PDA

View Full Version : قراءة تحليلية لقصيدة: (أي جنون مشيت إليه)



علي المعشي
06-11-2006, 12:35 AM
الأخت الشاعرة: أفنان
صافحت نصك الجميل:
http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=105694
المعنون بـ(أي جنون مشيت إليه) فعنَّ لي أن أقرأه برؤيتي الخاصة ، وإني أستأذنك في ذلك وإن كنت على يقين أني لن أستطيع إعطاءه حقه في هذه العجاله ، ولكن حسبي ما يسعفني به وقتي..

الفكرة:
يحتاج المرء في كثير من الأحيان إلى الاقتراب من ذاته أكثر، إما للسيطرة عليها، وإما للمصالحة معها، وإما لرصد هواجسها، وتفسيرحركاتها وسكناتها وهذا النص يرتكز على توغل الشاعرة داخل ذاتها لتكتشف أمورا .... لن أحرق النص .. لندلف إلى القصيدة.

فأي جنـونٍ مشيتُ إليـه..
وأي مزاج غريب رقيق..؟!

وأي نـجوم قطـفت سناها
بوهجٍ تساقـط منـه البريق؟

الشاعرة تخطو خطوات إلى أعماق ذاتها، وقد حددت الهدف من مشيها، وهو تقديم عذر ثم شكوى (كما سيأتي) ولكنها ما إن تقترب من ذاتها حتى تكتشف بداخلها جنونا غير كل جنون تعرفه، جنونا تمرد على قدراتها الوصفيه التعبيرية فاكتفت بالاستفهام (أي جنون؟) والاكتفاء بالاستفهام هنا يوحي بتعذر الإحاطة بكنه ذلك الجنون.
ومن مكونات ذلك العالم الداخلي المجنون مزاج غريب رقيق ، ولاعجب فمرهفو الحس رقيقو المزاج كثيرا ما يكونون أقرب إلى الجنون المجازي وربما الجنون الحقيقي أحيانا.
وتتوالى الاستفهامات ..
(وأي نجوم قطفت سناها؟) وما أجمل الاستعارة هنا حينما جعلت للضوء جسما محسوسا وشبهته بالزهر أو الثمر الذي يقطف جنيا ، وكذا نجدها تجعل البريق يتساقط من الوهج في لوحة خيالية خلابة.
وعلى مستوى الألفاظ نجد في البيتين السابقين الاستفهاميين قاموسا لغويا متوازنا حيث كفة العتمة والغموض تضم: أي مكررة ثلاث مرات، جنون، غريب.. وكفة الضياء تضم: نجوم، سناها، وهج، البريق.
وهذا التوازن اللفظي يوحي بتأرجح حالة الشاعرة مابين اليأس والأمل إلا أن الألفاظ الموحية بالبؤس ستغلب على بقية النص ، ثم تظهر الألفاظ الموحية بالأمل مجددا في البيت الأخير، ولذلك دلالة سنعرض لها في مكانها..

أتيتُ أقــدم عـذراً كئيـــباً
لنبـضٍ تـضرّج عند الشـروق..

تسـامق شـوقاً وغـصّ دموعاً
وحط الرحـال بكل العـروق..

أتيتـكَ قلـبي لأشكـوك دربي
ألا كيـف أضحى كشـطٍ غريق

تناثـرتُ فيه محـاراً وموجـاً
وتهـتُ بقـاع صداه العميق

قلنا إن خطوات الشاعرة كانت متجهة إلى ذاتها، وهنا تأكيد لذلك إذ تقول: أتيت أقدم عذرا لنبض/ أتيتك قلبي.. ذلك هو الاتجاه، أما الهدف فهو اعتذار وشكوى، فهي تعتذر لنبض داهمه الألم في أول شبابه(تضرج عند الشروق) ولكنه رغم الألم ظل يسمو بآلامه ويغص بدموعه/عبراته، ثم استقر بألمه وشوقه ودموعه في كل العروق ممتزجا بالدماء، وما تمكن من كل العروق لا ينجو منه القلب.
وأما الشكوى فهي تشكو دربها/ واقعها/ إلى قلبها، وهي شكوى لا تطمع منها إلى إنصاف، لأن المشكو إليه/ القلب، ليس بأحسن حالا من الشاكي، وإنما حسبها من شكواها المواساة..
(لأشكـوك)
هنا اضطرار إلى تجاهل فتحة الواو في المضارع المنصوب، وذلك مما يجوز لضرورة النظم ولكن الأحسن تجنبه، ويمكن التخلص من الضرورة لو أنها قالت: ( أتيتك قلبي لأشكوَ دربي)

(ألا كيـف أضحى كشـطٍ غريق)
غرق الشط هنا صورة رائعة فهي لم تقل (مغمور) حيث يمكن أن ينحسر عنه الماء ، وإنما قالت (غريق) وفي ذلك إيحاء ببعد الخلاص ، فكأن الشط قد سلخ من موقعه الطرفي ليجد نفسه في وسط البحر فذاب متجها على شكل ذرات رمل إلى قاع البحر.

تناثـرتُ فيه محـاراً وموجـاً
وتهـتُ بقـاع صداه العميق

بعد أن شبهت دربها/ واقعها بالشط، وذكرت مصيره (الغرق) ، كان من مقتضيات ذلك أن يغرق السائر على ذلك الدرب (الشاعرة) ، ولكن الشاعرة أبدعت هنا في احتواء الموقف بمفارقة رائعة، فهي تثبت أنها وجدت نفسها في عرض البحر لأنها كانت تسير في الدرب الذي غرق، ولكنها تنفي أنها هلكت غرقا.. كيف؟
لم تهلك غرقا لأنها تحولت إلى محار وموج وكلاهما لا يهلكه البحر!
ورغم أنها لم تهلك إلا أنها تعترف بأنها أصبحت تائهة.
يضم القاموس اللغوي في هذا الجزء السابق عددا كبيرا من ألألفاظ البائسة مثل:
كئيباـ تضرج ـ غص ـ دموعا ـ أشكو ـ غريق ـ تهت .
وفي غلبة هذا النوع من الألفاظ دلالة على الروح الانهزامية المسيطرة على الشاعرة هنا.

غفوتُ كهـمس الـرمال مسـاءً
على أغـنيات الشـراع العتيق

صحـوتُ لألقى النـوارس هامت
وفجراً عـنيداً أبى أن يفـيـق

أتـيتُ أقـدم عذراً لقــلبي
عسـاه بخـيبة عمـري يليق

أرتّـبُ أفقـاً تبعــثر حولـي
وأشعـل حرفـي ببـوحٍ أنيق

(غفوت كهمس الرمال) أرى أن تشبيه الغفو الذي هو من درجات النوم بالهمس الذي لا يكون إلا في اليقظة فيه شيء من الاهتزاز لما بين ركني التشبيه من التناقض.
(أتـيتُ أقـدم عذراً لقــلبي
عسـاه بخـيبة عمـري يليق)
أرى لو تم الاستغناء عن هذا البيت لكان أحسن ـ في رأيي طبعا ـ لأن صدره كرر أكثر من مرة، وعجزه لا يحمل معنى ذا قيمة ترقى إلى مستوى بقية أبيات النص.

عموما..
غفوة غير هانئة، وصحوة قلقة تنتظرا فجرا لم يطل.. رغم القلق إلا أن مجرد الغفو يعد بشارة بشيء من التخلص من اليأس وبعث روح الأمل من جديد ..
ثم تتحسن الحال بشكل أفضل حينما تقول:

أرتّـبُ أفقـاً تبعــثر حولـي
وأشعـل حرفـي ببـوحٍ أنيق

ويا لجمال ترتيب الأفق هنا! لقد جعلت الشاعرة الأفق/ الفضاء أجزاء مجسمة طيعة وهي تعمل على ترتيبها بالشكل الذي يروق لها..
كما أن هذا البيت يجعل للقصيدة خاتمة مغايرة لما كانت عليه من البؤس فهو يوحي بمعان باعثة في النفس الأمل، ومن ذلك:

*ارتفاع الروح المعنوية للشاعرة فهي رغم اتساع الأفق ومهابته تقوم على ترتيبه كما يحلو لها بعزيمة وإصرار.
* بما أن الأفق هنا رمز للوسط المحيط بالشاعرة من واقع وظروف ومتغيرات فإن ترتيبها إياه يعني أنها أصبحت إيجابية مؤثرة في واقعها أكثر من تأثرها به كما كانت في السابق.
وأشعـل حرفـي ببـوحٍ أنيق
وتبعا لما تعيشه من ازدهار وأمل سيتحول اعتذارها وشكواها غناء أنيقا وبوحا جميلا ..

إذا.. مع نهاية النص تكون الحالة الشعورية على أعتاب مرحلة جديدة ملؤها الأمل والقوة والتطلع إلى المستقبل الأجمل.
مما سبق تتضح الفكرة، ويبدو تماسك النص إلى حد كبير، وجودة الصور والأخيلة غالبا مع بعض الصور المبتكرة الرائعة..

الألفاظ:
في مجملها جاءت على قدر المعاني تقريبا، وكلها أصيلة فصيحة.

الموسيقى:
جاءت القصيدة على المتقارب التام بعروض صحيحة (فعولنْ) ، وضرب مقصور ( فعولْ) ، ولا خلل يذكر في وزنها، ولا يوجد بها أي من عيوب القافية.
بها ضرورة شعرية واحدة تمت الإشارة إليها في موضعها.

وكأي عمل لا بد أن يعتريها النقص، وقد أشرت إلى ما بدا لي في مواضع من النص، ولا أجزم بصواب ما ذهبتُ إليه، وإنما هو جهد واجتهاد يحتمل الخطأ قبل الصواب.

قراءة على عجل أرجو أن تكون قد أضافت شيئا إلى هذا النص الرائع..
تحياتي وودي.



.

أحمد المنعي
08-11-2006, 11:12 AM
أنعم وأكرم يا علي ، وهي فرصة لأرحّب بك وأكبر فيك هذا الحس العالي والقراءة الذكية التي تخطب ودها النصوص .

ثم لا أجد من قولٍ أضيفه تحت مقالك ولن أحمل التمر إلى هجر .

شكراً علي ، وشكراً أفنان .

سلطان السبهان
08-11-2006, 03:29 PM
علي المعشي
فرحت كثيراً بهذه القراءة الرائعة هنا في نص الشاعرة وقراتها بكل تمعن ، فكنت الماهر النطاسي
والحاذق والشاعر صاحب الذائقة الرفيعة .
وجميل من الادارة فصل الرد ووضعه منشاركة أصلية .
دمت للشعر وكثيرون والله بك .

خالد الحمد
08-11-2006, 04:46 PM
القادم عقلا ونقدا وفكرا عندليب الجنوب الأخ علي

لقد راقتني هذه القراءة لنص الأخت

قراءة فاحصة ودقيقة

رائع علي إن شعرت وإن نقدت

بمثل هذا يسمو القريض

علي المعشي
08-11-2006, 10:42 PM
أستاذي القدير: عبد الرحمن الخلف
كفاني فخرا أن تقرأ محاولتي هذه ، أما أن تجد منك هذا الاحتفاء، والفصل في صفحة مستقلة فهذا ترف للقراءة ، وشرف لكاتبها ..
فشكرا سيدي شكرا..

الحبيب الأستاذ: أحمد المنعي
المبدعان الرائعان: سلطان ، خالد
شكرا من القلب، وما هي إلا محاولة فرضها جمال النص
ولا تستغني عن ملحوظاتكم حتى تكتمل ..
الشاعرة أفنان
شكرا ..شكرا على أن أتاح نصك الجميل لي فرصة تذوقه..
تحياتي للجميع

حي بن يقظان
09-11-2006, 09:32 PM
أقدمت على شيء يشبه القراءة ياعلي بعدك على قصيدة الأخت أفنان
لم يكن إلا ترحيب بجهدك ونواياك لا يرقى إلى ما قمتَ به يا أستاذ

ومن هنا أحييك أخرى
وسأبقى من متابعيك
سلمت ودمت

أفنان باهر
11-11-2006, 06:59 AM
مرحباً بك شاعر الراقي على المعشي



قارئاً ذوّاقاً، وناقداً جميلاً..


ابتسمت لهذه القراءة الواعية والجميلة، والتي لم تكن عابرة تماماً..


ولست أدري كيف أشكرك على مثل هذه الهدية؟.


رأيك يهمني وأتقبله بحب ، وصدر رحب.


وقد وضعت لي وسام بنقدك


ورائع أن تعرض قصيدتي في هدف النقاش والطرح والنقد


من شاعر متمكن مثلك


وأنا كلي فخر بهذا


وتبقى ملاحظاتك على عيني ورأسي


وستكون نجماً وقاداً أستدل به في ليالي الشعر.


وأشكرك جزيل الشكر على صراحتك في طرحها


وكلماتك وسام فوزت به من شاعر متمكن


أسعدني نقدك جدا , واهتمامك بقصيدتي


رائع أنت بنكهة حرفك الخاصة


:
لك ودي ووردي




أفنان باهر

ملك القوافي
01-12-2006, 01:05 AM
قراءه جميله
ونقد بناء
شكرا لك
ولمن صاغت القصيد

عبدالرحمن الخلف
12-12-2006, 07:23 AM
يرفع كي تتكحل العقول به..

وينسخ لشرفة الروائع..

تحيتي لك ياعلي على هكذا تجلي.