PDA

View Full Version : آخر طلقة



lamdi
11-11-2006, 11:47 PM
آخــر طلقــــة لا يعرف جدي كيف إستسلم ؟ كيف تنازل ؟ و باع كل شيء و جاء إلى المدينة و هو شيخ كبير في آخر أيامه ، لا يدري كيف إنصاع دون أن يرفض دون أن يفكر ؟و جاء حاملا سنواته الثقيلة كأثقل ما يكون الحمل.. كان يعيش كالملايين بصبر لا ينفذ و قناعة لا تعترف بالفناء و ينتظر اليوم الذي يضع فيه رأسه على الأرض لينام ثم لا يستيقظ لكن السنوات خذلته و لم تلتفت إليه أو تعب بشيخوخته و هو يحمل ما يصلح أن يحمل متجها إلى المدينة..منبع المصائب و الشرور..كما كان يقول دائما و هو الذي لم يفكر يوما أنه سيختم فيها حياته.. كان يقول في أحيان كثيرة بذلك الأسى الذي يزاحمه الندم على الكلمات : - ما أتعس أن تنقلب حياة المرء في آخر أيامه بعد كل هذا الهدوء و راحةالبال عندما يقول مثل هذا الكلام ، كانت الجدة تجيبه بكلام آخر يكون جاهزا فيه الكثير من الاسترضاء : - لا تقل ذلك عن نفسك لا تزال الأيام طويلة أمامك..و راحة البال لا ترتبط بمكان معين.. يضحك.. يحرك رأسه يمينا وشمالا و هو يقول : - الأيام..؟ أية أيام..؟ في الأيام الأولى و حتى الشهور كان جدي ما ينفك يذكر الصحراء و يحن إلى العودة إليها ، و كان يذهب فعلا يومين أو ثلاث ثم يعود و هو يحمل ريحها و شمسها في كلماته و ملامح وجهه.. لكن ذلك تضاءل مع الأيام و تباعد و لم يعد سوى أخبارا و قصصا يرويها في أوقات معينة تسبقها مقدمات طويلة و أحاديث تسوق الذاكرة إلى تلك اللحظات المليئة بالحنين و الشوق.. فيبدأ جدي يحكي قصصا لم يعد يذكرها غيره.. لكن قصة و حيدة ظل جدي يكررها مرات عديدة لا لشيء سوى لأنها آخر شيء يذكره عن والده. و إذا بدأ جدي يحكي فعلى الذي يجالسه أن ينصت بإهتمام ، أما إذا ندا منه ما يوحي بعكس ذلك فإنه قد يسمع كلاما قاسيا عن أدب الإستماع و إحترام الذين يتكلمون و خصوصا إذا كانوا كبارا.. * * * ..الصخرة و هي تطل على الوادي بشكلها و ضخامتها كانت أشبه ببقايا جسر منهار و كشيء خرافي عملاق و هي تمتد إلى أعلى، و الوادي في الأسفل..وادي الحجارة كما يسميه المسنون و الشيوخ و كثير من الناس لكثرة و ضخامة الحجارة التي تملأه ، و لأنه الإسم الذي ورثوه من بين ما ورثوه عن أجدادهم . أما الرجال الأقل سنا و الشباب فإنهم يطلقون عليه إسما مختلفا ظل الكبار دائما يرفضونه و يصرخون في وجهي كل من سمعوه يذكره أمامهم ، لذلك لم يجرؤ أحد على ذكره في حضرتهم إلا من زل لسانه أو كان قادما جديدا.. كان وادي الخنازير..هذا هو الاسم..إلى وقت قريب مرعى لغنم البادية و مواشيها الأخرى و مأوى لحيوانات أخرى قليلة تظهر أياما و تختفي أياما كثيرة ، وفي السنوات الأخيرة صارت رؤيتها و لو من بعيد أمرا قليلا و نادرا. أما الآن و لا أحد يدري كيف..؟ و لا من أين أتت هذه الجحافيل و الأعداد الكثيرة من الخنازير البرية و التي أصبحت تملأ كل أطراف الوادي و بطريقة سريعة و مذهلة و دون أن ينتبه أحد..تكاثرت و انتشرت.. في البداية كانت تبدو من بعيد فوق الصخور العملاقة و في البرك المائية القليلة ، كانت تلوح وتختفي كالأشباح و لم تكن تثير انتباه أحد..و مع الوقت بدأت تقترب و دون خوف تقتحم الباحات الواسعة لبيوت بنيت على عجل ،تمر قريبا من الخيام..و في الليل تدمر كل شيء و يسمع نباح الكلاب شديدا و حادا. ينسب الكثيرون سبب هذه البلية إلى سنّاد الذي كان قليل الحضور كثير الغياب..و يقضي أغلب أيامه في مدن بعيدة ، يدّعون أنه جاء ذات مرة و معه حيوانات غريبة لم يروها من قبل و طيور أقسم البعض أنها كانت تتكلم و تردد كلاما مفهوما و أخرى لا تعرف غير الصراخ بصوت حاد. و عندما أراد السفر كان قد ترك عدد من هذه الحيوانات في الحظيرة المجاورة للبيت المهجور الذي كان ينتظر دائما عودته و قد كان أربعة منها تشبه هذه الخنازير..لكنها كانت أصغر حجما. أما الآخرون فقد كانوا يتحدثون و هم يشيرون إلى القلعة القديمة في أعلى تلة نوعا ما بعيدة..كان يزورها من حين لآخر بعض النصارى و يقيمون فيها أيام و ليال لا يعرفون خلالها إلا الأكل و الشرب و الصراخ و أحيانا العراك و عندما يرحلون في سياراتهم الضخمة..كانوا يتركون خلفهم كل شيء. و من بين كل هذه الأقاويل ، كان هناك قلة قليلة لا يكاد يسمع صوتها تتحدث بهمس أن المخزن هو الذي جاء بهذه الخنازير أول مرة..ثم تصمت و لا يذكر أصحابها شيئا آخر. و على ضفتي الوادي و لمساحات شاسعة لا يدركها البصر مهما كان حادا تمتد جنان الصبار كشيء لا يعرف الانتهاء ، كانت متداخلة و كثيفة تتخللها دور متباعدة قديمة مبنية بحجارة الوادي و بنسق واحد غرفتان أو ثلاث و باحة واسعة يحيط بها سور قصير بطول قامة فتى ، و قد تُبنى خيمة وسط تلك الباحة. في الشتاء و الخريف كانت تبدو تلك الأرض شاحبة و مهجورة و أحيانا حتى الربيع و لو بشكل أقل ، أما في الصيف فكما تعود الحياة إلى جسد شارف الموت كانت تعود إليها الحركة ، قد تكون في البداية خجولة ومتثاقلة لكنها بعد أيام من يوليو تنتفض و تقتحم كل البيوت و الأماكن و تشتعل جنان الصبار و كأنها ما عرفت كل ذلك الهجر. و في الوادي..بين الضفتين..حياة أخرى ، أشجار الأركان تقاوم كل الفصول و حتى البشر و تبقى هناك بعناد ، قد تبدو متفرقة متناثرة و في أماكن أخرى قليلة غير أنها تعلن دائما وجودها بتلك الخضرة الزاهية معظم أيام السنة . و في الصيف هي أيضا تعرف كيف تلفت الانتباه و تدفع عنها الأيدي،التي لا تترك شيئا إلا و اقتلعته،بأساطير جعلت صاحب كل يد تمتد نحوها بسوء تُلاحقه اللعنات بقية حياته.. و بقي كل شيء كذلك إلى أن جاءت اللعنة الأخرى..لعنة الخنازير البرية.. * * * في ذلك الصباح الباكر و النهار لا يزال يطارد آخر فلول الليل ، حينما مرّ سلَيمَة ولد المحفوظ راكبا فرسه العجوز التي لم تعد تطيق حملا ر غم أن راكبها ليس الآن كما كان بعد أن تكفلت به السنوات الطويلة، طولا لا يعرف مداه أحد من الذين ما زالت تسعفهم ذاكرتهم على التذكر، و جعلته كومة من العظام أخف من أعواد التبن. كان منحدرا نحو الوادي و كأنه يغرق في نهر من الظلام، غير بعيد كان الشيوخ الثلاثة الجالسين القرفصاء في المصلى القريب يتبادلون الأحاديث بعد أن صلوا للتو صلاة الصبح، كانوا لمن يراهم من بعيد و مع ذلك الغبش مثل حجارة الوادي زحفت إلى هناك. لما رأوا سليمة نازلا من هناك تعجبوا و تابعوه بعيون يختلط فيها الإعجاب و الحزن في حين تفجرت في صدورهم مشاعر غريبة لم يعرفوها لأنه مضى زمن طويل على آخر مرة شعروا بها كما الآن.. قال أوسطهم و قد كان أكبرهم سنا : - حينما نكاد نجزم بأنه في أية لحظة سيأتينا نعيه ينتفض و كأنه لم يكن على فراش الموت.. يرد الذي على يمينه وهو يثبت العمامة فوق رأسه : - من يعرف سليمة ولد المحفوظ يدرك بأنه لا يمكن أن يموت على فراشه.. يتكلم الثالث مبقيا نظره في المكان الذي تلاشى فيه شبح من يتحدثون عنه : - مازال في العمر بقية ، ولن يموت الإنسان ناقصا يوما أو زائده.. - كم عمره الآن..؟ - لما بدأت أميز الأشياء و أعيها كنت أراه مع الرجال.. - متخطي مية..؟ - متخطيها.. ردد أحدهم مخرجا الكلمات من صدره..: - لا إله إلا الله.. وراح حديثهم يمتد..و يعود إلى أزمنة غابرة من حياتهم و حتى حياة من سبقهم.. لكنهم لم يدركوا إلا في ما بعد أن سليمة ولد المحفوظ حينما كان في ذلك الوقت يغرق في ظلمة الوادي كان أيضا يغرق في ظلمة قبره. * * * كانوا مجتمعين رجالا و نساءا..و صبية كثار حول جثة طفل صغير ، كان البكاء..بكاءا حارا و لأكثر من شخص.. كان الضحية الثالثة في أقل من شهر ، فبعد ولد أحمد سالم و ولد فيضل ، جاء هو طفل في السابعة من عمره، تختلط دماؤه بالتربة . يتحدث أكثر من شخص أنه لم ير خنزيرا بريا في ضخامته و قوته ، كان يحطم كل شيء يقف أمامه. و رغم أن الخنازير البرية لا يمكن أن تكون في مثل هذا الهياج إلا إذا تعرضت لخطر ما فإن ما حدث كان أمر مختلفا. و عند الضحى قرر الرجال أن يطاردوه..أن يبحثوا عنه في كل مكان و تحت أي حجر كان..ليقتلوه و ينتهي هذا الكابوس الذي صار يرعبهم كل يوم. انطلق الجميع من الناحية الشرقية للوادي يمسحون الأرض مسحا ، كانت أصواتهم..صراخهم و هو ينطلق في وقت واحد شاقا السماء يطارد كل كائن حي أمامهم. هذه المرة كان العزم يسكن قلوبهم و حناجرهم..و حتى سواعدهم. * * * فتح الصندوق الخشبي العتيق بحث ببصره عن غرض معين ، توقف عند شيء مغلف بقماش أسود ، رفعه نحوه فبدا كعصا حركه بأصابعه بعناية بالغة قربه من وجهه شعر بشيء ما يزحف في عروقه..شعر به بوضوح ، و حين مر وقت غير قصير على تلك الحالة حتى صار و كأنه تمثال قد قد من حجر ، نزع القماش بالعناية ذاتها فظهرت البندقية ..بندقيته القديمة التي وضعها ذات يوم بعيد هنا في هذا الصندوق معتقدا أنه يضعها هناك للمرة الأخيرة. لكن هاهو يجد نفسه يعود إليها في هذا العمر المتأخر ، في وقت كان ينتظر فيه الموت و هاهو الآن يذيقه لغيره كما كان قديما و لسنوات لا يعلمها إلا الله. تفحصها..هزها بما تبقى في ساعده من قوة ، ما زالت كما تركها آخر مرة جاهزة لأن تفتك..لأن تقتل .. وضعها خلف ظهره..غزته الذكريات فبدا كحصن هش..ثم خرج.. امتطى فرسه العجوز..و خطت بنفس خطواته الثقيلة الواهنة..غير أن فيها الكثير من العزم و الثقة. مارا من جنان الصبار منحدرا من هضاب صغيرة و منحدرات ملتوية ، متفاديا أغصان أشجار الأركان الحادة ، عابرا الوادي إلى الجهة الغربية مستسلما لخطوات فرسه الوئيدة. و قبل الصخرة بقليل..بأمتار توقفت..ليترجل عنها و على حافة الصخرة و كأنما ينوي أن يلقي بنفسه من هناك.. توقف.. كان أشبه بقبطان يقف في مقدمة سفينته التي جابت كل البحار وهو يتحدى الموج والرياح بتلك الوقفة.. بقي لدقائق وهو يمسح كل الأرض التي أمامه بعينيه، في لحظة تراجع خطوتين إلى الوراء و جلس القرفصاء مستندا بظهره على حجر كان خلفه، أما البندقية فوضعها إلى جانبه الأيمن على الأرض.. سمع حركة خفيفة خلفه تلفت بهدوء و عندما أبصر أحد أحفاده واقفا قريبا ينتظره ليناديه ، ابتسم مشيرا إليه بالاقتراب ، و لما دنا منه مسح على رأسه متكلما : - مع من جيت..؟ - وحدي..كنت نلعب مع التركة،شفتك متخطي و تبعتك. حرك رأسه بتودد مبتسما أكثر من قبل ثم رفعه نحو الجهة المقابلة من الوادي..و انتظر.. لم يكد يمر وقت ليس بالطويل و عندما أصبحت الشمس فوق الوادي تماما و لم يعد لأشجار الأركان ظل حتى تناهت إليه أصوات الرجال قادمة من الناحية الأخرى تقترب و كل ما مرت لحظة إلا و سمعها أكثر وضوحا و لما بدت و كأن أصحابها سوف يطلون من هناك في أية لحظة لحظتها فقط تحركت يده نحو البندقية..تلَمسَها بأصابعه ثم رفعها متفحصا كنظرة أخيرة.. أما عندما صوبها للجهة الأخرى متحفزا لظهور شيء ما فقد أحس بدوار خفيف لم يعرف سببه سرعان ما تلاشي، و كانت نظرات حفيده ذاك تتابعه بفرح مشوب بالخوف.. طلقة واحدة حملها في جيبه و بأصابع كأنها تمارس فعلا قديما وضعها داخل البندقية.. قال لنفسه : - إما أن تصيب أو تخيب..لكنها ستكون الأخيرة. لم يكن يريد أن يقول الكلمات الأخيرة غير أنها انزلقت على لسانه دون أن يملك منعها ، سرت قشعريرة كالبرق أنحاء جسده. مر شهر و أكثر على آخر مرة جلس فيها في هذا المكان ، بعدها..و حينما عاد إلى الخيمة مساءا عقب صلاة المغرب شعر بأن قدميه لا تستطيعان حمله..و لما وقع على بعد خطوات من الخيمة فإنه وقتها لم يعد يشعر بجسده كله ، كان يدرك جيدا أن النهاية تجره نحوها هو الذي لم يشكو قط من أية علة كانت. و في كل لحظة على مدى ذلك الشهر كان ينتظرها كما كان ينتظرها كل من حوله، و خلال ذلك عاش حياته مجددا كررها..و توقف عند أشياء و حوادث اعتقد النسيان أنه طواها و مسحها من الذاكرة. لكنه صباح هذا اليوم شعر بأن جسده قد عاد إليه و حين وقف على رجليه بعد كل هذه المدة فكان أشبه بصبي تعلم المشي حديثا. أما حينما تفحص بندقيته فإن الماضي كله جثم عليه و مع كل خطوة خطاها إلى هنا..إلى حيث مكانه المفضل فإن الماضي لم يعد وحده بل زاحمته مشاعر أخرى و.. و فجأة.. برز من هناك..خطى خطوتين..فوق الجرف المقابل..و كأنه ينوي أن يعبر الوادي بقفزة واحدة خيالية..لكنه تراجع.. و في اللحظة التي قرر فيها أن يغيب في الوادي..في تلك اللحظة بالذات..في الإلتفاتة القصيرة..دوت الرصاصة كأنها صوت انفجار ضخم بعد أن جعل الوادي صداها يصل إلى أماكن بعيدة.. ثم اختفى خلف الجرف.. كم من الذكريات عليها أن تتزاحم لتمر ساعتها أمام عينيه؟ لكم من الحنين سيتسع صدره..؟ لكم من الأسى و الوجع..؟ و عينيه..كم كانت ستذرف من الدموع، حين تنشقت رائحة البارود و الماضي القديم، لولا أن الرجال لا يبكون..و أي رجال..؟ كان غارقا..بعيدا عن كل ما يحيط به ، و لولا كلمات حفيده لبقي ساعات كذلك.. سأله بفرح : - هل أصبته..؟ أجاب وهو يشعر بشيء ما يحترق في صدره : - نعم..أصابته في كتفه..ستجده على بعد خطوتين أو ثلاثة من الجرف.. قفز الصبي من مكانه ليكون أول من يراه..أما الجد فقد تراجع إلى الخلف ليستند على الحجر الذي ورائه شاعرا بذلك الاحتراق ينتشر في جسده و يصعد إلى رأسه. * * * عند العصر و الشيوخ الثلاثة كانوا كعادتهم بعد كل صلاة يتجاذبون أطراف الحديث ، حينما مر عدد من الرجال يحملون نعشا على أكتافهم و خلفهم كان عدد آخر من الرجال يسيرون بحزن ظاهر منحدرين نحو الوادي . لما انتبهوا..سأل أحدهم آخر الرجال المارين : - من الميت..؟ و دون أن يلتفت إليهم أجاب : - سليمة ولد المحفوظ.. - متى..؟ - قبل الظهيرة..وجدوه عند الصخرة التي تطل على الوادي..ميتا و هو جالس هناك كعادته.. - إنا لله و إنا إليه راجعون.. ثم واصلوا حديثهم حيث توقف.. في الأيام التي تلت ذلك لم يحدث شيء ذا أهمية سوى أنهم وجدوا فرسه العجوز ميتة في ذات المكان.. انتهت.