PDA

View Full Version : صبح



محمد العدوي
22-12-2006, 11:29 AM
صبــح



كأنما انسكب من السماء فتخطفته المدينة التي لم تطرد النعاس عن عينيها فغرقت فيه حتى لا تكاد ترى إلا البياض يلفك . أتحرك في الشوارع بحفظي لها و بقليل من الضوء الواهن الذي يصل من المصابيح التي لم تنطفئ بعد . إضاءة المصابيح في الضباب عمل أشعر ألا قيمة له فهذا البياض الذي هو أغنية الصباح يبتلعه كله . الأسود هو ما يعيد لنا ضوءنا فنراه .

لم يكن الوقت مناسبا للاستمتاع بالمدينة الغارقة في السماء الذائبة حيث تبدو ممتدة خلفي وأنا أعبر الجسر إلى الضفة الأخرى من النهر .

ضممت سترتي وأرحت كفي بها فيما كانت الأخرى حانقة لبقائها في الهواء البارد إذ لابد لإحداهما أن تحمل حقيبتي وأنا أعلم أن الحنق يجعل الوجوه حمراء أما هنا فقد جعل يدي زرقاء وجعلها أيضا صلبة كالزجاج . كنت أتخطى الجميع ، سيارات ومارة وكائنات حية . لا أدري لماذا قذفوا بسيارات ( المحلة ) لتكون آخر سيارات في هذا الموقف . ولو كان سفري لبورسعيد لوقفت هي الأخرى متطرفة في الأفق . والطريق إلى آخر الموقف طويل وضيق فلا تمر منه إلا سيارة ورجلين . وعلى يسارك سور محطة السكة الحديد وخلفه بناء المحطة القديم يحمل تاريخ افتتاحه 1931 . لكنه أيضا ليس الوقت المناسب لأن تتعلق عيني باللوحة التي كتبت بخط الثلث تدل على المحطة .

بلغت السيارة ولم يسبقني إليها إلا رجل قد احتل المقعد المجاور للسائق وفرد أوراقه بين يديه . أعرف أولئك المغرمين بإنهاء أعمالهم في المواصلات العامة . لن تعجب إذا ركبت في سفر لقرية مزوية على طرف النيل الآخر ثم رأيت رجلا يخرج حاسوبه ويتم عليه عمله . قديما فعلها الفلاحون حين انتشر الراديو الصغير فعلقوه على رقبة الحمار في غدوهم للحقول يسمعون الشيخ محمد رفعت . ويسمعون الشيخ مصطفى إسماعيل عند رواحهم و بينهما تشدو أسمهان . واحتلت المقعد الذي يلي السائق سيدة ريفية أجلست طفلة كأن قد ضربها النوم في وجهها فتورم ، وكأن شعرها كأنه صفف من يومين فملّ مكانه وانتشر ولما كنت مغرما بالنوافذ حتى و إن كان السفر ليلا و في السماء . ربما هو الأنس بالكون أو هو الرغبة في أن أخالط الناس بشق واحد ويبقى شقي الآخر حرا لي أصرفه كيف أشاء . وعلى هذا جلست في المقعد الذي تلاها ولم تمض دقيقة حتى جاءت سيدة كأن كل شيء فيها قد غسله الورد و بيدها طفلة كأن النهار قد طلع في وجهها قبل أن يكتمل حولنا . فأجلستها وجلست جوارها فسمعت صوت السائق يصرخ : مينفعش يا مدام . شيليها على رجلك . فردت قبلأن يكمل : هحاسبلها . فعاد إلى ندائه : محلة واحد . واحد المحلة .

قليلون هم من يعتبرون أبناءهم كيانات مستقلة فتجلسها على مقعد منفردة وأقل منهم أولئك الذين يجعلون أطفالهم كيانات مستقلة حتى في بيوتهم .

دقيقة أخرى واكتملت السيارة وسمعنا بسملة السائق وعبارة : الفاتحة للنبي . التي لا أفهمها ولا أعرف من هو النبي الذي يحتاج منا هذه ( الفاتحة ) فرد رجل جلس في آخر السيارة : قد جعل النبي بدلا من هذه الفاتحة دعاء وتلا دعاء السفر بصوت مرتفع فردده الركاب . اشعر بسعادة عندما أجد شخصا كهذا مع أني لا أفعلها .

لما رأت السيدة التي كانت عند النافذة أن جارتها قد أجلست ابنتها بينهما غرها هذا المكان الفارغ نوعا فأنزلت ابنتها هي الأخرى لتجلس جنب صاحبتها . والصحبة هنا صحبة السن وحده ولم يلبثا أن تعارفا تعارف الأطفال و وقفتا جنبا إلى جنب تتكئان على ظهر المقعد فبدت واحدة في صفاء القمر وبدت الثانية كأنها صورة قمر تعهدها طفل بأقلامه فمزق الصورة ولوّنها وجعل للقمر عينين وشفتين حتى بدا كأنه يلعن الليل .

وقفتا فوجدت نفسي إذا نظرت لهذه رددت ابتسامتها بابتسامة و إذا صُرف نظري تلقاء الأخرى خجلت لأني لا أجد لها ابتسامة تناسبها وتمنيت أن في وجهي ابتسامات المحادثات فأجعل لها وجها تبدو أسنانه . كأن الابتسامات قد وزعت مع الأرزاق فلا حظ لأناس فيها . وحِرْت إذ لو كان ابتسامي للأولى ابتساما للطفولة وكنت ممن يحبونها فلِم انعقد وجهي للثانية وهي إحدى صور الطفولة ؟ فليست الطفولة من ذوات الوجه الواحد .

وجدتني أسأل :
ازيك .
قالت الاولى : حمد لاه .
وضربتني الثانية بيدها لأعلم أنها أيضا ( الحمد لله بصحة جيدة وهذا الدليل ) .

لدي يقين أن من أراد أن يكره الأطفال فليرهم في سيارات النقل العام . لاسيما في السفر وقد كنت دليلا حقيقيا على ذلك .

سألت أمها ماما . هي دي ساقية . وأشارت إلى مالم أره فردت أمها وهي بين النوم واليقظة ولم ترفع رأسها : أيوة اقعدي ساكتة . فعادت وسألت . ساقية يعني ايه ؟ فلم ترد أمها لأنها لم تسمعها وخفت إن أجبتها أن لا أسلم من أسئلة كهذه : همَّ عملوا الكوبري ليه ؟ والبقرة دي ماشية لوحدها ليه ؟ و اشمعنى الشجرة دي واقفة ودي قاعدة . لكن صاحبتها ابنة النهار حملت عني العناء وإن لم تقطع طريق الإزعاج فأجابت : الساقية هي اللي بتخلي الأرض تشرب . فصمتت لحظة وقالت : وهي الأرض بتعطش . فلم تجد تلك جوابا لهذا السؤال فهزت أمها وقالت لها : هي الأرض بتشرب ليه يا ماما ؟. فأجابت تلك : علشان الزرع يطلع . فتمنيت أن تقتنع وألا أشهد الساعة ميلاد مدام كوري جديدة هنا في هذه السيارة .

وكان بين يدي كتاب لم أقرأ فيه كلمة فقالت : عمو انت بتقرا ايه قصة . ولم تنتظر حتى أجيب إذا بدا عليها كأن قد تذكرت وقالت لصاحبتها ( المنكوشة ) وهي تجلسها احكيلك حكاية السندرللا . وشرعت تحكي ..

قلت ضمنا اثنتين ينشأن على حكاية السندرللا وغيرها الشاطر حسن والأميرة والعفريت الأزرق . وتذكرت صدِيقةً لا تحب سندريللا وتقول غاضبة إن ورد ذكرها : دي سلبية .
ولعل غضبــها غيرة .

رحّال
22-12-2006, 03:02 PM
يشرفني أن أكون أول الحضور
لي عودة

(نجاة)
22-12-2006, 04:12 PM
ولعل غضبــها غيرة .
مش بعيدة! :gh:
بس معها حق:h:

...

حلو صباحك... :nn

محمد العَرَفي
23-12-2006, 12:05 AM
جميل يا دوك
والأجمل لو زودت عليها سندوتش فول،وحاولت التسمية بالطريقة التي علمتك إياها:biggrin5:

محمود الحسن
24-12-2006, 12:40 AM
طيّب ما ينفع يكون فيه يُتّبع , عليّ النعمة الا تنزل وشايك على حسابي :biggrin5:

أحسست ُ بواقعية في قصتك يا دوك

تقبّل تحيّاتي ..

Ophelia
25-12-2006, 11:05 PM
قليلون هم من يعتبرون أبناءهم كيانات مستقلة فتجلسها على مقعد منفردة وأقل منهم أولئك الذين يجعلون أطفالهم كيانات مستقلة حتى في بيوتهم .


فعلاً..






وقفتا فوجدت نفسي إذا نظرت لهذه رددت ابتسامتها بابتسامة و إذا صُرف نظري تلقاء الأخرى خجلت لأني لا أجد لها ابتسامة تناسبها وتمنيت أن في وجهي ابتسامات المحادثات فأجعل لها وجها تبدو أسنانه . كأن الابتسامات قد وزعت مع الأرزاق فلا حظ لأناس فيها . وحِرْت إذ لو كان ابتسامي للأولى ابتساما للطفولة وكنت ممن يحبونها فلِم انعقد وجهي للثانية وهي إحدى صور الطفولة ؟ فليست الطفولة من ذوات الوجه الواحد .


طيب وليه الاحساس بالخجل أو الذنب
مسألة طبيعية جدا ألا تميل نفسك للطفل القبيح
ولا اعتقد أن أحداً حتى الآن عشق القبح ولم نسمع بشيء كهذا إلا في أحدب نوتردام والحسناء والوحش :rolleyes:
نتيجة احتكاكي بكثير من الأطفال وجدت أن تصرفاتنا فعلا تتأثر بكون هذا المخلوق الذي نتعامل معه قبيح أم جميل أنيق المظهر أم متبهدل
يعني مثلا مظهر الطالب الجميل والمرتب كفيل وحده بأن يجعلني أتعاطف وأتسامح معه حتى إن لم يكن بمستوى جيد
أما الطفل الذي تشعر أنه خارج من للتو من معركة مع ديكة الحارة فحتى لو كان عبقري زمانه لن أتسامح معه وسأدقق عليه أكثر من غيره
مع انه قلما يختلف المظهر عن الجوهر ..

ومع الأطفال تحديداً لا يمكنك أن تحب طفل قبيح .. قد يمكن ذلك مع الكبار إن غطت أخلاقه وتصرفاته وسلوكه على مظهره أما مع الأطفال فالبراءة التي هي جمال الطفل لا تظهر إلا على وجه جميل نقي..

محمد العدوي
27-12-2006, 09:31 PM
رحــال :

مضت ايام ولا عودة ..
اتخطفت ولا ايه ..

فتاة الأقصى :













:)
تبع نظام الخرس المعمول به .

المهاجر :

فول الله يخيبك ..
طب اخفى من هنــا ..

محمود الحسن :
يا سيدي الحكايات كثيرة بس اللي يفوق علشان يسجل ما يمر ..
ثم انت قاعد في قطر ( قطار ) درجة تالتة .. بتعزم بشاي ..

منور .

أوفيليا :


مرتب ,, على كدة انا عمري ما كنت هتحب وأنا طفل ( إذ أني كنت طفل زمان )
دا انا عمري ما سرّحت شعري .. كان على طول هايش لفوق ..

أهو امثالكو بقى اللي بيقتلوا المواهب ( المنكوشة ) وأنا بقول مواهبي ماتت بدري ليه ليه .

فرق بين طفل عابر في الشارع وطفل في مدرسة هيبقى بني آدم له حيثية بكرة ..

ع د ي
28-12-2006, 09:22 AM
عزيزي نشيــد الربيـع ..



كأنما انسكب من السماء فتخطفته المدينة التي لم تطرد النعاس عن عينيها فغرقت فيه حتى لا تكاد ترى إلا البياض يلفك . أتحرك في الشوارع بحفظي لها و بقليل من الضوء الواهن الذي يصل من المصابيح التي لم تنطفئ بعد . إضاءة المصابيح في الضباب عمل أشعر ألا قيمة له فهذا البياض الذي هو أغنية الصباح يبتلعه كله . الأسود هو ما يعيد لنا ضوءنا فنراه .

جمــال الوصف - في هذا المقطـع - جعلني أتوقف عنـد هذه القصـة ..
أعجبني تصويرك للمشهـد ، ونقلتنـي بدايتـك إلى هنــاك ..

لا أدري لماذا قذفوا بسيارات ( المحلة ) لتكون آخر سيارات في هذا الموقف . ولو كان سفري لبورسعيد لوقفت هي الأخرى متطرفة في الأفق .

تصويـر لشدة البرد بطريقـة رائعـة وغير مبـاشرة ..
" المستعجـل دائمـاً يرى الأمور من هذه الزاويـة والله " ...


قليلون هم من يعتبرون أبناءهم كيانات مستقلة فتجلسها على مقعد منفردة وأقل منهم أولئك الذين يجعلون أطفالهم كيانات مستقلة حتى في بيوتهم .

جملــة بليغـة أيهـا الكـاتب ..

وضربتني الثانية بيدها لأعلم أنها أيضا ( الحمد لله بصحة جيدة وهذا الدليل ) .

مشهـد طفولي .. أعجبني ..

فتمنيت أن تقتنع وألا أشهد الساعة ميلاد مدام كوري جديدة هنا في هذه السيارة .

" هكذا همـ الأطفـال فعلا ً ... "


قلت ضمنا اثنتين ينشأن على حكاية السندرللا وغيرها الشاطر حسن والأميرة والعفريت الأزرق . وتذكرت صدِيقةً لا تحب سندريللا وتقول غاضبة إن ورد ذكرها : دي سلبية .
ولعل غضبــها غيرة .

أعجبتني نهـاية قصتـك .. الهــادئة
وأظنهـا بالفعــل غيـــرة ..

عزيزي نشيــد الربيــع ..
استمتعت بمهارتـك في الوصف في هذا النص ..
* في النص " وكأن شعرها كأنه صفف من يومين " ..
شعرت بأن في هذه الجملـة .. ارتباك " كأن شعرها كأنه " ..
مجرد ملاحظة بسيطة لا تقلل من نصـك الأدبي الرائــع ..

تقبـل تقديري لقلمـك وشخصـك الكريمـ ..

عدي ..

محمد العدوي
03-01-2007, 07:32 PM
العزيز عدي ..

ردك أعدني كثيرا .

ملاحظتك : وكأن شعرها كأنه صفف من يومين " ..
شعرت بأن في هذه الجملـة .. ارتباك " كأن شعرها كأنه " ..
مجرد ملاحظة بسيطة لا تقلل من نصـك الأدبي الرائــع ..

هي خطا في الكتابة . أو بالأحرى كانت جملة وعدلتها ولم أفطن إلى أن تركت ( كأن ) وصوابها .. وكان شعرها كأنه صفف .... )

مرة أخرى .. سعيد بك ومعذرة أن تأخرت في الرد .