PDA

View Full Version : في بيت تولستوي



Ophelia
08-02-2007, 02:46 PM
في بيت تولستوي

http://upthings.googlepages.com/leo_house.jpg
من كتاب
قمم في الأدب العالمي
للدكتور
بديع حقي



" إنه لأيسر للمرء أن يكتب عشرة مجلدات في الفلسفة من أن يطبّق مبدأً واحداً".

" ليس الكمال الخلقي الذي يصل إليه الإنسان بمهمٍ ، بل الطريقة التي ينتهجها ليدركه".

ليف تولستوي


( إن هذا الإنسان ليخيفني، ويشير في عطفيّ عجباً وفرقاً وإعجاباً متصلاً، وأشعر أنه ليضنيني، أن أراه غالباً، إن تولستوي المفكر والمصلح، هو ختام التاريخ الروسي القديم، ولكنه ينتصب عن علمٍ منه أو دون علم، جبلاً شامخاً، في الطريق التي تفضي بشعبنا إلى حياة مجدّة عاملة، تتطلب من المرء إذكاء قواه الروحية كلها).

مكسيم غوركي


كانت الطريق الممتدة من (موسكو) إلى (ياسنا باليانا) طويلة لاحبة، وكان شِيات من الخضرة تستبق، تياهة، مستطلعة على عِذار الطريق، ثم تتناءى، في منسرح النظر، فتأتلف منبسطة في مروج فسيحة تارة، وتختصم ممزقة في فيء أغصان متواشجةٍ ملتفة، تارة أخرى.

وكانت السيارة قد هدرت أربع ساعات أو تزيد، من (موسكو) إلى (ياسنا باليانا) وهي تلتهم أديم الأرض المعبّدة المليسة، الأرض التي كان الكاتب العظيم يضرب فيها، وهو شاب غني، بعربته الفخمة، ويسعى فيها، بعد أن شاخ وامتد به العمر، ماشياً من (موسكو) إلى بيته البعيد، عازفاً عن ترف المركبة المريحة، مرتدياً ثيابه اللبيسة الخشنة، آخذاً بمدرجة فلاحٍ روسي فقير.

- هذا هو بيت (تولستوي).

http://upthings.googlepages.com/tol-house.jpg

قالها السائق، مومئاً بسبابته إلى البيت، كأنما يومئ إلى معبدٍ مقدسٍ ينبغي لك أن تخلص إليه، ونفسك مجنحة بالمحبة والخشوع، بريئة من بدوات الجسد وأوضار المادة، وبدا البيت وسيعاً مترامي الجنبات، تكتنفه الأشجار السامقة. ونسمت في ذهني، والسيارة تقترب، شيئاً فشيئاً، هينماتٌ من ذكرى روايات (تولستوي) التي غذّت خيالي ورفدته بألوان حية باقية منذ زمن بعيد بعيد.

وكنت قد قدمت مع طائفة من الزائرين – جلهم من السلك السياسي – وسلكنا ممراً ظليلاً، توزعت على طرفيه شجيرات الورد، متعانقةً، في غير تنسيق، لعلها كانت توحي إلينا، وهي تهشّ لأبصارنا المتطلعة مسربلة ببساطة ساذجة، بأنها ما تزال تعيش مثل صاحبها القديم حرة، نقية، تنبسط فروعها في الفضاء، مترعة بالحياة، وتمتد جذورها في الأرض الخيّرة تستصفي غذاءها الطيب.

أجل، ههنا كان يعيش (تولستوي) ، على هذه الأرض كان يدرج ويتعثّر، طفلا صغيراً، متزايل الخطا، ثم يركض فتى يافعاً، ليسابق أخوته على صيد الفَراش، أو ليجلب إلى جدته العجوز باقة من البراعم المنوّرة. ههنا كان يحلو له الجلوس، ليرنو إلى (أكيم) الخادم المتصوف يناجي ربه:
- يا رب، أنت الطبيب وأنت الصيدلي.

أو يصغي إلى ذلك الشيخ الأعمى يقص عليه طرفاً من الحكايات الشعبية وقصص ألف ليلة وليلة، لينثر ، في خياله، بذوراً، تُؤتي أُكلَها، ذات يوم، روايات رائعة. أو يراقب الخادم (كريشا) لا يني ينتحب، ليل نهار، ليعديه ببكائه ويجعل منه في المستقبل (ليوفا ريوفا) ، أي (ليف) النوَّاحة.

ها هي ذي الغابة التي عثر فيها، وهو ما يزال فتى صغيراً طاهر القلب، على غصنٍ أخضر، ودفنه في خشوع ساذجٍ، معتقداً أنه سوف ينبت ويورق ويهب الخير للناس كافة.

ههنا امتدت لوحة صغيرة كتب عليها: (في هذا المكان ولد "ليف نيقولايفتش تولستوي" في 28 آب عام 1828)، بل ههنا عرفت روسيا مولد أكبر كاتب إنساني.

ودخلنا بيت (تولستوي) . إنه بيت مؤنس، خلّفت يد العتق والقدم لمساتها على أثاثه وجدرانه. واستقبلتنا دليلةٌ روسية في ريّق العمر، حسنةُ السمت، نديّة الصوت، قد وعت في ذاكرتها سيرة (تولستوي) وملامح بارزة من أدبه وفلسفته، موصولةً بكل أشيائه الماثلة الباقية، وجعلت تقتطف لمحاتٍ من سيرته الحافلة وتنفضها في أداء طلي، حتى يوشك السامع أن يمثل في وهمه أن تولستوي ما يزال حياً، يتوقع زيارتنا ويستقبلنا بابتسامته المرحبة الوضيئة.

وكأن القائمين على أمور الدار قد ألمّوا بما يختلج في النفس من ظن، فوضعوا في الرواق، تمثال (تولستوي) يرحب بزائريه، وإلى جانبه لوحة تجلو كلمات (لينين) المأثورة عنه:

- إن (تولستوي) هو مرآة الثورة الروسية.

وصافح أبصارنا، تمثال نصفي خشبي، يحكي رأس (تولستوي). لله درّ تلك الأنامل اللبقة التي مرّت على الخشب فألانت منه، فحفرت هنا، وشذّبت من هنا، ونقرت هناك، حتى اشرأبّ من الخشب الطيّع، تمثالٌ معبّر يكاد يتكلم. أجل كان يتأوّد، من قبل، في الخشب المنحوت، غصنٌ حيٌّ ريّانُ، ثم جفّ وغاض نُسْغه الطري فمات وأضحى حطباً يابساً، ليبعث مرة أخرى، وتنسكب في إهابه وليّاته ومطاويه، معانٍ من الحياة الخالدة، وينتفض تحت نقرات المحفر الصنّاع وقبلاته، أثراً فنياً ، مزهواً بأنه يحمل قسمات أكبر كاتب إنساني عرفه القرن التاسع عشر.

وبدا لي ، في مسنح نظرةٍ خاطفةٍ، أن رأسه يماثل هامة الأسد، تترسلّ لبدته على فوديه، منسابةً، مترفّقة، وتتدفق لحيته كاسيةً عارضيه، منحدرة على صدره، وتحنو فوقها سبال شاربيه، مظللة شفتين واشيتين بالحساسية المفرطة المرهفة، ويبرز أنفه في هذا البحر اللُّجيِّ من الشعر، ضخماً واسع المنخرين، كأنما يبغي أن يستاف عبق الأرض كلها، ويحبو فوق عينيه حاجبان كثيفان، تنفسح في أعلاهما جبهة عريضة يحفّ بها الشعر الأبيض، فكأنها السماء الرحيبة، يكتنف حواشيها ركام الغيوم.


http://upthings.googlepages.com/tolestoy-nose.jpg

وتملّى بصري عينيه، وتمثّلتهما عينين زرقاوين، ترسلان من وقبيهما جُذىً وضياءً ووجداً. لقد تحدّث عن عينيه المشعّتين كل من اجتمع إليه. إنهما تحدقان إليك، وتريقان نظرات زاخرة متقدة فكأنهما البرق يتخطّف السماء في غابة موحشةٍ، فإذا نعمت بهذا الألق الباهر، لم تدر كيف يمكن أن تواري الحقيقة عن عينيه، ولكنك ما تلبث أن تستشعر الطمأنينة وتنغمس في النظرة النافذة، تودّ أن تغوص في معانيها العميقة، لعلك أن تظفر بألف لؤلؤة ولؤلؤة، أجل، إن في هاتين العينين تتلخّص – كما كان يقول عنهما (مكسيم غوركي) – مائة عين. إن في ميسورهما النفوذ إلى الأغوار الدفينة من النفس واستشراف معنى الكشف الإلهي والجرأة على مواجهة العدم – كما يقول عنهما (ستيفان زفايغ) – فلا تستطيبان راحة ولا تألفان استقراراً، إذ ما يكاد الجفنان ينفرجان، حتى تفتّشَ العينان على فريسة، لتحسرا عن أي سر وتقاوما أي خرافة، وتفضحا أيّ خداعٍ أو كذبٍ. إنهما تبتسمان بنور داخلي، دون أن تواكبهما الشفتان بابتسام. إنهما أفصح عينين تألقتا تحت جبهة إنسان.

وينهض طيفه إن تمثّلتَه حياً، مطلاً عليك، بطلعته المهيبة، وتترادف الصورة التي جلتها كلمات الكاتب الروسي (بونين) حين اجتمع إليه:

"وانفرج الباب، فأطل رجلٌ ، ذو نظرة ثاقبة، وحاجبين كثيفين، يرتدي قميصاً فضفاضاً، قاتماً، واقترب ، ثانياً ركبتيه بعض الشيء، وعلى حين غرة، تألق الوجه القاسي، بابتسامةٍ ساحرةٍ ندية بالطيبة، تنسم فيها أثارة حزن، ثم انقلبت عيناه الثاقبتان القاسيتان، عينا الذئب، فأضحتا يقظتين، كأنهما عينا حيوان ذكي، ومدّ إلى ضيفه يداً عجيبةً خشنةً معروقةً، ولكنها يدٌ معبرةٌ، ملأى بقوةٍ خلاقةٍ، يد تستطيع أن تنهض بأي عبء".

وتغيم هذه الصورة المتخيلة، لتستقبلنا لوحات زيتية لتولستوي في أطوارٍ مختلفة من حياته، رسمها كبار فناني عصره.

وتملأ ملعب الجدران صورٌ فوتوغرافية، لتقوم في خيالنا صورةٌ وافية عنه، فهو قوي الذراعين، عريض المنكبين، متين الأسر، إنه فلاح روسي حقيقي، ألم يقل هو عن نفسه؟: (إن جسمي يشدّني إلى شكل فلاح روسي حقيقي).


http://upthings.googlepages.com/tols-modest.jpg

وتتحدث الدليلة عن قوته: كان يستطيع، في شبابه، أن يرفع رجلاً بيد واحدة وظل جسمه فتياً صلباً، حتى في شيخوخته، ففي سن السبعين كان يروق له أن يزاول رياضة التزحلق على الثلج، وفي الثانية والثمانين، كان يحلو له أن يعلو فرساً شموساً من صافنات الخيل لينطلق به في منبسط السهل الرحيب، فلا يكبو به ولا يتعثّر، وكان في مكنته، حتى بعد أن تقدّمت به السن، أن يلمح الحشرة مهما تكن صغيرة، وأن يسمع الصوت مهما يكن خفيضاً.

وأومأت الدليلة إلى صورة تمثله شيخاً وراء محراث، ولحيته تعصف بها الريح وهو يشقّ الأرض فتستسلم له، منقادةً، كما تستسلم لساعدي شاب مفتول العضل، وكذلك ظل (تولستوي) عمره كله، لا يعرف أن سريره قد شدّه إليه في مرض خطير.

واسترسلت الدليلة تجلو سيرته وملامح من أدبه وأفكاره في حديث شهيٍ طليٍ:

ولد (ليف نيقولايفتش تولستوي) من أبٍ نبيل، طيب الأرومة، ومن أمٍ كريمة النِّجار، مبسوطة الغنى، وماتت أمه عن خمسة أطفال، وكان (ليف) لا يعدو الثانية من عمره، ومع هذا فقد قصّ علينا في كتاب (طفولة)، كيف كانت تغسله أمه، وكيف كان يلذّ له أن يضرب الماء بقدميه، ويداعب فقاعات الصابون بأنامله، وكان يذكر نظرة أمه الباسمة الحانية الرفيقة. أي ذاكرةٍ قويةٍ تستمسك بأوهى الحوادث وهي ما تزال طريةً، لتستعيدها حيةً، إما جنحَ الحديث إليها!..

ثم مات أبوه، فجأة، وعمر (ليف) لا يجاوز التاسعة، وأثّر فيه هذا الحادث فأفهمه أن الواقع قد يكون مراً قاسياً. وكذلك بلا معنى اليتم، وهو ما يزال في منبلج العمر.

وكان يتعهد الأطفال الجدّة النبيلة، وكان (ليف) يتساءل: تُرى علامَ كان يحملها الخدم، في محفّة مترفة، لتنعم بالنزهة! تُراه شعر في سنه الصغيرة بالفارق الكبير بين الشعب المسكين الصامت الصابر والسادة البشمين السعداء؟.

ثم عنيت به وبأخوته العمة (تاتيانا) المحبة المخلصة والعمة (الكسندرا) التي كان يتحلّقها الفقراء والبسطاء، وكانت تقيّة متدينة. وقد بثّ هؤلاء في نفسه معنى الإيمان النقي الذي فزع إليه في شيخوخته.
وفي الثانية عشرة من عمره تفتحت موهبته الأدبية فنظم أول قصيدة له في مدح عمته (الكسندرا)، ولما ماتت في العام التالي حزن عليها أشد الحزن.

وفي العام 1844 مضى هو وأخوته إلى (كازان) ليدرس، في البدء، اللغات الشرقية، ثم يتحول منها إلى الحقوق دون كبير نجاحٍ أو تألق، وكانت تتجاذب نفسه الأهواء المتباينة، فهو يؤثر العزلة تارةً، ويقبل على الغواية تارة أخرى.

وقسّم بين (ليف) وأخوته الارث الذي آل إليهم من والديهم، فكان من نصيب (ليف) مزرعة (ياسنا باليانا) وأربع قرى و330 قناً من أقنان الأرض.

ومضى (ليف) إلى (بطرسبورغ) ليتابع فيها دراسته، ويسيم سرح اللهو ثم يمل حياة المجون ويعكف على المطالعة، ويبدأ بكتابة مذكراته، وقد لخّص أمانيه في سنه تلك الغضّة، فرجا أن يكون قادراً على ارتضاخ الفرنسية دون عناء، وأن تكون أظافره نظيفةً، وقفزت أمانيه، بعد أمدٍ، فتمنى ان يحذق اللغات كلها وأن يجيد العزف على الآلات الموسيقية كلها، وأن يشارف ذروة الكمال في التصوير. وكان يريد أن يحمل الناس جميعاً على محبته وإيثاره، بيد أن عقدة نفسيه كانت تشغله، كان يعلم أنه غير وسيم وأن له أنفاً ضخماً وأذنين كبيرتين، وقد تساءل غير مرة، في مذكراته "كيف يمكن للإنسان أن يكون سعيداً وله مثل هذا الأنف الضخم؟".

بلى، كانت صراحته معه نفسه قاسية، كتب ذات مرة في مذكراته:

" إنني قبيحٌ لُكَع، كثير الاستجابة للغضب، كثير النَّفْج والادعاء، ولكني مخلصٌ أحب الخير، وأستاء من نفسي إن ابتعدت عنه فلا ألبث أن أنكفئ، جذلانَ، إلى الخير، بيد أن ثمة شيئاً آخر أؤثره على الخير هو المجد".

إن اعترافاته التي بدأها وهو فتى، وختمها قبل ساعات من وفاته، هي أعظم سجل صادق صريح يمكن للإنسان أن يحلّل به نفسه، كانت عيناه النّفاذتان الواعيتان، تعودان إلى أغوار نفسه، لتحلّلا ما يمور فيها من أحاسيس، دون هوادة أو رحمة.

ووقع، آنذاك ، على اعترافات (جان جاك روسو) فقرأها، وتأثر بها وألفى فيها ما يتّسم به خلقه من صراحة وصدق.




يتبـع ..

Ophelia
11-02-2007, 08:04 AM
http://upthings.googlepages.com/tol-at-study.jpg

وترك (ليف) الجامعة إلى مزرعته (ياسنا باليانا) عام 1847، وهو أشد ما يكون عزوفاً عن جو الجامعة، وعوّل على الاتصال بالشعب الفلاح، ففتح مدرسةً، لأبناء الفلاحين، تلك هي البذرة الأولى من بذور التمرد على النظام الاجتماعي الجائر السائد، ولكن (تولستوي) مني بالخيبة من فلاحيه الذين لم يفهموه، فهجر مزرعته ومضى إلى (موسكو)، ليستأنف حياة صاخبة ويشعر مرة أخرى، باحتقار لنفسه، ويبلو صراعاً داخلياً يمزّق روحه، ويغادر (موسكو) إلى (القوقاز) ليجد في الجندية ملاذاً لروحه القلقة الهيمى، واستبدّت به، ثمة، عاطفةٌ دينيةٌ، فكان دائم الابتهال والصلاة، وفي عام 1852 نوّرت عبقرية (تولستوي) فكتب مؤلفه الأول (طفولة) ويشوب هذا الكتاب مسحة من الحزن الدفين الذي كان يضطرم في أعماق روحه، لقد كان يقول عن نفسه بحق: إنه (ليوفا) النواحة: ( ليوفا ريوفا).

وأهلّ بعد كتابه هذا، كتاب ( الصبا ) ، وفيه تحليل ووصف بارع للطبيعة، وكتب قصصاً عن (القوقاز) وفيها لوحات مؤشاة بالألوان، تترقرق فيها دعوة مخلصة إلى السلم، دعوة تمهّد الدرب لصيحته المقبلة المدويّة ضد العنف والحرب، يقول:

" ألا يستطيع البشر أن يعيشوا في طمأنينة، في هذا العالم البديع، تحت قبة السماء الرحيبة المطرّزة بالنجوم، إن كل ما يمور في قلب الإنسان من شر ينبغي أن يمّحي ويزول حين يفرغ إلى الطبيعة، هذا المجلى المباشر الصحيح للجمال والخير".

وفي عام 1853 أعلنت ( روسيا ) الحرب على (تركيا ) وطلب (تولستوي) أن ينقل إلى جبهة (القرم) ، ليقوم بواجبه الوطني، وقدم إلى (سيباستوبول) وتعرّض أكثر من مرةٍ للخطر، وكتب، ثمة، ثلاث قصص عن (سيباستوبول) تتّسق فيها روح البطولة وتهيمن في طورها زفراتٌ، حتى قيل إن القيصرة أسبلت الدموع من مآقيها حين اطلّعت عليها، فأمر القيصر بأن تترجم القصص إلى الفرنسية تقديراً لها، وأن يكون كاتبها بمنحىً من أيّ خطر.

ولما انتهت الحرب عاد (تولستوي) إلى (بطرسبورغ) وقد سبقته شهرته على أنه كاتب ناجح، وفي هذه المدينة الكبيرة، توطّدت معرفته بعدد وافٍ من الأدباء، ولكنه لم يسغ صحبتهم إذ لم يكن يرى في حياتهم المتكلّفة سوى النفاق والدجل، وآثر الابتعاد عن هذا الوسط، لينصرف إلى المطالعة ويكتب في دفتر مذكراته " أشعر بحاجة مُلحّة إلى أن أعرف ثم أعرف ثم أعرف".

واستقال من منصبه العسكري، فقد كان يلوب على أفق يرضي نفسه التواقة إلى المعرفة، وسافر إلى فرنسا، وانفسح أمام عينيه، أفق جديد مثير.

وشاهد في (باريس) بعض المسرحيات، وتردد على (السوربون) وعبّ من المعرفة، في ظمأ متقد متصل، والتقى في (باريس) بصديقه (تورغينيف)، وكتب هذا إلى صديق:

"إن (تولستوي) يرامق كل شيء ، صامتاً، لقد أضحى أكثر ذكاء، إنه الأمل الوحيد لأدبنا".

وجال (ليف) في مرابع (باريس) ومتاحفها ومغانيها، وكتب إلى صديقه (كولباسين):

" أرى هنا أشياء مستحبة طريفة، ولكن السحر المهم هنا، السحر الذي يشدّك هو الشعور بالحرية".

ولكن الألم كان يترصد له في (باريس) فقد أثر في أعصابه منظر إعدام مجرم بالمقصلة، فغادرها سريعاً إلى (سويسرا) وفي (لوتسرن) أحسّ بغصة تهصر روحه، وهو يرى إلى مغنٍ إيطالي فقير، يستجدي، عبثاً، بعض الانكليز الأغنياء، فيزوون أبصارهم عنه ازدراءً. رباه! إن الشقاء ليرنّق فوق كل أرض.
ومضى (ليف) إلى (إيطاليا)، ثم عاد إلى (سويسرا) ولجّ له الحنين لى وطنه، فرجع إلى بلده الحبيب وقد قامت في ذهنه مشروعاتٌ جمةٌ لإصلاح أوضاع فلاحيه، واشترك مع بعض الأدباء بالمطالبة بإلغاء القنانة، ثم سافر إلى أوربا، ليزور أخاه (نيقولا) المريض، في (سودف) ويتخذا سمتهما إلى (هيير) في فرنسا، وهناك يموت أخوه بالسلال، فيهز هذا الحادث نفسه ويزعزع إيمانه بربه وبالخير وبالبشر. ثم يؤوب إلى روسيا ليستأنف نشاطه الأدبي والاجتماعي، ويعيد فتح مدرسته لتعليم أولاد الفلاحين.
وكتب (تولستوي) قصة (سعادة الأسرة) وهي من أكثر قصصه رقة وعذوبة، ولعل معجزة الحب هي التي قادت ريشته المبدعة إلى كتابتها، فقد أحب (صوفيا أندرييفنا بيرس)، وكانت في السابعة عشرة من عمرها، تجمع إلى نضرتها حلاوة الحديث وكلفاً بالأدب، وفي عام 1862 ، بنى بها وابتدأت حياتهما المشتركة التي رزقت ثلاثة عشر ولداً.

وأمدته (صوفيا) بمعان جديدة من الحب، سلسلها في رواياته، كأبرع روائي روسي حلل نفسية المرأة، وكانت زوجته تعينه في عمله، إذ كان خطه رديئا، فنقلت له مخطوطات رواياته، بخطها الجميل المتقن، ليبعث بها إلى ناشريه، وكثيرا ما كان يملي عليها فتكتب له، وقد صورها في شخصية (ناتاشا) في روايته المقبلة (الحرب والسلام)، كما جلا بعض ملامح طبعها في شخصية (كيتي) في روايته (آنا كارينيا) وعرف معها (تولستوي) هناءة الحياة الزوجية.

وألفت الحكومة الروسية أن في مدرسته التي أنشأها خطرا على الأمن فأمرت بإغلاقها، فانصرف (تولستوي) إلى تأليف روايته العظيمة (الحرب والسلم)، التي رفعته إلى قمة المجد، وقد كتبها في نشوة متصلة واندفاع مُضرم، خلال خمس سنوات. كتبت (صوفيا) في مذكراتها:

"إن (ليف) يكتب ، في نشوةٍ عارمةٍ، تتخللها الدموع".

ولعل روايته هذه توضع في قرن واحد مع أروع التراث الأدبي الإنساني، إنها (الياذة) العصر الحديث – كما يصفها (رومان رولان) – وتمتاز ، على ما فيها من وفرة الشخصيات وتعدد الحوادث، بوحدة فنية وتماسك وانسجام، وقد أخذ على (تولستوي) أنه حشد في الفصل الأخير منها آراءه الأخلاقية وكررها إلى حد الاملال، بيد أنه قد تسنى له أن يجلو الروح الروسية في عفوية صادقة مخلصة وأن يبرع في تصوير مآسي الحرب على نحو يكاد يكون معجزاً. يقول (رومان رولان):

"لقد أجاد في تصوير غزوة جيوش نابوليون لورسيا، حتى يخيل إليك أن أبطال روايته هم الشعوب المقاتلة، تتوارى خلفها بعض الشخصيات، كما تتوارى الآلهة خلف أبطال (هومير)".

وانه ليستوقفك تصويره ووصفه الدقيق للشعب الطيب، فتحب شخصية (كاراتايف) يسرد لك آراءه، مستسلماً، مؤمناً، صابراً، حتى إذا أدركه الموت، تلقاه بابتسامة راضية. إنه إنسان الشعب يعكس صورة مخلصة أمينة عن المسيح الإنسان.

في هذه الرواية صرخات مؤمنة، هتف بها (تولستوي) ضد الحرب، ولعلها ظلت كامنة في أعماق نفسه، منذ أن بلا ويلات الحرب في جبهة (القرم) حتى وجدت متنفساً لها في روايته هذه فانبجست ، وتفجرت، جياشة مدويةً هدارةً.

وما كادت تنتهي روايته هذه ، حتى بدأت نُذُرٌ جديدة في حياته، تقلب راحته إلى قلق، إن قلبه ليتفطر أسىً على شعبه، وإنه ليريد أن يقدم إليه المعرفة، ويبدأ بكتابة (ألف باء الشعب) منصرفاً إليه بهمه لا تتقاصر عن همته في كتابة روايته (الحرب والسلم)، ولم يكد ينتهي منه حتى شرع في كتابة رواية (آنا كارينينا)، هذه الرواية التي تيسر له فيها أن يصور عاطفة المرأة أدق تصوير، وأن ينقد مجتمعه نقدا عنيفا، وقد استوحى موضوع روايته من حادث جرى غير بعيد عن (ياسنا باليانا) فقد قذفت فتاة تدعى (آنا ستيبانفنا) نفسها تحت عجلات قطار، يائسة من حبيب غادر، وكذلك انتهت الرواية بجملة مؤثرة:
" وحنا ذلك الفلاح على عجلات القطار، ليرى أشلاء شيء. إنها جثة كانت تمتلئ حياة وعذاباً وخيانة".
وعاودت (تولستوي) همومه ووساوسه، وحكّ في صدره شك قلق متصل، فقد تناهت إلى سمعه ذات مرة، جملة صغيرة عابرة، قالها فلاح بسيط من (ياسنا باليانا)، وتألقت شرارة صغيرة ، لتؤرّث ناراً مضرمة في مضطرب روحه، جملة بسيطة معبرة، ترفقت من شفتي (فيودور) الفلاح الساذج، كما يلي:


"ثمة أناس يعيشون من أجل البطن وآخرون من أجل الروح".

وعصفت هذه الجملة في كيان (تولستوي) ومضى يضرب في الغابة مستعبراً، مردداً:
- بلى، لقد عرفت ، لقد عرفت.
كان (تولستوي) في قمة مجده، حين ألمت به هذه الأزمة الروحية العنيفة، فقد استقبل الناس مؤلفاته بإعجاب لم يظفر به أي كاتب روسي قبله، ولقد دعاه (دستويفسكي) حين قرأ روايته (آنا كارينينا) : رب الفن. ولكن هذا المجد لم يكن ليثمل (تولستوي) أو يهزه فقد أضحى الثناء يؤذيه ويؤلمه، كتب إلى صديق له:

"لقد كان (باسكال) يشدّ إلى خصره زناراً من مسامير، كلما أنس بأن الإطراء قد أشاع السرور في عطفيه، وأحسبني محتاجاً إلى زنار مماثل".

بلى، لقد كان (تولستوي) مشغولا بأشياء أخرى غير المجد والثناء.
لقد أضناه سؤال ملحاح: لماذا أعيش؟ وما معنى حياتي؟ وكان الجواب يوافيه أحياناً قاسيا: إن كل شيء عبث وباطل وقبض الريح.
كتب ذات مرة:

"إن المرء لا يتأتى له أن ينفذ إلى أغوار الإنسان، ولا أن يظفر بصورته المنشودة في منفسح المعارف التي تخلص إليه وتتسق لديه، ولكنه يجد صورةً وافية عن ذاته في الأسئلة التي يطرحها".


وكذلك ترادفت أسئلته، دائبةً متصلة...


..

Ophelia
13-02-2007, 06:20 PM
http://upthings.googlepages.com/morn-mail.jpg
وانصرف (تولستوي) إلى العلوم يبحث وينقّر، لعله أن يعثر على جواب عن أسئلته التي كانت تضنيه وتجاذب ذهنه فلم يجد فيها ما ينقع الغلّة. إن هذه العلوم تعتبر الإنسان جزءاً صغيراً تافهاً يجرفه تيار التطور، سواء شاء أ، ينقاد له أو أن يصده، فعلام إذن نفزع إلى هذا السؤال المحيّر: كيف ينبغي أن نعيش؟

فإذا التمسنا فلسفة ما وراء الطبيعة لنجد لديها أجوبة عن الأسئلة: من أين أتت الطبيعة وما أصل الحياة؟ وماذا ينبغي أن نفعل؟ تراخت الأسئلة إلى الإخفاق والعجز عن الجواب. ترى أيكون معنى ذلك أن الحياة عبثٌ لا طائل منها؟ ترى أيكون من الحكمة أن نتخلّى عنها؟.

لقد انهدّ السؤال على روحه المعذبة كقطرة مدادٍ. بلى، إنها القطرة نفسها في المكان نفسه، وهي لا تني تتساقط لتشكل بقعة سوداء تماثل وهدةً حالكةً تغريه بأن يتردى في قرارتها يائساً منتحراً.

وجعل الشك يجاذبه على نحو أضحى معه يفرق من الذهاب إلى الصيد، لئلا تغريه نزوةٌ عارضةٌ يستسهل فيها الشد على زناد بندقيته وتصويب فوّهتها إلى رأسه.

وأفضى تساؤله الدائب إلى أن العدم فكرةٌ فارغةٌ وتجريدٌ عقيمٌ وأنه لا يمكن إغراق الأنا في العدم وأن الموت ليس سوى مرحلة انتقال إلى الخلود الكامن في ذاتنا، وأن الله ليس إلا معين الحياة الخالدة المتدفقة في أعطافنا. وكذلك تناهت أفكاره الميتافيزيكية إلى ما يشبه فكرة الحلول التي تؤمن بالله ولا تنفيه ولكنها تجده في ذات الإنسان نفسه، أما الإيمان الحقيقي فهو إيمان الشعب الساذج البريء من التكلف. إن الشعب البسيط يتراءى سعيدا بإيمانه دون أن يضنيه عذاب الشك. إنه هو وحده يملك معنى الحياة الذي يتشوّف إلى معرفته، وعلينا إذن أن نتعلم من الشعب كيف نرضى بالحياة، ولكن الرضا القانع وحده لا يكفي، إن الإنسان الذي توفرت له الثروة والمجد لا يتأتى له أن يحتفظ بهما، فهما دوماً إلى ضياع وزوال، فكأن الإنسان معلق بغصن، في غيابة بئر، يقبع في قعرها وحشٌ ضارٍ متحفز لالتهامه، وتسعى إلى أسفل الغصن فأرتان: سوداء وبيضاء – لعله رمز بهما إلى الليل والنهار – لتقرضا أسفل الغصن ، وقد يتاح لهذا الإنسان المعلق في فضاء البئر أن ينسى الخطر الذي دفع إليه، ليشغل نفسه بلذاذات عابرة، فيشتار عسلا، قد يجده على الغصن، أو يجني ثمرة تعطو إليها يده، ولكن النهاية المحتومة قادمة لا ريب فيها.

إن الإنسان الذي ينسى ذاته ويهفو إلى سعادة الآخرين يجد سعادته الحقيقة مندغمة بسعادتهم، وليست التضحية بعسيرة. انظر إلى الطائر كيف يبسط جناحيه ليتعلم كيف يطير، إنه ينغمس بالحياة التي وهبت له. لقد خلق الإنسان للمحبة ليسمو بها، كالطائر الذي نبت جناحاه ليدفّ بهما ويحلق ويستمرئ على غوارب النسيم حياته الهنيئة.

المحبة إذن هي توأم الإنسانية كلها، ويتسلسل من هذا المعنى، أن الله هو في المحبة وأن المحبة هي في الله.

ودرس (تولستوي) التوراة، بعد أن عكف على تعلم العبرية واليونانية، ليتّسق له أن يطلع على المنبع الذي صدرت عنه مختلف ترجمات العهد القديم والعهد الجديد. فقارن بعضها ببعض وأشار إلى الغموض الذي يحيط ببعض النصوص الدينية وما نتج عن ذلك من تفسيرات متناقضة وانتهى إلى القول أن المسيح نفسه، ليس بإله، ولا يمكن أن يكون سوى انسان بريء من السمة الإلهية التي يقرن إليها. وهاجم (تولستوي) الطقوس الدينية، واتهمها بأنها موضوعة مزيفة، ونظر إلى الكنيسة نظرة تحدٍ ومناجزة، فقد رأى كيف تغلّف القشور الكاذبة فكرة الإيمان، وشرع يفوّق سهامه اللاذعة إلى الكنيسة داعياً إلى دين منزه عن التمويه والتضليل.

وتكمن ، في الواقع ، لدى (تولستوي) شخصية المفكر المصلح إلى جانب شخصية الكاتب الفنان، ومن النقاد من أشار إلى شخصيات شتى مؤتلفة لديه يرفد بعضها جوانب بعض. ويصاول بعضها بعضها الآخر. على أنه يمكن أن يوضع في قَرَنٍ واحدٍ مع كبار المصلحين والمفكرين في تاريخ الإنسانية. ولقد كان يتوق هو نفسه إلى أن يضحي ذا رسالة دينية اجتماعية، فقد كتب في مذكراته ذات مرة:

" لقد قادتني دراستي للإلهيات إلى فكرة سامية ينبغي أن أقف عليها حياتي كلها، هذه الفكرة هي إنشاء دين جديد يتفق مع تطور الإنسانية ودين المسيح ولكنه بريء من الإبهام، إنشاء دين عملي، لا يَعِدُ بسعادة في حياة أخرى مقبلة، بل يمنحها على هذه الأرض".

وكذلك انسربت حياة (تولستوي) في النهج الجديد الذي ارتضاه لها، كتب في كتاب اعترافاته يقول:

"لقد شعرت أنا الرجل السعيد ، الممتلئ صحة أنه لم يعد في ميسوري أن أستمرئ العيش، ولم أكن قد تجاوزت ، آنذاك، الخمسين من عمري، كانت لدي زوجة ممتازة محبة ومحبوبة، وأولاد أبرار، كنت أحظى بأملاك كبيرة، كانت تزدهر وتتسع دون جهد مني، بيد أنني لم أعد أجد معنى مقبولا لأي عمل في حياتي، فلا يمكن للمرء أن يعيش إلا إذا كان ثملاً بالحياة، حتى إذا انحسرت النشوة تراءى الوهم والسراب الخادع".


http://upthings.googlepages.com/tole-peasants.jpg

وجفا (تولستوي) حياة الترف، فارتدى لباس فلاح فقير وأبى أن يستقل مركبة من (موسكو) إلى (ياسنا بالينا) فمضى منها ماشياً إلى مزرعته، بثيابه الخشنة المهترئة، وصدف عن الخمر والدخان واللحم، وانقلبت همومه النفسية إلى همومٍ اجتماعية، فجعل يزور السجون وأكواخ الفقراء ويرى إلى مظاهر الحرمان والجهل والفقر، في شعبه الطيب.

وأخذت (صوفيا) تراقب زوجها، قلقة، خائفة، وهو يفكر في ويلات الشعب الروسي يئن تحت نير القيصرية، ويكتب (تولستوي) منتقداً ذلك النظام دون هوادة، ثم يتساءل : ترى أين يكمن الشر؟ لعله يكمن في التملك، في استثمار الإنسان لأخيه الإنسان، ينبغي له إذن، أن يوزع أراضيه على فلاحيه، وألقى هذه الحبة الطرية، لتؤتي أكلها، فيما بعد، ثورة كبرى تعصف بالنظام القيصري كله.

ويصارح (تولستوي) زوجته بما يعتلج في صدره . عليه أن يهب أراضيه كلها لفلاحيه ويوزعها عليهم، مستبقيا لنفسه ولأولاده ما يكفيهم ، وتحسب الكونتيسة (صوفيا) أن زوجها قد خولط في عقله، ويزداد قلقها. لا، لا شيء يصرف هذا الكاتب الإنساني العظيم عن مصير شعبه، إنه يبدو وكأن هموم البشر جميعاً توقر كتفيه. وتكتب (صوفيا) في دفتر مذكراتها:

"إن ليف حزين، إنه يبكي أحياناًَ".

وكذلك كان الزوجان، يتعذبان عذاباً مشتركاً، إنه لا يريد أن يتخلى عن رسالته فيكتب:

" أعتقد أنني أوتيت الحياة والفكر والبصيرة لأهدي بها الناس".

ولكنه لا يريد أن يتخلى عن أسرته وأهله فيكتب:


" هؤلاء الذين يعيشون بين ظهرانينا، نراهم كل يوم، من الصباح حتى المساء، هؤلاء الذين يضايقوننا، ويغضبوننا، ويؤلموننا، هؤلاء أحرى الناس بمحبتنا وأجدرهم بالصفح".


ولم يعد (تولستوي) يهتم بالفن والأدب. على ريشته أن تغمس بعد الآن، في مداد الإصلاح والهداية، ويكتب إليه صديقه (تورغينيف) وهو يحتضر رسالة كانت آخر ما سطرته يده وهو على فراش الموت:

"إنني أكتب إليك، لأقول لك: كم أنا سعيد بأن أكون معاصراً لك، ولأطلب إليك طلباً أخيراً، يا صديقي، عد إلى نشاطك الأدبي، أيها الكاتب الأكبر للأرض الروسية، فهلا لبيت رجائي؟".

ولكن (تولستوي) لم يتحول عن النهج الذي اختاره واصطفاه ، فما يزال يقطع الأخشاب ويحرث الأرض مع فلاحيه، ويخصف الأحذية ويصنع بيده لخادمته العجوز حذاء ليقدمه إليها هدية في عيد ميلادها، وتكتب إليه زوجته (صوفيا):

" لا يسعني إلا أن أتالم ، وأنا أرى إليك تبدد قواك الفكرية المبدعة في خصف الأحذية وقطع الأخشاب".

لا،لا، لم تستطع (صوفيا) أن تفهم زوجها وأن تجعل حياتها تنساق في النهج الذي اهتدى إليه وارتضاه، وامتدت ما بينهما هوة من سوء التفاهم، جعلت تتسع وتعمق، يوماً بعد يوم. انتسخ آخر أمل لتولستوي فكتب إلى صديقه:

"ليس في وسعك أن تتصور العزلة التي أعيشها، بين أفراد أسرتي، وأنا أشعر باحتقارهم يحيط بي".

ولكنه لا يأبه لذلك كله، إن أمامه رسالة يريد أن يهبها لجميع القلوب. ويهاجم الفن المزيف بقوله:


"إن على الفنان أن يقول كل ما يمنح الخير للناس، كل ما ينقذهم. إن الفن ينساب إلى حياتنا، فالفن والكلمة، هما آلة التقدم البشري، الفن يهزّ القلوب، والكلمة تهز الأفكار، فإذا شاب أحدهما الشر، فإن المجتمع يضحي مريضاً".


وفي ظل هذه الأفكار السامية كتب قصة (موت إيفان ايليتش) ومسرحية (سلطان الظلام) وقصة (لحن كروتزر)، وأخيراً رواية (البعث) وتترادف كلها شوامخ في الأدب الروسي، ومن عجب أن يبقى (تولستوي) حتى بعد أن تقدمت به السن، بارعاً في تصوير المشاعر الرقيقة الدفينة، وظل أسلوبه جميلاً عذباً صافياً، كالجدول الرقراق، ولقد بسط آراءه الفلسفية والاجتماعية في هذه القصص وتعانق فيها فنه الرائع بأفكاره السامية، محتفظاً بطلاوته ومائه وروائه.


.
.

Ophelia
15-02-2007, 08:57 AM
http://upthings.googlepages.com/tol-people.jpg


وفي عامي 1891 و 1892 ، اجتاحت روسيا مجاعة قاسية، لم تعرف مثيلا لها في تاريخها، وخفّ الشيخ الكبير (تولستوي) بهمةٍ تتقاصر دونها همم الشباب إلى (ريازان) و (سامارا) حيث غلبت المجاعة ، ونظم تقديم المعونة إلى الجائعين، ولم تنس (صوفيا) واجبها فأعانت زوجها الشيخ في عمله الإنساني الخير، وكان لحماسها الكريم أثرٌ كبيرٌ في إزالة بعض أسباب الجفوة بينهما.

ولم يشأ (تولستوي) أن يسيغ طيب الطعام، فيما كانت المسغبة تفتك بالناس، فقسر نفسه على القوت الضئيل الذي يكاد يسد الرمق، وكذلك كانت نفس هذا الانسان العظيم تتجاوب مع آلام عصره كله، كتب (تولستوي):

" علينا أن نعرف فيم يجوع الشعب، وأنه لفي ميسورنا أن نجد الوسيلة لإطعامه، حين نعرف سبب جوعه".

ورفع (تولستوي) صوته ضد المحتكرين وأرباب العمل، والمضاربين والمستغلين، والإقطاعيين، وكان يتكلم باسم المسيح وعقيدته، على أن آراءه – وإن يكن قد استمد بعضها من تعاليم المسيح – كانت تؤذي رجال الكنيسة، فهاجمته بضراوة وحكمت عليه بالحرمان في 22 شباط عام 1901. ولكن هذا الحرمان لم يزده إلا تمرداً وإصراراً على آرائه.

ولم تشأ الحكومة القيصرية أن تضطهده وأن تؤذيه بالنفي أو السجن، فقد كانت تخشاه، وكانت تعلم أن شهرته العالمية كاتباً ومصلحاً ومفكرا، قد فرعت حدود بلاده. كان من العسير إذن أن تخنق كلماته، بعد أن غزت قلوب الشعب، بيد ان حرمان الكنيسة له تراخى إلى رد فعل عنيف في أنحاء روسيا كلها، وقامت مظاهرات صاخبة في (موسكو)، و (بطرسبورغ) وتلقى (تولستوي) آلاف البرقيات والرسائل من أنحاء العالم تؤيده. من بينها رسالة من المصلح العربي العظيم الشيخ (محمد عبده) مفتي الديار المصرية، يهنئه بقرار الحرمان ويبارك مبادئه السامية.

ونمت فكرة عدم العنف لديه، حتى أضحت جذع تفكيره الاجتماعي والفلسفي، وكذلك سرت كلماته الناضحة بالمحبة والسلم، إلى خارج بلاده، وانثالت عليه الرسائل، مؤمنة برسالته الإنسانية من بينها رسالة من شاب هندي مغمور يدعى (غاندي)، سوف يأخذ بمدرجته، فيما بعد، في تطبيق آرائه، ليهز بها الاستعمار الانكليزي، كتب إليه من (الترانسفال) رسالة يقول فيها إنه أنشأ مزرعة سماها مزرعة (تولستوي) وأنه آمن برسالته السامية في السلم والمحبة.

ولقد توقع (تولستوي) بأن نار الثورة الكامنة سوف تتأجج وتقضي ذات يوم على النظام الجائر القائم، فلما حدثت حركة 1905 وقامت مظاهرة سلمية في (بطرسبورغ) ولجأت الحكومة إلى قمعها بعنف دموي، كتب (تولستوي):

"إن ثورة 1905 التي ستحرر الناس من الاضطهاد ينبغي أن تسري في روسيا كلها، وإنها لتتحرك الآن".

بلى، لقد دخل (تولستوي) كل قلب، ولكنه ابتعد عن قلوب ذويه، عن قلب (صوفيا) التي كانت ترى في دعوته شذوذاً، وكانت تعارض رغبته في التنازل عن حقوق ملكية مؤلفاته كلها للشعب- كما كان ينوي القيام به- حتى لقد فكرت في أن تستعدي عليه المحاكم، للحجر عليه، حفظاً لحقوق أولادها، وكانت تكره مريديه وتلاميذه – وعلى رأسهم تشيرتكوف- لأنهم جنحوا بزوجها عن طريق الإبداع إلى أوهام اجتماعية طوبائية، كانت تراها مضيعة لعبقريته.

وهكذا انقلبت هناءة الأسرة إلى شقاق وجدل متصل، وهددت (صوفيا) زوجها مراراً بالانتحار، وجعل (تولستوي) يفتش عن الخلاص. إن هذا الإنسان الذي كان يفرق من الموت ويخشاه أضحى يستعذبه ويتمناه. ولكن الانتحار جبن، فليهرب، ليهرب بعيداً عن جو البيت المشحون بالشجار، ولينتبذ مكاناً هادئاً يسيغ فيه عزلة هانئة.

وثار غضبه، ذات يوم، وهو يفاجئ زوجته، تسعى خلسة في موهن الليل، لتفتش عن شيء بين أوراقه، وحمله تصرفها على مغادرة داره يائساً، عند منبلج الفجر، دون أن تشعر به واستقل وطبيبه الخاص، القطار في الدرجة الثالثة منه. ووصل إلى (شماردينو) فرأى أخته ماري- وكانت تعيش راهبة في دير منعزل- وكتب إلى ابنته (الكسندرا) وكانت تشاطره رأيه في الهروب من بيته، لتوفيه ثمة مع بعض أوراقه، ثم ودع أخته واستأنف السفر مع ابنته وطبيبه.

وكان البرد شديداً يهرأ الجسم، والشيخ المعذب، متعبٌ مهدود القوى، كانت الرحلة طويلة شاقة. وطوى القطار الوئيد، تصفر فيه ريح الخريف، مسافات شاسعة، وفي محطة (ستابافو) وقع (تولستوي) مريضاً بالحمى، ونقل إلى غرفة مدير المحطة، وغصت البرقيات في أرجاء العالم، بكلمات الخبر المؤسي: إن كاتب روسيا الأكبر مشرفٌ على الموت. أما زوجته فقد رمت بنفسها في بركة، حتى تأدّى إليها الخبر، فانتشلت على آخر رمق.

مسكينة يا (صوفيا) لقد هرب رفيق العمر، إلى الأبد. (وراء نهاية كل عظيم.. امرأة :biggrin5: )

ولحقت به إلى (ستابافو) لتراه، فحيل بينها وبين رؤيته، في البدء، خوفاً على الشيخ المريض. وعلى سرير الموت، كان ( ليف تولستوي) : ليوفا ريوفا، ليف النواحة، يرى إلى أولاده ومريديه – وكانوا قد خفوا جميعاً إليه – فتنهمر دموعه، لا على نفسه، بل على المعذبين في الأرض جميعاً، ويردد في زفرة باكية:

- إن في الأرض ملايين البشر يتألمون مثلي، فعلام تهتمون كلكم بي؟.

ثم يجيل بصره الواني حواليه فيرى إلى ابنته (تانيا) التي اعتادت أن تظفر دوماً بابتسامة رفيقة حادبة، وغمزة حلوة صغيرة، كلما حدر إليها النظر، فيما هي تعزف على البيانو لحن (آريا) لباخ. كان في ميسورها أن تنفذ إلى معنى نظرته إليها المرفرفة المودعة التي كانت تنطفئ شيئاً فشيئاً، كما لو أنها تتسلق لحن (آريا ) الحزين، منطلقة نحو السماء، وتتحرك شفتاه، لعله كان يغمغم بكلمته التي يداعب بها، دوما، ابنته الحبيبة (تانيا):

- (تانشكا)، آه يا بنيتي الصغيرة، أيتها الحمامة الوديعة الحبيبة.

وتنحرف نظرته الوانية، فيلمح ابنه (سيرج) ويخاطبه:

- (سيرج) (سيرج) ، أنا أحب الحقيقة، أحبها كثيراً.

ويملي على (الكسندرا) رسالة وداع إلى (صوفيا) ، وفي الساعة الخامسة صباحاً، غاب (تولستوي) عن الوعي، فلما دخلت (صوفيا) إلى حجرته، كان يعاني سكرات الموت، وركعت الزوجة المسكينة، أمام قدميه، باكية، مستغفرة.


http://upthings.googlepages.com/deathbed.jpg


وفي الساعة السادسة والدقيقة الخامسة من صباح السابع من تشرين الثاني عام 1910 استوفى (ليف نيقولايفتش تولستوي) أنفاسه الأخيرة، وغاب الوجه العظيم إلى الأبد، ودفن في (ياسنا باليانا) الأرض التي نعمت بطفولته وشبابه وشيخوخته، وضمت هذه الأرض المعطاء أنبل وجه عرفه القرن التاسع عشر، ولكن قلب (تولستوي) ظل يخفق ، في صفحات رواياته، حناناً وحباً وسلاماً، إنه ينتفض ، ينبض، يحيا وراء كل حرف خطته أنامله.

كان (تولستوي)- كما يقول عنه الكاتب الفرنسي (هنري تروايا) – كريم الطوية وانه لعظيم، لا في العقيدة التي خلّفها، بل في الآلام التي كان يبلوها، وهو يطبق هذه العقيدة، لا في فلسفته التي كانت تتجاذبها مناهج شتى، بل في فنه الذي كان يأباه ويتنكر له في أيامه الأخيرة، لا في تفسيره المبهم للسماء، بل في معرفته المتقدة للأرض.

ولقد كان أكثر من هذا كله، كان – كما قال عنه لينين- مرآة الثورة الروسية. تتجلى في صقالها، معوله الذي كان يهدم به الإقطاعية والجهل والرق والخرافة.

ويستعير (مكسيم غوركي) حين يتأدّى إليه الخبر المؤسي الحزين، فيكتب:

"أشعر بأنني قد أضحيت، الآن، يتيماً، إنني أخط هذه الحروف، باكياً".


***

http://upthings.googlepages.com/grave.jpg


وكذلك انسربت سيرة هذا الكاتب العظيم رفاقةً، ملهمة، موحية، في كلمات الدليلة الشابة تومئ إلى صورة تجلوه طفلاً، وتشير إلى صور أخر تلخّص هنيهات عابرة من صباه وشيخوخته.

ودخلنا حجرة الطعام. ههنا مائدة النباتيين من أسرته، وههنا مائدة أخرى لمن يؤثرون اللحم، مستقلين بها لئلا ينتقل قرم اللحم إلى المائدة الأولى. ما تزال الأطباق التي كانت تستعمل من قبل، بسيطة، مثلومة الجوانب، لعلها أن تكون أطباق أسرة فقيرة.

وأفضينا إلى حجرة ، يجثم في ركن منها حاكي (فونوغراف) ذو طراز قديم كان تولستوي قد تلقاه ، هدية ، من مخترعه (أديسون)، وكان يلغو، فيملأ حنايا البيت مرحاً وأنساً، وهناك البيانو، كانت تنتقل فوق كعابه السود والبيض، أنامل (تانيا) ليتجاوب اللحن مع خفقات قلب الأب الطيب، وتهينم في الخاطر جملته المحببة الحلوة "تانشكا، آه يا بنيتي، أيتاه الحمامة الوديعة" وتسنح النظرة الشفافة المبتلّة، مشفوعة بالغمزة اللماحة تنحدر من عينيه النديتين الزرقاوين.


http://upthings.googlepages.com/desk.jpg


وطفنا بحجرات الدار، هان كان (تولستوي) يؤثر العمل والكتابة، وعلى هذا المقعد ألّف رواية (الحرب والسلم) ههنا إذن تجاوبت في خيال الكاتب العبقري صيحات الحرب وأنين الجرحى وقعقعة السلاح وهزيم المدافع، وعلى هذا المقعد ألّف رواية (آنا كارينينا)، ههنا خفقت في مضطرب خياله زفرات (آنا) واطّردت دموعها وانساح دمها المهراق تحت عجلات القطار.

المقاعد كلها متواضعة ذات جلدٍ اهترأ أو كاد، ولكن لمسات الإبداع ما تزال لصيقة بها تغلّفها وتوشيها وتنفض ذكرياتها.


http://upthings.googlepages.com/study.jpg


وندخل حجرة الزائرين تضم صور أصدقائه ومريديه، ها هي ذي صورته بين نخبة من أدباء عصره، يستشرقهم بقامته المشيقة الطوال الأبية، وهذه صورة يبدو فيها شيخاً هرماً، وإلى جانبه (تشيخوف) ويقف خلفهما (غوركي) بوجهه النحيل الهضيم. ههنا غرفة (صوفيا) الزوجة التي أحبت زوجها ولكنها لم تفهمه ، ملأى بالأيقونات والصلبان وأدوات الزينة.


http://upthings.googlepages.com/library.jpg



ها هي ذي مكتبته الحافلة بآلاف الكتب، وأتصفح كتاباً منها. كان من قبل مرتعاً خصيباً ، شهياً، لنظراته المتطلعة لأرى على هوامشه تعليقاته الجمة تطرز كشامات متلاحمة وجنتي الصفحة المنبسطة أمام عيني.

هذا هو البيت الذي كان يسكنه (تولستوي) يضحي الآن، متحفاً شعبياً. لقد احتله الألمان في الحرب العالمية الثانية في زحفهم إلى (موسكو). لقد جعل الغزاة القساة، من الغرفة التي كان يفيء إليها (تولستوي) للكتابة والتي سطر بين جدرانها أروع الصفحات، جعلوا منها اصطبلاً لجيادهم، فلما غادروا بيته منهزمين، أعملوا في بعض أركانه يد التخريب، ونهبوا بعض كتبه، انتقاماً من الإنسان الذي وقف حياته وقلمه على خدمة السلم والإنسانية.

وتسعى بنا الدليلة، وفي عينيها تترقرق دموع التأثر إلى الحديقة، فنتخذ سمتنا في درب محفوف بالورد، هذا هو الدرب الذي كان يطيب له أن يسلكه، لينعم بجلسة حالمة على مقعد خشبي في أحد ممراته، ويلتوي الدرب قليلاً، ثم يفضي إلى ربوة تطلّ على منظر رائع من الخضرة الممرعة. هنا ، في هذه الربوة، أوصى (تولستوي) بأن يدفن، فههنا في هذا المكان ، دفن غصناً أخضر، معتقداً أنه سوف ينبت ويورق ويهب الخير للإنسانية، ووقفنا أما القبر، خاشعين، نرامقه في إجلال وإكبار.

وبدا لي أن نظرتي المتطامنة من عيني، قد استعارت يد طفل صغير لتحفر، هنا ، أمامي، حفرةً صغيرة، وتواري غصناً طرياً أخضر.


http://upthings.googlepages.com/tolstoygrave.jpg


كان القبر بسيطاً متواضعاً ، لا يعلوه رخام . إنه كوم من التراب المعطاء، وفوقه براعم ورد وأغصان خضر، وتعالت ، إلى جانب القبر، شجيرات تناهت في الصعود، وتواشجت أغصانها وتعانقت ، وهب نسيم رطيب وخفق في ذؤابات الأشجار وجذبها فتأوّدت ، وتناهى منها حفيف كالأنين، وخيّل إليّ أن روح (تولستوي) ترفرف وتبكي، مثلما كان يبكي (ليوفا ريوفا).

- وداعاً يا (ليف نيقولايفتش تولستوي) .

majjid
15-02-2007, 07:24 PM
شكرا جزيلا لك حقا إنه موضوع رائع