PDA

View Full Version : ليلة شتوية.....قصة قصيرة



Damien
27-11-2006, 04:06 PM
ليلة شتوية





جلس على حافة الشرفة ، يرسل ساقيه في الهواء للأمام و الخلف كستارة ثقيلة تتلاعب بها رياح الشمال الباردة ، ينظر كعادته إلى الأفق البعيد بدون أي معنى ، يريد أن يخترق حجب الليل الكثيف ، عله يلمح نافذة مضيئة أو زجاج مفتوح ينبآن عما خلفهما ، فطالما حلم في ليال ماضية بعيدة أن يسمع غنج فتاة مجهولة ، أوأن يهتك بنظره عورات الشقق المتناثرة في بنايات اكتظت بها الأرض ، دقائق صامتة قضاها كل يوم ماض يرهف السمع عله يظفر بما تصبو إليه أحاسيسه ، وعندما لا يجده يزداد حنقه على القدر الذي يحرمه من كل شيئ جميل.

يسمع صوت كروان الليل يرسل تسابيحه في عرض الليل ويخفت تدريجياً ، يذكره بلحظات فرحه الخاصة الخافتة في دنياه السوداء ، يتذكر فتاته كيف خدعته خمس سنوات متتالية وفي النهاية



-أنا مش هاقدر أكمل معاك يا أحمد..أنا...

-لا ....ما تقوليش كدة...طول السنين دي أنا كنت حاسس ان في حاجة ما بيننا حلوة بتتبني...أزاي تقولي كده.

-واهي الحاجة دي اتهدت....ربنا يوفقك مع واحدة تاني غيري تقدر تفهمك وتسعدك أكتر مني .



قالتها وتركته بكل بساطة ، كأنه دمية قماش صغيرة مثل الهدايا التي طالما اشتراها لها ، لكنه تماسك وأقسم أن الدنيا لا تقف لفراق حبيبين .....

واصل حياته ...وعاد إلى المنزل ، ويومين من النوم ساعداه على تجاوز محنته الخاصة ونسيانها ، وانتبه إلى كليته وذاكر واجتهد حتى حلم بعمادة الكلية ، ليلاقي أمه قد اختارت ليلة أول امتحان حتى تغادر الدنيا بلا سابق إنذار ...

ينظر إليها بعيون صامتة خالية من الدموع ، وصامتاً تحت النعش الأخضر لا يشعر بثقله ، وعند القبر يده تفارق بياض كفنها ملوثاً بيد التربي السوداء الذي سد بوابة القبر الحديدية بحائط صغير من الطوب اللبن الرمادي ، وعلى جانب الحوش نقشوا اسمها على لوحة باردة رخامية صغيرة بيضاء كالنجوم في السماء فوقه .

والهواء البارد حوله يكاد يطيح به من الشرفة و يلفح رقبته ، فيضطر لطأطأة رأسه مفتقداً السواد الحالك من عل بثقوبه النجمية كالتي حفرت بذراعه في أول أيامه في الخدمة العسكرية ، فلا يكفي ثلاث سنين طوال بل قطعة خشبية صغيرة أبت إلا أن تلتصق بذراعه مزيناه بعلامات أبدية لمسامير صدئة ،غير أن الحياة تسير والعمر يطوى وهنيهات الأفراح على ندرتها تمنحه الوقود الحيوي ، والأشهر الطويلة في المعسكر قد انقضت وحان موعد الرجوع إلى الوالد الوحيد بعد رحيل الأم ، والإستقبال بالأحضان والتهليل .

ويوم فاسبوع فشهر ولا جديد، حتى يضطر للعمل كبائع في محل ، كأن بكالوريوس المحاسبة يعني آلة الكاشير ، ومستمراً في عمله يرى رفاقه في طريق عودته قد باءوا ندامى لمقاعد القهوة ، وسنة فأخرى حتى تظهر الجائزة الكبرى لبرجه السماوي ويسارع بالتقدم لخطبتها وهي لا تمانع في الإقامة مع والده في الشقة ، وتسير الأمور على مايرام ، تنبسط أسارير وجهه ويجد عقد عمل في الخليج ، وتسافر معه ومفتاح سيارة جديدة أضيف إلى سلسلة مفاتيحه ، ولا يعكر صفو حياته سوى كون زوجته بدأت في التأثر بأفكار جاراتها المتشددة عن الدين ، ولكنها نزوة قصيرة بيد أنها تحجبت مخفية شعرها الأسود الفاحم عن ضوء الشمس ، ويوماً بيوم تنتظم صلاتها ويوماً بيوم تلح عليه وتنصحه بالصلاة لوقتها ، وهو يسايرها حتى جاء يوم حفلة عيد ميلاد أحد الزملاء حين وجدها خارجة من حجرة النوم قد انتقبت لا يبين من وجهها القمري سوى عيناها الباردتين ، وفي طريق العودة اندلع النقاش ما بينهما حتى كانت النهاية الطبيعية بعد شهر واحد



-طلقني يا أحمد

-ازاي ...أنا ماقدرش أعيش من غيرك...

-............

-طول السنين دي كنت حاسس ان في حاجة صغيرة بتكبر معانا من يوم ما شوفتك اول مرة

-واهي الحاجة دي اتهدت....طلقني و ربنا يوفقك مع واحدة تاني غيري تقدر تفهمك وتسعدك أكتر مني .



- والدين اللي انتي متمسكة بيه يبيأمرك انك تسيبي جوزك

-أيوة...لما ما يقيمش شرع الله....وانت ما بتحافظ على دينك

-اديني فرصة أخيرة.....

-طلقني يا أحمد



و من جديد وحده يعمل بلا كلل لا يجد من يحرك قلبه بعد الفراق ، ويعود إلى مصر إلى حضن والده العزيز في أجازة قصيرة يبحث عن راحته ، وفي نهاية كل يوم يعود إلى الدار خالي الوفاض حتى طلب من أبيه البحث له عن زوجة تناسب أخلاقياته.



وضوءأصفر بنافذة سطع فجأة أخرجه من أفكاره ليتذوق ملوحة الدمع فوق شفتيه ، يرنو بعينيه إلى الأسفلت البارد من أسفله تلتمع فوقه بعض قطع الزجاج المكسور وبالداخل تدق الساعة لتخبر عن مرور ساعتين بعد منتصف الليل ، وميعاد دواء أبيه قد حان وبحرص بالغ يرفع قدميه عن السور المعدني ، ويدلف للغرفة ويغلق بابها بإحكام يمنع البرودة من التسلل ، ومن المطبخ يحضر كوب ماء يحمله إلى والده ليجده قد استيقظ وتناول زجاجة ماء من جانبه ..



-يابني أنا أتعودت خلاص على العيشة لوحدي......ليه تتعب نفسك وتسهر لغاية دلوقتي.

mr_calm
02-12-2006, 06:47 PM
أعجبتنى صورة الرجل الذي دفعه حزنه للجلوس على حافة الشرفة ويهز رجليه ... صورة جديدة فعلاً

مداد الصمت
02-12-2006, 07:51 PM
رائعه جداً