PDA

View Full Version : فرمان ...قصة لـ..فيصل أبو سعد



فيصل أبو سعد
26-11-2006, 08:57 AM
ــ فرَمَـان ْ ــ


لم تكن تلك هي أول مرة ألجأ فيها إلى التنور ، فبعد أن أصبحنا نعتمد على الخبز الآلي صار التنور غرفة معزولة في آخر البيت ، أختبئ فيها كلما ارتكبت حماقة ً ما أو اتهمت بارتكابها .
ويكفي أن يُـكسَرَ شباك ٌ في الحارة ، أو أن تجد إحدى النساء غسيلها متسخا ً ، أو أن تفقد ( أم حسين ) إحدى دجاجاتها حتى تصل شكوى مستعجلة إلى أبي فينهض متمتما ً كمن وجد عملا ً بعد طول انتظار ..
ـ يا الله . .
يمشي إلى الخزانة ليجلب حزاما ً جلديا ً عريضا ً كان قد خصصه لاكتشاف الحقائق ، وأنا بدوري . . يا الله . . أهرع إلى التنور . أبي شرطي أسمى أحزمته على أسماء أولاده ، وزاد عليها ذلك الحزام العريض ، يضرب أحدنا به منتشيا ً كأنه يمارس هوايته المفضَّـلة . وما من داع ٍ طبعا ً لرد التهمة أو محاولة التبرير لأن قامته المديدة وكفه التي تزن رطلا ً ونظرته الصخرية منحته قدرة عجيبة على الإقناع .
ميزته الوحيدة أنه يبقى في وظيفته ساعات ٍ وساعات ، أطيرُ خلالها من البيت ، أقفز من سطح إلى سطح ، أخرِّب أعشاش العصافير أتدحرج في الأزقة مثل كرة ، ولا أرجع إلا بعد أن تنفض المشاجرة التي ستقع حتما ً ، فأسرع إلى التنور وأبقى فيه إلى أن يكتشفوا مكاني لأنال عقوبة مضاعفة ، مرة ً لأنني أخطأت وأخرى لأنني أخرج مثل هر يسكن في مدخنة .
وكلما مررت من أمام دكان ( أبو حسين ) وبيته سمعته يقول :
ـ هذا خالد . . سبحان من خلقه . . مثل القرد .
وكأنه بكلماته تلك يضغط على زر تشغيل ( أم حسين ) فتدير اسطوانتها المعروفة .
ـ " ما سدك أبو خالد هالدينات . . ؟ . . ما دفع هذا الشهر . . " ؟
لم أكن أدري لماذا تلوَّى أبي عند الباب كلـّـما جاءنا ( أبو حسين ) .
أن َّ وتوجَّـع كأنه داخل ٌ إلى غرفة العمليات .
لماذا لا يصرخ في وجهه كما يصرخ في وجوهنا . . ؟ . لماذا لا يضربه بحزامه العريض أو بكلتا يديه ؟ . . أسئلة كثيرة ٌ فكـَّرت بها وأنا جالسٌ في غرفة التنور ، فأحيانا كنت ألجأ إليها بسبب الملل أو لأعيد ترتيب موجوداتها من كراس ٍ محطمة وبطانيات ٍ عسكرية ٍ ممزقة وأوان ٍ نحاسية لم تعد تستخدم ، ثم أصبحت أدخل إليها هكذا فقط لأفكر .
أصلحت بابها ، نظفت ما استطعت من جدرانها وكتبت عليها عباراتٍ وأشعارا ً محرفة ً كنت قد قرأتها على نوافذ الباصات .
( من نام على الدرب وصل ، أعطني حريتي أطلق يديا ، وعايفي اللـه وسماك ) .
أمَّـا تلك المرة فقد دخلت إليها قسريا ً ، أتصبب خوفا ً ، أقرض أظافري بأسناني وأنتظر على قلق ٍ لحظة المداهمة .
كنت قد نهضت باكرا ً ، أخرجت ( النص فرنك ) المخبأ تحت مخدتي وتوجهت إلى دكان ( أبو حسين ) ، أشد أصابعي كأنني قابض ٌ على الشمس .
عند رأس الشارع رأيت مجموعة ً من الأولاد يجلسون على الرصيف الواحدَ تلو الآخر ، فمررت من أمامهم بالخطوة المديدة ، كأنني أستعرضهم فردا ً فردا ً .
وقبل أن أصل إلى آخرهم سمعت أحدهم يقول . .
ـ " إذا معك نص فرنك . . ارجع " .
التفتُ مستفسرا ً إلى مصدر الصوت .
ـ " عمك أبو حسين طلـَّـع فرمان جديد . "
من عادة ( أبو حسين ) أنه كلـَّـما أراد شيئا ً من أهل الحارة كتب ورقة ً وعلقها على باب دكانه أو على طاولته ، فمرة يكتب قرارا ً بإيقاف البيع دينا ً لعدد ٍ من العائلات ، واضعا ً قائمة سوداء بأسمائهم ومرة ً يلغي التخفيض الحكومي َّ عن بعض المواد التموينية .
ودائما ً كانت هناك إشارات وإحالات إلى قرارات ٍ سابقة ، أسميناها نحن الأولاد ( فرمانات أبو حسين ) .
إنه صاحب الدكان الوحيدة الذي يبيع دينا ً ويستطيع أن يتحمَّـل أوزار هذه العائلات البائسة ، أمَّـا أن يصدر قرارا ً بإلغاء عملة لا زالت متداولة ولا زالت تساوي حفنة ً من السكاكر أو قلما ً أو ممحاة فهذا فرمان جائر .
رجعت إلى البيت وحاولت الحصول على نصف فرنك آخر فلم أستطع ، دخلت غاضبا ً إلى التنور ، محوت عن جدرانه كل أشعاري وقلبت أثاثه رأسا ً على عقب ، ثم جلست ملوما ً محسورا ً .
بعد ساعات ٍ كنت أعبر الزقاق باتجاه الدكان ، يجب أن أفعل شيئا ً قبل أن يعود أبي .
وصلت فوجدت ( أبو حسين ) يتوجه إلى بيته تاركا ً دكانه مفتوحة ، دخلت فاصطدمت عيناي بقرار ملصق ٍ على الطاولة يقضي بمنع التعامل بقطعة النصف فرنك .
ـ هيك لكان . . .
تلفـَّت حولي فلم أرَ أحدا ً ، وقفت على رؤوس أصابعي ، أنزلت ُ سروالي وفعلتها ، تبوَّ لت فوق الطاولة والقرار ، من اليمين إلى الشمال ومن الأعلى إلى الأسفل .
ثم رفعت سروالي وهممتُ بالانصراف ، فتحجَّرت عيناي على ( أبو حسين ) وقد نبت أمامي كالجان وبدا بحجم ( نقلة الرمل ) ، وعندما استطعت أن أرفع بصري إلى الأعلى رأيت في عينيه نظرة ً معناها أنني أمسكتك وسأأدب القرود بك .
حاولت أن أتلفظ بأي شيء فلم تسعفني المقدرة ، عندها وبلا أي تردد دفعته بكتفي وسمعت صوت ارتطامه بالأرض ، ثم دُ سْــتُ مجبرا ً على بطنه ، وثبتُ من فوقه وركضت إلى البيت ، قفزت من فوق السور وأسرعت إلى التنور مثل جرذ .
لا بد وأن القيامة ستقوم على رأسي عندما يعلم أبي ، تكورت على نفسي خائفا ً إلى حدود الموت ، أستعيد كلَ ما حدث وأنتظر فرمانا ً جديدا ً أو ربما عفوا ً شاملا ً .

تيماءالقحطاني
26-11-2006, 07:49 PM
الفكرة المعروضة هنا ليست ما يميز النص بل البطل الذي يحكي الأحدث و الذي هو مجرد طفل.

هناك عفوية ملحوظة، لكني تمنيت لو أن القاص حاول أن يتلبس الطفولة أكثر. كان بالإمكان استثمار مخيلة الطفل لنخرج بنص أكثر إدهاشاً من هذا، فللطفل مخيلة و رؤية تختلف عن الكبير، أي أن الصور ليست واضحة تماماً أمامه ليس فقط بسبب قلة معرفته و لكن بسبب اتساع خياله. كنت أريد أن أرى ذلك، لكن سنفترض أن الطفل شديد الذكاء و ذو بصيرة نافذة.:)

لا أنكر أني سُعدت بقراءة هذا النص جداً.

شكراً لك و ننتظر جديدك بالتأكيد.

/

فيصل أبو سعد
27-11-2006, 12:54 PM
شكرا لك يا تيماء القحطاني
أنا لا يسعني إلا الشكر و الأمتنان أما بشأن الملاحظات فلكل قارئ الحق في القراءة التي يريدها . لأن العمل الأدبي و الفني بعد أن يصدر عن صاحبه يصبح ملكا للمتلقي .
وشكرا ثانية

منيرفا بكر
04-12-2006, 03:02 PM
نص مضىء لكاتب متمكن
أحببت هذه الشقاوة،واخذتنى الى عالم مضى
تومض بالتفرد ، قرات لك طعم النعناع،كنت مذهلا
نترقب جديدك الاجمل

فيصل أبو سعد
05-12-2006, 12:03 PM
أخت منيرفا شكرا جزيلا لك ...
أنا لا أعرفك والتقصير مني بلا شك فربما تكونين من جماعة الموقع أو المنتدى ..
وعلى أية حال لا يسعني إلا أن أشكر لك مرورك اللطيف الذي يشد من عزيمتي ....