PDA

View Full Version : شمعة الأرّجاني



fishawy
30-01-2007, 10:47 AM
القاضي ناصح الدين أحمد بن محمد الأرّجاني(1)
حامل لواء الشعر بالمشرق
وأحسَنْتُ بالأيّامِ ظَنّي فما وفَتْ
وما الحزْمُ بالأيّامِ أن تُحسنَ الظَّنّا

أنار الله بصيرتك بالعلم, ورفع قدرك بالمعرفة, ورزقك الذاكرة الواعية, أذكرك بحديثنا عن القصائد التي تركها لنا الأقدمون, والتي بلغوا فيها حد الإبداع حتى أنهم في تناولهم لموضوع قد يصلوا فيه إلى الكمال, الذي لا يترك لمن بعدهم إضافة أو استدراك.
ولما كنت في تلك الأيام أتدارس مع بعض الإخوان عدداً من القصائد, صادفتني قصيدة للقاضي ناصح الدين الأرجّاني(2) في وصف الشمعة(3), توقفت عندها كثيراً, وقرأتها عدة مرات, ولعلك تذكر حديثنا عن الشاعر في حالة ابتكار قصيدة, وأننا ذكرنا أن الشاعر الصادق يمر بحالة من المعاناة, والتقلب, والتردد, والتوتر كلما سيطرت على ذهنة فكرة لقصيدة جديدة, ثم ما يلبث هذا التردد والتوتر أن ينضج, ويستوى على عوده فتعقبه حالة المخاض الفكري, فتخرج لنا قصيدة بها من الإبداع اللفظي, والصور البديعية, والجناس, وما شابه ذلك, مما يجعل القارئ يسأل نفسه كيف ومن أين أتى الشاعر بتلك العبارات, ولعلك تذكر أننا اتفقنا على أنه كلما كانت معاناة الشاعر مع الفكرة أشد, كلما جاءت قصيدته أصدق تعبيراً, وأرهف شعوراً, وأعذب ألفاظاً(4).

قرأت قصيدة القاضي ناصح الدين, والتي قال عنها العلماء أنه لم يأت أحد بمثلها في وصف الشمعة, فرأيته جالساً بخيمته(5) في ظلام حالك, مفكراً, متدبراً في أموره, وقد مر شريط حياته أمام عينيه, فهو قد عُمر حتى زاد على الثمانين(6) , ورحل جميع من كان يحبهم وبقي هو وحيداً.
مد يده وأخذ شمعة يشعلها ليبدد هذه الظلمة الحالكة, وما أن أشعل الشمعة(7) إلا وبدأ في تأملها والتفكر
فيها, تلك التي تكشف أسرار الظلام وتنير الليل فلا يبقى هناك غامض لا تراه, تلك التي تفني نفسها لنفع الآخرين, تحرق نفسها لتنير لغيرها الطريق, حياتها في احتراقها .
هل تلك الشمعة هي محبوبته التي لم تفارق خياله, أم تلك الشمعة هي نفسه(8) التي احترقت مرات ومرات, مرة صباً, ومرة ظلماً وحسداً من الآخرين, ومرة عدم تقدير الناس لعلمه(9) ؟.
استمر القاضي في تأمل الشمعة والتفكر فيها وقتاً ثم أخذ في صياغة قصيدته, حيث يقول :

نمت بأسرار ليلٍ كان يخفيها*****وأطلعت قلبها للناس من فيها
قلبٌ لها لم يرعنا وهو مكتمنٌ*****إلا ترقيه ناراً في تراقيها
هل تلك الشمعة هي المرأة التي ظل القاضي يصف محاسنها في شعره ويتغزل فيها ؟ نعم إنها هي, ولكنها هنا ليست تلك المليحة التي سلبت فؤاده في كل قصائده(10) بل تختلف عن محبوبته فهي ذات لسان ملهب حارق لا يفيدها, بشئ بل يجني عليها ويفنيها, فتبكي دموعاً ساخنة ذات لظى

سفيهةٌ لم يزل طول اللسان لها*****في الحي يجني عليها صرف هاديها
غريقةٌ في دموعٍ وهي تحرقها*****أنفاسها بدوامٍ من تلظيها
نعم تلك الشمعة هي تلك المرأة التي طافت بخيال شاعرنا وشغلت الكثير من قصائده, هي تلك الحسناء التي أذابته رقتها والتي احتلت الكثير من قصائده, وهزته دموع وجدها(11) , ولوعته بوعودها وعهودها , ثم اشتكت هجره لها

تنفست نفس المهجورة ادكرت*****عهد الخليط فبات الوجد يبكيها
يخشى عليها الردى مهما ألم بها*****نسيم ريحٍ إذا وافى يحييها
تلك الشمعة التي انبعثت تنير جوانب خيمته بضوء ساطع كما يفعل شهاب ثاقب يتبع شيطان مارد, ظهرت في ظلمة خيمته كتلك الغرة البيضاء الناصعة في وجه الفرس الأسود الحالك السواد.

بدت كنجمٍ هوى في إثر عفريةٍ(12)*****في الأرض فاشتعلت منه نواصيها
كأنها غرةٌ قد سال شادخها*****في وجه دهماء يزهاها تجليها
وتسيطر على شاعرنا محبته للمرأة وعشقه لها, فكلما حاول أن يبتعد في وصفه للشمعة عن صفات المرأة معشوقته, عاد به القصيد إليها ثانية, فها هو يرى شمعته الزوجة الثانية والتي تغار من الزوجة الأولى ( الشمس) والتي هي المحبوبة لزوجها, فكلما غابت الشمس قامت الشمعة بتقليدها, لعلها تنال رضى ومحبة الزوج كما تناله الأولى.
أو ضرةٌ خلقت للشمس حاسدةٌ*****فكلما حجبت قامت تحاكيها
وحيدةٌ بشباة الرمح هازمةٌ*****عساكر الليل إن حلت بواديها
ما طنبت قط في أرض مخيمةً*****إلا وأقمر للأبصار داجيها
أهاجت تلك الشمعة الذكريات في نفس القاضي, حيث رأى كل صفات المحبوبة في شمعته فحمرة الوجنة, وقامتها الغصنية, وسهولة الوصل, وقطاف الثمر بدون شوك, نعم هي تلك محبوبته.

لها غرائب تبدو من محاسنها*****إذا تفكرت يوماً في معانيها
فالوجنة الورد إلا في تناولها*****والقامة الغصن إلا في تثنيها(13)
قد أثمرت وردةً حمراء طالعةً*****تجني على الأكف إن أهويت تجنيها
وردٌ تشابك به الأيدي إذا قطفت*****وما على غصنها شوكٌ يوقيها
صفرٌ غلائلها حمرٌ عمائمها*****سودٌ ذوائبها بيضٌ لياليها
كصعدةٍ في حشا الظلماء طاعنةٍ *****تسقي أسافلها ريا أعاليها
كلوءة الليل مهما أقبلت ظلمٌ*****أمست لها ظلمٌ للصحب تذكيها


لوعته وعذبته بتمنعها وتدللها فلا يمكن نوالها إلا بأن يشعرها بأنها الآمرة وأنها الملكة التي لا يرد لها أمر.
وصيفةٌ لست منها قاضياً وطراً*****إن أنت لم تكسها تاجاً يحلّيها
وعلى الرغم من كونها متدللة متمنعة, إلا أنها إن جد الجد تضحي بنفسها في سبيل الحبيب, مثلما تفعل المرأة الهندية التي تحرق نفسها مع جثة زوجها, لأنه لا بقاء لها بعده ولتكن معه في العالم الآخر.

صفراء هنديّةٌ في اللون إن نعتت*****والقدّ واللين إن أتممت تشبيها
فالهند تقتل بالنيران أنفسها*****وعندها أنّ ذاك القتل يحييها
ما إن تزال تبيت الليل لاهيةً*****وما بها علةٌ في الصدر تظميها
تحيي الليالي نوراً وهي تقتلها*****بئس الجزاء لعمر الله تجزيها
ورهاء لم يبد للأبصار لابسها*****يوماً ولم يحتجب عنهن غاديها
قدٌّ كقدّ قميص قد تبطّنها*****ولم يقدر عليها الثوب كاسيها(14)
غرّاء فرعاء لا تنفكّ فاليةً*****تقص لمتها طوراً وتفليها
حتى وإن شابت فهي مازالت المحبوبة الجميلة التي تزيل الهموم عن القلب حينما تتداعى, حتى وإن كانت تلك الحبيبة معتلة فهي تسعد حبيبها بما تملك.

شيباء شعثاء لا تكسى غدائرها*****لون الشبيبة إلا حين تبليها
قناة ظلماء ما ينفك يأكلها*****سنانها طول طعنٍ أو يشظّيها
مفتوحة العين تفني ليلها سهراً*****نعم وإفناؤها إياه يفنيها
وربما نال من أطرافها مرضٌ*****لم يشف منه بغير القطع مشفيها
ويل امها في ظلام الليل مسعدةً*****إذا الهموم دعت قلبي دواعيها
هل تلك الشمعة مثلي؟ سأل القاضي نفسه, ثم أجابها : نعم هي تشبهني, تماثلني, ولكن ... هي أشجع وأصدق مني فهي تظهر ما بها وتبوح بما داخلها وتعبر عما يدور بباطنها, أما أنا فلخشية الوشاة, ولرهبة الحساد , ولسعي الكارهين لسقطات القول , لا يمكنني البوح بما لدي من حب أو كره.
لولا اختلاف طباعينا بواحدةٍ*****وللطباع اختلافٌ في مبانيها
بأنها في سواد الليل مظهرةٌ*****تلك التي في سواد القلب أخفيها
وبيننا عبراتٌ إن هم نظروا*****غيّضتها خوف واشٍ وهي تجريها
وما بها موهناً لو أنها شكرت*****ما بي من الحرق اللاتي أقاسيها
ما عاندتها الليالي في مطالبها*****ولا عدتها العوادي في مباغيها
ولا رمتها ببعدٍ من أحبتها*****كما رمتني وقربٍ من أعاديها(15)
ولقد ذكرت لك سابقاً أن القاضي ناصح الدين كان يعاني من حساده كثيراً مما جعله يستشعر ظلماً وعدم اعتراف بقدره وعلمه, لذا فمحبوبته أو شمعته على الرغم من اتفاقها معه في بعض الصفات, إلا أنها لا تعاني من الحساد ولا تعاني من شعور الضياع حينما لا تبلغ مقاصدها وغاياتها.

ولا تكابد حساداً أكابدها*****ولا تداجي بني دهرٍ أداجيها(16)
ولا تشكى المطايا طول رحلتها*****ولا لأرجلها طردٌ بأيديها
إلى مقاصد لم تبلغ أدانيها*****مع كثرة السعي فضلاً عن أقاصيها(17)
وتمر بالقاضي لحظة يأس بأنه لا أحد يحمل هم أحد, بل كل إنسان همه نفسه, فالسعيد مبتسم ضاحك, والحزين المهموم يبتلع حزنه وهمه وحده(18).

فليهنها أنها باتت ولا هممي*****ولا همومي تعنيها وتعنيها(19)
أبدت إليّ ابتساماً في خلال بكاً*****وعبرتي أنا محض الحزن يمريها
وهنا متعك الله بالعافية , وبعد أن أنتهى القاضي من صياغة قصيدته وأتم وصف الشمعة مرة كالحبيبة ومرة كنفسه , ثم قارن بين ما هو فيه من عدم تقدير واعتراف بفضله وعلمه , رأى أنه لا سبيل لنيل مراده وبلوغ مرماه إلا بممارسة بعض نفاق الشعراء , ولا طريق لبلوغ هدفه إلا بمدح الولاة والأمراء(20) , وبدى لي أنه بعد أن فرغ من قصيدته إلى حيث وقفنا بآخر بيت منها سأل نفسه : وما الفائدة من تلك القصيدة إن لم تأتي بالخير , ثم أكمل ليلته مستلقياً يفكر في أمره وأمر قصيدته , وما أن أشرقت شمس صباحه إلا وبادر إلى ريشته ودواته ليكمل القصيدة ولكن بمنحى آخر وعلى نفس الوزن والقافية فلقد خرج من حالة وصف الشمعة - والتي أمتعنا بها - إلى المديح(21) الذي نزهت سمعك - لمكانتك مني - عن أن أكمل رسالتي بالتعليق على مديحه(22) .
ثم لعل الله أن يقدر لي معك لقاءاً آخر.
الهوامش
(1) - هو القاضي ناصح الدين أحمد بن محمد بن الحسين الأرجاني, ولد في أرجان وطلب العلم بأصبهان وكرمان, وتولى منصب نائب قاضي قضاة خوزستان, ثم تولى القضاء بأرجان . ولد سنة أربع مائة وستون وتوفي عام أربع وأربعين وخمس مائة. وصفه الصفدي في (الوافي بالوفيات) بأنه أحد أفاضل الزمان , لطيف العبارة غواصاً على المعاني , إذا ظفر بالمعنى لا يدع فيه لمن بعده فضلاً. وكان قاضي القضاة القزويني يعظمه ويرى أنه من مفاخر العجم واختار شعره وسماه ( الشذر الجاني من شعر الأرجاني). وبقراءة شعره ستجده عذب الألفاظ سلس المعاني سهل العبارة وديوانه ملئ بقصائد المدح التي تتخللها أبيات سخرية مبطنة , يسخر فيها من عدم تقدير الناس لعلمه ومن عدم وجود الخل الوفي , سمى الذهبي شاعرنا في العبر بـ(حامل لواء الشعر بالمشرق). قالوا أن الذي جُمع من شعره لا يكون العشر مما كتبه وقيل أنه كان له في كل يوم ثمانية أبيات ينظمها على الدوام , وبحسبة بسيطة لو أنه ابتدأ نظم الشعر في سن الثلاثين , وهو قد تعدى الثمانين فلو كانوا جمعوا كل شعره لصار لدينا مايقارب 150 ألف بيت ولكن الموجود بديوانه ما يقارب الثلاثة عشر ألف بيت أي بالفعل يوازي العشر.
ومن الطرائف التي اكتشفتها أن أمير الشعراء أحمد شوقي قد اقتبس عدة أبيات من الأرجاني ضمنها قصيدته (مضناك جفاه ) والتي صاغها على نفس وزن وقافية قصيدة الأرجاني.
(2) - أرجان مدينة بين فارس والأهواز ومن ينسب إليها يقال له الأرّجاني (بتشديد وتثقيل الراء) أو الرجاني
(3)- يبدو أن شاعرنا كان مغرماً بنظم الشعر عن الشموع فله أبيات كثيرة يذكر فيها الشمع منها :
تَدري باللهِ ما يَقولُ الشّمْعُ***للنّارِ وقد علاه منها اللّمْعُ
الطّاعةُ فيّ للهوَى والسّمْعُ***ما دام لك اللّمْعُ فمنّي الدَّمْع
ومنها
قد زال ظُلمةُ ذاكَ اللّيلِ عن بَصَري***بشَيْبِ رأسٍ كرأْسِ الشَّمْعِ مُشْتَعِل
ومنها
وكنتُ والعِشْقَ مثْلَ الشّمعِ مُعتلِقاً***بالنّارِ أَبقيْتُه جَهلاً فأفناني
(4) - ومثال على عذوبة ألفاظه ورقة معانيه قوله :
ولا تلم المتيم في هواه***فلوم العاشقين من الخطايا
(5) - كان القاضي قد طلب خيمة من الوزير أنو شروان بن خالد القاشاني , فلم يكن لدى الوزير خياماً بهذا الوقت فبعث إليه صرة فيها خمس مائة دينار وقال إشتر بها خيمة , فقال الأرجاني :
لله در ابن خالد رجلاً***أحيا لنا الجود بعدما ذهبا
سألته خيمة ألوذ بها***فجاد لي ملئ خيمة ذهبا
(6) - هل كان القاضي ناصح الدين ينعي نفسه وعمره بتلك القصيدة ؟ فلقد ذكر بأخرى :
فرجَعْتُ لمّا شِبْتُ أسبَقَ دَمعةً***من شَمعةٍ عندَ اشتِعالِ الرّاس
(7) - كانت الشموع تستهوي شاعرنا وتثير بنفسه كثيراً من الشجن فهو يقول عن الشمعة بقصيدة أخرى :
شمعةٌ تَحسدُ الشّموعُ سناها***ولهذا دموعُها الدَّهرَ تَتْرى
(8) - شبه الشاعر نفسه بالشمعة في بيتين له حيث قال :
لا مُسْعِدَ لي إذا اعْتَراني الأَرَقُ***في لَيْليَ غيرُ شَمعةٍ تَأتلِقُ
حالي أبداً وحالُها يَتّفِقُ***الجِسمُ يذوبُ والحشا يَحْتَرِق
(9) - كان القاضي ناصح الدين يعتقد أنه لم يوفى حقه في المناصب التي تولاها على الرغم من علمه وفضله وفقهه وأدبه, فحين آلت إليه نيابة القضاء بخوزستان قال عن نفسه :
ومن النوائب أنني***في مثل هذا الشغل نائب
ومن العجائب أن لي***صبراً على هذي العجائب
كما أنه يقول عن أدبه وشعره وعلمه بالفقه والعلوم الشرعية :
أنا أشعر الفقهاء غير مدافعٍ***في العصر، أو أنا أفقه الشعراء
شعري إذا ماقلت دونه الورى***بالطبع لا بتكلف الإلقاء
ويقول عن نفسه :
أنا كالسُّها خافي المكانِ فضُمَّني***يا صاح منكَ إلى ابْنِ نَعشٍ أُبْصَر
كم ذا التّطَوُّفُ في البلادِ مُضيَّعاً***حَيرانَ يَقرُبُ مَوْردى من مَصْدَري
وأخوضُ في لُجَجِ البحار معَ الظّما***فأعودُ منها ذا أديمٍ أَغْبَر
حالٌ من الحظِّ المُضاعِ تَغَيَّرُ الدْ***نْيا مِراراً وهْي لم تَتغَيّر
(10) - يقول في وصف تلك الجميلة الحسناء :
وتطلعت فأضاء غرة وجهها***بالليل أيسر منهجي والإيمنا
سترت محياها مخافة فتنتي***بنقابها عني فكانت أفتنا
وتكاملت حسناً فلو قرنت لنا***بالحسن إحساناً لكانت أفتنا

(11) - يقول : إنّ الذينَ عُهودُهمْ كعُيونِهمْ***عندَ اللّقاء ضعيفةُ الأركان
جَعلوا وما عدَلوا غداةَ تَحكَّموا***دَمْعي الطّليقَ لهمْ وقَلبي العاني
(12) - عفرية هي الشيطان المارد الذي ترجمه الشهب في قوله تعالى (إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ).
(13)- وهنا ترى فرقاً بين محبوبته والشمعة فمحبوبته ليست سهلة المنال , فلقد قال قال عنها :
ورد الخدود ودونه شوك القنا***فمن المحدث نفسه أن يجتني
أما الشمعة فما على غصنها شوك يوقيها.
(14) - على الرغم من تكرار حرف القاف في هذا البيت إلا أنه لم يعب النظم بل زاده حسناً.
(15) - يذكر شاعرنا وحدته لرحيل أحبابه إلى العالم الآخر حيث عُمِر هو إلى ما بعد الثمانين في قوله :
وتَقطّعتْ أقرانُ عُمْري فانقضىَ***إن شئِتُ أن تَتَفرّقَ القُرناءُ
(16) - كان القاضي يعاني كثيراً من عدم وجود الصديق المخلص والخل الوفي بل كل من حوله حُسّداً , قلوبهم ليست خالصة :
كم قد ضَرْبتُ في البلادِ طالباً***مُفتِّشاً عن صاحبٍ مُساعد
فلم أَجِدْ في الشّرِّ غيرَ شامتٍ***ولم أَجِدْ في الخَيرِ غيرَ حاسد
كُلُّ بني الحضرةِ قد ذمَمْتُهم***ذَمَّ فتىً في القُربِ منهم زاهد
ما فيهمُ رِقّةُ قلبٍ بَتّةً***لفاضلٍ في زَمنٍ مُناكِد
(17) - ياسف ويتحسر القاضي على أنه لم يبلغ غايته على طول سعيه ولعل في أبياته التالية معبراً عن حالته :
كيف أَرجو نَيْلَ الغِنَى في زَمانٍ***أنا بالنّاسِ فيه ذو عِرفان
ظَلَّ مالي وظَلَّ عِلْميَ فيه***وهُما في نهايةِ النُّقْصان
ورَضِينا بقسْمَةِ اللهِ إذ كا***نَ مُحالاً أَن يُجْمَعَ الفَضْلان
أَن يكونَ الزّمانُ عَيْبيَ أَوْلَى***بيَ من أَن أَكونَ عَيْبَ الزَّمان
(18) - على الرغم من أبيات الشاعر الموحية بالسعادة أحيانا لكننا نرى خلف تلك السعادة نفس ذاقت مرارة عُدمَ الصديق الوفي والأخ المواتي , يقول :
وَلَمَّا بَلَوْت النَّاسَ أَطْلُبُ مِنْهُمْ***أَخَا ثِقَةٍ عِنْدَ اعْتِرَاضِ الشَّدَائِدِ
تَطَمَّعْت فِي حَالِي رَخَاءً وَشِدَّةً***وَنَادَيْت فِي الْأَحْيَاءِ هَلْ مِنْ مُسَاعِدِ
فَلَمْ أَرَ فِيمَا سَاءَنِي غَيْرَ شَامِتٍ***وَلَمْ أَرَ فِيمَا سَرَّنِي غَيْرَ حَاسِدِ
(19) - وكان من هموم شاعرنا أسفه الدائم على ما مضى من زمانه وحير ته وخوفه من المستقبل
فلقد دفعت إلى الهموم ينوبني***منها ثلاث شدائد جمعن لي
أسف على ماضي الزمان وحيرة***في الحال منه وخشية المستقبل
ما إن وصلت إلى زمان آخر ***إلا بكيت على الزمان الأول
(20) - ومما يثبت كراهته لمدح ولاة الأمر - مع أن له الكثير من قصائد المدح – وأنه يفعل هذا مضطراً قوله :
سعيي إليكم في الحقيقة والذي***تجدون عنكم فهو سعي الدهر بي
أنحوكم ويرد وجهي القهقرى***دهري فسيري مثل سير الكوكب
(21) - نستشعر في بعض أبيات القاضي نوع من السخرية المبطنة بالمدح فها هو يسخر من إهدائه القصائد للولاة بقوله :
وأهد إلى الوزير المدح يجعل***لك المرباع منها والصفايا
وقل للسائرين إلى ذراه***ألستم خير من ركب المطايا
(22) - حتى إن الصفدي في الوافي بالوفيات لم يعقب بعد ذكره للقصيدة سوى بقوله ( وخرج إلى المديح).

بلقيس..
31-01-2007, 03:59 AM
اسمح لي بنسخة لأقرأ على مهل .
لك شكري

أيمن ابراهيم
31-01-2007, 12:08 PM
ونسخة أخرى لى يا صديقى ، كل عام وأنت بخير ، إفتقدناك طويلا

fishawy
01-02-2007, 02:10 PM
الأخت بلقيس , الأخ الفاضل أيمن
وكل عام وجميع الأحباب بخير ولكم كل التحية والتقدير

السناء
03-02-2007, 12:03 PM
هو نقل أم اختيار أم ماذا يا فاضل !
بانتظار ردك وتوضحيك
تقديري

fishawy
03-02-2007, 01:09 PM
الفاضل السناء
النقل هو فقط في أبيات القصيدة أما الباقي فهو رؤيتي للقصيدة وتعليقي عليها
ولك التحية

أزهر
03-02-2007, 06:56 PM
ولجهدك أخي ثلاثون شمعة وشمعة :) .

إلى الأفياء حيث مهبط الشعر .

fishawy
04-02-2007, 09:17 AM
أخي الفاضل أزهر
لك الشكر على صنيعك , ومقبولة منك الثلاثون شمعة سأوقدها في عيد ميلادك , ثم لك الفضل حيث أنني قدمت شمعة فرددتها لي ثلاثين
ولك خالص تحياتي