PDA

View Full Version : مبلل بالحزن....قصة قصيرة



ابراهيم نادر
02-08-2005, 10:18 AM
عبق مطرز بالالوان
الى هبة عمر مرة أخرى ...
قصة قصيرة


مبلل بالحزن

إبراهيم سليمان نادر / العراق



قرب المخاوف والامنيات

تفيأ ذاك الفتى نجمة في السطوح



احتوى قمراً حط في كفه ذات حزن

وهيأ من حلمه قارباً

يعبر الليل

والجوع



مُبلل بالحزن
مذ وطأت قدماي صخب المدينة ، والنحس يلاحقني اينما حللت . لم يبق باب الا طرقته ، او محل او مطعم او مكتب الا وابوابه موصدة في وجهي . شهران بأيامهما وانا ابحث عن عمل . الفقر والتيه يصبغان الاديم من الريف حتى المدينة .
الناس هنا في ضياع وانفلات . الكل يلهث وراء شيء ما ، يطل في الافق ، او يتربص بهم في الدروب والثقوب ، واحياناً يرونه جاثماً في شباك العناكب او اعشاش الطيور .
في الطريق الى مجرتي المعزولة على سطح البيت ، تخر شهب الاوقات وتتبدل احوالها فجأة ، كأن الزمن الضيق يدلكها فيزيد من سقالتها وبريقها .
وكنت احبو على مهل ، خشية ان تحس بي المرأة العجوز صاحبة البيت .
شيء ما في الافق يشبه ذكريات واماسٍ سلبها الزمن مني . أهمس لهذه التداعيات بشيء ، فيصهل في جوفي نداء عميق ترتج باصدائه كل الفلوات في نهر المدينة وترتطم ببعضها ، أتحدث دون أحرك لساني .
ينتفض جسدي كله ، وينتفخ كأنه شفتان كبيرتان ، لكني أحبو نحوها مثل طفل يتعلم الاتجاه .
ينقلب الزمن امامي ويتدحرج بدمعة تنزلق على خدي ببطء . برد ومطر ينز من سقفها الخشبي المتهريء ، فتنعدم ملامحها في ضباب الرؤية والطعم ، تتوق نفسي الى ان ألمس شكلاً أو مرتسماً من تضاريسها وابعادها الهلامية ، أي شكل ، مجرد اثبات بأنني أحيا في نموها الدهاليزي المحيّر الذي تخيلته .
حتى اليوم لم ادفع للعجوز اجرة هذين الشهرين ، تتوعدني هي بالويل والثبور ، أتملص من لسانها واظفارها بطريقة تثير الحنقة والعجب فيها .
حين ولجت الى حجرتي ، أخذت ادفن حاجياتي تحسباً للمفاجأة ، جاعلاً منها طبقات لانثيال القرون مثل تلك التي تعرضها الطبيعة عندما تتعرى مرتفعاتها
بطائرتي في الجو ، فينكشف لنا طولها الفارع العميق المدفون الذي تتحنط فيه كهوف الملاحم وبحور التعاويذ وخلجان الايقونات .
جمعت خشباً كان مبعثراً واشعلته في موقد صغير . تصاعدت ألسنة اللهب والدخان بشكل أثار غضب العجوز .
وجدت نفسي أهبط السلالم وسيل من الشتيمة واللعنات يلاحقني حتى الباب.
أخفيت ملامحي في ثنايا زقاق ضيق خشية ان يلمحني صاحب دكان البقالة ويطالبني بثمن الشاي والسكر .
أتخيل الان شكل الماضي القريب وحركته القلقة التي انصعت لها دائخا ولم اتفاد لسعات اللهب .
تمر من امامي طفلة هرمة تستعرض سنيّ عمرها بتبرم ووجل ولا مبالاة . أوشكت ان أمسك بها وادفعها الى اعماقي . حاولت جاهداً ان اخبئها في صدري دون ان يكون لها اسم أو نعت . كانت اقرب الى البرية التي جاءت منها ، اقرب الى صفوة المبهم الذي ينزلق على ملامح هذا الزقاق ، بينما هي تؤجج ملامح الكلام كله ، تبلعه مثل دواء لتشفى ، وتتخلص مثل قطة أليفة تحاول الافلات من قبضة ضيقة .
أحسنت انني أسميها وأني أسمعها ، لكن الحبل ينفلت منا غفلة نحن الاثنان ، لكننا لانسقط !
وجدت نفسي وسط المدينة والجوع ينهش احشائي .
قصدت سوق الخردة ، أفتش عن ( شيخ جذبة ) كان صديقاً لأبي ايام
زمان .
عثرت على دكانه واستعطفته بأني جائع ولم أجد عملاً ، فاعطاني خمسة دراهم وقال :
- العوض على الله يابني
ولجت على الفور الى مطعم شعبي والتهمت رغيفين مع صحن عدس . كان صاحب المطعم يبتسم بوجهي وانا التهم الطعام بشكل يثير الفضول
والسخرية ، لكن المسافة تبقى ذاتها فاصلة بيني وبين هذا الافق الضيق الذي يتقلص وينبسط مثل قلب ، تماماً مثل عاطفة تتحرر أمام يد ، لكنها لم تبتعد اكثر ، اذ تعثرت بي ، ثم استدارت وراحت تطارد اثاري واثامي حتى رائحة وجودي .
وقفت لأشرب قدح شاي من بائع جوّال كان مُقْرفِصاً في ركن عند ناحية الشارع .
بقي الان في جيبي درهم لاغيره . وقفت في الموقع ذاته . أحنيت رأسي ورفعته في محاولة يائسة لمداواة كبريائي والاندماج في الوسط الذي انحدر اليه .
اقتربت الطفلة مني مرة اخرى وراحت تدور في فضائي وتحط على قلقي لتجهض لهفتي وتأكل حنيني .
تنام وتستيقظ معي فأراها في كبريائها الناقص تستعير وتغطس تحت
السطح ، وعندما تقف هناك امامي كما هي عليه الان ، تنفض بلل الاحزان عنها وتضلع مرة اخرى برأس مرفوع وحرون قبل ان تتوارى عني بين الجالسين والواقفين في ثنايا الرصيف ، تبيع السكاير وعلب الكبريت وقطع الحلوى العتيقة .
اركض وراءها لأخلد خلوتها ، لكنني اراها في قلب برية مقفرة ، مع أحد أو مع لاأحد على الاطلاق ، وحيدة تائهة مثل حيوان بّري ضال يحن الى قطيعه المفقود ، تصغي الى صوت الطبيعة الواهن الذي يتسرب اليها مثل خرير نهر بعيد أو نبع أو جدول لاوجود له .
أرى عينيها الان تدمعان مثل ورقة تذبل تحت الاشجار ، كأنها تتعلم ان تبكي بكاء أعزل بين نتوءات الطبيعة وتحولات الفصول ، وهي تحتضن محنتها في اطباقة حانية ، تضع فيها كل ما لديها من قدرات على الاتصال .
تقدمت منها اكثر ، لاتيح لها ان تحدس نواياي وتخطيء في فهمي كعادتها ، واني أقودها وأضللها بسلسلة من الوساوس والحركات والمعاني ، خائضاً في بحر التشوش الذي خلقته حولها . <O:p></O:p>
هاهي أمامي أخيراً
أكاد ألمسها مددت اليها كفي واعطيتها الدرهم الاخير ، ثم مسحت الغبار الذي حط على شعرها وخديها وأخفى كل ما هو جميل فيها .
كانت بسمتها مكسورة ومحنطة ، اعتادت على رسمها عشرات المرات لتروج بضاعتها ومفرداتها على هذه الصورة ، ثم بكيت لانها لاتدري اني كنت ابكي ، ورحت أشخر من جديد وأنا مبلل بالحزن .

hebaomar
06-08-2005, 05:55 PM
سيدي القاص المبدع .. <O:p</O:p


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..<O:p

لله درك يا سيدي ، لا أدري ماذا أقول ، وقد أخجلت " بنت عمر " لحد أنها لم تعد تجد لها ملاذا ولا ملجأ تختبئ فيه من إهداءاتك الرقيقة .. ومن " بنت عمر " يا سيدي ، وما هي إلا مارة مذهولة العيون ، مستمتعة بما تقرأ ، ثم تترك شيئاً من إحساساتها ومشاعرها خربشات في بعض الزوايا .. </O:p

والله ما أدري ماذا أقول ، ولكنني سأعتبرها تحية من كاتب عزيز فاضل يجمعني به - زيادة عن حب القصة - أننا شربنا من ذات الأنهار ، فبنت عمر شرفت أن عاشت طفولتها بأرض الرافدين ، وشربت من "دجلة " و "الفرات " ، ثم عادت لتنهل من " نيل " مصر .. فأدعو لها سيدي أن تكمل النهر الرابع وتشرب من "الكوثر" .. تحية إلى مسقط رأسي .. إلى " بعقوبة " الباسلة أحملك سيدي كل التحية <O:p</O:p


والآن دعنا من " بنت عمر " فيبدو أنها ستكتب تاريخ حياتها في أفياء ، ولننتقل إلى قصتك المذهلة مبلل بالحزن<O:p</O:p

أولاً :<O:p</O:p

بالنسبة لعنوان القصة .. أصدقك القول يا سيدي أن العنوان أبكاني .. مذهل أنت في اختيار عناونيك إلى حد " الذبح " ، وكأنك تريد ان تقول أننا عصافير " شريدة " وحيدة ، قدر لها أن تبلل بالحزن .. وسأقف كثيراً عند " مبلل " وانا استعرض القصة بإذن الله .. <O:p</O:p

ثانياً : اسمح لي سيدي أن اقول أنني في كل مرة كنت اقرأ " لك " أما هنا فقد قرأت " عنك " .. على الرغم من أن القاص واحد ، ولكني أصدقني القول سيدي أهذه القصة حديثة الكتابة جداً أم قديمة الكتابة جدا .. ثمة رابط عجيب يجمع بين الكاتب والبطل أحسه ولا أتلمسه قد أعرض له في ثنايا الحديث<O:p</O:p

ثالثاً : تركيب شخصية البطل : <O:p</O:p

المرحلة الأولى : <O:p</O:p

لنتأمل سوياً عزيزي القارئ هذه الجمل : <O:p</O:p

"مذ وطأت قدماي صخب المدينة ، والنحس يلاحقني اينما حللت" <O:p</O:p

"الناس هنا في ضياع وانفلات" <O:p</O:p

"في الطريق الى مجرتي المعزولة على سطح البيت" <O:p</O:p

"شيء ما في الافق يشبه ذكريات واماسٍ سلبها الزمن مني" <O:p</O:p

"حين ولجت الى حجرتي ، أخذت ادفن حاجياتي تحسباً للمفاجأة" <O:p</O:p

"أخفيت ملامحي في ثنايا زقاق ضيق " <O:p</O:p

نحن هنا لا نتعرض لشخصية عادية أبداً من التي نتعرض لها ونحن نمر في الشارع .. بمعني أنني أريد أن اقول أننا لو كنا نقابل الآخرين ، فإننا نقابلهم ساعة ارتدائهم " أ قنعتهم الخاصة " التي تخفى نفوسهم وحقائقهم ، ولكن الكاتب - ولأول مرة على حد علمي - يعرض في كتابته لشخصية " تضع روحها قناعاً " لو صح هذا التعبير<O:p</O:p

إن بطل القصة لا يرتدى أقنعة ليتعامل مع العالم الخارجي ، ذلك لأن بطل القصة ذو تركيبة خاصة جداً ، فهو " يعيش " مع نفسه في عالمه " الداخلي " أكثر مما يعيش مع الآخرين .. لاحظ أنه يعبر كثيراً هنا في المرحلة الأولى من شخصيته بالعديد من الكلمات الدالة على هذا النسق الداخلي في التعامل: <O:p</O:p

" قدماي .. لاحقني .. مجرتي .. سلبها مني .. ولجت إلى حجرتي .. أدفن حاجياتي .. أخفيت ملامحي .. " .<O:p</O:p

إن الكاتب لم يلجأ هنا - على حد اعتقادي - لهذا التتابع المحموم في وصف الشخصية ، لالأن الحاجة قد أعوزته إلي ان يكون البطل هو الراوي .. كلا ، إن القاص يوضح لنا أن لهذ الشخصية " عالمها الداخلي " الخاص بها .. فهي تهتم " بالناس " من خلال " رؤيتها الخاصة " .. <O:p</O:p

البطل ليس بارعاً في التعامل العادي مع الناس ، تشك أنه قادر على أن يدير حوار" عادي " ، أو أن يلقي طرفة في شارع .. لكنه قادر في ذات الوقت أن يعبر لك من خلال مرآته هو عن حال الناس الذي يعيشونه " في انفلات وضياع ، الكل يلهث وراء شيء ما ، يطل في الافق ، او يتربص بهم في الدروب والثقوب ، واحياناً يرونه جاثماً في شباك العناكب او اعشاش الطيور" <O:p</O:p

ألاحظت تلك " التركيبة " الخاصة بالشخصية .. إن بطل القصة - بمعنى من المعاني - معادل رمزي لتلك الشخصيات التي هيأها القدر " للشعور " بالآخرين ، والعذاب لأجلهم بفضل " رؤية " خاصة جداً به نبعت من معطيات عدة ، أهمها قدرته على الفصل بين عالمين عالم خارجي " يفشل " في التعامل معه ، فهو يخشى سيدة البيت " العجوز " ويهرب منها ومن اظفارها ولسانها بطرق عجيبة . <O:p</O:p

لا بد من " الاهتمام " الشديد بتلك الجزئية التي رسمها الكاتب لبطل قصته حتى نستطيع أن نهيئ أنفسنا لما سيجيئ من أحداث .. </O:p

ولو لاحظ القارئ المتابع لأعمال القاص بأفياء أن هذه هي المرة الأولى التي يصر فيها القاص على عدم رسم " ملامح " حسية لبطل القصة على الرغم من افتتانه الشديد بالوصف .. فهل حقاً لم يرسم الكاتب شخصية بطل القصة ؟؟</O:p

لاحظ تلك العبارة .. <O:p</O:p

"الفقر والتيه يصبغان الاديم من الريف حتى المدينة" <O:p</O:p

لا أملك سيدي القاص سوى أن أصفق إعجابا بهذه الجملة .. تالله ماذا نقول ؟؟ لقد رسم الكاتب الشخصية هنا بكلمات قليلة بمنتهي الإبداع .. <O:p</O:p

أنت مع شخصية تحمل صفة " الأديم " .. أن شخصية البطل هي شخصية " عامة " أشع ما يكون العموم فهي كالأديم .. شخصية تقابلها في أي وقت ، من هذا النوع الذي لا تعيره انتباهك ويمر عليك وكأنه لم يمر .. ولكن ، لنتوقف قليلاً ونكمل الجملة : إن هذا الأديم مصبوغ بالفقر والتيه من الريف إلى المدينة .. <O:p</O:p

حذار ، إنها ليست بشخصية عادية ، فهي وعلى الرغم من عمومية ملامحها ، إلا أنها تحمل من الريف ملامح خاصة بها .. ولا يمكننا اعتبار الريف هنا ريفاً بالمعني الظاهري للكلمة .. فالكلمة - الريف - تحمل الكثير من المعاني ، كالنقاء ، والصدق ، وأصالة الشيء حيث لا يوجد شيء " يطل في الافق ، او يتربص بهم في الدروب والثقوب ، واحياناً يرونه جاثماً في شباك العناكب او اعشاش الطيور" </O:p

هناك بالريف / النقاء والصفاء والعالم الداخلي " عالم مضاد " لصخب المدينة بضجيجه وعناكبه وخيوطها التي نسقط فيها ، وتلزمنا فيها قدرة على السير كبهلوانات على الخيوط الحريرية وإلا سقطنا في شباك عناكب لا ترحم . </O:p

إن البطل في رحلة طويلة من " التعرف " على ملامح شخصيته الحقيقية ، وكأن " الفقر " و " التيه " صبغا ملامحه بألوان أذهلته عن عالمه وجعلته يتخبط في صخب المدينة ، وإن كان لا يزال يعاني من ازدواجية في الشخصية .. ازدواجية في مراحلها الأولي ، فهو يخاف من أن يتحول إلى هذا الصخب وينسى الريف ، لذا فهو يخاف من العجوز ، ويصر على أن يتوحد مع عالمه الداخلي ، ويعبر لنفسه عن ذلك ، فهو هو لم يتغير ، فالغرفة في اعلى السطح " مجرة " معزولة ، وما زال "النحس يلاحقه " أينما حل .. </O:p

لكنه على الجانب الآخر في العالم الجديد / صخب المدينة " يحبو مثل طفل يتعلم الاتجاه " وما زال البطل يقول " تتوق نفسي الى ان ألمس شكلاً أو مرتسماً من تضاريسها وابعادها الهلامية ، أي شكل " <O:p</O:p

ولم يحتاج لكل هذا ؟ <O:p</O:p

السبب بسيط إنه يحتاج إلى " مجرد اثبات بأنني أحيا في نموها الدهاليزي المحيّر الذي تخيلته " </O:p

المرحلة الثانية في شخصية البطل : <O:p</O:p

إذا كانت المرحلة السابقة يمكن أن نعتبرها مرحلة السكون ، والحركة الصامتة النابعة من " الداخل " وأن كل ما دار بها هي " إرهاصات " القدوم من الريف / العالم القديم إلى العالم الجديد / صخب المدينة</O:p

فإن هذه المرحلة الثانية هي مرحلة الحركة الخارجية حيث سيتفاعل البطل مع معطيات جديدة سيفرضها عليه العالم الجديد / صخب المدينة<O:p</O:p

إن شخصية البطل " المتغيرة " بفضل الانتقال إلى المدينة اعتمدت - ويا للجمال الفني - على المفارقة بين ثلاثة عوالم مختلفة : <O:p</O:p

- العالم الأول: <O:p</O:p

عالم الريف ، المعادل للبساطة والخصال الحميدة والنقاء والفقر ( عالم البطل )<O:p</O:p

- العالم الثاني:<O:p</O:p

عالم صخب المدينة بالآمال والأحلام الضائعة والرغبات المسلوبة والأحلام التي سرقتها عناكب البشر ( عالم الناس ) . <O:p</O:p
</O:p
- العالم الثالث: <O:p</O:p

عالم البرية .. عالم الفطرة الأولى ، والصحراء والقفار ، والتي تحمل من المدلولات مدلولاً واحداً في غاية الأهمية وهو الأصالة ، أنك لن تخاف رمال البرية لأنها رمال ، ولن ينالك من وحوش البرية شر ما دمت لم تعترضها بسوء ، اللهم إلا إذا كانت جائعة ، وفي جوعها سبب منطقي وهو الغزيرة .. البرية رمز لأمان الإنسان المتأمل الواثق من طريقه ولا يحبو فيه كالبطل ،ولكنه فى ذات الوقت ضياع لأبناء صخب المدينة بزيفها وكذبها إذا تاهوا من الطريق وأمضهم " الفقر " و " التيه " .. ( عالم بطلة القصة ) </O:p</O:p

hebaomar
06-08-2005, 06:02 PM
استكمل ما بدأته سيدي هنا من تعليق فالموقع يرفض تقبل هذا الكم دفعة واحدة



رابعاً : بطــلة القصـــة : <O:p</O:p

استطاع القاص أن ينقل لنا باقتدار صورة جديدة مبتكرة لوصف بطلة القصة ، يقول البطل : <O:p</O:p

" تمر من امامي طفلة هرمة تستعرض سنيّ عمرها بتبرم ووجل ولا مبالاة"<O:p</O:p

يا للروعة ويا للجمال الفني في الوصف .. شخصياً لم اقرأ هذا الوصف من قبل .. إن بطل القصة يقدم لنا بهذه الكلمات القلائل التي وصف بها بطلة القصة العديد من المعاني ، فعبارة البطل تكشف لنا عن استعماله " لعالمه الداخلي / الريف " في وصف شخصية البطلة ، فهي " طفلة هرمة " ويكشف لنا عن مهنتها فهي " تستعرض سنى عمرها " ويكمل لنا توضيحه لهذه المهنة في نهاية القصة فيقول : " اعتادت على رسمها عشرات المرات لتروج بضاعتها ومفرداتها على هذه الصورة .. " وراحت " تبيع السكاير وعلب الكبريت وقطع الحلوى العتيقة " <O:p</O:p

لا يمكن إلا لمثل هذه الشخصية إلا أن تستعرض سنى عمرها ... والرائع أن الكاتب استعمل النقيض ليصف به الطفلة ، فهي " طفلة هرمة " وهذا يوحي لنا بأن هناك نوع من " الغياب العقلي " الذي تميزت به شخصية البطلة ..<O:p</O:p

إن الزمن لأسباب عدة ، قد مر من بطلة القصة دون أن تدرى ، فهي " ترى نفسها " لا تزل طفلة ، إلا أنها في الحقيقة " هرمة " ، وإنني أميل لأن انساق مع الشعور بأن وصف الكاتب القاص لبطلة القصة بأنها " هرمة " لا يحمل المدلول المباشر لمعنى هذه الكلمة ، وإلا ما كان ليسبقها بكلمة طفلة ..

<O:p</O:p
إن الكاتب يريد أن يقول لنا أن " البيئة " التي " فرضت " نفسها على البطلة عالم صخب المدينة والعالم الجديد ، قد فرضت نفسها على تركيب شخصية البطلة ، فهي لا تحمل ولا " تعي " من عالمها القديم / البرية سوى أنها لا تزال " طفلة " ولكنها العالم الجديد / صخب المدينة قد اثر على " ذاكرتها " فهي " نست " في غمار السير في هذا الصخب سني عمرها ، فهي لا تزال طفلة في وجهة نظرها ، وطبقاً لم تحمله من ذكريات قديمة كانت الذاكرة نقية جدا فيها لدرجة أنه اعتراها ارتباك كبير بعد قدومها لهذا العالم الجديد / صخب المدينة مما اضطرها إلى أن " تستعرض " عمرها ، سواء أحمل الاستعراض المعنى السطحي أو المعنى العميق المعبر عن سيرها في ذات الطريق الذي " صبغه الفقر والتيه " ، فهي " تشترك " مع البطل في أنهما سارا في طريق واحد ، ولكن البطلة سبقته في السير في هذا الطريق ، وأنه قدم من عالم الريف حيث لا يزال يحتفظ بالكثير من طباعه ، ويصارع المتغيرات الجديدة ، متمثلة في " الجوع " كمعادل عن الحاجة بشكل عام ، في حين ان البطلة قدمت من العالم الثالث / البرية ، ولكنها لصفائها الشديد لم تستطع أن تستمر طويلاً فانكفأت وطالها وحل الطريق المصبوغ بالفقر والتيه ، فكل ما تعلمته هو " بيع السكاير وعلب الكبريت وقطع الحلوى العتيقة " أو على الأقل لربما مال البعض لهذا التحليل .. <O:p</O:p

إن البطلة مرحلة متقدمة جدا للبطل إذا ما سار في هذا الطريق ، والسؤال الذي يثار هنا : إلام سينتهي الأمر بالبطل في هذه القصة ؟؟ <O:p</O:p

ولكننا لو تأملنا العلاقة ما بين بطل وبطلة القصة في اللقاء الأول ، لوجدنا أن هذه العلاقة تكشف لنا الكثير من أبعاد شخصية البطل والبطلة في آن واحد .. <O:p</O:p

إن هذا اللقاء الأول الذي تم والبطل " يخفى ملامحه في ثنايا زقاق ضيق " يمنحك الإحساس بهروبه داخل أزقة نفسه يتحمي به من " مفردات " ومتغيرات العالم الجديد يقابل تلك الشخصية الجديدة ، وهذه " المفردة " من مفردات العالم الآخر .. <O:p</O:p

إن أسلوب البطلة في التعامل مع العالم الجديد / صخب المدينة يتمثل لنا في ثلاث خطوات رئيسية وهي :<O:p</O:p

التبرم<O:p</O:p

والوجل <O:p</O:p

واللامبالاة ..<O:p</O:p

فهي متبرمة من الوضع الذي تعيشه وتفرضه عليها الظروف المحيطة بها في عالم صخب المدينة . <O:p</O:p

ووجلة من أن يعضها الجوع / الحاجة في هذا العالم الذي لا يرحم ، فهي تستعرض سني عمرها ، وتبيع السكاير وعلب الكبريت ، وحلوى عتيقة لم يشترها أحد منها فقدمت وصارت رمزاً لمرور الزمن دون جديد .. بقيت قطع الحلوى كبائعتها لا مبالية بمن يشتريها ولم تعد لديها رغبة في أن يشتريها أحد ، ولم يعد يهمها أن يشتريها أحد في مجتمع تكثر فيها " حلوى غيرها " للشراء والبيع .. <O:p</O:p

لكنها – البطلة - في ذات الوقت تتعامل في أحيان أخرى بلامبالاة عندما تفتقر إلى إيجاد حل مناسب للتعامل مع العالم الجديد أو عند وصولها لحاجة الشبع والامتلاء في مواجهة الجوع والحاجة ، فتؤمن أن عقلها لن يمكنها من الوصول لحل ، وأن " مفترق الطرق " هذا لا بد من التعامل معه ، فمرة تسير بطريق التبرم ، ومرة بطريق الوجل ، ومرة بطريق اللامبالاة .. <O:p</O:p
<O:p</O:p

ولكن الملفت للنظر ، هو أسلوب تعامل البطل مع بطلة القصة منذ الوهلة الأولى <O:p</O:p

إن بطل القصة " ينساق " تلقائياً للتعامل مع شخصية البطل ، يقول : <O:p</O:p

" أوشكت أن أمسك بها وأدفعها إلى أعماقي ، حاولت جاهداً أن أن أخبئها في صدري دون أن يكون لها اسم أو نعت " . <O:p</O:p

إن بطل القصة " يتفاعل " منذ الوهلة الأولى مع بطلة القصة من وحي عالمه الخاص " هو " تماماً مثلما نفعل نحن في لقاءاتنا مع أحد شخص نراه للمرة الأولى .. إن القاص يريد أن يقول أنه لا يكتب عن شخصية من كوكب آخر ، إنه يكتب عن بطل " منا " نحن ، ولكن بطلنا يختلف عنا كثيراً فهو كما أسلفنا يرتدي روحه قناعا لو كانت الأرواح أقنعة .. <O:p</O:p

إنه يتعامل ويتفاعل مع البطلة من وحي عالمه الخاص ، فهي وإن كانت " طفلة هرمة تستعرض سني عمرها في تبرم ووجل ولا مبالاة " إلا أن عالمه الداخلي " يتغافل " عن كل ذلك ، ويراها " طفلة " ولا يرى منها إلا " البرية الصافية النقية المبهمة الملآى بالأسرار " .. إنه " يأخذ " منها أقرب الصور إلى عالمه هو ، فهو لا يرى من البرية سوى جمالها وعمقها ، وجمال سكونها ، لذلك فهو يلجأ مباشرة إلى أن " يمسك " بصورة البطلة " البرية ويسكنها أعماقه ، حيث لا نسكن سوى النقاء والصفاء ، وما نأمن تماماً أنه لن يخدش أنفسنا مجرد خدش .. إن تفاعله مع بطلة القصة منحه العديد من الإحساسات بالبرية ونقاءها جعله ليس في حاجة لمدلولات ومعطيات أخرى عنها .. <O:p</O:p

لاحظ تلك العبارة : <O:p</O:p

" حاولت أن أخبئها في صدري دون أن يكون لها اسم أو نعت " <O:p</O:p

هو – يعترف – أنه ليس بحاجة لأي معطيات حول بطلة القصة ، لذا فهو " يراها " نقية كالبرية التي قدمت منها ، ويريد – بكل ما تحمله الإرادة من معان – أن يخبئها في أعماقه ، حيث تسكن الراحة والهدوء النفسي الذي يفتفده في هذا العالم الجديد الذي أتى إليه / صخب المدينة . <O:p</O:p

إن بطلة القصة تملك – على الرغم من تلوثها بمجتمع المدينة الجديد – كل " مقومات النقاء " ، فهي ما زالت تملك " صفاء المبهم " و " وتنزلق على ملامح هذا الزقاق " و " وتؤجج ملامح الكلام كله " .. ومن أين لك بمثل هذه المواصفات التي تخبرك أن البطلة " إنسانة " على الرغم مما يبدو لك من تصرفات البائعة فيها ، فدع عنك – يقول البطل في رأيي – مسحة الشوائب تلك ، وتأمل البطلة على حقيقتها تجد كل البرية الصافية .. <O:p</O:p

إن البطل والبطلة يجمعها رابط عجيب " كحبل " يربطهما معاً ، وينفلت أحياناً – بسبب متغيرات الحياة وظروفها – لكنهما لا يسقطان ، فذلك الحبل يوثقهما سوياً .. <O:p</O:p

خامساً : لو تأملنا سوياً " الحدث " الأساسي بالقصة ، وهو موقف البطل وهو يبحث عن " الطعام " ويتناوله ، لانكشف لنا الكثير من " المدلولات " التي يريد القاص أن يوصلها لنا ..<O:p</O:p

إن " الجوع " / الحاجة مادية كانت أم معنوية ، تكشف لنا عن المزيد من تركيب القاص لأبطال قصته .. <O:p</O:p

إن موقف الجوع / الحاجة قد واجه البطل والبطلة ، ولكن أسلوب التعامل مع هذا الموقف اختلف ، لعدة عوامل منها أن البطل كان لديه " رصيد قديم " يستعين به على التغلب على الحاجة ( البحث عن شيخ جذبة صديق والده القديم ) ، بينما البطلة لم يكن لديها - بعد فشل كل المحاولات – أن تستعرض سني عمرها ، وتبيع السكاير وعلب الكبريت وقطع الحلوى العتيقة .. <O:p</O:p

والفرق بين البطلين : <O:p</O:p

أن البطل " استطاع " أن يعالج الموقف " لحظياً " دون أن تكون له " خطة " لمواجهة الجوع / الحاجة في قادم الأيام ، وعليه أن " يفكر " و " يبتكر " خطط وطرق للتعامل مع هذه الحاجة .. <O:p</O:p

أما البطلة فقد تفوقت " بالخبرة " ومكنتها الحاجة – وهي أم الاختراع – من أن تفكر وتخطط وتدبر وتنفذ ، وصارت لديها " القدرة " على مواجهة هذه الحاجة بسلاح " استعراض سني عمرها " و منح " ابتسامة مكسورة مكسورة ومحنطة ، اعتادت على رسمها عشرات المرات لتروج بضاعتها ومفرداتهاعلى هذه الصورة " ، و " بيع السكاير وعلب الكبريت وقطع الحلوى العتيقة " .. <O:p</O:p

ولعلي أحب أن أشرك القارئ في بعض العبارات والكلمات التي جذبت انتباهي في موقف " الأكل " هذا ، لاحظ معي : <O:p</O:p

" شيخ جذبة " .. <O:p</O:p

" واستعطفته بأني جائع ولم أجد عملاً " <O:p</O:p

" العوض على الله يا ابني " <O:p</O:p

" وأنا التهم الطعام بشكل يثير الفضول " <O:p</O:p

" مثل عاطفة تتحرر أمام يد ، ولكنها لا تبتعد كثيراً " <O:p</O:p

لو لاحظنا هذه العبارات ، لعلمنا أن القاص يفرد لنا مساحات متعددة من الفهم ، فمثلا : <O:p</O:p

" شيخ جذبة " قد يحمل الاسم في الظاهر معنى اسم فرد ، ولكن تأمل بفصل الكلمتين " شيخ " و " جذبة " .. إن الكلمتان توحيان أن " المانح " في هذا العالم الجديد / صخب المدينة / عالمنا لا يمكن أن يكون " مانحاً " ما لم يكن شيخاً ، يتمتع بفضيلة " الانجذاب " .. وكان " المنح " لا بد أن تأتي من المجذوبين ، فلم يعد من العقل أن يمنح الإنسان في هذا العالم الجديد .. <O:p</O:p

إن الكاتب يكشف لنا عن " مأساة " هذا الزمن الذي نعيش فيه ، والذي تحكمه المادية ، وتفشي " العقلانية " المقيتة في التعامل مع الآخرين ، ويلفت نظرنا إلى الألم الذي نعيش فيه بسبب هذه العقلانية العجيبة ، والخوف من مساعدة الآخرين .. <O:p</O:p

ولكن على الرغم من أن شيخنا " جذبة " أو كما أعتقد البطل ، إلا أنه يكشف لنا – ويا للأسف – عن تلك " العقلانية " في التعامل ، فيقول له : <O:p</O:p

" العوض على الله يا بني " ..<O:p</O:p

عبارة جميلة تحمل في طياتها الكثير ، وكأنه يقول بشكل ظاهري : <O:p</O:p

ربنا يعوضك ، وتجد عملاً ..<O:p</O:p

أو يقول : <O:p</O:p

العوض على الله ، كنت أتصور أن والده قد رحل ، وليس على تسديد ديون ، ولا رد جميل .. <O:p</O:p

وقد يقول : <O:p</O:p

إنها آخر مرة ، فلا تظن أنني سأعطيك شيئاً آخر .. <O:p</O:p

مدلولات متعددة تركها لنا القاص في جملة عادية بسيطة ، أوضح الكاتب لنا فيها عادات " مجتمعنا " العربي الذي نعيش فيه ، فأغنت الجملة البسيطة عن آلاف الخطب ، أو حتى تعبيرات الوجوه .. <O:p</O:p

أما جملة " وأنا التهم الطعام بشكل يثير الفضول "<O:p></O:p>

فتحمل في طياتها معاني مثيرة للشجن .. الكاتب يريد أن يقول أننا " وبأعجوبة ما " في هذا الزمن ، قد فقدنا القدرة على الإحساس بالآخرين ، فنمت بيننا وبين غيرنا سدود وحواجز لا ندري كيف صنعت ، ومن الذي بناها ؟؟ <O:p</O:p

إن البائع يتعجب من " طريقة " التهام البطل للطعام ، وكأن " الجوع / الحاجة " ليس بسبب منطقي للنهم الشديد والسرعة في التهام الطعام .. <O:p</O:p

إن الكاتب يضعنا أمام سؤال محير : <O:p</O:p

لماذا تعجب البائع من طريقة التهام البطل للطعام على الرغم من أنها طبيعية في موقفه .. شخص جائع ويلتهم الطعام التهاماً يسد جوعه ، فما الغريب ؟؟ <O:p</O:p

ألهذه الدرجة " شبع " البائع فلم يعد يحس " بالزبائن " ؟؟ <O:p</O:p

ومعي تناول المشهد بصورة أكبر :
<O:p</O:p
ألهذه الدرجة " شبعت " المدينة فغفلت عن " الريف " و " البرية " ؟ <O:p</O:p

وكبَّر المشهد أكثر : <O:p</O:p

ألهذه الدرجة " شبع " من يحكم فلم يعد يشعر في الصخب والامتلاء بما يعانيه أبناء الشعوب ؟؟ <O:p</O:p

ألم اقل لك أن الكاتب يتعرض لأمور كبرى من خلال رؤية البطل الذي يلبس روحه قناعاً ... <O:p</O:p

سادساً : المرحلة الثالثة في شخصية البطل : <O:p</O:p

تناول البطل طعامه ، و" شحذ " الدراهم الخمسة ، على حساب روح والده ، أو على حساب تعلمه لأول مبدأ في العالم الجديد ، أنه سيضحي لكي يعيش ..
<O:p</O:p

إن " الرؤية " تتضح امام البطل ، ويعرف أنه رويداً رويداً سيفقد شخصيته ، وسيفقد تلك " الروح " التي قدم بها من الريف / النقاء ليسكن العالم الجديد .. <O:p</O:p

لاحظ ما يقوله البطل عن نفسه : <O:p</O:p

" أحنيت رأسي ورفعته في محاولة يائسة لمداوة كبريائي والاندماج في الوسط الذي انحدر إليه .. " .. <O:p</O:p

ألا ترى أنني صادقة يا سيدي القارئ فيما زعمت لك بعد قراءة الجملة السابقة ؟؟ <O:p</O:p

إأن " الامتلاء " في العالم الجديد / صخب المدينة " يتبعه " ذل لا يصلح معه أن " تحاول " أن ترفع رأسك لتداوي كبريائك .. إن الكبرياء – في نظر البطل – لا يداوى ، وكأنه إنسان لا يملك سوى خيارين : الحياة أو الموت .. <O:p</O:p

إن الكبرياء لا يعرف المرض ولا يعرف إلا الموت أو الحياة ، ولا تنفع معه محاولات الاستجداء للعودة من جديد ، فمن مات مات وانتهى .. <O:p</O:p

والبطل " ينحدر " – ويا لقوة الفعل – إلى الوسط الجديد .. <O:p</O:p


<O:p</O:p


ويطرح السؤال ذاته من جديد : ما المصير الذي سيؤول إليه البطل ؟ <O:p</O:p

هنا .. مفترق الطرق .. <O:p</O:p


ولكــــــن<O:p</O:p

القاص المبدع لا يترك لنا فرصة للتمادي في السؤال ، إذ إنه جانب آخر أصبحنا في أمس الحاجة لمعرفته .. <O:p</O:p

لقد عقد القاص للبطل والبطلة لقاء جديداً ولكنه يختلف عن اللقاء الأول .. لاحظ معطيات اللقاء الأول : <O:p</O:p

" تمر من أمامي طفلة هرمة تستعرض سني عمرها بتبرم ووجل ولا مبالاة " <O:p</O:p

أما عن " رد الفعل " في هذا اللقاء الأول : <O:p</O:p

" أوشكت أن أمسك بها وأدفعها إلى أعماقي ، حاولت جاهداً أن أخبئها في صدري دون أن يكون لها اسم أو نعت " .. <O:p</O:p

أما عن اللقاء الثاني ، فلاحظ معي : <O:p</O:p

" اقتربت الطفلة مني مرة أخرى تدور في فضائي وتحط على قلقي وتأكل حنيني " <O:p</O:p

أمام عن " رد الفعل " فهو : <O:p</O:p

" اركض ورائها لأخلد خلوتها ، ولكنني أراها في قلب برية مقفرة ، مع أحد أو مع لا أحد على الإطلاق " . <O:p</O:p

ويطرح السؤال ذاته : <O:p</O:p

ترى ما الفرق بين اللقاءين ؟ <O:p</O:p
<O:p</O:p

الفرق كبير ، والبون شاسع .. <O:p</O:p

اللقاء الأول حمل البطل فيه روحه ، وهو يغالب " ازدواجية " تحاول أن تفرض نفسها على ثقافة ريفه .. <O:p</O:p

أما اللقاء الثاني فقد حمل البطل فيه روحه " الجديدة " التي تعلمت " خبرة " جديدة ، واكتسبت " حياة " ثانية .. <O:p</O:p

إن اللقاء الثاني يحمل فيه البطل " هماً " كبيراً بما آلت إليه " روحه " .. هو مرهق مما تحملته روحه النقية من معانٍ ومفاهيم جديدة ، وها نحن نراه في حيرته يحاول أن " يُقيَّم " التغيرات التي طرأت عليه من خلال اتخاذ " الطفلة الهرمة " / البرثية مرآة تنعكس على براءتها " صورته الجديدة " .. <O:p</O:p

وها هي الصورة تتضح في المرآة .. <O:p</O:p

إن البطلة على عكس ما توقع البطل في البداية ، إن " الاندماج " في المجتمع الجديد لم يأت على " كل " جوانب روحها ، فهي وإن كانت طفلة هرمة <O:p</O:p

تستعرض سني عمرها ، وتبيع السكائر وعلب الكبريت والحلوى العتيقة " إلا إنها كانت تملك – على نقيض البطل – " كبريائها الناقص " .. <O:p</O:p

لقد كانت البطلة أقوى من البطل بكثير ، وقد اعترف هو بذلك .. لاحظ : <O:p</O:p

" وعندما تقف أمامي هناك كما هي عليه الآن .. " <O:p</O:p

" تنفض بلل الأحزان عنها .. <O:p</O:p

" وتضلع مرة أخرى برأس مرفوع وحرون <O:p</O:p

" تبيع السكائر وعلب الكبريت وقطع الحلوى العتيقة " <O:p</O:p

إن البطلة – الطفلة الهرمة – صارت أقوى من البطل بكثير فهي تملك القدرة على أن " تقف " و " الآن " دالة على الصمود والقوة .. ويستمر مفعول القوة سارياً فهي " تنفض "- ولا حظ الفعل - بلل الأحزان عنها .. على الرغم من كل البلل فهي قادرة علىأن تنفضه وتستعيد الكثير من نفسها من جديد .. ولا زال الكبرياء " حياً " وإن كان ناقصاً مكسوراً فالرأس " مرفوع وحرون " ، والبطلة تملك " القدرة " على الفعل فهي " تبيع " .. <O:p</O:p

إن الاستخدام المتتابع للأفعال المضارعة ( تقف – تنفض – تضلع – تبيع ) كلها تدلنا وبقوة على توفر" قدرة الفعل " لدى البطلة . <O:p</O:p

إن البطلة تتمتع بصفات كثيرة تؤهلها لأن تكون مختلفة عن البطل ، وتمنحها القدرة على الحياة على الرغم من مشاكل العالم الجديد .. <O:p</O:p

إن البطل لا يزال يرى البطلة من خلال رؤيته هو الداخلية ، لا زال لم يفقد كل روحه القديمة فالبطلة " وحيدة تائهة مثل حيوان بري ضال يحن إلى قطيعه المفقود ، تصغي إلى صوت الطبيعة الواهن الذي يتسرب إليها مثل خرير نهر بديع أو نبع أو جدول لاوجود له .. " <O:p</O:p

إن روح البطل لم تتلوث كنفس البطل ، فما زال قلبها " قلب برية مقفرة " ..<O:p</O:p

إن عيون البطلة لها " القدرة " أن تدمع ( أرى عينيها تدمعان مثل ورقة تذبل بين الأشجار ) ، وهي " تقاوم " العالم الجديد " بتعلم " البكاء " الحقيقي ، فلا علاقة لها ببكاء صخب المدينة فهي " تبكي بكاء أعزل بين نتوءات الطبيعة وتحولات الفصول " .. <O:p</O:p

ويتحول الكاتب لينقلنا مع بطل القصة إلى " أقوى " و " أهم " حركة خارجية داخلية في آن واحد .. حركة خارجية بالسعي الجسد ، وخارجية بسعي الروح ، فهي تسير جنبا إلى جنب اتعبر عن الصعيدين المعنوي والمادي .. لاحظ : <O:p</O:p

" تقدمت منها أكثر لأتيح لها أن تحدس نواياي وتخطئ في فهمي كعادتها ، وأن اقودها وأضللها بسلسلة من الوساوس والحركات والمعاني خائضاً في بحر من التشوش الذي خلقته حولها .." <O:p</O:p

إن البطل " يتعلم " أن يكون كالبطلة .. يستطيع أن يملك القدرة على الفعل ، فهو يتحرك نحوها ، حاملاً معه كل " تراثه " القديمة ، وروحه النقية ، ويحمل معه في نقلة القدم الآخرى " شوائب " الروح ، لذا فهو يفهم أن البطلة ستحار وهي " تحدس " نواياه ، و" تخطئ " في فهمه ، فها هو شخص يتقدم منه يحمل في تقدمه نقيضين فكيف له أن يحملهما سوياً ، ولا تخطئ فيفهمه ..<O:p</O:p

إنه يخلق حولها " تشوشاً " بسبب هذا التناقض الذي يحمله ..<O:p</O:p

سابعاً : نهاية القصة : <O:p</O:p

وتستمر الحركة الخارجية الداخلية في آن واحد .. البطل يتقدم إلى البطل حاملاً معه كل تشوشه وتخبطات روحه .. يري نفسه في بعض اللحظات قريباً منها إلى حد " اللمس " المعنوي <O:p</O:p

يقول : " أكاد ألمسها .. " <O:p</O:p

لا زال بينهما فارق كبير ، لا زالت شوائب روحه تخلق ذلك التشوش .. <O:p</O:p

ثم تأتي الحركة الخارجية: <O:p</O:p

" مددت إليها كفي وأعطيتها الدرهم الأخير " <O:p</O:p

يا للروعة ، إن القاص يلعب بالكلمات ويحمل كلماته مدلولات كثيرة .. لقد مد إليها يداً " تعطي " في صخب العالم الجديد درهماً ، ولكنها " تستجدي " بمنطق عالم الريف والبرية من البطلة " النقاء " فهو المعطي المستجدي في آن واحد .. <O:p</O:p

كان على البطل أن يقاوم شوائب العالم الجديد ، فهو " يعطي " الدرهم الأخير للبطلة لأنها تستحقه .. وحدها تستحقه وتجيد التصرف معه .. <O:p</O:p

ثـــم <O:p</O:p

يتحول البطل بفضل هذا " العطاء" أن يكون " جديراً " بأن يُعطى النقاء والصفاء من جديد .. <O:p</O:p

لاحظ <O:p</O:p

" ثم مسحت الغبار الذي حط على شعرها وخديها واخفى كل ما هو جميل فيها " <O:p</O:p

أنه بحاجة لمدة زمنية فاستعمل " ثم " ليدلنا على المساحة الزمنية اللازمة لإجراء التحول الداخلي ، واستخدم " الغبار " ليوضح لنا أن كل ما علق بالبطلة من شوائب صخب المدينة هو مجرد " غبار " يحتاج ليد تمسحه وتزيله وتكشف جماله .. <O:p</O:p

وعلى الرغم من أن البطلة ابتسمت ابتسامة مكسورة ومحنطة ورسمت ابتسامتها المعتادة، إلا ان ذلك لم يعني أنها لم " تشعر " بالبطل ، ولم تكافئه على ما فعل ..<O:p</O:p

كـــلا <O:p</O:p

لقد منح هذا الفعل / الحركة البطل القدرة على أن " يبكي " .. لقد علمته أن يبكي بكاءها هي الذي يشبه بكاء وحيد بين نتوءات الطبيعة وتجولات الفصول .. <O:p</O:p

ثــــم <O:p</O:p

ألا ترى أن البطل شعر بالراحة النفسية إلى أقصى الحدود ، لقد نام ، ووصل إلى حد الشخير .. <O:p</O:p

إن " شخير " البطل ليس منة جديدة ، وإنما هو معادل رمزي لقدرته على العودة مرة أخرى لطبيعته السابقة .. دقق النظر في العبارة : <O:p</O:p

" ورحت أشخر من جديد " <O:p</O:p

من جديد بما يعني أنه اعتاد على ذلك من قبل في عالم الريف / النقاء .. <O:p</O:p

أما اعظم هدية منحتها البطلة للبطل هي عوة كبريائه وحياته مرة أخرى .. <O:p</O:p

حنانيك يا سيدي .. <O:p</O:p

تسالني من أين جئت بهذا المفهوم ؟ <O:p</O:p

أنا لا أستقول على الكاتب .. لاحظ <O:p</O:p

" وأنا مبلل بالحزن " <O:p</O:p

لو قرأت القصة جيداً لوجدت أن هذا المعني جاء مرة واحدة فقط مقترناً بكبرياء البطلة ..<O:p</O:p

راجع معي :<O:p</O:p

" تنفض بلل الأحزان عنها وتضلع مرة أخرى برأس مرفوع وحرون " <O:p</O:p

أرأيت أن بلل الأحزان اقترن من قبل بلرأس المرفوع الحرون <O:p</O:p

لقد استعاد البطل حياته وروحه التي أصبحت له قناعاً من جديد ، واستعاد كبرياءه من جديد ، وانتصر على صخب العالم الجديد .. <O:p</O:p

<O:p</O:p

القارئ العزيز .. <O:p</O:p

إن الكاتب يسأل : هل تستطيع أنت أن تفعل كما فعل البطل وتستعيد حياتك من جديد ، ونقاء روحك ، وطهر ذاتك مرة أخرى ، أم يكون موقفك كموقف صاحب المحل الذي وقف يراقب البطل وهو يأكل متعجباً من طريقة تناوله الطعام ؟؟ <O:p</O:p

أتستطيع أن تستعيد روحك مرة ثانية ، وتهرب للبرية ، وتتعلم كيف تبكي ، وتشخر من جديد ؟؟ <O:p</O:p

أيمكنك أن تقول أنك الان مبلل بالحزن ؟؟ <O:p</O:p

يقيني أن السؤال صعب جداً ، وسأحمل لك الجواب لترد على الكاتب وتقول له أن ذلك صعب .. <O:p</O:p

قل له يا سيدي القاص لسنا جميعا ذلك " الفتي " الذي " حط في كفه قمراً ذات حزن فهيأ من حلمه قارباً يعبر الليل والجوع " .. <O:p</O:p

قل له أننا يا سيدي لا زلنا في ظلام الشاطئ الآخر، ومصيبتنا ليست هي غياب القوارب ، ولكن المصيبة أننا لم نؤمن بعد أننا في حاجة إلى الإبحار لنهيأ قارباً لنبحر ونتعلم البكاء ونبلل أرواحنا بالحزن .. <O:p</O:p
<O:p</O:p


هبـــة عمــر <O:p</O:p

hebaomar
09-08-2005, 10:12 AM
سيدي القاص المبدع ..

السلام عليك ورحمة الله وبركاته ...










بكل مساحة البياض هذه ..
أشكرك ..
سعيدة أنا " بالطحالب " سعادة الشيخ العجوز ..
وما زال الماء يجرى تحت جسر المدينة والطحالب ساكنة ..

دم مبدعاً
هبة عمر

موسى الأمير
19-08-2005, 03:29 PM
إبراهيم نادر ..

وشى بك واشٍ عندي منذ حين .. من يومها وأنا أتربصك في النص / المبدأ ..

قرأت نصك وأعجبني كثيراً احتباسك للقاريء في جوٍ محكم لا يستطيع الفرار منه إلا بعد الختام .. ليعلْقَ في عالم إعجابه ..

أثنّي شكراً لمفككة النص .. القارئة / القاصة هبة عمر على .. الغوص في نصك لتجلية الروعة .. والروعةجلية ..

شكراً للحرف الزاخر هنا ..

نسخة أطرز بها الروائــع ياإبراهيم ...

لك المودة ،،