PDA

View Full Version : أشياء لا تشترى / رواية "فتحية القلا"



نائية
24-10-2006, 01:37 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
.
.
تحيّة طيبة / عيدكم مبارك
.
×
.
قبل البدء :


عن دار كنعان للدراسات والنشر والخدمات الإعلامية بدمشق صدرت رواية «أشياء لا تشترى» للفلسطينية فتحية القلا، والتي تناقش فيها مفهوم السلام في عالم متغير بين العرب وإسرائيل، وتتخذ الرواية عنوانها من قصيدة أمل دنقل الشهيرة «لا تصالح» وتكتب على غلافها المقطع المأخوذ منه العنوان «لا تصالح، ولو قلدوك الذهب، أترى حين أفقأ عينيك ثم أثبت جوهرتين مكانهما، هل ترى، هي أشياء لا تشترى».


وتدور الرواية عبر لغة سلسة وقت توقيع اتفاق السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، ومشاعر الفلسطينيين في الخارج، والتأرجح بين فكرة التمسك بعدم الاعتراف بشرعية إسرائيل، والسلام معها.
ويعلق أحد أبطال الرواية وقت توقيع السلام مع إسرائيل «لماذا هذه التمثيلية، يا أخي صحيح المثل الذي كثيراً ما تردده أمي، موت والله، كمان خراب ديار، لماذا يصر الختيار على اصطياد قبلة من ذلك العجوز المتعجرف» وتأتي الأم في هذه الرواية في أحوالها الصحية، مرضها، وصحتها وموتها، مقابلا لضياع فلسطين وتشتت شعبها في الخارج.
ومن أجواء الرواية «ماتت أمي، يدي مطبقة على يدها الهامدة داخل قبضتي المتشبثة بها، قبل قليل، كنت أبلل شفتيها بالماء، فيخيل لي أنها تبتسم، تصل شفتيها حتى ليصعب عليّ إيصال بعض نقاط الماء إليها، فتبلل شفتيها بريقها الناشف، وأشرب أنا دمعها المتواصل من جدولين صغيرين منسابين فوق الخدين الشاحبين.

.
.
الرواية جدّ جميلة ، و أحبّ مشاركتكم بها . . و سأبدأ بإدراج أول صفحاتها بإذن الله منذ الآن / . ..


كونوا بخير ..


نائية

ملاحظة / شكرا ً لإضاءتك ِ أوفيليا !

نائية
24-10-2006, 01:39 PM
أشياء لا تشترى
فتحية القلّا ...


في مقدمة الكتاب :

لا تصالح ..
و لو قلّدوك الذهب .
أترى : حين أفقأ عينيك
ثمّ أثبّت جوهرتين مكانهما ..
هل ترى ؟
هيَ أشياء ُ لا تُشترى !

أمل دنقل


بسم الله / بدأنا !


أجلسني الرجل المكلّف بمساعدتي على مقعد خشبي طويل تحت شجرة كبيرة في ركن ناء ٍ من الحديقة ، ربت على كتفي قائلا ً :
ها هو ذا مكانك . ستراك فتاتك حينما تصعد الرابية .
بدا مبتهجا ً و هو يقول :
آه ِ ما أجمل َ الحبّ .. أرى في عينيك البريق ذاته الذي أراه في عينيها كلّما جالستك . بالمناسبة هي لم تنقطع عن زيارتك حتى و أنت .. ..

لم يكمل جملته ، ربّما خشي القول حتى و أنت غارق في هذيانك .
وددت الردّ لكن لساني لم يطاوعني ، هل سأكذب عليه و أؤمن على ما قاله عن حالة الهذيان التي ظنّ الجميع أنّني تائه بها ؟ أم أصدقه القول بأنني كنت أرى و أسمع و لكن عذابي كان أشد من تجاهله ، و أقسى من تحمّله ؟

اليوم الأحدْ .. . لا أعرف كم يوم أحد مثل هذا اليوم فات و أنا هنا ..
يوم مختلف بالنسبة لي تماما ، أرصد كلّ من حولي بانتباه ، أرى و أحسّ و أفكّر و أحلل ، ما أجمل هذا !!

قبل حضوري إلى الحديقة كنت في قاعة الطعام أتناول الفطور مع جميع النزلاء ، غمرني شعور طارئ بالفرح فاستسلمت له .
تابعت بفضول وجوه من حولي ، تنطلق من عيونهم لهفة غريبة و هي تنتقل بانتظام بين طعامهم و النوافذ المطلة على الحديقة ..
أحسست بفرحتهم و هو يتدافعون للخروج ، و هم يتعانقون مع أحبّائهم و ذويهم ..
لأول مرة في حياتي ، لم يخطر ببالي ذلك الإنسان الذي أحببته أكثر من نفسي ، لم أحزن بقدر ما أسعدني غيابه أخيرا ً عن تفكيري .
لم يقترب منّي أحد ، أتأمل الحديقة الواسعة الجميلة بفضول ، أشجار السرو العالية الضخمة محيطة بالسور العالي ، تعزلها عن الشارع تماما ً ، كواحة متفردة في تصحّر البشر الذي أصبح سمة العصر . لعلّ هذه التلال المخضرّة صناعية تتناغم مع الغدران الصغيرة الرابضة بينها ، مع الأرض المستوية المغطّاة بالحشائش المنداة . مقاعد خشبية موزعة بانتظام بين الارتفاعات و الانخفاضات ، مقاعد إسمنتية بالقرب من نافورات المياه .
منذ متى و أنا أجلس على هذا المقعد كما قال لي مرافقي ؟ لِمَ لَمْ أكُنْ ألحظ ما ألحظه الآن ؟ تملّيت الوجوه البعيدة ، كانوا يتضاحكون و هم يأكلون الحلوى ، و هم يتكلّمون . الوجوه القريبة منّي مكدّرة خائفة ، لا يتزحزحون و لا يسمحون لأحد بالاقتراب . كأن هذا المكان النائي لمن لم يشف َ تماما ً ، أو من ليس له من يسأل عنه .
لكن ماذا عنّي ؟ ها هي ذي قصيدة هيفاء نظمت فجأة فوق التلّ ، إنها فتاتي تتلفّت باحثة عنّي ، ما أحسن حظّي . لوحي بيدها حالما رأتني و نزلت بتؤدة. توقفت قليلا ً ثمّ انحدرت متّجهة نحو أحد الأطباء الذي كان مشغولا ً بالحديث مع مرضاه . استدار باشّا ً حين رآها ، تصافحا ، و استأنفت السير برفقته نحوي . وقفت لاستقبالها ثم جلست . قال الطبيب :
زائرتك تلحّ على معرفة كلّ التفاصيل للاطمئنان عليك ْ . كلّ مرّة أؤكد لها أنّك بخير ، لكنها على ما يبدو لن تصدّق ما لم تكلّمها . يا أخي كلمها ، أنا أعرف و أنت تعرف بأنه يمكنك ذلك . كيف حالك ؟

: بخير ..
: أنا طبيبك ، هل تعرف ..

لكزته و أوسعت طريقها نحوي ، انسحب بهدوء ، نظرت إليّ متفحّصة . ابتسمت لها ابتسامة واسعة مشجعة ملأت وجهي ، تمنّيت أن تلحظ التغيير الذي طرأ عليّ هذا الصباح و أحسّ به من حولي . ببراءة طفل شعّ فرح كبير من عينيها ، ارتبكت حركاتها ، كانت جالسة بقربي فوقفت من جديد ، قفزت فوق المقعد ، طوت ساقيها تحتها و جلست فوقهما . صارت كلّها في مواجهتي ، ضمتني إلى صدرها ثمّ عادت تنظر إليّ منجديد . ابتسمت لها ابتسامة واسعة مطمئنا أو محبا ً أو شاكرا ً لا أعرف .
احتضنت وجهي بكفّيها و تأملت طويلا عينيّ ، و همست :
: أخيرا ً رأيت ابتسامتك الجميلة ، يا الله .. كم غابت !.

اقترب الممرّض منها حاملا ً صينية فوقها كوب حليب و بعض حبّات دواء ، تناولت ْ الكوب و الدواء من يده ، قرّبته من شفتي فيما رجاء كان يطلّ من عينيها . استعدت إنسانيّتي و قدرتي على الصمود ، شربت الحليب و رفضت الدواء .
قالت هامسة :
تناول الدواء أرجوك . لم يبق َ هناك مشكلة ، تدبّرت مع هذا الرجل الشهم مسألة الأوراق و الأقلام التي تريدها ، خبّأها في مكان أمين في غرفتك . بالمناسبة ستجد الكتاب الذي ابتدأنا كتابته في بيروت مع الأوراق . انس َ من كنا نكتبه من أجله و تذكر فقط أنه يدوّن أحداث عمرنا و قضيّتنا .
قال الممرّض ممازحا ً :
انبسط يا عمّ ، أخيرا ً وصلت الأوراق و الأقلام كما طلبت ْ . صدق من قال " يا بخت من كان الوزير خاله ! " ..
لا شعوريا وضعت يدي على قلبي ،أحسست به يقفز هلعا ً . غالبت شعوري بالمهانة ، إنّه يقصد ذاك الذي صار صاحب حظوة و سلطة ، و تحيطه علامات الاستفهام و التعجب .
نحيت الفكرة من رأسي ، يجب ألّا أغضبها فهي تكره شكوكي .
استعدت ابتسامتي ، وجهت تفكيري إلى وجودها بجانبي ، و رغبتها في إنجاز الكتاب .
الرجل الجالس بالقرب من مكاني نظر نحوي بتمعّن ثم انحنى و أخذ يكتب في دفتر بانهماك ، قفزت نحوه و صحت غاضبا ً :
أرني ماذا تدوّن في أوراقك !!
: لا شيء ، أسلّي نفسي بالرسم .

انتزعت الأوراق من بين يديه المتشبّثة بها ، ألقيت نظرة فاحصة فلم أجد رسوما و لا ما يحزنون ، كانت خربشة إنسان عقله في واد و هو في واد . ناولت الأوراق لعائدة التي كانت متبرّمة مما أفعل ، قلت :
: أنه كاذب ، مجرّد عميل مكلّف بمراقبتي ، لا شيء في الأوراق كما ترين ، خطوط بلا معنى . إنّها رموز متّفق عليها .
صاحت غاضبة :
أعوذ بالله ! أرجوك تخلّص من هذه المشاعر .

صمتت بحزن ْ ، ضغطّت ُ على كتفها متأسّفا ً على خرقي ما عاهدتها عليه مراراً . ابتسمت لها ببسالة فردت ابتسامتي . تشجعت و حاولت إسعادها فقلت :
ولا يهمّك . أنا واحد من شعب لا يموت و لا يخون . بكلّ إيمان أؤكد لك انتصار الحق ّ . صدقي نبوؤة رجل يتحدى الموت .

عادت لها بشاشتها و احتوتني من جديد و هي تقول بمرح :
أشهد أني في حضرة فيلسوف .

لامست شعرها فلم تنفر منّي كعادتها ، أعدت خصلة شعرها المتمرّدة أبدا فوق جبينها ، قلت بحبّ :
مرحبا بالخطب تبلوني إذا ..
ابتسمت و لم تجب ، زحفت نحوي ، ألقت برأسها فوق كتفي ، أحسست بدمعها .. .
فهمست :
سيخرج كتابنا للنور ، أعدك ْ .


******
يتبع . ..

نائية
24-10-2006, 02:23 PM
بعض ُ ما تبقّى !
/
\
/
\
استعددت لجلسة طويلة بعد ذهابها . تصفّحت الأوراق التي أحضرتها . عاد الطنين إلى رأسي من جديد ، حادا ً يتحدّى الشفاء الذي شعرت به صباح اليوم . نفضت رأسي ، لا شيء يمكنه زعزعة يقيني بقدرتي على استعادة مكانتي . سأتعافى و أعود كما كنت .. ستنتهي محنتي ، سيضمحلّ العذاب الذي نهشني ، سيصدق قلبي و عقلي ما حصل . سألغي المنطق الذي يتحكم بعالمي و يشقيني ، سأشفى . قلّبت الأوراق فعاد الوجع و التساؤل .

هاني ..

أ أنت َ حقا ً هذا الذي وقف أمامي هادئا ً قاسيا ً متجهّما ً ، ضاحكا ً هازئا ً شامتا ً ، لأنّ فرحة ملأت وجهي حالما وقعت عيناي على وجهك الحبيب ؟ هل تعرف كم انتظرت هذا اللقاء و حلمت به و تخيلته ؟ جمدني برودك ، ملأني بحزن مؤلم ، انتشر في كلّ خليّة من خلايا جسدي ، دمّر كلّ فاصلة من فواصل حياتي ، قتلني .
ألم تعد تحسّ بي كأخ توأم ؟ أتذكر تندّر أمنا بمشاركة كلّ منا للآخر بكاءه و ضحكاته و نحن طفلان ؟ و بعد أن كبرنا ، صرنا نتندّر بأنفسنا أمام الأصحاب و الأقارب ، بأننا روح واحدة في جسدين .
كنا نقول الحقيقة ، فقد تعلّمنا الحياة سويا ، خطونا خطواتنا الأولى في دروبها معا ً . خضنا تجاربنا الأولى معا ً . امتلأنا بدهشة ضبطت إيقاع خطواتنا معا ً . حزنّا معا ً ، فرحنا معا ً ، فخرنا معا ً ، خجلنا معا ً . الآن ألقيت بي بالمتاهات و تركتني أتجرّع مرارتها وحدي .

قلمي ينقش أوجاعي على الورق الأبيض . لا شيء يعيد صلتي بالأيام سواهما ، ليس من شيء يخفف عن نفسي ألمها سوى ممارسة لعنة الكتابة . أقول لعنة تجاوزا ً ، فطالما عددتها نعمة و منحة لا تقدّر .
ما زلت أحبّ تدوين يومياتي ، دائما و أبدا ً كانت تعني يومياتنا . ذات يوم رائع من أيام أمجادك الغابرة ، يوم عدت بعد أن أنجزت عملية رائعة في الأرض المحتلّة ، قدّم لك الأصدقاء أشياء يعتزون بها ، فقدمتها لك بدوري بكلّ حبّ . عرفت أمس كيف استغللتها بنذالة .

مع ذلك سأظلّ ألجأ للكتابة كلما افتقدتك ، و ما أحوجني لك الآن .
حالة إدمان لا فكاك منه . الظلم إدمان أحيانا ، قد لا يعرف الظالم كيف يتخلص منه ، حتى و إن أراد ، و إن رأى بعينه الأذى يلحقه بالآخرين ، و إن كانوا أحبّ الناس إلى قلبه .
ما زالت أوراقي بحوزتي ، ما زالت وقائعها محفورة بالوجدان . ما زلت أنا ، " سامي " و لست ُ بـ ِ " هاني" .. و لن أكون غيري أبدا ً ، و لن أهادن حتى آخر رمق ..
هل ما زلت تنذكر ليلة افترقنا لأول مرة ؟
دعني أذكّرك بها . ..
/
\
/
\
/
\
قضيناها ليلتنا ساهريْن ِ ، نخادع الصبح لعلّه يتأخر أو لا يأتي .
لكنّه جاء ، شهدت ْ ساعاته الأولى الباردة وداعا حميما لا يُنسى . كنت مسافرا ً إلى أقاصي الأرض كما كانت أمي تقول ، من أجل الحصول على الشهادة الكبيرة كما كان يرد عليها أبي .
كنت تقف أمام باب البيت بمنامتك القطنية الكالحة اللون ، حافي َ القدمين ، و أنا كنت ُ أرتدي أحسن َ ما نملكه أنا و أنت ْ . نرتجف من البرد ، من لوعة الوداع . دامعة عيوننا ، شعثا ً شعورنا ، و الأسى يفترش أرضنا و سماءنا . اقتربت أكثر و ضممتني إلى صدرك بقوّة . انتزعت نفسي منك و ابتعدت ، تقدّمت و التحمت بي من جديد . عدت ألوذ بصدرك ،، أتداخل فيك ، أستشعر حرارة جسدك ، أمتلئ بها ، أنفصل عنك . أشعر بقشعريرة تغمر جسدي ، و أراها بوضوح على شعيرات صدرك المفتوح ، أعود إليه من جديد ، أزرعه بمواجع الخوف من غربة تنتظرني من دونك .
رفعت وجهي الغارق فوق كتفك ، محاولا كبت دموعي ، و ابتلاع غصتي ، لئلا تزيد من عذابك . في تلك اللحظة واجهتني عيون أمي و أبي ، دامعة مفطورة . أمي متكئة على الباب و أبي المشلول معلّق بكتفها . ابتسما بوهن و لوّحا مودّعين .
سحب أبي يده السليمة و لامس كتفك ، ينبهك بأنه هنا ، بجانبك على الرغم من عجزه . تحركت َ ببطء للخلف ، ربّما مشفقا ً . أحطت خصره بساعدك و أحاطك بذراعه الواهية ، فألقت الأم إليك بالعبء كلّه ، و وقفت طويلا ترمقني بنظرات أخيرة ، عميقة ولهى ، ثم استدارت لتنضمّ للموكب الصغير الحزين . بضع خطوات و دخلتم البيت بينما ألقيت بنفسي في سيارة الأجرة لتقلني إلى المطار .

أغلق باب بيتنا لأول مرة من دوني ، أدرت عيني بعيدا محدّقا ً بإسفلت الشارع الذي كانت السيارة تنهبه نهبا ً لتبعدني عن أحبّ الناس إلى قلبي . التفتّ للخلف .. يا الله ... كم صار البيت بعيدا ً .. ساءلتكم بصمتي البائس إلى أين ؟ كيف سأعيش من دونكم ؟
غبطك و قد تخيلتك عائدا إلى غرفتنا ، أشياء كثيرة فيها تواسيك عن غيابي ، فراشنا ، كتبنا ، بقايا ثياب . ستجد الأم تحضنك ، و الأب يواسيك . ستجد البيت و الشارع والأصدقاء . و أنا وحيد بعيد .
السنوات كانت طويلة قاسية ، غلفنا يأسنا بحلاوة الأمل . اختلفت أو ربّما تقطّعت دروبنا ، و أهواؤنا ، و توجهاتنا لكن جمع قلوبنا مصير واحد ، و حب و تقدير تناميا بشكل آسر .
خلافاتنا جاءت مع بداية وقوفي إلى جانب السلام رغم علمي بأنّك ترفضه . هل تتذكر ما قلته لي آنذاك ؟ لا أظنّ ، فمن كان في مثل موقفك الحالي لا بد له من التناسي . لقد صرخت في وجهي :
من أنت َ لتغامر بمصير شعب ٍ و وطن ؟!

لم أحاول أن أبرّر أو أشرح . أعرف أكثر من غيري أنّ مفاوضات السلام القائمة ، ليس لها من السلام إلا اسمها . حبكة روائية تعرض على مسرح لا معقول . كوميديا سوداء . تبكينا و تضحكنا في آن . سمعتك تتهكّم :
ليس َ لديك ما تقوله . للأسف رجل قانون مثلك تركهم يستغلّونه ليصوغ لهم بدوره مبررات ، تطمس الحقائق لتستقيم الأكاذيب . ماذا هل بعت القضية ؟
لم أكن خائنا ً أو مستَغلا ًأو جاهلا ً كما اتهمتني حينها ، كنت أتألّم من بنودها من نبرة خطابها . لكنني حقيقة كنت آمل و أحلم بمستقبل للجميع ، أساهم بطي ّ صفحة الصراع في المنطقة ، و البدء من جديد . حين لم أردّ بجواب كنت تريده ، قلت بثقة :
إذا توفرت لديك نية خالثة لكشف المستور بورقة توت ، ما عليك سوى أن تسمع و ترى بجديّة ، حين تقرأ مراجعك ، أوراق أعمالك ، صحفهم ، مسارحهم أغانيهم ، ستجد مليون سبب لرفضي .

كان الحق كلّه معك .

من مكانتي العلمية و العملية هناك ، رأيت الحق ميتا ً في الملفات الرسمية، تاريخ شعب بأكمله و جغرافيته و أصوله و فروعه مشطوبة بجرّة قلم . سنوات و سنوات أنا شيطان أخرس . ذات لحظة ، لا أعرف إن كانت لحظة غضب ، أو كانت لحظة كشف ورقة التوت ، تبادر لذهني إعادة كل شيء إلى نصابه ، إلى الحقيقة ، إلى الحق و الباطل ، أنني أنت ، بعجر المثقف تراجعت ، و بعقلانية تامة تجاهلت ، و عدت لما كنت عليه من جديد .
في داخلي كانت تتبدّل أموري . هويّتي صارت همّي ، جزئي الفلسطيني الأضعف ، الهاجع في عمقي ، ينزف بصمت . جزئي الأمريكي الأقوى ، كان هو الوسيط الذي فتت مقولة أن القوّة ما وجدت إلا لإحقاق العدل . و عزز سريعة عدل إرادة القوي .

أعترف ... تجاهلت يقيني بعفونة أفكارهم نحونا .. و عولت على ديمقراطيتهم كشعوب متحضرة . للأسف كانت قيما ً واهية .. عبارات محشوّة في كتب ، انتقلت بسرعة إلى عقولنا العطشى و المخنوقة منذ الوعي ، بل ربّما قبله !
وسط كل هذا الألم و الضياع فاجأني نبأ مرض أمنا ، لم يسعفني عقلي بحل غير إحضارها هنا للعلاج .


**************

يتبع . ..

Ophelia
24-10-2006, 02:35 PM
أنا واحد من شعب لا يموت و لا يخون . بكلّ إيمان أؤكد لك انتصار الحق ّ . صدقي نبوؤة رجل يتحدى الموت .


تبقى هنا على أمل أن تنال ما تستحق من القراءة
شكراً لك على هذا الاختيار الجميل يا نائية

نائية
24-10-2006, 03:24 PM
بعضُ ما تبقّى . . :)
/
\
/
\
/
ما سأكتبه مذهل ، فنحن ُ في السنوات الأخيرة من القرن ِ العشرين .
بالتحديد في بداية خريف إحدى سنواته ، لا يهمّ أيّ سنة . ستعرف بـ "سنة كشفت ورقة التوت " نصّبوا أنفسهم بأنفسهم أسيادا ً للقرن ِ القادم و دفعوا بنا إلى مهاوي الظلم الفادح .

كأنّني صرت أتكلّم بلسانك ، أتصرّف بسلوكك من دون أن أدري . تغيّرت لغة خطاباتي لطلبتي ، خفتت لهجة التحدّي لكلّ من يتمثّل فكرك . خاصة الدكتور عيسى، صديقك و أستاذي الذي أشرف على رسالتي .

كانوا يراقبونني بشراسة ، عيون هؤلاء الناس لا تهدأ ، و كذلك أدمغتهم ، و كذلك رجالهم ، كلّ في موقعه . استدعيت ُ لمقابلة رئيسي المباشر في لجنة سلام الشرق الأوسط . ظننته سيعلّق على فشل المفاوضات و طرح خطط جديدة . تأهبت ُ لشرح ِ سبب الفشل كما أراه بعينيك ، إلا أنني فوجئت به يقول بلهجة فيها الكثير من التعنّت :
تمّ تكليفك بصياغة بيان السلام . فقدّم نفسك فيه رجل سلام نظيفا ً ، محبوبا ً و محلًّ ثقتهم و ثقتنا .
قبل أن أردّ عاد يقول بشكل باتر :
أكّد في البيان التزامك بنتائج مفاوضات السلام مهما كانت .
أجبته بصدق :
لا أظنّها ستسفر عن صيَغ ، لقد ْ أخفقت .
استطرد كأنّه لم يسمعني :
لتكن ْ لهجتك واثقة و متعالية ، أنت َ تفهم عقول هؤلاء العرب ْ .
توقف لحظات ثم استأنف بعنجهيّة :
هذا كلّ شيء شكرا ً . أطلعني على بيانك بعد إعداده
رفعت رأسي و حدّقت بعينيه بصلابة و قلت بحنق أدهشتني :
آسف يا سيّدي . أنا آخر من يصلح لهذه المهمّة !!
كان الردّ صفيقا ً :
لماذا ؟ هل أنت َ سام ْ الأمريكي أم هاني الشقيق الإرهابي ؟

صمت . ...
ليس في رأسي إجابة شافية . . ماذا أقول ؟ هل أعترف لهم قبل أن أعترف لنفسي بإحساسي الطاغي بطعم الخيانة ، و أنا واحد منهم لسنوات طويلة قد تكون أكثر من نصف عمري ؟

نظرت إلى الورق الرسمي ّ المسجّى أمامي ، بانتظار توقيعي لأصبح جديرا ً بالمنصب . خرج أبي من عمق ِ ذكرياتي ، متجسدا ً واضحكا مكوّما ً بالقرب من تلك الأوراق ، أكاد ألمسه بمجرّد مدّ يدي . بدأ لي بصورته الوحيدة التي ما عرفنا غيرها قط ّ ..
حزينا ً مكسورا ً عاجزا ً لاجئا ً .. .
تخيّلت ُ يده الواهنة و هي تسحب مرة تلو المرة ، بلا ملل أو كلل ، حتى يوم وفاته ، مفتاحا ً حديديا ً طويلا ً كالح السواد من تحت وسادته و يلوّح به . سمعت صوته المخنوق المنفعل " هذا مفتاح بيتكم القديم ، في الوطن السليب ، عودوا إليه " ..
ارتمت يده فوق الأوراق التي أمامي و بيده الأخرى أمسك يدي و قال :
لا يا سامي ..
لن توقّع على حكم الإعدام الصادر بحقّ بلادك نهائيا ً عن خريطة العالم القادم ..

خرجت من دون الردّ المنتظر ، أعاد سؤاله من وراء ظهري فهززت رأسي بالنفي . ضحك ضحكة غريبة ، همست لنفسي مرحى . لم أستطع أن أكون أمريكيا ً و أفعل ما يفعله زملائي ببرود أعصاب ، و لكن ..
هل يمكنني العودة إلى أصلي و جذوري ؟

هكذا كانت بداية طوفاني الداخليّ ..

/
\
/
\
يتبع ..

نائية
24-10-2006, 03:26 PM
و ما تبقّى . .! :)
/
\
/
\
/
\
صباح اليوم التالي فوجئت بقرار ترقيتي إلى درجة مستشار قانوني في الإدارة الاستشارية الخاصة برئاسة الدولة . و بالطبع طلب منّي التخلّي عن التدريس . اعترضت بشدّة ، قلب مديري شفتيه مستغربا ً نافضا ً يديه من مسؤولية ذاك النقل لأنه من اختصاص جهات عليا .
تركت الجامعة مهموما ً ، كان عليّ حسم الموقف قبل الذهاب إلى البيت . لا أريد فتح مجال الحوار مع دلال . سترى الأمور من نافذة لا أطلّ منها أبدا ً ، ستعدّ ترفعي عن قبولها ، على الرغم مما سيتيح لي من توفير جهد و وقت و زيادة في الدخل ، ضربا ً من الجنون !

وجدت نفسي على باب مقهى " آرارات " مكاني المفضّل ، حيث كنت ألقى الدكتور عيسى بشكل يومي تقريبا ً .
اليوم أتيت في غير موعدنا .
استقبلني صاحب المقهى " خريستو" بترحاب و كأنّه كان بانتظاري ، قادني إلى مكاننا المعهود ، جلس معي صامتا يتأمل وجهي المحتقن . منذ زمن أصبح صديقا لي و للدكتور عيسى ، حين يسمعنا نناقش أمرا ً يخص ّ قضيتنا كان يتدخل .
كان أرمنيا و وطنيا ، دائما يردد بأن الشعب الأرمني و الشعب الفلسطيني أكثر شعوب الأرض تعرّضا للأذى ، ولأكبر قرصنة عرفها التاريخ .

حين جاء النادل بقهوتي ، قدمها لي بنفسه و هو يقول :
" أنت ليش شايله طاجن خالك على راسك " ؟

لم يسعني سوى الابتسام من لهجته العربية و قد خاطبني بصيغة المؤنث ، ربت على كتفي و هو يجلسني :
هيّا نفّسي عن غضبك ، حرام عليك أعصابِك !
حين قرأ كتاب الترقية ، ابتسم قائلا :
لماذا كل هذا الغضب دكتور ؟ مستشار قانوني في مقرّ الرئاسة شيء مهمّ لقضيتك .

: لكنّه سيقصيني عن التدريس و عن طلبتي .

: ربّ ضارة نافعة ، من يدري .

همست ُ متأففا ً :

: ليس َ الأمر كما تظنّ ، إنّهم يعاقبونني . الحرية و الديمقراطية كلام في كلام . كل يوم تتضح أمور كانت غائبة عن بالي .
كفرت بالعلم و بالحضارة و بالديمقراطية ، كفرت بلوائح حقوق الإنسان .
جاءني صوت آخر مخترقا ً صمودي البادي :
ما هذا ؟ هل أفقدتك الترقية اتّزانك لتتحدث مع نفسك ؟

: أهلا ً عيسى ، كنت أكلّم خريستو ، أين ذهب ؟ متى وصلت ؟!

: منذ علقت على العقاب و الثواب .

: من أخبرك أنّني هنا ؟

: هل هذه أحجية ؟ سألت عنك في كل مكان و حين لم أعثر عليك قدّرت أنّني سأجدك هنا . أعرف أن حالك لا تسرّ . فيبدو أن حبلك السري موصول بالجامعات و قاعات محاضراتها . لكن هل تعتقد حقا أنه عقاب ؟

مرّ بخيالي لثوان ٍ معدودة بأنّ عيسى يرحّب بكل أذى يأتيني من مراكز السلطة ! يتمنى أن أتحقق بأنه على حق في عدم الثقة بهم . نفضت رأسي لأنفي عنه هذه الشبهة التي لا تليق بمثل هذا الإنسان العظيم .
قلت ْ :
رفضت الاستمرار في لجان مفاوضات السلام . لم أوافق على صياغة بيان أقدم رؤية الرجل المتحضر للسلام ، الشعب ينتظر الأمل و غد موعود .

: حقا ً ؟!
سألت ُ متعبا ً :
: ما ظنّك بي ؟!

: أنا من يسأل و ليس أنت .. ؟

: لماذا .. هل تشكّ في وطنيّتي ؟

: ما هذه المناورة يا سامي ؟ هل تنتظر مني مجاملتك فأقول مثلا : لم أشكّ و لن أشكّ في وطنيّتك ؟ آسف لصراحتي ، اعتقدت ُ لزمن ٍ طويل ، و نظرا ً لموقفك المتحمّس من المفاوضات طوال سنوات ، بأنّك قررت الوقوف في الظل ّ ، و ترك ساحة النضال لهاني و صحبه .

: لا ألومك ، كان عندي الاعتقاد ذاته . تصوّر .. لن أفعل !

: الحمدلله .

: إذا كان َ هذا رأيك فلماذا رفضت َ مناقشتي حين َ سألتك ؟!

: لأنه قراراك وحدك . إذا كنت َ تريد رأيي في العقاب الذي تتعرّض له فأعتقد بأنه كتابك الأخير " عالم حر ! لا فيتو بعد الآن "

ضحك َ بتهكّم :
: أ هذا عنوان يا رجل !

: استرِح ، لم توافق أي ّ دار نشر على طباعته .

: لكنّ كثيرين كتبوا عنه ، أشادوا بفكرته و منطقه في معالجته العميقة لضرورة إعادة الاعتبار لدور الأمم المتحدّة .

: أجاء الرفض من سلطات أعلى ؟

: بالتأكيد .

: سلوك معيب في دولة ديمقراطية .

: في مثل الظروف التي تمرّ بالعالم ليس معيبا ً ، يعدّونه دفاعا عن النفس . سمعت ُ من مصدر ٍ موثوق تعليق َ أحد السياسيين بأنّه " سيسبّب متاعب جمّة في الداخل و الخارج " .

: من سيجرؤ على نشره ؟

: سينشر ، دار نشر عربية في باريس وافقت على نشره و ستعمد إلى ترجمته أيضا . كتب لك صاحب الدار مع العرض كلمات ممازحة ، بأنّك بعد نشره ستكون بحاجة ماسّة لمحام ٍ بارع ، لذلك سيحوّل كل عائداته المالية إليك لتحولها بدورك لي بصفتي محاميك !

غرق َ بضحكة صافية و صادقة ، بدل أن تطفئ غضبي أثارت من جديد ، شكوكي ، فعلّقت ْ :
: أقسم بأنّ لجمعيات الرفق بالحيوان مصداقية أكثر من كلّ الجمعيات التي تعنى بشؤون الإنسان !

: سامي ، لا تبتئس .. شعورك بالمرارة و الإهانة شيء طبيعي لمن يؤمن بقيمة الإنسان .

هتفت ُ بحزن ٍ يائس :
هل بإمكان إنسان حقيقي الشعور بقيمة وجوده و معناه في عالم مفكك كهذا العالم الذي نعيش فيه !

عيسى المتيقّظ كعادته لامتصاص غضبي فرد جناحيه ليحلّق بي من جديد بعيدا ً عن ثورتي . أصبحت مهمّته صعبة بعدما أصبح الغضب سمة حياتي . كان يتكلّم ، صوته يأتي من بعيد ، متهاديا ً آخذا ً في الخفوت ، و بدوري أسقط منه و من نفسي نحو الأبعد . .. فالأبعد ، الأمر أخطر مما أظنّ ، قال :
أرأيت ؟ لقد صحّ كلّ ما توقعته .

صرت ُ حاضرا ً و غائبا ً ، ثقل طاغ ٍ أطبق على رأسي ، عيناي تجمع صور الوجوه متداخلة ، أذناي تلتقطان أصواتا ً مهزوزة ، ضحكات خافتة .
لغط و همس يذكّرني بالعاشقين أو المتآمرين . كلام يعلو ثمّ يتكسّر مع ارتطام الأشواك و السكاكين و الصحون . صوت ارتشاف خافت يأتي بنعومة ، فأحاول التركيز على الوجوه .

يد النادل تمتدّ أمامي مجدّدا بفنجان ِ قهوة آخر هامسا ً " قهوتك سيدي ، سادة و ساخنة " نظر نحوي عيسى مبتسما ً كأنما يشهده على تفانيه في خدمتنا . عيسى ما زال يتكلّم ، استمرّ يخلط كلامه بسلاسة ابتسامته الحيرى . لا أظنّه خرج عن موضوع الجلسة ، فقد صار هاجسنا . هزّني من ذراعي :
هيه .. أين أنت ؟!!

نظرت نحوه برأس مثقلة ، كان عنقه مائلا للخلف ، بعينيه فزع ! لا لم يكن فزعا ً ، ربّما تشككا ً في أنّني فقدت توازني . هززت رأسي بوهن ، شددت شفتي لتتسع ابتسامتي ، رغم أنها أتت مسكينة غمرت وجهي بالعذاب لكنّها أكدت بأنني أسمعه !

: سامي ، ماذا جرى لك !؟ عيناك محمرّتان كأنك لم تنم منذ سنة .
دع أمر الكتاب و شكوكك حول ترقيتك . تكلّم بجديّة رجاء ً .

وقفت ُ و لم أردّ ، أمسك يدي فسحبتها بعنف و قلت :

: ما جدوى الجديّة .. .أجمل ما نفعله إطلاق عقولنا من إسارها و منحها فرصة للجنون . أليس َ " المجانين ُ في نعيم" ؟!

انصرفت ُ غير َ مبال ٍ . لم أكن أعرف إن كنت أهذي أم كنت جادا ً ..
عدت وحيدا ً ، بصحبة شخصي َ المرتبك المركّب من توأمين . سامي شرف الدين ، الأستاذ الدكتور لمادة القانون الدولي في واحدة من أرقى جامعات العالم ، و هاني شرف الدين ، المناضل المفقود .

همت ُ على وجهي في شوارع المدينة العظيمة ، ساعات كثيرة مرّت و أنا تائه كأنّني جديد على المدينة و شوارعها . فكّي يحصي المآسي كأنّه يعاقبني . الحظر على منشوراتي و مقالاتي اليومية ، طلبهم خداع شعب متعب منهك ، كان آخر نقطة رفض تنزل فوق كأسي المترع .
ما أرخص الإنسان ! تذكرت روحي المعذبة ، هذياني و شعوري بوحدة قاتلة . لا أحد يتفهّم معاناتي . لا أحد يراني على حقيقتي أبدا ً . في بيتي امرأة تتفهّم أحاجي العالم إلا أنا . زوجها ، تعتبرني معضلة ، من يدري ربّما كانت على حقّ ، أعني الحق السائد هذه الأيّام . احزَنْ يا قلبي ما شاء لك الحزن و ابك ِ إن استطعت َ و اندب إن قويت على ذلك !!


أين َ الحقيقة ؟!
لا شيء َ سواها يخضع عقلي المتمرّد للاستكانة ، لا شيء غيرها يعيده إلى جادة المنطق و الصواب . لكن ما الحقيقة التي أطالب بها ؟! و هل الحقائق المفروضة الآن في كل مجال هي ذاتها التي أبحث عنها ؟ أصار لها مفهوم آخر في غفلة منّي ؟ هل ما يزال واحد زائد واحد يساويان اثنين أم يبقيان ِ واحدا ً شأنهما حين َ نضرب أحدهما بالآخر ؟!

آه ، الآخر ، إنّه سري ..
شيء تلبّس فكري ، يعذبني ، أنا لم أبق َ أنا ..
أعرف أن ما أقوله شيء مضحك ، آخ ! ما أوجع اختلاط ماضي الإنسان بالحاضر الآتي ، و زمان بمكان . أعيش خارج تاريخي الشخصي ، خارج تاريخ الكرة الأرضية بأسرها . لكن ْ .. .
فقدتك يا هاني .
لم يهن ، لم يصغر ، و لم يصبح حقيقة بعد . كم هتفت و تساءلت : أين أنت ؟
في اللحظة التي كان عيسى يخاطبني فيها بلسانك و فكرك ، بتأنيبه المحبب ألا أحبَطَ ، و ألَا أسقط في وهدة اليأس ، أنت من كان حاضرا ً في ذهني . لله يا أخي كم تتشابه أيام الأحزان ، تأتينا مثقلة بدموع و ألم ، تجرّعنا لؤمها ، و حزنها و مرارتها . و كلّما توصلنا إلى صيغة جديدة للتعايش معها . .
عربدت ْ ..!
أصبحت أكثر سوءاً و تعنّتا ً ..

أليس هذا هو الحال الذي يتعامل به الناس أيضا ً ؟

/
\
/
\
/
\
يتبع .. \ إن شاء الله . ..

نائية
24-10-2006, 03:29 PM
أوفيليا ..

تبقى هنا على أمل أن تنال ما تستحق من القراءة
شكراً لك على هذا الاختيار الجميل يا نائية
بل الشكّر لك ِ يا غالية . . وجودك ِ يسعدني جدا ً .. .
أرجو أن تنال إعجابك ، و بقيّة الساخرين كذلك . ..

فلسطين حكايات كثيرة . .. حكايات مبعثرة في شقوق الجدران العتيقة ، أو ربّما مدفونة تحت تراب ِ أرض ٍ طاهرة .. .
لكل حكاية ، بداية ما . .. لكن ..
بإذن الله ، لنا نهاية واحدة ، و ستعود الأرض السليبة . ..

نصر الله قريب .. . إن شاء الله

في أمان الله / :)

Pen
24-10-2006, 04:05 PM
شكرا لك..
ولكن هل هي موجودة على ورق.. واين اجدها ... لآنني افضلها كذلك..
ويبدوا من بدايتها .. وموضوعها ... رائعة..

نائية
24-10-2006, 04:28 PM
Pen
.. أهلا ً بك . .. :)
هي رائعة حقا ً .. و تستحق ّ القراءة . ..
بالنسبة لسؤالك / أكيد _هي_ موجودة على ورق !
لكن أين يمكن إيجادها ؟
بالنسبة لي ، أنا استعرتها من مكتبة جامعتي .. .
لكن / لكي أساعدك ، مكتوبٌ على الغلاف :
دار كنعان للدراسات و النشر و الخدمات الإعلامية ..
و كُتِب ْ :
دمشق - ص . ب 443 هاتف +963/11/2134433
فاكس - +963/11/2134433
e-mail :said.b@scs-net.org

يمكن الاطّلاع على كتب الدار و منشوراتها على صفحة الشبكة التالية :
http://www.furat.com

أرجو أنني أفدتك pen :)

نائية
24-10-2006, 04:30 PM
بعض ُ ما تبقّى . .. . . ^__________^ .. !
/
\
/
\
/
\
كنت ُ أسير في طريق الجامعة ، مقرّ عملي السابق و مكتبي للمرة الأخيرة . فوق كتفي رأس منتفخة مثل بالون ، بانتظار وخزه و تنفجر . بحزن أعبر الطريق الضيّق المتفرّع من الشارع الرئيسيّ ، طريقي اليومي ، سنوات و سنوات ٍ ، إلى عالم ٍ أحبّه .

دخلت الزقاق القديم المرصوف بالأحجار المختلفة الأشكال و الأحجام ، أطلقت عليه منذ زمن الزقاق الروماني . كنت أشعر بمتعة حقيقية حين أخطو فوق نتوءات بحصاته . إيقاع خطواتي الجادة ، تشتبك بهدير مياه النهر المحاذي ، مع رائحته المميّزة ، في عناق يحملني إلى عبق تاريخ الإنسان القديم ، أقارنه بهذا التاريخ الحديث الذي انبثق فجأة ، صار يرقى ، لكنّه ما زال مصرا ً _ على الرغم من ناطحات سحابه _ على ملامسة العراقة الأوروبية بأقلّ القليل.

لم أطرب لذلك الوقر ، لم تعبق الرائحة بأنفي ، إيقاع جنائزي يحكم خطوات الوداع . ترددت ، هممت بالرجوع ، لكنّ الصمت الحزين من حولي يذكّرني بأن عليّ جمع حاجاتي ، للانتقال إلى مقرّ عملي الجديد ، ابتداء ً من الغد ْ .

لست ُ متأكدا من شيء ، عتمة تلفّ المكان ، رفعت يدي أحدّق في ساعتي لمعرفة الوقت ، فلم أوفق ، ماذا يعني الوقت ؟ هكذا صارت أيامي ، يأتيني ليلها و يشرق صبحها ، تتعاقب لياليها و صباحاتها ، و أنا أعيش الساعات بخمود ، أحصيها بلا حماس . تعبر بي أو لي ، لا تتوقف لتلحظ انطفاء ذلك الوهج الجميل الذي كان يتدفق مع نجاحي و إخفاقي ،يضبط إيقاع خطواتي .

هاني .. أنت َ تعرفني أكثر مما أعرف نفسي !!

لم أكن في أيّ وقت من الأوقات من أولئك الناس الذين يعيشون أيّام حياتهم بمثل هذه الشفافية الموجعة . لم أرها – و لو لمرة واحدة – بعيون قلبي المتعب كما أراها الآن . لم يخالجني قط إحساس المضطهد كما الآن ، اختلف كلّ شيء ، لست كالسابق ، لم أجد عزما ً على تحدّيها .

لم يكن عدد من صادفتهم كثيرا ً حين دخولي إلى مكتبي ، حمدت الله ، لن أقف موقف المودّع من أشخاص محببين إلى نفسي ، يكفيني وداع الأشياء التي غالبا ما نرتبط بها ارتباطنا بعاداتنا و سلوكنا .

جلست وراء مكتبي لأخر مرة ، كنت دائما أتساءل : ترى متى ستكون المرة الأخيرة ؟ كنت وقتها أعني الموت ! حين َ كان َ يسرق منا أناسا ً أقويا ْ و معافين . للأسف ، لم يخطر ببالي ، بأن أنتزع منه انتزاعا ً ، و ألقى بمكان ما ، كشيء فقد صلاحيته .

و من دون رغبة في الدفاع عن حقي رحت أجمع أشيائي. مملوءا ً بكم ّ من القهر يمزّقني أرفض الثورة على التغيير و على طعم الأيام الغريب ، شأن كل من تصل ثقته بنفسه و بقدراته حدّ الافتتان .

أول ما حرصت على جمعه كان دفاتري الشخصية ، رصصتها بعضها فوق بعض . في بطن هذه الأغلفة السوداء اللامعة صفحات جميلة ملونة بلون قزح ، موشاة بنقوش من مواجعي .
نتاج عشقي للكتابة ، ملاذي القديم ، قدم الظلم السائد ، قدم الوعي الملغى !

توقفت عن ربطها ، فتحتها و قلّبت بعض صفحاتها ، قرأت نتفا ً مما دونته في داخلها . رأيت بعض أيام عمري تتبختر فوق أسطرها ، رأيت بوضوح كم كنت ُ جادا ً في سيري ، كم كانت طرقي ملغّمة بمصاعب و وجع و إخفاق . هنا و هناك إشارات لمسيرة حياتي . يكفي أن تمرّ فوقها عيناي ، حتى تمتلئ نفسي بتفاصيلها المنقوشة فوق جدران القلب .
كم كنت أهرع إليها كلّما مسّني ضرّ ! رحبة كصدر أمي أسترخي في مواجهتها ، أنكبّ فوقها فتمتصّ حرائقي ، كما يمتص ورق النشاف الحبر الفائض عن الحروف . أعود من خلوتي معافى ً ، أستأنف الحياة ، مخلوقا ً جديدا ً ، مشحوذا ً كنصل ، منتصبا ً كرمح !

أقلّب بين يدي ذاك الأسود اللامع ، فيه الكثير عنك ..
عن حضورك و غيابك ..
حضورك كان يشبه الغياب ، و غيابك قريب من الحضور .
أشرع بالكتابة فوق الأوراق المفتوحة ، على وجه صفحاتها الملون أدوّن حالتي الفريدة التي أعيش . حالة ملل أو اكتئاب وقتيّ مثل غيرها . أحجمت ... لن أتجاهل ، ليست كغيرها ، طعم الإخفاق مرير .. انهمر كالسيل في نفسي .. فاندفعت مجدّدا للكتابة .

من يهمّه غيرك يا هاني أن أمرّ بتجربة ميلاد جديد لي ؟ من يقدّر صراعي لئلا ينهزم ذاك الذي كنته . من يعنيه شعوري بازدواجيّة شخصيتي ، بيني و بين توأمي ؟!

أمام الجميع كنت أنا هو أنا ، من يعرفونه و يتعاملون معه ، و بدوري أقوم بجميع الالتزامات المنوطة بي بكفاءة عالية كعادتي . ماذا يعني هذا غير بداية طريق الجنون أو الجنوح ؟

اليوم ..
كدت أكشف المستور أمام الدكتور عيسى ، شجعني إحساسي الكبير برهافة مشاعره تجاهي . أو لتشابه أفكاره بأفكارك يا هاني ، و أنا على مشارف البوح بهذا التغيير بداخلي ، هربت .!
دارت روحي في الفراغ ذاته الذي تدور فيه حين أقرر تجاوز الخط الرقيق الفاصل بيني و بين الآخر الذي يسكنني.

ليتك تأتي يا هاني ، إنني بحاجة للبوح لك بكلّ ما يقلقني .. بهذا الإعصار الذي يعايشني .
نعم ..
في داخلي إنسان آخر ، ربما كان أنت !
يستطيل و يتكوّر و يقصر و يعرض .
تعتريني في معظم الأحيان دهشة ، كيف يسعني جسدي ؟
و كيف يفكر عقلي ؟
و كيف .. ..؟
آخ .. يا قلبي !!



يتبع /

نائية
24-10-2006, 04:57 PM
قليل ٌ من كثير لا يزال .. . هناك !

/
\
/
\
في بداية غربتي كنت في قمّة الحماسة و الإعجاب بالعالم الذي بهرني ، كان من وجهة نظري كشاب يحلم و يأمل مكانا ً عبقريا ً .
بلاد جميلة و حضارية . غبطت نفسي حين أتيح لي فرصة إكمال تعليمي العالي هناك ، كنت على يقين بأنّ كل يوم من أيّام الحياة فيها يحمل بذور خير و حق و جمال .

لا !
لم يكن كذلك !
أعترف الآن أنّه عالم مجنون و مغرور . الخير و الحقّ و الجمال قيم ٌ قديمة ، أحيلت إلى الأرشيف . و استبدلوها بقيم مرعبة ، تأتي منها ضيق البيوت و الصدور ، بغاء رابض ٌ على النواصي ، عند كلّ منعطف ، فجيعة في أخلاق الناس .

كلّما مرّت سنة ، كنت أكبر سنوات ، و أتعلّم بنهم . تغيرت نظرتي ، رؤيتي ، حكمي على الأمور . لم تتغير مبادئي ، كنت أظنّ أن ما أراه و أسمعه مجرّد سلوك فردي ، فمن يصل إلى هذه الذروة من العلم و التكنولوجيا لا بدّ من أن يكون ذا أسس و قواعد و قيم.

سنوات من العمل في التدريس و أنا أزيّن الحياة لأجيال ٍ قادمة ، إنّنا قادمون إلى عالم أفضل ، عالم واحد في خدمة الكل ّ . فجأة وجدت نفسي عاجزا ً عن الاستمرار في ذلك ، اكتشفت أنّني أزوّر و أدّعي ، أتبنّى نظرية بلا روح مخالفة للطبيعة ، وحدي في ذاك الواد و الكل في واد آخر .

كلّ شيء مختلف ، إنّه الرخاء ، رخاء فكري و اقتصادي و سياسي . ترف كهذا يكون عادة مفسدة لإنسانية الإنسان .
الناس هنا يعيشون هذا اللون من الترف فكان لزاما ً أن تصل حدّ المفسدة . لا يتذكر الفرد هناك أيّ شيء سوى أنّه فرد ضمن منظومة ابتدعتها له قوة مذهلة ، وحيدة و متفرّدة ، تخترق الوجود مثل نصل ٍ حادّ يغوص في قالب زبده طريّ ، تحلّق نحو عالم يخصّها وحدها . شعاراته كثيرة ، لكنّها حبر على ورق ، زيف وبهتان ، ضربة حظّ ، و حبال بهلوان ، هذا كلّ شيء . من يحالفه الحظّ يفرد نفسه مثل طائر الرخّ الخرافي . يسير بصفاقة ، بخطوات قويّة و ثابتة ، كأنّها له وحده .
بعدها لا يرى ، و لا يسمع ، و لا يتكلّم ، و بالمقابل ، تبتلع كلّ من يقع أو يتلكأ أو يتوقف .

غير مسموح التساؤل بأيّة صيغة من صيغ الاستفهام ، أين ؟ و كيف ؟ و لماذا ؟ و متى ؟ كلّها صارت تهما ً ، لم تبق َ كما تعلّمنا أنّها مفاتيح ُ لآفاق المعرفة . رغما ً عنّي تفجّر بداخلي إحساس ٌ طاغ ٍ ، ملأني كمارد القمقم .
صرت كيانا خرج عن نواميسه . أصير مدّا ، فأغرق كلّ المساحات من حولي ، ثم أنحسر ، أنحسر ، فأكشف عن أعمق نقطة في محيط ذاتي .
هذه طبيعتي ، أعيش بكليتي همي و فرحي ، قبولي و رفضي حيثما وجدت .

ضاقت الدنيا عليّ بما رحبت ، لم يبق َ ما أحنّ إليه و عالق في مخيّلتي و أحبه غير بيتنا القديم .
الذي فيه عشنا و منه انطلقنا إلى خضمّ الحياة .


/
\
/
\
هل ما زلت َ تذكره ؟!
هل تذكر الغرفة الصغيرة التي كنا ننام فيها على سرير واحد ؟ هل تتذكر كيف تتحوّل إلى غرفة ِ ضيوف بعد أن نغادر البيت كلّ صباح ، و يتحوّل سريرنا المشترك إلى كنبة يجلس عليها ضيوف أبي المريض ؟

هذا المكان الذي جمعنا معا ً يا هاني و نحن طفلان صغيران ، يسكنني الآن . أطلّ عليه هذه الأيام و كلّي شوق إليه ، أتمنى مقايضته بكلّ شيء !
لعلّك تدهش مما أقول . .. لعلّك تتساءل ماذا زعزع ذاك الجبل فجأة ؟
لا ..
ليس َ فجأة ..
إنها تراكمات أوجاع ِ السنين ، همومي مثل كلّ الهموم ، لكنّها تضافرت و استقوت علي ّ ..
ربّما أضعفني مرض أمّي ، ربما عدم رجوعك بعدما أبلغت نبأ مرضها لكل معارفنا ، فانقلبت شكوكي إلى مخاوف ، ثمّ إلى يقين بأنّ غيابك قسري ّ .
أو لعلّها المفاوضات الجارية التي تقودنا ببطء إلى بحور رمال متحرّكة ؟

ليت الأمر اختصر على تغير الأيام و الظروف و الأشخاص أو المسؤوليات . ما حصل هو تغيّر جليّ بداخلي ، بمواقفي ، و بأفكاري . حين خاطبوني على أنّني أنت ْ ، هاني ، ظننته عرضا ً ، فوضّحت الخطأ ، و نسيت الأمر .
لكنه تكرر ، و لم أعد أبالي .



يتبع ! << نشيطة اليوم !

نائية
24-10-2006, 05:49 PM
آخر ما لديّ اليوم ! .. << متعبة .. . يا الله !



هذه الأيّام تضعني على مفترق طرق ، تمرّ بطيئة و قاسية ، تحمل القلق و الخوف ، طفت بالتقارير التي وصلتني من أمينة عن حالة أمّي على كلّ أقسام المستشفى ، أستجدي أملا ً ، و لا يشفي أحد ٌ غليلي . ينصحونني بالصبر و الانتظار ريثما تأتي و تعاد لها الأشعة و التحاليل . من ينتظر ؟ يقولون هذا الكلام عن مريضة ، لكنّها أمي .

يرتجف داخلي فأنسى أنّني رجل ، أعود طفلا ُ يريد صدر أمّه ليحتمي به من مخاوفه . آه صدرها .. أي مصيبة ينتظر . أهرب في رحلات طويلة أسبح فيها بأحلام جميلة ، أفرّج بها عن نفسي كربتها . أزعم أنها مجرد كابوس مرعب و سينتهي .

في أحلام يقظتي أمتلك قدرة خارقة ، أتحدّى بها كلّ هذا . أطفو فوق أحزاني و أسبح ضدّ التيار ، بالاتجاه المعاكس ، فأعود إلى بيت صغير تحيله الأم بحبّها و شغفها بأسرتها إلى جنّة . أشعر بنفسي مكبّل اليدين ، أحس بيديها تحرراني من أصفادي . تمسّ موضع الألم بشفتيها ، ثم بإصبعها المبللة بريقها ، فتبرأ !
أسمعك يا هاني تعاتبها و أنت تعانقها ، بأنّك من يحبّها أكثر ، لكنّها كالعادة تحابيني عليك . أسمعها تصرخ متضاحكة و هي تتملّص من عناقك و تسعل بشدّة ، و تقول بحب لا مزيد عليه : أيّ حبّ هذا ؟ إنّه يشبه حب الدبة التي قتلت حبيبها لتبعد عنه إزعاج ذبابة " .!!

أتشبّث بضحكتها و بضجيجك يا هاني ، فيأتيني صوت أبي الواهن ، ينادي من داخل غرفته و من فوق سرير عجزه متسائلا ً عمّا يجري خارج غرفته .

أجلس في سريري ، تتفتّح الملفّات في عقلي ، أعود للحزن و للخوف ، ألامس رسغي و قدمي ، أحسّ بملامسة يد أمي .

آه ِ يا أمّي !

لا شيء َ هنا أو هناك ، الجرح هنا في صدري ، في قلبي ، و في عقلي أيضا ً .. أقوى من المنطق و من الاقتناع .

فكرة السواد مجللة في نفسي ، ربّما تعيش أمي آخر أيامها ، ربّما كان غياب هاني أبديا . أعود برحلتي حيث ابتدأت ، قرب أمّي و بعيدا ً عنها . أرمي ورائي سنوات عمري ، يغمرني شعور بمرارة اليتم ، بمرارة الفقد ، أبكي ، يهتزّ سرير ، يبكي معي !

تتقلّب دلال النائمة بجانبي ضجرة ، تعطيني ظهرها ، كأنّ الأمر لا يستحقّ حتى مواساتي بكلمة . و أمضي ليلي كما يمضيه كلّ أرق ٍ معذّب .
يرحل أخيرا ً بعتمته و يترك عتمة نفسي بقية النهار .

اليوم ْ ، موعد وصول أمّي ..

صباح خريفيّ متقلّب بدت تباشيره منذ ليلة أمس . لم أستطع تذوق شيء ، فنجان قهوتي بلا رائحة ، بلا طعم ، تبدّل أكثر من مرة ليكون ساخنا ً حين أحتسيه ، لم أمسّه ..

لملمت ياقة معطفي فوق رقبتي و خرجت مسرعا ً ، متحديّا ً البرد َ و الأمطار َ المتواصلة منذ الليل . رياح جامحة من حولي تطوّحني ، تخترق عظامي . تصفر و تزمجر كصوت النعيّ و هي تخترق الأشجار على جانبي الطريق . تتساقط أوراقها المتبقيّة فوق الرؤوس ، تسبح في الفضاء ثمّ ترقد على الأرض تحت الأقدام ميّتة . يجفل قلبي ، أبعد الخاطر المرعب عن رأسي .

واصلت المسير إلى مستشفى الجامعة لأتأكّد بأنّ كلّ شيء معدّ لاستقبالها بعد رحلتها الطويلة المتعبة ، في ذهابي و إيابي لم أستطع فصل نفسي على الرغم من كل ما بها من أسى عما يحيط بالجامعة .
السيارات تعبر الطريق اللزج الضيق ، ترص في الممرات الطويلة المخصصة بتؤدة ، يقفز منها الأساتذة و الطلبة بسرعة ليتفادوا المطر . الطلبة يتوافدون إلى قاعات المحاضرات ، وجوههم مستبشرة للفصل الجديد ، زحمة طالما أحببتُها !!

وصلت مقرّ عملي الجديد ، زملاء العمل في الإدارة مشغولون بإعداد أوراق الاحتفال النهائي لتوقيع اتّفاقية السلام . كانوا يتندّرون بسخرية مريرة عن المأساة التي ستتمّ .. على الرغم من الاغتصاب و القتل و الذبح ، رغم التشريد و القهر . اشمأزّت نفسي منّي ، كنت أسهم بكلّ هذا ، كان عذري بأنني ناديت بإنهاء الصراع لا بتكريسه لينهي شعبا ً برمّته .

لماذا يغزوني هذا الإحساس ؟!

أسئلة كثيرة تراودني ، تركتها كلّها معلّقة و انتبهت للحوار الجاري من حولي ، الحوار يحمل الرفض ذاته الذي أحسّه ، رفضني إذن ، لا علاقة له بالقومية و الوطنية ، بل بالظلم الفادح الذي يفوق الاحتمال .

ثمّة مشهد تمثيليّ يثير الفضول يؤدّى أمامي !
هبّ أحدهم واقفا ً / أحنى رأسه بذل ّ ، تهدّلت كتفاه ، رفع عينيه بأدب جمّ نحو رئيس مكتبنا .
قال : سيدي الرئيس ، إنّني رهن إشارتك ، لكن عدني أن تبعد عنّي ذلك الإرهابي اللعين ، لا تدعه يقبّلني أو يصافحني " !

تلقّى رئيسنا الإشارة ، تقمّص الدور بسرعة مذهلة ، شدّ قامته ، شمخ برأسه الأشقر ، تبسّم بكلفة بادية مبديا ً لطفا ً مصطنعا ً و قال :
: " تحمّل يا صديقي ! ما بالك ؟ كأنّك غير مقدر ما أقوم به تجاهكم ، لقد أتحت لكم فرصة نادرة ، فعليك أن تبتسم و تصافح و .. ..."
يقاطعه :
: عفوا ً سيدي الرئيس ، اغفر لي صراحتي ، أتمنى الموت على أن أقف مع ذلك الأفّاق موقف الأنداد أمامك . كنت أتمنى لو تقطع يدي قبل أن تصافح يده ، لكنّها أوامرك ، و لا بدّ أن أطيع "

قال رئيس المكتب ، منهيا ً المشهد ، مطوحا بملف كان بيده :

ترى من هو الأقوى ، الذي يرفع رأيه بعنفوان ، أم ذاك الواهن المتخاذل المطيع للأوامر ؟!

كان تعليق الجميع ضحكة خافتة مبتورة . خرجت بعدها للذهاب إلى المطار.


... << يتبع / إن شاء الله . .

في أمان الله ..

نائية
24-10-2006, 10:58 PM
.
.
منذ وصول أمي و هي راقدة في المستشفى ، حالتها بين مدّ و جزر .
تارة تكون بكامل عافيتها ، تحدّثنا و تضاحكنا ، حتى سؤالها عن هاني يأتي عاديا ً ، كأنها على موعد ٍ معه لن يخلفه . و تارة أخرى تنهار ، تصبح مثل ورقة خريف جافة ستسقط بين لحظة و أخرى . تبدي شجاعة و قوّة و في الوقت نفسه ، تستدرجنا لمعرفة حقيقة حالتها التي استدعت نقلها إلى " آخر ما عمّر الله " كما تقول ! . قالت ببساطة : سامي أريد ُ هاني ، صدّقني حالما أراه سأشفى .
قلت أطمئنها :
أصحابه يبحثون عنه . سيكلّمني بين ساعة و أخرى .
أفزعتني و هي تقول بجديّة :
ما رأيك أن تخبره بكذبة بيضاء حين يكلّمك ، أخبره أنّني مريضة بالسرطان ، كن ْ قاسيا ً معه مهما كان بعيدا ً أو مشغولا ً ، صدّقني سيأتي فورا ً ، أريد أن أراه قبل .. قبل .. . يعني الأمر لا يخلو ، لا أحد يعرف المقدّر .

بُهِتّ ُ ... لكن حين َ نظرت في عينيها وجدتهما كعهدي بهما صافيتين صادقتين محبّتين ، تلمعان بثقتها بمدى خوفنا و حبّنا لها . تعتقد بأنها بتلك الأكذوبة سوف تجبره على المجيء زاحفا ً .! تجرّأت على الابتسام و امتداح الفكرة و أنا أقول لها سلامتك يا أمّ سامي . فتردّ و أم هاني أيضا ً ، أليس َ كذلك ؟
تابعت بتحبّبها المعهود :
يا ليتك تركتني أنتظره هناك ، لا داعي للسفر و تكاليفه ، الأمر لا يحتاج كلّ هذا .

: احسبيها زيارة لبيت ابنك و رؤية حفيديك ، ألا يستحقان ؟

: بل يستحقّان روحي لكن عليّ انتظار عودة هاني
قاطعتها ممازحا ً :
هنا أيضا ً يوجد هاني الصغير و هالة .

أيّام ٌ تمرّ ، بانتظار الانتهاء من الإجراءات اللازمة و التحاليل . أمارس حياتي بشكل روتيني قاتل ، أساعد نفسي لتحمّل أيّام الانتظار ، ولا أستطيع التغلّب على شعوري الطاغي بأنّ حدثا ً جللا ً سيغيّر حياتي . بتباطؤ التقطت ُ سماعة الهاتف ين تنبّهت لرنينه المتواصل . إنّه عيسى ، ما زال متابعا ً مهمّته في رعايتي و التخفيف عنّي . جاءني صوته على الهاتف متسائلا ً : أين َ أنت ْ ؟! حاولت أن أخرج من ذاك المزاج المظلم فقلت محاولا ً التطرف : لم أزل أعيش .
: كيف أحوالها ؟
وجدت نفسي و أنا أحادثه أخلط الحابل بالنابل . أحدّثه عن عملي و عن أمّي و عنّي و عن هاني ، أعود أحدّثه عن الجريمة التي سترتكب بحقّ قضيّتنا . أبلع غصتي ، أحبس دموعي ، أكرّر ما قلته . تركني أتكلّم ، خمّنت أنه يحتسي قهوته و يمج البايب و يهزّ رأسه كعادته . أدرك أنني لست على استعداد لمناقشة أيّ شيء . قال :
سامي ، تماسك حتى تجتاز أزمة مرض أمّك ، لا تفكّر بشيء آخر الآن . دع عنك َ هذا التعذيب النفسي ّ ، لا مبرّر له . موقفك المؤيد في السابق مهمّ ، كان لا بدّ من أن يقوم به شخص مؤمن و مخلص ، نشكر الظروف أن كنت َ أنت هذا الشخص .

بعد كل المحاولات ، لم يبق َ لنا سوى طريق الآلام ، دع هذه الأمور لنا ، سيأتي دورك صدّقني ، و ستبدع. المهم ، لا أريدك أن تكون وحدك أثناء إجراء العملية ، يجب أن نكون معك ، هذا أمر ، هل فهمتني ؟ متى ستجرى ؟

: لا أعرف ، لكن ربّما يكون غدا ً .

: هوّن عليك ، سيكون كلّ شيء على ما يرام . بانتظار مكالمة منك ، إلى لقاء .
\
/
\
/
\
/
\
/
\
المطر الخريفيّ مستمرّ ، صار مصحوبا ً ببرق و رعد . قضيت معظم ليلتي بالقرب من ابنتي التي تخافه ، حين هدأت نفسها و نامت ، تسرّب الخوف إلى نفسي ، كأن العاصفة الهوجاء اقتلعت الأمل منّي .

مع بزوغ الصباح كنت في طريقي إلى المستشفى لزيارة أمي ، كانت جالسة في سريرها بانتظار انتهاء أمينة من تجهيز الحمام . ما إن رأتني حتى قالت بفرحة :
صباح الخير يا حبيبي . لقد صحوت كعادتي مع أول خيوط الفجر رغم فرق التوقيت . لكن ما زال الوقت مبكّرا ً على حضورك .
مددت يدي لتستند إليها ، قالت :
ساعدني ، أريد أن أصلّي كعادتي و ليس في هذا السرير .

: قريبا ً يا أمّي سيعود كلّ شيء إلى حاله .

: إلى حاله ؟ هيهات .. الذي يذهب لا يعود ، الأيام و الصحة و الأولاد و .. ...

لم أعد أحتمل اللعبة ، تعرف أنني أكذب عليها ، و أعرف أنها تستدرجني لتعرف مدى صحّة شكوكها . أنفلت من جلسة العقاب التي أصلب بها ، انحنيت فوق رأسها أقبّله ثم انكببت ُ فوق يديها خاشعا ً و مودّعا ً . همست لأمينة و أنا أضمّها :
لن أقوى على الصمود أكثر سأذهب . اتّصلي بي .

على باب الغرفة كنت وجها ً لوجه مع الطبيب الجراح . تراجعت للخلف وجلا ً ، أفسحت له الطريق . التقط يدي الممدودة للسلام ، تراجع قليلا ً للخلف و سحبني إلى خارج الغرفة و هو يقول :

: كيف استعدادكم ؟ سنجري العملية اليوم .

: اليوم ؟

لم يردّ و لكن ابتسامة مشجّعة ارتسمت على شفتيه . قلت :
أرجوك دعني أبلغها بنفسي .

: كلمة عمليّة لها رهبة ، حاول أن تطمئنها .

: أنا من يحتاج للاطمئنان أكثر منها . هل الأمر خطير ؟

: لن نستبق الأمور .

تركني باتجاه غرفة أخرى . دهشت للبساطة التي تحدّث بها عن أمر يكاد يقضي عليّ . يا الله .. كيف تصبح مثل هذه الحالات المروعة عادية في أذهان الأطباء . رجعت إلى غرفة أمّي ، متكلّفا ً الفرح . ما تزال على جلستها ، ساقاها متدليّتان نحو الأرض ، رأتني ففرحت كمن وجد ضالته ، صاحت لهفة :

: لماذا عدت يا حبيبي ؟ هل نسيت شيئا ؟

هممت بمساعدتها لكن يد أمينة التي كانت بانتظارها تلقتها ، مشتا سويا باتجاه الحمام ، فقلت أمازحها :

: أريد أن أقوم بخدمتك اليوم ، ما رأيك ؟!

تساءلت أمينة هامسة : هل من جديد؟
هززت رأسي ففهمت ْ و تراخت يدها ، أسرعت أسند أمّي ، حين أحسّت بذراعي تحتضنها أسندت رأسها إلى كتفي . شعرت بها طفلة خائفة تلوذ بساعدها القويّ .
ملأت كفّي بالرغوة و وضعتها فوق وجهها . لأول مرة في حياتي أمازحها على طريقتك يا هاني ، أردت التسرية عنها قبل إخبارها . دفعتني برفق و أخذت تفركه بأصابعها و هي تقول :
ما هذا يا دكتور أهو تسديد حساب ؟ ليس بعد .
تصنعت الغضب و أنا أقول :
لا بأس .. أمينة ساعدي أمّك سأقوم ببعض الاتصالات .
استدارت نحوي و الصابون ما زال طافيا ً فوق وجهها و قالت :
ليس من العدل أن تصاحبني أنت و أمينة في رحلة مرضي المزعومة هذه و لا يتاح لهاني .

استدارت نحو المغسلة و أخذت ترشق وجهها بالماء كأنها تضرب عالمها الظالم . لم أردّ . أخبرت عيسى أولا ثمّ اتصلت بدلال في البيت ، كانت سميحة في زيارتها ، أخذت السماعة و قالت على عجل :
لا تقلق ! إن شاء الله سليمة ، مسافة الطريق و أكون معك . لقد وقفت َ بجانبي في أحلك أيّام حياتي .

أحسست بأنّ هذه الجملة تعني دلال أكثر مما تعنيني . لا أنكر بأنني تمنيت أن تكون دلال هي التي تريد أن تكون معي .

دبت حركة نشطة في الغرفة ، طلبوا منا المغادرة ريثما يعدّون المريضة للجراحة . كانت عيناها الخاشعتان في الصلاة مبللتين بدموع رقيقة . أدارتهما حولها تحاول أن تفهم ما يجري ، لم أكن قد أخبرتها بعد ، رأيتها تزمّ شفتيها و تقول متعبة :
قلت َ أنّك عدت َ لمساعدتي ، منذ متى تعرف أن تخادع ؟
حمد الله أنها فهمت ، فقلت :
نصف ساعة و ينتهي كلّ شيء ، عمليّة صغيرة جدا ً لن تشعري بشيء قبلها أو بعدها .
جاء أحد الممرضين يدفع أمامه سريرا ً متحركا ً . دخلت الممرضة خلفه ، اقتربت منها تداعبها و هي تحقن وريدها . قالت :
ارتاحي تماما ً ، أنت ملكتنا اليوم و كلنا في خدمتك .

كنت أقوم بالترجمة بين أمّي و الممرضة ، محاولا ً أن أستمدّ المرح من وجه تلك الشابة المريح . الغريب أنّ ما علقت به أمّي كان يحمل الشعور بالتفاؤل ذاته . قالت :

قل لها أنني استبشرت خيرا ً بوجهها الجميل .

تضاحكنا جميعا ً . نقلوها من سريرها إلى السرير الآخر ، و انطلقوا في رحلة طويلة بين غرف المنامة و القسم المخصص لغرف العمليات . شعرت كأن الأمر سار بأسرع مما تخيّلت . الخوف الذي سكنني طوال ليلة أمس عاد من جديد و حطّ فوق كتفيّ . هرولت بمحاذاة سريرها المنطلق عبر الممرّ الطويل ، و المستقرّ بمصعد المرضى .

كأنني أركض في اللانهاية .

أمي مغمضة العينين ، تتمتم بسور القرآن ، تجاهد لتخفي قلقها . حين اقتربنا من غرفة العمليات ، أمسكت بقميصي بقبضتها و جذبتني كأنها تحتمي بصدري . انحنيت و حضنتها و أنا أقول :
لا تخافي ، جراحة بسيطة من أجل الاطمئنان فقط .

: لست ُ خائفة ما شاء الله فعل ، لكنني أشعر بالبرد . تذكر يا سامي أنّك تعذّب نفسك و تعذبني من دون سبب . أنا بخير ، لماذا لا تصدّق بأنها وعكة و سأقوم منها ؟ أؤكد لك بأنني بأحسن حال .

: لا يضرّ أن نقوم بكلّ ما يطلبه الأطبّاء .

مسحت دمعة سخيّة سالت فوق خدّها و هي تقول :
أحسن شيء في هذه العملية أنّها ستخيف هاني على أمّه و يهرع إليها . أليس كذلك ؟ ألا تفعل ذلك لو كنت مكانه ؟

دفع الممرض السرير من أمامي بعيدا ً بينما هي ممسكة بيدي ، مع بداية تأثير المخدّر و همست :
أمينة حبيبتي . مع السلامة ، خذي بالك من أخويك ، فأنت الأم الصغيرة .

غصّت بدموعها فسكتت ، صرخت أمينة . همست أمّي :
الله يحميك يا حبيبي من كل سوء . كنت أتمنى أن أرى هاني قبل أن أموت . أنتم أجمل من في الدنيا .

لم تسمع تمنياتنا ، و لا أحست بغصّتي . لم تسمع نحيب أمينة ، و لم تر الفزع الساكن في عينيّ و عيني أختي . أغلق الباب ، و حيل َ بيننا ، سمعت آخر آهاتها مستجيرة " يا رب " .

قادتنا الممرضة عبر ممرات كثيرة إلى غرف الانتظار ، وجدنا هناك الدكتور عيسى و زوجته ، الدكتور إسماعيل و زوجته ، سميحة و زوجها . و لم تحضر دلال . تبادلنا تحيّات هامسة ، عاد كلّ إلى مقعده ، جلست بجانب أختي ممسكا ً بيديها ، و ساد صمت ْ ...

مرّ أكثر من ساعة و لم يأت ِ من يطمئننا ، لقد أخبرونا بأنها عملية بسيطة ، مجرّد أخذ عينة من ورم الثدي ، لا تستغرق كلّ هذا الوقت . ما الذي جرى ؟ كنت و أمينة ندور حول أنفسنا ، نكتشف بأننا مازلنا في أماكننا ، كلّ منا يستجدي الآخر كلمة تشجيع أو اطمئنان فلم يفلح أحدنا أن يقولها للآخر .

قام الدكتور عيسى بفتح التلفزيون ، انشغل ضيوفنا تماما ً بمتابعة ما يعرض على شاشة السي إن إن الفضائية نقلا ً مباشرا ً لوقائع الاحتفال بتوقيع اتّفاقية السلام . لم أتابع ما يجري لكنني كنت أسمع تعليقات عيسى ، حزينة و حارقة . أشار إسماعيل إلى أعضاء الوفد الذي كنّا أنا و هو ضمنه . قال :
لم يعينوا أحدا ً مكان سامي .
قالت سميحة :
بالمناسبة ، لماذا أنت الآن هنا و ليس هناك ؟!

لم يرد ّ إسماعيل ، بل نظر نحوي ، يرجو أن أجيب على التساؤل حتى الذي لم يقل بعد . لم يعرف كم كنت بعيدا ً ، لم يعرف بأنني لم أعد أرجو شيئا ً سوى عودة أمّي إليّ و انتهاء الكابوس . صرخ الدكتور عيسى :

أيّ مهزلة هذه ؟!!!
أهكذا حوّلت القضيّة العظيمة من قضيّة وجود ، إلى خلاف بسيط على حدود لن ترسم و لن تكون آمنة في يوم من الأيام ؟؟!

فجأة وقفت أمينة صارخة :
سامي اذهب و استفسر ماذا يجري هناك ؟

تحرّكت لا شعوريا ً مع صرختها ثمّ تسمّرت في مكاني . كنت خائفا ً من الذهاب و معرفة الحقيقة . أمسكت بيد أختي ، ضممتها إلى صدري . أجلستها بقربي ، أحطت كتفيها بذراعي ، نشيجها يقطع قلبي ، أهمس لها لأشغلها . سأل عيسى إن كان التلفاز يزعجنا . قلت بألمي الآخذ في التمدد :
لماذا هذه التمثيلية ، يا أخي صحيح المثل الذي كثيرا ً ما تردده أمي " موت و أمر الله ، كمان خراب الديار ؟! " لماذا يصرّ الختيار على اصطياد قبلة من ذلك العجوز المتعجرف ؟
قال عيسى :
قبلة تملّق لا أكثر .

: يرخص نفسه و قضيّته .

: وضع طبيعي بين ضعيف و قويّ .

قفزت واقفا ً :

أوف .. لم أعد أحتمل !

أكثر من صوت سأل " لم تعد تحتمل ماذا ؟ "

في تلك اللحظة ، حصلت المعجزة و ظهرت الممرضة . وقفت أمامنا مسندة كتفها على الباب . أشارت لعيسى أن يخفض صوت التلفاز ، و لي أن أتبعها ، لحقت بي أمينة فرجوتها أن تبقى و تنتظر .

تبعت الممرضة عبر ممرات طويلة خيّل إليّ أنها بلا نهاية متسائلاً مع كلّ خطوة ، ماذا جرى ؟ سراديب طويلة ، دهليز إثر آخر ، أكرر سؤالي .
الممرضة تنفي معرفتها بشيء . دخلنا أبوابا ً و خرجنا من أبواب ، كانت تفتح أمامنا تلقائيا ً ، تستقبلنا أو تبتلعنا ثمّ تغلق حالما تحتوينا . ملأني إحساس بأنني قائد بائس مندفع بلا خيار ، الفاجعة خلفه ، و الفاجعة بانتظاره .
أتصدّى لعواطفي مع كلّ خطوة ، أصبحت ُ هيكلا ً عظميا ً فارغا ً يصفر بين جنبيه الألم المكبوت . أقود نفسي المعذبة ببرود لإيقاف زحف ٍ عالمي ّ نحو خراب أكيد .

كلّما توغّلنا كانت درجات الحرارة تنخفض ، كلّما اقتربنا من الهدف ، أرتجف بردا ً و قلقا ً . أخيرا ً وصلنا ، هنا كنت مع أمي قبل فليل ، أشارت لي الممرضة بالبقاء حيث أنا ، قلت متوسلا :
أرجوك ِ أخبريني ماذا جرى ؟

: لا أعرف شيئا ً ، سيأتي الطبيب للتحدّث معك .

دقائق الانتظار تمرّ كأنها دهر ٌ بكامله ، قضيتها متنقلا يقظا ً مثل ديدبان نشط ، مشنف أذنيه ، كأن حاسة السمع وحدها الباقية تعمل بأهلية كاملة .

خرج الطبيب من إحدى غرف العمليات ، مرتديا ً ملابس َ خضراء َ ، منتعلا ً حذاء مطاطيا ً يصل إلى ما قبل الركبة بقليل . أيّ رهبة ، هوى قلبي من مكانه و هو متقدّم نحوي ، خلع قفازيه و رفع الكمامة عن فمه و أنفه ، عرفته . قال على عجل :
طاب َ يومك .. لا وقت لدينا ، يجب أن تبتّ بالأمر سريعا ً .. .

صمت قليلا ً ، ربّما كان َ يبحث عن كلام ، قدّرت بأنه سيبلغني بأنّ أمي انتهت . تنبّهت حواسي ، هززت رأسي مشجعا ً. ..

: آسف ، الحالة متأخرة و الورم ليس سليما ً ، أريد موافقتك على استئصال الثدي ْ بكامله و كذلك الغدد اللمفاوية المحيطة به.

حاولت النطق لم أجد صوتي و لا لساني . نظرات الطبيب المترقّبة تدفعني لتصرف سريع . كل ما استطعته أن مددت يدي بشكل آليّ و تناولت الأوراق التي قدمتها لي الممرضة ، و وقعت بإمضائي . انتظر الطبيب إشارة البدء ، قلت باستسلام :

أرجوك ، اعمل ما تراه مناسبا ً لإنقاذها .

هزّ رأسه و انصرف . بدأت رحلة عودتي إلى غرفة الانتظار ، ترافقني الممرضة ذاتها . لم تكن رحلة العودة كرحلة الذهاب ، كانت أمرّ و أقسى . عرفت أننا قد دخلنا النفق المرعب . أسمع صوت الممرضة ، أقدّر محاولاتها لتخفف عني لكنني كنت في عالم آخر . أندب و أنوح . آه .. يا للقسوة \ أيّ وجع ؟ توقفت عن المسير و أطلقت العنان لدموعي المحبوسة ، بكائي صار نشيجا ً ، صار عبقا ً يمتلئ به الصدر ، يجأر لماذا أمي ؟!
أصرخ و أضرب رأسي بالجدار فيرتدّ من قوة الضربة و يعود للارتطام به من جديد . يد الممرضة تسحبني للبعيد ، فأقاوم و أعود .

أخيرا ً استسلمت ُ ليد ِ الممرضة التي كانت تسحبني نحو غرفة الانتظار . لا أذكر إن كنت مشيت كل تلك الدهاليز أم سقطت فجأة من كوة ما أمام أختي أمينة المسمّرة مثل تمثال سمعي . اندفعت نحوي ، تشبّثت برقبتي ، بنظرات صامتة حزينة تسألني . ألجمها صمتي و وجومي و حزني المفترش وجهي عن أن تسأل . كان الجواب مرسوما ً بدقّة بكلّ قسمات وجهي .

صرخت و تداعت على مقعدها . دموعها تتدفّق فجمدت دموعي في مقلتيّ ، مثل حصاة أحس بها تعذبني تجرحني ولا تنزل . قفزت نحوي مرة أخرى ، انقضّت عليّ تهزّني ملتاعة ، ثم ارتمت فوق صدري صارخة :
ماذا يا سامي ، هل أمّنا في خطر .

قلت بوهن : ستكون على ما يرام .

كان صمتا ً جنائزيا ً ينشر أجنحته في غرفة الانتظار ، اختتمت للتوّ مشاهد مسرحية درامية متقنة الأداء ، فقدنا بعدها القدرة حتى على التعليق على ما جرى و يجري . عيناي مصوبة على التلفاز ، كان يبثّ صورا ً بلا صوت ْ . عقلي ممتلئ بأصداء صراخ ابن يوشك أن يفقد أمّه .

كلّ منا تشاغل بشيء محتميا ً بصمت ٍ خانق . أدرت ظهري للجميع ، صرت في مواجهة النافذة المطلّة على الحديقة . الخريف مرة أخرى ، أمامي و بداخلي . بقدر ما أحببته فيما مضى ، خفته . الأشجار تتهاوى أوراقها بامتثال تام . لا بدّ من سقوط فقد صلاحية أداء دوره في الحياة .
/
\
/
\
/
\
عشنا أياما عصيبة أنا و أختي ننتظر نتيجة عملية البتر ، و أنا و العالم بانتظار نتيجة التوقيع على اتفاق هزيل . هلل الأطباء بنجاح العملية ، فاسترحنا . و هلل العالم لاجتماع تمّ رغم استحالته . استراحوا على الرغم من علمهم بأنه لن يجدي شيئا ً . تجاوز الأصدقاء وجع الاتفاق ، شاركوني فرحة أبديتها على الرغم من الوجل الساكن في قلبي .

أمي في حالة سكون و ذهول أخافتني . كلّما تلاقت عيوننا ترفع كفّها لا شعوريا ً و تلامس صدرها الفارغ . تحني رأسها كأنها خجلة من هذا النقص ، كأنها فقدت الحقّ في أمومتها .
تشاغلت ُ بترتيب حوائجها و أنا أقول بمرح مصطنع : ستقضين فترة النقاهة في بيتي مع هاني و هالة .

: لن نخبر هاني .

: غدا ً سنعود ، الولدان بانتظارك بلهفة .

: ما يدريك لعلّي لم أعد قادرة على العطاء أبدا ً ..

قلت ُ بهمس ْ : ستكونين الخير كلّه كما كنت ِ دائما ً .

يوما ً بعد يوم ، بدأت تستردّ السلام مع نفسها ، وجود الصغيرين ساعدها على استعادة ثقتها و قوتها . أراها سعيدة حين تلعب معهما كأنها نسيت . تحكي لهما قصصها القديمة ، تخبرهما عن البلاد ، عن جدّهما بطلها القديم ، عن عمهما هاني ، بطلها الجديد .

دلال كعادتها ، لم تكن لتتساهل و تتركها تقوم بما يحيي رغبة الحياة في أوصالها . كثيرا ً ما تقاطعها ، فتخمد الحماسة المنطلقة من عينيها . و من دون مبرر تطلب من الولدين الذهاب إلى غرفتهما .

تمرّ أيام أراها تتألق صحة و عافية و قوة . حركاتها و كلماتها تكون مثل مؤشّر عن عبور الأزمة ، فيبعث الأمان في نفسي . إنها بخير ، و ستعود إلى بيتها قريبا ً جدا ً لانتظار هاني . لكنها حين تصمت و تعتكف بعيدا ً عنّا في عالم يخصّها ، أحترم رغبتها ، أبتعد بدوري ، و إن كنت أقضي ليلي أجول حول بابها الموصد على الألم .

الليلة سهرت مع أمي و أمينة إلى ما بعد منتصف الليل ، نتسامر و نتضاحك في إطلاق الذكريات من أسرها و نعيشها مرة أخرى .
ذِكْرُ هاني أضفى على جلستنا الكثير من المرح و الحبّ . فضّت السهرة ، تبادلنا القبلات و التمنيات بليلة سعيدة .

مزّق هدوء الفجر المتسلل إلى غرفة منامي استغاثة ألم ، هرعت إلى أمي ، كانت ممتقعة تتقلب من الألم ، كانت أمينة تهزّها و تضرع إليها أن تردّ عليها ، رأيتها تجهد نفسها لتبقى مفتحة العينين لتطمئنها لكن ما رأتني حتى استسلمت و أغمضت عينيها .

هرعنا للأطباء ، على الرغم من أنها لم تستطع تحديد موضع الألم أو نوعه أكدوا أنها بخير و علينا المواظبة على العلاج . عاد لها هدوؤها بضعة أسابيع أخرى ، فاستراحت نفوسنا ، اعتبرنا ما مرّ مجرد وعكة . لكن الألم هاجمها بشكل ٍ أعنف . نوبات قيء شديد ، ارتفاع في الحرارة ، عطش شديد ، جوفها يحترق ، فتطلب بين فينة وأخرى ماء ً باردا ً يطفئ حرائقها الداخلية .

أعدتها إلى المستشفى ، أجريت لها فحوص كثيرة ، قرر الأطباء استبقاءها تحت الملاحظة . ها قد عدنا لدوامة المرض اللعين .الأطباء الذين كانوا يؤكدون تجاوزها المحنة ، تراجعوا مجمعين َ على ضرورة إخضاعها للعلاج الكيماوي .

بنود الاتفاقات و الوعود سقطت واحدة إثر أخرى ، بينما بقي َ التزامنا ثابتا ً كما وعدنا . صارت القضية عرجاء بعد بتر نصوص ميثاقها الوطنيّ ، ظلّ يرعبهم حتى و هو مبتور .
لم نصدّق أنّ كلاما ً على ورق ، يخيف إلى هذه الدرجة . لم نتعلّم بعد بأنّ الكلام في كلّ مواثيق العالم له وزنه ، و نحن أصحاب ُ لغة ِ الضّاد ، يبقى مثل دواوين أشعارنا ، أجمله أكذبه !!

/
\
/
\
/
\
يتبع . ..

نائية
24-10-2006, 11:02 PM
ما تبقّى لهذه الليلة .. .

في مكتب رئاسة الجامعة التقيت السير دونالد . كان موعدنا مرجلا ً إلى ما بعد أعياد رأس السنة الجديدة ، لكن فجأة استدعيت لمقابلته . كنت أرتجف من شدة البرد و في الوقت ذاته من الغضب !

أتى الرئيس على كافة التفاصيل ، لم يعطِني تفسيرا ً واحدا ً لتقديم الموعد ، و لعد أخذه مرض أمّي بعين الاعتبار . انتظرت انتهاء حديثه الهادئ المشوب بتحد ٍّ أثار دهشتي . كان واقفا ً وراء مكتبه ، ينظر إليّ بتودّد مراوغ محترف . بدا لي أقصر و أضخم مما أعرف . وجهه مزرقّ ، عيناه منتفختان إثر سهرة عيد الميلاد ، بدا الحول الذي كان بهما ً أكثر وضوحا ً مع ترنّح الجفنين المثقلتين من السكر . لحيته الرمادية المشذبة الطويلة ترتفع و تنخفض مع حركات وجهه و شفتيه . حاول تلطيف لهجته بهدوء جليدي مريب ، ذكرني بثعالب المناطق الثلجية الرمادية اللون بالغة الخبث و الدهاء .

حذوت حذوه في ضبط نفسي و التظاهر بالهدوء منتظرا ً سكوته لأعيد بدوري شرح موقفي . فجأة حدّق بي مستطلعا ً . قلت :
نعم سيدي إنني بالانتظار .

اقترب بوجهه منّي ، فاحت رائحة المشروبات الروحية البائتة تحت أنفي مباشرة ، تراجعت لا شعوريا ً للخلف بتقزز . ابتسم قائلا ً :
ماذا تنتظر ؟ هيا لا شيء جديد ، تعرف أكثر من غيرك ماهية تلك المهمات ، أم هل تريدني أن أشرح لك البديهيات ؟

عيناه ترقبانني بتلك النظرة الغريبة . استطرد جادّا ً :
حسنا ً دكتور سام ، لنشرح الأمر من جديد ، مثل هذه المهمّات يكون السبب غير المباشر هو الهدف بينما ...

: عفوا ً سيدي ما يحيرني أنك تعلمني بوجوب قيامي بمهمة مبهمة ، كأنك تحاول الوصول إلى شيء بعينه . هلا تفضلت بالمزيد من الشرح . رجاء ً لا تتجاهل ظروفي التي شرحتها مسبقا ً.

نفخ ساخرا ً فاستطردت ْ :

: حتى و إن كانت المهمة تتعلق بالغليان اذي تعيشه المنطقة هذه الأيام ، لا أستطيع الابتعاد عن أمي المريضة .

قاطعني :
هذه مهمة جدية ، سرية و عاجلة . ستقوم بها مع مجموعة تضمّ بعض رجال مخابراتنا و بعض الأكاديميين .

بدا الاستياء واضحا ً على وجهي ، استأنف :

: يجب ألا تغيب إرادتنا عن الأحداث و الأذهان .

: لماذا تخصّني بالخبر ؟

: لأنّك أحيانا ً تنسى نفسك . فجأة قفزت للوراء عشرات السنين ، نصّبت َ نفسك محاميا ً عن شعوب نفسك نبذتَها بعد أن تبيّنت تخلفها . نحن الغد ، هم لا أقول الأمس ، بل ولّى زمانهم .

: ماذا تعني ؟

: ألم تشهر إيمانك بضرورة التعايش ، و ناديت بنبذ العنف و الجنوح للسلام ؟

: و ما زلت ْ ..

: إذن ؟
نظر نحوي طويلا ً ثمّ قال بتؤدة :
أنتَ فرد من هذا العالم المتحضر ، فرد فعال في نشر قيمه الفكرية و الثقافية و العقلانية . اعتقدنا _ و ربما خطأ _ بأنك غيرت مفاهيمك ، آمنت َ بالإنسان و أهميّة موقعه في المجتمع و منظومة الكون ْ . إذا لم تنفذ المطلوب فنحن .. ..

: لم أفهم .. أعِد من فضلك ما قلته آنفا ً ..

" التصاقك بالدكتور عيسى بعد الآن ليس في مصلحتك . لقد تغاضينا لعلمنا بمدى إيمانك بفكرنا الحضاري و القوى التي نمثّلها . تأملنا أن تجرّه إلى معسكرك ، فحصل العكس .

: حتى الآن لم أفهم سرّ تحاملكم عليه ، أعتقد بأن الحريات مكفولة بالأفراد .

: لكنه تمادى .. لم يكتشف حتى الآن عدم جدوى استمراره في تحدّي ما تمثّله حضارتنا . له حقّ رفضها طبعا ً ، لكن غير مسموح لصوت مثل صوته التشهير بها . وصفها بواجهة جميلة تخفي شرا ً مستطيرا ً . أستاذ قانون كبير مثله يعرف الجهود و التكلفة التي قدمناها لتصل حضارتنا إلى شعوب متخلفة تعيش على نتاجها .

: الموقف باختصار : ليس من حقّ أحد على أحد خيار القبول أو الرفض ؟

: حقيقة الموقف هو ما كنت َ عليه قبل هذا التحول . كنت ترفع شعار " الحضارة ميراث الجميع " و عملت جاهدا ً من أجله .

صمت ، و صمتّ بدوري ، كنت أحاول فكّ هذه الطلاسم ، هو يريد أن يوصل لي شيئا ً بعينه لكنه يتردد لسبب لا أفهمه . لعلّه عبقري بطريقة أو بأخرى و اكتشف هذا البركان الثائر في أعماقي ، لكن يعالجه قبلي ، فهذا أغرب ما مرّ بحياتي . قطع صمته بنقلة أغرب ، قال :
ستسهر ليلة رأس السنة في بيته ، أنصحك بألا تفعل !

جلس و تشاغل بترتيب بعض الأوراق فوق مكتبه . و دون أن يرفع عينيه عنها استأنف :
ألفت نظرك إلى أنّ ما تقوم به مع طلبتك _بتحريض منه_ يعدّ نشاطا ً معاديا ً لسياستنا . إمساك العصا من منتصفها شيء لا يليق بمثقف مثلك .

: ما هذا الخلط ؟ أنصحك ألّا تفعل ؟!! و ألفت ُ نظرك ؟!!!! و لا خيار !؟
لماذا لا تحدّثني بشكل مباشر ؟ رأيي كما هو ، السلام و نبذ العنف !!

: لا ليس صحيحا ً . لتؤكد هذه الحقيقة لطلبتك عليك بالسفر مترئسا ً الوفد ، و العمل بجديّة لدفع مسار الأحداث إلى جادتنا مهما كلّف الأمر . تنبّه ! إنّه بالغ الأهميّة .

: ما علاقة ذلك بطلبتي ؟

: تفقد مصداقيتك بينهم ..

: كيف ؟

: ستناقض كلّ آرائك و بخاصة كتابك الأخير .

: هذه مهزلة !

: ما كتبته مهزلة . أهنئك من قلبي على عناوينك المبهرة ، لكنها لن تقدّم و لن تؤخر و أنت تعلم هذا أكثر مني و من أيّ مسؤول .

فتح ملفّا ً أمامه ، أخذ يجول بنظره بين السطور دون أن يرفعه بين يديه ، قرأ :
اسمع عناوين مقالاتك الأخيرة : اختراق الغرب للشرق و إعادة تأهيله .
انتزاع شعوب الشرق الأوسط من أصولها .
الهيمنة تغيرر الهوية
إعادة البناء بما يناسب الغرب ..

أليس هذا هراء إن صدر عن أمريكي ؟!

: فهمت ْ... أتريدني أن أكذب نفسي بنفسي ؟

: تماما ً .

: لماذا ؟ ألسنا قادمين نحو عالم واحد ؟

: و هل تتخيله عالما نزيها ً ؟ سيكون العالم كما نريد له أن يكون ، نحن أولا و من بعدنا الآخرون .

: ظننتك ستقول نحن و من بعدنا الطوفان !

: لم لا ..

لم أعد أسمع .. شعرت بعبثيّة الحياة . كنت و ما زلت نقطة مختلفة ، تأبى التجانس مع شعب روافده متعددة ، ملوثة و مجنونة .
شيء في صدري تمرّد ، رفض هذا الوضع . أعترف بأنني كتبت و حاضرت و ناديت بالسلام ، بإقامة حوار ، بمدّ جسور ، كنت جازما بأن كل التوجهات ستنتهي عاجلا ً أم آجلا ً حيث أقف أنا . لم يخطر لي ، أن ما آمنت به ، من ديمقراطية ، و حريات سياسية ، و حقوق إنسان ، مجرّد شعارات لفرض الهيمنة !

في لحظة انهيار عالمي الأمثل ، تمزّقت نفسي ، ألم عظيم غمرني ، فعجزت تماما عن الإجابة . الشخص الناظر نحوي بشراسة يدفعني إلى خيار لم يرد بذهني مطلقا ً . فهاأنذا ، محكوم بخيانتي لوطني الأصلي ، أمام نفسي ، إن تجاهلت ما يجري به و له ، أو خيانة الوطن البديل الذي انتميت إليه إن أبديت اهتماما . أيّ مرارة ؟ و أيّ غضب ؟!

: هل لي بالاضطلاع على نصوص المشروع من فضلك ؟

أبدى الرئيس استياءه .. هزّ رأسه يمنة و يسرة بالرفض مع ابتسامة قميئة دون أيّ توضيح . قلت من أعماقي الثائرة و إن بدا صوتي هادئا ً :
بالإضافة إلى الأسباب التي أبديتها حول مرض أمّي ، أرفض القيام بدور مهرّج .

صرخ محتدّا ً نافد الصبر :
ما الذي جرى دكتور سام ؟!

: إنّه السؤال ذاته الذي أودّ معرفة جوابه .

: من جهتي سأجيبك دون مراوغة ، إما أنّك أصبحت تنسى أيّ قوّة تمثّل ، أو أنك غيرك ، شخص يشبهك مثلا ً ..

: هل تعني بأنني ....

: لا أعني أكثر من أنّك مكلّف من قبل سلطات أعلى بكثير منّي و منك . ثمّ لا تنس َ بأنّك اعتذرت قبل شهور و قبل رفضك .

: لقد اعتذرت ، هناك فرق يا سيدي بين الاعتذار و الرفض . أردت معرفة المواضيع التي ستبحث ، و الأفكار التي ستطرح بصفتي رجل قانون .

: آسف دكتور سام ، ليس قبل السفر . لقد وافق جميع أفراد الوفد من دون مشاكل .

: أنا سامي ، و ليس لي شأن بأحد غيري .

: إذن فأنت ترفض الذهاب ؟

: من دون أدنى تردّد .

: لأنّ المهمّة لا تتناسب و أفكارك الجديدة ؟

: بل لأنها لا تتناسب و أفكاري و أخلاقي و مبادئي الثابتة .

: إذن مرض والدتك حجة ؟

: بل حقيقة . أرفض هذه الطريقة التي تخاطبني بها

تقدّم نحوي بتؤدة و استخفاف منهيا ً اللقاء ، وضع يده على كتفي لتهدئتي بطريقة لزجة . قال :
العام الجديد على الأبواب ، لعلّه يكون الأفضل .

لم أردّ التحية ، ظللت على جمودي ، ابتسم و كرّر : أتمناه عاما ً جديدا ً سعيدا ً لك " ..

ناولني الملفّ الذي كان بين يديه و هو يتظاهر بالاندهاش لموقفي . تركته و أنا مندهش من نفسي أكثر منه . اعتذاري بسبب مرض أمي كان صحيحا ً لكنّه ليس كلّ شيء .

ثمّة شيء أتحسسه بداخلي ، لم أتقبّله ، لم أناقشه . اعتقدت بأنّ تقمّصي لدورك يا أخي حين تصرّ أمّي على وجودك بجانبها هو سبب هذه الظلال الجديدة على شخصيتي . لكنني الآن .. عرفت أنّ السبب أنني تنبّهت و بوضوح كما نصحتني ذات يوم لكلّ ما أقرأ و أشاهد ، تبيّن لي زيف الديمقراطية . ليسوا سوى قوّة وحيدة في العالم تتبجّح ، نبراتهم أعلى ، تعنّتهم جورهم تفرّدهم تفوّقهم ، كلّ ذلك مغلّف بكريمة طازجة دائما ً .. توحي بالعدل و الحق و الديمقراطية !

كان الملفّ يحفل بفقرات من كتابي انتزعت بشكل متعمّد لتبدو و كأنني أحرّض عبيدا ً على ثورة !
بعض صفحاتها تحمل نقاشي مع عيسى و جماعته ، مع أعضاء مجلس شؤون الشرق الأوسط الذي كنت عضوا ً بارزا ً فيه . معظمها دار حول علاقاتنا بالدولة الأقلّ تحضّرا ً إذا استعملنا الكلمة بدلا ً من كلمة المتخلفة . أثرت النقاش كمواطن أمريكي غيور في جلسة عمل .

هذه الصفحة خطط فوق سطورها بلون أصفر مضيء للأهميّة .
كانت وجهة نظر أقول فيها " يتوجّب علينا كدولة عظمي ألا ننظر لشعوب العالم الثالث كموضوع يجب معالجته ، بل نعترف بحضارتهم و إن اختلفت عنّا "

حين َ سئلت : كيف و هم يرون محاولة تحضّرهم مشروع يهدد عقيدتهم و ثقافتهم ؟

أجبت بإبداء الكثير من حسن النوايا ليقتنعوا بضرورة قيام حوار بيننا و بينهم . حوار أساسه الاعتراف المتبادل . استمرارنا على هذه الحال سيحوّل العالم إلى مسوخ . هل سيحلو لنا التحكم و البطش و الظلم بمجرد مسوخ !؟!



بركان ثائر في داخلي ، عذابي يكبر يوما ً عن يوم ..
صرت غيري ..
صرت شرقيا َ عربيا ً فلسطينيا ً ..!
الكذبة تفتّتت و لم نتعلّم ..
خداع و قلب حقائق و حقد مزمن تقشعرّ له الأبدان ، و لم نتعلّم !
ظلم يفوق الاحتمال .. مكائد و مخططات ، تشطب أسماء أشخاص و دول كاملة .. بوضع علامة الجمجمة و عظمتين فوق وجوه حكّام و مسؤولين كبضاعة انتهت مدّة صلاحياتهم .. عقوبات و دسائس .. ما أجرأها ! و ما أكثرها !!

يصدر إيعاز بثورة هنا و إرهاب هناك ..
إفزاع هنا و تفريغ هناك ..
تدمير .. قتل ... نفي ... تنكّر لوعود ... يتمّ كل ذلك بدم ٍ بارد !
و تشتدّ القبضة الحديدة فوق أعناق علّموها جيدا كيف تستغيث بهم منهم ..

انسحبت ُ دون َ استئذان .. انطلقت عبر شوارع المدينة هائما ً ناسيا ً كلّ شيء سوى هذا الخراب الزاحف على الجميع ..
بجواري على مقعد سيارتي .. ملف كرفات ميت يأبى أولو الأمر دفنه و التخلّص نهائيا ً من عفونته ..
صورة مستند مكتوب بخطّ أزرق على خلفية بيضاء ...

خطة السلام رقم 31 !

يا إلهي .. .فالمسيرة طويلة ... ما زلنا نتباحث بخطة السلام رقم 10 ..

أحقيقة " أنّ قتل شعب كامل مسألة فيها نظر" ؟

هاني ...
لا بدّ من أن تظهر ، إنّني بحاجة ماسة إلى وجودك لتحتفل بميلادي الجديد !!



و يتبع ! :)

كاميليا
25-10-2006, 12:14 PM
رائعة جدا يا نائية

حكاية حبّ ، و أمّ ، و وطن ، و حياة \ كلها في رواية

أنتظر بشوق

لك كل الودّ

كاميليا
26-10-2006, 12:07 AM
عدت !

بنود الاتفاقات و الوعود سقطت واحدة إثر أخرى ، بينما بقي َ التزامنا ثابتا ً كما وعدنا . صارت القضية عرجاء بعد بتر نصوص ميثاقها الوطنيّ ، ظلّ يرعبهم حتى و هو مبتور .
لم نصدّق أنّ كلاما ً على ورق ، يخيف إلى هذه الدرجة . لم نتعلّم بعد بأنّ الكلام في كلّ مواثيق العالم له وزنه ، و نحن أصحاب ُ لغة ِ الضّاد ، يبقى مثل دواوين أشعارنا ، أجمله أكذبه !!
ياه ، عميقة

لكن سؤال يا نائية \ من عائدة ؟! :( ... قرأت و لكن
هل أنتظر ؟

أعترف الآن أنّه عالم مجنون و مغرور . الخير و الحقّ و الجمال قيم ٌ قديمة ، أحيلت إلى الأرشيف . و استبدلوها بقيم مرعبة ، تأتي منها ضيق البيوت و الصدور ، بغاء رابض ٌ على النواصي ، عند كلّ منعطف ، فجيعة في أخلاق الناس .
أتعرفين؟
وصف دقيق لواقعنا :(
شتّان ما بين ظنوننا و ما بين الحقيقة التي يخبؤونها .. . شتان !

نائية
26-10-2006, 09:15 AM
كاميليا / شكرا ً بحجم مودّتي

انتظري ! ستعرفين من تكون عائدة

نائية
26-10-2006, 09:15 AM
التتمة

كأنّ المصائب لا تأتي فرادى كما يقولون . أمام باب غرفة أمّي بالمستشفى وقفت أتملّى وجهها من وراء الزجاج . تداعت نفسي ، شعرت باحتياج شديد إليها معافاة . أحسست بمعنى وجودها ، بقيمته ، بلهفتي لتضمّني . صدرها الذي ينهشه السرطان أكثر أمانا من كلّ بقاع الأرض ، فوقه يورق وجهي و أعود إلى حقيقتي ، إلى حيث يجب أن أكون .

قبل أن تنفرج أساريري رأيت طبيبها خارجا ً من غرفتها مسرعا ً متجهّما ً ، أمينة في إثره تتوسّل دون كلام . قبل أن يردّ عليها رآني أمامه ، هزّ رأسه أسفا ً ، فسقط قلبي بين ضلوعي .

هتفت ُ بخوف :

: ماذا هناك ؟

: نتائج التحاليل تؤكّد عدم تجاوبها مع العلاج .

صمتَ برهة ثمّ همَس : [تأخرتم]

آخ .. صرخة وجع طويلة انطلقت منّي من دون وعي ، انتزعت من أدقّ شريان و وريد . ماذا أقول ، لن ألوم أختي ، و لن ألوم أخي ، فأنا أعرف عناد أمّي و قوة إرادتها حين تصرّ على شيء . قلت بأسى :
: ماذا يعني ذلك يا دكتور ؟ هل انتهت ؟!

: ستكمل العلاج طبعا ً ، محاولة لا بدّ من القيام بها .

: ستموت ؟

: تفاءل يا رجل . سنة جديدة قادمة لا أحد يعلم ماذا تخبّئ لنا .

: هل عرفت حالتها ؟

بعد انتهاء العلاج الكيماوي لا حاجة لوجودها هنا .

تركني في قمّة الألم ، واقفا ً على حدّ سكّين . لوعة الحرقة من فقدان الأمل قفزت من قلبي ، إلى عيني ، إلى وجهي ، تمنيّاته بالعام الجديد تقبّلتها بسخرية مريرة ، ليس من الموت بل من الحياة ذاتها .

أحجمت عن الدخول إليها . كتمت احتياجي لصدرها ، ريقي جفّ ، في فمي كمّ من المرار لم أتجرّعه في حياتي كلّها و لا أظنّني سأتذوقه ثانية . نكصت راجعا ً ، لن أجرؤ على النظر في عينيها من دون أن تفضحني عيناي الباكيتان دون بكاء . بحاستها الرقيقة ستقرأ يأسي . في نهاية الدهليز المؤدي إلى باب الخروج توقفت ، أمسكت بسماعة هاتف المستشفى الداخليّ و قلت لها على عجل :

: أمي سامحيني .. لن أستطيع الحضور اليوم ، إلى الغد .

لا أنسى ما حييت وهن صوتها المسكون برهبة الموت :

: سامي حاول أن تصل قبل بدء العلاج أو أرسل لي هاني ، لا أطيقه و أنا وحدي .

هربت ُ من مواجهتها ، لكن أنّى لي الهروب من أنين كلماتها ، تطنّ في رأسي كجرس إنذار . حشرت جسدي المثقل بعذاب روحي في سيارتي كيفما اتّق ، و انطلقت أقودها عبر طريق سريع متّجها ً إلى بيتي بلا وعي منّي .

أراني و مخاوفي السوداء ، و سيارتي البيضاء التي كانت تقفز بي مثل أرنب ٍ فزِع ْ ، نقطة تائهة بين سواد الليل و إسفلت الشوارع المحيط بي و سواد نفسي . اخترقت رتل سيارات مختلفة الأحجام و الألوان ، زاحفة على الطريق السريع ، متوجهة بأصحابها إلى حيث يبتهجون بأعياد و ينتظرونها بفارغ الصبر .

أتنبه على سرعتي بأنّها أكثر ممّا يجب فأتراخى كأنّني على وشك الشلل . أسمع صراخ من خلفي و من بجانبي ، و تلعب غمازات السيارات دورها في تنبيهي فأسرع من جديد .

هذه هي الدنيا ... صراع بين اليأس و الأمل و الموت و الحياة و الجد و اللعب . ينتظر الناس مناسبة ما مثل نهاية عام و بداية آخر ، لتبدأ حفلات التحدّي . استعدادات في كلّ مكان . في البيوت ، بيتي ، و بيت الأصدقاء ، و الجيران ، الشوارع ، المحلات التجارية . ضجيج في كلّ مكان ، في كلّ وقت .

طعم كلّ شيء مختلف ، جمود قاهر ، و ذهول مخيف . لأول مرة أرى الحياة الواسعة الشاسعة ضيقة . سأراها و منذ الآن من أضيق زواياها . ألمها و حزنها .

غيابك هاني همّي الكبير . أين أجدك ؟ يكاد يموت حلمنا بعودتك .
أين أنت ؟, أمنا تصارع المرض الخطير ، ألم تسمع ؟ ألم تحسَّ بها و هي تلحّ على رؤيتك قبل النهاية ، لتودعك قبل رحيلها ؟

آه ِ يا أخي .. موصولة أحزاني بعضها ببعض ، موصولة أيامها مع نهاية عام و بداية عام جديد يا هاني ، أتاني كغيره يجرّ معه هموم َ سنيّ عمري الهاربة .

الصقيع يخترق عظامي ، ما أشدّ برودة هذه الليلة الثلجية . كلّ يتحدّى البرد على طريقته . الأشجار على جانبي الطريق تتلألأ بنور مؤقت أعرف أكثر من غيري مدى زيفه . أتنهد .. ليس لقلبي الحزين شيء من هذا الكرنفال سوى الصقيع .

" غدا ً يوم ٌ آخر "
" بعد غد ، عام ٌ آخر"

عام ٌ جديد و سعيد .

تمنيّات سمعتها من كل من قابلته طوال اليوم و لا أجد صدى لها في نفسي سوى أن أضحك في سرّي ساخرا ً . كيف يقولونها بفرحة كبيرة كأنها البشارة ، كأنها التعويذة التي ستنجينا من مآسي العام السابق و العام الذي سيليه . أليس من الأجدى أن يدلّونا على طريق علمي أو عملي للخلاص مما نعاني من دون انتظار عام يرحل و عام يأتي ؟ لكن أيّ علم و منطق سيجعلني أتقبّل رحيل أمي ؟

و هذا الانكسار في صوتها ؟

ترى هل تعرف حقيقة مرضها ؟ هل تعرف لأن أيامها باتت معدودة .. آخ ، يا ربي ؟

أغمضت عينيّ لتمسح طوفان دموعي لأتبيّن طريقي . ماسحات المطر في السيارات تعمل بلا كلل لتزيح ماء المطر المنهمر فلا تفلح إذ سرعان ما تنسكب فوق الزجاج من جديد .

عقلي يدور بسرعة و بحيرة و دهشة من تعاقب الأمور و ترتيباتها . عاد لفكري الموقف الرسميّ مني . تناسى الجميع كل المواقف الملتزمة منذ أصبحت أمريكيا ً ، أثبت ولائي و إخلاصي للقسم الذي أدّيته ، لم أكن بأقلّ من مواطن عادي حرصا على مصلحة وطن انتميت له بإرادتي .

الحقيقة أنّني لم أكن أفكر كما كان يفعل هاني بشكل درامي بقضية الشعب الذي أنتمي إليه أصلا ً ، بأنه أهين و سرق وطنه و شرّد / كان الأمر أسهل من ذلك بكثير . هنا و في كل مكان في العالم كثير من المهاجرين من موطنهم الأصلي ، من أقطار مختلفة . عاش أغلبهم حياة عادية ، بعضهم ظلّوا يحملون لأوطانهم بعض الولاء و الحب ، و البعض الآخر تناسوه و اندمجوا تماما ً بالوسط الجديد . و هناك من لم يغادروا بلادهم قط و مع ذلك لم يكن ليعني لهم شيئا ً .

بعد ممارسة الحياة على الطريقة الأمريكية ، آمنت بأن تعقيدات العالم المزمنة بدأت تتفكك ، و لن يتسنّى الانخراط في التشكيل الجديد إلا بمزيد من المرونة في تقبّل الحضارة الحديثة كل . فالعالم آت إلى مرحلة اللاقومية ، سيصبح في القريب العاجل مكانا ً لكلّ الناس ، يتكاتفون للعمل من أجل حياة أفضل للجميع .

دقت الساعة السادسة مساء . ما زالت في الطريق ، سيزيده الازدحام طولا ً . ينهبني قلقي ، عازفة نفسي عن كل شيء . رفقاء الطريق يتمايلون على أنغام تراتيل الميلاد التي تمجد اليوم العظيم . يخرجون أيديهم ملوحين بعضهم لبعض بكثير من الود و التمني ثم يقلبونها لتمتلئ بماء المطر المنهمر .

عقلي يتنقل بين مشاكلي مثل نحلة نشطة . فوضى عجيبة في رأسي ، أعجز عن التركيز . أثمّة غشاوة كانت فوق العينين ؟ الحرية و الديمقراطية التي حشونا بها رؤوسنا مجرد شعارات نفترشها ، نلتحفها ، و في الليالي المثلجة مثل هذه ، نجد أنفسنا أضيع من الأيتام على موائد اللئام !


و يتبع !

Pen
26-10-2006, 01:51 PM
جزيل الشكر ..

مشاعل الداخل
26-10-2006, 05:00 PM
نائيه إختيار رائع
أذهلتني البداايه وبإنتظار التتمه


لك كل الود أخيّه

نائية
26-10-2006, 10:47 PM
في هذا الصباح ، كنت في مكتبي أسوّي بعض الأمور العالقة بنهاية عام و بداية عام جديد . تسلّل الطفلان إلى مكتبي بهدوء ، وضع كلّ منهما أمامي قائمة بمشترياته و انتظرا . تساءلت :

: ما هذا ؟

: نريد ملابس جديدة و هدايا و حلويات و ..

: لكنّ ماما هي المسؤولة عن هذه الأشياء .

قالت هالة :
: لن توافق على كلّ ما بها .

: لكنني أعرف بأنّها تلبّي جميع طلباتكما على الرغم من اعتراضي .
قال هاني :
: ما تقوله صحيح لكنّها تشتري لنا ما تريده هي .

ابتسمت و أنا أتناول القائمتين لأرى ما الذي يمكن أن ترفض دلال شراءه لهما . كعادتي قررت التهرب من المهمة المملة المضيعة للوقت و تركت دلال تقوم بها نيابة عنّي .

: سأكلّم ماما لتشتري لكما ما تريدانه .

قالت هالة :
: من فضلك بابا أعطِها كثيرا ً من المال .

هززت رأسي موافقا ً فانطلقا خارجا ً و الفرحة تنطلق من الوجهين الحبيبين . يعيشان فرحة عمرهما بانتظار مساء الغد ليقيما حفلهما السنوي في البيت كعادتهما مع أصحابهما .

حين وصلت إلى أمريكا ، كنت راشدا ً ، عرفت كيف و متى أقترب و أبتعد بحذر من الأشياء المستحدثة في حياتي . لكن كان صعبا ً فرض هذا الأسلوب على الطفلين ، أردت لهما حياة لا تختلف عن حياة الأقران و الجيران . حرصت على تنمية شعورهما بالمواطنة ليتجنّبا قسوة الشعور بالمنفى و الاغتراب .

انتزعني من شرودي صوت دلال متطوعة للقيام بعملية الشراء من دوني ، ظننتها تفهمت موقفي و أقنعتهما بالخروج معها لقضاء حاجاتهم بأنفسهم و ترك بابا لأعماله . قالت و هي خارجة بصحبتهم : سامي اتّصل بسميحة ، تريدك لأمر هام .

: سميحة ؟

: كلّمتني ليلة أمس . أظنّها كانت تبكي .

قلت و أنا أقلب شفتي بحيرة :
: ما الأمر الهام الذي يشغل سميحة و هي من أشدّ الناس نشاطا ً في تحضير حفلات رأس السنة ؟ لا بدّ و أن مصيبة ما حلّت عليها أنستها احتفالات هذا العام .

قالت بلؤم غير خاف :
: لعلّها تعاضدك في مرض أمّك ، من يدري ؟
حين رأت امتعاضي تراجعت بمرح متكلّف :
: لا تتساءل كثيرا ً ، يا خبر بفلوس !

: لماذا لم تخبريني من قبل ؟

: لقد نمت قبل عودتك .. إلى اللقاء .

سميحة .. صديقة قديمة لي و لأسرتي ، كانت زوجة أعزّ صديق . بعد موته تزوجت مرة أخرى من الرشيدي ، رجل أعمال ، ناجح و ثريّ و ذكي . يعرف كيف يلعب بأوراق العصر ، يصرف بسخاء على كلّ ما يمكّنه ارتياد مجالات ليس له بها ناقة و لا جمل ، لا فرق ، ثقافية ، سياسية ، أو اجتماعية ، بأسلوب التاجر الشاطر ، فاخترق الكثير من الأبواب التي كانت تغلق دونه ..

لم يحظ َ بثقتنا طوال سنوات مرّت على معرفتنا به . و على الرغم ممّا قام به أخيرا ً من دعم ماليّ لأنشطتنا مع الطلبة العرب في معظم الجامعات هنا . لم يتخلّ أو يتراجع حين اكتشف أهدافنا الأساسية .

تركت غرفة مكتبي غارقة بالفوضى ، و توجّهت إلى أريكتي العتيدة لأغرق بجوّها المريح ، لقد فقدت الرغبة في الاستمرار فيما كنت أقوم به . سخرت من نفسي على قدرتي على الاستمرار بحسن ظنّي بزوجتي ، لقد حمدت لها إعفائي من مهمة التسوق دون أن أطالبها بذلك ، فإذا بها تعرف أيّ مأزق ينتظرني .

مشاكل سميحة لا تنتهي ، و دائما لا أقوى على التقاعس عن نجدتها مهما كانت الظروف . كنت في السابق ، أقدّم لها مساعدتي وفاء لزوجها الراحل صديقي ، ثمّ جدّ سبب آخر ، ربّما كان الأهم و من دون أن أعترف لنفسي بذلك .

أدرت رقم هاتف سميحة ، آملا ً أن يقتصر الأمر على الاتصال بها . ما إن سمعت صوتي حتّى أجهشت ببكاء متقطع لم أفهم من كلامها سوى اسم عائدة . قلت بهدوء :

: سميحة أرجوك ِ ، اهدئي قليلا ً لأفهم ما المشكلة ؟

: ابنتي عائدة هنا ، في المشفى الكبير . تصوّر أنّها في المدينة ذاتها منذ سنة و لم تعلمني .

: ما بها ؟

: أقول لك إنها في مركز الأمراض العصبية و النفسية ؟

: آه .. آسف لم أنتبه .

: أمس حين علمت بالخبر اتصلت بالمستشفى . قلت لهم بأنني أمها . رحبوا بي و أخبروني بأنها بأمسّ الحاجة للتواصل مع أشخاص تحبّهم و تثق بهم . تركني محدّثي بضع دقائق ، ثمّ عادت لتخبرني بأنّ الطبيب يعتقد بأنّ وجودي سوف يضرّ بها .

قلت أقطع استرسالها في نقل ما حصل :

: كيف يمكنني مساعدتك ؟

: لقد وقفت معي و مع والدها مراراً . لا تخذلني أرجوك ، أريدك أن ترافقني لزيارتها .

: لماذا لا تذهبين و تخالفين أوامر الطبيب ؟

لم تجب ، ثمّ عادت تنشج بحرقة ، كدت أفقد أعصابي ، قالت :
: الحقيقة أنّني ذهبت أمس ..

: و رأيتِها ؟

: استقبلتني بالصراخ و العويل ، هرع الأطبّاء و الممرضات لنجدتها ، بعضهم يعلّق مصلا ً و البعض الآخر يحاول تهدئتها و رجل أمن يسحبني و زوجي إلى الخارج .

: إذن سأزورها وحدي .

: سأذهب معك ، و ستمهّد لي الدخول . إنها بنتي .

: إذن نتلاقى في المستشفى في الساعة السابعة.


عائدة . الفتاة ، المرأة ، العالم المتكامل . كم كان القدر سخيّا ً حين وضعها في طريقي . ظهروها في حياتي كان بمنزلة جرس إنذار أطلق بداخلي ، نبهني إلى نظام حياتي القاسي الذي فرضته على نفسي .
أعادتني إلى الحياة بكلّ معانيها بعد أن عشتها بشكل وظيفي .

رأيتها بضع مرّات في حياتي ، كانت كافية لأن تقلب تاريخي على الأصعدة كافة . المرة الأولى حين كانت صبية في السابعة عشرة من عمرها ، تلميذة مستجدّة في الجامعة الأمريكية في بيروت ، كنت بدوري أستاذا ً مستجدا ً فيها .

كنت أعرفها طفلة مدلّلة بين أبوين صديقين . أتذكرها الآن كأنه الأمس ، و هي واقفة خجلة و مرتبكة في انتظاري ، ملامحها ما زالت تحمل الكثير من طفولتها . حين رأتني تهلّل وجهها و تقدمت نحوي مادة يدها نحوي بالسلام .

: دكتور سامي .. أنا عائدة سالم العُمَرْ .
: أهلا ً بك ِ .. لقد عرفتِني ؟
: لم تتغير كثيرا ً عمّا كنتَه ، وجهك مألوف لدي منذ أن كنت تزورنا . لم أكن أريد إزعاجك لكنّ أبي أصرّ أن أطلب مساعدتك .

: أتنوين دراسة القانون لنتنافس مستقبلا على الزبائن ؟

: في الحقيقة هذه رغبتي ، لكن ماما تريد كليّة الطب .

: ما زالت دراسة الطب و الهندسة متفوقة على كل العلوم في رؤوس الآباء ، ما رأي والدك ؟

لم ترد ، فقلت :
: على كل حال أنا أؤيّد رأي الطالب ، فهو وحده من يعرف ميوله و استعداده الشخصي . ماذا أستطيع أن أقدم لك ؟

: لا أعرف من أين أبدأ التسجيل في كلية الطب .

: حسنا ً . إلى كلية الطب إذن . أعطيني أوراقك و انتظريني في مكتبي ، سأنجز كلّ شيء بسرعة و أعود لاصطحابك إلى البيت ، ستتناولين الغداء من يديّ أم سامي ، ثم تتصلين بوالدتك .

: كما تشاء .

بعد الغداء ، أصرّت والدتي على استضافة عائدة عندنا حتى تتدبّر أمورها و تستقرّ في سكن الجامعة . ترددت الفتاة فاستطردت أمي :
: لماذا تتعبين نفسك يا بنتي و سامي موجود ، سيدبّر لك كلّ شيء ، و لن تتركينا إلا إلى سكنك و دراستك . أنت ابنة سالم و هو بمنزلة ابن ثالث لي ، فقد كانوا ثلاث أخوة زمنا ً طويلا َ .

بعد أيام تركتنا إلى سكنها الجديد ، تركت وراءها ثورة دلال على أشدّها . كنا لم نزل حديثي الزواج . كانت ترى أنه لا يليق بأستاذ جامعي أن يهتم بطالبة مستجدة لا تعني له شيئا ً . عبثا ً أقنعها بأنها ابنة صديقين لي ، لهما مكانتهما في نفسي و إنني أقدّم لهما شيئا بسيطا ً أمام عمر صداقتنا .

كنت أقول الحقيقة آنذاك . لكنّ صورتها لم تمح َ من مخيّلتي في لقائي الثاني بها و الذي حدث بعد ذلك بسنتين أو أكثر .

في المستشفى وجدت سميحة بانتظاري مع زوجها ، أشارت إلى غرفتها في آخر الرواق على اليمين . تقدّمت حيث أشارت ، بينما بقيت واقفة بمكانها تنتظر .

أوقفني رجل الأمن أمام باب الغرفة قائلا ً بأدب :
: من فضلك يا أستاذ أحضر لي إذنا ً من الطبيب هرنان .

قبل أن أتحرّك جاء الطبيب مهرولا ً ناحيتي ، يبدو أنه رأى سميحة فخفّ لنجدة مريضته قبل إلحاق أي أذى بها . قلت :
: أنا الدكتور سامي صديق والدها ، فهل تسمح لي بالدخول إليها لبضع دقائق و سأخرج حالما أشعر بأنني غير مرغوب بي .

قال الطبيب بودّ :
: أتمنى أن تقبل زيارتك فهي بأمسّ الحاجة لمن تثق به .

: أعتقد بأنني الشخص المناسب . فهي تكنّ لي الكثير من المحبة كوالد لها ؟

: همم (( انتظرني هنا من فضلك سأحاول ))

عاد الطبيب و أشار لي أن أتبعه . قلت :

: هل أخبرتها باسمي .
: الحقيقة \ ما إن قلت لها بأن ضيفها صديق قديم لوالدها حتى جلست في سريرها و أخذت تراقب الباب بلهفة ظاهرة .

دخلنا معا ً إلى غرفتها . كانت غائصة في سريرها بمفارشه الخضراء ، مرتدية قميص المشفى الأخضر . ما زالت محتفظة بقصة شعرها القصير كما رأيتها في المرة الأخيرة في بيروت . ركّزت نظراتها على وجهي ، كان الطبيب يراقبها بحذر ، حين رآها ما زالت على هدوئها بعد رؤيتي قال :
مس عائدة ، ها هو ذا ضيفك .

مدت يدها بالسلام و بصوت هامس تخنقه الدموع قالت :

: هاني .. أخيرا ً عرفت ما حصل لي ؟

قلت موضحا ً بظرف مفتعل :
: بل أنا سامي . ها أنت ِ تخلطين بيننا .

لم تردّ بل عقدت حاجبيها محاولة التجلّد . قلت لها متبسطا ً :
: هل تذكرين ، يوم حضورك إلى الجامعة أول مرة ، حين زرتنا في بيتنا، قلت لك بأنني سأعرفك قريبا على هاني توأمي ، أريتك صورته قلت ِ : أنتما متشابهان تماما

قالت بوهن:
: لكن حين التقينا بعد سنوات قلت لك ( لا أرى أيّ تشابه)

: قلتِها بعصبية كأنك تحميه من تهمة !

ضحكت ْ ، فانفرجت أسارير الطبيب و غادرنا و هو مطمئن .

: من أخبرك َ بوجودي ؟

: شخص لا ترغبين في رؤيته .

: إنها هي .

: عائدة لا تتكلمي بمثل هذه اللهجة عن أمك . الأم إنسانة رائعة و متميزة مهما أساءت . أمي تموت ، و على الرغم من أنني كبير و أب لطفلين ، فإنني أحترق كلما خطر على بالي فكرة حرماني منها .

: أرجوك .. كلما رأيتها أتذكر أبي و ما فعلته به و بنا .

: كما تشائين .. لكن دعيها تراك ِ عن بعد ، ما رأيك ؟

هزّت رأسها ، و بأصابعها مسحت دمعة نزلت على وجهها . فتحت بابا الغرفة ، كانت سميحة تنتظر ، همست لها أن تراها فقط دون أن تكلّمها . و لحقت بطبيبها .

عدت إليها ، لم تزل على جلستها الهادئة . قلت :

: منذ متى و أنت ِ هنا ؟

: أكثر من سنة .

: الطبيب أخبرني أنّك بخير ، طلب اصطحابك خلال عطلة الأعياد ليرى مدى التحسن الذي وصلت ِ إليه . أقترح عليك ِ قضاء هذه الأيام القليلة في بيتي مع أسرتي ، ما رأيك ؟

: لكن ماذا عن زوجتك ، إنها لا تحبني ؟

: كان ذلك منذ سنوات طويلة.

ابتسمت ْ فقلت :

: اتفقنا سأعود مساء الغد ، ليلة سعيدة .

وجدت سميحة ما زالت واقفة قريبة من غرفتها و قد انتفخت عيناها من البكاء ، شرحت لها الأمر وتركتها تعود مع زوجها .

نائية
26-10-2006, 10:47 PM
انطلقت ُ عائدا ً إلى بيتي ، حالماً باللحظة التي سأصل فيها إلى أريكتي . سنوات طويلة لعلّها مرّت على لقائي بهذه الشابة التي رأيتها الآن بقايا إنسان . مريضة يكتنفها غموض عجيب ، و حزن كبير كسا وجهها الجميل فأفقده نضارته .

قبل لقائي الأخير بها كنت أركب موجتي العاتية التي راهنت عليها . بعد لقائي بها تغيّر كلّ شيء .. أتذكر ذاك التاريخ . عدت حاملا ً مقترحات الدكتور عيسى و جماعته حول مؤتمر السلام المعقود في ذلك الوقت .

رحلتي للقاء هاني كانت من الأهمية بحيث أنني عشتها بكليتي ، كأنني أقوم بعملية غسل عقلي و قلبي دون أن أدري . أخذ هاني مستندات الدكتور عيسى دون تردّد و انطلق إلى المفاوضين . طلب مني انتظار عودته و أن أقضي الوقت مع أصدقائنا القدامى الذين ما زالوا في الجامعة .

كان الشخص الذي برز للذاكرة " الدكتور خالد " . كان من الملتزمين بالقضية ، كانت أفكاره أقرب لأفكار هاني مني رغم أييده فكرة السلام .
اعتقدت بأن ما سيقوم به سيسعده .

لم يفرح كما قدّرت ، فاجأني بثورة عارمة على كل الأوضاع ، على السلام و على المفاوضين و الراعيين له . خيّل إليّ بأن ثورته ستجتاح العالم .

: خالد ، هل تبدّل موقفك من السلام ؟

قال بيأس : أي سلام ! إنّها مهزلة . ألم تسمع مثلنا الشعبي الذي يقول " رضينا بالهمّ و الهمّ ما رضي فينا" ؟!! يا أخي موات عجيب في النفوس و بكل ما حولنا . تميد الأرض تحت أقدامنا و نستنشق هواء ً ملوّثا ً . و لا حياة لمن تنادي ، ماذا بقي ؟

: ظننتك ستفرح بأخباري . ألم تعد من دعاة التفرغ للتطور و اللحاق بالعالم المتحضر ؟

: لم يعد الأمر كما نعرفه ، صار لزاما ً إيجاد وسائل أخرى للتعامل مع هؤلاء الناس . نحن بحاجة لتغيير خطاباتنا للدفاع عن حقنا في الوجود . اختلطت كلّ الأوراق ، عالم ثالث ، تقدّمية ، تحرر من الرأسمالية العالمية ، قوة اقتصادية ، انتصار سياسي . ما هذا يا سامي ؟ شعارات ترفع ، مزامير ، و طبول تدّق ، و لا شيء .

أعترف بأنني حتى ذلك الوقت لم أزل تحت تأثير الحضارة التي تنفستها ، أحلم بعالم أفضل . لذا قلت مبررا ً :
: إنها طفرة الانتقال إلى العالم الجديد، كل شيء يبدو الآن عائما ً لكن القادم هو ما نهفو إليه .

: لا تصدّق .. كل هذا تدليس في تدليس .. أراهنك لن يكون فيه فرصة واحدة لتكافؤ أو عدالة أو حرية أو قول أو فعل. لا حياة سوية بعيدة عن منظور الإقصاء الي يفرضه القوي المنفصل أصلا ً عن الآخرين . لا أرى سوى زحف خراب يهدم في طريقه كلّ شيء .

: الخراب موجود في كلّ مكان ، له أسماء و أشكال شتّى . أليس خرابا ً ما تفعله حكوماتنا بشعوبها المغلوبة على أمرها ؟

: حكوماتنا ، أنظمتنا ، ثمّ ماذا ؟ إلى متى هذه الشماعة التي نعلّق عليها تراخينا و كسلنا . لنفرض جدلا ً صحّة ما تقول من أين لهذه الأنظمة قوانينها ، من أين لها أدوات الاستبداد تلك ، أليس نتيجة حتمية لاستبداد أقوام يدّعون التحضّر و الرقيّ و هم في حقيقة الأمر مجرّد أقزام ؟

: أتقول أقزام عن أقوام وصلوا إلى القمر ؟

: نعم هم كذلك ، و إلا فلماذا يغلقون منافذ الحوار الجدّي المنطقي ، بالقوة مرة ، و بالتجاهل مرة ، و بالاستخفاف مرات و مرات . لنضحك أو لنبك ِ ، لا شيء يستحق الاهتمام .
هدأت حماسته قليلا ً و قال :
:عندك حقّ ، الخراب هنا كما هو هناك ، لكنه يتجلّى بأبشع صوره في العلاقة التي تجمعنا بهؤلاء الأقوياء . خراب تحرص عليه و تعززه ثقافة لا تمتّ لنا بصلة . لن تعترف بوجودنا ما لم ندِن بسياستها و أدبياتها و أفكارها .

: اعتقدت دائما ً بأن هذه مهمتنا ، مسؤولية الفئة المثقفة ، بناء الأفكار الجديدة و هدم القديمة .

: نحن بشر يا سامي ، كيف لهذه الفئة ، أن تستوعب زمن الخراب المعمم من غير أن تكفر بالفكر و العقل و بكل شيء خاضع لمنطق ما ؟

شعرت بألم شديد في صدري يخزني ، تفصد العرق من جسمي ، صرت أستنجد بقواي لأستمرّ معه و لا أسقط على الأرض .
لاحظ خالد ما ألم بي ، ربت على كتفي قائلا ً :

: آسف .. لقد فقدت أعصابي فنقلت لك تلك الصورة المحبطة . لا عليك يا صديقي ، إن كنت ما زلت تؤمن بشيء فتمسّك به ، لا تستمع مرة أخرى لأمثالي .

ارتميت على مقعدي و لم أبح بما اعتراني . مشى في الغرفة جيئة و ذهابا ً و هو ينظر إلى ساعة يده بقلق ٍ باد ٍ قائلا ً :
: سامي ، عليّ الذهاب الآن ، إذا كان عندك ما تودّ عمله فبإمكانك استعمال مكتبي .

تذكرت أنني أحمل رسالة شفوية من سميحة لابنتها .
: أريد مقابلة طالبة هنا ، أعتقد أنها في السنة الثالثة أو الثانية في كلية السياسة و الاقتصاد . أحمل لها رسالة شفوية .

: ما اسمها ؟

: عائدة سالم العمر .

: هل تعرفها من قبل ؟

: نعم ، لقد قمت بتسجيلها هنا في الجامعة في كلية الطب قبل سنوات ، الآن هي طالبة في كلية سياسة و اقتصاد . هذا كل شيء .

: حسنا ً سأخبر الأستاذ المساعد ليطلبها . انتظرها هنا .

خرج من دون أن يلقي تحيته المعتادة ، فقد كان يكره كلمة الوداع ، كان دائما يستبدلها بجملة رائعة يراها أوقع في النفس ، كان يقوا عند كل فراق ، إلى لقاء !

قلتها بصوت خائف بعد أن أغلق الباب خلفه . لكن أطل برأسه من فرجة الباب الضيقة ، عيناه مليئتان بالدموع ، و رأسه الأشيب يهتزّ بشكل يائس ، همس : إلى لقاء .

مضى وقت و أنا أحاول أن أسترجع عافيتي ، كانت همومي أنا الآخر كبيرة و كثيرة ، لكنني على الأقل ، لم أكن فاقد الأمل بعد . تنبهت ، شخص على الباب يستأذن الدخول ، قبل أن أتكلم ، فتح الباب بتؤدة ، و طلّ وجه فتاة شابة ، كان جميلا ً رغم جديته ، محاطا ً بشعر أسود قصير ثائر .
رفعت رأسي و نظرت حولي كأنني أحاول أن أعود إلى المكان و الزمان ، و آذن لهذا الوجه المتأمل و الآمل بالدخول . لم تنتظر ذاكرتي لتمتلئ بها ، دخلت و هي تتساءل :
: عفوا ً .. . أليس هذا مكتب الدكتور خالد ؟

هززت رأس موافقا ً ، قالت :
: أنا عائدة العمر .. لقد استدعيت إلى هنا .

استوقفتني لهجتها التي تشبه لهجة هاني ، قمت من فوري مادا ً لها يدي و بابتسامة ودودة أرحب بها قائلا ً :
: أهلا عائدة .. دكتور سامي شرف الدين ، ألم تعرفينني ؟
: وجدتك تتظاهر بأنك لا تعرفني ، فوافقتك !
: الحقيقة أنني لم أعرفك ِ ، تغيرت ِ في السنوات الماضية ، لا أعرف إن كانت ثلاثا ً أو أربع لم أعد أذكر، لقد كبرت ِ فعلا ً !

سحبت يدها و أزاحت رأسها بعيدا ً عن يدي الأخرى التي لامست شعرها القصير كما كنت أفعل و هي طفلة . جفلت و قلت :
: في البداية شعرك القصير هو الذي ضللني ، لكن في هذه الدقائق كل ما فيك ِ يضللني ، لست أنت ِ من عرفتها ، تفضلي .

قالت بخشونة : كل صغير يكبر يا دكتور . كلما كبرنا كلما ألزمتنا الحياة بأمور تحتاج جهدا ً و وقتا ً ، فلا وقت لتدليل الشعر و تطويله . هناك أمور بالفعل أهمّ
خير يا دكتور تفضل ، أهي أمي ؟

: دائما ً تتحدثين عن أمك بشكل يفجعني . لقد رجتني أن أراك و أحاول إقناعك ِ بزيارتها ، فهل هذا كثير ؟ أنت هنا وحيدة و صغيرة ، الحياة دون من يهمهم أمرنا لا تؤتمن .

: أرجوك أن تبلغها بأنني لست وحيدة ، فقد تزوجت حسن ، الرجل الذي رفضت ْ حتى مقابلته بكل تعنت .
صرخت دون تدبّر :

: تزوجت من دون رغبتها و علمها ؟! كيف ؟!!

: هكذا .. كما تزوجت هي من دون رغبتي.

: أعتقد أنك بحاجة لوصاية لا هي ، والدك توفّي .

: أبي لم يمت ، بل استشهد . ثم أنها تزوجت من شخص غير مرغوب فيه . سب!ب الكثير من الألم لنا قبل موت أبي و بعد موته .

: على كل حال سأخبرها ، مع أي تنظيم زوجك ؟ بالمناسبة كل هذه التنظيمات ستحلّ بعد اتفاقية السلام النهائية. أمور خطيرة تحدذ ، لا يمكن التكهن بنهايتها ، ربما كنتم كبش الفداء .

: نحن من سيكتب النهاية .

: نحن ! .. من تعنين !؟

: نحن أصحاب القضيّة .

تأملت هذه الثورية الواقعة تحت تأثير شعارات أشكّ كثيرا ً في أنّها تفهمها أو تقدر عليها . لم أرها شابة تعدت العشرين بقليل . بل إنسانة مهمومة بهموم أكبر من عمرها ، تحمل عبء سنوات الضنك التي مرت على شعبها و وطنها .

مدت يدها مودّعة قبل أن ينتهي حوارنا ، كانت يدها قوية كمن تلقّت تدريبا ً جديا ً على حمل السلاح و استعماله . تلاقت نظراتنا فسرت رعدة غريبة في بدني . ظننتها من المقارنة السريعة التي جرت في رأسي بيني و بينها ، أو بين هاني و بينها . قلت لأستبقيها :
: أرجو أن لا تكوني في الجانب الخطأ .

: كلنا على صواب . القضية لها رؤى جديدة في أعين الشباب في كل الجبهات ، قد تصلح ما أفسده الكبار أمثالك مثلا ً .

: ماذا تعنين بأمثالي يا صغيرتي ؟

:أعني المتأمركين الذين يرون حياتهم بما يكتنفها من نجاح أكاديمي ، و بيت سعيد ، و قضاء عطل الأسبوع في بلاد العجائب ، و عطلة سنوية ربما على يخوت في إحدى الجزر ، تستحقّ أن يمدّوا أيديهم طلبا ً للأمان .

: كنت أظن أنّك تعرفينني أكثر من ذلك ، هل من الممكن أن تجمعني صداقة متينة بأبيك ِ و أكون فاقد الحس الوطني كليا ؟

: التخلي عن الواجبات الأساسية لا يعني لي سوى فقدان الحس الوطني ، سواء أكان كليا ً أو جزئيا ً .

: هذا جزاء سنمّار ، وافقت على حمل رسالة أمك إليك ِ لمحاولة إنقاذك ، أردت أن أشجعك على اختيار بلد ما لتكملي دراستك و تكونين في أمان .

: هذا رأي أمي ، ما رأيك أنت ؟

: أؤيد رأيها ، حياة المرء مراحل ، عليه القيام بها على أكمل وجه . في هذه المرحلة عليك المحافظة على سلامتك و إتمام دراستك ، بعدها تصبحين أقدر و أنفع .

تبسمت ساخرة :
: هل سلامة فرد مهمة إلى هذه الحد ؟ ماذا عن شعب حكم عليه بالقتل الجماعي ؟

: من زرع هذه الأفكار المسعورة في رأسك ؟ يبدو أن علي إخراجك من هنا بالقوة !

رأيتها تنظر إليّ بفم ٍ فاغر و عينين جاحظتين تكادان تقفزان من محجريهما ، صاحت :
: كيف ستقدر على ذلك ؟ هل أنت أبي مثلا ً ؟
رأيت نفسي مساقا ً لغضب لم يكن في حسباني فقلت :
: هل تريدين الحق ؟ الآن و في هذه اللحظة أشكر الله على أنك ِ لست ِ ابنتي .

استدارت بعنف ٍ و كبرياء ، فتحت الباب و قالت قبل أن تخرج :

: هل من أوامر أخرى منها ؟ إذا رأيتها بلّغها أن تنسى و تتفرّغ لحياتها ، لعلها تصيب النجاح الذي لم تستطعه مع أبي .

: بالمناسبة لقد وصلت منذ أيام و ما زلت أقضي معظم وقتي ملاصقا ً لأمي يا صغيرتي و أنا في هذا العمر ، فتعلّمي ...

: بلّغ أمي بأنني أرفض عروضها و أموالها و محبتها أيضا ً ...

في هذه المرة لم تغب عن مخيلتي كالمرات السابقة . وقعت في نفسي موقعا غريبا ً ، موقعا ً لم أعرف أنّه شاغر . لم أنس َ انفعالها ، غضبها ، إحساسها بنفسها و بقضيّتها ، لم يغِب عن بالي شكلها المميّز المعتد ، كانت طفلة كبيرة ، أو امرأة صغيرة ، كانت في كل أحوالها مناضلة ملتزمة ، اندفاعها ، تلقائيتها ، صراحتها ، الطريقة غير المتكلفة التي تتكلّم بها ، كل ذلك يجبرك على احترامها .

سنوات مرت و أنا بعيد ، لكنها قريبة مني ، ملتصقة بأفكاري ، ساكن ٌ طيفُها فيّ ، غزالة برية شاردة ، كلما سهوت أيقظتني . منحتني حيوية غريبة فأحسست بقيمة الوجود . صرت أهفو لعنفوان الحياة الذي كان يتألق بعينيها ، أتوسل له أن يدبّ من جديد في جسدي و إحساسي بعد أن جنحت منحنى آخر . عمر طويل مضى و أحاسيسي بعيدة جدا ً عنّي ، تنمو و تعرش حول قضايا عامة مهمة ، لم تعد تعطيني بقدر ما تأخذ منّي .

أزاحت غيوما ً كثيفة و مزمنة من تاريخي ، لعلّها ذكرتني بهاني . رأيت في عينيه الشعلة ذاتها مذ كنا صغارا ً . عنفوان كبير بقدر ما يسعد صاحبه يشقي كل من حوله ، نزعة اعتبرها أهلها كما اعتبرهاأهلي وقتها أمرا ً مهلكا ً ، و سببا ً للقضاء على المستقبل .

اكتشفت بعد فوات الأوان روعتها ، نزعة خاصة جدا ً تحفز صاحبها على التمسك بإنسانيته مها كانت الظروف. الإنسان الحقيقيّ وحده يرى بوضوح نخر النفوس و الحقد الأسود .

مرّت عليّ أيام و ليال ٍ طويلة أستعيد بها تاريخي كلّه ، بصدق و بأمانة ، فأحسّ بمدى احتياجي لمشاركة فعلية في حياتي أحسّ بعائدة ، و كأنّها النصف الآخر الذي عشت محروماً منه . كنت أبعدها عن تفكيري ساخرا ً مستكثرا ً هذا الشعور على كهل مثلي


كم تمنيت بين حين و حين محادثتها ، سماع صوتها ، فأردع نفسي بقسوة . حين ألتقي أمها و زوجها ، أتجاهل حديثهما عنها ، كأنني أنفي عن نفسي تهمة الاتهام بها . خشيت الاعتراف . حتى بيني و بين نفسي بأنها من فتحت أبوابا أغلقت حتى صدئت .

لعلّه حبّ خريفيّ غير مجاز . لكن من يدري السرّ الكامن وراء نظرة واحدة من عين امرأة ، توجّه مباشرة إلى عقل رجل يراها لأول مرة / كم هي كافية لأن يقول هذه امرأتي ، هذه المرأة سيكون لي معها شأن ؟

كأنّ ما حصل منذ سنوات قد حصل بالأمس . عادت لذاكرتي الطريقة القاسية التي قذفت بها حرائق قلبها في وجهي . وقتها كنت مذهولا ً ، مترنّحا من اشتداد الألم في صدري . مع ذلك أدركت أهميّة ظهورها ، فلم تبرح مخيّلتي . إلى الآن هي في عقلي و قلبي
\
/
\
/
\
/
\
يتبع :)

نائية
26-10-2006, 10:49 PM
مشاعل الداخل و Pen ..
شكرا ً لحضور ٍ بهيّ . .. :)

كلّ الود

كاميليا
28-10-2006, 02:27 AM
يا الله !
أتمنى لو كان بمقدوري إنهاءها الليلة !
لكنّك .................... !
نائية \ شكرا ً لك ِ .. ..

نائية
29-10-2006, 09:07 PM
وصلت ُ بيتي أخيرا ً بعد َ يوم ٍ مُضن ٍ ، توجّهت ُ من فوري إلى ركني المفضّل ، أريكتي العتيدة . كانت ثورة عقلي على أشدّها بينما كان جسدي متداعيا ً متراخيا ً أمام فيضاني الداخليّ ، لا سيطرة لي عليه كأنه لغيري .
هذه حالي ، كلّما انصرفت ُ للتفكير أهمد تماما ً ، أنتظر بفتور أمام غليانه ، لا أدبي تعجلّا ً أو نفاد صبر .

لا أدري كم مر من الوقت و أنا متكوّم فوق الأريكة ، طاويا ً نفسي كزاوية حادة ، أضيقها أكثر فأكثر كلّما احتدم العراك بين عقلي و البدائل ، لا أفرج عن جسدي حتى تتجلى الأمور في ذهني .

هذه الأريكة الغارقة في سوادها المخمليّ الناعم عالمي الواسع . حدّ فاصل بين الصالة الرئيسية في البيت و غرفة مكتبي ، العرين كما تسمّيه دلال ، أرقب ما حولي بنصف انتباه ، أوهم عائلتي بأنّني بينهم و حقيقة الأمر أنّني بعيد . تنتظرني مهما غبت ُ عنها ، حضنها يتضاحك ، يغريني بأن ألقي نفسي إليه ، أداعب وسائدها المتحدّية بخطوطها المتنمّرة ، تتشاكس خطوطها السوداء مع الخطوط البنيّة فتحفزني على التحدّي .

جالت عيناي في أرجاء البيت . سنوات طويلة مضت و أنا أسكن البيت ذاته ، تجدد الكثير من الأثاث ، تبدّلت أمكنته ، إلا أريكتي الحبيبية ، رفضت و بشدة أي محاولة لتحريكها أو زحزحتها أو تغيير قماشها . الغريب أنّني أحسّ بأي تغيير يطرأ على وضعها حال دخولي إلى البيت فأعدلّها ، ربّما قبل إلقاء التحية !!

إنّها شيء خاص ، إحساسي بها يشبه حالة الوقوف على الحياد ، ففي حالة التفكير كالتي تستولي عليّ الآن ، تكون خطّ تماس مهيب ، و عند دخولي مكتبي و الشروع في العمل ، تكون خطّ دفاع منيع ، على الرغم من أن غرفة مكتبي لا باب لها ..

مددت جسدي على قدر استطاعتي ، تشبّثت بحضنها ، بصمتي ، و بجلستي المواربة أرصد المكان . أزفر ألمي و حزني و خوفي فتحتويني أريكتي . عيناي َ ترصدان غرفة المكتب ، تصولان و تجولان بسأم . أشعر بكراهية لكلّ ما أراه ، تستقرّان فوق أرفف المكتبة المثقلة بحصاد سنين طويلة من الدراسة و التخصصات و المؤلفات و الترجمة خاصتي . أتنهد و أتساءل بعجز : أين الحقيقة ؟

سمعت دلال تلقي عليّ تحيّة المساء ثمّ تجلس في مكانها الدائم و تغوص في مقعدها الأثير ، يهزّها و يهدهدها ، تشاهد التلفاز . صافية الذهن . ألمح ذلك من صفاء بشرتها البيضاء المغرقة في هدوء يلازمها و هي وحيدة . بين حين و آخر تلملم شعرها المتهدّل فوق رأسها و تقذفه إلى الخلف ، فيعود مثل شلال يتدفّق بعناد فلا تستسلم له و لا يهادنها .

لا شيء يعكّر صفوها ، لا قلق ، لا قضيّة ، لا هموم ، اللهم إلا وجودي في حياتها . حين تراني تتذكر مصيبتها في زواج فاشل . لم نعد نتعارك مثل الديوك كما كانت أمي تقول ، تهادنّا منذ فترة طويلة ، منذ مات الحبّ . إثر كل مشادة كان وجهها يصطبغ بحمرة الغضب ، أكاد أجزم بأنني أرى أوردتها و شرايينها تنبض تحت البشرة الصافية ، و أحس بقرب انفجار شريان في دماغها أو قلبها .

كنت في السابق أخاف عليها فأتراجع بسرعة لأهدّئ من روعها مؤجّلا ً عملية الحوار و الإقناع إلى فرصة أخرى ، لم أحظَ بها قطّ . مرت السنوات و كرت ، لم تعتد على نمط حياتي ، و لم أقتنع بدوري ، بأن أكون كما تريدني أن أكون ، رجلا عاديا يقوم بمهمة ما في النهار ، حتى إذا حل الليل حملها و انطلق بها إلى الملاهي و المطاعم و السهرات الراقصة .

كنت أنظر إليها بعمق ، يداها تعملان ِ بأشغال تحبّها ، كثيرا ما تفخر بأنها قد أتقنتها في مدرسة الراهبات التي تلقت تعليمها فيها . توجه بين حين و آخر تنبيهات بلغة إنكليزية متقنة إلى الصغيرين هالة و هاني ، لكن سرعان ما تدللهما بالفرنسية الرقيقة الناعمة ، تساعدهما فيما يلهوان به ، أوراق ملونة أشكال متعددة ، يقصونها يلصقونها فوق قطعة ورق مقوى .

الحظ لهفتها على أي إشارة تبدر مني تنبّئ عن خروجي عن صمتي و هدوئي لتستجوبني . التقت عيناي عينيها سألتني :
: أين أنت ؟ أهو كتاب جديد ؟

هززت رأسي نافيا ً .
: ما رأيك بفنجان قهوة يعدل مزاجك ؟
ابتسمت موافقا ً . سألت :
: بلا سكر أم مع الحليب ؟

نظرت دهشا ً ، تضاحكت قائلة :
: طبعا أعرف بأنه سؤال سخيف ، أردت كسر صمتك ، لم أفلح كما ترى .

قلت محاولا ً الاستظراف بدوري :
: كالعادة ، ملتهبة و سوداء كأيامنا التي نعيشها .

لم تعلّق ، خفّت إلى المطبخ و هي ترمقني بنظرة تشهدني على مدى صبرها و تفهمها لانشغالي .

تأليف كتاب جديد ، تحضير مقالة أو مقالة أو محاضرة مهمّات اعتدت عليها بصفتها أساس عملي لكن ما بي أمرّ و أصعب . مرض أمي يؤلمني ، الخوف عليها يزداد يوما ً بعد يوم . آه ِ أمّي ، لا أعرف كيف سأصمد أمام هذا الابتلاء العظيم ، توقع الفقد أمر جلل . دائما أتخيلها أكبر من المرض ، بل أكبر من الموت ذاته .

قفزت المشكلة الأخرى إلى ذهني ، اختلطت الأمور بعضها ببعض ، تطرح من جديد ، و بأسلوب جديد ، و رأي جديد . و سؤال ملحّ : ماذا يريدون منّي ؟ أمي غريبة على فراش الموت فلا يقدّرون عذري ؟

أحاول فهم ما يدور برؤية جديدة . عالم مجنون ، تروج له دولة عشت في كنفها سنوات طويلة ، تجنّست بجنسيتها و تكلمت كثيرا بمنطقها و بلسانها . قفز إلى خيالي الدكتور عيسى ، لا أحد يساعدني غيره ، فهو أستاذي و صديقي . تذكرت مصيبة أخرى ، لقد استقال من كل مناصبه قبل بداية العطلة ، أراد التفرغ التام لتأليف البقية الباقية من أيام عمره ..

فجأة تذكرت تحذير سير دونالد لي من زيارته ، راودني سؤال مذهل : هل الرغبة في التفرغ للتأليف هي السبب الحقيقيّ أم هناك شيء آخر ؟

يا إلهي ! كيف غاب عني ذلك ؟! الشيء الآخر !! إن كان الآن بدأ يغزو رأسي و يهدم أفكاري فهو عاش عمره كلّه مؤمنا به و يعمل من أجله . فهل تنحّى عن كلّ مهمّاته باختياره ؟

أغمضت عيني إجلالا ً و إكبارا ً له ، لقد علّمنا الكثير . حين فتحتهما كانت قهوتي أمامي و دلال واقفة أمامي تنظر إليّ بفضول .

: تريدين معرفة السبب وراء مطلب سميحة رؤيتي ؟

: صحيح ماذا تريد ؟ هل من مشكلة ؟

لم أكن أعرف الكثير ، لخّصت لها ما أعرفه ، أردت إخبارها رغبة الطبيب ، باصطحاب الفتاة بعيدا ً عن المستشفى خلال عطلة رأس السنة . توثّبتْ .. . و مع ذلك أكملت لها الحكاية قلتْ :

: بما أنها لا تريد أن ترى أمّها ، من المنطقي ألا ترغب بقضاء العطلة معها . سنستضيفها بضعة أيام . ..

قاطعتني صارخة :

: لم تأخذ برأيي كان لا بدّ . ..

: لقد انتهى الأمر لا بدّ من حضورها بضعة أيام .

نائية
29-10-2006, 09:08 PM
صباح ٌ آخر مثقل بالبرد و الخوف . أنهى الطبيب حقن العلاج الكيماوي في وريد أمّي . كنت بجانبها ممسكا ً بيدها أشجعها بينما أتمزّق لمعاناتها . شدّت على يدي بقوّة ، كفها رطب مرتجف ، عيناها تغربان نحو البعيد على الرغم منها ، أحسست بتشبّثها بوجودها بيننا . نظرت نحو الطبيب هلعا ً مما اعتراها من تعرّق و اصفرار ، هزّ رأسه بأنه أمر عادي . ربتّ على يديها لأشعرها بالاطمئنان ، لم تفتح عينيها . همست :
: لا تتركني فأنا خائفة .

ضممتها إلى صدري فلاذت بي كطفلة تستجير . انفطر قلبي ، ليس في الدنيا شيء أقسى من المرض ، يذل الإنسان يفقد اعتزازه بنفسه . دموع تدفّقت على الرغم منّي فروق رأسها المتشبّث بصدري . كنت أبكي ضعفها ، و الذعر الساكن مقلتيها ، و قلة حيلتي أمام هذا كلّه .

طالما كانت قويّة صامدة ، تحتوي أي مشكلة مهما عظمت بصبر و أناة . سنوات طويلة رعت فيها أبي المشلول إثر إصابة عموده الفقريّ برصاص قناص أيّام النكبة ، لم أسمع منها تذمّرا ً أو كللا ً و لم أسمع منه شكوى من أي تقصير .

ها هي ذي أمامي الآن ، واهنة تتحطم يوما ً بعد يوم . تصارع الموت ، لعله لا يقدر على انتزاعها مني . مرت ثوان ٍ و عاد المنطق ، الموت آت ، تموت ببطء ، لكن في النهاية سيغلبنا .

ضممتها بقوة أكبر ، كنت أنا المتشبّث بوجودها هذه المرة و ليست هي . لن يخطر على بال مخلوق غير الأمّ ، كيف ردت على خوفي و هلعي حين أحست بما يعتريني ، فتحت عينيها ، ابتسمت مكابرة وقالت :
: أنا الآن بخير يا حبيبي يمكنك الذهاب . أمينة معي .
قلت كأنني بالفعل هادئ البال مطمئن على حالها :
: سأذهب لإحضار ضيفة تحبينها كثيرا ً . خمّني من هي ؟

اكتفت بهزّ رأسها متسائلة . قلت ْ :
: ابنة سالم صديقنا .
: الله يرحمه .
لحقت بي أمينة متسائلة :
: سامي ماذا عن هاني إنها تطلبه كلّ الوقت .
: سيصلنا الجواب خلال أيام .
:حسنا ً .. . هل ستسافر أم قبلوا عذرك ؟
: لن أسافر مهما حصل .
: حتى و إن ظهر هاني ؟
: و إن ظهر هاني لا يمكنني تركها و هي على هذه الحال .

حين وصلت إلى المستشفى كانت عائدة تقوم بإجراءات الخروج من المستشفى ، ابتسمت مرحبة و ناولتني الأوراق للتوقيع عليها ، تضاحكت قائلة :
: استلم العهدة .
أجبت بآلية :
: ستكونين بعيوننا .

انطلقنا في طريق العودة صامتين ، نفسي مضطربة من الحالة التي تركت أمّي عليها فلم أجد الرغبة في الحديث . قالت تبدّد الصمت :
: هل حصل مشاكل في البيت بسبب حضوري .
: أبدا ً ، ستتعرّفين اليوم على صديقين جديدين ، هالة و هاني .
: أرى أنّك أسميت ابنك على اسم أخيك الحقيقة أنه كان ..
: لماذا تقولين كان ؟ هل تعرفين شيئا ً عنه لا أعرفه أنا ؟ أرجوك ِ أخبريني ، أمي لا تكفّ عن طلبه ، و لا أكف عن وعدها بأنها ستراه في أقرب وقت .

هزت رأسها نافية . قلت :
: أمي حالتها تزداد سوءا ً و أنا أقف مكتوف اليدين أنتظر .

خيّم صمت ٌ حزين بيننا . ربّما كان لكل منا سبب يخصه ، لكنه بدا معيبا ً و أنا أصطحبها لتكون في ضيافتي . حين وصلنا إلى البيت قلت لها ممازحا ً :
: الآن أنتِ في ضيافتنا ، يقولون " الضيف أسير المضيف" . يعني لن يتمّ الإفراج عنك ِ إلا حين أريد أنا .

: لكنني لست صديقة لزوجتك ، ألا يضايقها أن تدخل عليها بضيفة لا تستلطفها ؟

فتحت الباب و دخلت ُ قبلها لأفسح لها الطريق . كانت دلال جالسة في الصالة تشاهد التلفزيون ، التفتت نحونا و هزّت رأسها بسلام ٍ فاتر ، لم تتحرّك من مكانها ، لم توجّه تحيّة خاصة لضيفتها . ارتبك الجوّ قليلا ً ، كلّ منّا يحدّق في الآخر . تداركت عائدة الموقف و قالت بفرح متكلّف :
: آسفة للإزعاج ، الدكتور سامي يغمرني بكرمه دائما ً و يستضيفني حين أكون غريبة .

قاطعتها دلال من دون حماسة :
: هاني و هالة يستعدّان للنوم ، ستنامين في غرفتي .

سبقتها نحو غرفة نومنا ، عائدة وراءها تبتسم لتبدّد المشهد العسكري الصارم ، و لا تخفي دهشتها من برودة اللقاء . قالت :
: إذا كنت َ ذاهبا ً إلى المستشفى ، انتظرني ، سأرافقك .

وجدت نفسي أردّ عليها بابتسامة ودودة ، فقد خيّل إليّ أنني ألمح في عينيها نظرة خاصة ، شيئا ً من حنان أمّ أو أخت أو حبيبة تدرك مقدار شقاء إنسان يخصّها .

كان لتلك النظرة في النفس المتعبة من كل شيء فعل عجيب ، أرضتني ، و جعلتني أتقبل الموقف ببساطة ، ألقيت بجسدي المنهك فوق الأريكة الكبيرة . شيئا فشيئا فردت جسدي و تمددت فوقها . شعرت بنبض كلّ عضلة و كل مفصل في جسمي . أرخيت عضلات جسدي المشدودة طوال النهار فلم أسترح ، كأنني غريب في بيتي .

كنت بانتظار عودة دلال ، لا بدّ أن تعود ، فهي لا تمرر أي أمر بسهولة دون أن تسأل أو تشاكل . اعتدلت و خففت بعض ملابسي و خلعت حذائي و عدت للاستلقاء من جديد . قررت عدم الذهاب للمستشفى هذه الليلة ، فقد كان يومي طويلا مجهدا ً . شعرت بالألم الذي ينتابني كلّما توترت ، كان يدور في أنحاء جسدي ، و يستقرّ في رأسي عند الصدغين و في صدري ، مطارق من حديد تدقّ بعنف لا يرحم .

هذا الألم لا يعودني إلا في هذا البيت مع هذه المرأة ، على الرغم من الأحداث المروعة التي أعيشها بعيدا ً عنها لم يصل إلى هذه الدرجة من القسوة . تناولت حبوبا ً مسكّنة و بعدها مهدّئة و هجعت في هدوء بانتظار أن تخفّ حدّته .

خدر تسلل إلى رأسي استسلمت ُ له . صوت دلال يلاحقني ، يطاردني ، و أنا أهرب ، أهرب للبعيد ، من متاهة إلى أخرى ، أتعذّب ، أحسّ به أقرب ، ينغّص عليّ هدوء نفسي ، يزيد من صداعي ، حاولت الهروب بجدية أكثر ، لم أستطع ، كأنّ قدميّ سمّرتا في أرض إسمنتية ساخنة . في اللاوعي أتمنى أن أختفي عن هذا العالم ، أن لا تجدني فتنكّد عليّ حياتي كما تفعل .

يد تهزّني بعنف و صوت يعلو و يزداد حدّة ، فتحت عينيّ كانت بجانبي فعلا ً ، ترتجف و الغضب يملأ وجهها و يسيطر على حركاتها . جلست استعدادا ً لسماع موشّحها الرسميّ .

: تعرف أنني لا أحبها .

: نعم أعرف .و أعرف أنه ليس شعورا ً شخصيا ً تجاهها .

: كيف ذلك ؟ هل تعتبرها مثلا ً جزءا ً منك لتتأكد بأنها في المكان ذاته حيث أنت ؟

: لا .. . لكنني على يقين بأنك لا تحبّين أحدا ً ، لا تعرفين كيف تحبّين ولديك ِ .

: توصّلت َ لهذه النتيجة لتريح نفسك ؟

: يجوز ... أحيانا ً نعيش الكثير من ظروف حياتنا على الرغم منا كشرّ لا بدّ منه .

صمتت فترة ، أحسست بها تحاول تهدئة نفسها ، كأنها لاحظت لهجتها العدائية تجاهي من غير سبب ، من غير تقدير لظروفي . لم أصدّق صمتها ، أعرف أنها ستعاود الهجوم .

لم تكن لتصدّق بأنها انتهت من نفسي و قلبي ، و إنّ ما قلته لها منذ قليل ، بأن حياتنا معا ً شرا لا بدّ منه ، كان التعبير الأمثل لشعوري تجاهها ، مع أنني قلته بشكل عفويّ و تلقائيّ .

: أهذا كلّ ما تقوله لي بعد كلّ هذا العمر ؟

: هذا أقلّ ما يقال لما تبدينه تجاه أيّ ألم يصيبني ، حتى مرض أمي لم تقومي بزيارة أو سؤال .

: يبدو أنه لا فائدة ترجى من علاقة منتهية . أنت مشغول عنّا بأيّ شيء ، على كل ، أنت منذ زمن أب لهالة و لهاني فقط .

: إذا كان هذا كلّ ما بقي لنا ، فلماذا لا ننفصل و نخلص من العذاب؟

: ليس الآن . لم تنتهِ مهمّتنا بعد ، مصلحة الصغيرين أهمّ .

شعرت بسخرية مريرة من القدر ، لقد سخّر هذه المرأة لتلعب دور الجلاد في حياتي ، تلوّح بسوطها في وجهي كلّما أقبلت على الحياة ، تؤكّد لي بأنني لا شيء ، أو أنني شيء لزوم شيء . و من دون قصد فتح ملفات سابقة ، قلت :

: يبدو أنني لست أكثر من وسيلة لديكِ . ذات يوم خاب ظنك فيّ ، و في ذروة اعتقادي أن مصير علاقتنا إلى الفراق فاجأتني برغبتك ِ في الإنجاب . هل تذكرين ؟

: لماذا فاجأتك . أليس الزواج يعني أسرة ، يعني أطفال ؟

: لم أكن أظنّ أنك تريدين أطفالا من زوج لا تحبينه ولا تحترمينه . كان علينا ان نتفاهم على أمور كثيرة قبل الإنجاب .

: لماذا تعيد الماضي ؟ ما حصل قد حصل .

: لأنك تحمّلينني وزر أخطائك . تلزمينني الآن بأن أتناسى نفسى و احتياجاتي ، كرجل و إنسان ، و أكون أباً فقط ، ألزمتني بأن أكون مموّلا ً ، يومها أخبرتك أن الإنجاب لن يغيّر شيئاً ، أنا بحاجة إلى حبيبة قبل الزوجة .

: ستبقى مراهقا ً مهما كبرت و تعلّمت . تريد الحب و المشاعر ، هذه أشياء لا تنشئ بيتا ً و تربّي و أطفالا ً . مستقبل هاني و هالة أهمّ من كل هذه التفاهات .

: هل هذا يعني بأنه من حقي أن .. .

: لا تكمل .. حياتك الخاصة لا تهمّني أبدا ً .

قامت من مجلسها بعنف ، التفتت نحوي قبل أن تدخل غرفتها و صرختْ :

: إذا كنت راغبا ً بالذهاب إلى المستشفى فافعل ، و لا تنتظر ضيفتك فقد نامت .

تملّيتها عن بعد ، امرأة جميلة بكلّ المقاييس ، و زوجة فاشلة بكل المقاييس أيضا ً . منذ متى لم تبق َ تحرّك قلبي و روحي ؟ تمثال متقن الصنع بلا روح .

في غرفة هاني ، ابني سمِّي أخي ، رقدت على الأريكة مقابل سريره ، كنت أنظر إلى وجهه الجميل النائم بسعادة تامّة ، أردد اسمه في سري مرات و مرات ، قد كان يعني لي الكثير . يعني أنا الغد ، كما يعني أخي هاني الأمس الغائب الحاضر أبدا ً . كنت أرجو أن يكون شبيها ً به فعلا ً و ليس بالشكل كما يبدو الآن . هو و أخته كانا التعويض عن زواج فاشل ، بلا سعادة و لا راحة .

نائية
29-10-2006, 09:08 PM
إنّه اليوم الأخير من سنة هاربة منّا ، أو ربّما نحن الهاربون . صحوت ُ من نومي المتقطّع المزعج باكرا ً كعادتي ، تركت سريري و أنا أشعر بثقل قاتل في رأسي و ضيق في صدري . توجهت نحو المطبخ لأعدّ فنجان قهوتي الصباحي كانت عائدة هناك تحتسي قهوتها . بدا وجهها شاحبا ً كأنّها لم تنَم ، تبسّمت قائلة :

: صباح الخير . .أم لك تحيّة صباحية أخرى ؟
رددت تحيّتها دون تعليق . سألتْ :
: أتريد قهوة ، ها هو ذا فنجان نظيف بقربك .
: لا أطيق معها سكر أو أي إضافات. سأحضّرها بنفسي .
: هي كذلك ، فأنا أعرف تماما ً طعم الغربة و الوحدة و .. الشقاء .

ملأتْ فنجاني ببطء ، عيناها مباشرة في عينيّ ، أمسكت ُ بيدها أوقفها عن الاستمرار في دلق السائل الساخن خارج الفنجان .

جلست أحتسي قهوتي بصمتْ . أتأمل المصادفات التي تجمعني بهذه المرأة كلّما نضبت روحي ، و فقدت الرغبة بالاستمرار .

: ألا تقول شيئا ً ؟

: آسف . أرتّب أفكاري ، عليّ إنجاز الكثير من الأعمال اليوم .

: لم تنتهِ ليلة أمس جيّدا ً ، بدا ذلك بوضوح في الفوضى التي تعمّ مكتبك ، الكرّاسات الملوّنة منثورة هنا و هناك أغرتني بتصفّحها . لا شكّ في أنّك لعنت الضيفة الثقيلة التي شغلت مكانك .

تفحّصتُها بنظراتي ، أين يكمن سرّك يا فتاة ؟ قالت :

: أقصد أنّ تغيير مكان النوم صعب على بعض الناس .

: لا عليك ِ ، فمنذ زمن طويل و أنا لا أنام بشكل اعتيادي و منتظم . لم يعد الأمر يزعجني .

: هل تعني منذ مرض الوالدة ؟

: لا ، قبل ذلك ، لعلّ الأمر يتعلّق غالبا ً براحة الضمير .

: ماذا أسمع .. فأنت الضمير عينه ، هذا على ذمّة هاني .

: لم يبق َ شيء كهذا بيدنا ، فأن أطعنا ما تمليه علينا ضمائرنا نبذنا ممّن حولنا ، ربّما اتّهمنا بالمرض النفسيّ أو التخلّف أو عدم القدرة على التواؤم . و إن تماشينا مع السائد تعبت نفوسنا . كما ترين سيدتي ... لا مفرّ .

: يا إلهي ... هذا هو الإحساس الذي يغمرني و يعذّبني . كيف لنا الهروب من مثل تلك الأحاسيس التي أصبحت برخص التراب ؟

طفحت عيناها بدموع غزيرة فجأة ، دفعت رأسها للخلف لتتراجع دموعها المتجمّعة في المقلتين . لا أعرف متى دخلت دلال ، لكنّ لهاثها المتقطّع نبّهني لوجودها . دهشت لتركها الفراش في هذا الوقت المبكّر على غير عادتها . قالت بسرعة :

: ما بها عائدة ... سبحان الله لا تقول كلمة طيبة تفرح القلب .

التفتت نحو عائدة قائلة :
هذا الرجل خُلِقَ نكديا ً ، لا تقربيه فحزنه معد ٍ .

رددت بيأس :

يا فتّاح يا عليم .. حتى الآن لم أصدّق بأنك استطعت ِ ترك فراشك بمثل هذا الوقت المبكّر ، فكيف لي ألا أفجع بأنك بكامل قدرتك على الانتقاد اللاذع ؟

وجهت كلامي لعائدة قائلا ً :

: على كلّ حال ، سأذهب لزيارة أمي و بعد ذهاب أمينة للمطار سأعود و أصطحبك لزيارة أمي .

قالت عائدة :

: منت ُ أتمنّى رؤية أمينة قبل َ السفر .

ردّت دلال :
: أمامها رحلة سفر طويلة فمن الضروري أن تكون بين عائلتها لتحتفل معهم ببداية السنة . كما تعلمين ، زوجها كان مسيحيا قبل أن يتزوجها .

قالت عائدة :
: لم تبق َ مثل هذه الاحتفالات خاصة بفئة من دون غيرها ، ها أنتم أولاء ِ تحتفلون أيضا ً . شجرة و أضواء و هدايا . إذا قدّر لهاني رؤية هذه الاستعدادات في بيتكم سيضرب كفا ً بكفّ قائلا ً : ألم أقُل لكم ؟ وضحت الرؤية و تأمرك عالمنا .

قالت دلال :
: لسنا من عالمه ثمّ أنني معتادة على هذا الاحتفال منذ صغري ، لقد تلقيت تعليمي بمدارس الفرير .

قالت عائدة بأسى :
: هذا ما كان يعنيه تماما ً ، بداية ً القشور و النهاية سقوط الجوهر .
أدرك معنى غزو هذه الظواهر لمجتمعنا ، في الصحف و الكتب و الإذاعات و التلفزيونات و في لهجاتنا الهجينة .

: كثيرا ً ما رأيته في بيت أخته يحتفل معهم بالأعياد ، كان على يقين بأن زوج أمينة على الرغم من إشهاده بالإسلام بقي مسيحيا ً حتى العظم ، حتى ولداهما لم .. .

تركتهما في المطبخ و أنا أرجو من أعماقي لعائدة أن لا تطولها شذرات تؤذيها .

نائية
29-10-2006, 09:09 PM
وصلت إلى المستشفى ، كانت أمينة بانتظار وصولي لتغادر إلى المطار . أمي جالسة فوق السرير متجهّمة ، تحاول إحدى الممرضات مساعدتها على تناول فطورها ، دسست رأسي في فتحة الباب الضيقة و ألقيت تحية الصباح ، انفجرت أمي بالبكاء . و من نشيجها قالت :
: أريد العودة مع أمينة ، لا أطيق البقاء هنا بعد سفرها . لا أفهم لغتهم و لا أتحمل العلاج وحدي . سامي دعني أذهب معها .

قلت مواسيا ً :
: أمينة مسافرة من أجل إعداد البيت لعودتك ، لن تكوني وحدك ، أعدك .

: أعرف بأني أتعبك كثيرا ً ، لو كان هاني هنا لساعدك و لكنك لا تريده أن يحضر إليّ .

: كم أنا فرح بهذا الحماس للعودة . أعدك ، عشرة أيام أو ربما أسبوعين و نلحق بها . سيكون هاني بانتظارك في البيت .

بكت كثيرا ً و مجددا بعد مغادرة أمينة إلى المطار ، خفت الممرضة لمساعدتي في تهدئتها و هي تقول هامسة : إنّها مكتئبة و هذا طبيعي أثناء فترة العلاج " غابت قليلا ً و عادت و قد أحضرت لها حقنة مهدئة فنامت على الفور .

أنجزت ُ بعض الأعمال ، ثمّ عدت ُ إلى البيت لإحضار عائدة . ما إن سمعت صوت سيارتي حتى اندفعت نحوي و حقيبتها على كتفها . ردت على دهشتي :

: سأبقى في المستشفى بدل أمينة ، هل تمانع ؟!

هززت رأسي نافيا ً و قد أشرقت ابتسامة كبيرة على وجهي . ربّما ظنّت دلال أنها بسبب موافقتي لعائدة ، و ربّما ظنّت عائدة أنها مجرد مجاملة و تشجيع ، وحدي أعرف سببها الحقيقيّ . فظهور إنسان حقيقي ّ يتحدّى التغيرات ، نبتة خضراء تطلّ برأسها على الرغم من التصحّر ، شيء لا يستهان به .

دخلت غرفة أمي وحدي ، كانت هادئة ، زحفت ابتسامتها الضعيفة إلى شفتيها ، احتضنتها و قبلتها .. التفت ّ نجو باب الغرفة فتابعت نظرتي ، في تلك اللحظة ، دخلت عائدة . و قفت حائرة في منتصف الغرفة تنظر حولها . لم يبد ُ على أمّي أنّها عرفت ْ القادمة لزيارتها . قلت بحركة تمثيلية للتعارف بينهما :

: عائدة ، ابنة سالم يا أمي ، و هذا الملاك ، أمي !

سمعت أمّي تهلّل فرحة :
: أهلا يا بنتي .. مر زمن طويل منذ رأيتك آخر مرة .

قالت عائدة و هي تتقدم و تحتضنها :
: آسفة للمرض الذي ألمّ بك يا خالتي . إن شاء الله ستشفين ، و ستعودين كما كنت ِ ، تطبخين لنا أكلاتك الرائعة .

: أنا على رأي سامي مريضة و أمر الله ، لكن أنت ما أصابك ؟ تعالي إلى حضني و لا تنسي مناداتي كما كنت ِ تفعلين حين تحضرين مع هاني .

: سقا الله تلك الأيام . كنت مريضة أيضا ً يا ماما .

تعانقتا . .. كانت أمي تبعدها و تتملّى وجهها برهة ثم تعيدها إلى صدرها . في عينيها السؤال ذاته ، أين هاني ؟ فهمت عائدة فارتبكت ، شعرت بحيرتها ، عذاب قاهر سيطر عليها ، تحاول التغلب عليه بكلّ قواها . التصقت أكثر بأمي و ضمتها قائلة أنهما ستقضيان الليلة تتحدثان عن هاني .

قالت عائدة قبل أن أغادرهما :

: لقد عبثت قليلا ً بأوراقك فعذرا ً .

بقيت صامتا ً ، ظنتني لم أفهم فهمست :

: على الرغم من كوني إنسانة غير فضولية ، إلا أن دفترك الأسود أثار فضولي ، عذرا ً مرة أخرى .

مددت يدي أربت خدها ، فعلى الرغم من مرور السنين ، و على الرغم من كل هذا التغيير الذي طرأ عليها و جعلها تبدو أكبر من سنها ، إلا أنني أراها تلك الشابة الخجلة الخائفة .

السكون حولي كما في نفسي ، لا أعرف من جلب الآخر . أسلمت ُ نفسي له بكليتي ، استرخيت كحصان هرم شدّ إلى عربة صدئة دهرا ً ثمّ جاءه العفو .

نبشت بين أوراقي لأرى ذلك الشيء الذي حرّك فضول امرأة غير فضولية وجدت علامات بجانب بعض قصائد شعرية بالإنكليزية عن الوطن و الغربة و الحنين . بعض صور فوتوغرافية قديمة لأفراد عائلتي . و واحدة لها ، انتزعت من تحت طاولة المكتب و بعثرت . دفتري الأسود مطبق على علامة الصفحات الورقية . هل قرأت ما كتبته ذات يوم عن امرأة مرّت بحياتي مثل الإعصار ، اقتلعتني و زرعتني من جديد في أصص الحياة الحقيقية فبعثت فيها الروح التي انتزعتها امرأة مثلها قبل سنوات .

: الساعة التاسعة ، ألن تستعدّ للذهاب إلى الحفل ؟

جفلت من صوتها كأنني نسيت وجودها في حياتي . قلت :

: ماذا عنك ؟

: لا أريد الذهاب.

: عيسى أصرّ على أن

: هو بالذات لا أحبه ، لا يهمّني إصراره .

: ألم تملّي تلك اللعبة بعد ؟ كل مرة تقولين لا أريد الذهاب ثم تستوقفينني في اللحظة الأخيرة لتستعدّي ، أو تفاجئيننا بحضورك .

لم ترد ، تركتني و ابتعدتْ . مهمة هذه المرأة في حياتي تنغيص أيامي و لياليّ . راودتني رغبة في صرخة مدوية ، كبتّها فانفجرت بداخلي بشكل موجع . همست ضجرا ً ، لقد مللت . إلى متى أتحمّل أنصاف الحلول ؟ عقلي بحاجة لمن يفهمه ، و قلبي لمن يحييه ، و البيت لحبّ يدفئ برودة جدرانه الإسمنتية . آه .. .إلى متى ؟

لكن لماذا الآن ؟

قفزت من مكاني ، أحوم حول نفسي في أرجاء الغرفة ، داخلي مشتعل ، مثل قارورة مولتوف ستنفجر و تدمّر كلّ شيء . تذكرت ما قالته الممرضة من أن أمي تعاني اكتئابا ً من جرعات العلاج و من الخوف من المرض . كنت مثلها ، خائفا ً قلقا ً أنتظر القلق الذي يدمّر حياتها . جوّ بيتي الخانق يزيد من صعوبة تحمّلي ، أستدعي النسمة الرقيقة التي تهفو إليّ ، سواء اقتربت أو ابتعدت تلوح لي بطمأنينة أحتاجها .

ألقيت دفتري الأسود من يدي ، خشيت إن عرفت الذي قرأته عائدة في أوراقي أن أكتشف أن ظهورها بجانبي و قربي أكثر من أي وقت مضى السبب في نفاد صبري . شعرت بضيق في صدري ، ثقل تنفّسي ، هرعت إلى النافذة و فتحتها فجاءني الهواء النقيّ صقيعا ً ، تراجعت و أسناني تصطكّ من البرد . قالت دلال :

: ليلة رأس السنة تثلج دائما ً .

: البياض غمر كلّ شيء ، جعلني أرتجف . الرياح تصفر مثل نعيّ مزعج . الأشجار تحتمي من الخوف الكاسح بشرائط الأنوار لعلّها تدفئها أو تسعدها .

: ما يدريك ، لعلّها ترتجف من الفرحة . الثلوج البيضاء في وضح النهار تنساب برشاقة مثل طرحة عروس نزقة .

معها كلّ الحقّ ، فهي المتفرغة طوال غيابي ، مرابطة أمام نافذتها في الدور العاشر . تطلّ من علّ على الشارع الأهمّ في المدينة الكبيرة المبتهجة . أعتقد أنها تمارس الاسترخاء و الكسل ريثما أعود ، فتدبّ با حيوية غريبة تدهش إنسانا ً مثلي مستنزفا ً لعدّة ساعات بين قاعات المحاضرات و الإدارات . اعتدت كثيرا ً ألا أسمع و بالتالي لا أردّ فتسكتْ . لا أعرف إن كانت تسكت منتصرة أو مغلوبة على أمرها فقد أصبح رضاها آخر همومي . أيها العالم القادم بجنون .. .كل ما عرفناه و تعلمناه بل و عشناه وهم في وهم .. كالحياة ذاتها !

ما زالت بمكانها تقلّب محطات التلفزيون بعصبية . قلت :

: هيا قرري ، الشوارع مزدحمة و الثلوج تغرق الطرقات . على كل حال لسنا في عجلة !

غصت ُ في أريكتي من جديد . مخيلتي ممتلئة بالدكتور عيسى أستاذي و صديقي . يالصداقتنا العميقة ، لم تفصمها خلافاتنا الجديّة حول قضيتنا القديمة الجديدة .

تذكرت لقاء مميزا ً أزال بيننا الحدود التي فرضتها كونه أستاذا ً مشرفا ً على رسالة تخرجي ، و استمرت بطابعها ذاته بعد عملنا معا في التدريس الجامعي و الاختصاص ذاته .

كنت أقوم بتقديم برنامج تلفزيوني تعده و تختار ضيوفه جهات عليا . أدير مناظرة بين الأطراف ترمي لترويج مفاوضات السلام التي بدأت في ذلك . كانوا يختارون الحضور من دعاة السلام و المناهضين له ، عرب و يهود ، من الأكاديميين و المثقفين .

وجدت نفسي وجها ً لوجه معه ، أستاذي و زميلي ، الدكتور عيسى الأيّوبي . تفاجأ كلّ منّا بالآخر ، كنت من المؤيدين وهو مع المعارضين . كان لزاما ً عليّ أن أجابه الحملات التي سوف يشنها عليهم . كان يوما ً مشهودا ً . التلميذ يناظر أستاذه . لم تستمرّ الصدمة سوى دقائق ، تمالكت نفسي بعثها ، بأنني أقوم بعرض أفكاري الحديثة لتدحض أفكاره المتوارثة .

ماذا أفعل إزاء هذه الهيبة و هذا الوقار الجالس أمامي ؟ بابتسامة مشجعة صار يعطيني فرصة تلو الأخرى لشرح وجهة نظري مطولا ً ، لكنه يردّ عليّ باقتضاب . اعترضت على أجوبته الباترة . ابتسم و قال :

: أجوبتي ليست باترة لكنها حاسمة ، تحمل إيمانا ً عميقا ً بما أقول . أسئلتك المحدثة بحاجة لوقت أطول للشرح و الإسهاب و الدخول و الخروج . لذا فأنا أمنحك وقتا ً كافيا ً لتتأكد من عدم جدوى خرق معادلة حسابية قائمة ، ستبقى قائمة ترغم أنف الحداثة . شيء كهذا أمر طبيعي بين جيلين و معاناتين .

كانت المناظرة على الهواء مباشرة فوقف يهوديّ ملوحا ً بقبضة يده مقاطعا ً :

: أنتم أقوام بدوية و بدائية سمتكم الشقاق و النفاق . كلكم دمويون لا تريدون السلام . ألا ترون أيّها السادة هؤلاء المفكرين كم هم حائرون و غير واقعيين إلى درجة مستحيلة ؟

رددت عليه بهدوء :
: لماذا لا تصدّقون أن السلام مطلب لنا كما هو لكم ؟

سمعت الدكتور عيسى يقول :

: اسمح ْ لي بإجابة سريعة و مختصرة ، يعرف أكثرنا أنّ السلام في حكم المستحيل . سلامكم أيها الشاب كذبة ، لأنّكم دولة تقوم سياستها على القمع بلا هوادة . سلامنا هروب من واقع جائر إلى مجهول أشدّ جورا ً .

بصفتي رجل قانون أضيف إلى قناعاتك معلومة بسيطة " مهما بلغت حماسة شعب للسلام ، مهما كانت رغته فيه ، سرعان ما تفترّ ، أمام ذهوله من هول ما يحصل على أيديكم "

تعرضت صداقتنا لمواقف عصيبة مثل هذا الموقف و صمدت . كنت أعرف مقدار لهفته على معرفة رأيي الشخصي في قضيتنا. جاءت الفرصة في جلسة خاصة بيننا ، أنهى النقاش بسعة صدر رجل كبير ، بسؤال صريح :

: أريد رأيك بصراحة ، اختلاف الرأي لا يفسد الودّ .

: قضية الوطن أصبحت عمل من لا عمل له ، يستغلّها الجميع كمسمار جحا . ثتار بمواسم غريبة ، يختلقها منتفعون مزايدون يتلاعبون بأوراقها . في ظروف – لا يعلمها إلا الذين يسيسونها – يطلقونها بجدية ، مضخمة كصورة في مرآة مقعرة ، حقوق أصحابها جلية و قريبة المنال . فجأة يحجمونها ، فتبدو صورتها عادية فتطوى و تخنق في أدراج السادة أنفسهم . كما ترى ينتفع الجميع و يدفع شعبنا الثمن . لذا فأنا مع السلام لأنه سيوقف هؤلاء السمااسرة عند حدّهم .

استمع و اكتفى بهزّ رأسه ، بينما طلّت المأساة من عينيه .

يتبع \ إن شاء َ ربّي _الله _ . ..


آه !

السناء
31-10-2006, 10:10 PM
الكريمة نائية
جزيت خيرا
لم أنتهي بعد من قراءتها ..
ولكن لزاما علينا شكرك لهذا المجهود الرائع
بوركت أوقاتنا جميعا

عارفة ..يا ريت مثلا كنت اخترت أجزاء معينة من القصة ..يعني بما يفي بالغرض ...
مجرد اقتراح لقارئة كسولة! ( :

نائية
02-11-2006, 10:46 PM
الليلة . . احتفاله السنويّ العادي برأس السنة الجديدة . في العادة كان يقضي النهار الأخير من السنة بصحبة أصدقاء لا أعرفهم ،كان يطلق عليهم أصدقاء المنفى . مع بدء ترتيبات مفاوضات السلام سألته عن رأي جماعته في السلام . قال :

: يرفضون الفكرة جملة و تفصيلا,

: من هم؟

: أصدقاء المنفى كما أخبرتك.

لاحظ عدم اقتناعي ، كرر :

: جماعة ليست رسمية مهمومة بقضايا الوطن .

هززت رأسي بلا تعليق مبديا ً الاقتناع .

زارني في مكان عملي بعد بضعة أيام ليدعوني للمشاركة في الاجتماع الأسبوعي الذي سيتمّ بعد يومين . طلب مني إسماعهم رأيي ومناقشتهم فيه ,. كان ذهني خاليا ً تماما ً عن توجهاتهم . رحبت بالفكرة و وافقت على الفور. لا أذكر بأنني حلمت بضمهم إلى معسكر السلام باعتبارهم جماعة من المثقفين الذين لا شأن لهم بالسياسة من قريب أو بعيد.

رافقته في ذلك اليوم إلى مقهى آرارات مقر الاجتماع ، كانت جلستهم عادية كأنهم تجمعوا حول فنجان قهوة لقتل الوقت ، بدأ الحديث عاديا ً ثمّ تحول إلى قضية بلادنا وشعبنا حين انضمّ إلى جلستنا صاحب المقهى خريستو الأرمني .

تيقنت ُ بعد نصف ساعة من وجودي بينهم بأنّ توجيه الدعوة من عيسى لي ليست خالصة . قصد تعريفي على موقفهم الحقيقي مما يجري آملا ً بعدولي عن توجّهي . و على الرغم من خيبة أمله حثّني على شرح وجهة نظري .

: في الحقيقة نحن ، الشعوب العربية ، نتجاهل الوقائع كأننا لا ندري ، ننعت دولة موجودة قولا ً و فعلا ً على الساحة بالكيان و القراصنة و الأعداء و .. . كلام كثير و كبير . هم حقيقة و دولة ، نحن لا أحد معنا . لا مجال هذه الأيام لثورة ، او للادّعاء الثوري .
قال عيسى و ابتسامته الحزينة تحمل بعض اللوم :

: إذن نستسلم و نعلن الانهزام ؟

: لماذا تسمّيه انهزاما ؟ هو في حقيقته واقع ، ربّما كان مرّا ً لكنه واقع . لماذا لا نتعايش معا ً في دولة واحدة ؟

كان وحده المنفعل لما أقول ، بينما وجوه من حولنا غارقة في هدوء ممتعض . استدركت متسائلا ً :

: هل هذا تنظيم سياسيّ برئاستك دكتور عيسى .

: أبدا ً . . ليس أكثر من اجتماع للتنفيس عن الواقع المرير الذي تتحدث عنه . الفرق بيننا و بينك أننا لم نستطع قبوله بالبساطة التي قبلته بها . أتمنى أن تسمع توضيحا لقناعتك .

: الأمر بسيط ، كما نعيش هنا نتعايش هناك ، الديمقراطية تساوي بين الجميع . أتخيل شيئا ً مثل هذا آت ٍ لا محالة ، ليس على أرض فلسطين أو اسرائيل بل على العالم كلّه . الصراع ينهك القوى و يبدد الطاقات من غير فائدة ترجى .

لم أسمع تعليقا ً ، ازددت حماسة فانطلقت أقول :

: المرير أننا الأضعف ، و مع ذلك نعاند و نبدد الشيء الواهي الذي نملكه . إذا أغلقنا هذا الباب سنتفرغ لما هو أهمّ ، إنجازات كثيرة بانتظارنا ، مشاركة فعليه في ثورية الحضارة ، لننظر أبعد من النظرة الإقليمية البدوية المحدودة .

قال أحدهم بسخرية غير خافية :

: آه . .أليست هذه مقولة أحد المسؤولين هنا بأننا الطرف الأضعف و علينا قبول ما هو متاح ؟

: لا تسخر ، تعلم ربّما أكثر منّي بحكم اختصاصك بأن المشاركة في قيادة العالم إلى مستقبل عادل ستكون لمن له قدرة على رؤية المتغيرات و تلمس الحاجة لواقع أكثر تطورا ً و تقدّما ً ..

وقف الجميع و أخذوا بالانصراف بعد تحيّة هامسة . رأيت ُ في موقفهم ضيق أفق ، بل و عنجهية قديمة لم يبق َ لها ما يبررها . وقفت بدوري قائلا ً بحماسة :

: إنني والحق يقال ، مع الحلول السليمة ، أتابع من قريب و من بعيد ، الخطوا ت المتبعة في المفاوضات ، مذ كانت سرية حتى وضحت للعلن منصرف الآن بكليتي لنشر الفكرة بين طلبتي و كل من يملك بعد نظر لكسب التأييد لها .

يبدو أنه لم ييأس مني بعد ، فقد زارني بعد يومين في بيتي . كنا نجلس متقابلين صامتين ، انتظرت بدأه الكلام . قام من مجلسه بهدوء ، و قف ورائي محتضنا ً كتفيّ بحنوّ أب و قال :

: هل ترغب ف مشاركتي فنجان قهوة أم تعتبرني خصما ً و متطفلا و غير مرغوب فيه ؟ إن كان هذا شعورك فلا ألومك . حين يتملكنا مثل هذا الشعور لا نستطيع منه فكاكا . هكذا أرى محتلّ أرضي ، و كذلك المفاوض عني ، إنه يكرس وجود متطفل دخيل عل ىالمنطقة كلّها .
ارتبكت من المباشرة في الحديث ، هكذا هو منذ عرفته في منتهى الوضوح و الحماس . تزحزحت ُ من مكاني متظاهرا ً أنني سأحضر القهوة ، كنت أحاول استرداد أنفاسي . أمسك بذراعي و أعادني إلى مكاني فامتثلت . هكذا أنا أيضا ً منذ قابلته أول مرة ، و كنت تلميذا ً له ، و حتى اليوم ، و الغد .

نشر أوراقا أمامي قائلا ً :

: لنتفق أولا على مبدأ الحوار ، ألا ترى معي ضرورة التكافؤ بين متفاوضين ؟ شعرت و كأنني ذاك الطالب الذي كان يشرف على رسالته قبل سنوات خلت فقلت موافقا ً :

: نعم ، ذاك شيئ لا بدّ منه .

: هل ناقشتم فكرة كهذه قبل بدء المفاوضات ؟

: الحقيقة أن المفاوضات في حدّ ذاتها خطوة إيجابية ، لم نشأ أن نكبّلها بشروط تعيقها . نعرف أكثر من غيرنا ضعف موقفنا .

: أولا دعني أصحح الخطأ ، المفاوضات لم تكن خطوة إيجابية ، إنها فرصة ذهبية لحفنة من المنتفعين .

ثانيا ً لسنا مسؤولين عن ضعفنا . نحن أقوياء بعدالة قضيتنا . إذا كان الصوت الأعلى ضدنا فهل نكون ضدّ أنفسنا ؟

: هل أنت ضد التفاوض؟

: أبدا ً . .. لكنني لا أريده عشوائيا ً حاملا فشله في أحشائه . المفاوضون ذهبوا و كأنهم ذاهبون إلى نزهة . الجانب الآخر حسب معلوماتي ، و أنت تعرف ثقة مصادري ، تؤكد بأنهم يملكون أوراقا رابحة . الأرض ، الماء ، المستوطنات و الأمن . و جماعتنا دخلوا بأماني بسيطة : حكم ذاتي ، انسحاب جزئي ، لا شيء تحت أيديهم في مواجهة الخبراء المسلحين بالحقائق و الملفات . أريد منك الاتصال بهاني ليحمل لهم هذه الوثائق و الخرائط ، ليجعلوها خططا مقاومة لمخططاتهم .

: حين انتدبوني ضمن أعضاء الفريق الأمريكي قبل شهور و رفضت ُ المشاركة ، باركت هذا الرفض . فلماذا تريد من هاني أن يفرض وجود جماعته على المتفاوضين ؟

: كنت ستذهب بمعية الوفد الرسميّ الراعي للمفاوضات ، أما جماعة هاني فستذهب بصفة عضو فعال مع المجموعة الموجودة حاليا ً . ما يهمّنا وجود أفراد يتحلّون بالإيمان ، الإيمان بعدالة ما يفاوضون عليه ، حتى لا يستبدل بسلام شجعان .

: ماذا يتوجب عليّ فعله ؟

: هاني و جماعته هم المناضلون حقا ً يا سامي . سيرفضون الصيغ الفضفاضة الممعنة في العمومية ، أعرف أن المفاوضين يمررونها على أمل التعامل مع التفاصيل لاحقا ً . .

سكت أبحث في مخيلتي عمن بقي من جماعة هاني و أعرفه حقيقة إلى درجة الوثوق به و مفاتحته بأمر كهذا . سمعته يكرر :

: سامي ، ما بك ؟ ما رأيك ؟

: لاأعرف طريقة للوصول إلى هاني أو جماعته .

: سافر و أبحث عنهم ، الأمر خطير و يستحق ّ . سأزوّدك ببعض التفاصيل قبل سفرك .

: سامي ، أما زلت مكانك ؟ أنا جاهزة .

جفلت ، جاءني صوتها عاليا و رنة سعادة بادية فيه على غير العادة ، تقف أمامي بكامل زينتها و أناقتها . حين رأت دهشتي قالت :

: أقنعتني سميحة و زوجها بالذهاب .

نظرت إلى ساعة الحائط ، كانت تمام العاشرة :

: حسنا لكن ، ما زال الوقت مبكرا ً .

: أعرف ، ماذا عن ازدحام السيارات ، استغراقك بالتفكير أنساك كيف تكون الشوارع في مثل هذه المناسبات .

: التأخير أجدى في مثل هذه المناسبة . أفكر بعيسى ، كلّ يوم أتأكد كم كان حظي كبيرا ً أن أشرف َ على رسالتي .

لم تجب ، عادت لجلستها السابقة ، تبحث عن قناة تلفزيونية تسلّيها . استقرّ "الريموت كنترول " على الطاولة أمامها ، عرفت أنها عثرت على ضالتها ، دون أن ألتفت عرفت أيضا ً بأنها تشاهد عروض أزياء غريبة تعجبها ، كنت أراها أزياء بلا ملامح ، تشبه العصر الذي نعيشه .

دخلت غرفتي ، وقفت أمام المرآة أهمّ بتغيير ملابسي . ما زال عيسى رابضا ً في مخيلتي ، أول أمس وجه دعوة لنا لحفله السنوي ، قائلا ً :

: تعرف أنك لا تحتاج لدعوة لكنني أتيت لأؤكد عليك لئلا يعطلك مرض أمّك عن الحضور ، إنه حفل وداع .

أجبته بكلّ الحب ّ :

: أنت تعرف تماما ً مقدارك عندي ، ابتداء من مكانتك العلمية و مبادئك و أفكارك ، و انتهاء إلى هذا الاعتداد بنفسك و بأصلك .

ألقى رأسه بين كفّيه ، ثمّ نظر نحوي و دمعة تبرق بعينيه :

: و أنت بالمقابل تعرف مكانتك عندي . أتمنى أن أكون أكثر من أستاذ ، أبا ً روحيا مثلا ، لا يهم أن تصبح جهبذا ً في القانون ، بل المهم أن تكون وطنيا ملتزما بقضيته

تكومت فوق السرير و حلقت وراءه .


يتبع \ ربّما !

نائية
02-11-2006, 10:48 PM
السناء ، غاليتي . .
أهلا ً بك ِ هنا ، لا تعرفين َ كم أسعدني وجودك _بصدق_ .. :)

عارفة ..يا ريت مثلا كنت اخترت أجزاء معينة من القصة ..يعني بما يفي بالغرض ...
مجرد اقتراح لقارئة كسولة! ( :
تعرفين ، اقتراح مفيد لقارئة كسولة و لكاتبة _باتت الآن _ مشغولة !

سأحاول . . :) . . .

كوني بخير .. .

النائية

نائية
06-11-2006, 07:13 PM
حين ذهبت ُ لاستلام الملفّ الذي سأوصله إلى هاني و صحبه و جدته مع أصحابه أنفسهم ، بادرني أحدهم قائلا ً :

: وصلت بالوقت المناسب . عندي تعليق حول مقالك الموجه لدعم المفاوضين ، لا أصدّق أنّه من مثقّف مثلك .

: لماذا ... هل فكرة نبذ حروب غير مجدية و الجنوح مع العالم نجو السلام شيء خيالي . تأكد أنه بعد السلام ، ستنشأ دولة ثنائية القومية يتمتّع طرفاها بالعدل و المساواة .

قال الرشيدي :

: والله و جاء دور المثقفين . لا تنسوا الجدوى الاقتصادية .

عاد قارئ مقالي لمناكفتي :

: دكتور سامي هل تعتقد فعلا أننا تخطينا الشكليات ، و التخلي عن فكرة الأبيض و الأسود ، نكون قد وصلنا إلى أجوبة منطقية و إلى حوار ديمقراطي بناء ؟

: نعم لا مكان للمشاعر في عالم القوّة .

قال عيسى :

: هذه القوة التي تفرض على العالم كلّه أشدّ خطورة من الحروب التي تريد أنت منا نبذها . تعبنا من تسديد فواتير الغير .

: نحن يا أستاذي مجرّد أعداد ، تتحدّى كل المتواليات الحسابية . دع القهوة تعلمهم استعمال أدوات العصر الجديد .

رأيت ظلال ابتسامة تلوح على وجه عيسى :

: قد تكون تقبلت فكرة استمرارية المنفى ، لكن السواد الأعظم من الناس متعبة . تعيش خذلانا ً يوميا ً بلا رحمة .

أجبت بقناعة :

: الواقع هو الواقع ، و لا يعني ذلك أنه الأفضل . ليس منطقيا ً الاستمرار في تعذيب أنفسنا . هناك عوالم أفضل بحاجة للكشف عنها ، على ذمة نيتشة .

تنهد عيسى و وقف منهيا ً الجلسة :

: الأجدى أن نعترف : بأننا بحاجة لتحرير أنفسنا من الافتتان بالآخر قبل التفكير بتحرير وطن و شعب .

: بكل ّ إصرار أدعو لمخاطبة العالم بلهجتهم ، هذا أجدى لنا .

قبل أن أغادر اقترب منّي الرشيدي و قال :

: سميحة تريد منك توصيل رسالة شفوية لابنتها عائدة . ستزورك قبل سفرك .

: على الرحب و السعة ، سأكون بانتظارها .

و كان هذا لقائي الثاني بـ عائدة سالم العُمَرْ .

نائية
06-11-2006, 07:14 PM
دقّت الساعة الحادية عشرة ، لقد أزف موعد الذهاب للحفل ز خرجت من غرفتي كانت دلال تخرج من غرفة الطفلين ، تمشي على رؤوس أصابعها نحو الباب الخارجي و تفتحه بهدوء . ردت على تساؤلي الهامس برغبتي في تقبيلهما برفع حاجبيها ، و همست بينما هي تغلق الباب بالمفتاح عدّة مرّات :

: لن نتأخر ، مثل هذه المناسبات فرصة للصوص و التخريب . يقولون حضارة . .. هه . هيا بنا .

انطلقنا نحو بيت عيسى . متجاورين لكن كل منا بعيد عن الآخر بعد السماء عن الأرض . صامتين كالعادة و متوجهين إلى المكان ذاته . أي حديث بيننا ، مهما كان سهلا و بسيطا ، يوصلنا إلى جدل بيزنطي لا جدوى منه .

التفتّ نحوها ، كانت مسندة رأسها إلى الخلف و مسترخية تماما ، إنها إحدى طقوسها العجيبة . لا يجب أن تتوتر لئلا يؤثر على عضلات وجهها التي ستؤثر على جمالها و جاذبيتها .

هناك طقس آخر ستمارسه كعادتها وسط الناس . تقاطع و تجادل و تهرف فيما لا تعرف لتثبت للجمع أنها واعية و مثقفة . كنت في السابق أحاول فتح ذهنها لآفاق أبعد من ذاتها و أجمل من ملابسها و ابتسامتها و مشيها فاستعصت ، فيئست .

وصل كلّ الضيوف متتابعين في الموعد المحدد على الرغم من أزمة المرور الخانقة بسبب تراكم الثلوج . اختلطت التحيات مع التهاني وسط تزاحم لطيف ، ضجيج محبب . النساء يتضاحكن و هنّ يحتمين تحت المظلات تاركين أزواجهنّ لرحمة المطر . قذفت دلال بنفسها من السيارة و هرعت إلى الباب المشرع لاستقبال الضيوف محتمية بمظلتها . تركتني كغيري أتدبّر أمري.

في ضاحية المدينة ، تربض الأحياء الراقية ، ببيوتها المتميزة بطابعها الخاص ، هناك .. كان بيت عيسى . شكل بيته الخارجيّ له الطراز ذاته ، أما داخله فقد جعله أشبه ببيوت أغنياء بلادنا الشرقية . حمل تناقضات الإنسان كما خلقته الطبيعة . فهو كبير و صغير ، منزو عن بقية المنازل المحيطة وفي الوقت ذاته بارز من فوق التلة الصغيرة التي بنيَ عليها . بوابته الكبيرة لا تفتح إلا في المناسبات ، أما في الأيام العادية فهم يدخلون و يخرجون من باب صغير جانبي .

كان عيسى مشرقا ً كعادته ، متحديا شعره الأبيض و أعوام عمره لتي تدور في حلقتها السابعة ، جسم رياضيّ و روح شبابية مبهرة كان يقف ببهاء بجانب زوجته على باب بيتهما ، يستقبلان الضيوف بالابتسامة العذبة المحببة ، تحتضن كل ضيف على حدة ، كوالدين روحيين للجميع .

السيدة المقدسية كالعادة في مثل هذه المناسبات ترتدي فستان بلدها التقليدي . أحيانا يكون في لون الحليب و مطرز بألوان زاهية خلابة ، أحيانا ً أخرى يكون كما هو هذا المساء أسود موشى بتطريز ملون يحمل نبض التراث و رائحة الوطن الحاضر الغائب .

بدا زوجها على عكسها أوروبيّ الطراز بحلة رمادية شديدة الغموض بخطوطها السوداء الرفيعة ، كنزة صوفية بلونها النبيذي المميز ، تحتضن ياقة القميص الأبيض المحاط برباط عنق أسود ، لا يشبه تلك التي نستعملها عادة . البايب العتيد بيده ، يمسه بشفتيه بين الكلمة و الأخرى ، بصوته الهادئ ، تستنجد بكل حواسك لتسمعه .

الجميع يتحركون بحرية بحرية في البيت الفلسطيني في كل جهاته . تمازج غريب و فريد . يجمع الأصالة الفلسطينية و الطراز الأمريكي الحديث . علقت ذات يوم بأن في هذا البيت صراع بين طرازين ، فيردّ ضاحكا ً :تلك هي الحكمة ، كعبثيّة محاولة كل جديد في التفوق على أصالتنا المزروعة في نفوسنا المهجرة و المهاجرة .

كنت أقف مع زميل أمريكي معجب بالتراث و بخاصة الأشغال اليدوية . كان يبدي إعجابه بالوسائد الموشاة بتطريز تراثي جميل و الملقاة هنا و هناك على الأرض ، و أطباق القش المعلقة على الجدران ، و البسط التي تتجاور مع السجاد بافتتان . ختم حديثه بقول :

: يتعقد اليهود بأنّ هذا تراثهم و أنتم تدّعون أنه تراثكم ، أين الحقيقة ؟

اصطحبته إلى سجادة عجيبة معلقة على الجدار المواجه لمدخل الصالة الرئيسية .أشرت إليها قائلا ً :

: هذه خريطة فلسطين قبل القرصنة التي تعرّضت لها .

رأيت دلال تقف بين عيسى و زوجته تضحك و تتبادل الحديث و التفكه . تفاءلت خيرا ً لقد فقدت القدرة على التواصل منذ زمن طويل . استأذنت من مرافقي أن نلتحق بهم و ننصت لما سيقوله الدكتور عيسى . أخذ يحكي قصة خريطته العريقة المنسوجة على السجادة الإيرانية التي قدمت له هدية من شخص إيراني مرموق ، آمن بحقنا في أرضنا . أمسك بعصاه الطويلة الجاهزة لهذا الغرض . أخذ يشير إلى مدنها شارحا ً تميّز كل مدينة على الأخرى ، الأحوال السياسية التي مرت بها إلى الكيفية التي تمّ بها تهجير أهلها منها . قاطعته دلال :

: ما فائدة الاحتفاظ بتفاصيل مدن ذهبت و لن تعود على سجادة جميلة بهذا الشكل ؟ أهي من باب تعذيب الذات ؟!

بابتسامة عذبة ردّ :

: ثقي سيدتي لن يضيع حق وراءه مطالب .

عجلت بإطفاء الأنوار قائلا ً : منتصف الليل . هدأ الجميع ثواني َ ثم أشعلتها . مع التهاني بدأت طقوس العشاء .

تشاركنا كالعادة بإحضار الصواني المعدّة ، و الصحون الممتلئة بما لذ و طاب . كنت في المطبخ أناولهم من طاقة واسعة بين المطبخ و غرفة الطعام ، فقد كنت أقرب الأشخاص إلى أصحاب البيت . قبل أن أهمّ بحمل الطبق التقليدي ، منسف الرز المعمر باللحم و الغارق في لبن الجميد . تصدّى لي شاب لا أعرفه ، قال بتأدب و بلكنة أمريكية بحتة :

: دكتور سام ، هل أستطيع المساعدة ؟

استغربت وجود شاب صغير وسطنا . كانت بشرته السمراء و ملامحه و شعر رأسه المجعد يوحيان بأنه ربما كان من الشرق الأوسط أو من إفريقيا . ناولته الصينية الساخنة و أنا أسأله :

: ما اسمك أيها الشاب ؟

: جو ..

: من أين أنت يا جو ؟

: من إحدى البلاد التي كانوا يطلقون عليها العالم الثالث .

: كانوا ؟

: نعم .. الآن مع التقسيم الجديد أصبح يسمّى بالجنوب .

: ما الفرق ؟

ضحك و اقترب مني هامسا ً بلغة عربية سليمة :

: الشمال هنا ، هذه البلاد ، نحن الجنوب . الشمال هو الرأس ، هو العقل ، الفكر التحضر ، الجنوب ، الأقدام التي تتحرك بأوامر من العقل و الفكر أعني من الرأس المدبر . هل سمعت أو رأيت أقداما تفكر و تقرر ؟!
بالمناسبة إسمي يوسف .

: و أنا سامي . لماذا الهمس يا يوسف ، هل أنت خائف ؟

: لا ، إنه الحرص ، بعض الضيوف يبيتون أمرا ً .

: من هم ؟ و أي أمر ؟

: نحن نعرفهم ، سأخبرك بالأمر بعد العشاء .

: إذن هيا يا يوسف ضع هذه الصينية على المائدة فقد حان وقت العشاء . سنجد فرصة أوسع لنتحاور ، الأيام بيننا . أتمنى أن يكون اهتمامك بدراستك كاهتمامك بالتقويم . أنت من تلامذتي ؟

: لا ، فأنا هنا منذ أسابيع قليلة ، التحقت بالجامعة كطالب غير نظامي إلى أن يبدأ الفصل الدراسي الجديد . اسمح لي تطفلي فقد دعوت نفسي لأراك أريد أن أحدثك بأمر مهم .

: تحدثني بأمر هام ؟!

: الحقيقة أحذرك من أمر هام ، ربما أحميك من أمر هام . لا أعرف كيف سأساعد ، لكنني أتيت و السلام .

: هل تعني أن الدكتور عيسى لا يعرف بوجودك ؟

وضع الصينية الساخنة على الطاولة ، تلكأ بالإجابة ، نفخ في كفيه مانحا لها بعض البرودة . تطلع حواليه و قال :

: لا .. لا يعرف .

: إذن هيا أمامي .. علينا إخباره .

مشى بجانبي بهدوء ، وصلت حيث الدكتور عيسى ، التفت فلم أجده . حين تحلّق الضيوف حول المائدة ظهر يوسف رافعا يديه طالبا الاستمتاع بالعشاء آملا ألا يكون العشاء الأخير . لمحت دهشة على وجه صاحب البيت انحنيت على اذنه قائلا ً :

: إنه طالب عربي اسمه يوسف ، دعا نفسه إلى حفلك .

قال يصوت مسموع :

: أهلا بك يا يوسف ، على الرحب و السعة .

قال يوسف :

: شكرا دكتور عيسى ، لكن أرجوك اطلب من الدكتور إسماعيل الابتعاد عن مساعده روكس على الأقل أثناء العشاء ز

صرخ روكس :
: لماذا ؟ من أنت ؟!

: أنا سرّك ، و سرّ الدكتور إسماعيل .

قال إسماعيل ساخرا ً :
تفضّل أيّها السرّ و أعلن عن نفسك .

تحرّك روكس ببطء نحو يوسف . انتبه يوسف فقال :

: يبدو أنّك تريده أن يكون العشاء الأخير .

سمع همهمة احتجاج فأكمل :

: هذا الرجلان المتلازمان في كل رحلة إلى الشرق الأوسط ، يعودان بمعلومات حول أشخاص صوتهم مسموع في مجتمعهم . في الغالي لهم فكر مناهض لمجريات الأحداث في العالم . بناء على تلك المعلومات يفقدون صلاحية وجودهم ، فيعدون لهم طرق التخلص منهم.

وقف إسماعيل يصرخ :

: من هذا ؟ ماذا تقول يا ولد ؟ من أنت ؟

: تذكرني جيدا ً . .. عد للوراء قليلا ً ، توقف عند مؤتمر بحث إمكانية سلام الشجعان . كنت بالمطار بانتظار شخص سيصل إلى أوسلو موفدا ً من شخصية وطنية لطرح بدائل هذا السلام الهزيل . كنت أنت و روكس هناك حاملين أمرا ً بإعفائه من هذه الحياة .

: لا أعرف عمّا تتكلم . أمعتوه أم ماذا ؟ من هو يا عيسى ؟

: أنا من سألتني حين رأيت القادم أليس هذا سامي ؟ ثمّ سألت روكس بهمس كيف يغيّرون خططا دون إعلامك .

قلت مستوضحا ً :

: أين كان ذلك ؟

: في أوسلو . .. كنت مثله لا أعرف مدى التشابه بينكما . رأيته يهزّ رأسه بحيرة و يقول ، هذا سامي . كتب شيئا ً في دفتر مفكرته ، لعله بدّل اسمك باسم هاني ، أسماء كثيرة كانت مرصوصة بمفكرة الموت تلك عليها علامة إكس – لعلّها الآن موجودة في أحد جيوبه – كلّ أصحابها اختفوا بطريقة أو بأخرى .

: كل يوم يختفي شخص أو أكثر في بقاع الأرض ، بل كل يوم هناك في تلك المناطق من يسجن أو يبعد أو يقتل .

: لكنّهم جميعا ً وجد على باب كل منهم علامة إكس مكررة تماما ، كما رأيتك ترسمها ذلك اليوم .

اقتربت من يوسف و قلت بقسوة :

: لا تفسد الليلة بكلام لا أساس له ، إسماعيل كان هنا في تلك الفترة . لكل منا من الهموم و المشاكل ما يكفي . إذا كان عندك ما تقوله فاختر الوقت المناسب و الشخص المناسب .

: لعبته الأخيرة كانت ضدّك ، ألا تصدّق ؟ اسم أخيك هاني حمل تلك العلامة . لم يكن يعرف أنكما متشابهين إلى هذا الحدّ ، ظنّه أنت ، فاختفى . أوكل غيره ليقوم بالمهمّة .

: ماذا تعني ؟ هل تعرف شيئا ً عن هاني ؟ أين هو ؟

: لم لا تسأله ؟ هذا الرجل لم يعد منّا .

سمعت اسماعيل يقول بهمود :

: لم يعد يسعدني شيء كهذا .

طفا الاستنكار على وجوه الحاضرين . استأنف متهكّما ً :

: ها أنتم أولاء ِ لمستم بأنفسكم مدى تخلف منطقتنا ، هذا عينة منهم حقيقة . منذ و عينا و كثيرون يزايدون على القصية – كما يفعل هذا الصبي الآن – و القضية لا تزال تراوح مكانها .

صاح يوسف :

: لا تحاول . .. ستعاقب !!

ارتجّ إسماعيل برهة ، شدّ عزيمته و قال و هو ينظر نحوي :

: ماذا أسمع !؟ من سيعاقبني ؟

: هيا أخبرهم قصصا مسلية حصلت معك هناك .

كان المتكلم روكس مساعد الدكتور إسماعيل و الذي يرافقه في كلّ أسفاره . قال يوسف للمتكلم :

: لا تتكلم يا روكس فأنت لك شأن آخر و حساب قريب . أنت خارج السرب ، أنت قصة أخرى و صاحب انتماءات عدّة .

: لماذا ؟ لا تنسى بأنني عربي مثلك .

: انت أصل الداء المستشري فينا . الداء الذي طلبت للتوّ من الدكتور إسماعيل تسلينا بأعراض تطوره عاما بعد عام . بالمناسبة هل تعرف من هو روكس يا دكتور سامي ؟

هززت رأسي نافيا ً فأوضح :

: فلسطيني من أب مسلم و أم يهودية ، قريبك .

قلت مستوضحا ً :

: سمعت عنه لكنني لم أقابله قبلا ً . ماذا تعني بقريبي .

قطع الدكتور إسماعيل محاولتي الاستفهام مستأنفا ً كلامه :

: لا فائدة ، أمراض العرب هي أمراضهم . الجهل الجهل . جهلهم نبات شيطانيّ . كأنما وجدوا ليعيقوا حركة الحياة . نذروا حياتهم للنساء و الطعام ، كأنهم سيموتون غدا ً . أما الطبقة الثانية المثقفة فحدث و لا حرج ، يلحقهم بالحلم الامريكي و الثروة .

ردّ الأمريكي الذي نفث سمّه عن تراث اليهود :
: ماأبسط الحياة هناك . عالمهم خرافي لكن عالم جميل . كلما أرهقت من العمل أهرب إلى هناك .

اتجه عيسى بالحديث منحى آخر سأل الشاب :

: ما اسمك أيها الشاب ؟ لا تهتمّ .. لا تخبرنا به . ما زلت صغيرا ً و حديث العهد بهذه البلاد . لتخبرها و تعرف أهلها عليك أن تعيش طويلا معهم لتعرف حقيقتنا و حقيقتهم . نحن و هم نعيش في عالم واحد و زمان واحد لكننا لم ندرك ما أدركوه . مصلحتهم أولا و مصلحتهم أخيرا ً ، ولا اعتراض على ذلك . أنا أمريكي ، لكنني أرفض ما يحصل لشعوبنا ، أشعر بأنني عربي . بل عربيّ متضرر .

قال روكس الذي ادّعى يوسف قرابته لي :

: عربي متحضر ، أتشعر بأي شعور تجاه تلك الشعوب المتخلفة . بين أيديهم ثروات حبتهم بها الطبيعة . لا يعرفون قيمتها ، جلّ ما يبدعون به تبذيرها بشغف على ملذاتهم .

تساءل يوسف باستهزاء أدهشني :

: غير صحيح ، نعيش حالة خوف دائم ، نتصارع مع غريزة حب البقاء . نقاوم الحياة الصعبة باللهاث وراء الرغيف ، ونتحدّى الفناء بإخفاء رؤوسنا بين أكتافنا لئلا يرونها فيحين قطافها.

ابتعد عنه روكس و أخذ يقترب من عيسى . تحرك يوسف بالاتجاه ذاته . أوقفته لأهدئ من روعه . قلت بهدوء :

: ما زلت أؤمن بالتاريخ و ... .

قاطعني يوسف وعيناه زائغتان :

: آسف يا دكتور إذا سارت الأمور على هذا المنوال ستفقد إيمانك بالتاريخ والجغرافيا أيضا . في جيب هذا الـ روكس ابن عمّك لائحة بأسماء انتهت صلاحية أصحابها .

قاطعه عيسى قائلا :

: هل يضيرك أيها الشاب أن تنتظر إلى ما بعد العشاء ؟ أنا معك في المظالم التي شعوبنا كلها على أيديهم ، وإنّ تمثال الحرية المنتصب هناك ، والأمم المتحدة ، وحقوق الإنسان ، ورقة توت يستترون بها.

أخذت يوسف بعيدا ، بينما انتحى روكس واسماعيل جانبا آخر يتهامسان . عينا يوسف تدوران بارتياب . قلت :

: تريث قليلا . أخبرني ما تعرفه عن أخي ، هل قتل ؟

: عليك بالصبر الذي نصحتني به . نصف ساعة لا تقدم ولا تؤخر ؟ يحزنني أن أسمعها منك . دقائق غيرت مجرى حروب . على كل دونت ما أعرفه على الورق و دسسته بين أوراق الدكتور عيسى تحسبا لحصول ما لم يكن في الحسبان .

أبتعد عني وحزن ينتشر على وجهه المليح الصريح ، لم أتمكن من الصبر ، همست في أذن عيسى :

: هذا الشاب يقول بأنه دسّ بين أوراقك أوراقا تخصني,

هز رأسه و لم يردّ .. عاد يرحب بالضيوف . انشغل الجميع بالطعام ، همسات تدور حول نوايا الدكتورعيسى من هذا الاجتماع عدت إليه أعرض عليه الوثائق التي حصلت عليها . نتضاحك و هو يقول لي هامسا :

: أو تظن يا سامي أنني بعيد عن كيفية حصولك عليها . عرفت بأنك بحاجة إلى حافز و أظنني قد هيأته لك . أوراق روكس مثله بلا قيمة ، ليبلها و يشرب ماءها ، و ورق يوسف سنهتم به معا .

فرغ الجميع من العشاء بسرعة مذهلة ، فقد ساد الجميع ترقب حذر . يوسف اقترب من الدكتور عيسى وقال شيئا ، لم أسمع ما قال و لكنني فهمت ابتسامة الشيخ ، هز رأسه بثقة و استمر في صعةده بضع درجات تؤديان إلى شرفة صغيرة ، فتح الأوراق ، تحرك يوسف و وقف خلفه . قال عيسى :

: هذه مرحلة حالكة ، من أصعب المراحل في تاريخنا . الاعتداء سافر و الظلم فادح . لنتناسَ مراكزنا و جنسياتنا المختلفة ، ونعود أبناء وطن يعاني .

سيصرخ الجميع في وجهي كما أسمع في حوارات التلفزيون : من أين سنبدأ ؟ ما هي البدائل ؟ تذكروا ما سأقول ولا تنسوه أو تناسوه ، و ليعتبر كل واحد منكم نفسه مسؤولا عما يسمع قبل كلّ شيء – مع الاعتذار لدعاة السلام – سأطرح بعذ الأسئلة :

السلام مهادنة بين طرفين متكافئين فهل نحن و هم كذلك ؟

السلام يعني الحرية و المساواة للطرفين فهل تتوقعون الحصول على شيء كهذا ؟

ألا نضيع تضحيات الماضي بتنازلات مريبة ؟

الشعوب عادة تثور ضد من يسلب حريتها و ثرواتها . هذه البلاد التي نعيش على أرضها ، و تجنسنا بجنسيتها ، كانت ذات يوم خاضعة لدولة مستعمرة ، عانت ما تعانيه شعوبنا الآن ، ثارت و انتصرت .


بدأ يوسف يوزع أوراقا على الحضور ، بينما تابع عيسى كلامه : بين أيديكم وثيقة استقلال الشعب الأمريكي . أنها ميثاقنا الوطني الجديد .
تدارسوها ، و تواصوا بها .

" إن الحكم البريطاني أقام قوات مسلحة كبيرة بين ظهرانينا ، و حماهم بمحاكمات هزلية في العقاب على جرائم القتل التي يقترفونها ضد أهالي هذه الولايات .

و لأنه قطع صلاتنا التجارية مع كل أنحاء العالم .

ولأنه حرمنا من مزايا المحاكمة أمام محلفين .

و لأنه نقلنا وراء البحار نحاكم على جرائم مزعومة .

ولأنه نزع منا مواثيقنا ، و ألغى أثمن قوانيننا .

ثمّ أعلن أننا محرومون من حمايته ، و شن الحرب علينا . نهبّ بحارنا و سلب سواحلنا و أحرق مدننا و دمر شعبنا . في جميع مراحل هذه المظالم قدمنا الالتماسات للإنصاف بكل تواضع و خضوع . لكن كان الجواب الوحيد على التماسنا المتكرر هو : الإساءة المتكررة .

لذا فإننا نحن ممثلي الولايات المتحدة الأمريكية ، من مؤتمرنا العام ، المجتمع هنا ، نشهد القاضي الأعلى ، الله جل ثناؤه ، على صواب مقاصدنا ، ونعلن باسم شعب هذه المستعمرات الطيب و بسلطانه ، أن هذه المستعمرات المتحدة ، هي في حقيقتها و بموجب حقا ينبغي أن تكون ولايات حرة مستقلة ، و أنها قد تحررت من كل ولاء للتاج البريطاني ، و ان كل السياسية بينها وبين بريطانيا قد انفصمت تماما ، و أننا نتعاهد تعاهدا متبادلا على صيانة أرواحنا و ثرواتنا و شرفنا المقدس .

بناء على ما قرأته آنفا سنهتم بإنشاء "رابطة للمثقفين العرب" يشارك بها جميع مثقفينا في عالمنا العربي و المتحضر ككل ، تحت لواء جمعية عمومية تعنى بكل فكرة حول بنود هذا الميثاق .

نحن مع كل المثقفين نعاضد ما اقترحه الدكتور سامي في كتابه الأخير ، بإعادة تفعيل دور الأمم المتحدة . إلغاء حق الفيتو . الإقرار بحق الشعوب المحتلة بالمقاومة .

كان الصمت بليغا . قلب الدكتور عيسى الأوراق بين يديه المرتجفين ، اقتربت منه و أجلسته على مقعد قريب فتحرك يوسف بحيث يبقى ملاصقا له . جاءني صوت دلال و تلفونها بيدها قائلة :

: عائدة على التليفون ، حالة أمك حرجة ، أدخلت للعناية .

التقطت الهاتف و خرجت من الضجيج إلى غرفة اخرى . سألتني عائدة وسط نشيجها :

: هل ما زلت هناك في بيت الدكتور عيسى ؟

: نعم أنا هنا ، ماذا في الامر ؟ سأحضر حالا .

: هناك أمور عجيبة تحصل، لقد كنت هنا قبل نصف ساعة . صاحت أمك بفرحة هاني ، ابني . رددتَ عليها ، أنا سامي يا أمي ، ماذا جرى لتخلطي بيننا . أجهشت ببكائها من جديد.

لم تسمعني و أنا أؤكد بأنني لم أترك الحفل منذ حضوري إليه .
وقع قلبي بين ضلوعي ، ألقيت الهاتف إلى دلال و العرق يتصبب مني ، احتبس صوتي ، هل حقت الحقيقة بهذه السرعة ؟

دلال واقفة أمامي تمط شفتيها عجبا من مظاهر التوتر البادي عليّ . وجهها كعادتها خال من أي تعاطف . قالت :

: لم الهلع . . إنها مريضة بالسرطان . ماذا تتوقع ؟

تركتنيو سارت بهدوء نحو الجمع و كأنها أخبرتني بأن أمي ذاهبة للتو في نزهة و ليست إلى الموت . الموت .. .يا إلهي . قفزت إلى الخارج دون وداع أحد . كلمة الموت تحوم في رأسي كالطنين .. تكبر .. . تكبر . .. تدوي ، الموت .. الموت . .. أسمعها كطلقات الرصاص . .
أعد الطلقات مع خطواتي و أنا أركب سيارتي .. .
واحدة
اثنتان

ثلاثة . .. كأنها رصاصات حقيقة ، أصوات مرعوبة حقيقة .. .
ربما خطر على بالي تحذير دونالد بعدم قضاء ليلة رأس السنة في بيت الدكتور عيسى ، ربما كان صدى صوت يوسف و هو يعلمني بأنه حضر من تلقاء نفسه ليحميني ليحول بيني و بين حدوث شيء ما . ربما شعرت و أحسست بتلك الحاسة التي تملكها أمي و مع ذلك . .. لم أتوقف . .
انطلقت على الرغم مني ، لنجدة أمي . ..

يتبع \ إن شاء ربّي . ..

نائية
06-11-2006, 07:17 PM
صبح ، الـ غالية .. . :)

مَجْهودٌ يُمْطِرُ رَوْعةً يَا نَائِية ،
أهذِه لـ[ أمل دنقل ؟ ]
سَمِعْتُ [ مَحْمود دَرْويش ] بأُذُنيَّ يُلْقيهِ في أُمْسيَةٍ شِِعْريَّة لهُ منْذُ سِنين طَويْلَة
في الانْتِظار
صُبح
هي َ لأمل دنقل غاليتي ، قرأت ُ ذلك في أكثر من موضع ، أكيدة أنا من ذلك ! . ..
أما قولك .. محمود درويش ، . . لا أدري !!!

لكنْ لأجلك ، سأعاود البحث مجددا لأتأكد _أيضا مجددا _ . ..

كوني بخير يا سكّر . .. ^^ ..

نائية
06-11-2006, 07:21 PM
كاميليا الحُلوة !!. .
و لكنني ماذا ؟!! .. .

اعذريني . . أضعتك بين الكلمات !!

كثيفة كانت !!

في أمان ربّي \ عودي

Ophelia
06-11-2006, 08:16 PM
مَجْهودٌ يُمْطِرُ رَوْعةً يَا نَائِية ،


أهذِه لـ[ أمل دنقل ؟ ]
سَمِعْتُ [ مَحْمود دَرْويش ] بأُذُنيَّ يُلْقيهِ في أُمْسيَةٍ شِِعْريَّة لهُ منْذُ سِنين طَويْلَة


في الانْتِظار

صُبح


ها هي هنــا (http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=65804)يا صُبح

نائية
07-11-2006, 08:09 PM
و هنا . . صُبح
http://www.arabandalucia.com/index.php/1267

و في ألف ِ صفحة و كتابْ .. .!! .. :)

منسي.
09-11-2006, 12:00 PM
شكراً ختي نائية
واتمنى أن يتاح لي قراءتها ، فأنا من محبي الأدب الهادف

نائية
17-11-2006, 04:55 PM
استقبلتني الممرضة المسؤولة بثورة عارمة بسبب زيارة قريبة لنا لأمي أرهقتها فأدخلت العناية المركزة.
قلت:لكننا هنا دون أي أقارب، دعيني أراها من فضلك لأعرف من زارها .

: لا يمكن . زارتها امرأة خاطبتها أمك باسم سارة .

في غرفة أمي ، كانت عائدة تبكي بهستيريا و هي جالسة فوق السرير . جلست على المقعد و زفرت بوجع . سألتها :

: من هذا الذي زارها و ظنته أنا ؟

: لم أره ، كنت خارجا ً أتناول مرطبا ً . حين عدت سألتني إن كنت رأيتك خارج غرفتها أو داخلها ، لما نفيت الأمر قالت كان هاني ، أنا أعرفه ، لا أعرف لم أنكر نفسه و أكد بأنه سامي . حين رأت الشكّ بعيني قالت : ليست المرة الأولى التي يزورني فيها و يدّعي أنه سامي . خرجت و سألت الممرضة إن كانت رأتك ، أكدت بأنها رأتك قبل دقائق .

عدت إلى والدتك ، احتضنتها محاولة تهدئتها ، فجأة فتح الباب و دخلت امرأة . وقفت لاستقبالها . صاحت والدتك دهشة : سارة !

أخذت تحدثها عن خلاف على البيت القديم . تتضاحك و هي تقول لن يبقى عندك سوى ولد واحد غدا ً . لا أعرف كيف لم أنتبه لمحوى الحديث أو حتى اللهجة وما بها من شماتة . ما يعذبني أنني خرجت لأفسح المجال لها لعتاب قديم . بالخرج شعرت ببرد فعدت لآخذ الشال ، كانت المرأة تقول بحنق ، أنتِ مريضة بالسرطان ، و ستموتين قريبا . رأيت والدتك تنسحب إلى آخر زاوية في السرير ، و تنكمش ، بينما الأخرى تضحك بسخرية . ماذا بينهما ؟ من هي هذه المرأة ؟

: إنها زوجة عمي . لم يحدثنا أبي عنها إلا و بكى و أبكى أمي معه . عمي و زوجته السبب في حالة الشلل التي عاش بها .

: كيف حصل هذا و متى ؟

: بعد سقوط البلاد . جاءت مع عمي إلى بيتنا. أمرت أبي أن يترك المكان بلا مشاكل . رفض بقوة ، أمسكت به من كتفه ، تهزه كأنه جذع شجرة تريد اقتلاعها هاني كان في حضنه ، و كنت في حضن أمي . رجته أمي أن يوافق و يبتعدا خوفا على الصبيين . رفض و تشبث بالبيت . صرخت سارة <<قوم اطلع برّه>>
كان أخوه واقفا يتفرج ، يتضاحك و يسوك أسنانه بشيء ما كعادته . بد أن ينهي هذه المهزلة التي تقوم بها زوجته ، تقدم من أبي و هو يقول له ، حسنا يا عبدالله ، لن تترك البيت فقط ، و إنما البلاد كلها ، عملت حالك وطني و ثوري ، الآن أنت الخاسر . شوف أنا – المفلس و المغضوب من أبي و المتزوج من هذه اليهودية القذرة كما كان أبوك يقول – صرت الفائز . قذف بالسواك المقرف بوجهه و خرج تاركا زوجته تتحكم بأسرة أخيه . لم تسمح لأمي بحمل متاع أو طعام لنفسها أو لتوأميها الطفلين . كان على باب البيت ثلة من الجنود اليهود ، مستعدين لإطلاق النار وفق أي إشارة منها . ألقوا بنا إلى الشارع ، تشبث أبي ببوابة بيته صارخا : اقتلوني فلن أغادر بيتي . بإشارة من عينيها كما كان يخبرنا أبي ، أطلقوا عليه النار . بعدها لم يعد قادرا على المشي .

: لكن ما الذي أتى بهذه المرأة بعد كل تلك السنوات ؟

كنت أفكر بجواب لهذا السؤال ، حين سمعت صوت سيارات الإسعاف تصل إلى المستشفى . خرجت إلى الرواق أستفهم ، قالوا بأن حفل الدكتور عيسى تحول إلى مجزرة !!

هرعت إلى قسم الطوارئ لأتحرى ما جرى . كان الخبر حقيقيا إذن .. الرصاصات حقيقية و ليست طنينا في رأسي .. !

علمت بأن روكس أطلق النار على عيسى فردّ يوسف بإطلاق النار عليه . هاج الجميع فسقط من سقط . قالوا بأن يوسف و إسماعيل و الأمريكي المستشرق ماتوا . عيسى أصيب بذراعه و ساقه . لم يصب أي من السيدات . روكس جروحه طفيفة .

كان رجال الشرطة يستجوبون من يستطيع الكلام ، تضاربت الأقوال . الجميع أجمع على ان روكس هو من بادر بإطلاق الرصاص أولا على الدكتور عيسى ، لكن يوسف تلقاها بصدره ، و صوب رصاصته نحو روكس فتلافاها . كانت طائشة بفعل الألم الذي كان يفتك به .

لا أذكر سوى أنني عدت إلى غرفة أمي منهارا ً ، تلقتني عائدة بين ذراعيها . صحوت على صوت هذياني . أسمع نفسي ، و أعي صراخي ، على يوسف تارة ، و على عيسى تارة أخرى . أخلط الأمور و أسأل عن هاني . أجد وجه عائدة منكفئا ً فوق رأسي و يداها تلامسان وجهي وحدهما كانتا الحبل السري الذي يصلني بالحياة .

أعود و أسألها عن هاني . أسألها إن ماتت أمي بالفعل . أسألها و لا أنتظر الجواب ؟ هل علم هاني بأن أمنا تموت ؟ . هاني وحده المسؤول عن مرض أمنا ، وحده المسؤول عن موتها . أضرب رأسي بحافة السري أناديها و أنادي هاني ، أناجيها و ألعن هاني و كل مشاغله ، ينام رأسي المنهك فوق صدر عائدة الخافق بتواتر عجيب ، فيعذبني من جديد .

قلبي ليس على ما يرام .

خرج الأطباء بنتيجة عجيبة أن قلبي مريض . قلبي أنا ، الذي يعيش النبض ، يعيش الحب الحقيقي ، الحب الصامت اليائس رغم الكهولة . كيف لي تحمل مهزلة أخرى من مهازل قدري ؟

قال عيسى حين فتح عينيه و رآني أمامه :

: لا تقحم نفسك بما حدث ، لقد خرجت باكرا ً . سافر مع أمك ، فهي تريد أن تموت في بيتها . يجب أن ترحل بالأوراق التي سيسلمها لك المحامي .

: لن أتركك .

: بل ستتركني ، فالحال طويل و هذه البداية فقط ، كان بإمكاني التراجع حالما تكلم يوسف ، أو حين قرأت أوراقه . قبلت أن أكون الشرارة ، لا تبخل علي بجمع الحطب .
استدعيت كشاهد . أثناء الاستجواب قلت موضحا كمحام ٍ :
: يوسف لم يكن مدعوا ً أصلا ً ، تعرفت عليه تلك الليلة في بيت الدكتور عيسى و هو بدوره لم يكن يعرفه مطلقا ً .

سألني المحقق :

: قال روكس ، بأنك كنت تتهامس مع يوسف قبل العشاء ، و أنك اصطحبته إلى الدكتور عيسى . سمع ترحيب عيسى الحار بيوسف بصوت عال ٍ . كيف يتسنى لصاحب بيت أن يرحب بهذا الشكل الحار بشخ لا يعرفه ؟

: روكس شاهد ؟ إذن من المتهم ؟

: أجب عن السؤال فقط و لا تطرح أسئلة .

: إنها عادة عربية ، نرحب بضيوفنا عدة أيام قبل أن نعرف من هم و سبب حضورهم .

: و هنا أيضا تمارسون شعائركم الغريبة ؟ من هو يوسف ؟

: كان تلميذا صغيرا في بدابة الحياة .

: لكنه قتل الدكتور إسماعيل .

: لا أعرف ، لقد خرجت مبكرا ً ، استدعيت إلى المستشفى .

: ألم تفرّ من الموقع بعد أن تدبرت مع يوسف الأمر ؟

: إذا تدبرت الأمر معه ، فلم أتركه يواجه الجميع وحده ؟
.
.

نائية
17-11-2006, 04:55 PM
عائدة غارقة في أساها ، ردت على نظراتي المتعبة :
: اجعل حالة قلبك محطة إجبارية لتعيد النظر في حياتك . كم تمنيت لو أستطيع الرد بالسخرية ذاتها التي أهمس بها لنفسي . عاش قلبي بجانبي خمسين عاما يرثي حالي و لم يمرض ، الآن ، حين صار يتحسس الفرح نكص و خذلني .

وقفت تجمع حاجياتها و هي تقول :
: علي ّ العودة إلى المستشفى حالا ً ، فأنا متعبة .

شعرت بالفزع و لكنني تمالكت نفسي و قلت :
: حسنا ً .. . هيا بنا .

ها هي ذي بجانبي ، لكنني سأفتقدها ، ربما في كل لحظة ، في كلّ ركن . بسيارتي ، في غرفة نومي حيث قضت ليلتها الأولى ، مع هاني ، مع هالة . في الأيام الفائتة و هي بالمستشفى مع أمي و معي ، أيقظت فيّ ما كنت أردعه ، عشت العمر بانتظارها .

قال تبدد الصمت :

: على الرغم من تعرضي لهذه الهزة العنيفة ، لم أشعر بما كنت أشعر به أيام المرض . لم أنهر ، تماسكت و استطعت المساعدة على ما يبدو . أعتقد أن المريض النفسي هو الوحيد القادر على مساعدة نفسه .

: الحمدُ لله .

امتعضت لهذا الجواب المقتصر ، تنهدت بعمق و قالت :
: آسفة لأنني أصدع رأسك بثرثرة لا تهمك ، عذري أنني ظننت بأن الأمر يعنيك .

: يعنيني أكثر مما تتخيلين .

لم يرضها الجواب ، فظلت غاضبة ، عدنا لصمتنا . ماذا تريدني أن أقول و أنا أعيش هذه المحنة ؟ .. نزلت من السيارة و أصرت أن أعود من حيث أتيت . قابلت طبيبها ، و حين عادت و وجدتني في مكاني صامتا تائها بانتظارها . وقفت متألمة ، حين فتحت بابا السيارة لأنزل ركضت إلى الداخل فتبعتها . على باب غرفتها وقفت أتأمل وجهها المتألم . مددت يدي إلى شعرها أداعبه كما كنت أفعل و هي طفلة ، نشجت من جديد ، قلت :
: إذن سأذهب ، تصبحين على خير .

استدرت مغادرا ً ، صاحت و كأنني ذاهب لعالم آخر .

: متى سأراك ؟

: لا أعرف . .. تصبحين على خير .

كان قراري حازما ً . بأن أتصدى لمشاعري تجاهها و مقاومتها كما فعلت سابقا ً . فإذا أنا أتصدى لها و كأنها المسؤولة عما يجري في أعماقي .

نائية
17-11-2006, 04:56 PM
منسي \ -- أهلا ً بك َ أخي الكريم في صفحتي هذه . .

أرجو أن يتاح لك قراءتها . . في أقرب وقت . .

نائية

نائية
17-11-2006, 10:03 PM
ضيوف دلال ما زالوا عندها
. يبدو أنهم ظنوا لتأخر عودتي أنني سأبقى في المستشفى مع أمي ، أطلقوا العنان لأصواتهم و آرائهم و ضحكاتهم ، كان لها صدى غريب في هدأة الليل .

رأيت دلال على الأريكة المواجهة لي ، ملتفة بروب صوفي سميك ، ضيوفها موزعون حولها . قال الرشيدي :

: منذ عرفته و هو رجل ثقافة ، لم أره يوما ً يمارس أي نوع من التعصب لفئة دون أخرى ، ما الذي جرى له ؟

ردت دلال :
: هذا سحر الدكتور عيسى . وجي عاش شبابه شيخا ً حكيما ً ، و ها هو ذا الآن يعيش كهولته في ثورة الشباب .

تضاحك الجمع ، علقت صديقة زوجته الأمريكية التي أصبحت عربية بإصرار عجيب :
: الحقيقة لم يرق لي أبدا . أحيانا أشك بعقله ، دائما ألحظه تائها في اللاشيء ؟ كيف وثقوا بأستاذيته في الجامعة ؟!

سمعت دلال تقول بصوت عذب لم أسمعه منها إلا في الفترة التي كانت تحاول إيقاعي بهواها :

: إنه إنسان مسكين / قتلته جديّته و منطقه ، لم يتذوق معنى للسعادة في يوم من أيام حياته . زوج مفكر من الدرجة الأولى ، لكن ماذا حقق ؟ لا تسألوني . لكن بإمكانكم سؤالي عن مدى الضجر الذي أعيشه مع شخص من هذا النوع .

قال جون زوج المستعربة و صديق الرشيدي و زوجته :

: خسرك ، خسر مكانته العلمية التي كان يتمتع بها .

قال سميحة بعصبية :

: لكنني أعرفه قبلكم جميعا ، إنه إنسان عظيم بكل المقاييس .

دخلت الصالة و أنا أتطلع إلى الوجوه الممسوحة ، قلت :

: لن أعترض على ما سمحت ، فقط ، أخرجوا من بيتي .

وقفت دلال بتحدّ و خطت نحوي ، قلت لها بهدوء :
لي دنياي َ الخاصة ، صعب على أمثالكم فهمها .

خرج الرجلان برفقة دلال و زوجة جون ، سميحة وقفت بانتظار أن أهدأ . قالت بأسى :

: آسفة سامي ، ليس عدلا ً ما كان يقال في بيتك . هم يعرفون مثلما أعرف بأنك أبعد ما تكون عن هذه الصفات . تعرف مكانتك في نفسي طوال سنوات صداقتنا .

صمتت و انتظرت ، لم أرد ، قالت بصوت منكسر :

: كيف حالها ؟ وددت لو وجدتها هنا .

: هي بخير ، اطمئنّي . استعجلت الرحيل ، أظنّها عرفت بمقدمك .
اعذريها فهي في حالة عدم توازن ، فقد عانت الكثير .

تنهدت قائلة :

: ألن تلين ؟

: الأيام تشفي كلّ الجروح ،عودتها إليك ِ ليس بالأمر الهيّن ، و لكنّه أيضا ً ليس بالمستحيل . بالمناسبة متى أخبرك روكس بوجودها في المستشفى ؟

: قبل يوم واحد من الاحتفال برأس السنة ، لماذا تسأل ؟

: أريد أن أعرف شيئا عنه . هل تعرفين نوع القرابة التي أخبرني بها يوسف قبل موته .

: أعرفه منذ زمن طويل ، لا يوجد أحد لا يعرفه . فهو في كل مكان في كل وقت . وقد أكّد لي أمس أنه ابن عمّك شقيق أبيك .

: تعنين أنك رأيته بالأمس ؟ أليس موقوفا تحت التحقيق ؟

: أي تحقيق ؟ .. مثل هذا يعوم كنقطة الزيت فوق الماء . أعلمك بشكل شخصي بما قاله لي . بأنهم يعيدون حساباتهم بعد أن أخطأ في اغتيال عيسى . لقد قال لي و هو يضحك بملء شدقيه ، صحيح أنا موقوف ، لكنني أتحرك كما أشاء .

: ماذا أسمع ؟!

: إنها الحقيقة .

ارتميت فوق أريكتي باكيا ً كلّ همّي ، كلّ حبي ، كل تعبي الجسدي و النفسي . تركتني و لحقت بزوجها الذي لا يقل حقارة عن هذا الروكس . تساءلت و هي تختفي وراء الباب : كيف لامرأة عاشت مع رجل شهم مثل سالم ، أن تستطيع العيش مع وغد مثل هذا الإنسان ؟ وجدتني أتساءل كيف استطعت العيش مع هذه المرأة كلّ هذا العمر . أليس الإنسان لغزا محيرا ؟!

ما قالته دلال حق . لم أبق أصلح لشيء سوى العمل .

لكنها نسيت شيئا مهما ، و هو أنها هي من دون غيرها كانت وراء انقطاع علاقتي بما يسمى سعادة أو فرحا أو راحة . ماذا عن مشاعري ؟ لم تبق محل نقاش ، حتى بيني و بين نفسي ، بعد الإحباط الذي جعلتني أعيشه منذ زواجنا . الحقيقة أنّني استسلمت لقدري و اندفعت في عملي و مؤلفاتي ، لم أبحث عن سعادة ، لم أفهم دواعيها ، ولا منّيت نفسي بها . لم أحسّ بمعنى فقدها ، ولا عانيت الاحتياج المرير إليها إلا بعد أن رأيت عائدة .

نذرت حياتي للإنجاز العلمي . كلام على ورق يهزّ أركان المحاكم ، أو على مدرج جامعة يترك الطلبة في ذهول من قدرة أستاذهم الفذ ، أو حتى في محاولة يائسة لإرضاء زوجة لا تعرف هي شخصيا ما الذي يرضيها .

سر رائع أحتفظ به لنفسي . سرّ منحني سعادة مثل تلك التي أحس بها حين أحاول ان أكون هاني . الفضل في هذه الفتات من السادة يرجع لعائدة . .. عائدة ..
الشمس التي أضاءت دنياي َ ، جعلتني أكتشف كم كانت حالكة . بسمة حلوة تسربت إلى شفتي فأحدثت معجزة .

الأيام تمرّ ، بيتنا يزداد برودة ، و أزداد مقتا ً للوضع الذي رضيت به و عايشته سنوات طويلة . أصبحت دلال بعيدة عني أكثر من أي يوم مضى ، و أصبحت أرحب بهذا الابتعاد لأنه يريحني ، و يجعلني أعيش مع هذا الطيف الجميل الذي يسكنني .

نائية
17-11-2006, 10:03 PM
قبل دخولي إلى المشفى ، وجدت عائدة أمامي . مشينا معا ً من دون كلام ، لكنّ شيئا ً من حبور ملأ القلب المريض .
كانت أمي جالسة في سريرها ، ما زالت في حالة توتّر شديد ، الممرضة تحاول إطعامها . سألتها بتخوّف :
: ماذا ، هل من جديد ؟

قالت الممرضة :
: نستطيع التغلب على الألم بسرعة ، لكننا نفشل في إعادة الطمأنينة بسرعة . كلما فتح الباب تفزع . بالمناسبة صدرت الأوامر ألا أتركها بمفردها مع أي زائر .

: شكرا على كل شيء .

جلست بقربها أحاول أن أضحكها ، لم أفلح ، كانت معكرة المزاج . قلت و يدي تضغط على يديها :
: أمي أرجوك ساعدينا على التحسن حتى نستطيع أن نسافر ؟
يجب أن تكوني قادرة فعلا على السفر الطويل .

لم تردّ عليّ ، بل توجهت إلى عائدة و قالت :

: أين هاني ؟ يأتي و يذهب كأن الأمر لا يعنيه . ليته كان موجودا ً أمس ، لعرف كيف يرد على تلك المرأة التعسة . ما زالت بعد كل تلك السنين قاسية طماعة و تريد كلّ شيء . الموت حق و محتوم ، لكنني لم أستطع منع نفسي من الحزن .

تساءلت بهمس كأنني أحدث نفسي :

: ما الذي أتى بها بعد كل هذه السنين ؟

: لا أعرف ، صرخت فجأة ، هيا قومي لنتسامح قبل أن تموتي ، أنت مصابة بالسرطان . لم أكن أعرف أنها ما زالت حية بعد كل هذا العمر . تبرق عيناها بجشع غريب . صحيح لا يملأ عين ابن آدم إلا التراب .

قالت عائدة :

: لا جديد ، هذا طبعهم أينما حلّوا .

: قالت أنني سأفقد أحد أولادي .

قالت عائدة :
: اعرف ابنها و ابنتها . شيء مضحك من هذه الحياة ، هو الذي عرف حسن على أخته فأغرم بها و تزوجها .

رأيت وجهها يشع بحمرة غضب فقلت :
: لا تنفعلي فأنت في طور النقاهة .

: الانفعال طبيعي عند الإنسان السوي حين يتذكر النذالة و الحقارة ، هذا دليل أنني بخير .

قالت أمي و هي تحتضنها :
: أنت بخير ، أنت ستّ البنات .

ضحكت من الإطراء ، قلت :
: لم الغضب ، فالشخص لا يستحق ّ .

: المشاعر يا دكتور هي التي تميّز إنسانيتنا . في بداية مراحل العلاج أملى عليّ الطبيب لائحة من الممنوعات . قال بجدية ، مدام عائدة ، أرجوك ، لا تحزني و كذلك لا تفرحي ، لا تبكي و لا تضحكي ، لا تفكري ، لا تجهدي نفسك ، رأيتني أصيح : قل لي لا تتنفسي ، ممنوع عليك الحياة .

: ليس إلى هذا الحدّ . ستعودين فرسا ً جموحا لا تهاب شيئا .

قامت مودعة . نظرت نحو الممرضة إلا أنها لم تدعني أقول شيئا ، قالت :

: اطمئن عليها فهي بأيد ٍ أمينة . أنتم من يتعبها .




حين أجالس المقربين مني ، عيسى وجماعته ، أعيش مأساة أخرى لا تقلّ عما تعانيه أمي . صراعها مع المرض و العلاج الكيماوي لإنقاذ حياتها ، تزامن مع استفحال الصراع الخفيّ لإنهاء قضيتنا و تصفيتها نهائيا . بدا ذلك واضحا جليا بعد التوقيع الذي تم أخيرا .
الأوراق التي حملها هاني للمفاوضين كانت آخر محاولة للتدخل لدفع المفاوضات إلى طريق الحق . لم نسمع تعليقا ً من أي مفاوض حول تلك الأوراق . لم نسمع عنها في حواراتهم العلنية أو السرية التي كانت تصلنا تباعا ً .

صرت أرى التفاوض كما يراه عيسى ، أشد قسوة من القتال . سلمنا بسياسة الأرض مقابل السلام . أسطنا تاريخ نضالنا الطويل ، تنازلنا عن كل قيمة و عن كل ميثاق . مساومة كالسرطان بين البطش و النضال يأكل الحق كما يأكل أمي .

كنت ألحظ أمي بطرف خفي تتابع أحداث المفاوضات على التلفاز ، تبحث خلسة بين الوجوه عن وجه هاني و بين الكلام عن بادرة أمل ثمّ تيأس و تحزن . تستمرّ في ذبولها و نحولها و اندفاعها نحو النهاية .

حالتان متشابهتان . ..

تسارعت الأحداث ، تواطأ الجميع على تيسير عملية البطش بلا رحمة ، لم يبق أحد يهتمّ إن سحقت القبضة الحديدة شعبا كاملا دون ذنب غيرنا ؟ من يهمه أن ينهش المرض خلايا أمي ، غيري ؟ رأيته بعيني يمزق رئتيها ، ينفجر دماغها فينزفه أنفها ، أصير أعجز من العجز نفسه الغريب أنني أفكر بالأمر كأنني هاني .

أخيرا تراخت مقاومة أمي ، بحدسها قررت عدم جدوى ما يقومون به . كانت مستلقية على فراشها بوهن ، عيناها شاخصتان في السقف ، بعيدة عني ، تهمس باسم هاني كأنها تهبه أنفاسها الأخيرة . سرى في جسدها العلاج الذي فرغ الطبيب لتوه من حقنه في وريد يدها المتدلية نحوي .

أخذت عيناي تغوصان في عمقها تبحثان عن منفذ تدخلان منه إلى جسمها لترى ما الذي دمر فيه إثر تلك الجرعة الكبيرة المرعبة . رأيت الألم يعتصرها ، شحب لونها ، غشيها دوار قاومته بجلد لئلا تغيب عني . بكلّ عجزي أواسيها قبلة طويلة طبعتها في خشوع على اليد الممتدة مطالبة بالحياة و لا أملك الاستجابة .

كانت أصابعي مشبوكة بأصابع يدها و الطبيب يحقنها بالعلاج القاتل . بدأت تسترخي ، تسترد عزيمتها . خلصت يدي من يدها و ابتعدت أداري عذابي و انفطار قلبي لمقاومتها .

فتحت النافذة المطلة على الحديقة ، بينما كنت أبتلع دموعي ، أبتعد لأتيح لها رؤية الأغصان مكسوة بثلج كوانين ، لعلها تروح عنها . يا إلهي . . نور يشعّ من عينيها السوداوين ، تحدّقان بي ، تبحثان عن الحقيقة ، لم تشغلها نسمة باردة و لا منظر الأغضان مثقلة بحملها الأبيض . تريد الحقيقة و هي عندي ، قالها لي الطبيب ببرود : " لا تستجيب للعلاج ، لا رغبة عندها في العيش " .

لكن ، هل أجرؤ على قولها ؟

السؤال الأهمّ : هل من الممكن أن أمدها بأمل كاذب ؟

فكرت بسرعة ، بعيدا عن عقلية الرجل الأكاديمي ، إذا لم يكن بيدي درء هذا الموت الزاحف نحوها ، أليس من العدل أن أساعدها لتموت قريرة العين سعيدة بوجودي إلى جانبها ؟ همست برجاء :
: سامي .. لا أريد هذه الحقنة مرة أخر ى ، تميتني مئة مرة مع كل نقطة ، خذني إلى البيت ، سامي اشتقت لبيتنا .

ضممتها حتى صرت أتنفس رائحتها الطيبة و قلت :

: يجب أن تصمدي يا حبيبتي ، ذهب الكثير و لم يبق إلا القليل ، ليس أمامنا إلا الصبر يا أمّ سامي ، حتى يسمح الطبيب .

: أعرف أكثر منه ، لا فائدة . اسمع كلامي برضاي عليك .

: سنرى . ..

هربت إلى الخارج ، كنت بحاجة إلى شراب ساخن أرطب به فمي ، جف ريقي منذ ابتدأ الطبيب يغرس رأس الإبرة في وريدها فتئنّ هي ، و ينفطر قلبي أنا . كنت أحتسي الشاي ببطء دون إحساس بطعم أو نكهة ، التقت عيناي الهائمتان وجه طبيبها المعالج ، ابتسم مواسيا ً . اقتربت منه أكثر ، وجدت نفسي أسأله بسذاجة :

: هل تنفع هذه الحقن في شيء يا دكتور ؟!

لم يردّ ، هزّ رأسه يمنة و يسرة ، ضاقت ابتسامته فوق شفتيه ، أصبحت مسكينة ، تعزيني مسبقا عن الأهوال القادمة . عدت أسأل :

: إذن لماذا تعذبها ؟ تتألم كثيرا أثناء الحقن و بعده .

ردّ بشكل مقتضب :

: العلاج الكيماوي له هذه الأعراض الجانبية ، لكن لا بدّ منه .

: لن يشفيها ؟

عاد و نفى بهزه رأسه ، قلت :
سيتساقط شعرها !

هزّ رأسه مؤكدا ً ذلك . قلت :

: افعل أي شيء لتحمي شعرها ، سمعت أنهم يضعون أثناء الحقن طاقية من الثلج فوق الرأس ، تحمي الشعر من السقوط ، ستجنّ لو رأته يتساقط .

: حالتها متقدمة جدا ، ستموت قبل أن تلحظ ذلك .

: متى ؟

: أسابيع .

: إن دعها .. لا أريد تعذيبها مرة أخرى بتلك الحقن اللعينة .

: مهما عجز الطب تبقى المعجزة الأكبر ، إرادة الله . علينا القيام بواجبنا حتى النهاية .

لم أكمل المشروب الساخن ، نسيته على الرغم من أنع معلق بين أصابعي ، وضعته جانبا و هرعت إليها مرتاعا كأنّ الموت قد انتزعها في غفلة مني . كانت إحدى الممرضات التي تقوم بالعناية بها تقف في منتصف الطريق ، فاصطدمت بها على الرغم مني . نظرت إليّ بدهشة ، نقلت عينيها بيني و بين الطريق المؤدي إلى غرفة أمي ، همست بتعجب :

: آسفة . أنت هنا و هناك في الوقت ذاته ؟

أكملت طريقها على عجل ، و دخلت غرفة أمي .

لن أنسى ما حييت تلك النظرة التي كانت تسكن عينيها الهامدتين ، استسلام موجع و حب كبير . حين رأتني ضحكت تلك الضحكة التي كانت ترشونا بها لننفذ كل طلباتها دون جدال . جفل قلبي حين هتفت :

: هاني .. رجعت يا حبيبي ، الحمد لله ، أنت تعرف كم أحتاجك .
أنت من تفهمني ، عد بي إلى بيتنا ، أريد أن أموت على فراشي ، لا أريد ميتة في بلاد الغربة ، لا تتركني أتعذب ، لم أسمع صوت أذان أو تلاوة منذ أتيت إلى هنا ، هل يرضيك أن أموت غريبة ؟

ألقيت بنفسي فوق صدرها و بكيت كما لم أبك ِ من قبل . هل هناك أصعب من موت أم بين يدي ولدها ، يصارع الموت وحده ، يراه يمتص روحها من كل جزء فيها على مهل و لا يملك لها شيئا ؟

لا أعرف كيف واتتني الجرأة لأقول لها :

: فداك ِ عمري كلّه يا أمّي .

فهمت بأنني أنعيها ، تجاهلت و أجابتني :

: لا تقل هذا ، حياتك امتداد لحياتي . فكما عشت عمري ستعيش عمرك يا حبيبي . يكفيني ما لقيت من عذاب . إنكم تنفخون في قربة مقطوعة " أتيت إلى هذه البلاد حسب رغبة سامي ، كنت آمل مثلكم ، لكنني أدرك الآن أنها النهاية ، أعرف أنك تصدقني يا هاني ، فما كذبت عليك عمري كله ؟

: سنسافر بأقرب وقت ، اطمئني يا أمي و ارتاحي أرجوك ِ .

كان علي القيام بزيارة مكتب الدكتور وايلي لأخلي طرفي قبل السفر . نظر نحوي نظرة خالية من الود الذي جمع بيننا سنوات طويلة . بعينيه كما في لهجته شيء من الارتياب و التشكك . سألني :

: هل أمك مريضة حقا أم إعفاء نفسك طريقة دبلوماسية ؟

: هل أفهم من هذا أنك تتهمني بالكذب ؟

: مصادفة غريبة لا تصدق .

: لكنها حصلت . هذه إهانة لن أقبلها ، خاصة منك .

: دكتور سامْ .. الأفضل لك أن تستمع لما أقوله جيدا بصفتي صديق لك . عليك بالتراجع عن موقفك قبل السفر و تنفذ المطلوب و إلا فالعاقبة سيئة جدا .

تعمدت أن أذكره بأنني رجل قانون و لا يمكن لأحد قهري على عمل لا أريده . أنهى النقاش بغطرسة بقوله :

: نفذ خير لك . صدقني ستخسر الكثير ، أكثر مما يخطر لك على بال .

: هذه لهجة تهديد أمريكية بحتة .

: نعم لمن لم ينسى بأنه أمريكي .

رفع هامته فوق مقعده ، تمسك بمسنديه باستعلاء ظاهر ، أخذ يرجح نفسه مستخفا ، كأنني أقول شيئا غبيا و لا جواب له سوى هذا الاستعلاء الذميم . قلت بلهجة قاطعة :

: حسنا ، ليس عندي ما يستغلونه ضدي .

: بلى ، تمارس نشاطا سياسيا ً ضدّ بلدك ، القانون هو القانون .

: ما أمارسه ليس خارجا على القانون ، فأنا رجل علم و ثقافة أتردد على محافل ثقافية تعنى بمشاكل العالم كله .

: لا تخلط الأمور ، أنت مهتم بقضاياك كفلسطيني .

نفخ بسخرية وقحة و هو يقول :

: فلسطيني ، تسمية بلا مصداقية ، أين هذه البلاد على خريطة العالم ؟

: أعتقد بأنك أقدر مني على الإجابة .

: يعزّ علينا أن نفقد أستاذا ً كفئا ً . ظننتك أذكى من أن تلقى بغد مشرق خلف ظهرك و ترحل نحو ماض ٍ لا قيمة له ، جماعة مذعورة ترهب العالم .

: تعصب ذميم ، و خاصة إذا قيل في الحرم الجامعي .

ابتسم بشكل مقرف فانسحبت دون استئذان .

: قالوا أنّك في إجازة مفتوحة .





سـ \ يتبع

إنْ ... \ شاء ربّي . ..

نائية

نائية
05-12-2006, 02:15 PM
دلال تعيش ُ أسوأ أيام حياتها . تشيع في نفسي ، كما في بيتي ، كما في جسدي ، صقيعا ً قاتلا ، وجدته في تلك الأوقات المظلمة أشدّ مصائبي .
كم هو موجع أن تعايش إنسانا ً لا يشاركك حياتك فعلا . زوجة تعيش معك ، تتقاسم معك ثمار حياتك ، و تتجاهل حالات سقوط النفس في وهدة قنوط .

ثارت ثائرتها لقرار سفري مع أمّي . صاحت :
: إذا حدّد الطبيب موعد موتها فما معنى نقلها إلى هناك ؟
: إنها رغبتها الأخيرة
: إذن لماذا لم تسافر مع أمينة ؟
: لست بحاجة لرأيك أو للإذن بالسفر ، انتهى الموضوع .

القسوة ذاتها التي تتعامل بها مع مشاكلي حتى مع الحزن و الألم و بتر الحديث معها أفضل وسيلة لتصمت .

لم أنم ، تقلّبت كثيرا ، كذلك هي لم تنم . صامتان ، بركان يغلي في صدري و ربما في صدرها حرصنا ألا ينفجر . صمتها لم يكن كصمتي ، كان له دوي أجراس في رأسي ، يعيدني دائما إلى حيث كان البدء . على الرغم مني استيقظ الهاجع بعد أن سكن و هدأ ، بعد أن قبلته و قبني و تعاهدنا على المعايشة .

ثورتي تتأجج على نفسي كلما وقعت في مضيق جديد معها ولا أجد سبيلا للخروج . رفضت منذ زمن طويل نظام خال من الحب فرضته على بيتنا . نظام جاف يحيل الحياة لأيام تمرّ ، بلا نكهة ، بلا طعم ، يختلط صباحها بمسائها ، لولا الذهاب للعمل و العودة منه ، لولا وجود هاني و هالة ، لولا بقية من صبر في صدر إنسان ، يعرف تماما معنى الخراب و الدمار و تقطيع الأوصال ، لظهر بيتنا على حقيقته ، قبر ، يضمّ رفات رجلو امرأة .

ما أجمل العيش مع الحب في بيت واحد ، لقد جربت مذاقه و وجدته رائعا . حالة الحب بين اثنين تفرض قانونا خاصا . تناغما سريعا و ساخنا و أحيانا صعبا . لكنّ كلّ هذا يعطي للحياة نكهة لذيذة ممتعة .

الحياة بلا وهج يعني الموت ، تصبح الأشياء متشابهة ، المكان و الزمان بلا قيمة . التعامل مع الآخر مريح ، ا يهمك من قريب او بعيد ، لا يشغل بالك رضاه أو سخطه ، و لا تمني نفسك بشيء منه .

هذه صورة مبسطة عن حياتنا معا أنا و دلال . ظاهرها يلمع ، و باطنها منطفئ تماما ، لا رغبة عندنا لإصلا ذات البين .

رتبت وسائدها استعدادا لسهرة أرق ستطول ، هذه عادتها ، تسحب جسدها إلى الأعلى و تسند ظهرها و تبدأ وصلة كاملة من الأسى و التنهد الباكي ، احتضنت رأسي بين ساعدي و أطبقت جفوني على الرغم من الظلام ، و ادعيت النوم ، لم يعد بوسعي احتمال المزيد .

آه من ذلك التاريخ البليد العقيم . كان ذلك إثر تخرجي و نيلي درجة الدكتوراه في القانون . ذهبت لزيارة أهلي ، كنت فرحا نضرا متباهيا . العودة إلى البيت بحد ذاتها بهجة . .
فرحة أمي ،و فخر أبي حين يرى نتاج حياة قاسية ، سنوات الهجر البائسة . كنت أتخيله جالسا وسط أصحابه و أقاربه و قد تبدل الحديث ، لن يعود لتعداد الضربات على رأس شعبه ، لن يسرد تفاصل سرقه أرضه بموافقة القريب و البعيد
و التشهير به أمام نفسه و العالم . لن فكر بالمطالبة بالإنصاف ، أو الاعتراف بأنّ عجز رجليه لن يثنيه عن مواصلة الالتصاق بالأرض و التطلع إلى السماء .

تغير كما توقعت صار حديثه يشوبه شيء من أمل ، و نظرة مشرقة لغد ٍ قادم . شهادتي كانت شعلة أضاءت لنا الدروب و أوضحت الهدف .

لم يكن زواجي تقليديا بالمعنى المفهوم ، و لا أستطيع وصفه بأنه تمّ بعدَ حبّ عاصف كما بررتُ لنفسي تخليها عن قرارات اتخذتها أساسا لحياتي .
رأيتها ذات يوم . . .
زرت الجامعة لأبحث عن فرصة العمل فيها و البقاء بجانب أسرتي . كان أبي ضد الفكرة و كذلك هاني ، رأوا أن التفوق الذي حصلت عليه و عروض العمل التي تلقيتها بعد تخرجي من مؤسسات و دوائر حكومية في الغربة أكثر دعما ً لمستقبلي .

أمي وحدها بفرحتها الكبيرة أصرت على بقائي . سمعت أبي يلومها مرارا مؤكدا بأن بدايتي هنا بداية خاطئة ، فنجاح كنجاحي لا بدّ من أن يوضع في إطار لائق ، و لن يحصل هذا في بلد عربي ، أولا على رأي المثل " مزمار الحيّ لا يُطرِبْ " و ثانيا ً كوننا مهاجرين . لنصبر كما صبرنا كلّ عمرنا إلى أن يتحقق الحلم و نعود و نبدأ من جديد .

صرت أراها في كل مكان أذهب إليه ، و أحس بشيء من إشعاع غريب يستولي على كياني . سألت عنها من باب الفضول ، أخبروني بأنها ابنة إحدى الأسر الثرية المعروفة .

ليس لمثلي أن يتجاهل ظروفا قاسية تعشش في رأسي و قلبي ، همي أكبر مني ، تكريس سنوات طويلة قادمة لبناء المستقبل ، و تحسين ظروفنا العائلية . سألت عنها مرة أخرى :
: أفلسطينية هيَ ؟!
ردّ صديق بابتسامة كبيرة تحمل معانيَ كثيرة كأنه مكلّف بإبلاغي :
:لا . . لكنّها مستعدة أن تتبعك إلى آخر الدنيا .

لم ينتهِ لقاؤنا الثالث أو الرابع إلا و قصتنا على وشك النهاية ، فقد كانت الهجمة قويّة من طرفها ، رأيتني أتخطى كل المحذورات و أؤجل كل المشاريع و أفكر بالزواج بتلك الملكة التي ملكت علي فؤادي و عقلي أيضا .

رغم لهفتي ، لم أخدها ، لم أكذب عليها . قلت بوضوح :
: بصراحة ، كانت فكرة الزواج مؤجلة ، إلا إذا كنت على استعداد للعيش معي كمبتدئ .

: إذا كنت تعني الأمور المالية ، لا تهتمّ ، أريدك أنت .

رأيتها تبسط الأمور بشكل أذهلني ، و أكبرتها كثيرا لهذا الموقف الذي اعتبرته حبا و إعجابا ، سألتها لتؤكدهما لي :

: لماذا أنا و قد سمعت أن كثيرين يطلبون ودك ؟

ردت بسعة عقل و منطق مبهر :

: رأيتك جاد جدا ، تختلف عن كثيرين حولي ، رأيتك رجلا بمعنى الكلمة . أترى ؟ ها أنت ذا تخبرني و بكل بساطة عن ظروفك فتكبر أكثر و أكثر في نظري . هذا يؤكد كم كانت نظرتي ثاقبة و في محلها . لم يخب ظنّي فيك و لن يخيب .

ضحكت بجذالة ورقة و هي تقول بهمس ألهب حواسي :

: لكن الأهم من ذلك كله ، الإعجاب الذي أحسست به تجاهك ، فأنت شاب وسيم و أنيق و ناجح ، يعني مستقبلك واضح ، لم أجد فيك ما يجعلني أتردد .

: ماذا عن الحب ؟ كنت أتمنى أن أعيش قصة حب حقيقية قبل الزواج .

:فهمت . تعني أنّك لم تحبّني بعد لكنّك معجب فقط ، و ماذا في ذلك ؟ سيأتي الحب على مهل . بالمناسبة رأيي في الحب لن يعجبك ، فأنا أعتبره شيئا ثانويا ، الأهم منه التوافق ، التفاهم و الاحترام . أنا أكنّ لك الاحترام و مستعدة للتفاهم . لا تضيّع الوقت ، تقدّم لأبي .

: أبهذه السرعة ؟! .. ماذا سأقول له ؟! صدّقيني أخجل أن أتقدم بصفتي حديث التخرج و بلا عمل . سيسألني . ..
قاطعتني بحزم :
: لا عليك . . قم بما هو متعارف عليه و دع الأمر لي . سأنتظر زيارتك غدا في الساعة السادسة مساء .

لوحت بيدها و تركتني لحيرتي و توتر أعصابي ، قبل أن تغيب في الزحام و قفت ، سمعت ضحكاتها المرحة ، صاحت :
تشجع . . ليس في الأمر إعدام بأي حال من الأحوال !

عدت إلى البيت و قد عزمت على إخبار أبي ، أعرف بأن أمي ستؤازرني فيما أقول قبل أن تعرف ما الذي سأقوله . هاني ، و أفكاره العجيبة ، و أسلوبه الفريد . سيسخر كالعادة منّي ، سيؤكد بأنني أغرق في شبر ماء ، فما بالك بمثل هذا المحيط .

توجهت مباشرة إلى غرفة أبي ، كان غارقا في ملكوته استدرجته إليّ ، و الغريب أنه أول ما تنبه لي قال :

: ما سبب هذه الفرحة على وجهك يا ولد ؟

شجعني على الدخول مباشرة فيما أتيت من أجله ، أخذت يده بين يديّ و قلت :

: أبي ، جئت أستأذنك ، سأقدم على خطوة أعرف بأنها مبكرة و لكن الأمر خرج من يدي .

سحب يديه فوقعت يدي على صدره ، فتح عينيه و انتظر .
: لقد تعرفت على فتاة و أريد خطبتها ، ليست فلسطينية ، لكنها بنت رائعة ، المشكلة أنها بنت أحد الأثرياء .

ابتسم بوهن و سألني بجدية الأب :

: ماذا يعني من الأثرياء ؟ الأهم أن تكون على خلق . يجب أن تتزوج ممن تقدرك سواء كان معك أو لم يكن معك . تقدر أنك من الصفوة ، عائلتك كلها من الصفوة يا بني ، نحن أهل علم ، هو الذي يعز و هو الذي يعمر ، هل فهمت . ..

في تلك اللحظة دخل هاني متضاحكا ، مازح والدنا قائلا :
: ماذا يا أبي ، لماذا تؤثر يوسف علينا و نحن عصبة ؟!

ابتسم الشيخ ، رفع يدا ضعيفة ، انزلق كم جلبابه إلى أعلى كوعه ، بدت مثل عود القصب . لامس رأسي و قال بصوت حنون /

: الدكتور سامي أشطر منك لقد قرر الزواج .

: ماذا أسمع ؟ و ساكت كل هذا الوقت . أمريكية .

ترك لي أبي فرصة الرد :
: لا بل هي عربية ، تعرفت عليها هنا .

: هنا ؟ متى تعرفت و أحببت و اقتنعت بالزواج ، كنت توهمني بأنه ليس في حسبانك ؟ يا الله كم كنت أخاف عليك من الوقوع بين براثن الأجنبيات الفاتنات . على كل حال مبارك .

سمعتها من أبي و قالتها أمي بزغرودة مشجعة ، فقد كانت منفطرة القلب على حال أبي الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من النهاية . أرادت تفاصيل عن البنت التي اخترت ، قلت بمرح :

: ماذا يمكن أن يجعلني أغير خطط حياتي غير أن الفتاة جميلة و ذكية و على درجة كبيرة من الوعي ، متفوقةة على بنات جيلها كأنها تكبرهم بسنوات طويلة .

: هل تحبها ؟

: إنني معجب بشجاعتها و جرأتها .
: على بركة الله .

هكذا تم ل شيء في بيتنا بمنتهى البساطة ، نحن الناس البسطاء ، ننتظر بين ليلة و ضحاها فقدان أعز مخلوق بيننا . أمي بطيبة أكدت بأن شيئا كهذا سوف يفرح قلبه قبل رحيله . فهو لم يعرف الفرح منذ أن تركنا بلادنا و هاجرنا .

اختلف الامر كثيرا في بيتهم ، ما رأيته هناك كان شيئا غير مألوف ليز وقف أبوها يتفرس في وجهي طويلا ، عيناه تطوفان بنظرة فحص هيئة شاملة أغاظتني ، لكنن نظراته المعجبة و ابتسامتها التي تنطلق على الرغم منها في ضحكة تحاول أن تكتمها احتراما للموقف ، كانت ترطب نفسي و تشد أزري .

اتجه بعيدا ثم عاد للجلوس على أقرب مقعد حيث أقف ، تنحنح و تنهد و كأنه أمام قضاء حمّ عليه و لا يد له بدفعه . أشار علي بالجلوس . ما إن لامست مقعدي و قبل أن أعطي الإشارة لجسدي أن يسترخي ، فاحت رائحة عطر قوية ، و ظهرت سيدة البيت مرحبة بفتور و بأنفة ، و جلست بجانب زوجحها . جلست ساقطا على مقعدي دون انتظار إشارة من أحد هذه المرة . تمنيت لحظتها لو لم أر هذه الفتاة أو ليتها لم ترني .
دلال كانت تتصرف بكل دلال و محبة ، يبدو أن طلباتها تجاب غالبا بلا نقاش ، قدرت بأن شأنا كهذا يتطلب التروي .

قامت من مكانها و جلست إلى جانبي ، بوداعة المرأة المحبة الواثقة مما تريد ، تنظر إليّ بشغف أسرني من جديد ، ملأني حماسة لتقبل الأوضاع من أجل عينيها اللتين كانت ببريقهما غير العادي تصدان عني تهمة التطاول على قوانين الناس . قالت بنفاد صبر و وجهها المتورد زادها قتنة :

: بابا .. الدكتور سامي شاب ممتاز ، أنا موافقة عليه . ضع يدك في يده و اقرأ معه الفاتحة .

كم أكبرت شجاعتها ، قلما يحدث في بلادنا أن تعلن بنت عن رغبتها في الزواج من شاب اختارته بمثل هذه الشجاعة و النضوج . استغربت قوة شخصيتها ، على الرغم من الدلال العجيب من أب عجوز و أم مفتونة بابنتها و بنفسها .

تحملت موقف أبيها و تغاضيت عن إساءاته ، ابتداء من تلك النظرة الفجة التي تفحصني بها ، وانتهاء بالأسئلة الوقحة . استوضح تفاصيل ليس فيها ما يخجل لكنها لا تعنيه ، تحملت و أجبت ، كنت أريدها . من جهة ثانية ، صرت أجاريها في بساطتها و في إصرارها على إتمام الزواج مهما كان الثمنْ .

سألني قبل أن يترك مجلسنا بعجرفة غير خافية :
: ماذا تملك من دنياك حتى تفكر بأن تتزوج مثل ابنتي ؟
قلت بفخر :

: أملك مستقبلي .
فأكد لي كأنني لا أعرف :

: لكنّك فلسطيني ، ستبقى ما بقي الزمان مثل غصن ٍ قطع من مكانه ، مهما أورق سيجفّ . هل لك أن تخبرني أين مكان إقامتك الدائمة ؟ و إذا كان لك مكان في الوقت الحاضر هل تضمن إقامة و استقرارا فيه مثل عباد الله ؟ ستبقى مشردا و ستشردها معك .
أنصحك . ..

أحست دلال برجفة يدي التي كانت ممسكة بها بين كفيها كأنها تحميني من غضبة مفاجئة لكرامتي فأنهت الموقف قائلة :

: كفى يا أبي أرجوك ، أردت أن يتم التعارف بينكما و قد تم انتهينا . أما زواجي أو عدمه فهذا شأني . ماما أنا ذاهبة للعشاء مع سامي و حين أعود سنعاود الحديث .

فجأة ، وجدتني قاب قوسين أو أدنى بارتباط أبديّ لم أكن مستعدا له و لا على أي صعيد . راحت السكرة و جاءت الفكرة كما يقولون . لم يتدخل أحد من أسرتي و لا حتى هاني ، تركني الجميع آخذ قراري بنفسي ، فقد كنت أحمل شهادة دكتوراة في القانون فهل من الصعب عليّ الوصول إلى حلّ سليم ؟!

للأسف هذا ما كان ، عجزت عن أخذ القرار السليمْ . ربّما لأنّها أطبقت عليّ من كلّ الجهات فلم يبقَ لي منها فكاك . ربما ظننته الحبّ الحقيقي الذي لا يأتي إلا مرة واحدة في العمر و لن أجد مثله مرة أخرى . بعد ذلك صرت أردد ما قالته أمي كلما وجدتني غارقا في حيرتي و عذابي : " نصيبك يا ابني و لازم يصيبك " .. .-

أصررت على أن يكونَ حفل الزواج صغيرا ً و في بيت أهلي . استعاد أبي نضارة وجهه و صفاء نفسه ، لم أعرف أنَّها صحوة ُ الموتِ . قالَ لي بعدَ عدّة أيّام فقط من زواجي :

: مسكين يا ولدي . . . ستعيش تعسا ً مع هذه الزوجة . ماذا أقول لك سوى أن أدعوَ الله أن يهديها و يصلح حالها ، إنَّها مفسودة لا تصلح لشيء في الحياة .

عادت حالته الصحية للتراجع و أصبحنا نعيش في البيتِ مأتما دائما . مات َ أبي بعد زواجنا بأسابيعَ معدودة ، وجدتُ نفسي أرتمي على صدرها باكيا ً أغلى إنسان في وجودي كلِّه ، لكنْ للأسف كانَ صدرها باردا و هكذا بقيَ طوال حياتنا معا ً .

لم يعد لي خيار ، يجب أن أبقى بجانب أمّي ، لم يبقَ لها سوايَ بعدَ وفاة أبي و زواج أمينة و غياب هاني المستمرّ . عملت ُ مستشاراً قانونيا ً لإحدى الشركات الخاصة ، ثم عدت ُ للتدريس في الجامعة ، الذي أعشقه !
صارت مسؤوليتي برفع مستوى عائلتنا المادية أكثر إلحاحا ً بعد أن ضمنت لأسرتنا فتاة مدللة لم تعش حرمانا قطّ .

جاءتني ثورتها الأولى بشكل فاجأني و أرجعني ، صرخت أمام أمّي و أختي و زوجها ، و هاني ، بكراهية لا توصف :

: لقد خابَ أملي ، لست الرجل الذي كنت أتمناه . هذه ليست عيشة ، مثل هذا البيت غير صالح لمثلي . قد يناسبكم لكن أنا لا . يجب أن تجد حلا و فورا ً .

تركتُ الغرفةَ قبل أن أردّ ، وقفت مبهورا ً ، و العجيب أنني كنت أفكر بمنطق على الرغم من كل تلك الهزة التي أصابتني . لعلّي تذكرتُ كلمة أبي ، لعلّي في اللاشعور أحسّ بمثلها بخيبة أمل . وقفتُ أتمتم :

: حسنا ً .. . سأطلقها .

فزعت أمي ، أحاطتني بذراعيها قائلة :

: لا تقل هذه الكلمة مرة أخرى ، ما زلتما في بداية حياتكما ، و البنت بحاجة لوقت لتأخذ على حياتك و تعتاد التغيير .

قال هاني و هو يمسح دمعة رقيقة نزلت على خدّه :

: يعزّ عليّ أن أطلب منك أن تكون متسامحا ً رغم المهانة التي وجهتها لك و لنا . آمل أن لا يكون في قلبها شيء مما أحسسته في نبرات صوتها . أنت كبير و عظيم ليتّسع صدرك لغضبها الذي يبدو أنه طبيعة عندها .

لا أعرف كيف هدأت بسرعة ، بل ووجدت لها العذر ، فمثلها لم تعتد أن تتحرك ضمن غرفة واحدة ، يمكن لأي فرد في البيت أن يدخلها ساعة يشاء .

تكرر الأمر مرات و مرات ، كنا نتناقش بصوت ٍ عالٍ ،أو بالأحرى كان صوتي وحده المرتفع . في إحدى المرات قلت بانفعال أنهي الموقف الذي أحسست به مهينا جدا لكل ماضيّ و مستقبلي :

: حسناً .. . لننفصل بهدوء .

: ننفصل !! ماذا تقول . . أتعني الطلاق ؟ ليس في عائلتنا من تحلّ أزمتها بالطلاقْ.

: لكنّك لستِ أيّ واحدة ، فمن تزوج بمثل طريقتك ، لا تهتم بالكيفية التي تنهي بها حياة لم تحقق لها السعادة المرجوّة .

صفقت الباب ورائي و خرجت إلى غرفة الجلوس ، اقترب هاني مني هامسا ً /

: حاول إنقاذ زواجك ، عد إلى أمريكا . فكِّر بالأمر ، سنتناقش عندما أعود.

نائية
05-12-2006, 02:16 PM
ها أنذا عائد ٌ بأمّي إلى حيث ُ تريد أن تموت ، إلى بيتها . رحلة عذاب جديد . راقدة بجانبي في سكون ، التقارير الطبية في حقيبة أوراقي تحدّد موعد رحيلها . ممدّدة فوق مقعدين متجاورين بجانبي ، مغمضة العينين و ابتسامة صغيرة هادئة فوق الشفتين الذابلتين .

استقرت الطائرة في الجو ، استغرقت أمي في نوم عميق . انحنيت لالتقاط حقيبتي الجليدة الرابضة تحت قدمي ، وضعت فيها أشياء كثيرة لتكون بمتناول يدي لأسلّي بها نفسي في رحلة طويلة تستنزف الصبر .
نحيّت ملف أمّي ، تحسست ملف عيسى الذي تسلمته من محاميه ، رفعته ، تمليت اسمي المدون بطريقة جميلة ، الدكتور سامي شرف الدين " أبو هاني " .. .-

رأيت ظلال شخص يمشي جيئة و ذهابا ثم يتوقف بمحاذاة مقعدنا . لم أرفع رأسي . انحنى و اقترب من وجهي ، يد امتدت تمسك بالمظروف الذي بين يدي فجزعت . رفعت وجهي الغاضب إذ بي وجها لوجه مع عائدة . ابتسمت لي ، انحنت متخطية مقعدي لتقبل وجه أمي الهامد و هي تقول :
: أستاذي . .. أين المفرّ ؟ .

لم أدهش و لم أجب ، كأنني كنت على موعد معها ، كأن وجودها حتمي و طبيعي . كل ما قمت به أن رجوت الجالس على يساري أن يعطيها مكانه ، لأنني بحاجة لمساعدتها أثناء الرحلة في خدمة أمنا المريضة .

ما أن جلست حتى مدت جسدها مرة أخرى لتصل إلى المظروف ، أبعدته لا شعوريا ، أشارت بإصبعها الطويلة لاسمي ، توقفت داخل القوسين الصغيرين " أبو هاني " ، قالت :
: أهي َ مهمّة جديدة كالتي أرسلتم بها هاني و لم يعد بعدها ؟
: لا ، مسؤولية أكبر ملقاة على عاتقنا .
كانت بانتظار توضيح ما فقلت :
: ربما قدر لنا أن نقوم بها معا في الوقت المناسب .

هزت رأسها موافقة و ابتسمت بحزن ، كان أبلغ من كل حزن قرأته على وجهها منذ رأيتها . قالت :
: ها أنت ذا تعود أخيرا من المهاجر .
همست في أذنها :
: حاملا أحزاني و خيبتي و موعدا محددا لموت أمي . بجانبي امرأة ، عيون قلبي تراها في مكانها الصحيح ، لكن عقلي القاسي في أحكامه دائما يراها علامة استفهام لسؤال كبير ، لا أدري إن كنت سأجيب عليه أم سأجبن و يبقى ملقى في التقاطع .

تشاغلت عن الرد ، التفت ناحية أمي التي استيقظت على صوتها فرحة ، تتظاهر بقوة أعرف يقينا بأنها لا تمتلكها . رفعت رأسها بللت شفتيها بالماء و ابتسمت لنا . قلت أداعبها :
: ألن تتساءلي يا أمي من أين أتتنا هذه الحورية ؟
ابتسمت ، رفعت يدها الواهنة تربت فوق يدي و هي تقول :
: أنا أخبرتها عن موعد السفر .

مدت يدها و لامست يد أمي بحنان بالغ . ربما قرأت في عيني أو فوق شفتي ، سؤالا يحمل دهشتي لهذا الحنان غير المتوقع ، من فتاة مثلها تعامل أمها بجفاء . التفت نحوي و قالت :

: أمي لم تكن أما أبدا . جميل أن تحرص المرأة على كيانها و خصوصيتها ، لكن يجب أن يكون هذا موازيا لكونها زوجة و أما .

: أخشى أن تكوني متحاملة عليها لدرجة القسوة و الظلم .

: قسوة و ظلم ؟ آه ليتك تدري .. .-

وقفت و فتحت خزانة الحقائب الصغير فوق رأسها و سحبت حقيبة كبيرة ناءت بحملها هبيت لمساعدتها فتركتها لي و جلست ، أشارت لي بأن أضعها فوق ركبيتها .

أخرجت مجلدا كبيرا بحرص شديد ، بدأت تقلّب صفحاته و تشير إلى رسومات ساخرة . ترفعها و تسحيها لترفعها ثانية بلهفة و حماسة . أمسكت المجلد بيدي و قلت :

: على مهل ، هذه رسومات عبقرية و ليس كلام جرائد .

: ظننتك رأيتها من قبل ، كنت أريد قراءة الإهداء :
" إلى الشابة الشجاعة كأبيها أهديها أعماله الرائعة "

: هل هذا الإهداء من أبيك ِ ؟

: لا . .. إنه من شخص أحبّ أبي و أعجب به .

: من هو ؟

: ربما سأخبرك في وقت لاحق .

: ألا تجدين الأمر معكوسا ؟ أليس من الأولى أن تهديه أنت له و لأصدقاء والديك كلهم ؟

: من أين لي بمثل هذا ؟ لقد رفضت أمي فكرة جمعها . اعتبرتها المسؤولة عن خراب بيتنا . جمعه صديق و أهداه لي .

انشغلت ُ بتقليب الصفحات ، ثم توقفت عند صفحة معينة . أحسست ُ بارتعاش يديها و هي تشير إلى ما نراه أمامنا :
: هذه رسوماته القاتلة ، رسمها قبل غيابه مباشرة .

تملّيتها ، كانت لجمع من رجال مختلفي الألوان و الأشكال ، متناثرين فوق الكرة الأرضية ، يجلس بعض منهم حول طاولة مستديرة ، بعض آخر تحتها ، شهاب نار أسود منطلقا من أسفلها ، كلما امتدّ بهت لونه و تلاشى ، ينتهي في الزاوية حيث حطة فلسطينية فوق رأس بلا ملامح ، لجسد بلا ساقين ، و يدين بلا أصابع . و هذا تعليق صديق لأبي " لن تستطيع أي لغة ، تكتب بأي قلم ، التعبير عن انشغال العالم ببحث قضية وطن ، دون مشاركة أحد أبنائه ، و جره نحو المقصلة ، كما أبدعت رسومات سالم اليوم "

دمعة رقراقة تدور في محجري عينيها ، قالت بحزن :

: أعتقد أنها السبب في نفاد صبرهم عليه فقرروا تصفيته .

أخذت المجلد و تسمرت عيناي على إبداع لا يشعل فتيله إلا بصيرة نفاذة و حس وطنيّ واع ٍ . قلت لنفسي ، لو أنني رأيت ما أرى قبل هذا المنحنى في حياتي ، لعددتها عملا استفزازيا ، لن يقتل صاحبه فقط ، بل سيضرّ بمصلحة الوطن .

: اسمحي لي أن أحتفظ به .

قالت و هي تسحبه برقّة :

: لا أرجوك ، سأحتفظ بأبي معي ، فطالما حرمت منه .

ردت على اهتمامي بابتسامة صغيرة ، ضيقة و محسوبة ، و مع ذلك فتحت كل أبواب الدنيا لقلبي المتعب من كل شيء .

أنجزت الرحلة ساعاتها الأولى ، انهمك الطاقم والركاب في تقدييم وجبة الغداء ، نظرت إلى أمي النائمة ، تساءلت : ترى هل ستصمدين حتى نهاية الرحلة و تصلين بيتك كما تمنّيت ِ ؟ أترى سيكون هاني بانتظارك هناك ؟ من لي بإعادة الأيام إلى الوراء لأنعم بمحبتنا الأسرية و ألوذ بصدرك المعافى ، المفعم بالحبّ ، الفاتح أعطافه لكل محبيه .

بعيدة عني ، لا تسمعني لا ترى نظرتي المودعة مع كل لفتة نحوها .
هاجعة في ظلام مخيف ، أتراها تحلم برؤية هاني ؟ التفت نحو جارتي ، كانت شاردة و حزينة ، أردت جرها لأي حديث فقلت :

: هل عرفت والدتك بمغادرتك ؟

: لا . .. و لماذا تعرف ؟ أتخشى أن تظنّ بأنك تهاونت في إقناعي . هل يعنيك رضاها إلى هذا الحدّ ؟

: أبدا .. لماذا يعنيني ؟ . . أردت فقط تسليتك ، فجاء السؤال الخطأ ، على كل حال نلت ُ عليه ما أستحقّ .

عدنا إلى صمتنا ، استغرقتنا مشاهدة فيلم أمريكي ، كالعادة منذ أحسّ ذاك الإنسان بمدى قوته ، يصور الإنسان الأمريكي بطلا ، منقذا للعالم . جيء بالعشاء . رأيتها تستدير نحوي بكليتها و تسألني و هي ترشف ملعقة الحساء ببطء :
: ألست صديقا لوالدي ّ قبل أن يفترقا ؟

: حقا ً ، كنت ُ صديقا حميما ً لهما ، و كذلك هاني و أختي أمينة ، فرقتنا الظروف كثيرا ً ، لكنها لم تقدر على فصم علاقة عمرها من قبل أن نولد . لعلّك لا تعرفين بأنّ جدّك و أبي كانا صديقين .

: غريب أمر هذه الدنيا . كان أبي يعرف أنني مولعة بأمي فكان يصرّ على إفهامي أنه السبب في كل ما حصل و أنها أم عظيمة ، فأحببتها أكثر و أكثر . أمي بدورها أقنعتني بعدم جدوى صبرها الطويل عليه ، فقدت الأمل بإصلاحه و عودته لبيته . تخيلني و قد صحوت فجأة ، على حقيقة أليمة ، قلبت الموازين . من أفهموني بأنه فرعون عصره ليس إلا فنانا ، عشق فنّه ، عشق وطنه ، عشق التضحية من أجله . و أمي التي ظننتها ضحية و أما بمعنى الكلمة ، لم تكن سوى معول قاس ٍ . دمرت البيت ، شردت صاحبه ، أرادت اقتلاع الفن من روحه ، و جذور الوطن من قلبه .

: من أخبرك بهذا ؟

: عرفت عن طريق عشاق فنه ، عن طريق أصحابه ، عرفتها من الطريقة التي تزوجت بها غريمه . ماتت بقلبي ، أبي الميت ، حيّ فيّ .

حين عودتي إلى الجامعة بعد الحادث الذي أودى بحياة أبي ، شعرت بالفخر أنني ابنته ، عزمت على مواصلة طريقه .

صمت َ كلانا ، خشيت ُ أن يكون ردّي أخذها بين ذراعي ّ و ضمها إلى صدري . بكت فتشاغلت عن دموعها ، أعرف اعتزازها بقدرتها على التفوق حتى على نفسها . وردت فكرة برأسي ، لماذا لا أحدثها عن وجهة نظري حول خلافات أمها و أبيها لعلّي أستطيع أن أعيد لنفسها صفاءها تجاه أمها ؟ قلت :
: عائدة اسمحي لي بتعليق صغير حول علاقة أمك و أبيك ، وجهة النظر هذه حيادية مائة بالمائة . صدقيني . .. إن لك أما عظيمة و أبا ً عظيما ً أيضا ً .لكن سوء الاختيار جمعهما . كانا و منذ البداية على طرفي نقيض ، و هذا تماما ما حصل معي . العلاقات الإنسانية بشكل عام ، و العلاقات الزوجية بشكل خاص ، أمر بالغ الصعوبة بالغ الخطورة ، و مع ذلك نندفع نحوها معظم الأحيان بلا روية ، فنجد أنفسنا في المكان الخطأ أو مع الشخص الخطأ ، أتوافقينني الرأي ؟

: مائة بالمائة .. . عشت هذه التجربة .

: لا شك أن هناك اختلافا كبير منذ البداية بينهما ، الحبّ ، أو ما خيّل إليهما أنه حب ، دفع كلا منهما نحو الآخر بسرعة مذهلة . كانت أمك امرأة عملية جدا ، منظمة جدا ، دقيقة جدا ، حتى في اختيار ألفاظها . كان أبوك ِ على عكسها ، فنانا فوضوياً يعشق الحرية ، ليس فيما قلته انتقاصا من شأن أي منهما .

: ليس هذا رأي الآخرين ، لقد علمت من أشخاص مقربين منهما ، ربما أكثر منك ، أنها لم تستحقه أبدا .

: لا. .! لعلّ هذا التجنّي رأي هاني . هاني لم يحبّها أبدا ً ، كان يراها تكبل الفنان فيه ، و تستخف بمشاعره الوطنية . كان يشجعه على مقاومتها بل و الثورة عليها .

: ما مصلحته ؟

: لا مصلحة . هاني يقسم البشر إلى قسمين ، ثوريين ، أو حشو ٌ بلا قيمة . هذا تقوييم غير صحيح . هكذا خلقنا ، بعضنا عاديّ و بعضنا ثوريّ . كنت أتفهم تصرفاتها ، و أقدر حرصها على تأميين حياة أفضل من وجهة نظرها لنفسها و لأسرتها .

: و تنكرها لأصلها ؟

: كان خطأ . لكنها ليست مسؤولة عنه ، ربما لأنها ولجت بعد الهجرة لم تجد من ينمّي بداخلها انتماءها لوطنها الأصليّ . أو لعلّها كبتت في أعماقها و ادّعت اللامبالاة ظنا منها بأن ذلك يفتح أبواب العمل أمامها . كانت طموحا ً و هذا ليس عيبااً .

: هل سمعت عن شجارهما يوم دعت هذا الرشيدي و أصحابه جال الأعمال للعشاء ؟ حصلت معركة .

: أعتقد أن هاني هو من بلغك ذلك . لقد روى لي القصة بتفاصيلها ، أدركت بأنه رأى الأمور من منظاره الخاص . أعتقد بأن أمك كانت ترجو أن تنتهي الجلسة بتوقيع عقد عمل مشاركة بينهم و بين والدك . كانوا يملكون شركة كبيرة لصيانة السفن و الموانئ ، و هذه مهنة أبيك الأصلية كما تعلمين .

: هل تعتقد بأنّ أبي إنسان متخاذل بحاجة لحافز ليقوم بواجباته تجاه بيته و أسرته ؟

: أبدا ً ! من قال َ هذا ؟! أستطيع تقدير التباين بينه و بينهم ، بين رجال المال و الفنان . ربّما لم يراعوا في سالم جديّته و لا رقيَّ أحاسيسه ، تمادّوا بمزاح و سخرية و هذه ليست من طبيعته .

: لم يحترموا جديّة الموضوع الذي كانَ يتكلّم عنه . كان يتذكّر شيئا ً عن طفولته التي عاشَها في المهجر . تكلّم عن صعوبة العيش في أماكن غير مرحب فيها بهم كيف عوملوا كدخلاءْ ، و بنظرة عداءْ لأنهم شاركوهم حياتهم و تفوقوا عليهم . كانت تتدخل لتغيّر مجرى الحديث أمام ضيوفهما . تقاطعه بين فينة و أخرى ، أو تصحّح له ، أو تخلط حديث أبي الجادّ بهزل بائس . حتى ألقت الحجر الذي قتلَ أبي . قالت أنها تصدق ما يقال عن الشعب الفلسطينيّ ، أنّ معظمه متخاذل فرّ من الذعر و ترك بلاده لعدوّه و بعضه باعَ أملاكه و قبض الثمنْ .

: ثارت ثائرة سالم و هاني .

: عادَ يروي قصَّة كنتُ سمعتها منه مراراً و أنا طفلة ، بأنه كثيراً ما كان يعود من المدرسة باكيا ً ، لأن بعض زملائه يعيرونه بأنه لاجئ و باع أهله وطنهم ، ذات يوم لم يعد أبوه يحتمل فأمسكه من أذنه و لقَّنه درسا ً لن ينساه ، قال " اسمعْ يا بنيّ . .أي شخص ، من أيِّ بلد كانْ ، من أي جنسية كانت ، عربيا أو أجنبيا ، يقول لك مثل هذا الكلام ، ما عليك إلا أن توجه اتهامك للجميع بالتآمر و الإسهام في ضياع بلادنا . من لم يقتنع ، أقنعه بوسيلة أخرى ، اضربه بالحذاء ! "

جنَّ جنونها ، وقفت تصيح بأنَّ هذه سخافة ، و أنه يقحم السياسة في كلِّ مناسبة فيصدع رؤوسهم بكلام نصفه كاذب و نصفه الآخر تلفيق .
ثمَّ أمرته أن يعتذر للضيوف /

ضحك ساخرا ً و قالْ :

: لمن أعتذر ، ضيوفك ما زالوا في بداية طريقهم نحو المليون الأول . يعني يحتاجون إلى بضع سنينَ أخرى حتى يتنظفوا و يعوموا على سطح المجتمع البالي ، من ثمّ يتمسح بهم من يعنيه أمرهم . الحقيقة بأنّني آسف، ليسَ على ما قلته آنفا ً ، بل لأنني تزوجت من مثلك ، لا تحترم نفسها و لا بيتها و لا زوجها و لا قضيتها .

: منذ ذلك العشاء ، تغيَّر شعور هاني تجاهها ، لم يأتِ على ذكرها إلا و ثارت ثائرته عليها .

سمعت ُ عائدة تهتف من أعمااقها :

: كيف تحمّل هذا الرجل العظيم الإهانة و لم يطلّقها فورا ؟!

: أترين ؟ ها أنتِ تنظرين إلى الأمور بمنظار هاني .

: كيف ؟ ما تبريرك لمثل هذه الإهانة ؟

: كلّ منا يصنع حياته على طريقته ، أمك كانت تبحث عن مكانه أفضل لعائلتها . لقد تضعضع وضعكم المالي بعد شهرة رسومات أبيكِ الساخرة و ملاحقته .

: لا أفهمك . . لم تستطِع لإقناعي بقدر ما زدتني يقينا أنها امرأة تحبّ المال أكثر من أيّ شيء في الدنيا ، تزوجت رجلا ً ، سمعت أبي مرارا ً يطلب منها إبعاده عن بيتنا بملايينه القذرة .

كنت أنصت ساهما ، لم يجدِ أي حوار معها ، على الأقل في الوقتِ الحاليّ ، استأنفت بعصبية :

: لم أرها إلا ثائرة على كل عمل يقو به أبي و بخاصة فنّه . الذي أصبح المعبر الوحيد له للتنفس عن همومه الخاصة و العامة . ما زلت ُ أتذكر ذلك اليوم البعيد . كانت تتصفح بعض جرائد الصباح ، أقول تتصفّح لأنني بتُّ أدرك بأنها لم تكن غايتها معرفة الأخبار بقدر ما كان يعنيها وجود بعض رسومات أبي لتقيم الدنيا و لا تقعدها

رأت ذاك اليوم بعض رسوماته ، تملكتها حالة غضب . قفزت من مكانها و هرولت نحوَ غرفته ، تبعتها أنا و أخي ، وقفنا بجانب الباب ، نرقب و نحن نرتجف هلعا ً . كان أبي ما زال نائما ً ، ألقت الصحف فوق الفراش و هي تصيح ، استيقظ على صوته الغاضب ، جلسَ في فراشه و هو يتساءل بغضبْ :

: لماذا الصياح ؟ هل قامت القيامة ؟ يا فتاح يا عليم .

: الذي ستقوم قيامته يا سيد هو بيتي ، و الذين سيشردون هم أولادي ، سأمنعك بالقوة من تحطيم هذه الأسرة ، هل تظنّ أن الدنيا ستعلق لك النياشين من أجل هذه الرسومات التي تفضح كل مستور ؟ ما لنا و لهذه الأمور ؟ لقد حذرتك لن يدعوك في حالك .

: لا يهمني . .. ما أقوله حقيقة و وقائع ، لذا توجعهم .

: لكن ما ذنبنا نحن أفراد أسرتك ؟ هل ستصلح الكون ؟ من الأفضل أن تفكر بجدية أكثر ، بإصلاح هذه الأمتار المربعة التي تقيم عليها أسرتك بدل هدمها .

: هذه مهمتك على ما أعتقد .

: و لماذا هي مهمتي ؟

: عندك الاستعداد الشخصي لذلك . أنك من أولئك الذين يرون الحياة أبيض و أسود ، هؤلاء فقط يعرفون تماما مكانهم و يتحكمون في زمانهم ، أنا لا أصلح ، ما زلت أراها خليطا من البياض و السواد ، من القبح و الحسن ، من السيئ و الجيد . صدقيني سأعيش لأبحث عن الحقيقة بلا كلل . .

: ستقتل ، لن يسكتوا .

: فليكنْ . ..

خرج يومها و لم يعد . . .

: هل اغتيل في هذا الوقت ؟

: لا .. بعث برسالة لي و لأخي يحمل فيها نفسه مسؤولية هذا الفشل الذي لحق بأسرتنا . قال أنها امرأة قيل أي شيء آخر ، من حقها الدفاع عن بيتها و أولادها بالطريقة التي تناسبها .

لم أسمع صوته إلا حين هنّأني بنجاحي في الثانوية العامة ، و تمنى لي مستقبلا باهرا ، ثم سألني عن الخطوة القادمة و حين أخبرته عن عزمي على الالتحاق بالجامعة ، سألني يومها " ماذا تنوين " ، أجبته دراسة الحقوق ، لكن أمي تريد كلية الطب . تمنى لي التوفيق و قال : أمك تعرف مصلحتك أكثر منكِ ، سأخابر سامي و أطلب منه مساعدتك للالتحاق بالجامعة .

: فعلا لقد اتصل بي . ثمَّ سمعت ُ نبأ اغتياله .




تعبتْ !

يتبع بإذن الله . . .-

Dana 22
06-12-2006, 07:43 PM
سلمت يداك يا نائية ,,
نقدر مجهودك .. لكن الاحداث مثيرة أتمنى أن لا تتأخري بالبقية ..
بانتظارك
D ..

نائية
08-12-2006, 05:14 PM
تتمة الحديث ما بينَ عائدة و سامي !! .. -



قال لها :

: فعلا ً لقد اتصل بي ، ثمّ سمعت نبأ اغتياله .

: أرادوا إحداث إعاقة مستديمة بإرسال مظروف بريدي ملغوم . كانت الإصابة بالغة في جانبه الأيمن . بترت يده اليمنى و إصبعان من يده اليسرى ، حروق أطفأت نور عينه اليمنى.

بعد عدّة أيام عادت أمي من الزيارة دون أن تراه ، أخبرتها عمته أنه يرفض السماح لها بزيارته . ثم أخبرونا أنه سافر للعلاج . ثم سمعنا انه مات متأثرا بالحادث .

كنت و أخي لم نفقه شيئا ً من تلك الرسومات التي كلفت أبي حياته و حرمتنا منه . لكن استمرت بعض الصحف و المجلات في نشرها و إرسالها لنا بطريقة سحرية . فهمنا ك خط كل انحناء و كل رمز و كل فراغ . أخي يرسم بالأسلوب ذاته الآن .

ساعدت أمي على الجلوس ، و أخذت عائدة مهمة إعامها ، فساد بيننا صمت مشوب بالترقب . قالت :

: قد أستطيع ذات يوم إخبارك عن المآسي التي منيت بها .

: أكان هاني بطل أي منها ؟

: بل كلها . لكن ما عنييته هو حالة الانهيار التي وصلت إليها من عدم التوازن النفسي .

: بانتظار ذلك اليوم . ثقتك بي تعني الكثير لي .

رفعت أمي رأسها ، نظرت حولها ثم قالت لي :

: هاني ، أين سامي ، كان معنا قبل قليل ؟

لم تنتظر جواب أحد ، ‘ عادت للنوم ، قالت عائدة :
: العلاج الذي تناولته يخدرها ، لاحظت ثقلا في لسانها .

صمت تتنهد بعمق و قالت كأنها تحدّث نفسها :
:هؤلاء االذين نحبّهم يقيدوننا حتى ما بعد رحيلهم عنا .

رشفت قهوتها . و استأنفت :

: بعد حادثة محاولة اغتيال أبي التي أودت بحياته _كنت وقتها قد اجتزت امتحان سنتي الأولى في كلية الطب بتفوق ، صرت إنسانة أخرى _ كرهت الدراسة .
امتلأت نفسي بأبي ، صار أقرب إلى نفسي منّي ، تفجّر إحساس عميق في داخلي بعظمة ما كان يقوم به.
جلّ اهتمامي صار الالتزام بطريقه . أخذت أبحث عن حسن السامريّ . أبحث عنه بنفسي بعد رفضي الاستماع إليه حين حاول خلال فصلين دراسيين ضمي إلى إحدى جبهات المقاومة .

: ألم تكن القضية تعني لك شيئا بعد ؟

: أبدا . علمتني امي كيف أنشغل بنفسي عما حولي . ..

: لا ينضج إنسان في هذه السن قدر تعلّقه بقضايا عامة .

: هل تتكلم عن تجربة شخصية ؟

: بل بشكل عام . ماذا حصل بعد أن التقيت حسنا ً ؟

: التقيت به و في نفسي رغبة ملحة في تحدي امي و وصاياها .
كم كان الفرق شاسعا بين الزاوية التي حشرتني بها و العالم الكبير الذي دخلته .

: عندها قابلت هاني .

: لم أقابله إلا بعد سنة أو أكثر . أحمد الله أن كنت على قدر من الوعي حين التقيته . فقد عشت نهايات حرب أهلية دمرت كل شيء ، الإنسان الطبيعة و العمران .

: فترة حالكة حقا .

: كوارث وقفت أمامها بذهول . وصفها هاني بأنها مجزرة ، و بأنها وليدة سوداء أتقنت أدوارها إلى حد الذهول .


: مرحى كأنني أسمع هاني يتكلم .

صمتت محتجة ، ثم عدنا إلى أحاديث َ شتى ، ليس لها صلة فيما كانت تودّ البوح به .

نائية
08-12-2006, 05:16 PM
دانا . .. العفو يا سكّر .. .- :)

ها أنذا جالسة أمامَ شاشة حاسبي ، أكمل بقيّة الرواية !! .. .-
سأحاول إنهائها خلال فترة قصيرة إن شاء الله \ قبل اختباراتي . ..-

أشكر لك متابعتك\قراءتك \ و جميل حضورك . ..

نائية

نائية
08-12-2006, 06:48 PM
ابتدأت رحلة العذاب الأخيرة ، أيام معدودات هي كلّ حياة أمي . أنا و أمينة نتناوب السهر . كنت متيقظا ً .. .
ومتوترا ، ذئبا مسعورا في مجابهة الأيام التي تفرّ بسرعة طائر خرافيّ . أبتعد و أعود ، فأرى التغير يطرأ عليها بسرعة مذهلة .

أحيانا أرى وجهها ينضح بنضارة غريبة ، تحدثني بطريقتها المشوقة عن كل شيء ، عن كل فرد . أنكر مقولة الطبيب ، آمل أن يخطئ الطب ، ألوذ برحمة الله .

تتألم . . أحس بها تكبت ألمها . أسألها بلمساتي إن تعبر عن ألمها ، تنفي و تبتسم لي ، تكتفي بأن تشد على يدي الممسكة بها ، كأنها صلتها الوحيدة بالحياة . فجأة تصرخ على الرغم منها ، أساعدها ، أغسل وجهها بدموعي ، بلا وعي أهرع إلى الهاتف ، يأتي الطبيب على عجل ، يحقنها بالمورفين ، تهدأ و تنام .

الغريب أنها كانت تناديني باسم سامي في حالات الهدوء بينما تناديني باسم هاني و هي في ذروة الألم . تحدثني في صحوها بوعي كامل عن غيابه ، مؤكدة أنه لن يعود . حين أبتئس تمدّ يدها تداعب وجهب و تقول بحنا نبالغ :

: البركة فيك يا حبيبي ، طول عمرك و أنت الأعقل و الأكبر ، و إن كانت دقائق ، تركنا هاني إلى غير رجعة .

تجهش في بكاء مرير و تندب :

: يا حسرتي عليه زين الشباب .

في صحوتها الأخيرة ، بدت و كأنها برأت من كل شيء . وجهها يسبح في هالة من نور عجيبة ، رأسها إلى وسادتها ، ضحكت و هي تقول : رأسي ثقيلة مثل السكرانة . أمينة اعمليلي قهوة كما أحبها يا حبيبتي. أغمضت عينيها . غمرني التفاؤل . كنت أنتظر أن تفتح عينيها لتقول لي بأن كل ما مرّ كان وعكة ، ستقوم من سريرها فورا ً . تمشت نشوة في بدني ، ألتفت نحو أمينة ، كانت تقف بالباب و بيدها صينية القهوة ، وجدتها تعيش الإحساس ذاته .
عدت أتملى وجهها من جديد ، تنفست بعمق و بصوت أثار مخاوفي من جديد اندفعت من أنفها كتلة دم متخثرة و بيت هناك .
قبل أن أصرخ رأيتها تفتح عينيها و تقول و ابتسامتها تملأ وجهها الجميل :

: سامي ، عدني أن تدفنني بجانب قبر هاني حين تعثر عليه . أمينة و عائدة شاهدتا وصيتي .

لم تنتظر إيماءتي أو ردّي فقد هامت تلحق بروحها الراحلة برضا غريب . عرفت بعدها معنى قوله تعالى مخاطبا النفس الطيبة المطمئنة " يا أيتها النفس المطمئنة ، ارجعي إلى ربّك راضية مرضية ، فادخلي في عبادي ، و ادخلي جنتي " .. هل هناك أعظم من الأم ؟ لا تستطيع إلا أن تكون أما حتى و هي تموت .

ماتت أمي . يدي مطبقة على يدها الهامدة داخل قبضتي المتشبثة بها . قبل قليل كنت أبلل شفتيها بالماء ، فيخيل إلي أنها تبتسم ، تصكّ شفتيها حتى ليصعب عليّ إيصال الماء إليها ، فتبلل شفتيها بريقها الناشف ، و أشرب أنا دمعها المتواصل من جدولين صغيرين منسابين فوق الخدين الشاحبين .

صوتها ، ما زال صداه في الغرفة تستجدي الله النهاية بإيمان قوي :

" يا الله ، ارفع عنّا العذاب إنّا مؤمنون "

تحوّل نظرها ببطء نحو صورة هاني المعلقة فوق رأسها و تبتسم و كأنهما على موعد .

عرفت أسرار أمي مما ورثناه عنها . قصاصات جرائد مرتبة حسب تواريخها . أحداث تطورات المفاضوات . صحيفة مهترئة ، عمرها بضعة شهور رافقتها خلال رحلة العلاج . بقلم أسود خيّل إليّ أنه قلم كحل ، أحاطت بدائرة سوداء كالحداد اللقاء الأخير الشهير ، مصافحة برابرة القرن العشرين عيانا جهارا . نعي شيء مات .

صفحة تخصّ جماعة هاني . سطورها باهتة لكنني أستطيع تمييز بعض الجمل " حتى لا ننسى لحظة السماح لهم بدخول عمقنا ، تمزيق سترنا ، و مباركة اغتصابهم بلادنا على الملأ "
ماتت أمي مرة أخرى حين لملمت تراثها الحزين . دهشة ارتسمت على وجه عائدة ، فعلقت : لا تستغربي ، فقد كانت أما غير عادية ، كانت امرأة ثورية .

انتهت أيّام العزاء ، و فرغ البيت إلا مني و من أمينة التي كانت على وشك مغادرته لتعود إلى بيتها . لم أشأ رؤيتها تترك البيت ، هربت من الموقف ، تنقلت بين زوايا البيت و قلبي ينزف . لحظة بمنتهى القسوة ، أفقدت أسرتي واحدا إثر آخر .

أول مرة أدخل غرفة هاني منذ حضورنا إلى هنا ، بدت لي موحشة فارغة ، بل ميتة . لا شيء يخص هاني ، صوره و أغراضه و أوراقه ، تزعزع إيماني بعودته . أبعدت الخاطر عن ذهمي ، سيعود و يملأ قلبي و كل دنيايَ . سألت صارخا :

: أمينة ، أين صور هاني ؟ أين أشياؤه الخاصة ؟

أجابت بصوت جاف.

: انس هذا الاسم .

كنت أعتقد أنها تحمله مسؤولية مصابه بفقدان أمها . لكنها بعد قليل قالت و هي تقفل النوافذ و كأن البيت سيهجر :

: متى ستسافر ؟

أجبت ببلاهة :

: قد لا أسافر ، سأبقى هنا .

: أين ستقيم ؟

: لا أفهم ، ماذا تعنين ؟

: هذا البيت لي .

: كيف تقولين مثل هذا الكلام ؟ هاني سيعود ، و هذا البيت سيبقى لنا جميعا .

: إنّه إرثي .

طفا حنق على الرغم مني فوق نفسي الحزينة الفاقدة ، تعجبت ، كيف تناقش أمرا كهذا ، أمنا في قبرها لا تزال ساخنة كما يقولون ، حاولت ضبط نفسي بكل قدرتي و أنا أقول :

: أمينة ، أنت تعرفين أن هذا البيت بيتي أنا ، و ما كان والدنا يملكه لم يكن بيتا بلمعنى المفهوم ، كان مجرد جدران و سقف . إن كنت تحتاجين مالا أعطيكِ ما تريدين ، أو . . .

قاطعتني بحدة :

: لست بحاجة إلى معونة أو حسنة ، أريد حقي ، لقد قالت لي أمي إن هذا البيت لي ، أما إذا أردت البقاء هنا و العيش فيه فاشتره . و قد أقنع سليمان أن يدفع لك شيئا مقابل حصتك .

ليتني أستطيع شرح حقيقة الفزع الذي أصابني . هل لأنها تفاوضني بلسان زوجها دون مراعاة للظرف الذي أعانيه ؟ أم لأنها تلغي هاني من الوجود ؟

جلست على أحد المقاعد في الصالة الخارجية التي تتوسط البيت ، أجلت نظري فيما حولي و أجهشت في بكاء مرير ، أبكي أمي و أبي و هاني و أبكي أمينة . خرجت و صفقت الباب وراءها ، فارتججت .
سمعت صوت أبي يتكلم ، يحكي لنا قصته العتيدة ، عن يوم مروع ، يوم خروجه من أرضه و وطنه ، يوم تآمر عليه شقيقه و استولى على كل شيء بمعونة أهل زوجته اليهودية .
صوت أمي ينهرنا ألا نتلهى عن أحاديثه ، حتى و إن كان يهذي في غيبوبته . أسمع هاني يعلق ممازحا . أراه ، أراه يقوم من مجلسه بقربي و يحضنها.
أراه يدخل غرفة أبي ، ألحق به على عجل ، يخيب رجائى لا أحد معي ، لا أبي ، و لا أمي ، و لا هاني .

ضاق بي البيت الذي كان الدفء ، الحنان ، و الحب ، لم يكن بيدي حيلة أمام إقامة جبرية ألزمت نفسي بها ، أبكي أمي . أبكي و أبكي . لم يبقَ سوى الحزن و أنا . حزن كبير أغمر نفسي به و لا أريد منه فكاكا .

منذ حضوري مع أمي ، و أسابيع احتضارها ، و كل قسوة و مرارة موتها ، لم أتلقَّ من دلال اتصالا واحدا للاطمئنان ، أو لتواسيني بعد رحيل أمي . لم تفكر أن تأتي ، أو ترسل تعزية .

سمعت رنين الهاتف ، كان عيسى ، يشدّ من عزيمتي ، حين اختنق صوتي ببكاء مكتوم قال :

: لا بد و أن تتماسك . أمامك مسؤولية تجاه وطنك لا تقل بحال عن مسؤوليتك تجاه أمك و أهلك . المشكلة هنا لم تنته .

: ماذا عن روكس ؟

: خرج بسهولة ، كأنه استعمل سلاحه في رحلة صيد .

: ماذا أسمع ؟

: هي الحقيقة . تابع ما طلبته منك .

حالتي السوداوية تسيطةر عليّ بين حين و آخر . لن يخرجني منها سوى العمل . العودة للتدريس من جديد.

داليا الهواري
23-02-2007, 12:20 AM
جميل ما قراته و لكن هل انتهت الرواية؟
نائية مشكورة كثير على الطرح و ننتظر البقية أم الرواية انتهت؟
محبتي