PDA

View Full Version : في ظلال القصيدة ( تراتيل مسافر : للقلب الكبير )



أحمد المنعي
13-11-2006, 01:20 PM
السلام عليكم ورحمة الله ..

هذه الورقة اقتبست فكرتها من فكرة كتاب سيد قطب الخالد ( في ظلال القرآن ) ، ليس في العنوان فقط بل في المضمون كذلك ، فلقد ذكر الشهيد قطب رحمه الله أنه في كتابه لا يفسر القرآن ولا يستنبط أحكامه ، بل هي وقفات وشروح وتأملات وأحكام ، ومزاجٌ من ذلك كله ، فهو كمن يجلس تحت ظل الآية ويكتب خواطره ورؤاه ، ومثل هذا ما كتبته عن تراتيل هذا المسافر ، القلب الكبير ، وأنوي أن أجعل من هذه سلسلة من الورقات في ظلال قصائد ، إن أمد الله في العمر والصحة .

لقد حاولت شرح ما استغلق من هذه الأبيات ، وشيء مما خطر أثناء القراءة ، فكان هذا الجهد ، والحق أن ( تراتيل مسافر ) من روائع ما قرأت من شعر ، وكما قيل عن القصيدة ففي كل بيت منها قصيدة كاملة ، ومعانٍ مكثفة مصهورة في قالب لفظي موجز وعميق .

هذا ، وأود الإشارة إلى أني لم أقف على جميع بيوت القصيدة ، لحاجة في نفسي ، ثم لأفتح للقارئ نافذة ليبحر في بقية القصيدة دون حدود أضعها أو شروح أحد بها أفق القارئ وخياله ..

بين يديكم القصيدة كاملة ، ولمن أرادها بحلة أبهى فهي هنــــا. (http://www.alionline.ws/tarateel.htm)





عَلى نَاصيةِ غَابَةٍ شماليّة ، ارْتفَعَتْ تَراتيلُهُ كَالبخور!



- 1 -
لا بأسَ!
دَمْعاً بَارداً وَ شَرابا!
عَصَرتهُما عينٌ
تَعِلُّ عَذَابا!
.
قَفَلتْ
مِن الأُفُق الحزينِ
كَأَنّه
لِسؤالِها..
نَسَجَ الغُروبَ جَوابا!
.
قرأتكَ يا لَوْحَ الزمانِ
مُسَطّراً
لليائسِ الراني
إليْكَ كِتابا:
.
"كالشمسِ كُنْ!
تَمْضي
و نَزْفُ جِرَاحِها
شَفَقٌ!
و لكنْ مَا تَكِلُّ غيابا!"
.
لاااا بأسْ!

-2-
و َأفاضَ دمْعي
مُحْرِماً مُتْضرعاً..
حتّى ارْتقى
وَ تعلَّق الأهدابا!
.
’’ ربّاهْ؛ قلْ للشمسِ
أيْنَ سناؤها؟
فالدربُ يغلي
ظلمةً و ضَبابا!
.
بَرَيا
رؤوسَ السمْرِ
في أَحْراشِها
حتى اسْتَطالَتْ
أَسْيفاً و حِرابا!
.
لمْ يَسْقِها مَطرٌ!
فَكانَ رِواؤها
مِنْ دَفْقِ أَشْداقِ الضِباعِ
لُعابا!
.
المُلْقِحاتِ الشوكَ
طولَ عِوائهاا!
البَارِقاتِ
مَخالباً و نيابا! ‘‘
.
فأجيبُ دَعْوَتَهَ
و أسْفِك حَجّه:
لا بأسَ دمْعاً
بارداً و شراباً
.
لاااا بأسْ!
.
- 3 -
وَ إلامَ أَمْكُثُ
خَائِفا وَ مَنيّتي ؛
إنْ لَمْ أَلِجْ ..
رَكضتْ إليَّ وِثابا؟!
.
لِتَدُكَّ آمالي التي
في فَيْئِها
رعتْ الرياحُ
غََمائماً وَ رَبابا!
.
فَتَخِرُّ صَاعِقَةً
كَطَوْدٍ كَافِرٍ
فتحَتْ جَهَنُّمُ
تَحْتَهُ أَبْوابا!
.
فإذا العجاجُ يلوكُ
مَا شيّدتُهُ..
وَ يمُجُّهُ
في ناظريَّ سِبابا!
.
لااا!
بلْ أهُبُّ! وإنْ هَلكْتُ!
فإنَّما
معنى الترائبِ أنْ تَعودَ تُرابا!
.
لاااا بأْس!

-4-
إيهٍ.. صروحَ المَوْت!
جِئْتُكِ تَحْتَسي
عَيْنَايَ صَمْتَكِ ..
حَاذِراً مُرْتَابا!
.
نازعتِ ثَوبَ الليْلِ
منْ عَلْيائِهِ
وَ هَتَكْتِهِ حَتّى
اسْتَحَال نِقَابا!
.
مالِ النُّجومِ
عَلى الجُذوعِ كَأَنَّما
عِلِقَتْ فَهُنَّ
مَدى الزَّمَانِ نشَابى!؟
.
مالِ الجُذوع
تَيَبَّسَتْ أَفْواهُهُا
الصّارخاتُ ..
وَ قَدْ هَلَكنَ سِغابا؟!
.
سَأجوزُ!
لن أَلْوي عَلى نَفْسي التي
جَنَحَتْ فسالتْ
في دمي أوصابا!
.
لاااا بَأْس!

-5-
نفسي!
وَ منْ ألقى
عَليَّ جَسَارةً
فسرَيْتُ إذْ
وقفَ الرّدى هيّابا؟
.
بخطىً!
كأنَّ الريحَ في أَعْقَابِها
حَثتْ الرمادَ
و تَمْتَمتْ :"لا آبَ"!
.
فعلامَ أغريْت الظنونَ
بأضلعي
فتدافعتْ
في نتْقِها أَحْزابا!
.
لا بأسَ!
يسري الليلُ في إدْبارهِ
و النابحاتُ
منَ الرياحِ كلابا!
.
يا غابُ! لستِ الوعْدَ!
فارتقبي السنا؛
من حد فأسي
صارماً حطابا!
.
و َأجوزُ في صَمْتٍ
يَفُل نُبَاحَها
خلفي فيقصيها!
و أطوي الغابا!!
.
لاااا بأْس!

-6-
هلْ أبْلُغ الصبحَ البهيَّ
وجنّةً
لبسْتُهُ من بعد الرشاشِ
ثيابا؟
.
و زهورها سْكرانةٌ في
عِطرها
و غصونَها
و البلبَلَ المِطْرابا
.
و بيوتُ أهلي
دونَ تلًّ أخضرٍ
شَرِبَ الصباحُ
بصفوها أكْوابا!
.
هذا بصيصٌ الصبْحِ
مدَّ سَواعداً
بٌرْصاً
ترنّح جيئةً و ذهابا!
.
نحَّارة ليْلاً
صحيحَ قوائمٍ
ما أسعفتهُ
و قدْ عدى هرّابا!
.
لاااا بأسْ!
.

-7-
واا شقوتااهُ!
أَمُنْتهى ما جِئْتُهُ
هذي الرمالُ
الكاعباتِ هضابا!
.
بيْداءُ ؛ بادَ الدهْرُ
في كثْبانها
وَ تلوكُ في
أشْداقها الأحْقابا!
.
و العَصفُ يلْعبُ سَاخراً!
ميدانُهُ..
أنى التفتُّ
مَهامِهاً و خرابا!
.
صَحراءُ .. مَرعى الجوعِ
عبْدُكِ خافقي!
توَّاقُ!
لو ناديْتِهِ لأجابا!
.
هوَ فيَّ خيْمةُ
ميتٍ مَشْقوقةٍ
ثَبُتَتْ وَ قدْ
أجْزى لها الأطنابا!
.
صحْراءُ ؛ يا صحْراء ُ
ما عَدل َالأُلى
أسموا ثراكِ
القاحِطَ المجدابا!
.
أيْنَعْتِ حتّى الصخرَ
في أعذاقه
ظميءٌ!
وَ أمْرَجتِ القفارَ يَبَابا!
.
وَ أنا كَظِلِّ الغيْمِ
يرْقبُ هَطْلَها
يَدنو ..
فتَخْطِفُه الرياحُ غِصَابا!
.
تَذروهُ في الوِدْيانِ
و هْيَ رويُّةٌ..
و الماُْءُ من أعْطَافِها
مُنساباً!
.
فإذا تَلاشتْ
عَبَّ من رمْضائِهِ
رَمْلَ الشماتَةِ
سَافِياً و سراباً!
.
فَيُفيقُ منْ
موتٍ .. لموتٍ آخَرٍ ..
صَدِقٍ ..
وَ لَيْسَ كَبَرْقِها كَذّابا!
.
لااا بأْس!

-8-
يَا لِلأمَاني!
أَرْمَدَتْني وَاقِفاً..
وَ دُخُانُها .. عُمْرِي
صِباً وَ شَبَابا!



ولكم التحايا العابقة العاطرة .

جريرالصغير
13-11-2006, 01:30 PM
ولك التحايا العابقة العاطرة مرتين

واحدة لك

وواحدة لقلبنا الكبير

وأول النهل نبع هنا

حتى أفيق لمسائه الواعد بك

أيها النقي كثوب أبيض

حيا الحيا وأرضا أقلتك أيها المنعي

لي عودة بإذن الله

أحمد المنعي
13-11-2006, 01:37 PM
- 1 -
لا بأسَ!
دَمْعاً بَارداً وَ شَرابا!
عَصَرتهُما عينٌ
تَعِلُّ عَذَابا!
.
قَفَلتْ
مِن الأُفُق الحزينِ
كَأَنّه
لِسؤالِها..
نَسَجَ الغُروبَ جَوابا!
.
قرأتكَ يا لَوْحَ الزمانِ
مُسَطّراً
لليائسِ الراني
إليْكَ كِتابا:
.
"كالشمسِ كُنْ!
تَمْضي
و نَزْفُ جِرَاحِها
شَفَقٌ!
و لكنْ مَا تَكِلُّ غيابا!"
.لاااا بأسْ!


مطلع القصيدة عادةً ما يتعمل له الشعراء تعملاً ، فهو مفتاح الدخول إلى القصيدة ( أو الإعراض عنها كذلك ! ) ، ومطلع هذه الخالدة لا أقول إنه بيت واحد ، بل لوحة جميلة فاتنة واحدة رسمت في أبيات أربعة .
" لا بأس " وهو تعبير عجيب الأثر ، وعجيب المعنى ، وأعجب من ذلك كله محله من القصيدة حين كان استفتاحها ، فـ " لا بأس " تأتي كنتيجة أخيرة بعد معاناة أليمة ، وحكْمٌ في نهاية قصة طويلة ، ولكن أين القصة ، وأين المعاناة ؟ كل ذلك لم يذكر بعد ، إنما قفز الشاعر إلى المحصلة والخلاصة ليبدأ القصيدة من نهايتها ، وهي في ذاتها نهاية مؤلمة قاسية يائسة رغم الجهل بجميع المعطيات والأحداث ، لا بأس ؛ تلقي على النفس ظلال المجاهَدة التي آلت للانهيار ، والمصابرة التي انتهت إلى النفاد ، في التعبير مرارة التجربة ، وألم العجز دون البلوغ ، وذلة الرضوخ والإذعان ثم مواساة النفس بذلك ، كما فيها حنان ما ، واستسلام ما ، وعطاء ما ، كحنان الفقير ، كاستسلام الأبي ، كعطاء المفلس .. إذ فاقد الشيء قد يعطيه أحياناً .
بعد هذا تكمل ستائر الختام انسدالها في هذا المطلع المدهش ..


لا بأسَ!
دَمْعاً بَارداً وَ شَرابا!
عَصَرتهُما عينٌ
تَعِلُّ عَذَابا!

إذن فالشاعر يحدث نفسه بعد أن انهارت دموعه بعد جلد وأنف ، نفسه الكبيرة الأبية ، فيبرر هذه الدموع التي أساءت لكبرياءه وإبائه ، فيواسي نفسه بأنه دمع بارد ، وما كان الدمع إلا سخيناً ، ويعزي ذاته بأنه شراب زلالُ سائغ للظامئ، وما هو إلا ملح يزيد العطش عطشاً ، إنه يكذب على نفسه حين رآها وقد آلت إلى يأس بعد أمل ، وضعف بعد قوة ، وذلة بعد عزة ، ثم يعزز هذا المعنى بكلمة ( عصرتهما ) وهي تزيد من عمق المعنى ذاته ، وهي أبلغ من ذرفتهما أو سكبتهما مثلاً ، فالمفردة تفيد استجداء الدمع من عين شحيحة ، وكأنها خرجت من رحلتها ومعاناتها جافة حتى من الدمع ، كنفسه التي خرجت جافة من النضارة والتفاؤل .
ثم يمضي الشاعر بعد أن ذكر انتهاءه لليأس والعجز ، إلى آخر أمل حاول التشبت به بلا جدوى ، فكانت أملاً دق المسمار الأخير في نعش أمله ، حين وقف بين يدي الأفق يسأل سؤالاً فقيراً ، يرجو به منه قبساً من نور ، أو إشراقاً من أمل ، فما وجد سوى ما زاده يأساً على يأس ، وتعباً على تعب ، وحكمة قاسية صغيرة أهداها له الأفق :


قَفَلتْ
مِن الأُفُق الحزينِ
كَأَنّه
لِسؤالِها..
نَسَجَ الغُروبَ جَوابا!
.
قرأتكَ يا لَوْحَ الزمانِ
مُسَطّراً
لليائسِ الراني
إليْكَ كِتابا:
.
"كالشمسِ كُنْ!
تَمْضي
و نَزْفُ جِرَاحِها
شَفَقٌ!
و لكنْ مَا تَكِلُّ غيابا!"

الضمير في "قفلت" يعود لعينه التي وصفها في البيت الأول والمعنى : أن عينه العاصرة دمعاً ، عادت بعدما ألقت سؤالها على الأفق ، وإنما رسائل العين البصر ، فأرسلت العين نظرها سؤالاً إلى الأفق ، فأجاب الأفق بأنْ رسم الشفق لها ، كأن النظر رسول حمل رسالة العين إلى الأفق ، ثم أعطته الأفق الشفق ، ليحمله وليعيده إلى العين ، إنه حقاً رسول يحمل كتاباً بين جليلين ! ما أروع هذا التصوير .
وانظر إلى اختيار المفردتين ( قفلت ، نسج ) وليس مثلاً ( عادت ، رسم ) ومن روائع هذه القصيدة تلك الأناقة الملحوظة والرهافة العالية في اختيار مفردات دون أخرى ، لاحظ ذلك .
وفي السياق ذاته ، يعود بخطابه للأفق الذي كان معه ، أن العين قد قرأتك أيها الأفق ، وأعطاه لقب ( لوح الزمان ) في إشارة لخلود الأفق ، وهيبة الطبيعة وجلالها ، قرأتك وأنت تسطّر لليائس الراني إليك ، هذا الكتاب الجليل الذي خلاصته ومفاده ، أيها اليائس الراني إلي ، كن كهذه الشمس التي أريتك شفقها ، إنها تنزف جراحاً لونها أحمر كما ترى ، لكنها لا تقف ولا تيأس فما زالت ماضية في رحلتها حاملة معها جراحها دون كلل .
كانت حكمة لهذا اليائس ألا يستسلم ولا يكل ، فكان تجاوبه المباشر مع هذه الحكمة أنْ حاول ابحث عن بصيص أمل أو حتى توهم تفاؤل ما ، فزعم إن الدمع بارد وشراب ! ..
لا بأس !



و َأفاضَ دمْعي
مُحْرِماً مُتْضرعاً..
حتّى ارْتقى
وَ تعلَّق الأهدابا !

شبه الدمع بالحاج المحرم حين يفيض ، واختيار كلمة ( أفاض ) اختيار ذكي من حيث تعزيزه للتشبيه المراد ، فيقال ( أفاض الماء على نفسه أي أفرغه وصبه على نفسه ، فهي مفردة ترافق الماء وتخصه ، وهي في معنى آخر إفاضة ترتبط بالحج والأفواج التي تدفع من مكان لمكان ( فإذا أفضتم من عرفات ) فربط بهذا اللفظ بين الدمع من حين أصله الماء ، والصورة المرادة للحاج المحرم ، وهذه لفتة مجيدة وذكية . وشاهد هذا أنه شبّه الدمع بالحاج الناسك ، وشبه عينه وأهدابها بالكعبة وأستارها ، حتى ارتقى الحاج ( الدمع ) وتعلق بأستار الكعبة ( أهداب عينه ) ومدار ذلك كله الطهارة والصدق والروحانية .


’’ ربّاهْ؛ قلْ للشمسِ
أيْنَ سناؤها؟
فالدربُ يغلي
ظلمةً و ضَبابا!

رباه ، لفظة الاستجداء والاسترحام هذه ، أعطت معنى غائراً لحالة الوهن والألم ، والمعنى أن الدمع يستجدي ربه أي الشاعر نفسه كما في الآية : ( إنه ربي أحسن مثواه ) فكلمة " ربي" تشير إلى العزيز ملك مصر إذ هو رب يوسف وسيده ، كما أن الشاعر رب الدموع وسيدها ، فالدموع تستغيث بالشاعر فتقول : ربِّ قل للشمس أين سناؤها " وهنا عاد المشهد ليدور في فلك الشمس التي كانت حكمة الأفق له ، في ترابط ما بين المشهد القادم ، والمشهد السابق ، فهو استجداء للشمس الراحلة أن تعود قبساً لهذا العابر الجائز تلك الغابة ، وأمامه أرخى الظلام رداء أسود ، وأرخى الضباب رداء آخر أبيض ، وكأن هذا الطباق الخفي كان مقصداً لاختيار الظلمة والضباب معاً .


بَرَيا
رؤوسَ السمْرِ
في أَحْراشِها
حتى اسْتَطالَتْ
أَسْيفاً و حِرابا!

الضمير في "بريا" يعود إلى الظلمة والضباب ، والصورة هنا تشبيه رقيق رقيق ، وضع في البيت بخفة وسلاسة وشاعرية فذة ، فالظلمة والضباب قد غشيا مدى الغابة على مستوى مرتفع توحي به كلمة ( يغلي ) كالبخار المتصاعد من الماء المغلي ، ثم نفس المفردة ( يغلي ) فيها معنى من معاني الحقد والضغينة والكراهية ، وهكذا فالظلمة والضباب قد أخفيا رؤوس الأشجار ( شجر السمر وهو مما يحتطب من شجر المناطق الصحراوية غالباً ) فما ترى إلا سيقانها وجذوعها دون أعاليها ، فكأنهما قد حطبا تلك الرؤوس وبرياها من البرْي ، وهي مفردة تضيف كذلك معنى الشحذ والتسنين صارت الجذوع كأنها حراب ومسننة واقفة ، وهو يذهب بالمعنى إجمالاً إلى عدائية وصدود وقتامة يصور بها هذه الغابة !


لمْ يَسْقِها مَطرٌ!
فَكانَ رِواؤها
مِنْ دَفْقِ أَشْداقِ الضِباعِ
لُعابا!


تلك الجذوع من الأشجار لم يسقها مطر فهي يابسة في أرض قاحلة ، ثم يغور في المعنى نحو القتامة مزيداً ، فيصور هذا التصوير الموحش المتقن ، أن سقاءها كان من لعاب الضباع ، فيا للتراكيب المزدحمة في هذا البيت بالذات ، والتي تتجه كلها نحو معنى واحد في منتهى التركيز ومنتهى القوة والوقع في النفس ، فالضبع حيوان كريه حقير جشع ، وهو كذلك لا يكون إلا في الأماكن المقفرة الموحشة المخيفة ، واللعاب يرتبط بمعنى التربص والاستعداد للافتراس والانقضاض والجوع ، والأشداق ( وليس الأفواه ، مرة أخرى اختيار الألفاظ ) وجرس الكلمة ومعناه البشع ، كل ذلك ومعنى ارتواء الشجر بلعاب الضباع ، فأي ماء يجري في عروق هذه الجذوع .. !


المُلْقِحاتِ الشوكَ
طولَ عِوائهاا!
البَارِقاتِ
مَخالباً و نيابا! ‘‘

الوصف للضباع ، فهي كما تسقي السمر لعابها ، فهي تلقّح الشوك عواءها ، وأي ثمر تنتظره من تلقيح العواء بالشوك ! ثم يضيف للصورة العجيبة هذه بعداً بصرياً آخر فيصف مخالبها وأنيابها بالبارقات ، البارقات في ليل الظلمة والضباب ، في طباق آخر لطيف فيه سواد الظلام ، وبياض الأنياب البارقة ! والحسن يظهر حسنه الضد !
بعد هذه الصور المتزاحمة الموحشة ، وبعد استجداء الدموع واكتمال مشهد الخوف والجوع والخطر ، وشعور الخوف والوجل لدى الدمع المستجدي بالشاعر وبالشمس ، يأتي رد رب الدمع لدعوة الدمع ، وسفك حجه وأهدره : لا بأس دمعاً بارداً وشرابا !! فهو الشجاع المقدام الذي لا يثنيه شيء ، وفي المقطع القادم يؤكد على معنى شجاعته وإقدامه في منطق عجيب وفلسفة جريئة منطقية من جهة ، وشاعرة كل الشاعرية من جهة أخرى.


وَ إلامَ أَمْكُثُ
خَائِفا وَ مَنيّتي ؛
إنْ لَمْ أَلِجْ ..
رَكضتْ إليَّ وِثابا؟!

هنا تتجلى رؤى الشاعر الفارس للحياة ، وفلسفته في الإقدام وتردد النفس ووجلها من الموت ، فيرتفع صوت الشاعر هنا ، بعد أن قضينا شوطاً من قصيدته مع دمعه دون نفسه ، وتشوقنا للتعرف عليه ، فظهر الآن أقوى ظهور ، بأقوى فكرة .
والمعنى : لماذا أخاف ، والمنطق يقول إني إن لم أعبر هذه الغابة التي بدا من مدخلها الموت ، فلسوف يأتي يوم وينقض علي الموت واثباً ، وتصوير الموت بمفردتين ( ركضت ، وثابا ) يوحي بشراسة الموت وفجاءته وبغتته ، وهو بذلك يوحي كذلك بجسارة نفسه ونيته الانقضاض على الموت الكامن في الغابة والركض إليه وليس التردد على باب الغابة إقداماً وتولياً !


لِتَدُكَّ آمالي التي
في فَيْئِها
رعتْ الرياحُ
غََمائماً وَ رَبابا!

يمضي الشاعر في تصور سيناريو لحياته التي ستنقض عليها المنية وثباً ، فتدك آماله التي بناها قصوراً وصروحاً ، على أمل بحياة مديدة ، فتأتي المنية على هذا البنيان فتدكه ، وهنا لفتة ذكية أخرى حين قال ( رعت الرياح غمائماً وربابا ) فأولاً هو أضاف تشبيهاً داخل التشبيه ، فالتشبيه الأول الأعم هو للآمال بالبنيان والقصور ، والتشبيه الداخلي هو تشبيه الرياح بالراعي الذي يرعى غنمه ، وشبه الغمام والرباب وهي السحب الهاطلة بالأغنام التي يرعاها الراعي ، ( فخذ صورة السحابة البيضاء وصورة الشاة البيضاء واتمتع بالمقارنة :) ) ، وبعد ذلك كله ، ثمة لطيفة إلى أن آماله شاهقة شاهقة ، وبعيدة المنتهى صاعدة في السماء ، حتى بلغت مستويات السحب والغمام فهي ترعى حولها ( كناطحات السحاب حين يعبر بينها السحاب !! ) .


فَتَخِرُّ صَاعِقَةً
كَطَوْدٍ كَافِرٍ
فتحَتْ جَهَنُّمُ
تَحْتَهُ أَبْوابا!

وعندما تأتي المنية فتنقض على بنيانه العالي من الآمال والطموحات ، تهوي كل تلك الأماني والصروح من ذلك العلو ، وإلى مصير أشد عنفاً ودماراً وعذاباً ، إلى جهنم التي تفتح أبوابها لالتهام هذا الصرح الكافر ، وهي بئس المصير ! وإن في هذا البيت ازدحام آخر عجيب للصور والإيحاءات الجلية ، بالإضافة لأن المعنى منسجم جداً من حيث أن العذاب والهدم وجهنم تناسب سياق السقوط إلى أسفل باستخدام ألفاظ مثل ( تحت ، تهوي ) .


فإذا العجاجُ يلوكُ
مَا شيّدتُهُ..
وَ يمُجُّهُ
في ناظريَّ سِبابا!

ويستمر منظر التدمير الهائل الذي حاق بتلك المباني ، فأثار زوبعة هائلة من الغبار والعجاج ، وشبه العجاج بالذي يلوك بناءه ويسخر به ويتشفى فيه ، ثم يمج ذلك في وجهه سباباً ومقتاً وازدراء !!
كل هذا يأخذني بمشهد خالد من مشاهد التأريخ ونحن نرى طوداً كافراً في نيويورك ، فتحت جهنم تحته أبواباً ، ولاك العجاج المتراكم ما كان مشيداً من الظلم والجبروت والطغيان ! أأراد الشاعر أن يلقي بظلالٍ من سبتمبر عبر هذه الصورة ، ألا إنه عجب أيها القلب .
.

لااا!
بلْ أهُبُّ! وإنْ هَلكْتُ!
فإنَّما
معنى الترائبِ أنْ تَعودَ تُرابا!

وهنا ينهي الشاعر استرسال تصويره لانقضاض الموت على الجبان ، ويلغيه كله بأنه سيختار الطريق الآخر ( لا بل أهب وإن هلكت ) ، ثم يضع حقيقة خالدة بلغته الفريدة واقتناصه الذكي المبهر لمعنى الترائب ، إذ سميت ترائب لأنها تعود إلى التراب ، ومثل هذا موهبة في الشعر والتقاط شاعري فنّان يستعصي على كثير من المتشاعرين ، ويضيف لهذا الشاعر أمارة تفرد وندرة كما هو .


إلى هنا أقف ، وأترك للقارئ أن يقرأ هذه القصيدة ، وإني أعلم في نفسي وبعد تأملي لها أن في كل بيت عالم مفعم بالمعاني والظلال والإيحاء ، ولقد أجبرتُ نفسي ألا أسترسل فيما كتبت ، وإلا فوالله ما زال في النفس من وحي القصيدة الكثير ليقال ويكتب ، لكنه خوف الإملال ، وخشية والإطالة ، ثم ضيق الوقت وقلة الجلد .
والسلام عليكم .

عدرس
13-11-2006, 01:58 PM
الحبيب ، كنت قد تشرفت بقراءتها ذات ذات لصاحبها الأديب المميز والشاعر الجميل القلب الكبير وها أنا اليوم أتشرف بقراءتها من جديد ولكنها بنكهة المعرفة التي ألقتها أناملُ المنعي في المكان :)

إن كنتُ سأقول شيئاً فهو حفظ الله لنا كل هذا الجمال :) من شر حاسد إذا حسد :)

محبتي / أخوك :)

أزهر
13-11-2006, 04:11 PM
مالِ الجَمالِ مشيُه وئيدُ ؟!

عجّلوا لنا بمثلِ هذه الروعة أيها الأحبّة .

الكبير .. القلب الكبير : ليتك تقرأ الآن ما نكتب .

الأخ أحمد المنعي : أكثر من صيّاد ..

استمر : بارك الله بك :) .

أخوكم : عبدالله .

القلب الكبير
14-11-2006, 10:39 AM
أيها الأحبة ..
السلام عليكم و رحمة الله ..
شكرا DEMON ..
شكراً عدرس ..
شكراً جرير الكبير ..
همسة في آذان الخير أعلاه:- كلماتكم فعلت بي الفعائل! ما أجمل أن يذكر أخ أخاه في غياب :)
.
.
و شكراً "جامبو" لأحمد المنعي الذي "تلبسني" كثيرا هنا أو هناك .. :sd:
يثلج صدري أن يتناول من في قامة أحمد قصيدة لي ، و هو الذي أعرفه كثيراً ذواقة لايجوز منه ما قد يجوز على كثيرين ، و لا يمرق على لطيف فهمه إلا شيء هو في "بغاث الشعر" ، عتّمه و رمّده و دقّه و أحرقه صاحبه ليذروَه من بعد في عيون كثير من متلقي هذا الأدب ، فيمضيه إلى هيهات "تلعب علينا" :p
شكراً مرة أخرى..
لا أود أن أطيل على رغم ما يختلج في صدري المشاعر لكنني إن شاء الله قريب هنا ، لأن لي منفعة في كل كلمة تسطرونها فلا تحرمونيها أيها الأحبة..
عاطر الوداد ..
القلب؛

أندريه جورجي
14-11-2006, 10:52 AM
البداية رائعة ،،
و الخاتمة أروع ،،
و لكن ألا تلاحظ أنك أطلتها قليلاً في المنتصف ؟؟!!

و لي عودة بإذن الله ،،

جريرالصغير
14-11-2006, 11:16 PM
لا بأس دمعا باردا وشرابا

طالت بي الرحلة


طالت بي هنا ولم أرتو يا أحمد

يا أحمد المنعي

فقت من غور النص وفيافيه إلى نورك الوضاء بهذه الدراسة إلى نصف الطريق

ثم وجدت نفسي أحوقل

ضعت يا سيدي في هذا العمق الوصفي للصور الغريبة التي جاءت من القلب الكبير

كخبر جديد ونبأ غريب

كبيرة هذه الخريدة على فهمي

من أول قراءة لي يا أحمد إلى هذه اللحظة

وجدتني خائرا متعلقا بتلابيب إضاءات في ثنايا دربك النقدي

لا بأس دمعا باردا وشرابا يا أحمد

حين أضأت لي بوحها في سكنات

وسكونها في ثورات

أجدني هذه اللحظة عائما هائما لا ألوي على شيء

فاعذراني يا خليلي إذا رأيتماني بليد الفهم بطيئه هذا المساء

أجد نصا في غاية القوة والجمال

لكني والله مستغلق علي بها

لم أع الفكرة العامة للنص

إلا أن تكون حديثا يبوح به الخاطر عن الأمل بشكل عام

فلا بأس بضياعي في الحديقة الغناء هذه

وجدت بعد قراءات حبست مسائي كله مفتاحا للنص هنا :

ربّاهْ؛ قلْ للشمسِ أيْنَ سناؤها؟
...............فالدربُ يغلي ظلمةً و ضَبابا!
بَرَيا رؤوسَ السمْرِ في أَحْراشِها
...............حتى اسْتَطالَتْ أَسْيفاً و حِرابا!
لمْ يَسْقِها مَطرٌ! فَكانَ رِواؤها
...............مِنْ دَفْقِ أَشْداقِ الضِباعِ لُعابا!
المُلْقِحاتِ الشوكَ طولَ عِوائهاا!
............... البَارِقاتِ مَخالباً و نيابا!


غير أني لم أجرؤ على كسر الباب حين لم أجد هذا المدخل يسعفني بما يروي

وأعلم أن القلب الكبير هكذا يريد لي ولمثلي من بسطاء الحرف حيرة ووقوفا طويلا

حرت في أمري والله يا خليلي

حتى دراستك الجميلة التي لم يفتني منها سطر ، لم تعرج على المعنى العام لها

وأنا معك في صورها الجميلة الأخاذة

فكل بيت أو مقطع هو كهدية لغوية ثرة وصورة أنيقة خالبة

لكني سأستكين وآوي إلى الركن الهادىء البعيد

لعل أحدا ينيلني ما لم تنله يدي

فهل القصيدة لها ما وراءها

أثق أن هذا حال فكرتها

لقد رأيت روعة أجزاء من الصورة في مثل :
و َأفاضَ دمْعي مُحْرِماً مُتْضرعاً
...............حتّى ارْتقى وَ تعلَّق الأهدابا!
فإن ( تعلق بـ ) حسية وجاءت هنا إجادة

كما قال ذو ليلى

تعلقت ليلى وهي ذات ذؤابة
............... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
............... صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا
إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم

وبكل حال سأبقى في الناحية اللغوية حتى أجد من يسعفني في القابل من القراءات

بخطىً! كأنَّ الريحَ في أَعْقَابِها
...............حَثتْ الرمادَ و تَمْتَمتْ :"لا آبَ"!
ولعل ألف الروي سقطت طباعيا هنا

كما أن :

و بيوتُ أهلي دونَ تلًّ أخضرٍ
...............شَرِبَ الصباحُ بصفوها أكْوابا!
حيرتني

فلعل لها معنى غير ما أنا فهمت ، فكلمة ( الأكواب ) ما كان فارغ من السائل وإلا فهي كؤووس

ولم أعلم وجه النصب للكاعبات في :

واا شقوتااهُ!أَمُنْتهى ما جِئْتُهُ
...............هذي الرمالُ الكاعباتِ هضابا

ولست مع فصل اللام عن مجروره في :

مالِ النُّجومِ عَلى الجُذوعِ كَأَنَّما
...............عِلِقَتْ فَهُنَّ مَدى الزَّمَانِ نشَابى!؟
مالِ الجُذوع تَيَبَّسَتْ أَفْواهُهُا
............... الصّارخاتُ وَ قَدْ هَلَكنَ سِغابا؟!

وأتساءل : هل يجوز عدم تنوين ( تواق ) في :

صَحراءُ مَرعى الجوعِ عبْدُكِ خافقي!
توَّاقُ!لو ناديْتِهِ لأجابا!

وليتني أحظى من القلب الكبير أن يسعفني بشرح البيت السابق فقد دهمني غبائي كعادته

كما أتساءل عن سبب نصب ( منسابا ) وأراها خبرا للماء في :
تَذروهُ في الوِدْيانِ و هْيَ رويُّةٌ
...............و الماُْءُ من أعْطَافِها مُنساباً!

وهنا وقفت :
فَيُفيقُ منْ موتٍ لموتٍ آخَرٍ
...............صَدِقٍ وَ لَيْسَ كَبَرْقِها كَذّابا!
فهل ( صَدِق ٍ ) اسم فاعل أم صيغة مبالغة ؟ أم ماذا ؟

فإني جهلت اللفظة بهذا النطق ( أعني فتح الصاد وكسر الدال )

ورأيت أن ( للأماني ) بفتح اللام فإن لام الاستغاثة مفتوح كما حكى المبرد في أماليه

وما زلت أحفظ النسخة من هذا النص الكبير على مكتبي

لعلي أعيد قراءة فأعيد فهما

حقا أيها القلب الكبير

أسعدني مروري بهذه الباذخة

وأسعدني حرفك الناقد البهي يا أحمد

وأظن أن أموت وفي نفسي شيء من (تراتيل المسافر )

فقد رضيت من الغنيمة بالركن الهادئ البعيد

عل نورا يزيل عشاي هذا المساء

كرم الله وجهيكما

سلطان السبهان
16-11-2006, 02:05 AM
الفاضل المنعي
رائعة هذه القراءة وبديعة .
أنت تملك مقومات القلم الناقد البصير المتفلسف الذكي ، وإن كان النص مفتوحاً لا أول له ولا آخر ، ولا موضوع محدد غير رحلة شائكة حزينة .

النص باذخ الحسن قوي الحضور ولا غرو فكاتبه القلب الكبير ، ويستحق أكثر من قراءة.
أحمد المنعي
رائع بكل حالاتك يا صديقي .

ضباب
16-11-2006, 05:12 PM
القلب الكبير ..
جميل ٌ قصيدتك أرى أمامي و أنا أقرأها أطيافا و خيالات
تعبير قوي يدل على ذكاء الشاعر في مطلع القصيدة خاصة ً حين تقول لا بأس

وفقك الله ..


أحمد المنعي ..

تحليل غايـة في الدقـة و التمحيص
كأنك تستخرج اللؤلؤ من محاره

وفقك الله ..

أحمد المنعي
27-11-2006, 11:13 AM
طيب ،،

بعد الشكر لكم على هذا الوعي ..

أعقب على رد جرير وسلطان ..

النص عبارة عن متحف ممتع تدخله فتبهرك لوحاته ورسوماته ، وما فعلته هنا هو الوقوف أمام كل لوحة والتعليق عليها ، ولم أعرّج على فكرة القصيدة العامة أو أبعادها أو خفاياها ، وهذه أقر بها لك يا جرير حين لم تقع في ما كتبتُ على الفكرة العامة للنص ..

ومع هذا ..

أظن أن أضعف الإيمان في فهم الفكرة العامة ، أو لنقل الفكرة اللحظية من النص هي مشهد لمسافر يقف أمام غابة موحشة وفي نفسه عراك المتردد ، ثم يلج الغابة ويعبرها ، ويفاجأ بعد عبوره بما لم يتوقع ..
ثم ، وفي أقصى نهاية النص ، تفتح القصيدة بعداً موغلاً ، ونافذة مبهرة جديدة ، تعطي النص كله اتجاه مختلفاً .. وهو آخر بيت وأقوى بيت ، وهو ما يمثل خيط العبور ـ برأيي ـ إلى ما وراء النص والمشهد هذا من فكرة ومعنى :


يَا لِلأمَاني!
أَرْمَدَتْني وَاقِفاً..
وَ دُخُانُها .. عُمْرِي
صِباً وَ شَبَابا!


فهو بعد هذا كله واقف ، وكل هذا أمانٍ .. وهكذا فهمت النص .

ومن زاوية أخرى ،
فكرة التردد دون اقتحام أمر ما ، وأمنية بلوغ ما هو مستعصٍ نواله ، ثم بذل الجهد والإقدام على المغامرة ، ثم ظهور المحصلة ، هذا العرض الذي مثله الشاعر هنا بعبور غابة ، هو مشهد في حياتنا يتكرر ، وفي حكايا الحب والفراق ، وأقاصيص الشوق والهوى ، بل حتى في أخبار الحرب والهيجاء ( قطري بن الفجاءة مثلاً ) كل هذه الأبواب يعاد فيها السيناريو ذاته ، والأحداث ذاتها ..

هذا ما أود التعقيب عليه عاجلاً ، ولي عودة متأنية إذا شاء الله ..

القلب الكبير
27-11-2006, 12:27 PM
البداية رائعة ،،
و الخاتمة أروع ،،
و لكن ألا تلاحظ أنك أطلتها قليلاً في المنتصف ؟؟!!

و لي عودة بإذن الله ،،


http://bghrtfiles.jeeran.com/hruler01.gif

أهلا ً أندريه .. شكراً لك
نعم هي طويلة في المنتصف .. و أنتظر إشراقك من جديد :)
http://bghrtfiles.jeeran.com/hruler01.gif

القلب الكبير
27-11-2006, 01:38 PM
لا بأس دمعا باردا وشرابا

طالت بي الرحلة


طالت بي هنا ولم أرتو يا أحمد

يا أحمد المنعي

فقت من غور النص وفيافيه إلى نورك الوضاء بهذه الدراسة إلى نصف الطريق

ثم وجدت نفسي أحوقل

ضعت يا سيدي في هذا العمق الوصفي للصور الغريبة التي جاءت من القلب الكبير

كخبر جديد ونبأ غريب

كبيرة هذه الخريدة على فهمي

من أول قراءة لي يا أحمد إلى هذه اللحظة

وجدتني خائرا متعلقا بتلابيب إضاءات في ثنايا دربك النقدي

لا بأس دمعا باردا وشرابا يا أحمد

حين أضأت لي بوحها في سكنات

وسكونها في ثورات

أجدني هذه اللحظة عائما هائما لا ألوي على شيء

فاعذراني يا خليلي إذا رأيتماني بليد الفهم بطيئه هذا المساء

أجد نصا في غاية القوة والجمال

لكني والله مستغلق علي بها

لم أع الفكرة العامة للنص

إلا أن تكون حديثا يبوح به الخاطر عن الأمل بشكل عام

فلا بأس بضياعي في الحديقة الغناء هذه

وجدت بعد قراءات حبست مسائي كله مفتاحا للنص هنا :

ربّاهْ؛ قلْ للشمسِ أيْنَ سناؤها؟
...............فالدربُ يغلي ظلمةً و ضَبابا!
بَرَيا رؤوسَ السمْرِ في أَحْراشِها
...............حتى اسْتَطالَتْ أَسْيفاً و حِرابا!
لمْ يَسْقِها مَطرٌ! فَكانَ رِواؤها
...............مِنْ دَفْقِ أَشْداقِ الضِباعِ لُعابا!
المُلْقِحاتِ الشوكَ طولَ عِوائهاا!
............... البَارِقاتِ مَخالباً و نيابا!


غير أني لم أجرؤ على كسر الباب حين لم أجد هذا المدخل يسعفني بما يروي

وأعلم أن القلب الكبير هكذا يريد لي ولمثلي من بسطاء الحرف حيرة ووقوفا طويلا

حرت في أمري والله يا خليلي

حتى دراستك الجميلة التي لم يفتني منها سطر ، لم تعرج على المعنى العام لها

وأنا معك في صورها الجميلة الأخاذة

فكل بيت أو مقطع هو كهدية لغوية ثرة وصورة أنيقة خالبة

لكني سأستكين وآوي إلى الركن الهادىء البعيد

لعل أحدا ينيلني ما لم تنله يدي

فهل القصيدة لها ما وراءها

أثق أن هذا حال فكرتها

لقد رأيت روعة أجزاء من الصورة في مثل :
و َأفاضَ دمْعي مُحْرِماً مُتْضرعاً
...............حتّى ارْتقى وَ تعلَّق الأهدابا!
فإن ( تعلق بـ ) حسية وجاءت هنا إجادة

كما قال ذو ليلى

تعلقت ليلى وهي ذات ذؤابة
............... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
............... صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا
إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم

وبكل حال سأبقى في الناحية اللغوية حتى أجد من يسعفني في القابل من القراءات

بخطىً! كأنَّ الريحَ في أَعْقَابِها
...............حَثتْ الرمادَ و تَمْتَمتْ :"لا آبَ"!
ولعل ألف الروي سقطت طباعيا هنا

كما أن :

و بيوتُ أهلي دونَ تلًّ أخضرٍ
...............شَرِبَ الصباحُ بصفوها أكْوابا!
حيرتني

فلعل لها معنى غير ما أنا فهمت ، فكلمة ( الأكواب ) ما كان فارغ من السائل وإلا فهي كؤووس

ولم أعلم وجه النصب للكاعبات في :

واا شقوتااهُ!أَمُنْتهى ما جِئْتُهُ
...............هذي الرمالُ الكاعباتِ هضابا

ولست مع فصل اللام عن مجروره في :

مالِ النُّجومِ عَلى الجُذوعِ كَأَنَّما
...............عِلِقَتْ فَهُنَّ مَدى الزَّمَانِ نشَابى!؟
مالِ الجُذوع تَيَبَّسَتْ أَفْواهُهُا
............... الصّارخاتُ وَ قَدْ هَلَكنَ سِغابا؟!

وأتساءل : هل يجوز عدم تنوين ( تواق ) في :

صَحراءُ مَرعى الجوعِ عبْدُكِ خافقي!
توَّاقُ!لو ناديْتِهِ لأجابا!

وليتني أحظى من القلب الكبير أن يسعفني بشرح البيت السابق فقد دهمني غبائي كعادته

كما أتساءل عن سبب نصب ( منسابا ) وأراها خبرا للماء في :
تَذروهُ في الوِدْيانِ و هْيَ رويُّةٌ
...............و الماُْءُ من أعْطَافِها مُنساباً!

وهنا وقفت :
فَيُفيقُ منْ موتٍ لموتٍ آخَرٍ
...............صَدِقٍ وَ لَيْسَ كَبَرْقِها كَذّابا!
فهل ( صَدِق ٍ ) اسم فاعل أم صيغة مبالغة ؟ أم ماذا ؟

فإني جهلت اللفظة بهذا النطق ( أعني فتح الصاد وكسر الدال )

ورأيت أن ( للأماني ) بفتح اللام فإن لام الاستغاثة مفتوح كما حكى المبرد في أماليه

وما زلت أحفظ النسخة من هذا النص الكبير على مكتبي

لعلي أعيد قراءة فأعيد فهما

حقا أيها القلب الكبير

أسعدني مروري بهذه الباذخة

وأسعدني حرفك الناقد البهي يا أحمد

وأظن أن أموت وفي نفسي شيء من (تراتيل المسافر )

فقد رضيت من الغنيمة بالركن الهادئ البعيد

عل نورا يزيل عشاي هذا المساء

كرم الله وجهيكما

http://bghrtfiles.jeeran.com/hruler01.gif

وأعلم أن القلب الكبير هكذا يريد لي ولمثلي من بسطاء الحرف حيرة ووقوفا طويلا.
أهكذا تتواضع يا جرير؟
كرم الله وجهك ، و الله إني لأخجل في حضرة مثلك حينما يتواضع وأنا متيقن أنه أعلم مني!
أنا و التراتيل فداء لك و لأدبك و خلقك الحسن.

<


- لم أع الفكرة العامة للنص
- حتى دراستك الجميلة التي لم يفتني منها سطر ، لم تعرج على المعنى العام لها.

فكرة النص العامة: لكل مسافر ما يؤمله من رحلته و الخروج ، ولا أشق من سفر طويل في طريق الآلام و العذاب ، يخرج صاحبه طالبا أمله الأبيض ، ليجد مصيبته السوداء!

<

فهل القصيدة لها ما وراءها
أثق أن هذا حال فكرتها.
و الله يا جرير إني لأستحي من كل هذا الذي تغمرني به من الثقة و التبرير لي ، فشكر الله لك و أتم عليك هذا الحسن و الجمال.
نعم! إن للقصيدة ما وراءها ، و قبل ذلك .. أظن أن القاريء لن يكون في قراءته لها إلا من موضعين ، داخل القصة ، المتلبس روح هذا المسافر و وصفه (كقراءة أحمد) ، أو خارج إطارها كمشاهد يبحث عن معنى و إجابة للفضول و الاستفهام، و حينما لا يجد القاريء نفسه في الموضع الأول (كقراءتك يا أخي) ، فله ما يتبع الآن.
حينما تحدث أحمد أن القصيدة تبدأ من بعد النهاية ، أصاب بدقة.
قفز الشاعر إلى المحصلة والخلاصة ليبدأ القصيدة من نهايتها ، وهي في ذاتها نهاية مؤلمة قاسية يائسة رغم الجهل بجميع المعطيات والأحداث. لا بأس ؛ تلقي على النفس ظلال المجاهَدة التي آلت للانهيار ، والمصابرة التي انتهت إلى النفاد ، في التعبير مرارة التجربة ، وألم العجز دون البلوغ ، وذلة الرضوخ والإذعان ثم مواساة النفس بذلك.
و أخوك المتشرف بك يشغله أمر التجديد في روح القصيدة من فترة طويلة غير مقلد على عمى ولا معجب بطريقة لأن القوم ركبوها ، و لقد روادت هذا التجديد كثيرا في نصوصي – و لا أدعي نجاحي أو قبول البعض به - ، هنا أردت النأي بالقاريء من المستمع المشاهد إلى المشاهد المستمع ، ليرى القاريء رحلة هذا المسافر كيف يخاطب السماء فتحدثه ، و تضرب له الأمثال ، و كيف يجادله دمعه ، و كيف يتحدى الموت و يستصغره ، و كيف يخرج للمتلقي صورة الغابة الموحشة ، و الريح الكائدة ، بل كيف يحدث نفسه ، يسوقها تارة و يلومها أخرى ، و كيف يتوعد الليل بالصباح ، و الجذوع بالفأس و الصريم ، ثم كيف يقف موقفه الأخير ، حينما يسخر من الصحراء! هذا أولاً.
ثانياً ، على هذه المشاهِد أن تصوغ النتيجة في ذهن القاريء ، بحرية مطلقة ، متعاطفا مع هذا المسافر الذي ركب الأهوال من أجل أمنية ، أو متحاملاً عليه غير عاذر له.
ثالثاً: ليس من دافع عند القاريء لقراءة النص إلا الاستفهام و الفضول ، و الإجابات هي كل هذه المشاهد و الصور المنثورة في النص كله من أوله إلى آخره ، و تكاتفها هو المعنى الذي أتركه للقاريء راجيا أن يصل إلى نتيجة لا تأتي إلا حسب تصوره و هوى تصوره. لذا ، فلقاريء الذي يفقد الاستفهام في قراءته يفقد النص كله.
<


وبكل حال سأبقى في الناحية اللغوية حتى أجد من يسعفني في القابل من القراءات

بخطىً! كأنَّ الريحَ في أَعْقَابِها
...............حَثتْ الرمادَ و تَمْتَمتْ :"لا آبَ"!
ولعل ألف الروي سقطت طباعيا هنا

لقد أسقطتها عامداً لأنني ظننت أن ألف الروي يجوز ألا تختم الفعل.

<

و بيوتُ أهلي دونَ تلًّ أخضرٍ
...............شَرِبَ الصباحُ بصفوها أكْوابا!
حيرتني

فلعل لها معنى غير ما أنا فهمت ، فكلمة ( الأكواب ) ما كان فارغ من السائل وإلا فهي كؤووس
الأكواب اسم جنس ..
و العرب تسمي الشيء بقريبه أو بالاسم الذي يمد إليه بسبب.
ولا غبار على استخدام الأكواب هنا إن شاء الله.
<

ولم أعلم وجه النصب للكاعبات في :

واا شقوتااهُ!أَمُنْتهى ما جِئْتُهُ
...............هذي الرمالُ الكاعباتِ هضابا
لا بل أحسنتَ يا أخي ..
هو خطأ "مصبعي" ، و أرجو تعديله. "الكاعباتُ"
<

ولست مع فصل اللام عن مجروره في :

مالِ النُّجومِ عَلى الجُذوعِ كَأَنَّما
...............عِلِقَتْ فَهُنَّ مَدى الزَّمَانِ نشَابى!؟
مالِ الجُذوع تَيَبَّسَتْ أَفْواهُهُا
............... الصّارخاتُ وَ قَدْ هَلَكنَ سِغابا؟!

أظنها تكتب بالطريقتين ، مال النجوم ، و ماللنجوم ، و أنا معك في ما ذهبت إليه.
<

وأتساءل : هل يجوز عدم تنوين ( تواق ) في :
صَحراءُ مَرعى الجوعِ عبْدُكِ خافقي!
توَّاقُ!لو ناديْتِهِ لأجابا!
نعم يجوز لضرورة الوزن.
و معنى البيت بما قبله و بما بعده:
.
هوَ فيَّ خيْمةُ
ميتٍ مَشْقوقةٍ
ثَبُتَتْ وَ قدْ
أجْزى لها الأطنابا!
أتساءل يا جرير ، هل على الشاعر أن ينثر شعره؟؟ :)
يا صحراء ، تملكين قلبي ، الذي يستجيب لك كما يستجيب العبد التائق إذا ناداه سيده!
ذليل لك قلبي ، لا يملك من أمره في الإستجابة لك ، إلا ما تملكه خيمة نصبها صاحبها و أعمل أطنابها ، ثم مات ، و خيمة كهذا ، مشقوقة ، في صحراء ، لا تشققها إلا الرياح. أنت يا صحراء أنا ، و الخيمة قلبي ، و الريح بيننا و أترك دلالات ما بعد الرموز يا أخي.
<

كما أتساءل عن سبب نصب ( منسابا ) وأراها خبرا للماء في :
تَذروهُ في الوِدْيانِ و هْيَ رويُّةٌ
...............و الماُْءُ من أعْطَافِها مُنساباً!
نصبتها للتعبير عن الحال. و أصلها و الماء منساباً من أعطافها و هكذا يمتنع كونها خبر المبتدأ الذي رأيت بالإضافة إلى تنكيرها شرط الحال.
<

وهنا وقفت :
فَيُفيقُ منْ موتٍ لموتٍ آخَرٍ
...............صَدِقٍ وَ لَيْسَ كَبَرْقِها كَذّابا!
فهل ( صَدِق ٍ ) اسم فاعل أم صيغة مبالغة ؟ أم ماذا ؟
فإني جهلت اللفظة بهذا النطق ( أعني فتح الصاد وكسر الدال )
لم أفهم يا أخي ، فمن اسم الفاعل ما حوّل إلى مبالغة الكثرة (صدّاقٌ و صدوق مصداق) أو القلة (صديقٌ و صَـدِقٌ) ، و كلا التصريفين في المبالغة.
<

ورأيت أن ( للأماني ) بفتح اللام فإن لام الاستغاثة مفتوح كما حكى المبرد في أماليه
أصلها ( يا لهذه الأماني ) ، و حذف "هذه" ليجعلها في وجه بليغ و هي أسلم وزنا.
<

وما زلت أحفظ النسخة من هذا النص الكبير على مكتبي

لعلي أعيد قراءة فأعيد فهما

حقا أيها القلب الكبير

أسعدني مروري بهذه الباذخة

وأسعدني حرفك الناقد البهي يا أحمد
أنا سعيد بك يا جرير ، و أهلا و مرحبا بك دائماً..
عاطر المودة.
أخوك الصغير
http://bghrtfiles.jeeran.com/hruler01.gif

القلب الكبير
27-11-2006, 01:54 PM
الفاضل المنعي
رائعة هذه القراءة وبديعة .
أنت تملك مقومات القلم الناقد البصير المتفلسف الذكي ، وإن كان النص مفتوحاً لا أول له ولا آخر ، ولا موضوع محدد غير رحلة شائكة حزينة .

النص باذخ الحسن قوي الحضور ولا غرو فكاتبه القلب الكبير ، ويستحق أكثر من قراءة.
أحمد المنعي
رائع بكل حالاتك يا صديقي .


http://bghrtfiles.jeeran.com/hruler01.gif
أهلا يا سلطان ، و أتمنى رؤيتك في صالون مي زيادة الأدبي الجديد بحضور المنعي أبو طربوش :p

وإن كان النص مفتوحاً لا أول له ولا آخر ، ولا موضوع محدد
عفواً سلطان ، سؤالي: أين و كيف استنتجت أن النص مفتوح لا أول له و لا آخر؟ ولا موضوع له أيضاً؟ :)
عاطر المحبة.
http://bghrtfiles.jeeran.com/hruler01.gif

القلب الكبير
03-12-2006, 12:43 PM
القلب الكبير ..
جميل ٌ قصيدتك أرى أمامي و أنا أقرأها أطيافا و خيالات
تعبير قوي يدل على ذكاء الشاعر في مطلع القصيدة خاصة ً حين تقول لا بأس

وفقك الله ..
.
http://bghrtfiles.jeeran.com/hruler01.gif
شكراً للقراءة يا ضباب :)
و أرجو أن تحوز رضاك ، و أهلا و مرحبا بك دائماً
http://bghrtfiles.jeeran.com/hruler01.gif

جريرالصغير
03-12-2006, 08:40 PM
حيا الله وبيا وجهك الطاهر يا أيها القلب الكبير

وعيت ما تقول جعلت فداءك

شاعر يرقص الحرف في يراعه زاهيا أيها الكبير

كنت أعلم أنها بك في المحل الأسنى

شكرك الله على توضيحك شكر الطيبين الطاهرين

القلب الكبير
05-12-2006, 08:07 PM
طيب ،،

بعد الشكر لكم على هذا الوعي ..

أعقب على رد جرير وسلطان ..

النص عبارة عن متحف ممتع تدخله فتبهرك لوحاته ورسوماته ، وما فعلته هنا هو الوقوف أمام كل لوحة والتعليق عليها ، ولم أعرّج على فكرة القصيدة العامة أو أبعادها أو خفاياها ، وهذه أقر بها لك يا جرير حين لم تقع في ما كتبتُ على الفكرة العامة للنص ..

ومع هذا ..

أظن أن أضعف الإيمان في فهم الفكرة العامة ، أو لنقل الفكرة اللحظية من النص هي مشهد لمسافر يقف أمام غابة موحشة وفي نفسه عراك المتردد ، ثم يلج الغابة ويعبرها ، ويفاجأ بعد عبوره بما لم يتوقع ..
ثم ، وفي أقصى نهاية النص ، تفتح القصيدة بعداً موغلاً ، ونافذة مبهرة جديدة ، تعطي النص كله اتجاه مختلفاً .. وهو آخر بيت وأقوى بيت ، وهو ما يمثل خيط العبور ـ برأيي ـ إلى ما وراء النص والمشهد هذا من فكرة ومعنى :


يَا لِلأمَاني!
أَرْمَدَتْني وَاقِفاً..
وَ دُخُانُها .. عُمْرِي
صِباً وَ شَبَابا!


فهو بعد هذا كله واقف ، وكل هذا أمانٍ .. وهكذا فهمت النص .

ومن زاوية أخرى ،
فكرة التردد دون اقتحام أمر ما ، وأمنية بلوغ ما هو مستعصٍ نواله ، ثم بذل الجهد والإقدام على المغامرة ، ثم ظهور المحصلة ، هذا العرض الذي مثله الشاعر هنا بعبور غابة ، هو مشهد في حياتنا يتكرر ، وفي حكايا الحب والفراق ، وأقاصيص الشوق والهوى ، بل حتى في أخبار الحرب والهيجاء ( قطري بن الفجاءة مثلاً ) كل هذه الأبواب يعاد فيها السيناريو ذاته ، والأحداث ذاتها ..

هذا ما أود التعقيب عليه عاجلاً ، ولي عودة متأنية إذا شاء الله ..

شكرا يا أحمد ..
أعود لك إن شاء الله.

الغيم الأحمر
19-12-2006, 10:14 AM
قراءة في تراتيل المسافر..
أعجبتني النزعة القصصية في هذه القصيدة ، وهو فن مجدّد عن أصل يضرب بجذره إلى تحت ناقة إمريء القيس ، والذين جربوه كثر ، لكن الذين نجحوا فيه قلة قليلة ..!!
سأتناول بعض القصيدة من خلالها لما حمله النص سردا من عناصر الزمان والمكان والحوار والرمز وتعددية الدلالات ، أقدم هذا جانبا موازيا إلى الجانب النقدي الشعري الأول الذي تناوله الإخوة أمامي .
في هذه الرحلة القصصية الشعرية ، أخرج الشاعر رحلة – تتكرر كثيرا كما قال الأستاذ أحمد – كلها من أولها إلى آخرها في حياتنا ،والجمال في سلاسة مواقفها ولوحاتها المتنقلة ، معانيها العميقة ، حوارها البدعي ،وجاءت مراحل متتابعة يتنقل فيها الشاعر وهو المسافر عينه من لوحة إلى أخرى بسلاسة دون أن يمل القاريء أدهشتني تحريك اللوحة والقاريء والمعنى ، تحريك المتابع من موضع إلى موضع ،وهذا لاريب ذكاء من الشاعر ولطيف فهم لعناصر القصة الجاذبة ،ومزجها في القصيدة الحديثة .
أما العنوان فهو مصيدة من جماله ، وهو الفصل الأول في الحكاية ، الذي يقدم أبطال القصة أو شخوصها ، إنه المسافر !! وحينما تستفتح القراءة ، تجد المسافر :
سائر في الليل والدرب طويل .. مستفيض كأنين المحتضر ... !!
هما سفران إذن ، فهو مسافر أصلا ،والقصيدة إنما تحكي جزئية بسيطة من السفر الكبير ، سفر يصل سفرا أعظم منه ، ثم: مالهذي الأنجم الغور الذبول راقصات في رموشي لا تقر ..؟
يقول : لماذا النجوم البعيدة الغائرة الذابلة ترقص في رموشي ولا تسكن ..!!
وقال (هذي) ، واستخدام (تلك) في الإشارة إلى النجوم البعيدة هو الأسلم بدلا من هذي الأنجم ..؟؟ لكن (رموشي) بدلت فهمي !! منذ متى والنجوم الغائرة الذابلة السحيقة على أهداب عين ..!! إنها الدموع .!! فما أحسن اغروراق عيني هذا المسافر ..!!
يقول : إن المسافر يبكي .!! وعلى لسان المسافر لم يقل إن دموعي مثل النجوم ، بل: إن النجوم مثل دموعي ..!! فتحسس ما بين الصورتين ، و تذوق جمالا لم ينتهي .. بل أضاف الألوان/الصوت/الحركة: راقصات ..... كالعصافير على سعف نخيل ..!!
ذروتها هنا ،وانتهت بتحديد الزمان:ليلاوالمكان:أمام غابة والشخوص:هو ،وإن كان يستولد أحيانا كائنات الطبيعة ويجسدها إلى شخوص كما سيظهر .
و كان قد سمّرنا من قبل خلف هذا المسافر حينما أتبع العنوان بقوله على ناصية غابة إلخ –و قد تمنيت أن لو جعل مقدمته شعرا أيضا –وعلى أية حالة فقد نجح في أن يدس في ذهن القاريء على بغتة النص/الزمان/المكان كما سلف ،والاستفتاح بصورة هذا المسافر الواقف قبل أن يلج ، من تأمله وتريثه اللذين يقودانه إلى تقديم رجل وتأخير أختها .. حتى يصل حوار الشفق والدموع الذي جاء به الشاعر بدعة مصقولة رائعة ، تعلن بجلاء عن ملكة كاملة وموهبة حقيقية شعرية حكمته وحكايته ..!! والصورة هنا أفقية .
و حينما قال :
ماللنجوم على الجذوع كأنما علقت، تتعاود سمة التحريك هذه ، مشاركة القاريء فالآن يمر تحت الجذوع تماما ، حتى ليشعر/ليرى هذه الجذوع الطويلة جدا خارقة للسماء حتى علقت عليهن النجوم ، وهذا ابتداع أيما ابتداع ..!! هذه الصورة الرأسية . وسمة التحريك خصبة في سائر القصيدة لمن تتبعها .
ثم مشاركة الذات والطبيعة في حوار تأملي رائق جداوبالغ العمق ، صحراء يا صحراء ما عدل الألى ، وأفاض دمعي : رباه ، نفسي ومن ألقى علي جسارة ، إيه صروح الموت .. إلخ ..
والتجديد هنا لم يكن في استحداث الحوار(استيراد السياب، استعارات درويش، مناجاة الشابي) ، لكن في مباشرته وأسلوبه ، صوره ومعانيه ، ثم ربطه بما يريد الشاعر ، بذكاء لطيف جدا ، بل تحميل اللفظة فوق معناها إلى ما بعد إطارها كما يفعل أبو تمام:
صحراء يا صحراء ما عدل الألى أسموا ثراك القاحط المجدابا ..!!
أثمرت حتى الصخر في أعذاقه ظميء ..!!وأمرجت القفار يبابا ..!!
لم أقطع وقوفي أمام هذه البيانية التي مدت معنيي الإثمار والإمراج إلى خارج حدود المعنى المجرد المعروف..!!
ثم الحكمة ، في خلقها كمعنى الترائب أن تعود ترابا ، أو في قبولها حكمة وردها كما في حوار الشفق والدموع: كالشمس كن وتمضي ونزف جراحها شفق ولكن ما تكل غيابا ، لكن أين سناؤها حينما تشابكت النجوم ..؟؟ بل في توظيفها حسب المتطلب ، غاية الشاعر ، فقوله السماء لوح الزمان حكمة ، لكنه ليبهرك حينما تلّها من الجبين إلى أنها إنما تكون لوحا لكل يائس ..! هكذا توظيفا ماهرا جميلا .
ثم الصورة المصقولة ،والاقتناص المعنوي ، في الصورة القوية ، التي تجسد المعاني في أتم ما يكون ،ومن ذلك حيث عبّر عن نزول الدمع ، بسفكه في حجه ..!!
و الشاعر في كل هذه الصور يمهد لها تمهيدا موفقا وماكرا ، يشد القاريء كل مرة ولينتهي كل مقطع شعري إلى ذروة جديدة يستمتع بها حقا ، عبر لغة جيدة تنتقي وتهذب ، والتهذيب والانتقائية يظهران في سائر بيوت النص، و التمهيد مثلا تمهيد إفاضة الدمع متضرعا متعلقا بالأهداب حتى سفك حرمة الحج..!! وفي التردد من دخول الغابة ، حتى العزم حين إلهام حكمة الترائب وهي عظام الصدر إنما مردها التراب ..!! وتجسيده ذاته إلى ظل غيمة ترقب هطلها النازل ، لكن تسطو عليه الرياح ،وتنال ماءها الأودية المروية ،ولاحظ كيف الشاعر سبك كل هذه المشاهد في قالب شعري موجز ، لا مكان فيه للتكلف كما تعودنا أن نرى أحاين كثيرة عند كبار من شعرائها (انظر أحمد شوقي مثلا في سليمان والطاووس) .
ثم المبالغة والتهويل في الوصف ، فالأماني بلغت من سموها أن الرياح ترعى الغمائم والرباب تحت ظلها ، ثم انظر كيف تهوي كالجبال إذا فتحت أبواب الجحيم من تحتها ..!! وسمة التحريك هنا واضحة من جديد، كيف تنهد هدا وتصعق ..!! والصحراء التي تلوك الدهر ..!! وقوله : بخطى كأن الريح في أعقابها حثت الرماد وتمتمت لا آبا ، أو الغابة الموحشة السوداء ، التي حتى الردى وقف خائفا على بابها ، فأي تهويل بعد هذا ...!!
ثم اللغة ، فالنص قدم شاعرا يمتلك الغنى اللفظي ، مجيدا في بناء كل لفظة للمعنى ، عارفا بالمعبر الدقيق والذي لا يليق ، فخرجت القصيدة كلها مستعمرة من الصور اللغوية القوية الحادة المستحدثة: الملقحات الشوك عواءها - تذروه في الوديان – تخطفه الرياح – أمرجت القفار – أعذاق الصخر – تلوك في أشداقها الدهر– الجذوع تيبست أفواهها – صروح الموت - أينعت الصخر – حثت الرياح وتمتمت - أفاض الدمع - الطود الكافر إلخ ..
و قد لاحظت أخطاء منثورة ، وجب الإشارة إليها ، استصاغة المجوزات فيما لا يجوز غالبا أو لايتم نيابا عن أنيابا/تواقُ عن تواقٌ ، تعِِل بالكسروالفصيح تعُل ، الشرب على الظمأ البليغ ،وأخطاء نحو وضبط جهنٌّم/لبسْتُهُ/ في الذي لا يعدم الشاعر مراجعته إن أراد الإفلات من أنياب نقاد الشعير..!! :biggrin5:
ثم اللهم توليد المعنى من اللفظ ، بيداء باد الدهر – الترائب ترابا – القفار يبابا، و يعجبني من بعد ذلك كله كما أسلفت الدقة في التعبير ، فسريت لا تكون إلا ليلا وهي الرحلة –وصاعقة لا تكون إلا من علو –والغيمة تتلاشى إذا هطلت إلخ ..!
و حين قرأت فإذا تلاشت عب من رمضائه ، تذكرت عالم الرياضيات تشارلز كارل لويس كاتب القصص غير المنطقي ، الذي سقطت فتاته في جحر أرنب ..!!! :biggrin5:
فجأة المسافر أو الشاعر هو المشبّه به ، و انفصل الظل ليتجرد في شخص المسافر ، وإلا فظل الغيمة لايمكن أن ينتظر إذا تلاشت الغيمة ..!! و طروق أُخر كإجابة الدعاء لا تكون بسفك الداعي ، فأجيب دعوته وأسفك حجه ،والموت لا يمكن أن يكون جبانا ، نفسي ومن ألقى علي جسارة فسريت إذ وقف الردى هيابا ،والصحراء لا يمكن أن تكون مرعى خصبا ، صحراء مرعى الجوع ..!! أو أن ينبت الصخر كالسنابل ، الصخر في أعذاقه .. أما إذا كان القصد منها غير ذلك ولا أرجو ذلك ، فهذا غير موضعه ، وإلا انتقلنا إلى القاص الأمريكي الذي يقول: دخلت قطة ، ثم ابتسمت ، ثم خرجت و تركت ابتسامتها ..!! :biggrin5:
والخاتمة المغايرة ، خاتمة الرومانسيين ، وما أجمل مازاده في تلخيص القصيدة كلها فيها ، المعنى والموضوع في البيت الأخير ، لتخرج من هذا النص بالألم والحسرة حقا ..!! على رغم فتنة هذه القصيدة ، الحبلى بالجمال ، من الساحل إلى الساحل ، زادها في الحسن قدرة الشاعر الفائقة على إدارة الحوار ،والتحليل النفسي العميق للمؤثرين الداخلي و الخارجي، وعكس التجربة والعاطفة الصادقتين المتوهجتين على المعنى والموقف وحتى اللفظ ، ليخرج المتلقي من النص بمتعة دافئة ، وخيال راعش ..!!
و الآن ، هل كتب الشاعر القصيدة ، أم صنعها ؟
أجد الاثنتين ، فالنص غريق في العاطفة الجياشة ، وسفنهن المعاني الصادقة التي تسيل إلى القلب وتنسكب في النفس والروح ، من لاحتمال هذا الوجع :
و أنا كظل الغيم يرقب هطلها
يدنوا فتخطفه الرياح غصابا (رأسية)
تذروه في الوديان وهي روية
و الماء عن أعطافها منسابا (أفقية)
فإذا تلاشت عب من رمضائه
رمل الشماتة سافياوسرابا
فيفيق من موت لموت آخر
صدق وليس كبرقها كذابا !!
وبالمناسبة فعاطفة الحزن الشديدة هذه ، عاطفة الانطواء والعزلة ، سمة الرومانسيين الواضحة ، تظهر لك من كل مكان في القصيدة ،ولا أشك أن الشاعر متأثر بهذه المدرسة التي تهتم للمعنى وصناعته ، فاهتم لصناعة اللفظ والمعنى كما سبق ،وبالغ في مزج الفن بالفكر ،وصهر المضمون في قوالب الشكل ،وعزف الوتر المطرب ، مستخدما الصور الفنية الإيقاعية والمتناسقة ، ولم أتمالك وقوفي الطويل الثاني أيضاً هنا مثلا في هذا البيت الخالب: كالشمس كن تمضي ونزف جراحها شفق ولكن ما تكل غيابا ..!!
أما تكلف صنعة المعنى فأوضح ماتكون : هذا بصيص الصبح مد سواعدا برْصا ترنّح جيئة وذهابا ..!! نحارة ليلا صحيح قوائم ما أسعفته وقد عدى هرابا ...!!
و أخيرا أتساءل ، قبل أن أختم قراءتي ، هل يكفي هذا الجمال الوجداني الأخاذ كله لمنع نسياننا له ولقائله ؟؟..
بكلمات أخرى أتمنى ألايضيقنّ بها صدرك الكبير أخي الشاعر ، مالذي قدمه هذا النص للناس؟
مع استمتاعي بقراءة نصك مرارا الذي أجدت فيه وثقلتَ في أشق ميزان شعري وهو الجدة والابتكار، هذه دعوتي عبر نصك الجميل إلى انتشال فن الأدب وإعادة توجيهه ، من السواقي إلى المحيطات ..!!
الغيم الأحمر

حشرجة الصمت
19-12-2006, 08:19 PM
لا زالت هذه التراتيل تصيبني بالتخمة كلما نزلت بها ..
سواء " بصورها المتحركة ! " أو بهذه التفاصيل الدقيقة التي أُشبعت بها حتى إن القاريء ليجد من المتعة الشيء العظيم حين يبدأ بجمع تلك الخطوط الدقيقة منتهيا إلى المحصلة التي أراد الشاعر أن يزرعها في ذهن المتلقي .. و التي تَمكّن الشاعر من نقلها بدقة بالغة إلى الحد الذي جعله قادرا على نقل الصورة بكافة المشاعر التي تحيطها من ندمٍ و يأسٍ و غيره .
أمامها لا يجد القاريء بدا من الوقوف على كل بيت و شطر منها في محاولة لجمع شمل تلك المشاعر المفرّقة ، و التي ضنّ الشاعر بها على من لم يقترف تلك الوقفة المتأملة العميقة .. التي يُفترض بقاريء الشعر أن يتبنّاها ..
وَ إلامَ أَمْكُثُ خَائِفا وَ مَنيّتي ؛ * إنْ لَمْ أَلِجْ .. رَكضتْ إليَّ وِثابا؟!
...
لااا! بلْ أهُبُّ! وإنْ هَلكْتُ! فإنَّما * معنى الترائبِ أنْ تَعودَ تُرابا!
يا ألله ! لطالما شُغفت بهذا المقطع و لعل ذلك يعود إلى الانقلاب المفاجيء في سيناريو القصيدة فيه .. و قوة اللقطة المُقتنصة لنقطة التحوّل هنا .. فهي تأتي كصرخة شقّت هذا الزخم الهائل من التداعي / و الدموع / و الخوف / و القلق الحَذِر .
فحين يصل القاري إلى درجة يختنق فيها يأساً و ألماً يأتي هذا المقطع بوقع له دويّ كدويّ صوت ابن الفجاءة حين يقول بعد إفاقته و بعد ردعه لنفسه :
أَقولُ لَها وَقَد طارَت شَعاعاً * مِنَ الأَبطالِ وَيحَكَ لَن تُراعي
فَإِنَّكِ لَو سَأَلتِ بَقاءَ يَومٍ * عَلى الأَجَلِ الَّذي لَكِ لَم تُطاعي
إلى قوله : سَبيلُ المَوتِ غايَةُ كُلِّ حَيٍّ ..
كثيفة هي تلك المعاني التي جاء بها ذلك المقطع من قصيدة التراتيل ، و يالتلك الصورة المُرعبة التي رُسمت للمنية حين تجيء راكضة مقتنصة هذه الأنفس المرتعدة .. المستعصمة ببروج مشيّدة من الخوف و الحذر !
و لقد صدقت ..! " معنى الترائبِ أنْ تَعودَ تُرابا " إذن .. ليس للوقوف معنى سائغ حينها !
الشيء الجميل الآخر و الذي أُشير له قبلي .. قدرة الشاعر على إيصال المعنى و قوة الألفاظ و شدة وقعها في نفس المتلقي .. و هي كثيرة / و مُبهتة حقا .. منها في هذا المقطع ، و القصيدة مُتخمة بغيرها :
ركضت / وثابا ، تدك ، فتخرّ / كطود / فتحت جهنم .. أبوابا ، يلوك / يمجّه ، أهبُّ .. الخ !
ثم لا تكاد الأنفاس تجد درباً آمناً تأوي إليه بعد هذه الصور المُبهتة .. حتى تُهرَق مرة أخرى على أعتاب هذا البيت :
سَأجوزُ! لن أَلْوي عَلى نَفْسي التي * جَنَحَتْ فسالتْ في دمي أوصابا!
الشطر الأخير جـارح جدا حين نستحضر صورة النفس التي مالت و انكفأت لتسيل في تلك الأوردة فرقاً و جزعاً مخلّفة أوصابا لا تنتهي ، هذا البيت ينقل حجم الثقل المُلقى على كاهل المُسافر / الراكض خلف أمانيه .. و هو يمضي بعزم رغم ثقل هذه الأطنان التي يحملها على عاتقه ..

و تُختتم هذه القصيدة بلفتة أليمة تتقاطع فيها كل الصور السابقة !
يَا لِلأمَاني! أَرْمَدَتْني وَاقِفاً.. * وَ دُخُانُها .. عُمْرِي صِباً وَ شَبَابا!
إي و الله ..! ولكم أحرقتنا هذه الأماني ! ولكم خسرنا البيع ؟!
أي معشر الشعراء و النقاد ... يعلم ربي كم استمتعت بالتسكع في هذه القصور الفارهة .. :p
و أود التنبيه هنا على أمر مهم حتى لا يحصل لبس .. إذا وجد أحدكم أن بعض النسخ الخاصة بالرد اللي قبلي مفقودة فليعلم أنني اختطفت عند عودتي نسختين .. نسخة لأستمتع بها الآن و نسخة لأستفيد منها إذا ضاعت نسختي الأولى .. اللهم بلغت :p

موسى الأمير
22-12-2006, 10:18 PM
السلام عليكم ..

في هدأة مزاج قرأت ما خطته أنامل علي وأحمد جرير والغيم وحشرجة ..

أحمد .. أقسم لك أنك أخذتني نحوك بشدة .. كنت جميلاً بما يكفي .. أضفتَ كثيراً لنفسي ..

نص كهذا النص لا يعترف بالقشور أو الوجبات الفكرية السريعة .. فحين تتجلى مكنوناته يعظم تأثيره ..

سمعتها من شفتيك يا علي قبل نزولها بأشهر وهذا شرف لي أن سبقت غيري بما تهبني ..

أينما كنت وتكون أهديك كل ما أحمل لك وأكثر ..

وفقك الله لكل خير ومنال ،،

حتى أعود للجمال كلما دب في الفكر جمود أحمله للروائع ..

علي أسعد أسعد
22-12-2006, 10:27 PM
أخي أحمد ....

ولعينيك باصرة بصيرة ..

ولحرفك أذرع تمتد حيث الغمام ...

بارك الله بك

ملك القوافي
23-12-2006, 12:02 PM
لست أدري من أي سحرٍ تُنفثُ هذه الماروتيات




مررت لشكر الشاعر القلب الكبير على المتعه العارمه التي احتوتني وأنا أقرأ ماصاغه
ولشكرالأديب أستاذنا احمد المنعي على هذا الأسهاب في سبر غور هذه الفاتنه

ولكل من أثاروا حماستي وأنا أقرأ تناولهم لها

حفظكم الله من أدباءٍ بحق

أحمد

القلب الكبير
26-12-2006, 06:06 AM
حيا الله وبيا وجهك الطاهر يا أيها القلب الكبير
وعيت ما تقول جعلت فداءك
شاعر يرقص الحرف في يراعه زاهيا أيها الكبير
كنت أعلم أنها بك في المحل الأسنى
شكرك الله على توضيحك شكر الطيبين الطاهرين


الأستاذ الكبير ، جرير الكبير ، أسعدك الله.
سعيد أنا بك .. كهذا الصباح..
و منك نتعلم و نستمر ، و ماتكتبه فوق الأجفان و الله.
أسعدك الله ثانية و ثالثة ، و أسعدك الله.
أخوك الصغير.

جريرالصغير
26-12-2006, 04:32 PM
وماشاء الله أيها الغيم الأحمر

ما أجمل معك الجوار والحوار

فقد راقت لي قراءتك هذه ووجدتني تحت أيك من أفنان قلمك ماشاء الله

ثم رأيت اسمك لا زورة له في عرابة الشعر إلا قليلا

وهي الروض الذي يصلح له قلمك غيمًا

وأفدت منك في الحديث عن قلة المبرزين في النزعة القصصية في الشعر

وعن تعددية الدلالات

وتنقل اللوحات في القصيدة المشنوقة نقدا أعلاه على يد أحمد المنعي الكريم

وعمق مفهوم القصيدة الحديثة في قلم القلب الكبير

وقد كدت أحتج بيني وبين نفسي على احتجاجك على ( هذي )

حتى فجأتنا بتفسيرها بالاغريراق

فانقلب الاحتجاج إعجابا

وإن كنت ولا أخفيك كأصم جنب خطيب

فلم أر هذا البيت الذي حكيت عنه وإخاله من مكان آخر

لكن أهم ما وصلت إليه وسعدت أنا به

هو قولك بالرأسية والعرضية

يمر تحت الجذوع تماما ، حتى ليشعر/ليرى هذه الجذوع الطويلة جدا خارقة للسماء حتى علقت عليهن النجوم ، وهذا ابتداع أيما ابتداع ..!! هذه الصورة الرأسية . وسمة التحريك خصبة في سائر القصيدة لمن تتبعها .

بوركت غير أني لست معك في إضافة الياء سهوا في السطر الخامس بعد الستين

ومتشوقون لنرى ما يقول شاعرنا جوابا عن سؤالك الأخير

دام الجميع بخير حال

القلب الكبير
07-01-2007, 04:23 PM
ومتشوقون لنرى ما يقول شاعرنا جوابا عن سؤالك الأخير

دام الجميع بخير حال


في الحقيقة .. لا أملك وقت الإجابة الآن!
هذا الموضوع أنشأه أخي الكريم أحمد المنعي ، ثم تلاشى و تورطت! :p
لكن سآتي بالإجابة إن شاء الله.. و مبارك عيدك يا جرير المودة.
أخوك الصغير.