليك كما المرة الأُولى

تاركةً روحي بين شفتيك



توضيح عشقي



أغنَى النساء أنا

لست ثرية بما أملك

ثريّة لأَنك تملكني

ابو ميشال
16-01-2007, 08:33 AM
ليس مُهمَّاً أن تعرف


قِيل: تزوَّج مُغنٍّ بنائِحَة، فسمعها تقول "اللَّـهمَّ أوسِع لنا في الرزق"· فقال لها: "يا هذه، إنَّما الدنيا فرح وحزن، وقد أخذنا بطرفي ذلك· فإن كان فرح دعوني·· وإن كان حزن دعوك"·

مَن يُقيم في بيروت هذه الأيام، أوسَع اللَّه في رزقه، بكاءً أو غناءً· فضائيَّة تستبق ساعة الحشر وتعدك بكلِّ هول، ولا توفّر عليك مَنَاحَة· وأُخرى، لا صوت عندها يعلو فوق صوت الغناء، مهما كبر المصاب وزاد البَلاء·

إنه بلد تتعايش فيه الأضداد· أين في غير لبنان في إمكانك في يوم واحد، أن تشارك في مأتم شعبيّ مهول لأوّل شهيد للمعارضة، بينما بمحاذاتك تنطلق أفواج العدَّائِين و22 ألف مشارك في ماراثون بيروت السنوي، تحت شعار "كرمالَك يا لبنان"؟ وفي المساء ستخفي بيروت شعاراتها وأعلام أحزابها، وتخلَع ثياب الرياضة وتذهب في كلِّ أناقتها، مع ستة آلاف شخص، للاستماع لفيروز، وهي تُغني في "البيال"·· في الكيلومتر المقابل لخيام الاعتصام·

بيروت ليست فقط "ستّ الدنيا"، بل المدينة التي أخذت بطرفي الدنيا·· حزناً·· وبَهْجَـة!

***

ما عاد الموت في لبنان رصَاصَاً وسيَّارة مُتفجِّرة· إنه طلقات خطابيّة تنفجر فيك حال فتحك جهاز التلفزيون· قبضة الموت تُمسك بالمشاهدين، ثمَّة موت بكاتم صوت، وآخر بملء الصوت، أثناء تحاور الفرقاء بالذخيرة الحيَّة للشتائم، شيء منك يموت بالرصاص الطائش للكلمات· إنه الحلم، حلمك بمعجزة عربيّة كان اسمها: لبنـــان·

***

لا جدوَى من انتظار تنبوءات ميشيل حايك وماغي فَرَح· الخطباء يقرأون لنا الفنجان - المقلوب أصلاً - أكثر من مرَّة في اليوم· على كل القَنَوات، مُنجِّمـو السياسة يُقدِّمون لنا طالِع السنة المقبلة·

أيَّــاً كان بُرجنا ويوم مولدنا وساعة مجيئنا إلى العالم، أيّاً كان مذهبنا وفصيلة دمنا وعنوان إقامتنا، ثَمَّة إجمَاع على أنّ ساعة لبنــان قد جاءت· "أكبَر القَـتَـلَـة قَاتِـل الأمَل"· وثَـمَّـة مَن عَـزم أن يُضيف الأمل إلى قائمة شُهداء لبنـــان·

لمــاذا؟

وبــأي حــق؟

وكيف تسنَّى لهم ذلك؟

ولمصلحَة مَن يُغتَال لبنان؟

لا تسأل: للجَوَاب زِنَـاد ورصَاصَات احتياطيَّـة·

في كتابه "أسبوع رديء آخر" للكاتب السعودي حمد العيسى، أثناء زيارته لـ"الهايد بارك" في لندن، يرى الراوي وهو يسير دَهِشَــاً بين حشود الخُطباء والمحتجِّين مُختَلِفي الجنسيات، شخط يرفع لوحة كُتب عليها "سوف تزداد الأُمور سوءاً"·

فيسأله: "ما هي هذه الأُمور؟"·

فيردُّ عليه الرجل: "ليس مُهمَّاً أن تعرف"!

ابو ميشال
13-02-2007, 08:14 AM
نورمان·· لا تندمي على شيء

غلاف "زهرة الخليج" الذي كان يحمل صورة الغالية نورمان أسعد، مرفوقاً بخبر أحدث مفاجآتها الشخصيّة، أسعدني من أجلها·· ثم أصابني بشيء من الحزن من أجلي: لن تكون نورمان أسعد بطلة يوماً ما لأحد أعمالي·

أتوقّع أن تسعد نورمان أخيراً مع هذا الملياردير الخليجي الذي تزوّجته، وقد منحها ما تحلم به امرأة مثلها من أمان، حتى جعلتنا نقاسمها حبّه، لفرط ما امتدحت جَمَاله الداخليّ ونبل أخلاقه، وكفاءاته العالية كأحد خرِّيجي جامعات أميركا في الأعمال· صفات لم تُغيِّر من بداوته الجميلة شيئاً· فقد اشترط عليها اعتزال التمثيل حتى لا يقاسمه أحد النظر إلى معشوقته·

كامرأة، أتفهَّم تماماً قرار نورمان وانحيازها إلى الحُــب، وقد خبرت الوسط الفني وأدركت أنه "رجل خائن لا يُؤتَـمَـن"، بينما كلّما ازدادت المرأة شهرة ونجاحاً، ازدادت حاجتها إلى الأمَــان العاطفيّ والاستقرار العائليّ، اللذين من دونهما ستتدحرج من أعلى السلّم، أيّاً كانت الدرجة التي تقف عليها· فمن تلك القمّة الشاهقة هَـوَت مارلين مونرو، وداليدا، ورومي شنيدر، وغيرهنّ· فنساء القمّة سريعات العطَب، يخفين تحت أثواب الأضواء وشلاّلات الألماس قلوباً مدمّرة، وأَسِرَّة شاغرة، ووحشة لا يتوقَّع رعبها أحد·

نورمان الفاتنة بساطة وجَمَالاً، الساذجة لفرط طيبتها، المعشوقة لفرط عشقها العشق، المخطئة أحياناً في خيارها، لفرط استعجالها المعجزة العشقيَّة، أظنّها، وهي "المرأة المحطّمة مثل بيروت، المحتاجة إلى مَن يُرمِّمها"، قد عثَرَت أخيراً على الرجل الْمُنتَـظَـر· ولأنها من قرّائي الأوفياء، لعلّها ذكرت قولي "أجمل حُـبّ هو الذي نعثر عليه، أثناء بحثنا (أو تعَثُّرنَا·· أو تفركُشنَا) بحُبّ آخر"·

لم ألتقِ نورمان· لكن بعض المكالمات التي جمعتنا، رفعتنا إلى مرتبة صديقتين· كانت أُولاها قبل سنوات، يوم استضافها الصديق زاهــي وهبــي في "خلِّيك بالبيت"· أذكر أنّ طلّتها الفاتنة، سمَّـرتني يومها أمام التلفزيون· وإذا بها تتكلّم لغة خارجة من كتبي· وعندما راحت تستشهد بكتاباتي، وَجدتني، على غير عادتي، أرفع السمّاعة وأطلب البرنامج لأشكرها، وأُبدي لها إعجابي بكلِّ الأدوار التي شاهدتها فيها·

حدث بعد ذلك أن تَهَاتَفْـنَـا بحميميَّة نسائيَّة جميلة· كنتُ أعرف عنها بقدر ما تعرف عني· فقد طالعتها بقدر ما قرأتني، حتى إنّ فرحتنا ببعضنا أوصلتنا إلى التخطيط لموعد في "كان" لم يتمّ· فقد تزوّجت نورمـان مُخرجـاً عراقيـاً·

في آخر مكالمة لي معها قبل سنة، كنت أستشيرها في بعض شؤون مسلسل "ذاكرة الجسد"، حين قالت لي ما تلقّيته كهديّة:"أيّ عمل يحمل اسم أحلام مستغانمي أنا جاهزة للتمثيل فيه من دون مقابل· فأنا أُحـبّ نساءكِ·· وأشبه كلَّ ما تكتبين"·

طبعــاً، كانت نورمــان تتحدّث عن أعمالٍ أُخرى غير "ذاكرة الجسد"، بسبب عدم توافُق سنها مع سنِّ البطلة، وإن كنت تمنيت لو جاء كذلك، حتى لا يكون لسواها·

أشعر بالحزن لأنّ نورمان لم "تعتزل الغرام" كما ماجــدة الرومـي، بل عَقَدت عليه قِرَانها مقابل اعتزال التمثيل·

مازلت لا أصدّق أنه في هذا التصريح "الجواب النهائي"، لممثلة أضحكتنا في صِبَاهَا، وأغوتنا عند نضجها، ثم تخلّت عنّا من أجل دور لا مشاهدين فيه، دور ستمثله أمام رجل واحد قال لها جملة سحريّة لم تعثر عليها في أي "سيناريو" عُرض عليها·

أكان في إمكانها أن تصمُد أمام بدويّ يقول: "أنا أمَانك وجَبَلكِ"؟

نورمــان·· لا تَـنْدَمِي على شيء· إنّه دوركِ الأجمَــل·

ننتظر منكِ "الأوسكار"!

ابو ميشال
19-02-2007, 01:05 PM
كولمبو" في الجماهيرية


حتماً كان كمين مَحبَّة، ذلك الذي نصبته لي رُدينة الفيلالي، بكلّ ما أوتِيَت من دهاء عاطفيّ، وانضباط مهني، على الرغم مِن صغر سنّها التي لا تتعدّى عمر أصغر أولادي· فقد عادت مرة ثانية إلى بيــروت، في الظروف القَاهِـرَةِ إيّاها· ومعها هذه المرّة صور عن القاعة التي سأُحاضر فيها، ونموذج عن الدعوة التي أعدّتها وعليها اسم الغالية هــدى عبـدالناصر، وبرنامج مُفصّل لحفل التكريم، وقائمة بالفضائيات والصحف التي من حقي أن أختار أيها تغطّي الندوة، وطلب بخمسمئة نسخة مِن كل عمل مِن أعمالي، حتى يُـقـدَّم هديّـة للمدعوِّين، بعد أن قلت لها ما قاله جبران: "إنّ تكريم المبدع ليس في أن تعطيه ما يستحق، بل في أن تأخذ منه ما يعطي"·

قالت ردينة مُشفقة عليّ: "أُريد أن يكون هذا منهجاً لتعاملكِ مع أيّ جمعية تدعوكِ مستقبلاً· لابد أن يحضر أحد قبلك ليرى القاعة، ويهتم بكلِّ تفاصيل رحلتكِ ولقاءاتكِ ومواعيدكِ أثناء الزيارة"·

ضحكت·· ضحكت· كأنني أسمع ابني وليــد يقول لـي: "مامـا·· كُـفِّي عن ركوب الحافلات وانتظار سيارات الأُجرة على قارعة الطريق، وتقبيل كلِّ صديقات الشغّالة!"·

تأخَّـر الوقت كثيراً، وما عاد في إمكاني أن أتغيَّر يا ابني!

اقترحت على ردينة أن تتولّى إدارة غبائي بعد الآن، وتُصحح ما لا قدرة لي على تصحيحه من حماقات، وأن تترك لي مساحة للسذاجة، بالقدر الذي تحتاجه المواهب الكبيرة لتحيَا، وشيئاً من التغابي الذي يوفر عليَّ كثيراً من العَدَاوَات، وبعض الأمراض التي تفتكُ بِمَن يتمعَّن في إدراك خساراته!

شعور شبيه بالأمومة لازَمَني تجاه صبيّـة لها غَيرَة على المغرب العربي وعلى أسماء مُبدعيه وكتّابه، ما شجّعني على أن أشترط عليها أن يُقدِّمني ليبيون، ويتم تكريم مبدعين ليبيين معي·

فرحت ردينة بالاقتراح أيّمَا فرح· شكرتني بتأثر، وفكّرت فوراً في رسّامتين هما أهل للتكريم والمساعدة لغبنهما المادي والمعنوي· قالت "إنهما كبطلكِ خالــد بن طُـوبـال، معوّقتان، إحداهما بلا ذراعين ترسم ممسكة الفرشاة بفمها، لكنهما أذهلتا الغربيين عندما شاركتا في معارض في أوروبا"·

ردينة حسبت حساب كل شيء، وكل أحد، إلاّ حضور "كولمبو" قبل محاضرتي بساعتين! فقد قررت أمي أن تُفاجئني، أو "تُفاجعني"، وتَحضَر مع أخي ياســين من الجزائر، للقائي واكتشاف ليبيا·· لأوّل مرة!

كنتُ في بهو الفندق مع زوجي، حين رأيت أمي تدخل من بوّابة الفندق، بعباءتها السوداء الأنيقة، التي اشترتها من الإمارات، والتي تُعيِرُني إيّاها أحياناً، ثمّ تستعيدها مني حين تغضب: "هَاتِها·· ستنتهي عند إحدى صديقاتكِ!"·

صَعَقَتني المفاجأة، وتآمَــر أخي معها، فقد كَـتَـم عليَّ أمـر مجيئها· قالت وهي تضمّني بسعادة شَاهِـرَة انتصارها: "هَانِـي جِيتك!"

ها هي جاءت، أو على حد قول الشاعر: "جَاءَت مُعذّبتي"· فأُمّي من حزب ذلك السياسي الذي كان يقول: "أيَّـاً كان الموضوع، فأنا ضدّ"· قلت:



"نــوّرتِـنِـــي يــا خـيــر زائــــرة
أما خَشيتِ من الحرّاس فـي الطُّرق؟"



قالت: "لا وجود للتأشيرة بين الجزائر وليبيا"·

بعد مُضي ساعة كانت أمي تُباشر مهمّتها الاحتجاجيّة: "ألـم تجدي غير هذا التايور؟ لماذا لم تنصحكِ صديقتكِ التي أحضرتها معكِ بلبس البني والأبيض·· أم أعطيته أحداً؟"· في أميركا كان يلزمني محامٍ ليُرافقني في أيّ جلسة مع أمي· أردّ: "لا·· لا·· هو في بيـــروت"· و"الـغُــرَّة؟" لماذا لم تقصِّيها·· كنتِ أجمل بها·· ألم تَــرَي غرّتها هي؟ مازال أمامكِ وقت·· انزلي لحلاّق الفندق ليقصّها لكِ بسرعة!"·

انسحبت صديقتي، وقد رأت أمي، كما في بيروت، تُباشر بإشعال الدواليب· قال زوجي: "اصعدي لإتمام كلمتكِ·· سننطلق قريباً!"·

سفير الجزائر استعان بالصبر والصلاة في انتظاري، وسيارات المراسم اصطفت لتنقلنا إلى القاعة، وأنا لا أدري·· أأقص شعري، أم أُراجع كلمتي؟ أم أكتب وصيّتي؟

جاءتني النجدة من الدكتورة هـدى عبدالناصر· كانت بمثابة القبّعات الزرقاء من دون علمها، فقد سَعِدَت بها أمي وبادلَتها بعض الحديث ونسيتني· قالت هــدى بأدبها الكبير: "اعذريني أحلام، حضرت ليوم واحد وسأغادر بعد المحاضرة، لأنّه عيد ميلادي"· وقالت أمي باستحياء: "وعيد ميلادي أيضاً"· ردينة فاجأتنا بقالب "غاتــو" على طاولة العشاء· وفي حضرة بعض السفراء العرب قطعت أمي قالب "غاتــو" كُتِب عليه: "إلـى الأم التي أنجبت أحــلام"· قبّلتها وضحكت وتذكّرت تعليقها لصديقة تعجّبت أنني أُشبهها في شيء، ردَّت أمي يومها مُتنهِّدة: "النّار تَـلِـد الرّمَـاد"·

عمر بك
20-02-2007, 02:10 AM
شكرا لك ابوميشال على هذا المجهود الرائع ..

منذ أكثر من ساعة وأنا أقرأ ماخُط هنا ..

رائع .. لقد تعرفت على سيدة الابداع العربي عن كثب !!

تحيتي لك

ابو ميشال
22-02-2007, 09:40 AM
شكرا لك ابوميشال على هذا المجهود الرائع ..

منذ أكثر من ساعة وأنا أقرأ ماخُط هنا ..

رائع .. لقد تعرفت على سيدة الابداع العربي عن كثب !!

تحيتي لك

أهلا بك في عالم السيدة احلام
أتمنى ان تبقى متابعا معها ..... و معي

ابو ميشال
12-03-2007, 02:52 PM
اعترافات كرسي في صالون حلاقة نسائي


ما قصدتُ صالون حلاقة نسائياً، إلاّ وحَضَرَتنِي أغنية اشتُهِرت في الجزائر قبل عامين لـ"أمازيغ"، ابن الكاتب الجزائري الشهير كاتب ياسين. ولأن "أمازيغ" تعني في اللغة البربرية "الرجل الحرّ" كان الرجل وفيّـاً لإرث الحرية الذي تركه له أبوه. فقد أعلن بحرية لم نعهدها من المطربين العرب: "أريد أن أكون مقعداً في صالون حلاقة للنساء"!
أعجَب ألاّ يكون رجل قبله امتلك شجاعة إعلان أمنية على هذا القدر من التلقائية، فمن الأرجح أنها راوَدَت رجالاً غيره، خاصة في بلادٍ ذهب بعض المتطرّفين فيها، كما في مصر، إلى حدِّ الإفتاء بتحريم جلوس رجل في الحافلة أو في قطار على مقعد جلست عليه امرأة.. قبل مرور نصف ساعة! تصوّروا حافلة مكتظة بالرجال وقوفاً يدققون في ساعاتهم.. ويوجد مقعد شاغر في انتظار مرور الوقت الضروري ليبرد.. تفادياً لانتقال "ذبذبات الأنوثة" إليهم!
حسب هذا المنطق، أرْيَح وأمتَع لكَ أن تكون مقعداً تتناوب عليه النساء، على أن تكون رجلاً يسافر واقفاً لأنّ مقعداً يتحكّم فيك
وتصحيحــاً لمقولــة ساشـا غيتـري: "لا أحد يسمع الحَمَاقَات أكثر من لوحة مُعلَّقة في معرض"، أقول إنّ أكثر الحماقات غَـرَابَـة حتماً، تسمعها المقاعد التي تجلس عليها النساء في صالونات الحلاقة، حيث غالباً ما يبدو المقعد كأنه كرسي للاعتراف، ما إن تجلس عليه المرأة حتى تُباشر البَـوح بأسرارها ومشروعاتها وخلافاتها العائليّة.
أغرب ما رَوَته ألسِنَـة المقاعد النسائية لدَى الحلاّق، تلك الحادثة التي نقلها التاريخ عن الكاتبة "جورج صاند"، التي جمعتها في بداية القرن التاسع عشر، قصّة حُــب عنيفة، مع الكاتب "ألفريد دي موسيه"، وكذلك مع الموسيقار الشهير "شُـوبَــان"، الذي أحبَّها بِوَلَــع وشَـغَـف، وتعذّب كثيراً بسبب كَوكَبَة العشّاق الذين أحاطوا بها على الدوام.
ويُحكَـى أنّ خبر موت "شُـوبَـان"، بلغها وهي تُزيِّن شعرها عند الحلاق، فدُهِشَت، وبَـدَا عليها شيء من الألم، ثمّ توجّهت ببرودة دم إلى حلاّقها قائلة: "كان شوبان عظيماً ومات عظيماً، وموت العُظَمَاء أكبر من الحُزن عليهم!". لكأنَّ المرأة مهما كانت مهمّة أو موهوبة أو عاشقة، تصبح غبيَّة ومن دون عقل، في حال جلوسها بين يدي حلاّق.
بالنسبة إلى "جورج صاند"، ربما كان عنفها العشقيّ يعود إلى جانبها الذكوري. فقد كانت تحمل اسماً رجالياً، وترتدي ثياباً رجالية، كثيراً ما تكون للرجل الذي تحبّه، من يكون قد ترك عليها آثار "فحولة عاطفيّة". فقد حاولت أن تضاهي الرجال وتتماهَى معهم، لكنها فشلت على الأقل، لكونها ظلّت تتردّد على الحلاق. وهو ما يُذكِّر بقولٍ ساخر للممثلة جاكلين مايان: "لن تصبح النساء مُساويات للرجال، إلاّ عندما يتقبّلن الصَّلع ويعتبرنه علامة من علامات الوسامة والاعتبار!".
والخــوف إن قبلت النساء بالمساواة في الصلع، أن يصبحن أقرب إلى أســود "تسافو" سيئة السمعة، منهنّ إلى الرجال. فقد اشتهرت هذه الأسود بضراوتها غير العادية، وافتراسها البشر. إذالتهمت في القرن الماضي 130 شخصاً، حيث تعيش في شرقي كينيا.
أما ضراوتها التي تفوق العادة، فتعود، حسب العلماء، إلى كونها تمتاز عن باقي الأُسود، بأنّ ذكورها ليس لديها الشعر الكثيف المميِّز لذكر الأسود من الأنواع الأخرى، ويعود هذا إلى المستويات المرتفعة لهرمون الذكورة الزائد فيها، وهو الهرمون ذاته الذي يُسبِّب الصلع لدى الرجال، ويزيد، حسب العلماء، من السلوك العدواني والنزعة، للحفاظ على المكان بأي ثمن!
ومادمنا لا نملك سوى هذه المعلومة العلمية، لاكتشاف ما قد يخفيه لنا بعض الرجال، فإنني أنصح الشعوب العربية بألاّ تختار حكّامها من بين الذين تركت هذه الهرمونات آثاراً على صلعتهم، وأن يكون لها حق إخضاع أي مرشّح للسلطة، لفحص هرمون "التستوستيرون"، وهذا أضعف الإيمان، مقارنة بما وصلت إليه شعوب أخرى، أصبحت تطالب حكامها بإثبات أنهم لا يصبغون شعورهم. ذلك أن عند هؤلاء، خدعة الصبغة تشي بما هو أكبر. فإذا صبغت شعرك فأنت تقصد إخفاء شيء ما، ومهيّأ لتُزيِّف أي شيء، بالتالي لست أهلاً للثقة.
وربما كان رئيس الوزراء الإيطالي السابق بيرلسكوني، قد تعلَّم الدرس من المستشار الألماني السابق شرودر، الذي تحوّل موضوع صبغه شَعره إلى قضية انتخابية، بعد أن صرّح أحد النواب بـ"أن مستشاراً فيدرالياً يصبغ شعره، يمكن أن يُلوِّن الإحصاءات أيضاً"، فلم يبقَ أمام المسكين إلاّ اللجوء إلى القضاء لمنع الصحافة من الخوض مجدداً في هذا الموضوع.
كإيطاليّ قح.. أعلن بيرلسكوني أنه مُصرٌّ على أن يبقى شاباً ووسيماً، وجَاهَــر بأنه لجأ إلى زرع الشعر، وأن عمليته تلك، اكتسبت شهرة عالمية حسده عليها الكثيرون من نظرائه. وزاد مؤخراً وهو في السبعين.. أنه خلال الصيف الماضي "عَاشَــر" 84 امرأة (!) ما أغضب زوجته فيرونيكا.. وجعل الرجال، كما النساء، يتساءلون: هل في الصّلع أم في الشعر تكمن الفُحولة؟!
سؤال يعنينا جميعاً!

ابو ميشال
19-03-2007, 09:28 AM
في عصمة قُبلة لم تحدث


قالت
بي شوق إلى الساعة الواحدة
ذات الخامس من خريف كان
قبل سنتين وقبلة من الآن
بي شوق أن أصفها
قبلتنا التي لم تحدث
وسأظل أكتبها
كي أبلغ شفتيك
من قبل أن تُقبّلاني
كي أطال فمك
من قبل أن يقول
"لا امرأة سواك"
**
قبلتك التي لم تكن
ما تركت لي يداً لكتابتها
لكأنّها بدأت بتقبيل أصابعي
ثمّ التهمتني
وهي على ركبتيها تطلب يدي!

قال
الوردة تسأل:
لِمَن أقدّم عطري؟
العنب يسأل:
لِمَن تمّ عصري؟
الغيوم المسافرة:
لِمَن أهدي مطري؟
الدواة:
لِمَن يسيل حبري؟
**
وحدي أدري
فاجعة الأجوبة
عندما لا تكون للكائنات
قرابة بك.

شفتاك عباءتي
الرجلُ المترقّبُ هاتفي
القلقُ في انتظار صوتي
هاتف جوال في جيبه
وقلبه في جيبي
**
رجل لا يدري
أنّ حبّه معطفي
يسأل:
"ماذا ترتدين حين تخلعين شفاهي؟"

ابو ميشال
25-03-2007, 09:53 AM
فـي تأبين تلك الأحلام الكبيرة

استوقفني قول للكاتبة كارولين أهيم: "الحصول على دماغ يستطيع الكتابة، معناه الحصول على دماغ يعذّبك" ولو أنها خبرت لعنة امتلاك دماغ عربيّ، لأدركت نعمة عذابها، ولَقَاسَت بمقياس "ريختر" للألم فاجعة أن تكون كاتبة عربية في زمن كهذا.
ذلك أنّ الكاتب العربي يشهد اليوم تأبين أحلامه.
شيء ما يموت فينا، ويُشعرنا بخواء النهايات· ثمّة عالم جميل ينتهي ونحن نستشعر ذلك، وننتظر مذهولين حلول الكارثة.
زمن انتهى بأحلامه ومثالياته ونضالاته، وقضاياه المفلسة.
نشعر بخفّة الألم، لا خفّة مَن أزاح عن كاهله مشكلات حملها عُمراً بكامله، بعدما عثر لها أخيراً على حلول، وإنما خفّة من تخلّص أخيراً من أوهامه.
سعادتنا تكمن في فاجعة اكتشافنا أنه لم يعد في إمكان أحد أن يبيعنا بعد الآن قضيّة جديدة، مقابل أن يسرق من عمر أبنائنا جيلاً أو جيلين آخرين. فالشعارات المعلَّبَة، الجاهزة للاستهلاك، التي عشنا عليها، انتهت مدّة صلاحيتها، وأصبحنا نعرف من أي "سوبرماركت" استوردها من روّجها، وكم تقاضى بعضهم ولايزال، مقابل تسميمنا ومنع نموّنا الطبيعي، واختراع حروب وكوارث، لإبقائنا أذلاء، فقراء.. ومرعوبين.
رحم اللّه محمد الماغوط· نيابة عن كلّ المبدعين العرب، اختصر في جملة واحدة سيرة حياتنا: "وُلدتُ مذعوراً.. وسأموت مذعوراً". فالمبدع العربيّ، لايزال لا يشعر بالأمان في بلد عربي. وإذا كان بعض الأنظمة يتردّد اليوم قبل سجن كاتب أو اغتياله، فليس هذا كرماً أو نبلاً منه، وإنما لأن العالم تغيّر وأصبحت الجرائم في حق المبدعين لا تمرُّ بسرية، بل تدخل ضمن الحسابات التي على الطاغية أن يراجعها، إذا أراد أن يقبل من جانب الغرب.
كيف في إمكان الكاتب العربي أن يكون ضمير الأمة، ولسان حقّها، وهو منذور لمزاجية بعض الحكام، ومزاج الرقيب وأهواء القارئ، الذي أصبح بدوره رقيباً يعمل لحسابه الشخصيّ، وقد يتكفل بإصدار فتوى تكفرك أو تخوّنك، محرّضاً الشارع عليك، فتخرج مظاهرات تطالب بسفك دمك وكسر قلمك، وتُدخلك القرن الحادي والعشرين من بوابة المحاكم والسجون.
كثيراً ما أضحكنا برنارد شو بتعليقاته الساخرة. لكنه حين قال "الوطن ليس هو فقط المكان الذي يعيش فيه الإنسان، بل هو المكان الذي تُكفَلُ فيه كرامته وتُصان حقوقه" كاد يُبكينا نحن العرب، عند اكتشافنا ما نعانيه من يُتم أوطان لسنا مواطنين فيها. فكيف نكون فيها كتّاباً، ونحنُ نقيم في ضواحي الأدب وضواحي الحرية، خارجين لتوّنا مذعورين من زمن ثقافة الشارب العريض، والقصائد التي تلمّع حذاء الحاكم، وتُبيِّض جرائم قطّاع طرق التاريخ، لنقع في فخّ العولمة.. فريسة للثقافات المهيمنة ولطُغَاة من نوع جديد، لا يأتونك على ظهر دبّابة، إنّما يهدونك مع رغيف البنك الدولي·· مسدساً ذهبياً لإطلاق النار على ماضيك!
الذين يروّجون لثقافة النسيان، ما سمعوا بقول أبو الطالب الدمستاني "إنّ أطلقت نيران مسدسك على الماضي، أطلَق المستقبل نيران مدافعه عليك". ولا أدري كيف في إمكاننا إنقاذ المستقبل، من دون أن نعي الواجب التأمُّلي للمبدع ودوره في حماية الهوية العربية، ذلك أن معركة الألفية الثالثة ستكون ثقافية في الدرجة الأولى، وعلينا ألاّ نكون مغفّلين ولا مستغفلين أمام هيمنة ثقافية لا يمكن أن تكون بريئة.
إنّ المبدع والمثقف العربي، هو آخر صرح بقي واقفاً في وجه بعض الحكام، الذين لا ينتظرون إلاّ غفوة أو غفلة منه ليسلّمونا شعوباً وقبائل إلى الغرب، على طبق العولمة أو التطبيع.
هذا المبدع الذي حدّد نفسه منذ أجيال "مبدع الضد"، أتعبته القضايا المفلسة، والمشي في جنازة أحلامه. وقد يأتي يوم لا يجد فيه قضية عربية تستحق منه مشقّة النضال. ويومها ليس وحده مَن سيبلغ عمق الكارثة.. بل الأُمّـة كلّها!

ابو ميشال
01-04-2007, 10:08 AM
أخذ معه كلّ ذلك الضوء
كلّ نيسان لا أستطيع إلاّ أن أذكره. مذ رحل ونحن نحاول إنقاذ النار، التي أشعلها فينا نزار قباني ومضى. ذلك الطفل الزوبعة، ذلك الشاعر الذي حيث يمرُّ تشتعل بمروره فتيلة الشعر.
نقف دَهِشين أمام رمادنا بعده· لماذا خالفنا نصائحه ورحنا نؤمّن على حياتنا ضدّ الحرائق الجميلة؟ وما نفع ما ننقذه؟ وماذا لو كان الشيء الوحيد الذي أنقذناه حقاً، هو كلّ ما سرقناه من العمر، وسلَّمناه وليمة للنار.. نـــار الحياة؟
ليس عَجَبَاً، أن يكون نزار قد أنهى حياته بطلب كوب من الماء، بكلمة "شكــراً". فنزار قبّاني حالة ناريّـة، قبل أن يكون حالة شعرية. إنه يُذكّرني بـ"بودلير" الذي كان يقول، ليُثبت غرابته، إنّ أول كلمة لفظها عندما بدأ النطق. كانت Allumette أي "كبريت". ولا أذكر أن "نيرون" نفسه قد طالب أبويه، حال وصوله العالم، بالنار، هو الذي أحرق روما في نـزوة لهـب.
لا أدري مِن أين جَـاءَت نزار هذه النزعة النيرونية لإضرام النار في تلابيب النساء، اللائي أحببنه وأحبّهنّ في أثواب نومهنّ، وفساتين سهراتهنّ، ومناديل بكائهنّ، وكلِّ ما لبسنه لموعدهنّ الأول معه، أو ما نسينه في غرفته بعد موعد حُـبّ، ولِمَ كلُّ مدينة أحبَّها أو مرَّ بها، شَـبَّ فيها الحريق، ولم يستطع رجال الإطفائيّة، العاملون على حفظ التقاليد وضبط السلوك، من أجلها شيئاً؟
أكان يتسلّى بألسنة اللهب، ثم يركب قطار الشعر المفخخ كبريتاً، ليُجرِّب فينا سياسة الأرض المحروقة، تاركاً الناس خلفه مفزوعين مهرولين محمّلين، كلٌّ بدلو من الماء.
نزار لم يكتب يوماً بأصابعه، بل بأصابع "الديناميت"، التي كان يُعدّها لنا بنوايا إجراميّة، وبكلِّ عناية شعرية، كما تلفُّ النساء في كوبــا على حجورهنّ السيجار الفاخر.
الآن، نكتشف ذلك، وقد توقّفت تلك الانفجارات التي كان يُحدثها بين الحين والآخر، فيهزّنا بها، بلداً بعد آخر، وفرداً بعد آخر· ولذا، بعد رحيله، ساد العالم صمت شعري رهيب، لا لأنّ شاعراً كبيراً مات، ولكن، لأنّ وهمنا بالشعر انطفأ، ولم يعد في إمكان أحد أن يجعل من تفاصيل حياتنا العادية حالة شعرية.
عند رحيله، استبشر بعض الشعراء خيراً، وتوقّعوا أنهم بموته سيكبرون، وبغيابه سيتقدّمون صفّـاً. ولكنهم أخطأوا في حساباتهم· فالشعر فضّاح لِمَن دونه، وقد يجعل شاعراً يزداد حضوراً بغيابه، وآخر يصغر، على الرغم من ضوضائه· ولذا، فإنّ الشعراء الذين كانوا في حياته كباراً، مازالوا كذلك، وأولئك الذين كانوا أقزاماً سيبقون كذلك، ولا جدوى من وقوفهم في طوابير الشعر. الشاعر كائن لا ينتظر· الشعر هو الذي ينتظره عصوراً.
نزار لم يقف يوماً في الصف، لقد كان منذ نصف قرن، وحتى بعد موته، صفّاً في حدّ ذاته، يمتد من أوّل إلى آخر الخريطة العربيّة، وعَلَمَاً شعرياً تصطف خلفه أمة بأكملها. كان صوت عصرنا الشرعيّ، وابن القبيلة والمتمرّد عليها، الذي أصبح بانقلاب شعريّ مَلِكَها.
لقد كان نزار يقول: "إنّ المبدعين خُلِقُوا ليزرعوا القنابل تحت هذا القطار العثمانيّ العجوز، الذي ينقلنا من محطّة الجاهلية الأولى إلى محطة الجاهلية الثانية". وأثناء زرعه تلك الألغام، نسف نزار خلال نصف قرن كلَّ الشعراء، الذين ركبوا قطار الشعر من دون تذاكر، ومن دون أن يدفعوا شيئاً مقابل هذا اللقب. وحاولوا السفر معلّقين بأبواب القطارات والمهرجانات الضوضائيّة.
لقد قضى عمره في ركلهم و"دفشهم" ومحاولة الإلقاء بهم من النافذة، دائم السخرية منهم والاستخفاف، وما سمعوه ولا صدّقوه. والآن، وقد نزل وتركهم يسافرون نحو حتفهم في ذلك القطار المجنون، نعي أنه رحل وهو يحاول إنقاذ آخر قصيدة من أيدي مرتكبي الجرائم الشعريّة. ورحل وهو يحاول إنقاذ آخر أنثى قبل وصول التتار.
ذهب وهو يحاول إصلاح العطل الأبديّ في مولّدات الفرح العربيّ، ولذا مات بصعقة كهربائية، مُعلَّقاً إلى قنديل الشعر، أثناء محاولته إدخال الكهرباء في شارع الحزن العربيّ.
رحل آخذاً معه كلّ ذلك الضوء.

ابو ميشال
10-04-2007, 08:13 AM
نريده وسيماً وذكياً ومثقفاً ولطيفاً وثرياً.. ووفياً!

ولو سئلنا، نحن النساء، لحظة اختيارنا رجل حياتنا، أيّ صفة من هذه الصفات يمكننا أن نضحي بها، لقبلنا التنازل عن كلّ شيء.. إلاّ عن وفائه لنا.
ذلك أن إخلاص رجل نحبّه، هو طمأنينتنا، وزهونا وسرّ تشاوفنا على الأخريات، وعقد أماسيٌّ نلبسه في سرّنا، ويجعلنا نبدو أجمل من دون أن نكون قد وضعنا شيئاً حول جيدنا.
لكن، تاريخ الرجال طاعن في الخيانة.. والرجل الوفيّ "حيوان ذكوري نادر" نتمنّى استنساخه لو استطعنا. غير أنّ العلماء، بَـدَل أن ينشغلوا باستنساخ بعض الذئــاب وتوزيعها على نساء الأرض، راحــوا يستنسخون لنا النعجة "دوللي".
أما لماذا الذئــاب، فلأن الذئب هو أكثر ذكور الحيوانات وفاء، أو هكذا شُبّه للعلماء، مقارنة ببقيّة الحيوانات التي تحترف الخيانة.. المتبادلة. فحتى الكلب، هو وفيّ لسيِّده وخائن لأُنثاه، والقطة، حاشاكُم، لا تختلف عنه في نزواتها الشّبَاطيَّة" نسبة إلى شهر شباط/فبراير، الشهر الذي تتسوّق فيه ليلاً، وتمنع عباد اللّه من النوم لفرط موائها، حتى يأتي لنجدتها ما هبَّ ودبّ من قطط الأحياء المجاورة· يشهد على ذلك التشكيلة العجيبة لصغارها.
أما الفئران والأسُود والطيور والزواحف والأسماك والفيَلَة، فبالاختصار، حسب أغنية فيــروز "مش فارقة معاها". فهل الوفاء "حماقة إنسانية" أم ميزة أخرى يتميّز بها الإنسان عن الحيوان، كتميّزه عنه بالعقل والإيمان والنطق؟ ربما لأنه نطق، وجد آدم نفسه مجبراً على أن يقول لحواء "أحبّك"، وكان يعني "أشتهيك"، وعندما بدأت حواء تطالبه بالزواج، والإخلاص، وتلاحقه بالتحرّيات والأسئلة· وهكذا وصلت الإنسانية إلى ما هي عليه من نفاق!
المشكلة، أننا نحتاج أحياناً إلى تصديق بعض الأكاذيب والأوهام الجميلة، حتى لا نكتشف بشاعة حقيقة نظنّ أننا غير معنيين بها، وأنها لسبب أو لآخر، لا تحدث إلاّ للأخريات.
شخصياً، آخذ حكمتي من العجائز ويحضرني قول أمي: "الرجال والزمان.. ما فيهم أمَان". ولو كان لي من نصيحة أقدّمها للنساء لكانت تلك التي كانت تُسديها إليَّ حماتي كلّما جئت بشغّالَة جديدة، وتركت لها تلقائياً كل خزائني مفتوحة، مطمئنة إلى ما يبدو عليها من صدق وأمانة. وكانت حماتي تقول: "تعوّدي أن تُعاملي كلَّ من تتعرّفين إليه، على أنه قد يكون كاذباً أو ماكراً.. أو لصاً، حتى يثبت لك العكس، بدل أن تمنحيه ثقتكِ فوراً، ثم تُصدَمي به".
طبعاً، ما استفدت من هذه النصيحة. ذلك أنه يصعب على المرء أن يتوقّع من الآخرين الغدر أو الخيانة إن لم يكن قادراً على الإتيان بمثلها.
كذلك الرجال، قد تستيقظ إحدانا يوماً لتجد زوجها العاقل "البيتوتي" قد أفرغ حسابه، وفتح به بيتاً آخر، وأهداه أثناء نومها الهنيء إلى أخرى، وأحياناً أثناء انشغالها الغبيّ بالتحرِّي في قضيّة وهميّة أخرى، اخترعتها لفرط هوسها. ذلك أنّ المرأة، كما يقول ساشا غيتري، تعرف كل شيء بحدسها، ولا تخطئ إلاّ عندما تبدأ في التفكير!
الواقع، أن الزوج الخائن يرسل رموزاً وإشارات منبّهة، على المرأة التقاطها بـ"راداراتها" النسائية المتطورة، ومواجهتها بحكمة، أو بكيد نسائي، لكن من دون أن تعميها الغيرة، ويُخرجها سوء الظن من طورها، فتقطع بسكين المطبخ أحد أعضاء زوجها أثناء نومه، كما فعلت مؤخراً أخت لنا في الجنون من تركيا، بمنطق شمشون، يوم هَــدّ المعبَد عليه وعلى أعدائه.
في المقابل، أوافق تلك الجزائرية التي قرأت أنها قضمت جزءاً من لسان خطيبها أثناء تقبيله لها، بعدما اكتشفت أنه لن يتزوجها، وأنه يُخفي عليها زواجه بامرأتين له منهما أولاد.
بي فضول أن أعرف، ماذا سيقول هذا الزوج الخائن لزوجتيه عندما يعود إليهما، من دون لسان!

ابو ميشال
16-04-2007, 08:14 AM
هل خبرتم عنفوان الخاسرين؟

مَدينةٌ أنا لأجمل ما حلّ بي، لتلك المرات التي لعبت فيها قدري على طاولة الحياة، باستخفاف المقامرين الأثرياء، فقلت "لا" حيث كان لابد أن أقول "نعم". و"بلى" حيث كان عليَّ أن أصمت، فازددت مع كلّ إفلاس ثراءً، وأصبحت لفرط خساراتي كاتبة.
بي افتتان بالخسارات الجميلة، تلك التي نفقد فيها ما اخترنا خسارته بتفوّق، على مرأى ممَّن سينحنون بعدنا للملمته. أمعن في جرائم الهدر، إكراماً للحظة زهو لا أُشهد عليها سوى ضحكتي.
لا شيء يستحق الانحناء، لا خسارة تستحق الندم. هل خبرتم عنفوان الخاسرين؟
أصدقائي المبدعين.. أصدقائي الجميلين الخاسرين.. هل أواسيكم إن قلت إنّ المبدع غنيّ باستغنائه، ثري بخساراته؟ لذا قال هنري ميشو ساخراً من فداحة ما أضاع: "ألقِ أوراقك.. أقل لك.. أنت لن تربح إلاّ في الخسارة!".

كتب غوستاف فلوبير إلى عشيقته يقول: "كم من الرذائل كنت سأملك لو لم أكتب".
مثله اعتقدت دوماً أنّ الكتابة تطهّرنا وتغسلنا. بينما يوجد الخُبث والقَذَارة في زوايا النفوس المريضة، حيث يكثر عنكبوت الصمت.. والكبت.
لذا، أشعر بأن المبدع في خطر مادام هو في حالة كسل. فعندما يُجرَّد الكاتب من أقلامه، يتحوّل إلى إنسان عاديّ ضجر. والضجر كأخيه الكسل.. أبو الموبقات!

ü أنا القادمة من الميراث التراجيدي للكتابة العربيّة، كلّ اهتمام أو تكريم يكاد يوجعني ويغتالني بأضوائه، في كلّ ضوء خيانة للكتابة، وخيانة لرفاق آخرين يزيد ضوؤك من عتمتهم، وتزيد عتمتهم من وهمك بأنّك الأهم. فالكاتب مهيّأ للغرور الأدبي. وقد ينتهي به الأمر إلى أن يأخذ نفسه مأخَذ الجد، بدل أن يأخذ الكتابة مأخذ الجدّ، وعندها تكون نهايته.. لذا، كان فولتير يقول: "إنّ الكاتب يموت مختنقاً تحت باقات الورود". ولذا مازلتُ مع محمود درويش أردّد: "وردٌ أقل.. أحبّتي ورد أقلّ"!

أفكّر في الصديقة فاطمة حقيق، إحدى سيّدات ليبيا المتفانيات في خدمة الثقافة، التقيتها في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، فهي تدير إحدى كبرى المكتبات ودُور النشر الليبيّة.. كانت تسعد برواج كُتبي، وتسعَد لكلّ قارئ يُغادر مكتبتها برفقة كتاب. تركت لي كلمة اعتذار مقروءة عندما تعذّر عليها حضور محاضرتي بسبب وضعها الصحّي.
امرأة نَذَرَت عمرها للكتب.. ونسيت أن تكون كتاباً.
إنها تذكّرني بقول الكاتب عاموس عوز، أحد مؤسسي حركة "السلام الآن"، الذي يحكي أنّه كان يردّد في شبابه: "عندما سأكبر أريد أن أصبح كتاباً، فذلك أقلّ خطورة من أن تكون إنساناً• فقد تنجو نسخة منك على الأقل". لو كانت تدري أنّ مَن راقب الكِتَاب مات همّاً.. لربما غيّرت مهنتها.
كلّما تعمّقت في قول عاموس عوز.. كبرت أسئلتي: هل الأجمل أن تكتُب.. أم أن تنكتب؟
ثمّ، في عالَم عربيٍّ يقع فيه الكتاب كلّ يوم قتيلاً في شوارع المتنبي، ومحروقاً في جامعات فلسطين، ويُقاد كالمجرمين إلى المحاكم في أكثر من عاصمة عربيَّة لا تمارس مرجلتها وفحولتها إلاّ على الكتب.. أليس ضرباً من الجنون أن يتمنّى المرء أن يكون كتاباً.

ابو ميشال
30-04-2007, 08:59 AM
مَن يُعيد لنا حق البكاء وتَاجَه؟


أحتفظ بخبر طريف عن سيّدة استطاعت الفوز بـ"تاج البكاء" بعدما حطّمت رقماً قياسياً في النحيب المتواصل، لا بسبب مصيبة ألـمّـت بها، بل لإصرارها ألاّ يحمل غيرها ذلك اللقب!
وكنتُ أعتقد أنّ العرب دخلوا كتاب "غينيس" على الأقل من باب النواح والعويل، تشفع لهم أنهر الدموع العربية التي جرت منذ الجاهلية إلى اليوم، منذ أيام المعلَّقات وحتى الأفلام المصريّة، وصولاً إلى النشرات الإخبارية. فعندما نزل شيطان الشِّعر على أشهر شاعر جاهليّ، ما وجد شاعرنا بيتاً يفتتح به تاريخ الغزل العربيّ غير "قِفَا نَبْكِ من ذكرى حبيب ومنزل". ومن يومها ونحن نتوارث البكائيات. فقد زوّد اللّه الإنسان العربيّ دون غيره ببطارية شجون وهموم، جاهزة لإمداده بطاقة البكاء.. أيّاً كان السبب.
فالعربيّ يعيش على حافة البكاء، وحتى وهو يبدو متماسكاً لا يتوقف داخله مطر الدموع من الانهطال، مهما كانت نشرته الجويّة، كأنّه يستبق الكارثة، أو يخشى ضريبة السعادة، فيدفع زكاة قلبه قبل الأوان. وقد قال الإمام علي (رضي اللّه عنه): "لكلّ شيء زكاة، وزكاة القلب الحُزن". وربما كان للنظر زكاته أيضاً، وهذا ما نفهمه من قول مالك حداد: "ثمَّة أشياء هي من الجَمَال بحيث لا تستطيع أمامها إلاّ أن تبكي". تصوَّروا إذن مصيبة من ينتظر العطلة سنة كاملة كي يزور أماكن جميلة، وإذا به يقضي إجازته في البكاء.. لأنّ المكان أجمل ممّا يحتمل قلبه!
كنت أعتقد قبل ذلك الخبر، أنّ لنا في الخنساء مفخَرَة، بعد أن لزمت المسكينة قبر أخيها حتى ماتت، فمنحتنا شرف الموت بكاءً.
يا لغُبن الخنساء، الشاعرة التي افتتنت أنيسة بومدين (زوجة الرئيس الجزائري الراحل) بذلك الكَم من الدموع الذي ماتت بغصّته فخصصت لمأساتها بحثاً مطوَّلاً.
كيف لها أن تعلم أنه سيأتي يوم يكون فيه للبكاء جوائز ومسابقات.. وتيجان واحتفالات؟ لو جاء مَن يخبرها بذلك وهي عند قبر صخر تنتحب، لوفّرت على نفسها دموعاً أودَت بها، مادام تاج "المرأة الباكية" سيذهب إلى أخرى اختارها نادٍ ليلي في "هونغ كونغ" بعد ليلة حامية علا فيها العويل.. على أيّ صوت.
ولو نُظّمت هذه المسابقة في مقبرة، لَمَا وجدوا بين الثكالى واليتامَى مَن يفوز بها، لأنّ الألم الكبير لا دموع له.
وأذكر أنّي التقيت والدة الشهيد محمد الدرَّة، بعد فترة وجيزة من استشهاد ابنها، وكان لها نُبل الألم وصمته، بينما لم يستطع المشاركون في تلك المناحَة الجامعية، أن يكفّوا عن النحيب حتى بعد إعلان اسم الفائزة باللقب، وهي نفسها لم تفد معها محاولات الآخرين بتهدئتها وإقناعها بأنه لا داعي بعد الآن لمزيد من العويل. فقد استمرّت تبكي ساعات "إضافيّة"، ربما من شدّة الفرح هذه المرّة، وانتهى الأمر بنقلها إلى المستشفى وتَاج البكاء على رأسها بعد ما أصيبت بنوبة هستيرية.

وفي خبر آخر، قرأت تصريحاً لإيطالي يقول فيه: "كم أبكي عندما أرى ما حلّ بجبن الستلين.. أصبحوا يعملونه الآن من حليب مُعقّم يقتل الميكروبات.. التي هي في الواقع سرّ طعم هذا الجبن!".
الإيطالي، الباكي، المتحسِّر على زمن الميكروبات، التي تعطي جبناً إيطالياً شهيراً بطعمه المتميّز، هو مؤسّس "حركة الطعام البطيء. وهو اسم يذكّرني بحركة تُدافع عن "الموت الرحيم". غير أنّ بكاءه لا علاقة له بالموت السريع أو البطيء الذي يهدّد العالم بسبب الحروب الجرثوميّة، مثلاً.. أو القنابل الانشطارية أو العنقودية. ذلك شأن آخر. فكلٌّ يبكي على "جبنته"، أو دفاعاً عن تاجه!
وأذكر أنني في إحدى زيارتي، وبعد محاضرة ألهبت فيها القاعة وأبكيتها، وأنا أطالب بمناسبة وجودي في بلاد على حدود إسرائيل، بحقي في الصلاة في الأقصى والموت على عتباته، مادام من حق الإسرائيلي الدخول سياحاً إلى بلادنا، اختلت بي سيدة محامية، ونصحتني بالتروي في هجومي على إسرائيل. فقد كانت قبل ذلك بأسابيع تزور برفقة وفد من النساء العربيات مدينة سياحية، عندما رأت لأول مرة سيّاحاً إسرائيليين يتجولون مبتهجين بين الآثار، فأجهشت بالبكاء· وإذا برجال الأمن يحضرون ويطالبونها بأوراقها الثبوتية ويسجّلون اسمها وعنوان عملها، فسألتهم غاضبة إن كان ثمّة من قانون يمنعها من البكاء في حضرة إسرائيلي يتجوّل في بلادها، فجاءها الجواب إنها ببكائها ذاك أساءت إلى ضيوف البلاد. أمّا التوضيحات الأخرى، فقد حضروا في الغد إلى مكتبها ليقدّموها لها على حِدَة.
أمّا وقد سُلب منا تاج البكاء، أخاف يوماً لن نستطيع فيه البكاء حتى من إهانة أعدائنا، إلاّ بذريعة النواح على جبن إيطالي، وعلينا بالمشاركة في مسابقة للبكاء ينظمها نادٍ ليلي!

ابو ميشال
22-05-2007, 09:40 AM
حزنٌ علّمني الصبر والتقوى


مُتأخِّـراً يأتي الحزن دائماً، الأحاسيس الكبيرة لا صوت لها، لا دمع لها، لكنها تملك كلَّ الوقت. لذا نحنُ نبكي دائماً في ما بعد.
كُنتُ أحتاج إلى أن أعود إلى بيروت لأكتب هذا المَقَال. ليس سهلاً أن ترثي فتىً في عُمر ابنك، فتىً هو ابنك، لأن لأهله قَرَابَـة بكلِّ عربيّ وكلِّ مسلم وكلِّ مُحتاج. تمنّيت لو أنّ ذلك الْمُصَاب الجَلَـل لم يحدث وأنا في زيارتهم، أو لو أنني لم أعرف بيت معالي الشيخ نهيان بن مبارك، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، معرفة الأهل، ككل مَن قصدهم مرّة، فَغَدوا ضيوفه.. وغَدَا هو ربّ المنزل.
يا لبيتهم.. لا باب له إلاّ باب القلب، لا جدران له إلاّ وتُسبّح بأسماء اللّه الحُسنى، لا سجاد فاخراً فيه، بل كلّ سجاده يُفاخر بعَدَد المصلّين عليه. لم أرَ بيتاً تَخَاله مسجداً، لفرط مصاحفه الموجودة في كلّ ركن، بكل حجم، على كلّ طاولة، على كلّ رف، والسُّبَح الموضوعة بلا حساب كلوازم أيّ مجلس نسائي، حيث لا مكان للنميمة. ولا لحديث غير ذِكر اللّه. الكلُّ يستمع إليك وهو يُتمتمُ بالتسابيح، حتى تظنّ كل شهورهم رمضان، وكل أيامهم ليلة القدر، فلا تدري فيم تُحدّثهم، فتذهب إلى الوضوء، لتكون أهلاً ولتحلّ ضيفاً.. {في بيوت أَذِن اللّه أن تُرفَع ويُذكَر فيها اسمه}.
زرتهم أوّل مرّة، ذات رمضان، يوم وفاة الشيخ زايــد (رحمه اللّه)، وكنت على سفر، فاستبقوني وأهدوني حقيبة فيها كلُّ لوازم الإقامة ولوازم العبادة، فاستحيت من اللّه ومنهم. ولم أخلَع تلك العباءة طوال شهر رمضان. ومازلتُ حتى اليوم، كلّما زرت الإمارات لا أضع في حقيبتي سواها.
في ذلك البيت الكريم، تعلّمتُ التقوى بمعناها الأصدَق، والتواضُع بصورته الأحقّ، والترفُّع عن غِوايَـات الدنيا، وأدركت معنى قوله تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا لا تُلهِكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكِر اللّه}. ذلك أنّ الذي امتلكناه بأرواحنا امتلكنَاهُ، وما امتلكناه بأيدينا امتَلَكَنَا.
في ذلك البيت الذي دخلته غريبة، فَغَدَت لي فيه أُمَّهات وخالات، اعتدتُ رائحتهنّ ودعاءهنّ وخوفهنّ عليَّ. وسؤالهنّ عني إن أطلتُ الغياب، وإصرارهنّ على صيامي وقيامي كلّ رمضان معهنّ، تعلّمت الدرس الذي يحتاج إليه الإنسان في هذه الدُّنيا: درس الصبر.
يا لصبرهم! المؤمنون الذين يتجمّلون بالحزن، ويكبرون عند الْمُصَاب حمداً للّه، تقصدهم للعزاء، فتمنع عينيك أن تدمَعَا حتى لا تصغر في حضْرَتِهِم. عيـبٌ أن تُزايد عليهم في البُكاء، هم المبتسمون عن حَيَاء وتَقْوَى لِمَا كَتَبَ اللّه لهم.
لكنك لا تملك إلاّ أن تبكي، عندما يُبادرك معالي الشيخ نهيان بالسلام، وهو يُغادر بيته ذلك الصباح، ليُرافق فَـلـذَة كبده وابنه البِكر إلى مثواه الأخير. تفقدُ صوتك، لا تعرفُ كيف تردُّ على قلبه الْمُـنْـهَـك، المفجوع، المطعون في أُبوّته، ويحضُرك قول اللّه تعالى: {سلامٌ عليكم بما صبرتُم فنعم عقبَى الدّار}. فتنسَى أنّك في داره، وتحسده على قصر أثّـثـه في الآخرة بصبره وتقواه وصَدَقَاتِه.
الأمير المتوّج بسموّ البساطة، لا يملك إلاّ الحمد على كلّ مُصاب، فيستحي منه الموت. ولحظتها يزيده اللّه تعالى وقاراً وبهاء، وهو يُواسي الآخرين، عن فتىً لايزال مَن رافقوه إلى الحجّ، يذكرون أنّه ما كان يجلس للطعام حتى يأكل الآخرون، وكثيراً ما نام في الممرِّ ليترك مكانه لغيره.
ســعيــد.. الشيخ بن الشيخ بن الشيخ، ورث الخُلق والتقوى أبَّــاً عن جدّ. ما قصده أحدٌ إلاّ وجده مُلبِّياً مُضحيّاً.
مساء ذلك الْمُصَاب الجَلَل، دخل البيت عائداً من سفر دراسي، فتركتُ مكاني لإخوته يتحلّقون حوله، لكنه أصرَّ على بقائي، وضيَّق (رحمه اللّه) من مجلسه ليترك لي مقعداً.
كانت الملائكة لحظتها تُوسِّع له مَكَانَاً في الجنّة بين الصابرين الطاهرين، لقد اصطفته ليُجالسها.. {وما يُلقَّاها إلاّ الذين صَبَروا ومَا يُلقَّاهَا إلاّ ذو حظ عظيم}.
مَـنْ مثلـه، يأتي دنيانـا زائـراً.. مُسلِّماً لا غيـر.

زهرة تاروس
29-05-2007, 02:23 PM
حقيقة لم أقرأ المقال كامل ..
ممم ، لكنه الان من ضمن المحفوظات في الكمبيوتر:cwm11:

لكن بين يدي رواية احلام (ذاكرة الجسد ) ، للمرة الثانية اقراها ..
حقيقة ، بدوي ان افرغ من قراءتها بسرعة ، لأعيد قرائتها مرة اخرى ..

رائعة كثيرا احلام ..



ممم
لنا عودة ان شاء الله ..
بعد الإمتحانات :ec:


سلمت اخي الكريم ..


اختكم
زهرة

ابو ميشال
31-05-2007, 12:35 PM
متعة الإقامة في مخدَع الكلمات


أنا بنت نيسان "شهر الكذب" وليس من عادة الأسماك أن تصدق، غير أن لي نُبل الاعتراف بذلك، حتى إنني سمَّيتُ إحدى مجموعاتي "أكاذيب سمكة". ولم أتردّد في تنبيه القارئ بين جملتين إلى احتمال أن يكون ما يقرأه في رواياتي منسوجاً من دانتيل الأكاذيب.
على الرغم من ذلك، كثيراً ما يرفض القارئ إمكانية أن يكون أمام نص مُخادِع. وينوب عن زوجي في محاسبتي، كما ناب الشعب الأميركي عن هيلاري في محاسبة بيل كلينتون.
أكبر حماقة تقترفها كاتبة، هي التبرؤ ممّا يُحيط كتاباتها من شُبهات. فليس واجبها أن تدافع عن عفّة الكتابة وبراءتها، ولا أن تبرر مزالق أبطالها ونزواتهم. فلا أحد غيرها يدري أن الرواية هي أيضاً فن إسناد أقوالك وأفعالك للآخرين.
الكتابة فعل إرباك واستدراج للقارئ إلى كمين لغة ملغومة بالاحتمالات، وبذلك البوح المشفّر الذي تختفي خلفه المرأة الكاتبة.
شخصياً لا أثق ببراءة القارئ. لذا لا أقوم بجهد البحث له عن لغة معصومة.. تشبُهه. وأشارك "بودلير" قوله مخاطباً هذا القارئ: "أيها القارئ المخادع، أخي.. يا شبيهي".
لماذا نحبُّ كاتباً بالذات؟ لا لأنه يُبهرنا بتفوّقه علينا، بل لأنه يُدهشنا بتشابهه معنا، لأنه يبوح لنا بخطاياه ومخاوفه وأسراره، التي ليست سوى أسرارنا. تلك التي لا نملك شجاعة الاعتراف بها، حتى لهذا الكاتب نفسه.
حدث أن جاءتني صحافية، وفي حوزتها روايتي "فوضى الحواس"، وقد وضعت سطوراً وإشارات وهوامش على كثير من جُملها، حتى بَدَا الكتاب طاعناً في العمر. وعَبَثاً حاولتُ أن أستعيره منها، لأعرف ما أحبَّته بالتحديد في كتابي. لكنها رفضت، واعترفت لي بأنها تخاف إن تصفَّحته أن أعرف الكثير عنها. فقلت لها متعجِّبة: "ولكنك تعرفين عني ما يكفي ليكون لي حقّ التجسس عليك أنا أيضاً!"، فاكتفت بالضحك، وأخفت الكتاب.
وحدث أن طلبتُ من نزار قباني يوماً، أن يطلعني على نسخة "ذاكرة الجسد" التي في حوزته، بعدما حكى لي مرة، أنه كلّما أطلع أصدقاءه على الرواية ليحثهم على قراءتها، كانوا يعجبون لعدد السطور التي وضعها تحت الجُمَل التي "كتبتها فيها".
لكنّه، رحمه اللّه، ضحك، ولم يستجب لطلبي. ومازلت أتمنّى أن تهديني ابنته هدباء تلك النسخة أو تسمح لي بالاطِّلاع عليها. أو تصويرها، عساني أعرف بعض ما أخفاه عني نزار قارئاً.
هذه الحادثة جعلتني أعتقد أنّ الكاتب نفسه عندما يتحوّل إلى قارئ، تنتابه أعراض الحَيَاء إيَّاها. ففي القراءة حميميّة لا تعادلها إلاّ حميميّة الكتابة.
لذا مثلاً، يزعجنا ونحن نطالع مجلة أو كتاباً في حافلة، أن يقف أحد خلفنا ويبدأ في مشاركتنا القراءة، لأنه لحظتها يكون منهمكاً في مطالعتنا.
ولأننا اعتدنا ألاّ نسأل الذين يقرأون لماذا يفعلون ذلك، بقدر سؤالنا الكتّاب، لماذا هم يكتبون. فبإمكاني أن أجيب مستندة إلى قول "رولان بارت": "الكتابة هي فن مزج الشهوات"، إنني أكتب لمتعة الإقامة في مخدع الكلمات، وأظنّ أنّ كثيراً من القارئات يشبهنني ويقرأنني، لأنهن يشاطرنني قدراً نسائياً لا يخلو من المراوغة الضرورية. ومن النفاق المتوارث، الذي يبدأ من التفاصيل المخادعة للحياة اليوميّة. وينتهي في مخدع "الشرعيّة". وفي كلّ مخدع نحن نحتاج إلى مكر الحواس، ومكيدة اللغة، لننجو من ورطة الواقع. فهكذا أنقذت جدتنا شهرزاد رأسها من الموت عندما راحت في مخدع الكلمات، تكيد لشهريار باللغة ليلة بعد أُخرى. منذ ذلك الحين، أصبح للذاكرة النسائية حيلٌ، إحداها الكتابة· وللرواية ذرائع.. إحداها تبييض الأكاذيب، كما يُبيِّض البعض الأموال غير المشروعة.
ومن هنا جاء قول كاتبة فرنسية "الروائي كذاب يقول أشياء حقيقيّة". وجاء قول غادة السمّان: "العمل الإبداعي كذب مركّب". لذا لمزيد من الكذب يحدث أن أكتب لكم بعض النصوص المخادعة، التي عليكم أن تنسوا أحياناً.. أنّها تبييض لأحلام غير شرعية.

ملاحظـــة : تم نشر هذه المقالة سابقاً تحت عنوان ( لمزيد من الكذب أكتب ) لكن السيدة احلام قامت بنشرها مرة ثانية في مجلة زهرة الخليج تحت هذا العنوان .

ابو ميشال
03-06-2007, 09:26 AM
الكارثة ما عادت تحتاج إلى مُنجِّم


"سيذكر أحفادنا بشعور من الخجل الْمُــرّ ذلك الزمن العجيب الذي كان الشرف البسيط فيه يُسمّى شجاعة".
(يوفتُشينكو)

**

لا أدري أين يكون ميشيل حايك، نجم التوقّعات اللبنانية وقارئ فنجان القدر اللبنانيّ الذي يُشكِّل ظاهرة يُؤمِن بها الكبير والصغير في لبنان. الرجل الذي يتحكَّم في مِزَاج الناس، في ذعرهم وتفاؤلهم، ومشروعاتهم، وحقائب سفرهم. علَّه حزم حقيبته إلى بلادٍ أُخرى، أثناء انشغال اللبنانيين بالجواب عن السؤال إيّـاه: "هل ينتظرون السيّاح الذين خسرهم لبنان الصيف الماضي بسبب الحرب؟ أم يحزمون حقائبهم ويتبعثرون في بلاد اللّه الواسعة، بحثاً عن أقدار أُخرى خارج الوطن"؟ فاللبناني يعيش جالساً على حقيبته.. دائماً على أهبة قدر.
سبق لميشيل حايك سنة 2006 أن بشّرنا بنفق مظلم شاهده بأُمِّ عينيه، ثمّ قرّر أن يصمُت ليوفّر علينا رعب "تنبؤاته".
لكن "التنبؤات" نشاهدها الآن على كلّ القنوات الإخبارية، ما عادت برنامجاً ننتظره ليلة رأس السنة، ولا هي مِلْك حصري على المنجِّمين.
الكارثة ما عادت تحتاج إلى مُنجِّم. كلُّ تاجر في لبنان، وكلّ سائق تاكسي، وكل شاب يعمل أو يُدرِّس في جامعة في لبنان يعرفها.
ابني أخبرني، وهو يُعدُّ امتحانات تخرّجه في إدارة الأعمال، أن الأساتذة جميعهم ينصحونهم بالشروع فوراً في البحث عن عمل خارج لبنان، لأنّ لا مستقبل لهم في هذا البلد.
كان يلزمنا أنا وزوجي عشر سنوات لاقتلاع الأولاد من فرنسا، وغرسهم في تربة عربيّة جديدة، إنقاذاً لهويتهم. لكن ما يكاد أحدهم يتخرّج حتى يأتي لوداعنا، تاركاً خلفه كلَّ الإغراءات التي نحاول استبقاءه فيها.
شعورهم بالذنب كبير تجاه أبيهم، لكنهم يُكفِّرون عنه بنجاح أكبر في لندن. وإذا بي أنا مَن يشعر بالذنب تجاه ثالثهم، الذي أحتجزه رهينة عندي، على الرغم من علمي أنه لم يُخلق للعيش هنا.
مؤخراً قرأتُ مقابلة مع ملحم بركات، يقول فيها على عنوان كبير: "حرام نتجوّز ونفقّس أولاد في لبنان". على الرغم من كونه مَن لَحَّـن قبل ذلك أغنية صباح "المجوَّز اللّه يزيدو ويبعتلُو إللي بيريدُو"!
كصاحبها، كانت المقابلة طريفة وشجاعة، تحدَّث فيها ملحم عن تدهور الأوضاع المادية، التي وصل إليها اللبنانيون هذه الأيام، وعرَّج على طفولته التي كانت بائسة بسبب الفقر. وهذا في حدّ ذاته ضرب من الشجاعة النادرة في لبنان، حيث لا عيب أكبر من الفقر، حتى غَـدَا هَمّ اللبناني، لا أن يعيش بل أن يبدو أثرى ممّا هو!
يروي ملحم بركات: "كنّا إذا اشتغل والدي نأكل، وإذا ما اشتغل ما في أكل. كانت والدتي تلفُّ لنا الساندويتشات، وتطلب إلينا أن نتناولها على الشرفة لكي يعتقد الجيران بأننا لسنا فقراء. وكانت تطلب إليَّ في حال كنت جائعاً جداً، أن أقف أمام المرآة لكي يبدو لي السندويتش سندويتشين".
ازداد حُبِّي لملحم بركات بعد هذا البَوح الإنسانيّ المؤثّر. وخشيت إن استمرّت هذه المحنة الاقتصادية، أن يأتي يوم يشتري فيه اللبنانيون بما بقي في جيوبهم من مال، مرايــــا، حتى يبدو لأولادهم وهم يقفون أمامها أنهم يأكلون سندويتشين لا واحداً. ومَن يدري، ربما أصبحوا أيام الأحد، يتناولون غداءهم على البَلكونَات حتى يُقنع أحدهم جاره والمارة، أنّه أثرى ممّا يعتقدون!

آخر الكلام:
قال ميشيل حايك مُبرِّراً صمته عن هول "ما رأى" من إشارات كارثية في فنجان لبنان: "مَن يعلم كثيراً يتكلّم قليلاً". غير أنّ الكارثة الحقيقيّة، أنّ مَن يتكلّم لا يعلم.. أمّا مَن يعلَم فيعلَم كم هو مُكلف في لبنان أن تعلَم. الحقيقة تحرق كلّ مَن يضع يده عليها. ولأنّ الشباب بطبعهم لا يُحبُّون المراوغَة، ولا يقبلون بغير الحقيقة حزباً وهم دائماً أوّل مَن يغادر".

ابو ميشال
14-06-2007, 01:00 PM
أَوَ كُلّما اشتهيتَ·· اشتريت؟

عـــاد الصيف، ومعه حمّى التبضُّع الصيفيّ، وموسم التنزيلات و"التشليحات"· وحدها الْمَحال الرجالية في لبنان تعاني كساد بضاعتها· التجار الذين جازفوا باستيراد ماركات أوروبية غالية، لا يدرون ماذا يفعلون بها، وقد قضت الأوضاع الأمنيّة لصيف آخر على تجارتهم، بينما يراهن باعة الثياب النسائية على هَـوَس النساء بالموضة، واستعدادهنّ للإنفاق بلا حساب، عندما يتعلّق الأمر بمظهرهن، أيّـاً كانت ظروفهن أو ظروف البلاد·

إحدى الفتيات صرّحت لصحيفة يوميّة: "إنّ المرأة اللبنانية حريصة على أن تكون أنيقة ومتميِّزة، وقد تجوع وتمتنع عن الأكل أسبوعاً كاملاً لتشتري فستاناً آخر الأسبوع"·

حسدتها، وتمنيت لو أنّ لي إمكانات أقل، وهَوَسَـاً أكبر بالموضة، حتى أعثر على مُبرِّر لتجويع نفسي، عساني أفقد بعض وزني بذريعة اقتناء فستان أحلامي· لكن، لأن الحياة غير عادلة، فأنا أفتقد شهيّة الشراء·· وهنّ يفتقدن الإمكانات· وعبثاً حاولَت بعض صديقاتي، عن محبَّة وغيرة على وجاهتي، إقناعي بأنّ "واجهتي" تستحق أناقة متميِّزة، وسخاءً أكثر·

صديقتي الجميلة تيريز، فائقة الأناقة والرشاقة، بحُكم مهنتها، والأدرى بجنوني، لأنني أهديتها دائماً كلَّ ما تمنيتُ أن أرتديه، قالت لي يوماً بحزن نسائي، وبذكاء جعل منها صديقتي المفضّلة: "أنــتِ تُهدينني ما هو غالٍ·· لأنكِ تملكين ما هو أغلى"· فحزنتُ لحدودِ سخائي العاطفيّ، وأدركتُ أنّ ما هو أغلى في الحياة لا نملك إمكانية اقتسامه·· ولا حقّ إهدائه، وحمدتُ اللّه في سرِّي لأنه وهبني ما لا يُشترى· ذلك "الشيء" الذي لا أحتاج إلى سواه لأحيا·· وأكتب!

بالنسبة إلى التبضُّع، القضيّة بالنسبة إليَّ، هي أولاً قضية وقت· الوقت هو أغلى ما أملك، ومَاعُدتُ جاهزة لأنفقه، تائهة صباح مساء مع قطعان النساء في المحال، بحثاً عن قطعة "لقطة"· اللقطة بالنسبة إليَّ الآن، هي صفحة جميلة قد أكتبها أثناء ذلك، صفحة قد تخلد في كتاب، بينما، حتى الثوب الأغلى محكوم عليه بالفناء·

أعترف، تنتابني أحياناً حمّى الشراء، غالباً لأسباب نفسيّة أو عاطفيّة· لكنني قلّما أفقد عقلي أمام بضاعة غالية الثمن·

قد أبدو حمقاء، وربما كنتُ كذلك، لكنني أستحي مِن شراء شيء أدري أنني أملك أحياناً أجمل منه، وقد لا أرتديه إلاّ نادراً، بينما في إمكان ثمنه أن يردّ الغبن عن شخص، وربما يُغيِّر حياته·

دون قصد أو قرار، أُثابر على رياضة نفسيّة تُقوّي مناعتي الخُلقية، وتحُول دون انهزامي أمام ما هو في متناول جيبي وليس في متناول ضميري· حتى غدت سعادتي في عودتي إلى البيت، ولم أشترِ شيئاً ممّا اشتهيته·

سابقاً، كنتُ أحبُّ قولاً لكاتب فرنسي: "أحتقرُ مَن يشتهي شيئاً· أعذرُ مَن يشتهي أحداً"، حتى قرأت قولاً لعمر بن الخطاب (رضي اللّه عنه)، فترك في قلبي أكبر أثر ببلاغته وحكمته، ومازلتُ منذ أسبوع أتأمّل في معانيه· وكان عمر بن الخطاب (رضي اللّه عنه) قد صادف رجلاً عائداً إلى بيته وفي يده لحم اشتراه، فقال له (رضي اللّه عنه) بعتاب المؤمن: "أوَ كُلّما اشتهيتَ اشتريت؟"·

في هذا العالم العربي الذي تُنفَق فيه مبالغ على الكماليات، تشهق لها الأرقام التي تتناقلها الشركات العالمية للمجوهرات، والعطور والساعات·· والنظارات الشمسية مثلاً، كم جميلٌ أن يذكر المرء، أياً كانت إمكاناته، هذا القول، حتى يُربِّي نفسه على القناعة، ويُعيد اكتشاف قيمة الأشياء· وعندها فقط تفوق سعادته بمقاومته الأشياء·· سعادته بامتلاكها·

ابو ميشال
18-06-2007, 09:02 AM
دموع التمثال

"على كلِّ شخص مات شجاعاً أن يتساءل عن جدوى هذه الميتة"•

(مات هنون)


كلّما أُغادر بيتي الجبليّ نزولاً نحو بيروت، يتربّص بي أسفل الجبل النصب التذكاري للشهيد جبران تويني، في مدخل الطريق الفرعي الذي سلكه هروباً من الموت، فكان الموت ينتظره عنده• هناك فجّروا سيارته، فتطايرت وانتهت بمن فيها أسفل وادي الجريمة•

ما استطعت يوماً تجاهل ذلك النصب• هو على شمالي عندما أنزل، وعلى يميني حين أصعد الجبل• ليس كبيراً كما هي تماثيل الطُّغاة عادة، ولا منتصب القامة، كما هي نصب المشاهير من سياسيين ومبدعين• هو قلم من حجر، رأسه منغرس في قاعدة حجرية، كما لو كان يواصل الكتابة، وخلفه كتاب حجريّ بأوراق كثيرة، كُتب على صفحته الأُولى قَسَم جبران الشهير: "نُقسم بالله العظيم أن نبقى موحدين/ مسلمين ومسيحيين/ إلى أبد الآبدين/"•

صورة جبران المنقوشة على اللوحة التذكارية تخلّد وسامته الأبدية، وذلك القلم الذي تكاد ريشته تنطق، ما استطاع نحّاته على الرغم من ذلك أن يجعله يجيب نايلة التويني وهي تسأل في الذكرى الأولى لوفاة أبيها: "جبران يا أبي•• ماذا تفعل في "الهناك"؟ هل تقرأ؟ هل تكتب؟ هل تشمّ رائحة الورق والحبر يومياً كما كنت تفعل هنا؟ هل تكتب عموداً أسبوعياً في جريدة السماء؟"•

لا وقت لجبران ليجيب• لكن، لنا كلّ الوقت لنلقي عليه السلام، كما لو كنّا نقرأ افتتاحية جديدة له•

كلّما أمرُّ بنصبه ذاك، أفكّر في الغالي الأستاذ غسان تويني، الذي لا مفرّ له من سلوك هذا الطريق كلّما قصد بيروت• أتراه يحزن أم يسعد كلّما مرّ من هنا، لأنّ الموت أخذ منه ابناً، ومنحه رمزاً؟ لم أجرؤ منذ تلك الفاجعة على الاتصال به، على الرغم من كونه جاري، وأنه حدث أن زرت بيته في ظروف أكثر بهجة• أفكر في صبره في مواجهة قدر بفواجع ذات وقع إغريقي•

ما اختار أن يكون بطلاً إغريقياً• المأساة اختارته• الرجل الذي لم يبكِ أمام البشر، أأجل بكاءه لهذا الحجر؟ ربما حاول الحجر مواساته، وإقناعه، بعد أن أودع التراب آخر أبنائه• إنّ من أنجب للوطن رمزاً لا تنتهي سلالته، لكن أبوّته المفجوعة ليست معنيّة بهذا الكلام• هي تدري أنّ الحياة أهم من التمثال•

ها نحن خسرنا رجالاً وكسبنا رموزاً• وفقدنا أعزاء، وربحنا صوراً مرفوعة على اللافتات الإشهارية• فلماذا وحدنا في هذا العالم نحتاج إلى هذه المقايضة لنبني وطناً، وإلى هذه التضحيات لنبدو وطنيين، وإلى هذه المآسي لإعمار أوطان تواطأنا مع هادميها، بينما يبني الآخرون أوطانهم في البهجة؟

تحتاج الأوطان إلى النصب لتتذكّر• لكنها لا تُعمَّرُ بالتماثيل والأضرحة، بل بالإرادة والعدالة والقوانين• القانون الذي يحميكَ ويساويكَ بأي مواطن آخر، يحمي حياتك ولقمة عيشك•• وبهجتك• كي تُعمِّر وطناً تحتاج إلى أن تكون مواطناً قبل أن تكون وطنيّاً• ما جدوى أن تنحدر من تمثال إن كانت قدماك غارقتين في برك الدم، ويداك مشغولتين بمسح دموعك؟

البارحة، بكَى التمثال• كانت بقايا شموع ذائبة فوق قاعدته، شموع وضعها اللبنانيون على أطرحة شهدائهم وعلى نصبهم لحظة إعلان قرار التصويت على إنشاء المحكمة الدولية•

البارحة، بكى سعدالدين الحريري كطفل، وبكى أمين الجميل بحرقة الأب وهو يستمع مباشرة للتصويت على القرار، ودمعت عينا بهيّة الحريري، وعادت نايلة تويني طفلة وهي تزف لأبيها خبر إقرار المحكمة الدولية•

البارحة، كلّ الذين تماسكوا أمام الموت، أبكتهم العدالة، وفكرة أن يعرفوا أخيراً مَن سرق منهم أحبّاءهم، آباءهم، وفلذات أكبادهم•• وأهداهم عوضاً عنها أضرحة ونصباً تذكارية•

البارحة بكيت•

ابو ميشال
24-06-2007, 11:35 AM
الوردة تنادي على قاطفها

يا اللّه.. كم أتمنى لو استطعت يوماً، ولو قبل موتي بيوم، أن أوثّق للتاريخ كلّ الكمائن التي نُصِبَت لي ووقعتُ فيها، أحياناً بملء إرادتي، وبرغبة في التغابي.

التغابي ترف ليس في متناول الجميع.. يلزمه استعداد مسبق للخسارة مقابل ابتسامة تهكُّم لا يراها غيرك.


لا تحزنني فخاخ المال. أختي كانت تردّد: "أحب أن أدفع لأعرف حقيقة مَن أُعاشر". البعض جاهز ليخسرك من أجل القليل. قيمته تساوي بالضبط ما أعتقد أنه أخذ منك. لذا، حتى الخسارة الماديّة، هي في حقيقتها فاجعة أخلاقية.


تحزنني فخاخ المحبَّة. فكم عرفت منها ولم أتعلّم. نحنُ دائماً ضعاف أمام المحبة في سخائها وبراءتها الأُولى. الفخاخ تأتي لاحقاً.


احــــذروا المحبَّة العجلَى.. إنها غالباً ما تُغادر باكراً. لا وقت لها لانتظار الموسم المقبل. هي تفضّل القطف السريع.


كنت سأنصحكم بأن تحجبوا ورودكم عن عابري السبيل، لولا أن العطر سيشي بكم. الوردة تنادي على قاطفها ليسرقها.




الأَسرَّة الخاليّة للراحلين باكراً



الموت أُنثى. لو لم يكن كذلك، لَمَا اختار أكثر الرجال وسامة وفتوّة وبهاء، وخطفهم من زوجاتهم وحبيباتهم وأمهاتهم بذريعة أنه يُفضّلهم شهداء.


يبثُّ التلفزيون اللبناني هذه الأيام صوراً لأولئك الجميلين الذين ذهبوا، يغطّيهم علم لبنان، وتزفُّهم الأناشيد والورود إلى التراب: رفيـق الحريري جبران تويني، سمير قصير وبيار الجميّـل، ورفاق الخاتمة الواحدة، وكلّ الجنود الوسيمين الجميلين الْمُقبلِين على الحياة، والمستريحين الآن في مجد أبديّ ما كانوا مهيّئين له.

يعودون كما في شريط إعلاني بعد أن كبرت سوق الموت. يطلّون علينا بين البرامج ووسطها، قبل أغنية وبعدها، ليروّجوا لبضاعة غالية الثمن تُدعى "الحقيقة".

نحاول أن نعتذر لهم بأكاليل الورد والدموع. في كلِّ إطلالة نستحضر مآثر راحلين لا نعرفهم، ولا يعرفون أننا نبكيهم.


نحاول أن نفهم، كيف حدث ذلك؟ ولماذا؟


أكانوا وهم يتكلّمون، ويبتسمون، ويتوعّدون، ويَعِدون، ويقسمون، ويتحدّون، لا يتحدّون في الواقع أُنوثة الموت، ولا يتحرّشون إلاّ بها، كأنهم يستدرجونها وينبهونها بما أُوتوا من غرور الرجولة.. إنهم هنا؟


صديقتي التي مالت سابقاً إلى وسامة جبران رحمه اللّه، التي تنحاز اليوم إلى بسالة الجيش اللبناني، من دون أن تنسى وسامته.. مقارنة بجيوش أُخرى، هاتفتني وهي ترى شهداءه الذين يسقطون كل يوم ضحايا كمائن عصابات الموت في مخيم نهر البارد. قالت بغصّة البكاء الصامت: "هل رأيت جيشاً أجمل من جيشنا؟ بربّك قولي.. أرأيت مثل هذا العنفوان؟". وقبل أن أوافقها الرأي، واصلت: "الأُنثى التي كَادَتْ لهم، أخذتهم من إناث الأرض لتستحوذ عليهم هناك. قولي لي ماذا تفعل بهم حيث هم؟ (يا ضيعانهم! ".(



أمّا وقد..

"أيتها الأرض!

إنّ جزيتك جدُّ ثقيلة

تفترسين الشبيبة

وتتركين الأَسرَّة خالية"

من أشعار نساء البشتون


في أفغانستان

ابو ميشال
24-07-2007, 09:39 AM
الشباك الفارغة للحقيقة

في القطار السريع الذي كان ينقلني من باريس إلى مدينة كان، تصفحت مجلة مجانيّة تقدُّمها شركة الخطوط الحديدية للنقل هدية إلى ركابها، تتصدّر غلافها مقابلة مع الكاتب الفرنسي مارك جوليفي. المقابلة صفقة إعلانية متبادلة، تعلن فيها المجلة عن آخر مؤلفات الكاتب، ويشهر فيها الكاتب حبّه للقطار السريع، الذي كتب فيه كثيراً من أعماله. حتى إنه عندما سُئل: »لو كان لأحد أبطالك القدرة على تحقيق إحدى أمنياتك، ماذا كنت ستطلب؟«. أجاب: »أن يكون هناك قطار سريع من طابقين، وأن يحمل أحد القطارات اسمي«. على غروره، يبدو لي هذا المطلب مشوقاً، فقد شاهدت طائرة تونسية تحمل اسم »أبو القاسم الشابي« على الرغم من كونه لم يستقل طائرة في حياته. وربما بعد زمن »عربة اسمها الرغبة« (عنوان ذلك الفيلم الشهير) سيأتي زمن قاطرات.. وطائرات اسمها الكتابة.

دوستويفسكي، الذي أجاب من جاء يسأله مرّة: »كيف أستطيع أن أصبح كاتباً يا سيدي؟«. قائلاً: »أن تستقل عربات الدرجة الثالثة في القطار«، كان سيحزن لو هو قرأ اليوم هذه المقابلة، واكتشف أن نصيحته ما عادت صالحة. فحتى قاطرات الدرجة الثالثة نفسها اختفت باختفاء ذلك الفقر المدقع الذي عرفته روسيا وأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. وأصبح في إمكان الكاتب أن يكون كبيراً وهو يستقل القطار السريع، ويجلس على كرسي أنيق ومريح ليكتب روايته مباشرة على الكمبيوتر.
طبعاً هذا الكاتب ليس أنا. فأنا مازلت لا أدري كيف سأتمكن من »تطبيع« علاقتي مع هذا الجهاز. ولا كيف أدخله أو أخرج من متاهته، إضافة إلى كوني مازلت على وفائي للباصات الشعبية، والحافلة الحمراء رقم 17 التي تعود بي من المتحف إلى برمّانا وسط الزحمة، من دون أن يتنبه أحد مسؤولي هذه الشركة لاستثمار اسمي في الإعلان عن باصاته، على الرغم من كون هذه الشركات تعرف عادة من أين تؤكل كتف الراكب. ومن قبلها كتف الوطن.

في محطة القطار في باريس، عبَرني حزن مباغت، تذكرتُ كاتباً روسياً آخر، صنع مجد الرواية، وانتهى قدره في محطة القطار. تخيّلت تولستوي العظيم، بلحيته الطويلة البيضاء، وجسده الذي أنهكه التأمل في مخادعات الحياة، يلفظ أنفاسه على الكرسي المجاور لي. فهكذا مات صاحب رائعة »الحرب والسلام« وهو يحتضر وسط صفير القطارات. وكان قد قصد المحطة منهَكاً ليموت فيها، بعد أن استدعى عشية موته، ابنه »سيرج« ليقول له بصوت منهك: »سيرج.. إنني أحب الحقيقة كثيراً.. أحب الحقيقة«. وكانت تلك كلماته الأخيرة.

ذلك أنه منذ الأزل والكُتّاب يطاردون الحقيقة، مشياً على الأقدام حيناً، وحيناً على ظهر حصان، قبل أن يركبوا السيارات والقطارات والطائرات والبواخر، بحثاً عنها. فالكاتب يسلّم خطاه للمصادفة، مدركاً تماماً، أن »الحقيقة عابرة سبيل لا شيء يستطيع أن يعترض سبيلها«، كما كان يقول إميل زولا.

تلك الحقيقة التي نبلغها غالباً في آخر المطاف، وقد تأخّر الوقت كثيراً. أيعثر الكاتب عليها وهو صاعد.. أو نازل سلّم الحياة، في قاطرات الدرجة الثالثة.. أم في قطار عصري سريع يحمل اسمه، ويجلس فيه في الدرجة الأولى؟

أتراني بلغت الحقيقة أم سرابها، وقد ركبت بعد هذا العمر الطويل معظم وسائل النقل الشعبية منها، والأُخرى التي ما كان حلمي بأن أركبها يوماً، من سيارات فارهة وطائرات خاصة وقصور عائمة دعتني إليها صديقة مولعة بالأدب برفقة كتّاب وأساتذة آخرين. مرّت سنوات على تلك الرحلة التي لم يتوقف فكري أثناءها عن مجادلة دوستويفسكي، الذي كان يعتقد أن وحده الاحتكاك بالبسطاء يغذّي الأدب، بينما أصبحت قناعتي أن لا شيء يضعنا أمام الأسئلة الوجودية الكبرى، كمقاربة عالم مناقض تماماً لعالمنا.

فالكاتب كما المفكر يحتاج، لسبر أغوار النفس البشرية، إلى الاصطدام بما يغذي تأملاته من متناقضات هذه الحياة.

أمام سيارات الفيراري المكشوفة، تذكرت فرنسواز ساغان التي كانت مولعة بقيادة السيارات السريعة، وهي حافية القدمين، ومن دون حزام أمان يقيها الصدمات، وتساءلت: هل الحقيقة توجد بالنسبة إلى الكاتب في المقاعد الآمنة؟ أم في سيارات لا سقف لضوابطها؟

وأمام البحر الذي كانت اليخوت تشقه بغطرسة، تذكرت همنغواي الذي كتب »العجوز والبحر«، واقفاً! وعندما حصلت روايته على جائزة نوبل، أهدى الجائزة إلى أصدقائه الصيادين، فقد كان يدري أن البحارة وحدهم يملكون الحقيقة، لأنهم يذهبون إلى البحر بزوارق متواضعة وشباك فارغة.

ابو ميشال
26-07-2007, 12:32 PM
اعزائي اتمنى ان اكون قد تركت أثراً طيباً عبر هذه الزاوية و غيرها
سأترك المنتدى و ذلك احتجاجاً على حذف موضوعي الذي حمل عنوان " يوم تعثر بك قدري .. فأقمتِ " و الذي تحدثت فيه عن كتب احلام مستغانمي
و هاجمني شباب و صبايا الموقع و اتهمونني بانني أسوق لروايات فيها مجون و دعارة و بأنني شخص لا اتقي الله و كل ذنبي انني اعشق احلام مستغانمي
و هنا اقول : غن كان عشق احلام جريمة ...فانا المجرم الاول في العالم
و ان كانت كتبها خطيئة ..... فنعم الخطايا هي .

تحياتي
و
وداعاً

محمد القريشي
28-07-2007, 03:05 PM
هل هناك طريق لكلام آخر .. ؟ غير هذا القرار ؟!

أرجو ذلك ..

جليلة
29-07-2007, 09:35 AM
عندما تعرفت عن هذا المنتدى كان عبرك يا ابو ميشال كنت انتظر دائما جديدك كانت انت البداية
واتمنى ان لا تكون النهاية
جمعتنااحلام وادعو ان لا تفرقنا

ابو ميشال
02-08-2007, 09:04 AM
مع عودة موضوعي المحذوف
أعود

ابو ميشال
02-08-2007, 09:05 AM
ما لم أقله لكم•• من فوق الشجرة

مازلتُ أقضي عطلتي من دون تلفزيون• فقد تعطّل، وقرّرت، رأفة بأعصابي، أن أستغني عنه• لكن، لا يكفي أن تقاطع الفضائيات العربية لتشفى من داء العروبة، وأخبارها التي لا يمكن أن تنقل إليك سوى ما يصيبك بالهمّ والغمّ والإحباط• هذا إذا لم يلحقك من جرّائها مرض عُضال، فتنتهي حسب قول المرحوم أبو عمّار "شهيداً شهيداً شهيداً"، في حروب لم تخصها إلاّ "مشاهداً مشاهداً مشاهداً" لنشرات الأخبار•

مات نزار قباني وفي نفسه شيء من ذلك السؤال:

"أنا يا صديقي متعَب بعروبتي
فهل العروبة لعنة وعقاب؟"

لأن السؤال مازال قائماً، والجواب عنه في متناول حتى أطفالنا، في إمكانكم المشاركة في أي برنامج للفوازير العربية، وستربحون المليون حتماً•• أو ما يعادل وزن الصحف العربية من ذهب•

ذلك أن الصحف، أيضاً، أصبحت مصدر بلاء ووباء• فمنذ الصفحة الأولى، تُشهر في وجهك كل الكوارث والمصائب والمجازر العربية، بشيء من السعادة المستترة، لصحيفة عثرت على ما يكفي من الدم، لتلوين صفحتها الأولى•

لذا، بسبب تناقُص مناعتي في التعاطي مع أخبارنا الكوارثية، قررت أن أضيف إلى برنامج علاجي مقاطعة الصحف العربية•

صدّقوني، لن تخسروا شيئاً إن أنتم أقلعتم عن مشاهدة الفضائيات، أو مطالعة الصحف• ثمة ثلاثمئة مليون صيني لا يملكون جهاز راديو، ولم يمنعهم هذا من الحياة ولا من السعادة• فهم يعتمدون على 82 مليون مكبِّر صوت لإيقاظهم بالموسيقى والإعلانات ونشرة أخبار موجزة•

أمّا النعمة الحقيقية، فتتمتع بها بلدة أفغانية لم تعرف حتى اليوم التلفزيون ولا الصحف، ولا حتى مكبّر الصوت• كل وسائل إعلامها السمعية والبصرية، تُقتصر في قرن ثور يمتلكه قاضي البلدة، الذي يعمل "مذيعاً" أيضاً• وهو يستعمل بوقه هذا للتشهير بالمجرمين، وإذاعة الأحكام التي اتُّخذت في حقهم، ولا يحتاج سكان البلدة إلى معرفة أكثر من هذا عن العالم• فمنذ أن أصبح العالم "قرية كونية"، صار ترف القرية، أن تغدو عالماً في حدّ ذاته في غنى عن الكون!

الذي يتعذّر عليه اللجوء إلى أهل الكهوف في أفغانستان، هرباً من التلوث السياسي والإعلامي، الذي نعانيه بسبب فائض الفضائيات العربية، في إمكانه أن يغزو كهفاً ويعلنه منطقة محررة ومنبراً إعلامياً حراً، كذلك الجزائري الذي عاش قبل ثلاث سنوات لعدّة أشهر في مغارة مهجورة "احتجاجاً على فشل الحكومة في التكفُّل بانشغالات المواطنين"، متعمداً أن يبقى معتكفاً في كهفه إلى حين رفع المظالم عن الناس أو تغيير الحكومة• وكان جزائري آخر قد سبقه بنحو عام إلى ابتداع وسيلة إعلامية جديدة، جاعلاً من النخيل "منبر من لا منبر له"•• فقد صعد الرجل إلى أطول نخلة في مدينة بسكرة جنوب البلاد، ومكث هناك أسابيع عدة، "احتجاجاً على الشر المنتشر في الأرض"، غير معنيٍّ بالصعوبة التي وجدها الصحافيون والتلفزيون في التحاور معه، نظراً لوجوده "فوق النخل•• فوف"!

كيف فاتنا أن نفكر في الأشجار كمنابر احتجاج واعتصام؟ خاصة أن الدفاع عن البيئة يجعل تسلق شجرة لإعلان رأي من علوّها، أكثر تحضّراً من قطعها لصُنع أوراق نكتب عليها خُطبنا ومقالاتنا، التي قد لا يقرأُها أحد•

ثمّ•• حدث أن فكّرت في الأشجار كملاذٍ للكتابة، خاصة أنني شاهدت مايكل جاكسون في أحد التحقيقات يتسلّق شجرة كبيرة في بيته، سمّاها "شجرة الزمن"، قال إنه كتب أجمل أغانيه وهو "معربش" فوقها، غير أنني عدلت عن المشروع لكوني لا أنحدر مباشرة من القرد، وليست لي قرابة بطرزان• وأثناء ترددي في اتخاذ قرار، كان الأسمنت يغتال الأشجار في جبل "برمّانا" ملتهماً غابات "لبنان الأخضر"•

أعذروني إذن• لي كلام كثير تمنيت أن أقوله لكم من علوِّ شجرة، لولا أنهم يغتالون أيضاً الأشجار في لبنان•
في كل حرب، أثناء تصفية حساب بين البشر، يموت جيل من الأشجار في معارك يتجاوز منطقها فهم الغابات•

في استطاعتنا أن نبكي• حتى الأشجار ما عاد في إمكانها أن تموت واقفة، فكيف لها أن تكون منبراً لنا؟

ابو ميشال
02-08-2007, 09:06 AM
"مواسم لا علاقة لها بالفصول" :

هنالك مواسم للبكاء الذي لادموع له
هنالك مواسم للكلام الذي لا صوت له
هنالك مواسم للحزن الذي لا مبرر له
هنالك مواسم للمفكرات الفارغة
والأيام المتشابهة البيضاء
هنالك أسابيع للترقب وليالٍ للأرق
وساعات طويلة للضجر
هنالك مواسم للحماقات..
وأخرى للندم
ومواسم للعشق..
وأخرى للألم
هنالك مواسم.. لا علاقة لها بالفصول
***
هنالك مواسم للرسائل التي لن تكتب
للهاتف الذي لن يدق
للاعترافات التي لن تقال
للعمر الذي لابد أن ننفقه في لحظة رهان
هنالك رهان نلعب فيه قلبنا على طاولة قمار
هنالك لاعبون رائعون يمارسون الخسارة بتفوق
***
هنالك بدايات سنة أشبه بالنهايات
هنالك نهايات أسبوع أطول من كل الأسابيع
هنالك صباحات رمادية لأيام لا علاقة لها بالخريف
هنالك عواصف عشقية لا تترك لنا من جوار
وذاكرة مفروشة لا تصلح للإيجار
***
هنالك قطارات ستسافر من دوننا
وطائرات لن نأخذنا أبعد من أنفسنا
هنالك في أعماقنا ركن لا يتوقف فيه المطر
هنالك أمطار لا تسقي سوى الدفاتر
هنالك قصائد لن يوقعها الشعراء
هنالك ملهمون يوقعون حياة شاعر
هنالك كتابات أروع من كتابها
هنالك قصص حب أجمل من أصحابها
هنالك عشاق أخطأوا طريقهم للحب
هنالك حب أخطأ في اختيار عشاقه
***
هنالك زمن لم يخلق للعشق
هنالك عشاق لم يخلقوا لهذا الزمن
هنالك حب خلق للبقاء
هنالك حب لا يبقي على شيء
هنالك حب في شراسة الكراهية
هنالك كراهية لا يضاهيها حب
هنالك نسيان أكثر حضوراً من الذاكرة
هنالك كذب أصدق من الصدق
***
هنالك أنا
وهنالك أنت
هنالك مواعيد وهمية أكثر متعة من كل المواعيد
هنالك مشاريع حب أجمل من قصة حب
هنالك فراق أشهى من ألف لقاء
هنالك خلافات أجمل من ألف صلح
هنالك لحظات تمر عمراً
هنالك عمر يختصر في لحظة
هنالك أنا
وهنالك أنت
هنالك دائماً مستحيل ما يولد مع كل حب ..

ابو ميشال
05-08-2007, 10:44 AM
زوجوني•• لكن لم يُسكتوني

ربما كنتُ من القلائل الذين تحتفل فرنسا جميعها بذكرى زواجهم، وتَعتبر ذلك التاريخ عيداً رسمياً مدفوع الأجر، ومناسبة تُنظَّم فيها العروض العسكرية، والحفلات الشعبية، ويرقص فيها الفرنسيون حتى ساعة متأخرة من الليل في الساحات•

ولأن ذلك التاريخ يُصادف كلَّ عام وجودي في جنوب فرنسا، فأنا محكوم عليَّ بالفرح، كما حُكم على ماري أنطوانيت في التاريخ نفسه، بالشنق• ولا أذكر أنني نجوت مرة من هيصة المناسبة، ولا من تسابق الفنادق والشواطئ•• والبلديات على إطلاق أسهمها النارية•• لمشاركتي بهجتي، في ذكرى نكبتي•

ذلك أنّ المصادفة أبَت أن تمنحني متعة النسيان، التي هي حق لكلّ إنسان• فقد تزوجت في باريس ذات 13 يوليو• المساء السابق لعيد الثورة الفرنسية•

وهكــذا، كنت أسقط في فخّ الزواج، ليلة سقوط الباستيل• وبينما كان السجناء يغادرون السجن القلعة في ليلة كهذه من سنة 1789، كنتُ أنا بملء إرادتي، وبكامل قواي العقلية، أجيب عن سؤال رئيس بلدية الحيّ السادس عشر في باريس: "هل تقبلين هذا "المخلوق" زوجاً؟" بـ"نعم"، وأدخل معتقل المؤسّسة الزوجيّة، وأشرع فوراً في تفريخ الأولاد وفتح ورشة الأمومة وأنا في مقتبل العمر الجميل• كلّ هذا أثناء مواصلتي العمل على إعداد أُطروحتي الجامعية، حى لا أُطرد من فرنسا، التي دخلتها بذريعة الدراسة• فالقانون الفرنسي، لا يسمح بتجديد بطاقة إقامتي، إلاّ إذا كانت مشفوعة ببطاقتي الجامعيّة، وبما يُثبتُ جدّية عملي•

وأمام المأزق القانوني، ما وجدت لي مَخرجاً، على الرغم من كسلي، إلاّ الانكباب على نصف قرن من الأدب الجزائري، وما يعادله من كتب في علم الاجتماع• وهكذا غدوتُ، بعد 4 سنوات، خرِّيجة السوربون•• لأسباب بوليسية!

وعودة إلى الثورة الفرنسية، فقد كانت ثورتي تتمثل في الزواج "خطيفة"، وإقناع أبي بأن أرفع التحدّي في وجه عميد كلية الآداب آنذاك، الذي تحت ضغط بعض الأساتذة (الأدباء••) رفض السماح لي بمواصلة دراساتي العليا في الجزائر، خشية أن أنقل عدوى أفكاري إلى الطلبة!

حصاري أعاد أبي مناضلاً من جديد• وقف معي ضد الجميع، وضد نفسه أيضاً، وقَبِل فكرة أن أتحداهم بالسفر إلى باريس، التي لصغر سني لم أكن قد زرتها من قبل، قصد مواصلة دراستي، مادام ذلك في السّوربون، وتحت إشراف البروفيسور جاك بيرك، شيخ المستشرقين وأكبرهم•

لم أتوقع، وأنا أُوافق على أحلامه، أن تُسهِّل لي الحياة تلك المعجزات، التي أُولاها قبول جاك بيرك بي طالبة، وأنا في الثانية والعشرين من عمري، بعد أن اطّلع على مؤلّفيّ الصغيرين "على مرفأ الأيام" و"الكتابة في لحظة عُري"• وهكذا راح أبي يزوّدني بالأوراق الضرورية للجامعة، من دون أن يدري أنها الأوراق التي كانت تلزمني في فرنسا•• لعقد الزواج!

وحتى لا أُخيِّب ظنّ أبي مرتين، أنجزت من أجله وحده عملاً يبدو لي الآن خرافياً، حتى إنني أذكر، أنه عندما أعلنت اللجنة بعد المناقشة، منحي الدكتوراه بدرجة جيد جداً، أجهشتُ بالبكاء• ومازلت أجهل، إن كنت حصلت على تلك الدرجة عن جدارة، مكافأة عن ستمئة صفحة وضعتها أمامهم، سرقت مني ليالي وأياماً لا عدّ لها، أم بسبب بطني المنتفخ أمامي، في شهره السابع•
سارعتُ بعدها إلى الهاتف أزفّ الخبر إلى أبي• فوحدها فرحته كانت تعنيني، ومن أجله قررت أيضاً ألا أستعمل لقب "الدكتورة" كي أُشعره بأنني حصلت عليه هديّة له•• لا هديّة لنفسي•
مناسبة هذا الكلام، غداءٌ أقامه على شرفي في الجزائر، الصديق عبدالقادر بن صالح، رئيس المجلس الوطنيّ الشعبيّ (مجلس النواب)• فقد ذكّرني بأنه مَن جمعني لأوّل مرّة بزوجي في الجزائر سنة 1975، غير متوقِّع نتائج فعلته•

ولأنّه كان آنذاك رئيس تحرير جريدة "الشعب"، فقد ذكّرني أيضاً بأنّ مقالاتي كانت تزيد من مبيعات الجريدة كل أربعاء، لكنها تُسبّب له متاعب• إذ ابتداءً من العاشرة صباحاً كانت الهواتف تأتيه مطالِبة بإسكاتي•

استنتجت مازحة، أنه عندما لم يستطع إسكاتي، قام بن صالح بتزويجي، عسى غيره يتكفّل بذلك•

كان رهاناً خاطئاً•• فقد تزوّجت في توقيت أُم الثورات•• الثورة الفرنسية!

ابو ميشال
12-08-2007, 08:48 AM
أيها الأثرياء.. أحرقوا بيتي.. رجاء!


لا أذكر أنني زرت مع الأولاد كثيراً من المطاعم· فبالنسبة إليهم كان العالم قرية واحدة بمطبخ واحد، يقدّم الهمبرغر· ولهذا، ما نكاد نغادر البيت متوجهين إلى مطعم، حتى ينجحوا في تحويل مسارنا واصطحابنا إلى عمّهم "ماكدونالد"، فيعودون فرحين وأعود حزينة· ثم راجعت موقفي، وأنا أرى وليّ عهد أوروبياً يدشّن سلسلة مطاعم للوجبات السريعة، ويجلس على طاولة صغيرة ليلتهم شريحة همبرغر، وحوله القوم يهرولون بعلب البطاطا المقليّة والمشروبات الغازية· اكتشفت أنّ الأولاد كانوا يأكلون أكلاً مُلوكيّاً من دون علمهم، فقررت أن أتركهم يذهبون إلى العولمة زاحفين على بطونهم·

بعدها، قرأت عن مطعم يقع في الريفييرا الفرنسية، بالتحديد في موناكو، يدعى "القراصنة" "Les Pirates"، أظنه الوحيد القادر على هزيمة ماكدونالد لدى أولادي· فهو مطعم مجنون، لا يدخله أحد حتى تنتابه رغبة في التكسير والتدمير· فالقاعدة تقول إنّ على الزبون أن يكسر ما يحب، والمطعم الفريد من نوعه في العالم، يُباهي بالكؤوس والصحون والكراسي والطاولات التي يتم تحطيمها وتكسيرها كلّ مساء·

الأمر الوحيد الذي جعلني أتردّد في اصطحاب الأولاد إلى ذلك المطعم، هو فاتورة "وجبة التكسير" التي تكسر ظهر أيّ عائلة عادية، وتبطح ميزانيتها لأشهر، والتي تبدأ بمبلغ 3000 دولار لطاولة من ستة أشخاص!

هذا المبلغ الرادع لأمثالي، يعادل عند روّاد هذا المطعم من أثرياء العالم، ما يساويه بالنسبة إليَّ صحن بطاطا عند ماكدونالد· ولأن الأثرياء لا يذهبون إلى المطاعم مثلنا ليأكلوا، بل ليجوعوا، ماداموا يرتادون مطاعم كلّما قلّ فيها الأكل زاد سعره، وكلّما كبرت فيها صحون البورسلين الفاخرة قلّ محتواها، فقد أصبحوا يرتادون هذا المطعم لغاية "أنبل" من الأكل، الذي هو حاجة من حاجات بُسطاء القوم، وعامة الناس من أمثالنا·

وهكذا، أنفق أمير موناكو ثلاثين ألف دولار خلال حفل أقامه في المطعم إيّاه لأصدقائه، الذين ردّوا على كرمه بما يضاهيه دماراً، فقاموا في نهاية العشاء بإشعال النار في طاولات المطعم وكراسيه· وبما أنّه "لا يجهلن أحد علينا·· فنجهل فوق جهل الجاهلينا"، فقد أبَى أحد أثريائنا إلاّ أن يحطّم الأرقام القياسية في التكسير والتدمير التي سجّلها روّاد المطعم وزبائنه من قبله، وخاض "أم المعارك" خلال حفل كبير، حرق خلاله كلّ قطعة خشبيّة، ودفع تكاليف بطولاته خمسين ألف دولار، لأنه حطّم نوافذ المطعم أيضاً، وحوّله خلال وجبة العشاء إلى ساحة لداحس والغبراء·

وحدث أن فكرت في التضحية ببعض المال، كي أهدي أولادي، وهم ثلاثة صبيان، نصف طاولة بثلاثة كراسي، يسعدون بتكسيرها هي والصحون مقابل 1500 دولار، عساهم ينفقون في حفل التكسير بعض طاقتهم التدميرية الجزائرية - اللبنانية، فيرتاحون ويريحونني لأيام، عندما خطرت في ذهني فكرة عرض بيتي للتكسير والتدمير، لمن يشاء من الأثرياء، خاصة أن معظم أثاثه أصبح يحتاج إلى تغيير· فهو يعود إلى أكثر من 15 سنة، يوم اشترينا هذه الشقة أيام الخير، وقد تعرّض الفرش منذ ذلك الزمن لكثير من غارات الأولاد، وكذلك أثاث السطح الذي تركت زوابع وأعاصير فرنسا آثارها عليه، فكسرت أحواض الأشجار، وهشّمت الطاولات، ولوَت أرجل الكراسي·

مازالت الفكرة تُراودني كل صيف، بأن أُقدِّم عرضاً إلى كلّ مَن يعنيه الأمر من الإخوة الأثرياء العرب الذين يصطافون في "كان"، والذين في لحظة إحباط أو ضجر قد تنتابهم رغبة، مبرّرة، للتكسير، أن يتفضلوا إلى بيتي ويكسروا، مشكورين، أثاثي بدل أثاث ذلك المطعم، فتستفيد من فحش سخائهم على الأقل عائلة عربيّة، بدل أن يستفيد منهم كالعادة·· الغرباء، خاصة أنني موجودة مصادفة في بناية ملاصقة للكازينو ولأحد أغلى مطاعم الريفييرا· لـــذا، أُؤكِّد على الإخوة الذين قد يخسرون، لا قدّر اللّه، مبالغ كبيرة في الكازينو المجاور، ألا يتردّدوا في إيقاظي أنا والأولاد في أي ساعة من الليل، والمباشرة في حرق أثاث البيت·

أقترح أيضاً، تنظيم "صبحيّة تكسير" للسيدات الضجرات، والزوجات المخدوعات· في إمكاني، أيضاً، تنظيم حفلات أعياد ميلاد لأولادهن، يكسرون فيها كل شيء في البيت، بعدما قضى أولادي، هم ورفاقهم، سنوات في تكسير كل شيء من دون مقابل·

ملاحظة أخيرة: يمكن للمصطافين العرب أن يستدلّوا على بيتي من أغنية عراقيّة، طبعاً، سأشرع في بثها على مدار النهار: "اغضب·· كسّر·· حطّم·· دمّر·· العب على أعصابي"!

ابو ميشال
22-08-2007, 08:29 AM
أنا ونزار وكاظم الساهر.. وأُمّي!

العزيــز ربيـــع هنيـدي، زميلي دائب النشاط كنحلة، صاحب الأفكار الجديدة، والأخبار المثيرة في عالم الفن، فاته رصد ذلك الحدث الذي كان ينوي توثيقه بالصوت والصورة، كما يوم جَمَعَني قبل سنوات لأوّل مرّة مع الفقيد مصطفى العقّاد، والفنان القدير دريـد لحــام•

لم يحضر ربيــع هنيدي إذن، لقائي الأول في الجزائر مع كاظم الساهر• ففي آخر زيارة لي للإمارات، ألحّ هنيدي لتأجيل عودتي يوماً واحداً كي يتسنّى له جمعي مع كاظم الساهر في دبي• لكن الغائب الأكبر، كان حتماً نزار• كانت أمنيته، قبل دخوله في تلك الغيبوبة، أن يجمعني بكاظم• ما توقعت حين عرض عليَّ آنذاك الحضور إلى لندن للقائه، أنّ الموعد سيتأخّر بعدها•• عشر سنوات!

أذكُر أنه قال لي وقتها: "هذا شاب نقيّ وموهوب•• من وقت عبدالحليم ما طلع حَدَا بهالموهبة وهالأخلاق!"

كان واضحاً أنّ نزار وجد له في كاظم الساهر ما يحتاج إليه من عنفوان، ليُواصل اكتساح القلوب والآذان، واجتياح العالم العربي، حيث حَدَث لقصائده أن صُودِرَت وهي في طريقها إلى الناس•

كانت الغنيمة متبادلة؛ فقد أعطى نزار بدوره لكاظم مجداً وشهرة ما كان ليبلغها لولاه• يُذكّرني الأمر بدعَابَة نزار حين كان يقول لي أحياناً ممازحاً، ومُلمّحاً إلى الكلمة التي كتبها على غلاف "ذاكرة الجسد": "الفرق بينك وبين الأُخريات•• كَوْنكِ المرأة التي قَذَفَت بي إلى المجد!"• وكان يعني طبعاً، أنّـهُ أهداني المجد! فقد كان نزار يعي تماماً أنّ قصيدة (أو شهادة) منه قادرة على تغيير قدر مَن يهبه إيّاها• لذا كان ظنينا في شهاداته كما في "هداياه"، غيوراً على اسمه، لأنه يتماهَى مع كلّ مَن يشاركه إيّاه في أغنية، أو قصيدة• وأعتقد أنّه لو استطاع لَمَا تَرَك لغيره مجد غناء قصائده، خاصة أنّ أشعاره، حسب ما قال لي، كانت تُولَد "مُـلَحّـنَـة"، حتى إنّه كان ينقلها على الدفتر وهو يُدندنها•

لكنه قبل بأُم كلثوم وفيروز وعبدالحليم ونجاة الصغيرة حَنَاجر لصوته، لأنّ في أسمائهم، وفي أدائهم قِيمَةً مُضافَةً إلى اسمه•

يوم حدّثني عنه في التسعينات، كنّا في زَمَن الصُّعود الصّاروخي الأوّل لكاظم، بتلك الأغاني العاطفيّة الراقية التي افتقدناها بفقدان عبدالحليم، مذ روائعه "قارئة الفنجان" و"يا مالِكَاً قلبي" (اللّه ما أجملها!) و"ضيّ القناديل" و"فاتت جنبنا أنا وهو"، لم يهزّنا مُغنٍّ كما فعل كاظم الساهر• الوصفة السحرية لذلك النجاح الخُرافـي، كانت قائمة على خلطة نادرة: روائع نزار، وصوت كاظم المشحونْ بالشَّجَنْ العراقي، وذلك اللّحن الذي يستند تارة إلى الحزن وأُخرى إلى البهجة، ويهزّك في الحالتين•

في الجزائر، التي قصدتها لزيارة عائليّة، طلبني الصديق الأخضر بن تركي، مدير الديوان الوطنيّ للثقافة والفنون، ليقول لي إنّ كاظم في "جميلة" ضيفاً على مهرجانها، وإنه سيطلبني حين يكونان مَعَاً، لأنه يودّ أن يُسلِّم عليّ•

لم أتحمّس للمشروع• الهاتف في هذه الحالات، يغتال كثيراً من الأحاسيس الجميلة، ثم تأخّر الوقت كثيراً، ونزار ما عاد هنا ليسعد• وحدها أمي كانت جالسة إلى جواري في المقعد في الصف الأوّل لحضور حفل كاظم• وحين فَاجَأتني مُقدِّمة الحفل بتحيتي على "الميكروفون"، وكذلك فعل كاظم الساهر قبل الشروع في الغناء، انتقلت إلينا الأضواء، ولازمتنا بين الحين والآخر، ما جعل هاجس أُمي يتحوّل إلى ثيابي التي على جَمَالها لم ترق لها!

بعد الحفل، قادوني إلى قاعة الضيوف لأُحيي كاظم• وجدتني لارتباكي أُصافحه، بينما راح هو يُقبِّل أُمِّي! تذكّرت ما قاله لي نزار، ذات مرّة: "قبّلي أُمّك عنّي، إذا كانت أُمّك فهي أيضاً أُمّي"• قلت بالمنطق نفسه، لقد غَدَت أُمّي أُمّ كاظم أيضاً• وعندها أشفقت عليه، فهي حتماً ستقول له بعد كلِّ حفل: "لماذا ترتدي دائماً بدلة أصغر مِن قياسك؟ أَمَا رأيت بدلات الذين معك في الفرقة؟ بهدلتَنَا قدَّام الناس•• راح يحسبونك ما عندكش فلوس•• شوف راغب علامة واش لابس!"•

ابو ميشال
28-10-2007, 10:53 AM
مرافعة ضدّ النوم

العنوان ليس لي· إنه عنوان ديوان جميل للشاعر الليبي فرح أبو شينة، تذكرني به معركتي الليلية، ضد هذا المجرم الذي على يده حبر نصوص مغتالة كنتُ سأكتبها، وأحاسيس جميلة كنت سأُوثّقها في أعمال أدبيّة كان يمكن أن يُكتب لها الخلود ربما، لولا أنه يكيد لي كلّ ليلة، ويغريني بالاستسلام للنعاس، محبِّباً لي الأحلام والكسل اللذيذ·

كثيراً ما خسرتُ قضيّتي ضدّ النوم· وكيف لي أن أربحها وأنا أخوض معركتي ضدّه في عُقر داره، لكوني لا أكتب إلاّ ليلاً·· وفي السرير؟ ثم، كيف لمحامٍ يُرافع ضدّ النعاس وهو في ثياب النوم·· أن يهزم خصمه؟

أذهب إلى الكتابة مدججة بما أُوتيتُ من أسلحة مضادة للنعاس: الشوكولا، وإضاءة "ألوجين" قويّة، عساها تُبقيني مستيقظة· أحاول أن أطيل ذلك "الأرق اللذيذ" ما استطعت، وينتهي بي الأمر غالباً إلى النوم محاطة بالأوراق وأقلام التلوين المدرسيّة السيالة، التي أكتب بها دائماً وأنساها غالباً مفتوحة، فأستيقظ وعلى شراشفي بُقع خضراء أو حمراء أو - كما الآن - زرقاء· زوجي يُمازحني أحياناً حين يفاجئني منهمكة في تغيير الشراشف· يصيح بي: "إوعي تغسليها· بكرة هايدي الشراشف بتسوَى أغلى من المخطوط· ر ح يطلع شي مجنون يشتري كل شي عليه حبر في هالبيت· خَلِّي رزقة للأولاد·· كل واحد خلّيلو شرشف رواية·· إن شاء اللّه ما تكوني غسلتِ شراشف "ذاكرة الجسد" و"عابر سرير"·· وخربتي بيتنا"·

أضحك وأذهب بالشراشف إلى غرفة الغسيل، كي أنقع البقع في الحليب، حتى يزول الحبر منها تماماً· نصيحة أنجدتني بها صديقة، عندما رأت آثار حبر على كنبة الشرفة·

فأنا حين أجلس للقراءة·· يحدث أيضاً أن أنسى قلماً مفتوحاً إلى جانبي أو على حِجري·

ولكوني، ككل الجزائريين، متعلّقة بالحليب تعلُّقاً مَرضيّاً (ربما بسبب ما نعاني منه في الجزائر من نقص عاطفي· فنحن شعبٌ لم يبلغ بعدُ سنّ الفطام)، فقد تضاعف استهلاكي للحليب منذ تلك النصيحة· إذ أصبحتُ أشرب نصف علبة الحليب قبل الشروع في الكتابة، وأحتفظ بنصفها الآخر لنقع آثار بقع الحبر، التي علقت بشراشفي وثيابي بعد الكتابة!

الحليب الذي كان يلزمني، كما لو كان سيجارة أو قهوة·· أصبح بالنسبة إليَّ أنا، التي لا أدخن ولا أتعاطى مشروباً سواه، ضرورة يومية لتوازني لحظة الكتابة· حتى إنني، كلّما راودتني فكرة مهمة لرواية أو نَصٍّ، هُرِعتُ إلى المطبخ أعدُّ كوب حليب ساخن مع "نسكافيه"· أما الآن، فقد غدا ضرورة إبداعية، ومنزلية أيضاً·

عندما أذهب لأفرغ الوعاء الصغير الذي نقعت فيه بُقع الشرشف، يستوقفني منظر الحليب الذي لوّنه الحبر بلونه، وأرى في تلك الألوان ما سرقه النوم مني من نصوص، يا له من حبر مهدور! إنه حبر أخطأ طريقه· كان يمكن أن يأخذ مجرى التاريخ، لكنه أخذ طريق المجاري·

مساءً، وأنا في سريري للكتابة، تبدأ مرافعتي ضدّ النوم، بما كتبه ماركيز في وصيَّته: "لو نسي الربُّ لِثانية واحدة أنني مجرّد دميّة من أسمال، وأهداني من الحياة قطعة، فسوف أنام أقلّ وأحلم أكثر· واعياً أننا في كلّ دقيقة نغمض أعيننا نفقد ستين ثانية من النور· وسوف أسير عندما يتوقّف الآخرون، وأستيقظ حين يرقدون، وأسمعهم حين يتكلّمون·· وأستمتع جداً بلذّة آيس كريم الشوكولا"·

ابو ميشال
04-11-2007, 09:14 AM
تتسوّق المرأة انتقاماً مِن الرجل


تُنفق المرأة دولاراً لتشتري شيئاً ثمنه دولاران، على الرغم من كونها لا تحتاج إليه، بينما ينفق الرجل دولارين لشراء شيء ثمنه دولار لكنه يحتاج إليه·

لكأنّ حاجة المرأة إلى التبضُّع، تفوق حاجتها إلى البضاعة التي تشتريها· هي كائنٌ استهلاكي بامتياز، لكونها تنفق في الأسواق كلَّ مشاعر غضبها أو فرحها، معتقدة أنّ في ذلك الكَمّ من الأكياس الذي تعود به إلى البيت حلاًّ لمشكلاتها الوجدانية· لــذا، ما رأيت امرأة تسير في الأسواق مُحمَّلة بأعداد كبيرة من أكياس المشتريات الفاخرة، إلاّ وأشفقت عليها· حتماً هي تحمل في قلبها ما يوازي حمولتها من ضجر وحزن، لا تعرف هي نفسها مكمنه ولا سببه· فالطفرة الشرائيّة أحد أعراض الجوع العاطفي·

أغرب وأطرف دليل، دراسة أُجريت في بريطانيا، أظهرت أن 45 في المئة من المشارِكات، يفضّلن التبضُّع على الجنس!

وفي الاستطلاع نفسه، أعربت نصف النساء عن حزنهنّ، لأن الرجال لا يفهمون شعورهن· وأعتقد أنّ في الجواب الأخير ما يُبطل عجبنا من الجواب الأول· فالمرأة التي تعتقد أنّ علاجها متوافر في السوق ويُمكنها شراؤه بمزيد من الإنفاق، ستُغرّر بها السوق وتهديها نشوة لم تحصل عليها في مخدعها· فهي لا تصبح أُنثى إلاّ وهي تقتني لنفسها الأغلى، كي تثأر لأُنوثتها الْمُهَانَــة· فهل يدري الرجل أن الاستماع للمرأة وإمتاعها، أقلّ تكلفة من الانشغال عنها؟ فالذي لا يدفعه الرجل من قلبه، يدفعه من جيبه· من دون أن يكون قد حلَّ المشكل·

صحيح أنّ "الكآبة السريريّة" التي تصيب النساء، هي التي تصنع ثروة أصحاب المحال التجارية، وبَاعَــة البهجة الوهميّة، والسعادة التي لا تُعمِّر طويلاً· لكن للإنصاف، لابدّ أن نقول إنّ هجوم المرأة على الأسواق، وولعها بالتبضُّع، ليسا دائماً تعويضاً عن تقصير الرجل تجاهها في واجباته اليوميّة، أو الليلية، بل أيضاً لأسباب جينيّة· فحسب دراسة قامت بها صحيفة "دايلي مايل" البريطانية، فإن حبّ التسوّق يدخل في جينات المرأة· فقدرة المرأة على الظَّفر بصفقة أو العثور على سلعة، أو معرفة المكان الذي يتعيّن عليها البحث فيه عن حاجاتها، خلال زيارتها المتاجر الكبرى، لها علاقة بتطوّرها الجينيّ، وهي ميزة لا تتوافر في الرجل· فالمرأة يمكن أن "تشمّ" وجود صفقة ما، وتعرف مداخل ومخارج أماكن التسوق والأقسام التي تريدها بأسرع من الرجل·

ولعلَّ تطويرها هذه الحاسّة التجاريّة، هو الذي أهّلها لتتحوّل من مستهلِكة إلى سيّدة أعمال ناجحة في كثير من البلدان، بما فيها الدول العربيّة· فقد أحصَت مجلة "Forbes" الأميركية، في العالم العربي وحده، قبل سنة، 50 سيدة أعمال حققن مكاسب باهرة·

أثناء ذلك تنبّه الغربيون إلى أنّ دماغ المرأة مؤهَّل أكثر للتفاوض من دماغ الرجل، فسلَّمُوا المرأة شؤون وزارة الخارجية (أو حلّ المعضلات الدبلوماسيّة والإنسانية، كما مع سيسيليا ساركوزي··)·

وما يعنيني هنا، هو ما ينتظر العرب، وقد أصبح قدرهم موضوع مفاوضة ومقايضة ومفاصلة بين امرأتين: كوندليزا رايس·· وليفني، اللتين سيصعب حتى على عزرائيل مفاوضتهما، حسب ذلك الكاتب الفرنسي، الذي قال: "يقبض عزرائيل على روح الرجل في ثانية، وعلى روح المرأة في ساعة·· لأنها تُفاصله"·

ابو ميشال
11-11-2007, 09:55 AM
لك في عيدنا الذي لن يكون



سأسألك يوماً ما:

لماذا ذبحتني بسيفٍ

كان مثلوماً؟

أيتها الفتاة

من أجل عينيك

أشعل حطب الخريف كلّه

في مساء واحد




الشاعر الكردي طه خليل




قالت:

لك وحدك

كانت كلماتي تخلع خمارها

والقلب تحت خيمتك

يجلس أرضاً

ضيف حبّ

تطعمه بيدك




***
كم•• احتفاءً بي

نحرت من ذبيحة

ثمّ•• ذات غيرة

بيدك تلك•• جُوراً نحرتني


***



أبداً لن تنساني

أبدٌ من الندم ينتظرك

من أضاعني

مات وحيداً كحصان

لا مربط بعدي لقلبه





***



قال:

بك رأيتُ

ومن دوني لا تُرَيْن

إنّي أحبّكِ

حتى لا تَريني في أحد

إنّي أحبك

حتى لا يراك أحد

أنا

من ملأتُ بعيون النساء جيوبي

ولا رأيتُ قبلك امرأة•



***




قالت:

الحبّ

ليس ألا ترى عيناك أحداً سواي

بل أن أكون بينك

وبين من ترى

ابو ميشال
18-11-2007, 09:00 AM
هل تريدون مني شيئاً قبل أن أنام؟

أُحــاول منذ مدّة إعادة النظر في علاقتي بالنوم• أحياناً يُصيبني الأمر بالذعر، فثلث حياتنا يمضي في النوم•

هل الموت راحة؟ أم هدر للعمر و"موت صغير"؟ أذكر عنوان فيلم شاهدته قبل عشرين سنة: "سيكون لنا مُتَّسع مِن الموت للنوم"•


في الإسلام، النوم هو أخو الموت، حتى إنّ الرسول (صلّى اللّه عليه وسلّم) كان إذا استيقظ صباحاً قال: "الحمد للّه الذي أحياني بعدَمَا أمَاتني وإليه النشور"•

لا أحد يستطيع أن يمتنع عن النوم، سواءٌ أكان نبياً أم قائداً عسكرياً، فقيراً أم غنياً•

وكما الموت، لا نستطيع شيئاً ضدّ النوم•

إنه آية اللّه في خلقه، كلُّ الكائنات محكومة بتلك الدورة الحيويّـة اليوميّـة، التي تشمل الأرض ومَن عليها {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً} - (صدق اللّه العظيم)•


قد نقاومه ونحتال عليه، لكنه يهزمنا في النهاية لأننا بَشَـر، ووحده {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْم}•

يبقَى أنَّ ثَـمَّـة مَـن بَرْمَج نفسه للاستفادة مِن كلِّ ساعات عمره، وسرق من نومه ليُطيل يومه• وثَـمَّـة مَـن يُضيف مِن يومه لليله•• فكأنّـه يعيش لينام•

مِن النموذج الأول تحضرني مارغريت تاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا السابقة• فلم تكن "المرأة الحديديّة" تنام أكثر من أربع ساعات، بينما كان نابليون يكتفي بساعتين من النوم، ليتمكّن من غزو العالَم•


وطبعاً، هناك الوليد بن طلال، الذي تمنّى لو أنّـه استطاع إضافة هاتين الساعتين إلى بقيَّة مكاسبه، لولا أنّـه، على فُحش ثرائه، فقير إلى النوم، كأيّ إنسان• كثيراً ما حَسَدْته على حُسن توظيفه وقته، مُقارنَـة بـ"ثروتي" المهدورة عن كَسَل في النوم• عزائي آينشتاين، الذي كان ينام عشر ساعات•

ماذا لو كان النوم أبا الاختراع وأُم الإبداع؟ فكثير من الاختراعات وُلِدَت أحلاماً•


أمّا أجمَل الإبداعات، فتلك التي يُمليها الحُلم ويكتبها العقل• طبعاً، أنا أُبرِّر بهذه الفتوى كَسَلي وحُبِّي للنوم، ولا أرى لمصيبتي مِن خلاص، إلاّ في اختراع طريف منحه العلماء (الذين عكس ما نتوقّع، يتمتعون أيضاً بروح الفكاهة) الجائزة الأُولى، خلال حفل دَرَجُـوا على إقامته بموازاة جوائز "نوبــل" لتوزيع جوائز موازية لها، لكن•• لأطرَف وأغرَب الأبحاث والاختراعات!

الجائزة مُنِحَـت هذا العام مُخترع مُنبِّه يدقّ ثمّ يركض ليختبئ، حتى لا يقوم مستخدمه بإغلاقه والعودة إلى النوم•

وهو ما أفعله كلَّ يوم، حتى انتهى بي الأمر إلى وضع المنبّه خارج غرفتي، وتركِ الباب مُوارَبَــاً كي أُضطر إلى الذهاب بضعة أمتار لإيقاف زعيقه• لكنني كلَّ مـرّة أُوقفه وأعود إلى النوم•


وأنا بالمناسبة أكتب هذا المقال بعد عودتي من الإمارات، وأهم ما أحضرته فـي حقيبتي، مُنبّه كبير أحمر، بصوت قوي يتزايَــد زعيقه حَــدّ إيقاظ بناية، كنت أستعين به في رمضان للصلاة أو للسحور، واستأذنت مُضيفتي في أخذه إلى بيــروت•

ويحدث لصديقتي الدكتورة هنادي ربحي، أن تُهاتفني من الإمارات، فتُفاجأ بأنني نائمة في ساعة غير متوقّعة• وقُبيل أن أشرح لها أنني أحتاج إلى قيلولة صغيرة كي أستطيع السهر، لكوني كائناً ليليّاً، تَــرُوح فـي مُعَاتبتي بشراسة جزائرية: "قومي•• ليس مِن حقّك النوم والنعاس• أنتِ فتحتِ بيوتاً بكتاباتكِ••

كيف تخلدين إلى النوم••

إذا كانت النساء يضفرن ليلاً ضفائرهنّ••


فأنتِ عليكِ كل مساء أن تضفري جدائل الكلمات••



للأدب عليكِ حقّ يا امرأة!"•



هكذا تتكلّم هنادي بفصاحة تأسرني، ثمّ تعود فجأة طبيبة نفسية، وتصيح بي في المرة المقبلة: "أنتِ ممنوعة من استعمال الوقت•• لابدّ من تجريدكِ من ساعتكِ ومفكّرتكِ"•


هنادي عرفتني كاتبة، وكانت تُعالِج مرضاها بكتاباتي• ثمّ، حين تعرَّفـت إلـيَّ، عَجَزت عن معالجتي• لكنها مازالت، على الرغم من تهديدها بتجريدي من ساعتي، كلّما التقتني أهدتني ساعة!

ابو ميشال
30-12-2007, 09:30 AM
سعادة من الكريستال..

حينها فقط••

وحدها تلك التي ستأتي بعدي

ستنصفني

وأنت تراها تفرغ جيوب قلبك

ستدرك كم كنت ثرياً بي•
لإدماء يديك•• ليس أكثر

سعادة من الكريستال

تلملمُ منها ما تهشّم

لإدماء يديك•• ليس أكثر

لا يمكن إنقاذ الألم

إلاّ بمزيد من الألم

هو وقت مضى

في الحبّ•• ليس ثمّة ماضٍ

ثمة وقت مضى

وعشّاق تخلّت عنهم اللهفة

على قارعة الوقت

مسرعاً إلى نهايته

أشجان ماطرة

بغزارة سيول شتوية

وغيابك

خلف النافذة أراه يهطل

يغسل منك نوافذ قلبي

ويمضي

مع السواقي المسرعة إلى نهايتها

توضيح أدبي

أوراقي المقطوعة من شجرتك

ليس لها من نسب

سوى قلمي

هكذا هو الأدب!

لياقة عاطفية
سيّدي••
لم أصفق الباب خلفي

تركتُ رياح الندم

تفعلُ ذلك بعدي

زرقة ماء
31-12-2007, 01:45 AM
سأبدأ القراءة من البداية. يبدو الملف ثريا

عشتار تونس
31-12-2007, 07:10 PM
تحية إلى الجميع،
لست من هواة الأدب الحديث، رواية وشعرا، خاصة إن كان نسائيا. ولكن حين قرأت ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي وأنا أحيا لليلى بعلبكّي، جشيت أن أغيّر رأيي. شعرت أنّي أحيى عصرا أدبيا جديدا وممتعا بدأت فيه المرأة ترسم لنفسها شخصية جديدة وتنحت معالمها.

ابو ميشال
07-01-2008, 12:13 PM
أغــــار..

قال:
أغارُ
مِن العيد لأنّكِ تنتظرينه
مِن ثياب أفراحك
مِن اشتهائك لها
مِن اقتنائك ما سيراك فيه
غيري
مِنْ غيري
لأنّه لا يدري كم أغار
مِن غريب يراكِ

***
أغارُ
مِن بهجة في نهاية السنة
تُزيّنُ بابكِ
مِن بابكِ
لأنّه يحرسُ سرّكِ
مِن مفاتيح بيتك
لأنّي قفلك ومفتاحك

***
أغارُ
مِن الشجرة المقابلة لبيتك
لا أحد يسألها
مَن منحها حق العيش
بمحاذاتك
من جرس بابك
لأنّه يُنبُّهكِ أنّ أحدهم جاء
ولأنّ الذي يأتي
لن يكون يوماً أنا

***
قالت:
أغار
مِن حبل غسيلٍ ينفردُ بثوبك
من الشمس التي تتلصص عليه
فتكشف سرّك
مِن ملاقط الغسيل
التي تطبق عليه ذراعيها
مِن الريح التي تهزُّه
فينتفضُ قلبي في بلاد أُخرى
خوفاً عليك

***

في نومي
أغارُ مِن نومك
أستيقظ لأتفقّد أحلامك
أُحدّق طويلاً فيك
كلّما خلدت للنوم
باشر قلبي نوبة حراستك
خشية أن تُغري الموتَ وسامتُك
فيطيلَ نومك

الرؤى
14-01-2008, 05:06 PM
اشتقنا لاشتراكك يا "ابو ميشال"..

سويس
15-01-2008, 03:19 AM
استمر عزيزي a*

ahlayamna
16-01-2008, 09:52 PM
رائع اخي الكريم هذا الاخيتار ... والشئ من اصحابه لا يستغرب

بالتوفيق ان شاء الله

ابو ميشال
21-01-2008, 11:09 AM
عليك اللهفة•• كم انتظرتك!



في قصيدة الحُب الأُولى

التي قرأتها لنزار

في ديوان "أنتِ لي"

في أوّل قبلةٍ أربكتني

في فيلــم "ردَّ قلبــي"

في البيانو الذي كان يعزف

لحناً لم يفارقني••

"أهواك•• وأتمنّى لو أنساك"

مِن قبل حتى أن أراك

في كلِّ قصَّة حُب

كنتُ أقول لك "أحبّك"




**




في الرجولة الفاتنة لكاري غرانت

في العنفوان المعتّق لأنطوني كوين••

في دور "زوربا"

في أسى هند أبي اللمع في "عازف الليل"

في حزن سعاد حسني

في دموع إديث بياف حين تغنّي

ما بَكَت امرأة مِن حُب رجل

إلاّ وكنتَ مَن أبكاها•



**



في ضحكي مِن أدوار إسماعيل ياسين

في دموع صباي يوم هزيمة 1967

في كلِّ حفرياتي العاطفيّة

وفي كلِّ الطبقات الجيولوجيّة لقلبي

في ساعة نبضي•• وساعة معصمي

مُذ ساعتي الأُولى•• وحتى قيام الساعة

ما مِن ساعة امتلكتها

إلاّ وكنتَ عقاربها



**



في أوّل مدرسة قصدتُها

في أوّل حافلة أخذتني

إلى ثانوية عائشة أُم المؤمنين

في أوّل طائرة ركبتها

إلى "مهرجان الشباب العالمي في برلين"

في الحقيبة الأُولى لغربتي

في مطار أورلي الدوليّ سنة 1976

في أوّل ميترو أخذني للسوربون

في الباص 42 في باريس 15

على مدَى رحلتي••

كنتَ سائق الباص•• وقائد الطائرة

كنتَ الغريب

الجالس على المقعد المجاور للحبّ

وكُنتَ وجهتي•

حادثة حب
07-02-2008, 08:31 PM
hey i love a7lam i read all his books i wish u put them all there

ابو ميشال
17-02-2008, 11:08 AM
أيها الكاتب.. لا تأكل ولا تَنمْ، أنت أسير الخلود

إذن هكــذا، بعدما كنت قبل سنوات أسعد بكلّ دعوة غداء أو عشاء توجُّه إليَّ، وأقيسُ مكاسبي بمنطق الزوجة التي لن تطبخ يومها، وستُهدي زوجها وليمة تُقَام على شرف الإبداع . أصبحت بمنطق الأدب أرى في كلّ دعوة خسارتي، وضياع بضع صفحات من كتبي.

تدريجياً اكتشفت ما اكتشفه الكبار من قبلي: رعب الوقت، وذلك الخيار الصعب الذي يواجه الكاتب، بين أن يحيا أو يكتب.

أمام هذا الخيار لا يصمد إلاّ الكتّاب الحقيقيون، أعني الزاهِدين، وعلى الأصح الزاهِدون في كلِّ شيء. وهو ما جعل "فلوبير"، صاحب "مدام بوفاري" يقول: "إن كنتَ كاتباً عليك أن تختار بين المجد وقبول دعوة إلى الغداء". وكان في إمكانه أن يقول "بين دعوة إلى الغداء.. وجُملَة". فلقد اشتهر "فلوبير" بالعمل على جملته إلى حَدِّ قضائه أحياناً أياماً في إعادة صياغة جُملة واحدة.

قول لـ"كافكا" وقعتُ عليه مؤخراً، ذكّرني بقول "فلوبير" هذا. فقد جاء مُطابِقَــاً له. كتب "كافكا" في مذكراته يوم 13 مارس 1915: "لم أذهب إلى البيت للعشاء. الأسباب فقدان الشهيّة، الخوف مِن العودة في المساء متأخراً. لكن، قبل كلِّ شيء، التفكير في أني لم أكتب البَارِحَــة شيئاً".

كلُّ مُذكّرات "كافكا" تدور حول هاجس واحــد: الوقت، حتى إنّه كتب الكثير ليشرح للفتاة التي كان سيتزوجها أنه "لا وقت له لذلك".

كلُّ الكِبَار أصابهم رعُــب الوقت. أعني الكِبَار، الذين تركوا لنا أعمالاً كبيرة، تشهَد على تضحياتهم الكبيرة أيضاً.

يحضرني نــزار قبّاني، رحمه اللّه، كان الوقت عنده أثمَن ما يملك. قال لي مَــرَّة، إنّــه لا يملك وقتاً حتى لأقاربه، فكيف يقبَل دعوات أو يستقبل أحداً في بيته.. "إنِّي مُتفرِّغ للكتابة كما لو كنتُ موظفاً بدوام كامل، ولو فعلت غير ذلك، لَمَا كتبتُ خمسين كتاباً. الكتابة زُهــدٌ فـي الحيــاة". وكان هذا أغرَب ما سمعته مِــن نــزار، الذي كانت كِتَابَاته تبدو احتفاءً بها.

ذات مَــرَّة، قال لي تلك الجُملَة، التي لم أنسها، لأنها ظلّت لسنواتٍ محوَر سؤالي ككاتبة. قال لي، رحمه اللّه: "أُحبُّـك لأنّكِ تُشبهينني. لو خُيّرتِ بين ورقة ورجل لاخترتِ الورقة". كان يعني بالرجل الحيـــاة، وبالتحديد الحُــبّ. لكنني أجبته ضاحكة: "أنــتَ تمزح حتماً!".

كَـمّ مَــرَّة، وأنَــا غارِقَــة فـي الكتابَــة، يذهب قلبي إليه. أتمنى لو عــاد لدقائق، كي أقول له بصوت تلميذة مُذنبة: "نــزار.. لم يبقَ أحد. لم يبقَ ثَـمَّـة شيء، إلاّ هذه الأوراق البيضاء على طاولتي. فَقُـل يا مُعلِّمي الجميل: أبِهَذَا الكَـمِّ مِن الفاجِعَة سأُصبح كاتبة؟".

ثـمَّ.. هل تُصدِّقُـون أنني أكتب هذا الْمَقَــال في ساعة متأخِّـرة مِن ليلة عَاصِفَـة، انقطعَت فيها الكهرباء في بيــروت، لكنني قـرّرت أن أتحدَّى العتمَـة بإشعال شمعَدَان، وأن أُلقي القبض على الوقت بِمَا أملكُ مِن وقت، عَـمَـلاً بنصيحة الشاعر والكاتب الروسي الكبير "باسترناك"، صاحب رائِعَــة "الدكتور زيڤاغو"، مُتوجِّهاً إلى الكاتِب:

"لا تَنَمْ، لا تَنَمْ، اشْتَغِل

لا تَتَوقّف عن العَمَل

لا تَنَمْ، حَارِب النُّعَاس

كَمَا النَّجْمَة، كَمَا الطَّـيّـار

لا تَنَمْ، لا تَنَمْ أيُّـهَـا الفَنّان

لا تستسلِم للنّومِ،

أنت - رهينة الزّمَن

أنت - عند الخُـلُـود أسِيـر".

تَمَامَـاً، ما كان يقوله لي الصديق الكبير إبراهيم الكوني، صاحب الأعمال الضَّخمَة والجوائز العالميّة الكبرَى، حين يَرانِي أتَكَاسَــل: "إنَّ اللحظات الهَارِبَــة ليسَت لَـنَـا. نحـنُ نملِك اللّحظَات الخَالِــدَة

ابو ميشال
24-02-2008, 10:20 AM
مـزاج جــزائــري...

مـزاج جــزائــري عكس السياسيين الذين يتقنون فن التزلج على الأسئلة، وتفادي المطبات بالقفز عليها إلى


جواب آخر، أذهب طوعاً نحو كل فخ يُنصب لي في مقابلة، غير نادمة على دفع ثمن عفويتي فالمبدع


كائن تلقائي، وليس مرشحاً سياسياً هو إنسان ساذج، شرفه في كونه أعزل أمام مكايد



الحياة... وغالباً ما يكمن في ضعفه هذا سر إنسانيته.. وحدها الثعالب والتماسيح تملك
كلمات


مختارة مدبرة كمكيدة..

أذكر أن صديقة تعمل في الحقل السياسي وشوشتني بمحبة قبل سنوات ˜يا أحلام، تعلّمي من


السياسيين ألا تتوتري... فوّتي عليهم فرصة استفزازك…

وقبلها بعشر سنوات، فاجأني الدكتور غازي القصيبي، بما عُرف عنه من تواضع، برسالة موجزة

وجميلة، بعد أن شاهدني لأول مرة في برنامج تلفزيوني، قال لي فيها ˜كأخ كبير لك، أنصحك

بألا تضعي نفسك أبداً في موقف الدفاع، حوّلي كل سؤال يستفزك إلى نكتةŒ...ز

نكتة؟ هو نسي حتماً أنني جزائرية...

وحدث للدكتور فتحي البس، نقيب الناشرين، وأحد الناشطين في فلسطين، أن عرض عليَّ قبل بضع

سنوات، أن أكون ضيفة الشرف في ˜معرض الكتابŒ في رام اللّه وتحمّست للفكرة، لفرط ما حدّثني

عن شعبيتي ˜الكاسحةŒ في فلسطين، حتى إنه كان جاهزاً لتأجيل المعرض بضعة أيام حتى يتناسب مع برنامجي غير أنني حين سألته بعد ذلك عن تفاصيل الوصول إلى ˜فلسطينŒ،


وهل سأمر بحواجز إسرائيلية؟ قال لي ˜طبعاً، لكن لا تهتمي، أنتِ معكِ جواز فرنسيŒ.. صحت.. ˜لكن دمي جزائري.. أنا امرأة مفخخة، سأنفجر حتماً أمام أول حاجز، لا أدري ماذا سأفعل إن رأيت جنوداً إسرائيليين، أحدنا سيقتل الآخر حتماً...


ألغيت المشروع، لثقتي بأنني لو ذهبت لمتُّ قهراً، حتى قبل أن يطلقوا النار عليَّ يكفي أن

أتذكر النساء اللاتي أنجبن على الحواجز الإسرائيلية، والجرحى الذين ماتوا في سيارات الإسعاف

بعد ساعات من الانتظار، والإهانات والظلم، والجوع والبرد، ومذلة الاستجداء من عدوك ومحتلك

 أنا امرأة تقتلها الإهانة، بقدر ما يأسرها الإنصاف عندما يأتي ممّن يُفترض أن يكون عدوك


لذا، لو اجتزت تلك الحدود سالمة، لَمَا أخلفت اللقاء مع الشاعر الإسرائيلي ˜بني تسيبارŒ،


الذي حدث أن نشرت له في هذه الصفحة أكثر من مقال، يدافع فيها عن الفلسطينيين، كما ما عادوا هم أنفسهم يدافعون عن قضيتهم، ولكنت ضممت بحرارة المايسترو العالمي دانيال


بارنبويم، الذي يوم أصدر قبل سنتين كتابه المشترك الشهير مع المفكر الفلسطيني الراحل

إدوارد سعيد، صرخ في وجه مراسلة إذاعة الجيش الإسرائيلي ˜إنني لست مستعداً لأن أتحدث إلى

صحافية ترتدي البزة العسكرية لجيش الاحتلال الإسرائيليŒ...

الموسيقار الذي مابرح اليمين يطالب باعتقاله، حدث أن قذفه الإسرائيليون في المطاعم

بالطماطم وكم تمنيت لو كنت يومها بصحبته لأشارك زوجته مواجهتهم بمحتويات صحنها من

السَّلطة، وأكسر صحون المطعم على الطريقة اليونانية على رؤوسهم، وأحلف يميناً أن يرافقني الموسيقار وزوجته إلى البيت لتناول الغداء معناوبعد القهوة، من المرجح أن أشكرها على شجاعتها في زمن الجُبن العربي وأبكي وسأحار ماذا أهديهما، فأعرض على زوجته هلينا

خزانة ثيابي ولوحات أختي ثم، لأن هذا الموسيقار العظيم يعتبر نفسه ابن العالم لا ابن


إسرائيل، قد تأخذني الحال في هبلة وجدانية وأتخلى له عن بيتي…


لذا قال لي زوجي مرة... ˜لا يمكن أن أكتب البيت باسمك.. ربما أعطيته في نوبة جنون لأحد..

سعد أحمد
24-03-2008, 07:48 PM
أحلام عابره القارات للابداع الروائي

سيده الروايه العربيه بلا مناااااااااااافس

اعشقها بجنون

ابو ميشال
09-04-2008, 09:47 AM
مقايضة هاتف يدق.. بآخر يخفق


أفكر في الحذاء المرصّع بالياقوت، الذي يُعرضُ في أحد متاجر اليابان، في انتظار أقدام نسائية غبية تنتعله مقابل مليون ونصف المليون دولار.

أتساءل: هل تضمن المرأة التي ستشتريه، أنها ستذهب به إلى موعد حُـــبٍّ جميل؟

وهل خطاها المرصّعة بالأحجار الكريمة، لن تتعثّر بحجارة الأقدار، فتحُول دونها والوصول إلى هدفها الأجمل؟

وماذا لو كانت السعادة في متناول الأحذية المهترئة، والأقدام المشقّقة، والخطى اللهفَى التي لا ينفع معها الكعب العالي، وعليك أن تحمل فيها حذاءك في يدك، كي تستطيع اللحاق بلهاث أحلامك؟

كان بيكاسو يقول: »اذهب إلى الحب حافياً كما يذهب مسلم إلى المسجد«. ربما كان في انتعال حذاء بمليون ونصف المليون دولار، كُفراً بالحب، وإهانة له، لابد أن يردها الحب بجعل مَن أقدم عليها منتعلاً الملايين، يعود بخُفي حنين.

ولي صديقات من الثراء، بحيث يملكن في كل بلد، وفي كل بيت غرفة كاملة من الأحذية الفاخرة الأنيقة المرصوصة على رفوف على مَــدِّ النظر، لا أظنهن انتعلنها يوماً للذهاب إلى موعد عشقي، يستحق الذكر. فما رأيتهن إلا بائسات. وكثيراً ما سألنني عن مقاسي، وكنت بدءاً أحزن لعدم استطاعتي الاستفادة من فائض خُطاهن الضائعة، ثم وجدت في ذلك نعمة. ماذا لو انتقلت إليَّ لعنة أحذيتهن الأسيرة البائسة، ونسيتْ قدماي الطريق إلى الحب؟

ولو أن شغالتي تفهم في الشعر، لقرأتُ عليها رائعة غنتر غراس، التي يقول فيها »أحذيتي الفارغة مليئة بخطى السفر، وجميعها تعرف الطريق إليك«، عساها تكفّ عن مُطالبتي بالتخلص من أحذيتي القديمة، التي أحتفظ بها في الخزانة، إكراماً لكعبها الذي اهترأ في دروب الحب الوعرة.

❊❊

أفكر في شركة »الموبايل« التي طرحت في الأسواق جهازاً مرصعاً بالألماس بسعر 3400 دولار »للفقراء«، المولعين بآخر صَرَعَـة للتليفونات. أمّا الأثرياء، ففي وسعهم اقتناء جهاز يزن 213 غراماً من البلاتين الصافي، وثمنه 37000 دولار، فقط لا غير، تُراهن الشركة على بيع عشرات النسخ منه في العالم.

وفي ما يخص الجوال بالذات، في إمكاني أن أقول إن قلبي أصيب بسكتة هاتفية، مذ تلقّيت قبل أشهر، كهدية، هاتفاً نسائياً أنيقاً، مرصعاً بمربّع من الأحجار الثمينة، التي أصابتني بالنفور إلى حد تطيّري عاطفياً منه. فقد كنت أكثر سعادة بهاتفي البدائي البسيط، في المظهر المتقشّف، الذي بتوقّفه توقّفت ذبذبات الحب.

كيف لم أحتَط من السعادة الباذخة، المفخخة بالحزن، وبمكر الأشياء، لحظة تبدأ في التنكيل بأصحابها، عندما يقومون بتغيير دورها في الحياة، فيحولون الحذاء إلى مصاغ تحرسه الكاميرات، ينتعله المرء، لا برفقة حبيب، بل مع »بودي غارد« يحرس خطاه، ويتحول الهاتف من وسيلة اتصال إلى وسيلة تشاوف يُشهَر كإشاعة ثراء.

أعترف بأنه حدث أن حسدت نساء بسيطات المظهر، يتحدثن بِولَع على جهاز هاتف بسيط مع حبيب في الطرف الآخر من الخط، وكدت أعرض عليهن جهازي النقّال الفاخر، واثقة بأنهن إن قبلن صفقتي، سيقمن باستثمار عاطفي سيئ!

ملاحظة: مازال هاتفي الأنيق معروضاً للمقايضة بهاتف بسيط لا يدق.. بل يخفق!

ابو ميشال
16-04-2008, 12:16 PM
الكاتب الذي أغبط

ربما كان الروائي الليبي الكبير إبراهيم الكوني، الفائز بجائزة الشيخ زايــد للرواية، لهذا العام، أقرب روائي عربي إلى قلبي.

قبل أن أُعجب بعمقه الفلسفي، أُعجبت بخُلقه وتواضعه. ما نسيت له كلَّ ذلك الوقت الذي كان يقضيه معي على الهاتف ليحثني على الكتابة. فالوقت كل ثروته. ومن أجل إنقاذ هذه الثروة المتناقصة مع العمر، زهد الكوني في كل شيء، وأصبح ناسك الأدب. زرته قبل أعوام في بيته الجبليّ النائي في سويسرا، عرّفني إلى الغابة التي يُصاحبها، والوديان والسهول التي يُصادقها، وأقنعني بأن الكتابة مرتهنة بفقدان المرأة، أي كل ما يشوّش على عمل المبدع. غير أنّ ما يستنزف أعصاب المبدع وطاقته، ليس العلاقات العاطفية وحدها، في مدّها وجزرها، بل متطلبات الحياة وهمومها، والبحث عن مصدر دخل يُمكّن الكاتب من العيش بكرامة في عالم تزداد احتياجاته.

مأساة المبدعين العرب تُختصر في الشاعر الجزائري أبو بكر زمّال، الذي عرض كليته للبيع لكي يستطيع تدبير معيشته، وفي مبدع مصري كبير يواجه خطر الحكم بسجنه، لأنه لم يسدد للمستشفى نفقات عملية جراحية، وفي حرقة الراحل الكبير محمد ديب، الذي كان مؤهَّلاً، لو توافرت له الظروف اللائقة، لأن يكون مرشحنا لجائزة "نوبل". ولكن صاحب "الحريق" مات بحرقته في الغربة بعد أن بخلت عليه الجزائر بدفع ثمن حقوق مؤلفاته بالعملة الصعبة، فترك وصية ألاّ يُدفن فيها.

العالَم العربي طاعن في تقاليد التنكيل بمبدعيه، وإنكار قيمتهم، حتى يوم يموتون، فيستحوذ عندها على جثامينهم ويُباهي بهم.

أعترف بأنني أغبط إبراهيم الكوني، لا على الجوائز العالمية التي نالها، وما أكثرها، وهو أهل لها، بل لأنه وجد في رئيس بلده، وليس في غيره، رعاية شخصية وحماية لقلمه وفكره. فمنذ عشرين سنة، والزعيم القذافي يؤمّن للكوني ظروف الكتابة والإقامة في سويسرا، ويضع تحت تصرّفه سيارة ومرافقاً، كأيِّ دبلوماسيّ، ويحميه من هموم الحياة كي يتفرّغ لكتابة ملاحمه الروائية. ولولا رعايته لَمَا استطاع إنجاز ستين كتاباً تُرجمت إلى أَربعين لغة.

ولو كنت إبراهيم الكوني، لاقتسمت مع القذافي جوائزي، وأهديته نجاحاتي. ولكن، العلاقة الخاصة التي تجمع بين الرجلين، والشبيهة في نظري بعلاقة فيدل كاسترو بغارسيا ماركيز، صادقة وحميميّة، إلى درجة لا تحتاج إلى أضواء. فإن كان الكوني لا ينكر في مجالسه الخاصة ما قدّمه له القذافي من رعاية، فالقذافي أكبر من أن يعلن فضله عليه.

كلاهما ابن الصحراء. تحت الخيمة يلتقي الرجلان ليتحدّثا عن الأدب. يقول الكوني، إن مجالسة القذافي مُمتعة ومُريحة، لأن الرجل تلقائي ونقيٌّ. ويُحكى أنّ للزعيم الليبي مكتبة تضم خمسة آلاف كتاب، يعود لبعضها عند الكتابة. وأتساءل: هل الكتابة هي التي جعلته يشعر بمحنة الكاتب، أم أنه، ككثير من الملوك والحكام عبر التاريخ، اكتشف أن أجمل العلاقات وأصدقها هي تلك التي تُبنَى مع الكتّاب والمبدعين خارج أوكار السياسة ودسائسها؟

يذكر التاريخ القريب، أنّ وفاء الجنرال ديغول وفرنسوا ميتران لأصدقائهما الكتّاب كان وفاءً خرافياً. وقد بادلهما الكتّاب الولاء والوفاء، بعضهم حتى الموت. مثل أندري مالرو وجان كوكتو، الذي اختار ديغول ليكتب إليه آخر سطرين في حياته: "جنرالي أُحبك.. إني مُقبل على الموت".

هبهوبه
23-04-2008, 04:29 PM
احلام مستغانمى كنز ادبى

دائما كنت اعجب بمقالاتها فى زهرة الخليج وكنت ممكن اشترى المجلة مخصوص عشان مقالها وشعرها ونثرها رائع

وثلاثية ذاكرة الجسد كنز للمكتبة العربية نادرا ماسنرى مثله وقراتها عدد كبييييييييييير لااتذكره من المرات

شكرا للموضوع ولوضع مقالتها مجمعه جداااااااااااااااااااااااااااااا

مجهود كبير شكرا مره ثانية وثالثة

Little author
29-04-2008, 12:16 PM
أغار يا أحلام :)

مبدعة دائـــما ، :)


عُلا من بلاد الشّام

زهرة الوادي
02-05-2008, 11:51 PM
شكرا لك ابوميشال على هذا المجهود الرائع ..

منذ أكثر من ساعة وأنا أقرأ ماخُط هنا ..

رائع .. لقد تعرفت على سيدة الابداع العربي عن كثب !!

تحيتي لك

عصفور المطر
05-05-2008, 08:05 PM
تقبلوا مرورى ...مع الشكر....

قهوة..
29-05-2008, 09:26 PM
سهيل إدريس المتظاهر بالموت

أحلام مستغانمي


كنتُ في تونس مع الدكتور سهيل إدريس، رحمه اللّه، حين بَلَغَنا خبرُ وفاة الغالي نزار قبّاني. بكى سهيل إدريس يومَها كطفل. أَجْزم أنّ شيئًا منه مات يومَها بموتِ رفيقِ عمره. فقد كان، رحمه اللّه، عاطفيّاً ووفيّاً لصداقاته. أما أنا فلم أذرفْ يومَها دمعةً على نزار، ولا أدليتُ بكلمةٍ إلى الصحافة؛ فقد كان حزني عليه غيرَ قابلٍ للإشهار.
عَجِبَ الدكتور سهيل إدريس لأمري، بعد أن مرّ شهرٌ دون أن أُعزّي ابنتَه هدباء. كنتُ، في الواقع، أؤجِّل ـ ما استطعتُ ـ اعترافي بفاجعة غيابه. وعندما وجدتُني مجبرةً على المشاركة في الذكرى الأربعين لتأبين نزار، كتبتُ ما أبكى الحضورَ وجَعَلَ سهيل إدريس، رحمه اللّه، يُجْهش بالبكاء ويسألني: "وأنا ماذا ستكتبين إذنْ في رثائي؟"
كان سهيل إدريس جاهزًا ليتظاهرَ بالموت كي يختبرَ مَنْ أَحَبَّه من كُتّابه، ويتمنّى لو قرأ رثاءهم فيه؛ فوحده الوفاءُ كان يَعْنيه. وكنتُ أَرُدُّ ممازحةً: "مشكلتي يومَها أنّني لن أدري مَنْ أَقْصد ليصحِّحَ لي أخطائي النحويّةَ حتى لا ألحَنَ وأنا أُلقي كلمتي في رثائك!". فيَضْحك، رحمه اللّه، ضحكتَه الجميلةَ تلك، ويقول: "إعطيني إيّاها بصحِّحها هلّق أحسَنْ ما تِنْفِضْحي بعدين!".
يا اللّه كم أحبّه، وكم أنا مدينةٌ له، ذلك الكبير الذي كثيرًا ما صحَّح أخطائي النحويّة. لكنْ شفَعَ لي في قلبه أنّني لم أخطئْ يومًا في حقِّ أُبوّته، ولا أَخطأتُ الطريقَ إلى ما أراد لي من مقامٍ أدبيّ وخلقيّ.
* * *
لم أبكِ سهيل إدريس؛ فالحزنُ الكبيرُ لا دموعَ له. ولم أكتب عنه شيئًا أيضًا؛ فالرثاء ليس واجبًا عاطفيّاً. علاقتي بالدكتور سهيل إدريس أجملُ من أن أَستبيحَ شاعريتَها بمزاحمة الآخرين في الكتابة عنه، لملء أعمدة الصفحات الثقافية. أُحبُّ أن أبكي مَنْ أحبُّ خارج المناسبات.
ثم ما جدوى أن أكتبَ هذا المقالَ ما دام لن يقرأه؟ فلطالما كتبتُ لإدهاشه هو بالذات، طمَعًا في مسبّاته المحبَّبة إلى قلبي حين يصيح بلهجته البيروتية، وأنا أَعْرض عليه نصَّ روايتي الجديدة أو عنوانَها: "يحرق... وين لاقيتيه عنوان عابر سرير؟!"
كم كنتُ أُحبُّ فَرَحَهُ بي، وأَقيسُ بنبرته جودةَ نصّي، وأطمئنُّ إلى مكانتي في قلب الأدب استنادًا إلى مكانتي في قلبه. فقد كان صاحبُ دار الآداب هو الأدبَ بكلِّ ما تعنيه هذه الكلمةُ في قاموس المنهل الذي هو صاحبُه ومؤلِّفه.
* * *
سيّدُ اللغة، أيّةُ كلمةٍ تناسب غيابَه؟ "رحل"؟ "مات"؟ "غاب"؟ "توفِّي"؟ "غيّبه الموت"؟.. وكيف يموتُ مَنْ أنجب جيلاً من الكتّاب؟
كان سهيل إدريس أبًا لذرّيّةٍ أدبيةٍ، على تفاوتِ أسمائها وأقلامها وتاريخها، صَنَعتْ شهرتَها ونجوميَّتها بعبور بوّابة دار الآداب. أيُّ مَجْدٍ أن تكون في دارٍ مرّ بها نزار قبّاني ونجيب محفوظ وغادة السمّان وأدونيس ومحمود درويش!
ولأنّ قرابةَ الحبر أقوى من قرابة الدم، فإنّ الدكتور سهيل إدريس لم يكن ناشري، بل أحدُ آبائي، والرجلُ الذي شارك في صنع ضميري، وفي الحفاظ على استقامة خطّي القومي. كان قُدوتي في دفاعه عن قيمٍ مهدَّدةٍ، وقضايا مفْلسةٍ، إلى حدِّ دَفْعِ ثمنها من صحّته ومكاسبه.
ما تلوَّثَ قلمُه بما تدفَّقَ في جيوب غيره. ما تجرَّأَ أحدٌ على عرض شراء صمته؛ فمبادِئُه ما كانت للبيع. لذا ترك لأبنائه إرثَ القيم، وعَلَّم ذريَّتَه الأدبيةَ ألاّ تنحني.
ما وقف يومًا على قارعة المواقف؛ كان هو الموقفَ! لذا رَحَلَ واقفًا، نظيفًا، شريفًا، مريضًا بالداءِ الـمُزمنِ نفسِه الذي أودى بجيله: داءِ القومية.
هو الروائي. أَخفَوْا عنه الفصلَ الأخيرَ من رواية الأمة العربية. مَنَعوا عنه جهازَ التلفزيون كي يَحْجبوا عنه ما آلت إليه أحلامُه. كم كان سيبكي وجثمانُه يَعْبر في بيروتَ شوارعَ الكراهية!
أفكِّر في ذلك المشهد، وأحمد اللّه أنّني لم أكن في بيروت لأراه يَعْبر مُدْبِرًا. فقد رأيتُه دومًا مُقْبلاً؛ ذلك أنّ النبل لا يُولي ظهرَه.
أفكِّر في سماح ورنا ورائدة ورفيقةِ عمره عائدة: كيف تسنّى لهم المشيُ خلفَه؟ وتَحْضرني هدباءُ عندما سألتْ والدَها نزارًا: "بابا، كيف استطعت أن تمشي خلف جثمانِ توفيق؟" فأجابها بقلب الأب المفجوع: "أنا ما كنتُ أمشي خلفه... كنتُ أمشي معه."
لكأنّنا الآن لا نحكي عنه، بل في حضرته. فما كان الدكتور سهيل إدريس رَجُلاً واحدًا ليموت دفعةً واحدة. بل لتعدّده، يَحْضرني الآن أكثرَ، كما لو كان يختبر وفائي له في كلِّ ما أُقْدِمُ عليه.
* * *
هو أكثرُ قسوةً عليَّ اليوم. هو أكثرُ صرامةً. اليومَ هو قلّما يمازحني، أو يسرقُ قبلةً على خدّي كما كان يفعل. إنّه الآن يعود ليحاسبني. مُذ غيّبَه الموتُ، ما عاد ناشري، بل صار أبي.
كثيرٌ ما أخذتَ لي من آباءٍ، أيها الموت!
عند مسافةٍ وسطيّةٍ بين قبرِه وقبرِ نزار وقبرِ أبي، وضعتُ مكتبي. وعليّ أن أسألهم واحدًا واحدًا بعد الآن: ـ "بابا الدكتور سهيل إدريس.. هل أنت راضٍ عن هذا النصّ؟ وهل أنت سعيدٌ بي لأنّني ما زلتُ أرفض الجلوس على المبادئ، كما علّمتَني؟" ـ "وأنتَ، نزار... الآن وقد باعَدَنا الموتُ.. دعني أُناديكَ أبي. لا تضحكْ. أما قلتَ لي إنّ كلَّ مبدع يتيم؟ أبي نزار... أما زال بإمكاني أن أدوِّخَكَ بروايةٍ جديدة؟ أمّ أنَّني كتبتُ مرّةً ما جعلكَ تَندم على شهادتِكَ بي؟" ـ "وأنت، أبي محمد الشريف.. أما زلتَ تقول هناك إنّكَ ما جئتَ إلى العالم إلاّ لتُنْجبَني؟ أمْ أنَّني خُنْتُ حلمَكَ بي.. وأخجلتُكَ يومًا أمام رفاق التراب؟"
* * *
يا إلهي... ما أصعبَ البقاءَ عند حسنِ ظنِّ الموتى بنا! يا إلهي... ما أصعبَ أن يُسْنِدَ المرءُ ظهرَه إلى قبورِ مَنْ يحبّ، كلّما جَلَسَ ليكتب!
بيروت

اوتار السكون
29-05-2008, 11:34 PM
أولـ مشاركة لي هنا .. كـ عضو

أحلامـ .. فرضتِ نفسك علينا فرضا

فمن قرأكِ مرة .. أدمنكِ !

::

أتـــابع .. وبشغفـ

Little author
31-05-2008, 07:28 PM
المزيد يا أحلام

shahrazed
20-06-2009, 06:29 PM
يالله .. ( أحلام مستغانمي )

أسمها .. يحبسْ الأنفـآسْ ..
هي والله أنثى لآ تُدرك .. فيها من الجنون مايوازي بلَد .. وملائكة العقل موقنة أنها تطوف حولها ..!
مختلفه .. مختلفه .. هذه الإنسانه ..!



/

أبو ميشال .. قرأتها مسبقاً .. ولكنْ بقراءتي لها هُنا .. وكأني لأول مرّه أقرآهآ .. فـَ دهشتي بها لم تنقص !