PDA

View Full Version : من يوميات صفار ..



السحيمي
27-10-2006, 09:45 PM
كان ذلك في العيد .. و بالتحديد ثاني أيام العيد .. كان للحياة معنىً آخر .. لم يدرك في تلك اللحظة بأنه سوف يكون أسعد الناس .. إيه يا دنيا .. يتذكر أيام مضت .. السنين بأحداثها و أنينها و أفراحها .. تلك الطفولة البريئة .. غارق هو في التفكير عن هذا الحدث .. راجعاً إلى الوراء .. يستعيد الشريط تلو الشريط .. و الشريط يعتليه غبار و غموض و مقاطع مر عليها الزمن .. بالكاد يتذكرها .. و لكنها تعشعش في الذاكرة و تظهر بقالب آخر .. يعرفه بآلامه و لا يتذكر الأحداث ..
كان أيامها رث الملابس .. الشعر يكسر أسنان المشط من خشونته و تلبده على بعضه .. فالشعر كان تصفيفه للبنات فقط .. و هو رجل و الرجل أشعث أغبر .. و العينان يعلوهما و يحف جوانبهما دقش أصفر .. و آخر أخضر يتطلب منه وقتاً في الصباح لإزالة هذه العوالق .. و ما يشوش الرؤية .. فالرؤية كانت بدائية .. سطحية لمفهوم الحياة .. و كان اليوم يبدأ بنشاطات عديدة تختلف حسب المواسم .. و توفر المادة المجلوبة في تلك السنة ..
كان يجمع الصِفر .. و الصفِر يطلق على أسلاك النحاس الأصفَر .. لم يدرك يومها أنه فلز موصل للكهرباء و يحتوي على إلكترونات قابلة للتفاعل .. بل كان صِفراً أصفَراً قاتم اللون .. يجمعه لكي يبيعه على الصفَار الذي يدور بخيشته مردداً .. صِفر .. صِفر .. اجتهد في ذلك الأسبوع .. و جمع كماً هائلاً من الصِفر .. قام بتخزينه فوق السطح في صندوق كبير .. حتى لا يسرق عرقه .. وجده أخوه فوق السطح و أخذه إلى سوق الصفارين ثم باعه .. و قبض الثمن .. و لم ير النقود حتى الساعة .. فأدرك معنى الظلم و القهر .. كان درساً قاسياً بقصدٍ أو بدون قصد .. فالحصيلة هي ألم ينبعث في النفس من حين إلى آخر حينما يرى شخصاً يُسلب حقه أو يؤكل عرقه ..
دقش العينين .. تلبد الشعر .. كانت سمة الرجولة .. و أكبر الجرائم أن تمشي بين الناس حاسر الرأس .. لابد و أن يعتلي هامتك هذه العمامة البليدة .. في عز الحر .. في عز البرد .. في الرطوبة .. عمامة حمراء يتسلى بنتش خيوطها في فمه لساعات طويلة .. فالعلك ليس من سمات الرجولة أيضاً .. كانت الثوابت في حياته أكثر من المتغيرات .. تلك هي حياة الغجر في قالبها المتمدن المزيف .. من الصعب جداً أن يعيش في مجتمع متحضر و تحيط به و سائل الإعلام .. و هو ثابت لا يتغير ..
مازالت الذاكرة مشتتة .. تقفز من موقف إلى موقف .. بدون تناسق أو ترتيب .. بدون حساب للزمن و موقع الحدث .. انتهى المأذون من عقد القران .. و كتب الكتاب و ذهب النحاس إلى البيت .. فور وصوله أدرك أن ثوبه متسخ بقطعة من الشوكولاته .. حينها تذكر أنه و ضع الحلوى في جيبه .. لأنه لا يحسن أكل الحلوى أمام الناس .. فهي حلوى غريبة .. كل الذي يعرفه تمر متيبس يكسر الأسنان .. أما مثل هذه الحلوى فيجب الاحتفاظ بها و أكلها بمقادير حتى تفي بالغرض لأسابيع قادمة .. و لكن يا فرحة ما تمت .. فالثوب انعدم و الشوكولاته ساحت في جيبه ..
ليس المهم الحلوى .. المهم أنه الآن في عرف الناس متزوجا .. ذهب إلى صديق له و لديه محل ملابس .. فأخبره أنه قد تزوج .. فأهدى إليه بلوزة يتذكر أنها وردية اللون مطعمة بالبياض .. و قال خذها هدية لزوجتك .. فرح كثيراً .. فهو لا يعرف أن يختار هذه الألوان و إضافة إلى أنه لم يدفع ثمنها .. و هو في حاجة القرش .. و ضعها في كيس ثم خرج .. و هو يمشي و يكلم نفسه كالعادة .. تذكر أنه لم يبارك لزوجته على المِلكة .. هكذا قال له زميله الذي أهداه البلوزة .. لم يكن يعلم يومها أن الناس يباركون لزوجاتهم .. كل الذي يعرفه هو أنه في ليلة الدخلة ترى زوجتك .. فإما قمراً تتغزل بها طوال حياتك .. أو قبراً تجثم عنده ملقياً أعظم المراثي ..
محظوظ هذا النحاس .. كانت قمراً .. كان يجلس معها .. و كانت تأتي بالحذاء في المجلس .. و كان يستنكر ذلك .. و الحقيقية أنه أحمق .. لا يعرف شيئا يسمى الأتكيت .. زوجته تضع المكياج .. لأول مرة يرى مكياجاً خارج شاشات التلفزيون .. الحقيقية أن قلبه كان يخفق حين يراها .. و دقات قلبه من شدة قرعها كأن أحداً بالباب .. زوجته كانت كتكوتة .. دلوعة .. أنيقة .. أجمل نساء الدنيا .. أرقهن قلبا .. و أعذبهن حديثا .. إذا تكلمت تسمع صوت اللؤلؤ يقع بهدوء .. تصحبه رنة على بلاط رخامي الملمس .. ثم تتشكل بعد ذلك إلى كلمات .. بل إلى لآلي متناثرات .. تجمع كلامها .. تبعثره .. تعيد نظمه .. هو حبات لؤلؤ في أي قالب كانت .. عيناها فيهما بريق .. صدرها كغدير في صحراء قاحلة تنعكس عليه أشعة الشمس فيبدأ باللمعان .. فيدوخ معه حتى يظن أنه في غيبوبة .. أو حلم .. و يستفيق فيه على طاولته .. حيث الملابس مبعثرة .. و الأوراق متناثرة .. جثث الصراصير المحنطة تزكم الأنف .. كانت آخر حلقة في المسلسل الرمضاني .. فأبت نفسه إلا أن يتقمص دور البطل ..
عبدالرزاق السحيمي

(أنا).!
27-10-2006, 09:58 PM
مازالت الذاكرة مشتتة .. تقفز من موقف إلى موقف .. بدون تناسق أو ترتيب .. بدون حساب للزمن و موقع الحدث .. انتهى المأذون من عقد القران .. و كتب الكتاب و ذهب النحاس إلى البيت .. فور وصوله أدرك أن ثوبه متسخ بقطعة من الشوكولاته .. حينها تذكر أنه و ضع الحلوى في جيبه .. لأنه لا يحسن أكل الحلوى أمام الناس .. فهي حلوى غريبة .. كل الذي يعرفه تمر متيبس يكسر الأسنان .. أما مثل هذه الحلوى فيجب الاحتفاظ بها و أكلها بمقادير حتى تفي بالغرض لأسابيع قادمة .. و لكن يا فرحة ما تمت .. فالثوب انعدم و الشوكولاته ساحت في جيبه ..


روعة ، وحسبي انها كذلك .!

رفيدة
27-10-2006, 09:59 PM
سلمت يمينك..
وددت لوأن مدادك لم ينفد....

عبدالصمـد
27-10-2006, 10:42 PM
محظوظ هذا النحاس .. كانت قمراً .. كان يجلس معها .. و كانت تأتي بالحذاء في المجلس .. و كان يستنكر ذلك .. و الحقيقية أنه أحمق .. لا يعرف شيئا يسمى الأتكيت .. زوجته تضع المكياج .. لأول مرة يرى مكياجاً خارج شاشات التلف

يالـ جمالك ،
عبدالرزاق وددت الو انها لم تنتتهي ولكن قدر الاشياء هو الانتهاء .عدنا بان تعود بمثلها او اجمل ‘
عبدالصمد ‘

الشاعر الرجيم
04-11-2006, 11:24 PM
السحيمي حقاً .. رائعة لاتكفي .. أسلوب سلس , بيان ساطع ,, وماذا أقول عن البطل الذي لايعرف الأتكيت

(قروي) مدهش عرفتَ كيف تتقمصه رسمته بريشتك .. ضخمته إلى مستوى الرمز لقد دخل في عملك

ونصك الرائع دون أن يصدم ذوق القاريء , أو يبدو له غير معقول ومقبول

تقبل مروري وإعجابي الشديد بما تكتب

السحيمي
01-01-2007, 03:58 PM
أشكركم جميعاً .. فتعليقاتكم الجميلة دافع إلى العطاء ..