PDA

View Full Version : خريف طانطان...



lamdi
25-11-2006, 03:13 AM
خــريــف طانطــان..{طانطان...اسم مدينة} الفتاة التي كانت إلى وقت قريب جميلة و هادئة و خجولة..و التي لم تكن تُرى إلا أوقاتا قليلة.. و مرات معدودة..و في الغالب و حيدة و أمام البيت الذي كانت تسكنه و لم تُر أيضا تلعب قط مع فتيات الحي بل كانت تتخذ مكانا قصيا و تراقبهن من هناك دون أن تشاركهن أو تتدخل لتحل المشاجرات العديدة التي تنشأ بينهن رغم أنهن كثيرا ما يلجأن إليها..لكنها ترفض بهدوء و دون إغضابهن.. تلك الفتاة كبرت فجأة في غفلة عن الناس و عيونهم.. صارت امرأة كبيرة..و متزنة و أصبحت كثيرا ما تخرج و تبتعد عن البيت قليلا إلى الدكان القريب..لكنها..{ و العيون التي لا يفوتها شيء تشهد على ذلك } لم تتخط في حياتها نهاية الزقاق أبدا.. كما أنها أخذت تجلس أمام البيت عند العتبة بعض الأحيان و لأوقات أطول من السابق و خاصة قبيل الغروب بقليل كما تفعل أغلب النسوة.. تلك الفتاة التي كبرت بسرعة..بالسرعة ذاتها تزوجت و أنجبت أطفالا كثيرين..و الناس الذين عرفوها منذ كانت صغيرة..و حتى الذين لم يعرفوها إلا في وقت متأخر تساءلوا كثيرا و أياما طويلة بفضول يكاد يقتلهم و مستغربين كيف حدث كل ذلك دون أن يصلهم أي خبر حتى أن البعض أنكر أن يكون مثل هذا الأمر قد حدث.. أولئك كلهم..و غيرهم تسربت إليهم العدوى..كانوا يسألون عن الرجل الذي تزوجته..الذي اختارته..من يكون..؟ قليلون جدا من كانوا يدعون معرفته و يتحدثون عن ذلك بنوع من الفخر و الغموض أيضا..وأنهم يعرفون كل شيء و لا يمكن أن تفوتهم مثل هذه الأمور.. و عندما يُسألون عن من هو بالتحديد..بكلمات معينة ؟ اسمه..شكله..مهنته..؟ و أشياء أخرى من هذا القبيل.. كانوا يصمتون طويلا و يتظاهرون بأن ما لديهم شيء كبير ومهم و لا يمكن أن يقال هكذا و مجانا.. لكن إذا أرغموا..و لم تنفع كل حيلهم لتملص من هذا الموقف..و مع ذلك كأس من الشاي أو أكثر..كانت إجاباتهم لغز آخر مبهما..و كلاما لا يزيد سائليهم إلا حيرة..وجهلا.. كما أنها تجعلهم يندمون على كل الرشاوى التي قدموها مقابل هذه الإجابات.. لكن الجميع اتفق على أن الرجل الذي تزوجته كان يغيب أياما بل شهورا عن البيت و لا يعود إلا ليقضي أياما قليلة ثم يعود بعدها من حيث جاء . و حتى في الأيام التي يكون فيها حاضرا..يلزم البيت كثيرا..و لا يخرج إلا للضرورة.. و إذا خرج فان الكلمات التي يتبادلها مع الآخرين لم تكن تتجاوز التحية..و السلام..والمجاملة و لا شيء آخر.. كان يبدو غريبا..من مكان ما..و ربما هذا المكان بعيد لم يسمع به أحدا. هكذا كان التصور الذي يتبادله الرجال في المقهى بالكلام..و بإشارات لا تخفى. لكن بعض رجال الحي..و خاصة أولئك الذين سكنوا هنا منذ زمن طويل جدا..و عندما يتفرسون في ملامحه و يحدقون بتلك الطريقة التي تبدو لمن لا يعرف هذا النوع من البشر..عدوانية وتقدح بالشر..، هؤلاء الرجال حينما يفعلون ذلك يؤكدون بأنهم يعرفون الرجل..و عندما يقولون هذا يرفعون رؤوسهم قليلا ثم ينظرون إلى الفراغ و كأنهم في تلك اللحظة منهمكين في النبش تحت ركام الذكريات علهم يجدون شيئا عن هذا الرجل..و لما يعودون إلى حاضر هم خائبين و تكون العيون الأخرى من حولهم لا تزال تنتظر أن يقولوا شيئا..لكن الخيبة التي تسبقهم إلى قول كل شيء تجعلهم يتداركون وهم يقسمون أغلظ الأيمان بأن ملامح الرجل مألوفة لديهم و ليست بغريبة..و يثرثرون بعد ذلك كثيرا..و يتحدثون..و يفسرون..ليغطوا على هذا الفشل.. و لم يطل ذلك السر الذي ركض خلفه الناس طويلا إذ جاء اليوم الذي تغيرت فيه أشياء كثيرة و بطريقة قاسية..و مؤلمة..ما كان أحد يتوقعها.. في صباح ذلك اليوم رآها الكثيرون تكنس أمام بيتها. كانت عادتها ككل يوم..لكنهم أضافوا و قالوا أنها كانت مختلفة عن أي يوم سابق. كانت الابتسامة لا تفارق وجهها..ابتسامة واسعة وعريضة حتى أن جارتها القريبة سمعتها تضحك..و حينما التفتت نحوها وجدتها وحدها..استغربت..ولما سألتها عما يضحكها هكذا..؟ لم تجب..بل ابتسمت ابتسامتها العريضة و دخلت إلى بيتها و هي لا تكاد تسيطر على ضحكتها.. و قد خمنت الجارة وهي تنظر إلى المساحة الواسعة التي كنستها و امتدت نحو زوايا بعيدة عن بيتها على غير العادة..أن يكون أمر ما قد حدث أو سيحدث قريبا و كان مجيء الزوج هو الحدث الذي دار في ذهنها ساعتئذ.. بعد ساعة..شُهدت وهي تنادي على الصبية ثم تفرق عليهم الحلوى.. و في المساء..حدث كل شيء.. توقف لحظة..ربما ليلتقط أنفاسه..ليعيد ترتيب الأحداث الصغيرة في رأسه و التي يراها هو كبيرة..أو كأنه أحس بالرتابة من حوله جال بعينيه ببطء شديد في الوجوه و أحس بالعيون تنتظره..تنظر إليه و تتبع دخان سيجارته المتعالي كطيف يتراقص على إيقاع موسيقى هادئة ورتيبة..خطف نظرة قصيرة إلى كوب الشاي الذي قارب الانتهاء.. كان يقول دائما..يكررها دون ملل : - لا تحلو السيجارة إلا مع كوب من الشاي.. يسكت ينتظر أحدا ليعقب..ولما لا يسمع أي رد..يتابع: - و لا يحلو كأس الشاي إلا بسيجارة.. و يهز رأسه هزات متواصلة بطيئة..و يبادله الآخرون ذلك دون كلام و كأنهم غارقون في النشوة. في الأيام البعيدة التي مضت وما عاد يذكرها سواه..كان سو يلم هذا هو اسمه..شخصا آخر مختلفا..بالنسبة لنفسه..بالنسبة للآخرين.. الآخرين..؟ أين تفرق هؤلاء الآخرون..؟أين رحلوا..؟ أي أرض ابتلعتهم؟و أي ريح ذهبت بهم..و لم تعد..؟ حينما كنا صغارا..و كان الزقاق يمتلئ بضجيجنا..و عندما لا يعود هذا الضجيج أمرا يحتمل..و لا الترغيب و لا التهديد يجديان نفعا..كان يأتي الخيار الأمثل و الذي تستنجد به كل نساء الحي.. تنادي امرأة ما..وهي تتطلع إلى الخارج..إلى رأس الزقاق حيث يجلس هناك أغلب أوقات النهار قرب عمود كهربائي و عند القدمين يرقد كلب أبيض صغير..كثيف الشعر لم يألف الناس رؤية كلب مثله.. تنادي : - سو يلم..سو يلم... هذا الاسم كان السلاح الأخير نرتعب لسماعه ونرتجف عند رؤية صاحبه..قبل أن يصدر أي صوت..ويبدي أي حركة. هو رجل في الأربعين..هذا ما قدرته..إنسان عادي..ليس مجنونا أو مختلا عقليا..طويلا و ناحفا..لحيته طويلة لكنها ليست كثيفة..قد يشبه بشر كثيرين.. لكن الشيء الذي جعله مختلفا و مميزا..و مصدر رعب بالنسبة لنا نحن الصغار في ذلك الوقت هو رجله..كان برجل واحدة..لا..هو برجلين..لكن إحداهما كانت رجلا حديدية لا تشبه الأخرى..و عندما يمشي يسمع صوت كالفرقعة يصدر منها..ذلك الصوت كان منتهى الرعب بالنسبة لنا.. كثيرون في ذلك المقهى البسيط و أغلبهم لم يعرفوه إلا في وقت متأخر كانوا يلحون عليه أن يحدثهم عن قصة الحادث..و كيف بترت رجله..؟حينما يسألون مباشرة أو يلمحون مجرد تلميح مهما كان خفيا..كانت تحمر عيناه..و يتغير لون وجهه و كأنه يعيش اللحظة من جديد.. بعدها يتمتم بكلمات لا يفهمها أحد..و أحيانا يصمت كانسان لا يعرف الكلام.. أما الذين عرفوه فيقولون و بثقة أن الحادث قديم..و منذ الطفولة حين داس على لغم من الألغام المنتشرة في الصحراء.. بينما كان هناك من يقول بأنه كان واحد ممن شاركوا في طرد الاستعمار الإسباني من الصحراء و أنه في إحدى المعارك أصيب في رجله وبعد أشهر لم يجدوا بدا من قطعها حفاظا على حياته.. حينما يقال مثل هذا الكلام يُنظر إليه باحترام و تتبدل نظرات السخرية إلى نظرات إعجاب.. لكن ما أن تمر تلك الساعات حتى ينسى الجميع هذا الذي قيل عنه.. و يبدأ الحديث عن شيء ثاني..عن الإبل التي كان يملكها و التي باعها عقب الحادث كانوا يسألونه عن تلك الثروة..عن المال أين هو ؟ ما الذي فعله به؟ أين خبأه؟ إذا تكلم و أجاب كان يقول جملته المعتادة : - أنتم تخرفون.. و إذا ألحوا أكثر..وتمادوا..كان يقف بقوة..ويغادر دون كلمة.. و يواصلون حديثهم همسا عن الصندوق الكبير الذي يحتفظ به في محل سكناه من بين أشياء قليلة يملكها.. كل هذا كان في ما مضى.. أما في الوقت الراهن.. سألته محاولا انتشاله من شروده و صمته : - ما الذي حدث ذلك اليوم..؟ نظر إلي لحظة..أبصرت في عينيه الحزن و الأسى يتأرجحان معا ، تململ فوق الكرسي الذي يجلس عليه داعب كأس الشاي بيده ثم نظر إلى البعيد وتابع ببطء لكن بوضوح : - في ذلك المساء القاسي و البارد و الحزين تعالت صيحات حادة و مرعبة و موجعة..، لقد كان ذلك الزوج الذي تساءل الناس عمن هو ؟ ومن يكون ؟ كان جنديا.. و في ذلك اليوم قالوا انه مات..قتل في حرب ما..لا يعرف عنها أحد شيئا و قيل عن موته الشيء الكثير..و ندم الذين ذهبت بهم حمى الفهم الزائد في لحظات معينة بعيدا في اتجاه خاطئ ولم يسامحوا أنفسهم.. بقيت أياما طويلة لا تغادر بيتها و الحزن الذي أغرقها في بحر من الدموع..تجاوزها لينتشر في كل الزقاق ليبدو في حديث الجيران و صمتهم..في تصرفاتهم و حركاتهم.. حتى الصبية الذين كانوا لا يكفون عن الصخب ليل نهار..انزووا و انكمشوا في الزوايا و كأنهم يدركون كل شيء.. كان الحزن قاسيا..و شاملا.. و لأن الحياة لا يمكن أن تتوقف لأمر بسيط كهذا..استمرت بعد أيام قليلة..كثيرة..لا يهم..كانت المرأة التي صارت أرملة..تعمل كنساء كثيرات في بيوت من يدفعون أجورا زهيدة و كلمات بائسة..فارغة..و أحيانا سامة. ر فض البعض ذلك..لكن عندما قلبوا في رؤوسهم عن البديل لم يجدوا..و في الأخير صمتوا.. استمرت الحياة هكذا سنوات طويلة كبر خلالها الصغار اشتد عودهم كما يقولون على مرأى من الأم و فرحها و كبر الأمل في أن تستريح من تعب السنين و الحياة و البشر.. و سكت..عاد من البعيد..أمال برأسه نحوي بطريقة مفجعة ثم تمعن في العيون مجددا..و قال بصوت حسبته قادما من مكان سحيق و تملؤه الحسرة : - لكن..هل يمكن أن يعيش المرء بسلام ؟ ثم توقف ثانية... أما الآن..كثيرون يجتمعون حوله..كانوا يستمعون إليه وهو يسرد حكايته هاته و التي يفاخر في مناسبات عديدة بأنه أبدعها من خياله و أنه وصل إليها و أكملها بعد تفكير أيام..و أيام ، و كثيرون أيضا وفي أوقات فراغهم يأتون إلى المقهى من أجله..حتى أن صاحب المقهى صار يخطب وده..ويقدم له كؤوس الشاي و القهوة والسجائر دون أن يطلب منه ثمنها.. و الذين كانوا يريدونه أن يتكلم..أن يحكي و يقول أي شيء ليفك من حولهم حصار الملل والضجر الذي طاردهم إلى هنا . كانوا يستفزونه أول الأمر بأساليب شتى غالبا ما تكون الكلمة و حركات معينة معروفة أهمها.. و حينما يفشلون..يتوسلون بطرق أخرى..الإغراء و الكلمات الحلوة و السجائر..و الوعود بعدم السخرية.. البعض من أولئك الذين عرفوه مؤخرا..كان يعتبره مختلا عقليا و مجنونا و إن بدرجة أقل..و البعض الآخر إنسانا غريبا و ربما خطيرا..و كانوا لا يتكلمون أمامه إلا لماما و إذا تكلموا فحديثا عاديا و لا تخلوا نظراتهم من اتهامات عدة و خوف.. كان شاردا..ر بما يتذكر الحي..و أهله..و يتذكر تلك النعوت و الكلمات التي يلمحها في عيون أهل الحي..نسائه و رجاله..و تلك الألفاظ النابية التي يسمعها همسا مسموعا من أطفال الحي..و هم يرونه قادما من بداية الزقاق.. و حين يقترب يرى الخوف في العيون..في الخطوات وهي تسرع بعيدا عنه، و النسوة وهن يصرخن في أطفالهن بالعودة و اللعب قربهن ، تصدمه الكلمات البذيئة المكتوبة على باب المحل الصغير الذي يسكنه و على جدرانه.. و يقارن بين السنوات البعيدة..و الآن..و كأنها ملايين السنين مرت..و كأن البشر الذين عرفهم قديما قد اختفوا إندثروا

..و في إلتماعت برق..تغير كل شيء..حتى البشر و بقي هو..برجله الوحيدة..برجله الحديدية. و البياض الذي يعلو رأسه و بدأ يزحف نحو لحيته..فليس شيئا.. كان ينظر إلي بين حين و آخر..أتراه يذكرني ؟ أم تراه يرى في الإنسان الوحيد الذي يصغي إليه باهتمام حقيقي.. ينقر الطاولة بإصبعه بهدوء محاولا أن يعرف إلى أي حد تستمع إليه هذه الوجوه المحايدة..رغم أن الكثير منها استمع لحكايته هاته مرات لا تحصى.. هو أيضا يدرك ذلك..لكن الكلمات المتبرمة..الضجرة..تدفعه إلى أن يتكلم و يتحدث و يحكي عن مدينته تلك الحكاية الرائعة في نظره..التافهة و البسيطة في رؤوس الجالسين قربه أو معه.. رغم ذلك لا يتمالك نفسه..إلا و الكلمات تندلق على لسانه كماء الشلال .. كان صباحا هادئا..لكنه بالنسبة للأرملة..كان كابوسا ولعنة حين استيقظت لتجد الأبناء قد رحلوا..راكضين خلف الحياة باحثين عن أنفسهم في غمرة الركض الذي لا ينتهي. و امتد الغياب سنوات..بدت للأرملة طويلة..قاسية..وبدأ اليأس يداخلها حين أخذت كل الأمور تسير نحو الطرق الضيقة.. و العمل اليومي صار شيئا يثقل الكاهل الواهن.. و بدا أن الأيام كانت تجر الحياة إلى طريق أكثر شقاءا و بؤسا..حين جاء اليوم الذي لم يتوقعه أحد زاحفا كقدر لا يرد..اليوم الذي وجدت فيه الأرملة نفسها بائعة..لم تكن بائعة حلوى..أو فاكهة أو حتى أي شيء يباع و يشترى.. بكلمة قاسية حادة تطعن الظهر..كانت بائعة هوى... قال الكلمات الأخيرة..و كأنه يلفظ أنفاسه.. ثم سكت..تمطى شيئا أكيد أنه بطعم المرارة..حرك رجله السليمة حركها بعصبية..بغضب..كان في كل مرة يسرد حكايته هاته يفعل ذلك..و أحيانا يشتم بصوت مسموع.. و يضرب الطاولة بقبضة يده .. و يفكر طويلا في عدم الاستمرار..لكنه يكمل..ينظر إلى أسفل إلى رجله الحديدية و يكمل بحزن..بحزن حقيقي : -..فتحت باب بيتها القديم لكل العابرين الذين يبحثون عن مكان يستريحون فبه ليواصلوا بعدها رحلتهم و الذين تطاردهم اللعنات من مكان إلى آخر..و كل المجانين و المتسولين..و لبشر لا يعرف أحد من أين أتوا؟ و كيف؟ و شعر كل من كان يعرفها بالأسف و الأسى..و هزوا رؤوسهم بوجع كبير لكن غير هذا لم يفعلوا شيئا.. ظلت زمنا على ذلك الحال..إلى أن جاء الأبناء فجأة كما ذهبوا و صدمتهم تلك الحقيقة فغضبوا..و صرخوا..و توعدوا و بعد أن تعبوا كان آخر شيء فعلوه أنهم أنكروها و تفرقوا إلى أماكن بعيدة..و قريبة وقليلون بقوا..لكن بعيدين لا يرونها..و لا تراهم.. نظر إلي بعينين خاويتين..هل كانتا فعلا خاويتين أم كانتا تطفحان بالحزن الذي لا يُرى من هوله..ثم سألني : - لماذا لم يتساءلوا أول مرة حين تركوها..مجرد السؤال : لمن تركوها وحيدة في هذه الحياة التي لا تعترف بالضعفاء؟ لمن..؟ و حين تمعن في الوجوه في الصور المعلقة على جدران المقهى في الطاولات في الطريق الممتد جانبه..حين فعل كل ذلك كرر السؤال..كرره ببطء شديد و هو يضغط على الحروف بقوة..و تركه كالضجيج.. و لم ينتظر الجواب.. شرب ما تبقى من كأس الشاي أمامه كان باردا..شربه دفعة واحدة و كأنه يتجرع سما..ثم رمى السيجارة و داسها بعنف برجله السليمة..ووقف منصرفا خارج المقهى دون كلمة وداع.. و لأول مرة..بعد سنوات طويلة أسمع تلك الفرقعة و لأول مرة أيضا فكرت في حكايته هاته التي طالما استمع إليها الكثيرون..ساخرين و لمجرد تمضية وقت الفراغ.. فكرت..ماذا يقصد بهذه الحكاية؟ فكرت في كل شيء ذكره أشار إليه..بدت الأفكار واضحة.. متداخلة..غير مفهومة رفعت بصري نحوه..كان قد انحرف في أول منعرج..و فكرت مرة أخرى.. لماذا لم نحاول ولو لمرة واحدة أن نستمع لحكايته بجدية و أن نحاول فهمها..فهم الذي يريد أن يقول ؟ ولماذا لم نسأله مجرد السؤال..ما معنى حكايتك هذه يا....؟ كان قد توارى..وصوت الفرقعة لم يزل يصلني واضحا..بل مدويا. قلت بصوت منخفظ..و أنا لازلت أجلس في مكاني : - في المرة القادمة..عندما ألقاه سأسأله هذا السؤال و لا يهمني أن يجيب.. المهم أن أسأله.. كانت تعليقات السخرية لا تزال تنطلق من أفواه البشر الذين ما عادوا يتقنون غير شيئين..الحقد أو السخرية عندما تركت الكرسي و المقهى خلفي.. * * * لا أحد يملك تفسير الذي حدث..لماذا حدث ؟ لماذا حدث بعد كل تلك السنين..؟ و من فعل ذلك..؟ من امتلك مثل ذلك القلب..و فعل الذي فعل..؟ من قتل سو يلم ؟ من قتله وهو نائم ؟و كيف..؟ كان يوما من خريف طانطان..خريف طانطان..الذي ابتدأ يومها و لم ينتهي..كانت سحب الغبار تمتد من أقدام الناس حتى تتجاوز غيوم السماء..و لا يُرى شجر و لا حجر ولا بشر.. بعد سبعة أيام من ذلك الغضب..كان مستلق على ظهره ..و الطعنات التي تملأ صدره كانت لا تحصى..كان ما يزال يواصل نومه.. و الصندوق الذي كان مقفلا أبدا..كان مفتوحا عنوة.. كان فارغا إلا من ذكريات..و صورة قديمة لامرأة ما..لم يتعرف عليها أحد رغم أنها بدت مألوفة للجميع..

انتهت

lamdi
25-11-2006, 03:16 AM
لا تحرمونا من ردودكم..القيمة...و شكرا

تيماءالقحطاني
28-11-2006, 05:38 PM
جميل دائماً يا lamdi

لا تظن أن الردود هي مقياس لجودة العمل. أجد ما تكتب دائماً هنا عالماً شديد الإتقان.
ليتك فقط تعتني بتنسيق النص قليلاً كي تتسنى لنا القراءة بشكل أفضل.

^
^

للرفع.

Silent Soul
29-11-2006, 06:57 AM
lamdi
قصة جميله جدا.. لكن كما تفضلت به المشرفه.. فقط ينقصه شيئان..
1- تعديل الخط والبعد عن الخط المائل.
2- البعد عن التتالي في الكتابه.
أما المضمون.. فهو لكاتب كبير مستقبلي.
وأتمنى لو ساعدك بها أحد المشرفين الخبراء.

سأعود لقراءتها مرة أخرى بحلتها الجديدة.

lamdi
02-12-2006, 07:04 PM
أرجو من أحد المشرفين ان يقوم بالتعديل...و شكرا على رأيك..

المهلهل86
02-12-2006, 11:36 PM
امدي او لمطي لا ادري
المغرب هنا من جديد يعلي صوته ليفتح ملف قضايا انسانية قبل ان تكون قضية سياسية
انتظر تعديلاتك
اخوك وزائر مدينتك
المهلهل

lamdi
06-12-2006, 03:04 AM
مشكور..على الزيارة...