PDA

View Full Version : في انتظار الغياب



مهزوم
18-11-2006, 04:14 PM
ثمة اضطرابات تتخطفه في الآونة الأخيرة, وتتهافت عليه كلحظات اليأس, ولا يكن تجاهها سوى ملامحا من الإخلاص, تماما كما الموت الذي أخلص له, وفي كل زيارة يأخذ معه بعضه, حتى إذا حان موعده, يجد ان بعضه في هذه المرة هو كله .
مع أن الوقت الذي قضاه معه كثير بما يكفي ليقتنع بضرورة الرحيل, إلا إنه مازال يطلب المزيد معه. ما يحيره دائما أنه كلما ألمت به ضائقة أو تعرض لمشكلة يتجسد أمامه وجهها وعينيها الدافئتين, وكلما خطا خطوة للأمام, أو مد يديه ليتلمس وجهها الذي حزنت يديه على فراق ملمسه, يجده يمسك بالفراغ. حين تأتيه رائحة الفقد أو الغياب, لا يذكر سوى وجهها ورحيق كلماتها له "اصبر يابني ولك الجنة", وحدها كانت في صفه, يلجأ إليها باكيا, ولا يخرج من عندها إلا وقد استعد لمواجهة كافة ما تلقي به الحياة في وجهه .
تزاحمت صورها أمام عينيه وأفقدته رؤية الطريق أمامه, وكأن ما ينقصه في هذه اللحظة هو ازدحام على ازدحام.
فلسفة الفقد والغياب هذه معقدة لأقصى درجة, فعند اقتراب رحيل أحدهم نجدنا نتذكر مواقفا وأحداثا له كنا حريصين - أشد الحرص - على اخفائها, وبعد رحيله قد نبكي على فرقاه حتى وإن كانت أحداثا أليمة, إننا بذلك نبكي أهميتنا التي رحلت معه, بوجوده كانت لذكرياتنا اهمية, أما برحيله فلا جدوي منها حين فقدت دورها, إنها أنانيتنا نحن البشر, وكأن كل رحيل يتبعه بكاء علينا نحن وليس على الراحلين .
- أخشى أن أبكيني مرة ثانية !
نطقها وكأن هناك من يحدثه, ثم تزاحمت خواطره وأخذت تتدافع في عقله لتحظى بوقت للتفكير او التمعن فيها, ولكن الموت كان الخاطرة الوحيدة التي تراوده, احس انها - خواطره - تبطئ من تقدمه فدفعها كلها جانبا ليركز في الطريق امامه عله يصل أسرع .
ضغطت قدمه أكثر لتزيد من سرعة السيارة, ليصل قبل فوات الاوان, فإخوته ليسوا بحاجة لسبب يتشدقون به بمدى عقوقه, وهو لا يريد لهم سببا مقنعا يقنع من مازالوا في صفه بالتخلي عنه .
وصل إلى المنزل, وهو يبتهل إلى الله ألا يكون وصوله متأخرا, كانت طرقاته سريعة تسابق الموت مبتهلة إليه أن ينتظر قليلا, حتى إنه لم يفطن إلى شدتها التي اوشكت أن تحطم الباب
- مهلا, ستحطم الباب
لم يوقف اندفاع يديه إلا صوت أخته منزعجة من الطرق, تجاوزها إلى الغرفة مباشرة, كان الباب مفتوحا مهيأ لاستقبال إي وافد ظاهر او حتى خفي, وما أن دلف داخلها حتي اصطدم بوجوههم, لم يضيع وقته في تفحصها أو في الحديث إليهم, فهو يعرفهم بما يكفي ليشعر الكلام بأنه أدى دوره منذ زمن, ألقى نظرة على السرير, نفس الجسد لم يتغير سوى أنه ما عاد قادرا على صفعه بسبب أو بدون سبب, اقترب من السرير ببطء, تغير الوجه إلى آخر لا يعرفه, وضحت عروق دمه وكأنها تريد الهرب لوجه آخر يكفل لها البقاء, حتى وجنتيه غزاهما الذبول, ليشي بأن موعد سقوط الجذر قد حان, مفسحا الأرض لجذر فتي, لم يكن يعلم أنه سياتي يوم ويراه بهذا الموت والضعف, الموت يظهر ضعفنا في أشد صوره, ضعف المحتضر الذي لا يقوى على رد الموت عنه, وضعف من حوله الذين لا يتمكنون من صد فراق او حزن أعقب الموت, إنه أكبر محطم لأسطورة الوجود وما يترتب عليها من محاولة فرض وجودنا, وما ينجم عنها من قتل وهتك وسرقة لموجودات نصيبها من الحياة كنصيبنا, ولكن الفارق ان فرصتنا دُعمت ببعض الشر .
لم يرغب في إطالة النظر إلى وجهه أو الاقتراب اكثر, ليس كارها له ولكنه لن يتحمل رؤيته بهذا الكم من الضعف وانعدام الحيلة, لم يقوى على رؤيته فريسة بين يدي الموت, وهو عاجز عن مد يد المساعدة له .
تراجع إلى ركن الغرفة ليجلس على نفس الكرسي, كلما دخل هذه الغرفة وجد قدماه تقوداه إلى ذات الكرسي, وكأنه يهرب من الجميع, يخشى الاقتراب منهم فيسمع أفكارهم تجاهه, كلما جمعهم لقاء لا يسمع خلاله سوى كره تخفيه له صدورهم .
أخذ يتفحص وجوه إخوته, يحملون كلهم نفس العين, قانون الوراثة صبغ حدقاتهم بلون أخضر, أقنعه منذ صغره أنه لون الموتى, برغم أن الأخضر يحمل أسمى الوان الحياة وأشدها, إلا انه يؤمن بان حدقاتهم الخضراء تشعره بالموت, كالاسماك لا تحمل حياة حتى في عنفوان حياتها, كان كلما نظر إليهم يشعر وكأنه يسقط في فراغ سحيق, خواء لا يستشف منه أي عاطفة مطلقا, ولم ينج من هذا اللون الميت سواه هو واخته, لكم يدين لأمه بسواد حدقاتهما .
كان بصره يتجول بينهم حثيث الخطى وكأنه يبحث عن مفقود, كان يشب ببصره, ليتجاوز ذلك الجدار ويسمع ما تضمره قلوبهم, ولكنه في كل مرة تشتته دموع اخته الصامتة وهي تحتضن أخيهما الأصغر, تبكي بصمت دون صوت, كأنها تخشى ازعاج الموت, تحتضن أخيها لتشعره أن الموت لن يأخذ الجميع دفعة واحدة, سيبقي له البعض, لا يعلم أكانت تخفف عنه, أم كانت تضمه خشية أن يخطفه الموت هو الآخر؟, كأنها تتقوى بوجوده جوارها, لم تكن تفعل شيء سوى ان تضمه وهي تحدق في الأرض, لا ترفع بصرها لأي اتجاه او حتى تنظر إلى جسد أبيها
مازلت بهدوئك المعهود ياغاليتي
وكأنك لا تجدي كلاما أو فعلا يخرج ألمك, الموت أحن بكِ حين يخطفك, ولا أقسى منه حين يخطف بعضكِ, ليت الذاكرة تسعفنا بعد الموت مباشرة, ليتها تتخلى عن إتقانها لدورها وتهمل تفاصيلا نحن بحاجة إلى نسيانها .
أتته رغبة مفاجئة في المغادرة, فبقاؤه لن يغير من شيء, همس لنفسه محاولا التماسك أكبر قدر ممكن
سأذهب إلى قبر أمي أفضل !!
التفت ناحية السرير ليرتشف آخر نظرة عليه اعتبرها بمثابة وداع نهائي, كم هو ساخر هذا الموت, لا يعترف بأي قوانين, القانون الوحيد الذي يعترف به هو نفسه, ينظر إلينا بابتسامة متشفية تملأ شدقيه, لثقته في اللقاء مهما حاولنا الهرب .
تفحص الجسد الملقى على السرير, لا يحمل أي إرادة على الإطلاق, حتى حركاته البسيطة ليست بإرادته, تنفسه ودقات قلبه لا يتحكم فيهما, الموت أبشع مراحله هو غياب الإرادة, وكأننا نموت حسرة على غيابها, او كأنه يسلبها قبل الموت ليخبرنا أننا وطوال حياتنا كنا نعايش وهما, وهما أبعاده تتشكل على زيف اعتقاداتنا, وأولاها اعتقادنا بأننا نمتلك بعض القوة في هذه الحياة
التفت ناحية الباب وهم بالخروج, ولكن صوت اخيه استوقفه
- إلى أين؟
أحس أنها نبرة تحمل بعض التهكم, فقال دون أن يلتفت إليه
- سأخرج قليلا
قالها وخرج دون ان ينتظر جوايا منهم, ولكن عقله تشبث به هاتفا
لن نهرب أبدا من أحبتنا ..!

أحلام الزعيم
18-11-2006, 07:17 PM
ٍأحاول أن أنفض عن كاهلي ركام التعب
حتى أتمكن من العودة هنا .. لأستنشق التعب مجددا


رائعة
وبتعب

أحلام الزعيم

مهزوم
03-01-2007, 08:29 PM
ٍأحاول أن أنفض عن كاهلي ركام التعب
حتى أتمكن من العودة هنا .. لأستنشق التعب مجددا
رائعة
وبتعب
أحلام الزعيم
الرائع هو مرورك حقا
شكرا لكِ :nn