PDA

View Full Version : الروائي الشهيد غسان كنفاني



داليا الهواري
23-02-2007, 02:53 AM
http://www.alhaqaeq.net/newsimages/ghassan.jpg

المثقف والمبدع، الروائي والصحافي والناقد والرسام، الفلسطيني–العربي–الأممي، المناضل والقائد والسياسي، الإنسان والثائر والشهيد . صفات مجد تجلت ودمجها كلها وكثفها غسان كنفاني في رجل واحد، رغم أنه لم يعش أكثر من ستة وثلاثون عاما. بل أضاف غسان كنفاني بعدا إنسانيا وقيما عالية لكل من هذه الصفات بفكره وإبداعه ثم بدمه. أبت الحركة الصهيونية و إسرائيلها، إلا أن تؤكد عنصريتها، وطبيعتها الإرهابية والإجرامية، وعدائها الفاشي للإنسان والإبداع والفكر، بجريمتها الدموية عام 1972 لاغتيال غسان كنفاني وكسر قلمه وريشته. فهل كان قلم غسان قويا الى الحد الذي لا يحتمله هذا العدو؟، وهل كانت أوراقة تشعل النار ضده؟. هذا ما يؤكده أدب وابداع غسان كنفاني، وما أحوجنا اليوم الى التعرف مجددا بغسان كنفاني

داليا الهواري
23-02-2007, 02:54 AM
والده :
خرج أبوه من أسرة عادية من أسر عكا وكان الأكبر لعدد غير قليل من الأشقاء ، وبما أن والده لم يكن مقتنعاً بجدوى الدراسات العليا فقد أراد لابنه أن يكون تاجراً أو كاتباً أو متعاطياً لأي مهنة عادية ولكن طموح الابن أبي عليه إلا أن يتابع دراسته العالية فالتحق بمعهد الحقوق بالقدس في ظروف غير عادية. صفر اليدين من النقود وحتى من التشجيع فما كان عليه إلا أن يتكل علي جهده الشخصي لتأمين حياته ودراسته فكان تارة ينسخ المحاضرات لزملائه وتارة يبيع الزيت الذي يرسله له والده ويشترى بدل ذلك بعض الكاز والمأكل ، ويشارك بعض الأسر في مسكنها ، إلى أن تخرج كمحام. وعاد إلي عكا ليتزوج من أسرة ميسورة ومعروفة ويشد رحاله للعمل في مدينة يافا حيث مجال العمل أرحب وليبني مستقبله هناك. وكافح هناك وزوجته إلى جانبه تشد أزره وتشاركه في السراء والضراء ونجح وكان يترافع في قضايا معظمها وطني خاصة أثناء ثورات فلسطين واعتقل مرارا كانت إحداها بإيعاز من الوكالة اليهودية. وكان من عادة هذا الشاب تدوين مذكراته يوماً بيوم وكانت هذه هي أعز ما يحتفظ به من متاع الحياة وينقلها معه حيثما حل أو ارتحل ، وكثيراً ما كان يعود إليها ليقرأ لنا بعضها ونحن نستمتع بالاستماع إلى ذكريات كفاحه ، فقد كان فريدا بين أبناء جيله ، وكان هذا الرجل العصامي ذو الآراء المتميزة مثلاً لنا يحتذى. هذا هو والد غسان كنفاني الذي كان له بدون شك أثر كبير في حياة ثالث أبنائه غسان.
غسان الطفل:
هو الوحيد بين أشقائه ولد في عكا ، فقد كان من عادة أسرته قضاء فترات الإجازة والأعياد في عكا ، ويروى عن ولادته أن أمه حين جاءها المخاض لم تستطع أن تصل إلى سريرها قبل أن تضع وليدها وكاد الوليد يختنق بسبب ذلك وحدث هذا فى التاسع من نيسان عام 1936. كان من نصيب غسان الالتحاق بمدرسة الفرير بيافا وكنا نحسده لأنه يدرس اللغة الفرنسية زيادة عما ندرسه نحن. ولم تستمر دراسته الابتدائية هذه سوى بضع سنوات. فقد كانت أسرته تعيش في حي المنشية بيافا وهو الحي الملاصق لتل أبيب وقد شهد أولى حوادث الاحتكاك بين العرب واليهود التي بدأت هناك إثر قرار تقسيم فلسطين. لذلك فقد حمل الوالد زوجته وأبناءه وأتي بهم إلي عكا وعاد هو إلى يافا ، أقامت العائلة هناك من تشرين عام 47 الى ان كانت إحدى ليالي أواخر نيسان 1948 حين جري الهجوم الأول على مدينة عكا. بقي المهاجرون خارج عكا على تل الفخار (تل نابليون) وخرج المناضلون يدافعون عن مدينتهم ووقف رجال الأسرة أمام بيت جدنا الواقع في اطراف البلد وكل يحمل ما تيسر له من سلاح وذلك للدفاع عن النساء والاطفال اذا اقتضى الامر. ومما يذكر هنا ان بعض ضباط جيش الإنقاذ كانوا يقفون معنا وكنا نقدم لهم القهوة تباعا علما بان فرقتهم بقيادة أديب الشيشكلي كانت ترابط في أطراف بلدتنا. وكانت تتردد على الأفواه قصص مجازر دير ياسين ويافا وحيفا التي لجأ أهلها إلى عكا وكانت الصور ما تزار ماثلة في الأذهان. في هذا الجو كان غسان يجلس هادئاً كعادته ليستمع ويراقب ما يجري. استمرت الاشتباكات منذ المساء حتى الفجر وفي الصباح كانت معظم الأسر تغادر المدينة وكانت أسرة غسان ممن تيسر لهم المغادرة مع عديد من الأسر في سيارة شحن إلى لبنان فوصلوا إلى صيدا وبعد يومين من الانتظار استأجروا بيتاً قديما في بلدة الغازية قرب صيدا في أقصي البلدة علي سفح الجبل ، استمرت العائلة في ذلك المنزل أربعين يوما في ظروف قاسية إذ أن والدهم لم يحمل معه إلا النذر اليسير من النقود فقد كان أنفقها فى بناء منزل في عكا وآخر في حي العجمي بيافا وهذا البناء لم يكن قد انتهي العمل فيه حين اضطروا للرحيل. من الغازية انتقلوا بالقطار مع آخرين إلى حلب ثم إلى الزبداني ثم الى دمشق حيث استقر بهم المقام في منزل قديم من منازل دمشق وبدأت هناك مرحلة أخرى قاسية من مراحل حياة الأسرة. غسان في طفولته كان يلفت النظر بهدوئه بين جميع إخوته وأقرانه ولكن كنا نكتشف دائماً أنه مشترك فى مشاكلهم ومهيأ لها دون أن يبدو عليه ذلك.

داليا الهواري
23-02-2007, 02:55 AM
غسان اليافع:
فى دمشق شارك أسرته حياتها الصعبة ، أبوه المحامي عمل أعمالاً بدائية بسيطة ، أخته عملت بالتدريس ، هو وأخوه صنعوا أكياس الورق ، ثم عمالاً ، ثم قاموا بكتابة الاستدعاءات أمام أبواب المحاكم وفي نفس الوقت الذي كان يتابع فيه دروسه الابتدائية. بعدها تحسنت أحوال الأسرة وافتتح أبوه مكتباً لممارسة المحاماة فأخذ هو الى جانب دراسته يعمل في تصحيح البروفات في بعض الصحف وأحياناً التحرير واشترك فى برنامج فلسطين في الاذاعة السورية وبرنامج الطلبة وكان يكتب بعض الشعر والمسرحيات والمقطوعات الوجدانية. وكانت تشجعه على ذلك وتأخذ بيده شقيقته التى كان لها في هذه الفترة تأثير كبير علي حياته. واثناء دراسته الثانوية برز تفوقه في الادب العربي والرسم وعندما انهى الثانوية عمل في التدريس في مدارس اللاجئين وبالذات فى مدرسة الاليانس بدمشق والتحق بجامعة دمشق لدراسة الادب العربي وأسند اليه آنذاك تنظيم جناح فلسطين في معرض دمشق الدولي وكان معظم ما عرض فيه من جهد غسان الشخصى. وذلك بالاضافة الى معارض الرسم الاخري التى أشرف عليها. وفي هذا الوقت كان قد انخرط في حركة القوميين العرب وأترك الكلام هنا وعن حياته السياسيه لرفاقه ولكن ما أذكره انه كان يضطر أحيانا للبقاء لساعات متأخرة من الليل خارج منزله مما كان يسبب له احراجا مع والده الذي كان يحرص علي انهائه لدروسه الجامعية وأعرف أنه كان يحاول جهده للتوفيق بين عمله وبين اخلاصه ولرغبة والده. غي أواخر عام 1955 التحق للتدريس في المعارف الكويتية وكانت شقيقته قد سبقته في ذلك بسنوات وكذلك شقيقه. وفترة اقامته في الكويت كانت المرحلة التى رافقت اقباله الشديد والذي يبدو غير معقول على القراءة وهى التى شحنت حياته الفكرية بدفقة كبيرة فكان يقرأ بنهم لا يصدق. كان يقول انه لا يذكر يوماً نام فيه دون أن ينهي قراءة كتاب كامل أو ما لا يقل عن ستماية صفحة وكان يقرأ ويستوعب بطريقة مدهشة. وهناك بدأ يحرر في إحدي صحف الكويت ويكتب تعليقا سياسياً بتوقيع "أبو العز" لفت اليه الانظار بشكل كبير خاصة بعد أن كان زار العراق بعد الثورة العراقية عام 58 على عكس ما نشر بأنه عمل بالعراق. في الكويت كتب أيضاً أولي قصصه القصيرة "القميص المسروق" التى نال عليها الجائزة الأولي في مسابقة أدبية. ظهرت عليه بوادر مرض السكرى فى الكويت أيضاً وكانت شقيقته قد أصيبت به من قبل وفي نفس السن المبكرة مما زاده ارتباطاً بها وبالتالي بابنتها الشهيدة لميس نجم التى ولدت في كانون الثاني عام 1955. فأخذ غسان يحضر للميس في كل عام مجموعة من أعماله الأدبية والفنية ويهديها لها وكانت هى شغوفة بخالها محبة له تعتز بهديته السنوية تفاخر بها أمام رفيقاتها ولم يتأخر غسان عن ذلك الا فى السنوات الأخيرة بسبب ضغط عمله. عام 1960 حضر غسان الى بيروت للعمل في مجلة الحرية كما هو معروف.
غسان الزوج:
بيروت كانت المجال الأرحب لعمل غسان وفرصته للقاء بالتيارات الأدبية والفكرية والسياسية. بدأ عمله في مجلة الحرية ثم أخذ بالاضافة الى ذلك يكتب مقالاً اسبوعيا لجريدة "المحرر" البيروتية والتي كانت ما تزال تصدر أسبوعية صباح كل إثنين. لفت نشاطه ومقالاته الانظار اليه كصحفى ومفكر وعامل جاد ونشيط للقضية الفلسطينية فكان مرجعاً لكثير من المهتمين. عام 1961 كان يعقد فى يوغوسلافيا مؤتمر طلابي اشتركت فيه فلسطين وكذلك كان هناك وفد دانمركي. كان بين أعضاء الوفد الدانمركي فتاة كانت متخصصة في تدريس الأطفال. قابلت هذه الفتاة الوفد الفلسطيني ولاول مرة سمعت عن القضية الفلسطينية. واهتمت الفتاة اثر ذلك بالقضية ورغبت فى الاطلاع عن كثب على المشكلة فشدت رحالها الى البلاد العربية مرورا بدمشق ثم الى بيروت حيث أوفدها أحدهم لمقابلة غسان كنفاني كمرجع للقضية وقام غسان بشرح الموضوع للفتاة وزار واياها المخيمات وكانت هى شديدة التأثر بحماس غسان للقضية وكذلك بالظلم الواقع على هذا الشعب. ولم تمض على ذلك عشرة أيام الا وكان غسان يطلب يدها للزواج وقام بتعريفها علي عائلته كما قامت هي بالكتابة الى أهلها. وقد تم زواجهما بتاريخ 19/10/1961 ورزقا بفايز في 24/8/1962 وبليلي فى 12/11/1966. بعد ان تزوج غسان انتظمت حياته وخاصة الصحية اذ كثيراً ما كان مرضه يسبب له مضاعفات عديدة لعدم انتظام مواعيد طعامه. عندما تزوج غسان كان يسكن في شارع الحمراء ثم انتقل الى حى المزرعة ، ثم الى مار تقلا أربع سنوات حين طلب منه المالك اخلاء شقته قام صهره بشراء شقته الحالية وقدمها له بايجار معقول. وفي بيروت اصيب من مضاعفات السكري بالنقرس وهو مرض بالمفاصل يسبب آلاماً مبرحة تقعد المريض أياماً. ولكن كل ذلك لم يستطع يوماً أن يتحكم في نشاطه أو قدرته على العمل فقد كان طاقة لا توصف وكان يستغل كل لحظة من وقته دون كلل. وبرغم كل انهماكه في عمله وخاصة في الفترة الاخيرة الا أن حق بيته وأولاده عليه كان مقدساً. كانت ساعات وجوده بين زوجته وأولاده من أسعد لحظات عمره وكان يقضى أيام عطلته (اذا تسنى له ذلك يعمل فى حديقة منزله ويضفي عليها وعلى منزله من ذوق الفنان ما يلفت النظر رغم تواضع قيمة موجوداته

داليا الهواري
23-02-2007, 03:03 AM
ثورة 1936 الفلاحية في فلسطين
من الدعوة إلى القيادة الغائبة إلى تضييع الأهداف
http://www.ghassankanafani.com/images/spacer.gifفي الذكرى السبعين لميلاد الروائي والمناضل غسان كنفاني تنشر <السفير> مقتطفات من كتابه <ثورة 36 1939 في فلسطين> لا تحية للكاتب الراحل فحسب ولكن لأن رؤيته لثورة 1936 لا تزال تندرج في سجالنا السياسي الراهن، نضيف ان الدراسة تؤكد ان الموضوع الفلسطيني الذي غلب على اعمال كنفاني الروائي مبني لا على الوجدان العميق فقط ولكن ايضاً على تقميش دقيق وتحليل تاريخي ومعرفة وافية.
يتسابق الكثير من المؤرخين في اعتبار حادث معين وقع في مكان معين هو السبب في انفجار ثورة 1936: يعتقد يهودا بويير ان الحادث الذي <يعتبر عموما بداية اضطرابات 1936> حدث في 19 نيسان 1936 حين <هاجمت حشود من العرب في يافا المارين اليهود>. ويعتبر عيسى السفري وصالح مسعود ابو يصير وصبحي ياسين ان الشرارة الاولى انما كانت قيام عصابة عربية مجهولة (يقول صبحي ياسين انها كانت عصابة قسامية منها فرحان السعدي ومحمود ديراوي) بنصب كمين لسيارات كانت تعبر بين عنبتا وسجن نور شمس، بلغ عددها ,15 فسلبت الركاب اليهود والعرب على السواء أموالهم، وألقى احد الافراد الثلاثة من العصابة خطبة موجزة في الركاب العرب الذين كانوا اكثرية الركاب، كما يقول السفري، تضمنت القول بأن الثورة قد بدأت و<اننا نأخذ أموالكم لكي نستطيع ان نحارب العدو وندافع عنكم>. ويرى الدكتور عبد الوهاب الكيالي ان الشرارة الاولى انفجرت قبل ذلك، اي في شباط ,1936 حين تألفت حامية من العمال العرب طوقت احدى المدارس التي كان مقاولون من اليهود يقومون ببنائها بواسطة ايد عاملة يهودية فقط في يافا. إلا ان جميع المصادر تعتبر عن حق ان الانتفاضة القسامية التي فجرها الشيخ عز الدين القسام كانت هي البداية الحقيقية لثورة .1936 على ان تقرير اللجنة الملكية البريطانية (اللورد بيل)، وهو التقرير الذي يعتبره يهودا بويير من انضج ما كتب عن المسألة الفلسطينية حتى الآن، يقفز فوق هذه التعابير المباشرة عن الانفجار، ويرد الاسباب في انفجار الثورة الى سببين رئيسيين هما: رغبة العرب في نيل الاستقلال القومي، وكرههم لإنشاء الوطن القومي اليهودي وتخوفهم منه. وهذان السببان، كما نلاحظ بسهولة، هما في الواقع سبب واحد، وتبدو العبارات التي صيغ بها فضفاضة ولا تقود الى اي معنى واضح. ولكن اللورد بيل يضع ما يسميه ب<عوامل ثانوية> ساعدت على نشوب <الاضطرابات> وهي: 1 انتشار الروح القومية العربية خارج فلسطين. 2 ازدياد هجرة اليهود منذ سنة 3 .1933 الفرصة المتاحة لليهود بالتأثير على الرأي العام في بريطانيا. 4 عدم ثقة العرب في اخلاص حكومة بريطانيا. 5 فزع العرب من استمرار شراء الأراضي من قبل اليهود. 6 عدم وضوح المقاصد النهائية التي ترمي لها الدولة المنتدبة. أما قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية آنذاك، فإن فهمها لأسباب الثورة يمكن استنباطه من الشعارات الثلاثة الاساسية التي كانت تتوج بها مجموع مطالبها، وهي: 1 الوقف الفوري للهجرة اليهودية. 2 حظر نقل ملكية الأراضي العربية الى اليهود. 3 إقامة حكومة ديموقراطية يكون النصيب الاكبر فيها للعرب وفقا لغالبيتهم العددية. على ان هذه الشعارات، بالصيغ الفضفاضة التي كان يجري من خلالها تردادها، ظلت غير قادرة على التعبير عن حقيقة الموقف، والواقع انها كرست الى حد بعيد هيمنة القيادة الاقطاعية على الحركة الوطنية.
ان الاسباب الحقيقية للثورة، في الواقع، هي وصول حدة التناقض في عملية انتقال المجتمع الفلسطيني من الاقتصاد الزراعي الاقطاعي الاكليريكي، العربي الى الاقتصاد الصناعي البورجوازي اليهودي (الغربي) الى ذروتها، كما رأينا في الصفحات السابقة. ان عملية تعميق حالة الاستعمار وتجذيرها، ونقلها من حالة الانتداب البريطاني الى حالة الاستعمار الاسكاني الصهيوني، وصلت الى ذروتها، كما رأينا، في منتصف الثلاثينيات، والواقع ان قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية قد ارغمت على تبني شكل الكفاح المسلح لانه لم يعد بوسعها ان تظل متربعة على سدة هذه القيادة في وقت وصل فيه التناقض الى شكل صدامي حاسم. وقد لعبت عوامل متناقضة ومختلفة في دفع القيادة الفلسطينية آنذاك الى تبني شكل الكفاح المسلح: اولا: حركة عز الدين القسام. ثانيا: سلسلة الإخفاقات التي منيت بها هذه القيادة طيلة فترة تكلسها فوق رأس الحركة الجماهيرية، حتى فيما يتعلق بالمطالب الجزئية الصغيرة التي لا يتردد المستعمرون عادة في تلبيتها لغرض امتصاص النقمة (وقد ادرك البريطانيون متأخرين هذه الامكانية التي خفف من إلحاحها بالنسبة لهم وجود العميل الصهيوني الأكفأ) ثالثا: العنف اليهودي (الحاميات شعار اليد العاملة اليهودية فقط الخ) مضافاً الى العنف الاستعماري (الطريقة التي قمعت فيها انتفاضة 1929).
القسام
ان الحديث عن ثورة 36 1939 يستلزم وقفة خاصة عند الشيخ عز الدين القسام، فبالرغم من الكثير الذي كتب عنه إلا أنه بوسعنا ان نقول بأن هذه الشخصية الفريدة ما تزال، وربما ستظل، شخصية مجهولة في الحقيقة. ان معظم الذي كتب عنه قد مسه من الخارج فحسب. وبسبب هذه السطحية في دراسة شخصيته لم يتردد عدد من المؤرخين اليهود في اعتباره <درويشاً متعصباً>، فيما اهمله الكثيرون من المؤرخين الغربيين، وفي الواقع يبدو ان الإخفاق في إدراك العلاقة الجدلية بين الدين والنوازع الوطنية في العالم المتخلف هو المسؤول عن التقليل من اهمية الحركة القسامية. ولكن مهما كان الرأي في افكار القسام، فمما لا ريب فيه ان حركته (12/11/1935
19/11/1935) كانت نقطة انعطاف لعبت دوراً مهماً في تقرير شكل متقدم من اشكال النضال، إذ انها وضعت زعامات الحركة الوطنية الفلسطينية التقليدية، التي كانت قد انشقت على نفسها وتشتت وتشرذمت، امام امتحان لا يمكن الفرار منه. ولعل شخصية القسام تشكل في حد ذاتها نقطة التقاء رمزية لمجموعة هائلة من العوامل المتداخلة التي تشكل في مجموعها ما صار يسمى تبسيطا بالقضية الفلسطينية: ف<سوريته> (هو من مواليد جبلة، قضاء اللاذقية، 1871) تمثيل للعامل القومي العربي في المعركة. و<أزهريته> (فقد درس في الازهر) تمثيل للعامل الديني الوطني الذي كان يمثله الازهر في بداية القرن. و<نضاليته> (فقد اشترك في ثورة جبل حوران السورية ضد الفرنسيين من 1919 1920 وحكم بالاعدام) هي تمثيل لوحدة النضال العربي.
وقد جاء القسام مع الشيخ محمد الحنفي (المصري) والشيخ علي الحاج عبيد الى حيفا في ,1921 وبدأ لتوه العمل في انشاء حلقات سرية. ان ما يلفت النظر في النشاط القسامي عقله التنظيمي المتقدم، وصبره الحديدي: فقد رفض عام 1929 الاندفاع في الاعلان عن وجوده المسلح، وبالرغم من ان هذا الرفض قد ادى الى انشقاق في تنظيمه، الا انه استطاع ان يظل متماسكا وسريا. ويقول احد القساميين المعروفين إن القسام برمج ثورته في اربع مراحل: الاعداد النفسي ونشر روح الثورة، انشاء حلقات سرية، تشكيل لجان لجمع التبرعات ولجان لشراء السلاح، ولجان تدريب، ولجان أمن وتجسس، ولجان دعاية وإعلام، ولجان اتصالات سياسية. ثم الثورة المسلحة.
ان معظم العارفين بالقسام يقولون إن خروجه الى تلال يعبد مع 25 من رجاله ليل 12/11/1935 لم تكن غايته اعلان الثورة المسلحة، ولكن نشر الدعوة للثورة، إلا أن اشتباكا عرضيا ادى الى افتضاح امر وجوده هناك، وبالرغم من استبساله مع رجاله فقد قضت قوة بريطانية على مجموعته بسهولة، ويبدو ان الشيخ القسام، حين شعر بأنه لم يعد بوسعه توسيع الثورة مع رفاقه، رفع شعاره المشهور: <موتوا شهداء>. ومن حق القسام ان نفهم شعاره هذا فهماً <غيفارياً> اذا جاز التعبير، ولكن على المستوى الوطني العادي، ان سلوك القسام من خلال الشهادات القليلة التي نملكها عنه تدل على انه كان يدرك اهمية دوره كمفجر لبؤرة ثورية امامية. وما لبث هذا الشعار ان اثمر على التو: فقد شيعت الجماهير جثمان شهيدها مشياً على الأقدام الى قرية ياجور مسافة 10 كيلو مترات، على ان اهم ما في الامر كان افتضاح القيادات التقليدية امام التحدي الذي مثله الشيخ القسام. وقد شعر هؤلاء القادة بهذا التحدي بنفس المقدار الذي شعر فيه الانتداب البريطاني. ويقول احد القساميين انه قبل ان يصعد القسام الى الجبال بشهور قليلة ارسل الى الحاج امين الحسيني بواسطة الشيخ موسى العزراوي يطلب منه التنسيق لاعلان الثورة في جميع انحاء البلاد، الا ان الحسيني رفض، بحجة ان الظروف لم تنضج بعد. وعندما استشهد القسام لم يسر في جنازته إلا الفقراء، واتخذ الزعماء موقفاً فاتراً ما لبثوا ان ادركوا خطأه، فقد شكل استشهاد القسام حدثاً بارزاً لم يكن بوسعهم تجاوزه بالتجاهل، والدليل على ذلك ان ممثلي الاحزاب الفلسطينية الخمسة قاموا بزيارة المندوب السامي البريطاني بعد ستة ايام فقط من استشهاد القسام، وقدموا له مذكرة لعلها من اندر المذكرات صفاقة، فقد اعترفوا ب<انهم إذا لم يتلقوا عن مذكراتهم هذه جوابا يمكن اعتباره بصورة عامة مرضيا، فإنهم سيفقدون كل ما يملكونه من نفوذ على اتباعهم، وعندئذ تسود الآراء المتطرفة غير المسؤولة، وتتدهور الحالة سريعا>. فمن الواضح انهم كانوا يريدون توظيف ظاهرة القسام لتحقيق خطوة الى الوراء. على ان الشهيد القسام كان قد فوت عليهم، بالشكل النضالي الذي قرره، فرصة التراجع، وهذا في الواقع ما يفسر اختلاف موقف الزعماء الفلسطينيين من استشهاد الشيخ القسام فور حدوثه عن موقفهم في الاحتفال الاربعيني باستشهاده، فقد اكتشفوا خلال هذه الايام الاربعين انهم إذا لم يحاولوا ركوب الموجة الشامخة التي فجرها القسام، فإنها ستطويهم، ولذلك قفزوا من الفتور في جنازته، الى المهرجانات والخطابات في اليوم الاربعين لاستشهاده.
ويبدو ان الحاج امين الحسيني سيظل فيما بعد شاعراً بهذه الثغرة، وحتى بعد اكثر من عشرين سنة ستظل مجلة <فلسطين> الناطقة بلسان الهيئة العربية العليا، تحاول الإيحاء بأن الحركة القسامية انما كانت جزءا من نشاط الحركة التي كان يقودها المفتي، وأن هذا الأخير والقسام، كانا <اصدقاء شخصيين>.
أما البريطانيون فقد رووا قصة القسام في تقريرهم السنوي الذي جرى تقديمه الى لجنة الانتدابات في جنيف عن وقائع 1935 كما يلي: <انتشرت في الجو إشاعات عن عصابة للإرهاب تألفت بوحي من عوامل سياسية دينية، وفي يوم 7 تشرين الثاني 1935 كان جاويش ونفر من البوليس يقتفيان اثر سرقة في هضاب قضاء الناصرة فأطلق مجهولون النار فقتلوا الشاويش... وسرعان ما ادى هذا الحادث الى اكتشاف عصابة كانت في ذلك الجوار تحت قيادة عز الدين القسام، وهو لاجئ سياسي من سوريا، وهو ذو مكانة ليست بالقليلة كرجل من رجال الدين، وقد اشتبه به اشتباها قويا قبل ذلك ببضع سنوات، وقيل ان له ضلعا في أعمال إرهابية. ولقد حضر جنازة الشيخ القسام في حيفا جمع غفير جداً، وبالرغم من الجهود التي بذلها كبار المسلمين في توطيد النظام أثناء الجنازة إلا أنه وقعت مظاهرات وقذف أحجار، وبعثت وفاة القسام موجة قوية من الشعور في الدوائر السياسية وغيرها في البلاد، واتفقت آراء الصحف العربية على تسميته بالشهيد فيما كتبته عنه من المقالات...>.
وقد شعر البريطانيون بدورهم بالتحدي الذي مثله استشهاد القسام، وحاولوا بدورهم شد عقارب الساعة الى الوراء، ولذلك كان رأي المندوب السامي البريطاني الذي كتبه لوزير المستعمرات في تلك الفترة بأنه ما لم تلبَّ مطالب الزعماء العرب <فإنهم سيفقدون ما يملكونه من نفوذ وتختفي بالتالي إمكانات تهدئة الحالة الحاضرة بالوسائل المعتدلة التي اقترحها>. ولكن إعادة عقارب الزمن الى الوراء كانت مستحيلة، فحركة القسام كانت تعبيرا في الواقع عن الشكل الطبيعي القادر على معالجة ازدياد التناقض وحسمه، وسرعان ما انعكست في عدد من اللجان والتجمعات، وصار يتعين على القيادة التقليدية أن تختار بين الوقوف في وجه ذلك التصاعد في إرادة القتال لدى الجماهير، أو في امتصاص هذه الرغبة والتكلس فوقها. وبالرغم من أن البريطانيين تحركوا بسرعة، فعرضوا فكرة إقامة مجلس تشريعي وفكرة الحد من بيع الأراضي إلا أن ذلك جاء متأخرا، وأسهمت الحركة الصهيونية التي بدأت في تلك الفترة تبلور إرادتها بصورة قوية في إضعاف فاعلية العرض البريطاني، ومع ذلك فإن قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية لم تكن قد حسمت موقفها بعد، وكان تذبذبها بارزاً بصورة تدعو للدهشة، وحتى 2 نيسان 1936 كان ممثلو الأحزاب الفلسطينية مستعدين لتشكيل وفد للذهاب الى لندن لطرح وجهة نظرهم أمام الحكومة البريطانية. وقد انفجر الموقف قبل أن تقرر قيادة الحركة الوطنية تفجيره. فحين اندلعت شرارة شباط 1936 في يافا كان زعماء الحركة الوطنية الفلسطينية يعتقدون أنه ما زال بوسعهم أن يكسبوا من بريطانيا مطالب جزئية عن طريق المفاوضات. ولكن الأحداث التالية فاجأتهم: إن جميع المقربين من أحداث نيسان 1936 يعترفون بأن اندفاع العنف، والعصيان المدني، كان عفويا، وإذا استثنينا الأعمال التي حركها بقايا القساميين، فإن كل ما حدث كان تعبيرا عفويا عن المستوى الحرج الذي وصله التناقض. وحتى عند إعلان الإضراب العام في 19 نيسان 1936 كانت زعامة الحركة الوطنية متخلفة عنه، ولكنها سرعان ما تعلقت بالقطار قبل أن يفوتها، ونجحت للأسباب التي ذكرناها في تحليل الوضع الاجتماعي السياسي في فلسطين آنذاك بالسيطرة على الحركة الوطنية.
في الريف اتخذت الثورة طابع العصيان المدني والعصيان المسلح، وتقاطر المئات من المسلحين للالتحاق بالعصابات التي أخذت تنتشر في الجبال، وكان الامتناع عن دفع الضرائب قد أقر في مؤتمر 7 أيار 1936 الذي عقد في كلية روضة المعارف الوطنية في القدس وحضره حوالى 150 مندوبا يمثلون عرب فلسطين، وأن استعراضا بسيطاً لأسماء المؤتمرين كما أوردها عيسى السفري يدل بأنه قد تم في هذا المؤتمر بالذات تكريس قيادة الحركة الجماهيرية لحلف واه بين الزعامات الإقطاعية الدينية وبين البورجوازية التجارية المدينية وبين عدد محدود من المثقفين، وكان القرار الذي اتخذ في هذا المؤتمر موجزاً، ولكنه يعبر تعبيراً واضحاً عن المدى الذي كانت قيادة من هذا النوع قادرة على الذهاب إليه: <قرر المؤتمر بالإجماع إعلان الامتناع عن دفع الضرائب اعتباراً من يوم 15 أيار (1936) الحالي، إذا لم تغير الحكومة البريطانية سياستها تغييراً أساسياً تظهر بوادره بوقف الهجرة اليهودية>.
لقد وجه البريطانيون ضربتهم، في الرد على العصيان المدني والعصيان المسلح، نحو مفصلين: الأول الكادر التنظيمي الذي كان بالإجمال أكثر ثورية من القيادة، والثاني الجماهير الفقيرة المشتركة في الثورة والتي لم تكن تتمتع في الحقيقة إلا بحماية سلاحها ذاته.
تصفية الثورة
وقد نجح البريطانيون في تحقيق ذلك من خلال وسيلتين: الأولى هي ضرب فقراء الفلاحين الثائرين بعنف لا مثيل له، والثانية استخدام نفوذهم الواسع لدى الأنظمة العربية، التي لعبت دوراً كبيراً في تصفية الثورة: من الجهة الأولى لعب قانون الطوارئ البريطاني دوره بفعالية، ويورد السفري مجموعة أحكام صدرت آنذاك للتدليل على عسف هذا القانون: <ست سنوات حبس لحيازة مسدس 12 سنة لحيازة قنبلة خمس سنوات مع الأشغال الشاقة لحيازة رصاصة 8 أشهر بتهمة تضليل فريق من الجند عن الطريق تسع سنوات بتهمة حيازة مفرقعات 5 سنوات لمحاولة شراء ذخيرة من الجنود أسبوعان حبس لحيازة عصا>... إلخ. ووفق تقدير بريطاني قدم الى عصبة الأمم فإن عدد القتلى العرب خلال ثورة 1936 يبلغ حوالى الألف، هذا عدا عن الجرحى والمفقودين والمعتقلين. واستخدم البريطانيون سياسة نسف البيوت على نطاق واسع، فبالإضافة الى عملية نسف وهدم جزء من مدينة يافا (18 حزيران 1936) يقدر عدد البيوت التي نسفت فيها ب220 وعدد الذين شردوا نتيجة النسف ب6 آلاف نسمة، نقول، بالإضافة الى ذلك جرى هدم مئة تخشيبة في الجبالية و300 في أبو كبير و350 في الشيخ مراد و75 في عرب الداودي، ومن الواضح أن سكان الأحياء التي هدمت في يافا، والتخشيبات في ضواحيها هم من فقراء الفلاحين الذين هجروا الريف الى المدن، أما في القرى فقد كان عدد السفري حوالى 143 بيتا جرى نسفها لأسباب تتعلق مباشرة بالثورة. وهذه البيوت تخص فقراء الفلاحين وبعض الفلاحين المتوسطين وعدداً يسيراً جداً من العائلات الإقطاعية. ومن الجهة الثانية: بدأ الأمير عبد الله أمير شرق الأردن، ونوري السعيد، نشاطهما للتوسط لدى الهيئة العربية العليا، إلا أن هذه الوساطات لم تفلح بالرغم من استعداد الزعامات لتلبيتها، ولكن الحركة الجماهيرية كانت حتى ذلك الوقت (آب 1936) غير قابلة للتدجين بعد.
إن مسألتين هامتين في هذه المرحلة من الثورة، ينبغي التوقف عندهما: الاولى: ان <العرب اتصلوا باليهود مقترحين التوصل معهم الى نوع من الاتفاق على أساس قطع العلاقات مع بريطانيا قطعا تاما، ولكن اليهود رفضوا ذلك على الفور لأنهم يعتبرون علاقاتهم ببريطانيا مسألة جوهرية>. وقد ترافق ذلك مع ارتفاع عدد اليهود الذين يخدمون في البوليس في فلسطين من 365 عام 1935 الى 682 عام ,1936 وفي أواخر ذلك العام اذنت الحكومة بتجنيد 1240 يهودياً كبوليس اضافي مسلح ببنادق حربية، وارتفع العدد بعد شهر الى 2863 مجنداً. ولعب ضباط بريطانيون دوراً بارزاً في قيادة مجموعات يهودية للهجوم على قرى عربية. والثانية: ان وجود زعامة الثورة خارج فلسطين (في دمشق) قد جعل دور القيادات المحلية المنحدرة من أصل فلاحي فقير في معظمها دوراً اكبر مما كان في الحقبة المنصرمة، وكان هؤلاء يرتبطون مع الفلاحين ارتباطاً وثيقاً، وذلك يفسر، الى حد بعيد، المدى الأبعد الذي كان بوسع الثورة ان تصله.
إن العسف البريطاني الذي تصاعد بصورة غير متوقعة، وتصاعد عمليات المداهمة والاعتقال الجماعي والإعدام طوال 1937 و1938 انهكت الثورة، ولكنها لم تضع حدا لها، وقد أدرك البريطانيون ان الثورة هي في جوهرها ومادتها وقياداتها المحلية ثورة فلاحية، وحين حاولت، نتيجة ذلك، ان تمايز في تعاملها مع المدينيين ادت الروح الثورية المهيمنة في فلسطين بأجمعها الى تعميم لباس الرأس الفلاحي (الكوفية والعقال) في المدن، كي لا يخضع الريفي النازل الى المدينة لعسف السلطة، وبعد ذلك منع الجميع من حمل هوياتهم الشخصية كي لا تكتشف السلطة الفلاح من المديني.
الهزيمة
وقد استمر الأمر على هذا المنوال حتى الشهر الذي نشبت فيه الحرب العالمية الثانية (ايلول 1939) تكبد خلالها الفلسطينيون العرب خسائر لم يكن من الممكن تعويضها: كانت القيادة، بالإضافة لكل روح المساومة التي تعيشها، موجودة خارج البلاد، أما القيادات المحلية الناشئة فقد اخذت تسقط واحدة وراء الأخرى في ميادين القتال، وكان العسف البريطاني قد وصل الى ذروته، وبدأ العنف الصهيوني يصمد باطراد منذ اواسط ,1937 ولا شك ان التركيز البريطاني والإصرار الذي رافقه في الساحة الفلسطينية قد انهك الثوار الذين باتوا، مع تراوح قياداتهم، غير عارفين على وجه الدقة من كانوا يحاربون ولماذا؟ فتارة كانت القيادة تتحدث عن الصداقة التقليدية والمصالح المشتركة، مع بريطانيا، وتارة تصل الى حد قبول منح إدارة ذاتية لليهود في المناطق التي يتواجدون فيها، ولا شك ان تذبذب القيادة ورخاوتها وعدم قدرتها على تحديد هدف واضح للقتال قد أسهم في انهاك الثورة. ولكن ذلك يجب ألا يدفعنا الى إهمال العامل الموضوعي. فقد استخدم البريطانيون فرقتين عسكريتين وعدداً من اسراب الطائرات والبوليس وقوة حرس الحدود الأردني بالإضافة للقوة اليهودية المساعدة المؤلفة من 6 آلاف، ورموا ذلك كله للهيمنة على الموقف، (وكانت لجنة بيل قد اعترفت ان نفقات الأمن في فلسطين ارتفعت من 862 الف جنيه لعام 1935 الى 223.000 جنيه عام 1936). ان حملة الارهاب هذه، وخصوصا المحاولات التي بذلت لقطع الصلة بين الثوار وبين القرى، أدت الى إنهاك الثورة. وجاء استشهاد عبد الرحيم الحاج محمد في آذار من 1939 بمثابة ضربة قاصمة للثورة اذ فقدت واحداً من اكثر القادة الشعبيين الثوريين شجاعة وحكمة واستقامة، وأخذت القيادات المحلية، بعد ذلك، تنهار وتغادر ميادين القتال، ولا شك ان التقارب الفرنسي البريطاني عشية الحرب الثانية قد لعب دوره في محاصرة الثوار.
فقد استسلم عارف عبد الرزاق مع بعض اتباعه للفرنسيين بعد ان انهكه التشرد والجوع، وألقت القوات الأردنية القبض على يوسف ابو دره وسلمته للبريطانيين فأعدموه. وأدى الارهاب في القرى الى خشية من دعم الثوار ومدهم بالذخائر والطعام، ولا شك ان انعدام الحد الأدنى من التنظيم قد حال دون القدرة على تجاوز هذه العراقيل

داليا الهواري
23-02-2007, 03:04 AM
فضول طفل
أم قدر رجل؟
.يا ولدي، يا مستقبل
سمعتك أمس في الغرفة الأخرى تسأل أمك: أأنا فلسطيني أيضا؟ وحين قالت لك: نعم، خيّم صمت ثقيل في البيت كله، كأن شيئاً كان معلقاً فوق رؤوسنا فسقط، وانفجر دويّه، ثم صمت.
وبعدها: لم أصدق أذنيّ، ولكنني صدقت أصابعي. كنت أقرأ حين رأيت الكتاب يرتجف بين يديّ. لا. لقد كان كل شيء حقيقياً إلى درجة مروّعة: سمعتك تبكي.
ولم أستطع أن أتزحزح. كان ثمة شيء أكبر من إدراكي يولد في الغرفة الأخرى، عبر نشيجك الغامض، كأن مبضعاً مباركاً يشق صدرك ويضع فيه القلب الذي لك.
وكان سؤالك ما يزال يدور في السقف ويرتد إلى أصابعي ارتجافاً: <<أأنا فلسطيني أيضاً؟>> ثم يهوي المبضع بتلك الحركة الخاطفة النظيفة التي يضربها جراح ماهر: <<نعم>>. ويخيّم الصمت، كأن شيئاً وقع، ثم أسمع صوتك تبكي.
ولم أكن لأستطيع أن أتزحزح، وأرى ما الذي يحدث في الغرفة الأخرى، ولكنني كنت أعرف أن وطناً بعيداً آخذ في الولادة مرة أخرى، ثمة أرض، ومروج، وحقول من الزيتون، وموتى، ورايات ممزقة وأخرى مطوية، تشق طريقها نحو مستقبل من اللحم والدم، وتولد في صدر طفل.
لقد اجتاحني ذلك الشعور الغامض الذي كبّلني حين ولدت قبل خمس سنوات، كنت واقفاً هناك أنتظرك تنبثق من المجهول إلى المجهول، وشعرت حين سمعتك تدخل إلى العالم باكياً بصراخ كالنحيب أنك سقطت على كتفي فغرزتني أكثر في الأرض.
وها أنذا، في الغرفة الأخرى، أراك تولد مرة أخرى، أحسك تسقط على كتفي من جديد، فتدقني أعمق في الأرض. وأردت لو أستطيع تلك اللحظة أن أرى وجهك الصغير الذي يملأه عنفوان البراءة، كيف يتعمّد بالأسى، كيف تنزل عليه تلك ال<<نعم>> كما الكيّ، كيف تستأصل منك براءة الانزلاق فوق طفولة لا تعي الأنصال التي تنفرش أمامها.
كنت تتكوّن، تلك اللحظة، أمام عيني أمك وأمام أصابعي التي كانت ترتجف مثل ورقة كتاب، كان ثمة من يسلمك البندقية، ويضع عينيك على زنادها.
بين غرفتينا، وثمة الجدار، كانت شروش الأرض تزحف كالأسطورة وتصل بيننا من جديد، ولم أكن لأستطيع أن أتزحزح، وكنت أعرف بصورة غامضة تستعصي على اللمس، لماذا بكيت دون إرادة منك. إنني أؤمن بذلك الشيء المجهول الذي يحمل نفسه على الكلمات ولا يستطيع أحد أن يعرفه.
كنتَ، دون أن تدري، تحسها، تلك الكلمة التي تعني الانتساب والشقاء، وقد تعني عندك نشوة النصر أكثر مما تعني عندي، ان السنوات التي تنسرب من عمري تضاف إلى عمرك، والأمل عندي لا يذوي، ولكنه ينتقل إليك ويضاف إلى آمالك، ويكبر عندك.
كنتَ تحس ذلك، دونما ريب، وإلا: فلماذا بكيت؟
أذكر وأنا جالس في الغرفة الأخرى أسمعك تولد مرة أخرى عبر النحيب كيف وُلدتُ أنا مرة أخرى:
كنت في العاشرة حين حملتنا السيارات نحو عار الفرار، لم أكن أعرف أي شيء، لم أكن أحس شيئاً، كنت ما أزال أنزلق دونما وعي فوق براءة الطفولة، ولكنني تعمدت تلك اللحظة بمشهد لن أنساه: كانت الشاحنات قد وقفت، وتسللت بدافع من فضول الطفل أو قدر الرجل إلى حيث كان الرجال يقفون، وقد رأيتهم يسلمون أسلحتهم في مخافر الحدود، ليدخلوا إلى عالم اللجوء بأكفهم العارية. وعدتُ كئيباً، أحس شيئاً لا قبل لي بفهمه، وكانت أمي جالسة مع النسوة فأخذت أقترب منها كأنها ملجأ، وسألتني: <<ما بك؟>> فقلت لها: <<إنهم يسلّمون سلاحهم>>. وكما قالت لك أمك <<نعم>> قالت لي أمي يومذاك: <<نعم>>، وخيّم الصمت، كأن شيئاً سقط، وتحت سوط عينيها الذكيتين وجدتني أبكي.
وولدت يومذاك مرة أخرى، كنت أنظر إلى الرجال من جديد نظرة لم يعتادوها مني، وكانت أمي وحدها تنظر إليّ نظرة لم أعتدها منها.
لا تصدق أن الإنسان ينمو. لا. إنه يولد فجأة: كلمة ما، في لحظة، تشق صدره على نبض جديد، مشهد واحد يطوح به من سقف الطفولة إلى وعر الطريق.
ومثلما استولدتني تلك <<النعم>> الجارحة، استولدتك <<نعم>> أخرى، وقد سمعتك كيف تلقفتها بنشيج إنسان ينبثق من المجهول إلى المجهول على إيقاع صوت لا يستطيع أن يتحرر منه.
أكان سؤالك، كما كان سؤالي، فضول طفل أم قدر رجل؟
لا يهم.
لقد وُلدتْ، تلك اللحظة، الأرض القديمة داخل إنسانها الجديد، وشهدتُ هذه الولادة وأنا في الغرفة الأخرى، وأحسست بأن الشروش الصعبة على الاقتلاع قد ضربت في رقعة أخرى من سهوب الأجساد التي لا تنتهي.
وحين دخلتَ إليّ، خيل إليّ أنك آت من غارك الخاص، وأن صوتا ما قد قال لك: <<اقرأ>> فأرعبك في البدء، .ولكنه وضع خطاك على بوابة الطريق
غسان كنفاني بيروت 1967

داليا الهواري
23-02-2007, 03:14 AM
قـدره فلسطيني، مـن الولادة إلـى الممــات
عندما نشر غسان كنفاني بحثه السياسي المميز والمطول عن الثورة الفلسطينية الكبرى (ثورة 1936)، في العدد السادس من مجلة "شؤون فلسطينية"، الصادر في مطلع العام 1972 (كانون الثاني/يناير)، من المؤكد أنه لم يكن يدري أن عدد "شؤون فلسطينية" نفسها الثاني عشر، الذي سيصدر في شهر آب/أغسطس من السنة نفسها، سيحمل على غلافه صورة مكررة له، كما سيتضمن متنه مجموعة مقالات وأبحاث تغطي حدث استشهاده في شهر آب/أغسطس، بعبوة متفجرة، زرعتها مخابرات اسرائيل في سيارته.
لكن المؤكد أيضا، أن القدر كان قد ربط مصير غسان كنفاني من ولادته الى مماته، بمصير قضية وطنه فلسطين، في اشارات متكررة، لا يمكن اغفالها، بغض النظر عن الاختلاف في تفسيرها، بالمعايير العلمية البحتة، أو المعايير القدرية.
فعندما ولد غسان في التاسع عشر من نيسان/ابريل عام 1936، اندلعت بعد عشرة ايام (في التاسع عشر من الشهر نفسه) الشرارة التي اشعلت فتيل الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939) في حادث اشتباك بين مدنيين عرب ويهود في مدينة يافا.
وعندما كان غسان وعائلته يحتفلون (او لعل الهجرة من فلسطين لم تمنحهم فرصة الاحتفال) بعيد ميلاده الثاني عشر في نيسان/ابريل 1948، كان الارهاب الصهيوني ينفذ مجزرة دير ياسين، التي كانت يومها (وما زالت الى اليوم بعد مرور 58 عاما) رمزا ماديا ومعنويا لحملة الترويع والتهجير التي استكملت بها الحركة الصهيونية وحلفاؤها الدوليون مشروع افراغ فلسطين ما امكن من سكانها الاصليين، تسهيلا لاقامة الكيان الصهيوني.
وعندما كان الكاتب القصصي والروائي والمسرحي غسان كنفاني، يكتب بحثه السياسي المطول والمميز عن ثورة 36، بعد 36 عاما على انطلاقها، كان يتم عامه السادس والثلاثين، الذي سيكون العام الأخير في حياته.
لعل الظروف الصعبة التي كانت تجتازها الاوضاع العربية عموما، والفلسطينية واللبنانية بالذات، عند نشر هذه الدراسة في شؤون فلسطينية في بداية عصر أنور السادات، قد حجبت آنذاك قيمتها المزدوجة، في أنها انضر وانضج الابحاث السياسية التي قام بها غسان كنفاني، المتميز أصلا في فنون القصة القصيرة والرواية والمسرح، وأنها من الابحاث المميزة التي كتبت اجمالا عن ثورة 1936.
ان قراءة هذه الدراسة، بعد انقضاء ثلث قرن (على كتابتها ونشرها) حافل بتحولات دراماتيكية وجذرية في مسيرة القضية الفلسطينية خصوصا، وفي الحياة الدولية والاوضاع العربية عموما، يمنحها –برأيي- نضارة اضافية، ستكون اماطة اللثام عنها في الذكرى السبعين لولادة غسان كنفاني، تحية تليق بهذه الذكرى.
استغرقت الدراسة ثلاثين من صفحات مجلة شؤون فلسطينية، واعتمدت على عدد وافر من المراجع الفلسطينية والاسرائيلية والعربية والبريطانية والاميركية. لكن ذلك كله لم يكن مصدر تميزها، فقد كتبت دراسات أطول في الموضوع، اعتمدت على عدد أوفر من المراجع، لكن هذه الدراسة تحتفظ بتميزها حتى صفحاتها الخمس الأخيرة.
فبعد استعراض تفصيلي للعلاقات الجدلية بين تحديات القضية الفلسطينية وسائر العناصر المعنية بالصراع، من شرائح شعب فلسطين العمالية والفلاحية والثقافية والبرجوازية، الى جميع مستويات القيادة لدى هذا الشعب، الى الاوضاع العربية الرسمية والشعبية، الى تفاصيل دور الادارة البريطانية في فلسطين، الى تفاصيل المكونات العرقية والاجتماعية والثقافية لموجات المهاجرين اليهود، الى تفاصيل الآليات التي كانت تنتظم عمل الحركة الصهيونية داخل فلسطين، والتي كانت تنظم العلاقة بين قيادة هذه الحركة والادارة البريطانية المستعمرة في فلسطين، بعد هذا الاستعراض المركز لخلفيات كل الاطراف المعنية بالصراع، يصل غسان كنفاني في دراسته الى ذروتها، في استخلاص مركز للنتائج الواقعية التي أدت إليها هذه الثورة، وهي نتائج اعتبرها غسان كنفاني المقدمة الموضوعية لنكبة 1948.
ومع أن الكاتب توقف عند النقاط الايجابية في حركة النضال الفلسطيني ابان سنوات الثورة الثلاث، الممثلة في الوعي الشعبي المتزايد لمخاطر المشروع الصهيوني من جهة، ومخاطر الدور البشع الذي كان الانتداب البريطاني يقوم به تواطؤا وتكاملا مع الحركة الصهيونية، الا انه اقتحم بشجاعة المواقع السلبية في الثورة، ملقيا عليها الاضواء الكاشفة في كل مواقعها، من القيادات الفلسطينية التي تتراوح مواقعها بين الحسابات والرؤى السياسية الخاطئة (في احسن الاحوال)، والتواطؤ على المصالح العليا لشعب فلسطين ومصيره، مقابل اغراءات المصالح الذاتية العابرة، في تناغم تام مع القيادات العربية، التي كانت لا تخرج اجمالا عن طوع الارادة السياسية للقوى الدولية التي تعمل بدأب واضح، في التخطيط والتنفيذ، لاستكمال القواعد العملية لاقامة المشروع الصهيوني في فلسطين.
لذلك، كان بديهيا أن يخرج غسان كنفاني في الخلاصة البالغة التميز لدراسته السياسية عن ثورة 1936، عن الاجماع الدارج في الاكتفاء بالتركيز على الثورة كرصيد ايجابي في مسيرة النضال الفلسطيني، علما بأن كل الوقائع التاريخية الموضوعية تشير الى ان السلبيات الفلسطينية والعربية والبريطانية في تلك السنوات الثلاث الحاسمة، قد قضت تماما على اي نتيجة ايجابية، كان يمكن ان يحققها وعي وتضحيات شعب فلسطين، الذي بدأت نكبته مبكرا على ما يبدو، على يد قياداته المحلية، والقيادات العربية المحيطة به آنذاك.
ونكتفي في هذا الصدد بمقطعين لامعين من الصفحات الاخيرة لهذه الدراسة، يعبران عن النظرة السياسية الثاقبة للكاتب.
يقول غسان كنفاني في المقطع الأول:
"إن مجمل هذه الحقائق، تشير الى أن الثورة الفلسطينية في 1936 ضُربت على مفاصلها الثلاثة: المفصل الذاتي، بمعنى عجز وتذبذب وضعف وذاتية وفوضى قيادتها المتخلفة. والمفصل العربي، بمعنى تواطؤ الانظمة العربية على اجهاضها، في وقت لم تتفاعل الحركة الوطنية الشعبية العربية (الضعيفة)، مع الثورة الفلسطينية الا بصورة انتقائية وذاتية وهامشية.
والمفصل العالمي، بمعنى الخلل الضخم في ميزان القوى الموضوعي، والناشئ عن تحالف مجموع المعسكر الاستعماري فيما بينه، وكذلك فيما بينه وبين الحركة الصهيونية التي صارت تتمتع منذ ذلك الوقت بقوة محلية ضاربة لا يستهان بها عشية الحرب العالمية الثانية".
لكن النظرة الاكثر نفاذا الى اعماق النتائج العملية التي افرزتها احداث ثورة 36 على ارض فلسطين، وعلى مسيرة القضية، تتجلى أكثر ما تتجلى في المقطع الثاني من خاتمة دراسة غسان كنفاني، عندما يقول:
"ويذهب أحد المؤرخين الاسرائيليين الى حد الاقرار بأن ظروف الانتصار في 1948، كانت قد خلقت إبان فترة الثورة العربية سنة 1936 (...) وهكذا، وما أن جاء عام 1947، حتى كانت الظروف ناضجة كليا لقطف ثمار الهزيمة التي منيت بها ثورة 1936، والتي أخرت الحرب العالمية موعد حصادها، ولذلك فأن الفترة التي استغرقها الفصل الثاني في الهزيمة (من آواخر 1947 الى أواسط 1948) كانت فترة مذهلة بقصرها، ذلك أنها كانت مجرد تتمة لفصل دموي طويل، كان قد استمر من نيسان 1936، إلى أيلول 1939".
هذه هي إذن الخلاصة المريرة التي خرج بها غسان كنفاني في دراسته عن ثورة 36، معتبرا نتائجها العملية الفصل الأول الطويل في الهزيمة، مقدمة للفصل الثاني القصير في العام 1948.
ترى، لو أن هذا الذي ارتبط قدره بفلسطين من الولادة الى الممات، لم تمتد يد المخابرات الاسرائيلية لاختصار عمره الى ستة وثلاثين عاما فقط، ولو أمهله "السكري" الذي كان ينهش جسده الغض حتى اتقن حقن نفسه يوميا بحقن "الانسولين"، حتى يحتفل معنا (او لا يحتفل) هذه السنة بالذكرى السبعين لميلاده، كم كان سيبلغ عدد فصول الهزيمة العربية والفلسطينية التي سيحصيها غسان كنفاني ويحللها؟
في تقديري الخاص ان العمر لو امتد بغسان حتى يومنا هذا، لكان قد اقلع منذ زمن عن استخدام التحليل السياسي لمحاولة عرض وفهم الوقائع المفجعة لمسلسل الهزائم العربية والفلسطينية (آخرها هزيمة اقتحام سجن اريحا)، بوتيرتها التي اندلعت بعد استشهاد غسان بسرعة، ما عاد يكفي التحليل السياسي في رصدها وتحليلها وفهمها، ولكان .قد ركز جهده على ملكاته الادبية الرفيعة، لعلها تسعفه أكثر في تلك المهمة شبه المستحيلة


اليــاس سحّـــاب بيروت، 9 نيسان 2006

داليا الهواري
23-02-2007, 03:17 AM
في الذكرى الثانية والثلاثين على استشهاد غسان كنفاني

(أخي غسّان.. جراحك المقيمة.. ما زالت تنقلنا إلى صباحات عكـا..)
عدنان كنفاني

الساعة الواحدة، ظهر يوم السبت 8 تمّوز 1972 خبر مقتضب بثّته إذاعة لندن..
[انفجار سيارة يودي بحياة الأديب غسان كنفاني وسط ظروف غامضة..]
بعد دقائق كنت في سيارة أجرة، منطلقة، تطوي تحت عجلاتها الطريق إلى بيروت..
أتوسل لأول مرة في حياتي أن تقابلني هناك كذبة.! أجمل كذبة يمكن أن يستقبلها إنسان، تقول: إن الخبر برمته ليس له أساس من الصحة..
ولأول مرة في حياتي أيضاً أجتاز حدوداً بين دولتين، بلا جواز سفر، ولا تأشيرة، ولا تصريح..
فتحوا أمامي البوابات، وحمّلوني بنظراتهم الطيبة الحزينة، وتصرّفاتهم الجاّدة الصغيرة المخلصة والمرتبكة، أنبل المشاعر طافحة بالأسف والعزاء..
مذياع السيارة يدندن لحناً شعبياً ليس له معنى، أجاهد كي لا أطلب من السائق تبديل المحطة، أدحرج في رأسي كرة ثلجية أريدها أن تكبر وتكبر..
توهمني -فأقبل- أن كل ما يحدث أضغاث أحلام، كذبة سخيفة كبيرة، ليس أكثر..
يهتّز الدب القماشي الصغير المعّلق على المرآة.. يتراقص وهو يفتح فمه عن ابتسامة طفولية بريئة.. لونه أسود أيضاً..
ذلك الدب الأسود القبيح الكبير الذي علّقه والدي فوق سريري..
أيقظوني ليلاً..
أخبروني والبشر يطفح من وجوههم، أن أمي ولدت..
سألت.؟ قالوا طفلة جميلة.. أدرت ظهري ورفعت الغطاء فوق رأسي..
في اليوم التالي، أحضر والدي ذلك الدب الأسود القبيح.. علّقه فوق سريري تماماً.. أردف بنزق:
- لن يترك مكانه إلا عندما يتأكد أنك تحب أختك. الطفلة الجميلة التي جاءت بها أمك، هدية لنا من السماء..
كنت في السادسة من عمري.. بكيت كثيراً في تلك الليلة، وكلما أدرت وجهي أهرب من اهتزازه المرعب، تلاحقني نظراته القبيحة.. فابتلع صوت بكائي، أخاف أن ينّقض علي ويأكلني.. يهتّز يمنة ويسرة، أسمعه يسألني بين الفينة والفينة:
- هل تحّبها.؟
أقول: - نعم.. نعم..
ولا أسمع صوتي من شدة الرعب..
يقترب غسان من سريري، يسألني بلهفة:
- خائف.؟
أهّز رأسي. فيبتسم بسخرية..
كان عمره عشر سنوات.. همس في أذني..
- تقف على حافّة السرير، وتقطع الخيط الذي يتعلّق به، ثم تلقيه من النافذة..
تملكتني مشاعر بلهاء.. كأنني سألته.. وبعد.؟
أجاب وهو يرسم على شفتيه ابتسامة انتصار:
- تنام الليلة مطمئناً.. وفي الصباح تقول إن الدب غادر مكانه بعد أن أيقن أنك تحبها..
كنت في السادسة من عمري..
أدركت فيما بعد أن الأخ الشقيق، بنتاً أو صبياً، أغلى وأجمل ما يمكن أن يحصل عليه إنسان..
نظرت ملياً إلى الدب الصغير المعلق على المرآة، يهتّز بعنف، ينظر إلي تارة، وإلى الطريق المتعرّج تارة أخرى..
تقابلني نظرات السائق الخاطفة، يطفو صوته الدقيق فوق صوت اللحن الرديء الذي يطلقه المذياع..
- أقل من ساعة ونصل..
تأخذنا المنعطفات الضيقة المتلاحقة، تنساب الطريق على حافّة حادّة بين جبل درزته الخضرة حتى القمّة، وواد سحيق بعيد مفروشة عتباته بألوان زاهية.. خضراء وبنيّة.. صفراء وحمراء.. تتخللها قطعان تتحرك بكسل.. وبيوت متناثرة بينها، تلفظ سحابات دخان باهتة تحمل روائح فيّاضة..
هي الصورة ذاتها التي حملت خطواتنا منذ زمن بعيد.. بعد رحلة لجوء مّر اقتلعتنا بقسوة من يافا إلى عكا إلى الغازّية إلى حمص ثم إلى الزبداني ببهائها وجمالها، قابعة بأنفة على سفح الجانب الآخر من الجبل الأخضر..
نحمل بين أيدينا نحن الثلاثة حصصنا المتساوية.. نصف رغيف وقطعة صغيرة من الجبن، وجبة طعام خفيفة نتناولها بين الظهيرة والمساء يسمّونها "العصرونية"..
نخرج بها إلى الفضاء المفتوح، نتمشّى إلى جانب جدول ماء، ولأن أخي الأوسط لم يحسب الأمر بدقّة، فقد التهم قطعة الجبن ولم يجد بين يديه غير شريحة خبز جافّة..
راقب بحسرة قطعة الجبن التي تخصّني، ما زالت كبيرة.. ناضل بشتى الوسائل للحصول عليها أو على جزء منها.. لكنني رفضت بإصرار وعناد.
ألح أكثر، ورفضت أكثر.. تفاقم الأمر بيننا، ولم يجد بدّاً من التقدّم صوبي، معتمداً على قوته البدنية فهو يكبرني بسنتين، لانتزاع قطعة الجبن عنوة.. فهربت..
ولحظة أحسست أنه سيدركني لا محالة، لم أدر كيف رميت قطعة الجبن برمتها في الجدول مما أثاره إلى أقصى الحدود.. التقط حجراً ورماني.. أصابني على جانب وجهي الأيسر.. ارتطم وجهي على حجر مدبب في سور حجارة، لينفتح جرح عميق في خدّي الأيمن، لم تلبث الدماء التي نزفت منه أن غطت وجهي وثيابي..
انقلب الموقف.. وضع غسّان خرقة على الجرح النازف وضغط عليه بكل قوته، وانطلقنا ثلاثتنا إلى الصيدلية الوحيدة في القرية ليتبرع الصيدلي بتنظيف الجرح وقطبه خمس غرزات دون تخدير بعد أن ثبّتني على كرسي، وقام بعمله مستخدماً أدوات بدائية..
كان همّنا الأول أن لا يعلم والدي بالأمر، أو بأنه على أقل تقدير لم يحصل على الوجه الذي حصل.. نعلم أننا سننال العقاب الصارم..
تطوّع غسّان لإنقاذ الموقف..
اتفقنا على أننا تعرّضنا فجأة للتواجد بين فريقين من الفتيان يتراشقون بالحجارة، وهو تقليد طبيعي يتكرر حدوثه بين فتيان الحارتين الشرقية والغربية بين الحين والحين..
ولأننا مؤدبون ومن أسرة كريمة لم ندرك حجم الخطر الداهم.. وعلى حين غرّة أصاب حجر طائش وجهي..
والدي رجل منصف.! يأخذ حقه ويعترف بحقوق الآخرين. تقدم بشكوى عاجلة إلى مخفر البلدة..
أثناء التحقيق، ولأن غسّان أكبرنا، "لم يكن تجاوز الثانية عشرة بعد" ولأننا على اتفاق أننا فوجئنا ولم ندر كيف حدث ما حدث.. تطوّع للإجابة..
كان المحقق صارماً. أراد أن يتابع بذكاء أدق التفاصيل للوصول إلى الحقيقة.. مما فرض على غسّان أن يقدم وصفاً مفصّلاً ودقيقاً.. وصف المكان الذي يفترض أن يكون ميدان القتال بين الفريقين.. أشار باستفاضة إلى مجموعات الفتيان من كلا الجانبين.. الأشكال والملابس والعلامات الفارقة لكل واحد منهم، ما كان على الرؤوس وبين الأيدي، أشكال الحجارة وأنواع المقذوفات.. طريقة الهرب بعد وقوع الحادث.. الخ.. كل ذلك بوصف دقيق كأنه يقرأ من لوحة مرسومة أمامه..
وقد أصرّ المحقق على الوصول إلى الحقيقة.. طلب من غسان إعادة سرد القصة أكثر من مرة.. وكان يكرر في كل مرة القصة، حرفاً بحرف، دون زيادة ولا نقصان..
في الأيام القليلة التالية كنت أنا وغسّان نتقاسم قطعة الجبن حصّة شقيقي الأوسط، يتنازل عنها على سبيل الرشوة فيما بيننا، ونحسّ بشيء من التلذذ ونحن نراقبه يتناول الخبز وحده، يتبع وراء كل لقمة جرعة ماء..
بعد أيام لم أستطع مواصلة الصمود..
اعترفت لوالدي بالحقيقة.. نلنا ثلاثتنا كالعادة حظنا الوافر من العقاب، وحرمنا لأيام كثيرة من تناول "العصرونية.."
ما زال الدب الصغير يحدق في وجهي.. ويبتسم..
نعود مساءً حفاة عراة من شاطئ بحر يافا إلى بيتنا القريب المستلقي في حي المنشية بعد ساعة السباحة اليومية المدرجة على جدول نظام صارم يضعه والدي بترتيب دقيق لحركتنا اليومية. ندخل الحمّام لنغتسل بالماء الحلو.. تغطس أجسادنا الصغيرة في الحوض الكبير، نسبح ونتدافع، ولحظة يرفع أحدنا رأسه فجأة يصطدم بالحنفية البارزة.. ينفتق جرح جديد.. وننال العقاب..
تزداد حركة السيارات كلما اقتربنا من بيروت..
فجأة يصافحنا البحر..
لآول مرة يسكت المذياع، وتتوقف حركة الدب الصغير المبتسم.. ولأول مرة أفقد لون البحر الأزرق..
التفت السائق، قال بصوت خفيض وهو ينعطف إلى اليمين:
- "الحازمية.."
في اللحظة نفسها رأيت غسّان..
في ساحة بيت يميس بين الورود والزهور، وعبق الكبّاد والنارنج، يحتل مكاناً أثيراً في حي القنوات بدمشق، تتحدث جدرانه المزخرفة والمعشّقة والملوّنة عن عظمة دمشق وتاريخها.
يجلس على كرسي مرتفع، يحرص "فخري بيك البارودي" أن يحمله إليه بنفسه..
فتى نحيل أشقر، شعره مجعّد، عيناه تشعّان ذكاءً، يمسك بين يديه سنوات عمره التي لم تتجاوز الرابعة عشرة، وكتاباً يقرأ منه.. بين جمهور من الأدباء والفنانين والسياسيين ينصتون باهتمام واستحسان إلى قراءته السليمة المؤثرة التي يضيف عليها صوته الصافي مسحات رائقة تزيدها بهاءً وجمالاً..
نراقبه من فرجة الباب بشغف، تنتهي الجلسة اليومية.. ليعلن "فخري البارودي" كما في كل ليلة:
- إن هذا الفتى سيصير إلى شأن عظيم...
تتوقف السيارة..
ترتجف أطرافي المتحفّزة، أتلهّف لاستقبال مفاجأة الكذبة.. أتوسل أن تتدحرج أمامي على مساحة الأفق...
يمسك السائق يدي..
يفرد أمام خطواتي المضطربة حزنه المسفوح على حصيرة من شفقة..
يقودني عبر الحطام والدمار.
يصل بي إلى حافّة واد عميق الغور. فيه رجال يلتقطون عن الأغصان قطع لحم صغيرة، يجمعونها في كيس أبيض..
في الزاوية الأخرى رأيت وجه غسّان ونصف صدره..
ورأيت شيئاً متفحّماً يشبه الصّبية الجميلة "لميس"..
كان يبتسم، صافحني وهو يبتسم..
وكأنه تحسّس بأصابعه النحيلة أثر الجرح الطافي على صفحة خدي الأيمن..
رأيت الدب الصغير، ثابتاً صامتاً حزيناً..
رأيته يبكي..
فبكيت...

عدنان كنفاني

داليا الهواري
23-02-2007, 03:25 AM
غسان كنفاني في جوانب عدة

السبت ١٢ آب (أغسطس) ٢٠٠٦




« شجرة الفلسطينيين لا تمل الحياة أبداً » « فواز عيد » ما هو السر في استمرار الجدل حول غسان كنفاني، أدبه، شخصيته، واستشهاده، ثمة كائن سحري يقبع خلف القسمات الممتلئة ذكاءً وغضباً وإبداعاً، والتي تحفر في وجه هذا الرجل أخاديد متضاربة، أخدوداً يرسم تضاريس فلسطين، آخر يحكي انكساراتها، وبطولاتها وسلامها وعنفها.
السر في غسان كنفاني تماماً هو أنه فلسطيني عادي، لا يأبه لتغيرات السياسة، ولا يكترث لاندفاعات الهجوم مثلما لا يهزم لتراجع المرحلة، إنه يحمل كل تناقضاتنا، تشتتنا، ذكاءنا وغير ذلك، فالرجل لا يتحدث عن فلسطين وشعبها ونفسه، وإنما يتحدث وطنه وشعبه من خلاله. وهو في إطار اتحاد شامل وكلي، دون الرجوع إلى المصادر المتوفرة، إنه هو المصدر ذاته، وهو البيان، وهو الجواب. وهو السؤال أيضاً، سؤال ينتمي إلى تلك الشجرة، شجرة الفلسطينيين التي قال عنها المبدع الكبير فواز عيد إنها لا تمل الحياة أبداً.
غسان كنفاني إذن، يائس ومتفائل، ومقاتل، شجاع و مهزوم، منتصر وشامخ في كل الأحوال، هو شخصية ليست فريدة أبداً إلا في إبداعها، لهذا امتد على صفحات أدبه واضحاً، وخط كلماته ببساطة نادرة وعمق لا يضاهى، في فترة كان الرصاص فيها حلاً لكل المشكلات، تحدث عن أخطائنا وحسن نوايانا، وعن كل ما تتحدث به نفس الفلسطيني دون أن تجرؤ على بوحه صراحةً، فباح به إبداعاً، نثراً ورسماً وحواراً ومسرحاً، ومقالةً، ولا يزال كذلك، يشعرنا في كل وقت أنه بيننا، على الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود على رحيله، غسان كنفاني لا يزال بيننا ليس لأنه غسان وإنما لأنه ذلك الفلسطيني الذي يستحيل موته، حياً، إنه بسيط كالشهداء، واضح ككل المناضلين، شفاف بوصفه فناناً وأديباً، وكئيب باعتباره فلسطينياً لا يمل الحياة أبداً على الرغم من كل أدوات الموت.
غسان مواطناً:

ربما كان أدق ما اختصر من خلاله غسان واقع الفلسطينيين في الشتات العربي رواية « رجال في الشمس» الفريدة في الأدب العربي، فريدة من حيث الشكل والمضمون، فهي شكلاً ليست رواية تماماً، وإنما شيء آخر، إنه يفعل في « رجال في الشمس » ما يفعله أي مواطن فلسطيني وعربي، يشتم ويفكك ويحبط ولا يبالي بشيء، يضيع بين الحروف، يصف هذا بالمخصي ويحمله مسؤولية الاختناق داخل خزان الواقع المرير، ذلك ليس استقراءً لواقع بقدر ما هو تعبير عن آلام، فأبو الخيزران، المخصي يتاجر بنقل لاجئين إلى الكويت في خزانه، إنه لا يكترث لبقائهم داخل صندوق الحديد المغلق في حر الصحراء، هو يحبهم لكنه لا يكترث لموتهم، ويريد استثمارهم لكنه ليس مستعداً لبيعهم، يتألم بعيد مغادرته لسوق النخاسة، مشتتاً تجاه أحاسيسه ومن خلالهم يستفيد، لا يحبذ هذه الاستفادة في أعماقه، غسان هنا بصراحة يطرح رؤية الفلسطيني للنظام العربي، النظام السياسي، إنه يطرح التناقض الذي خطته الأنظمة، والتي كان لسان حالها التعاطف مع فلسطين وبث مقولات كراهية الفلسطينيين وهو ما استشعره العديد منا في مختلف مناحي حياته، مع الانتفاضة، وضد المنتفعين، تقديس لفلسطين وتعاون ضد الفلسطينيين يصل إلى حد الوقوف في صف الجلاد عند البعض.‍‍‍!!غسان المواطن، لا يتقن المواربة ولا يحبذ المواراة، فهو واضح كمثل أولئك الواقفين في طوابير استلام مئونة الإعاشة، يستلمون حصصهم ثم يشتمون من قام بتوزيعها!! يقاتلون ويقتلون، فلا يشعرون بأنهم قدموا شيئاًـ غسان أيضاً يقول ذلك بطريقة فنية، ولا يستثني قيادتنا، قيادة الثورة الفلسطينية من ذلك، بل لا يستثني الشعب والمجتمع نفسه أيضا حينما يصرخ: « لماذا لم تدقوا جدار الخزان». إنه يعتبر نفسه هنا كفلسطيني متأخراً باحتجاجه، ليصل إلى قمة السخط بتحميل بعض من الإدانة للضحية نفسها التي لم يكن احتجاجها عالياً في البداية، ربما كان يقصد انتفاضة لم يشأ العدو أن يراها تقرع جدران خزان العقل والواقع الفلسطيني فقتله قبل يوم الأرض، والقتال البطولي في لبنان، والانتفاضات المتكررة في فلسطين، لم يشأ العدو أن يرى صاحبُ الصرخة صداها، فقتل غساناً محاولاً بذلك قتل الروح الفلسطينية المتمردة على الآخر وعلى نفسها، على الواقع والحلم، الهزل والجد، الوطنية والخيانة، شأنه في ذلك شأن أي فلسطيني، وربما لأول مرة، سأورد حادثة واقعية تعجل في فهم مواطنة غسان كنفاني، وهي أن أحد الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون في ليبيا وبعد قراءته لروايات كنفاني، أقر بأنه لا يستحق الحياة فشنق نفسه وذلك في مدينة بنغازي، بالطبع هو لم ينفذ هنا ما قاله غسان عن قرع جدران الخزان لكنه أوضح مدى تأثره، يقول أبناؤه بأنه فعل ذلك لائماً نفسه على الخروج من فلسطين، ربما فهم صرخة غسان على أنها كذلك، وبما أن النكبة حلت لم يستطع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء فانتحر تاركاً رسالة لابنه تقول بما أنني تأخرت في قرع جدران الخزان، فأنا لا أستحق الحياة.‍‍‍!! هذه حادثة ليست إيجابية، لكنها معبرة بطريقة أو بأخرى، أفصح تعبير لها أن غسان يصل إلى داخل المواطن الفلسطيني ليس من خلال الشعار وإنما بطريقة جد بسيطة، يكتب همومنا، ومع الإقرار بخطأ الفعل الانتحاري، إلا أنه وعلى سلبيته يوضح مدى التأثير بحروف غسان، وإن كان يقصد على غير ما فهمه هذا المواطن المنتحر، إلا أن صرخة قرع الخزان وصلت إلى الكثيرين بطريقة أخرى وأزعم بأن صرخته هذه مع صرخات كثيرة أطلقها كتاب فلسطينيون هي من صنعت الشخصية الفلسطينية فأخرجتها من حالة النكبة السلبية إلى حال الفعل الثوري. لقد أنقذ أمثال غسان كنفاني الشعب الفلسطيني برمته من الضياع، عبر فهم لدواخلنا، وعبر التحريض، فانكسرت السلسلة الحديدية التي صنعها أمثال أبو الخيزران (المخصي) وقرعت جدران الخزان حقاً، وقد استطاع كنفاني ذلك، ليس فقط لأنه كاتب مبدع وإنما لكونه فلسطينياً حقيقياً، إنه مواطن عادي، لاجىء متألم، وفدائي وأديب وفنان مبدع، كل ذلك حين يجتمع يصنع معجزة التواصل مع الجمهور الذي تفتقده غالبيةٌ من أدباء وسياسيين وفنانين.
غسان مبدعاً:

.. عمل غسان كنفاني على نصه بجهد مضنٍ، لم يُعرف أدبه ولم يشأ أن يسميه، ليس لأنه لا يعرف ما يكتب وإنما لاكتشافه إمكانية كتابة شكل مختلف، ومُختلفٌ عليه من ضواحي أساليبه المترامية التي يجمعها الإبداع منطلقاً والمضمون غاية، مما حذا به للغوص في أشكال مترامية، ربما لم يقصد ذلك، لكن طبيعة النص الذي يكتبه فرضت نفسها مع كل جملة خطها بقلمه الواثق والمرتجف، لهذا قيل إن غسان كنفاني متأثر بالوجودية، ثم قيل بالواقعية، والواقعية الاشتراكية، والرومانسية وقيل ما قيل لكن الرجل لم يكن سوى نفسه في كل الأوقات. لم يأبه بالشكل، لهذا جاء متعدد التجريب في مدرسية كتابته، ولهذا أيضاً اعتمد لغة بساطة ممتنعة، لا تعتمد الإدهاش أو التنظير اللغوي للقارىء. وهو الأسلوب الذي اعتمده مجايليه، وكان سائداً ولا زال في مفاهيم أهل الحداثة العربية التي اعتبر بعض أو غالبية رموزها أن التهويم لغةً هو واحد من فنون الكتابة، وأن الكتابة المعقدة والتي تصدم عقل القارىء هي كتابة راقية، لم يكن غسان من بين هؤلاء فقد اعتمد لغة بساطة عميقة ونادرة. إن أهم ما يميز غسان كنفاني ليس السهولة، وإنما ما يمكن تسميته بالعمق المتدرج، أي ذلك الذي يعتمد على طرح بسيط شكلاً يمكن فهمه من قبل البسطاء وغير الدارسين أو المختصين، وهو في الوقت عينه يحير النقاد والمختصين ببلاغته وعمقه ولا دلالاته المرئية، ولهذا حاز الأديب الكبير على رضا كل من أهل الأدب والفن، وتقدير الجمهور الواسع، لهذا لا يمكن اعتباره مبدعاً جماهيرياً كما تم الترويج لذلك منذ عقود، غسان كنفاني مبدع وحسب، لكن أسلوب إبداعه قابل للفهم حسب مستوى معرفة وثقافة المتلقي، إنه كاتب العمق المتدرج، وهو ما أثار نجاحاً لدى العديد من أساطين الحداثة العربية شعراً ونثراً كنزار قباني، ومحمود درويش، على أن غسان اغتيل قبل اكتمال مشروعه ليس بالمعنى الفكري والفني، وإنما الكمي، لتتخيل إنه لا زال حياً، بالتأكيد لكانت الرواية والنثر والمسرح العربي أكثر سطوعاً ولا نبالغ هنا إذا قلنا أن هذا كان أحد أهم أسباب اغتياله غسان شهيداً : ترى ما الذي يدفع صهيونية منتصرة تسحق عدة جيوش بأيام، ولديها كل هذا الكم من المساعدين عرباً وعجماً للتفكير بقتل كاتب، ألان هذا الكاتب جمع بين كونه قائداً سياسياً، وإعلامياً، وفناناً وأديباً؟ سؤال من الصعب الإجابة عليه، لأن العدو الذي اعترف بجريمة اغتياله بعد أكثر من ثلاثة عقود قد لا يعترف بالسبب إلى ما بعد ثلاثين عقداً أخر. شخصياً لا أعتقد بأن سبب اغتيال غسان كنفاني إلا كونه أديباً يهدد بسعة الانتشار والتأثير والتحريض على نطاق واسع، إلى كونه مؤسساً لمجلة خطيرة كانت تنهج منهجاً مغايراً للسائد، ليس من حيث الشعار السياسي وإنما الجموح نحو عمق إبداعي صحفي، فالمراجع للهدف منذ تأسيسها وحتى بعد اغتيال كنفاني، يجد روحاً فلسطينية مفعمة بالتغيير والتثوير عبر مفردات غير شعاراتية، وبأسلوب يحمل في طياته كل ذكاء «خبيث» كما كتبت عنها الصحافة العبرية، الهدف كانت، إلى جانب الإبداع الشخصي، هي من جعل من كنفاني هدفاً للاغتيال. لقد جمع كنفاني بين عمق المبدع، ومباشرة المقاتل، وجموح الثائر، وعمق الفيلسوف، وحنكة السياسي المناضل، لهذا مجتمعاً كان لا بد من اغتياله.
كنفاني عاشقاً :

لو لم يكن غسان عاشقاً شفافاً، يفيض أحاسيساً ورغبة وهياماً لما استطاع أن يعطي كل هذا الحب لوطنه، فالحقيقة لا تجزأ والرجل لا يمكن أن يكون طبيعياً إن لم يحب فكيف به إذا كان مناضلاً مبدعاً، إنه في عشقه لوطنه يحكي قصة أكبر عن حبه لامرأة، أب، أم، صديق وإلى ما هنالك. مناسبة القول هنا هي تلك «الخطيئة» التي حملها البعض لنشر رسائل المبدعين الكبيرين، غسان كنفاني وغادة السمان، فاعتبر البعض بأن الرسائل «تسيء» إلى غسان، وكأن الرجل ولد بلا أحاسيس رجل شرقي يهيم بامرأة ما، وكأن خطيئة الحب تنفي النقاء عن مبدع لم يكترث سوى لصدقه مع نفسه غير آبه بما قد يقال من هنا أو هناك كما لا يبني جداراً من الكذب الوقور مخفياً أحاسيسه الخاصة خلف صورة المناضل المتخشب، وجاءت ردود الفعل على غسان العاشق متفاوتة، المناضلون والمبدعون الحقيقيون بغالبيتهم رأوا أن الأمر طبيعي بالنسبة لمبدع زاده الشفافية والإحساس العميق بكل الأشياء والتفاصيل من حوله، ووقود إبداعه استمرارية الإحساس بالحياة بكل تلاوينها العامة والخاصة، عامته كانت فلسطين، وخاصته كان إبداعه الشخصي وعشقه المتنوع، وهو بذلك لم يخن نفسه أبداً، بل أضاف نقاءً لنقاء وطهر قضيته، المشروعة في كل جوانبها، والعميقة في كل أشكالها، لم يصطنع انتقاءً لمفردات من هنا أو هناك كما فعل بعض مواكبيه زمنياً فصار يكتب عن حبيبته (المرأة) ويسرد أفكاره وأحاسيسه ثم يكذب على نفسه فيكتب في النهاية فلسطين، وكأن حب امرأة أو أب أو أم أو صديق يلغي حب المرء لوطنه، إن الأمر في حقيقته معاكس تماماً، ونزعم أن من لا يحب لا يستطيع أن يحب وطنه. كل المناضلين الذين خطوا بأجسادهم المدماة تواريخ مهمة لشعوبهم، كانوا عشاقاً، ليس فقط لأرضهم وأوطانهم وشعوبهم، بل لنساء أحبوهن وتمادوا في التعلق بتلابيبهن، صحيح أن الحديث عن هيام شخصي بامرأة يبدو أمراً سخيفاً في بعض مراحل النضال، لكن ذلك لا ينفي إمكانية بل ضرورة وجوده واقعاً، بل إن الآخر المتواطىء كشخصية أبي الخيزران في « رجال في الشمس » والذي نجده عاجزاً عن هذا الأمر مريضاً وهو ما أودى به إلى كل هذه الانتهازية والـ....، فالأمر هنا لا يتعلق بشيء أكثر من كونه حقيقة إنسانية طبيعية أمام تشوه نفسي يؤدي إلى ما لا يحمد أمره لقد صنع البعض من رسائل غسان وغادة التي نشرتها هي بنفسها وكأن فضيحة قد وضع الغطاء عنها، كما عبر البعض عن سخطه لنشرها وكأن المناضل الشهيد ينبغي أن يكون شخصاً متخشباً، لا حياة فيه، وكأنهم يريدون ما أراده العدو نفسه مع تأكيد حسن النية هنا ـ ليبدو المبدع الكبير غير مبدع في حياته الشخصية، فنسي كثيرون أن صدق اللحظة يفضي إلى الصدق في تناول الوطن، فكان الاستنكار وطلب التعتيم على الحقيقة التي لا شك بأن غسان كان يلمس جوانبها تماماً في حياته الشخصية كل لحظة، وربما فكر في لحظة ما أنها ستكون سبباً لقتله، وقد كانت لاحقاً.‍!
غسان خارج الزمن :

ربما نسأل أنفسنا، ترى لماذا لا زال يُكتب حتى اليوم عن غسان كنفاني وكأنه اغتيل أمس، أو كأن أدبه كتب قبل لحظة، والجواب بسيط، غسان كنفاني مبدع متعدد الأوجه والدلالات والأفكار، عميق الرؤية، مع كل مرة تقرؤه تكتشف شيئاً جديداً، إنه شبيه ببطل أسطوري، كلما رأيته اكتشفت في وجهه ملامح جديدة، المؤسف أننا نستطيع الزعم بأن العدو اكتشف مواهب الرجل قبل أن يكتشفها كثير من الفلسطينيين والعرب فحسم أمره، في حين لا زال البعض في الساحة الثقافية الفلسطينية والعربية غير منتبه إلى ذلك الكائن السري الساكن بين حروف كنفاني، فهناك من يقول بأن غسان أخذ أكثر من حقه نقدياً وإعلامياً، وإنكم أنتم خصوصاً في مجلة الهدف تحتفلون سنوياً بذكرى اغتياله وتروجون بضاعته، ولا شك بأن الهدف وفية لمؤسسها الكبير، لكن ماذا سيقال لأولئك النقاد، الذين من بينهم غربيون، بل وحتى صهاينة لا زالوا يتابعون ويدرسون نتاج كنفاني وكأنه نشر يوم أمس؟ فقد رد سامي ميخائيل الروائي الصهيوني على رواية « عائد إلى حيفا» بعد قرابة أربعة عقود، وللأسف لا زال بعض منا لم يكتشف غسان كنفاني وكأننا مصرون على أن يكتشف العدو أشياءنا، مزايانا، إبداعنا قبلنا نحن أنفسنا، وكأن هناك من يصر على ألا يفهم روح غسان كنفاني، الذي يجمع بين المناضل والسياسي والعاشق والمناضل والإنسان. كل هذا الجمع أوصل هذه الشخصية إلى أن تكون ركيزة لإبداع فلسطيني مميز، يحتمل كل تأويل ولكنه لا يمكنه إلا أن يكون نفسه، لهذا فإن الوقوع في بئر غسان كنفاني وقوع ممتع، وغني وشائك، وعميق مع كل متر تكتشف تضاريس جديدة، إن ذلك ليس شأن كنفاني وحده، وإنما كل المبدعين الحقيقيين، والكبار حقاً. إن غسان ينتمي إلى شجرة الفلسطينيين التي وصفها راحل كبير آخر هو فواز عيد قائلاً بأنها لا تمل الحياة أبداً، ولهذا سيستمر الجدل أيضا ......
تنشر بالتزامن مع الهدف
في ذكرى اغتيال غسان كنفاني من قبل مخابرات النازية الصهيونية

داليا الهواري
23-02-2007, 03:26 AM
بقلم: يحيى يخلف
عبر الأدب الفلسطيني منذ مطلع الستينات بقوة ، عن مرحلة الإرهاصات التي سبقت تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية ومرحلة الكفاح المسلح ، إذ كتب الأدباء الفلسطينيون من مواقعهم الجغرافية المختلفة في إبداعاتهم عن الهوية الفلسطينية وعن ملامح الشخصية الوطنية ، وعن التمسك بحق العودة والبحث عن سر القوة ، وعن قسوة المنفى وجحيم الصحراء وعن ضرورة وجود كيان فلسطيني يلم الشتات ، ويدافع عن الحقوق ويمثل الشعب الفلسطيني في المحافل العربية والدولية . ففي داخل الخط الأخضر ، برزت ظاهرة أدب المقاومة من خلال معركة الشعراء والأدباء والمثقفين للدفاع عن الأرض والهوية ، وفي الأردن بلورت تجربة مجلة ( الأفق الجديد ) التي كانت تصدر في القدس حركة الأدباء الفلسطينيين الشبان الذين مثلوا تياراً يدعو إلى الالتزام بالتعبير عن هموم ومشاغل القضية الفلسطينية ، وفي قطاع غزة ، كانت هناك حركة شعرية تعبوية قادها هارون هاشم رشيد ومعين بسيسو ، تدعو الى المقاومة وتتمسك بالعودة وترفض التوطين وتشيد بالبطولة ، وتدعو الى التمرد على الواقع الفاسد .
أما في لبنان فأن الحركة الأدبية الفلسطينية كانت تتسم بالحداثة والتجديد وتتأثر بالمناخ السياسي والفكري ، وتغتني وتتبلور من خلال الجو الديمقراطي ، الذي كان سائداً في تلك المرحلة كما تتأثر بالمدارس والتيارات الفكرية الأوروبية التي تدخل لبنان من نوافذه وأبوابه المشرعة ، وتعبر عن دقات قلب الشعب الفلسطيني من خلال الأساليب الفنية الرفيعة ، ولعل ابرز ما ميز تلك الحركة بروز الجهود السردية ، وخير من عبر عن هذه الجهود كان سميرة عزام التي قدمت العديد من المجموعات القصصية ، وجبرا إبراهيم جبرا ، الذي كان يقيم في بغداد وينشر أغلب نتاجه في بيروت ، بل ويتفاعل مع ثقافة بيروت التي تنزع الى الحداثة والتجريب والدعوة الى كسر المألوف وارتياد مغامرات أدبية جسورة .. وأخيراً غسان كنفاني القاص والروائي والصحافي والمناضل في حركة القوميين العرب الذي كان بمثابة شعلة تتقد بالنشاط والحيوية وتخوض من مواقع التزام ، مغامرة القصة والرواية بجرأة وجسارة .
تقتضي الأمانة أن نحلل على هذا المشهد الواسع ، ونحن نتحدث عن أدب غسان كنفاني ، لنرى أن ظاهرة غسان أتت من سياق ظروف استثنائية كان يمر بها الشعب الفلسطيني وأتت في اطار نسيج ثقافي فلسطيني يمثل حالة نهوض فلسطينية بعد كبوة وحالة ضياع دامت أكثر من عقدين من الزمن …
وسط هذا المشهد يبرز غسان كنفاني ، كنموذج لجيل النكبة الذي ترعرع في المخيمات والمنافي ، وذاق من محيطه القومي حلاوة الانسجام ، ومرارة التباين ، وجرت في عروقه الدماء الفلسطينية الحارة ، وعرف منذ وقت باكر أن لا وطن له إلا الوطن الفلسطيني .
وتعود صلتي الروحية بغسان ، من خلال قراءاتي لقصصه الأولى التي كانت تنشر في الملحق الذي يصدر في جريدة المحرر اللبنانية ( ملحق فلسطين ) ، ومن خلال قراءتي لروايته العظيمة ( رجال في الشمس ) ..
أما صلتي الشخصية به ، فقد بدأت في السبعينيات ، عندما كنت مسؤولاً عن حركة فتح في منطقة شمال الأردن ، إذ كنت أرسل له من خلال شباب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، وبين فترة وأخرى ، كنت أرسل له قصصي لينشرها لي في مجلة ( الآداب ) البيروتية . وقد التقيت بغسان كنفاني لأول مرة ، في صيف عام 1971 ، في بيروت .. التقيت به في يوم قائظ في ذلك الصيف الحار ، في مكتبه في مجلة الهدف الكائنة في كورنيش المزرعة في بيروت ، وكنت بصحبة الصديق القاص محمود الريماوي الذي كان يعمل في الهدف كمحرر ثقافي ..
استقبلني غسان كنفاني بحفاوة وحرارة ودار بيننا حديث تراوح ما بين السياسة والثقافة ، الشخصي والعام ، الراهن والمستقبل .
كان غسان كنفاني يمتلك عينين مثل عيني الصقر ، وكان يتحدث بحيوية وكانت ملامحه وحركات يديه ، تعكس انفعالاته ، وصدقه ، وحميميته .
والتقيته مرة اخرى في الهدف ، عندما عدت بعد مدة من الزمن ، لجمع بعض المعلومات والوثائق من أرشيف المجلة لأستعمالها في دراسة كنت أتهيأ لإنجازها وكان غسان وقتها يجتمع مع وفد أجنبي جاء يتضامن مع الثورة الفلسطينية وكان بابه مفتوحاً وعندما شاهدني ، أشار لي بالدخول ، وسلم علي ودعاني للجلوس ، ثم واصل الحديث باللغة الإنجليزية ..
وكان من الواضح أن الوفد يساري الاتجاه ، وانه من اليسار غير التقليدي ، وربما من اليسار الجديد المتأثر بأفكار ماوتسي تونغ ، فقد كان غسان يتحدث اليهم ، وهو يحمل كراساً بغلاف أحمر ، يحمل مقتطفات من أقوال ماو..
والتقيت به بعد ذلك مرات أخرى ، كان آخرها من مكتب الإعلام التابع لحركة فتح في بيروت ، إذ حضر اجتماعاً للجنة التحضيرية التي شكلت في تلك الأيام ، من أجل تأسيس الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين ، وكان ذلك قبل استشهاده بأسابيع قليلة ..
أسرد هذه المعلومات ذات الطابع الشخصي ، لا للتباهي بمعرفة شخصية ثقافية فذه فحسب ، بل من أجل أن أوضح بعضاً من اهتماماته ، ومشاغله ، فهو ليس الكاتب والروائي والرسام والناقد فحسب ، وإنما هو الكادر الملتزم في صفوف الجبهة الشعبية ، الذي ينشغل بالسياسة وبالشأن الفلسطيني العام ..
فنحن هنا ، كما تعكس هذه الدراسة التي أعدها الكاتب الصديق سهيل كيوان ، أمام موهبة فريدة ، كانت تسابق الزمن ، موهبة عاشت حياة قصيرة ، ولكنها ممتلئة بالتجارب والرؤى غنية بالتفاصيل الجوهرية ، حافلة بالدلالات المدهشة .
وقد أسعدني الإطلاع على هذه الدراسة التي تناولت أدب وحياة غسان كنفاني ( الجمال الحزين ، العطاء المتوهج ) ، والتي فازت بجائزة مؤسسة توفيق زياد للثقافة . وقضيت وقتاً ممتعاً في قراءتها على الرغم من أنني قرأتها في ظروف الحصار القاسي الذي نعيشه في الأراضي الفلسطينية المحتلة هذه الأيام وحملات مداهمة وإعتقال ، وحملات تجريف وتخريب من قبل قوات الإحتلال الإسرائيلي ..
أقول ، استمتعت بهذه الدراسة على الرغم مما كان يحدث خارج منزلي ، وخارج نافذتي ، وأستطيع أن أطلق عليها صفة الدراسة القيمة ، دون تردد ، ودون أن يكون ذلك من باب المجاملة .. بل أن هذه الدراسة تستحق جهداً في القراءة المعمقة ، يعادل الجهد الذي بذله سهيل كيوان في إعدادها .
وقد أكدت هذه الدراسة ، ما سبق وذهبت إليه عند حديثي عن غسان في مناسبات شتى ، إذ كنت أرى ان لقصص غسان كنفاني حياة داخلية وان شخصياته ما زالت تعيش وتنبض فيها العروق من خلال تعدد القراءات ، ومن خلال تعدد الرؤى التي تنظر اليها على الرغم من مرور الأيام ، وتقادم الزمن .. فأدب غسان كنفاني يتجدد دائماً بتجدد القراءات ، وخاصة القراءات النقدية .
فالدلالات والمعاني في أدب غسان كنفاني تختلف من ناقد لآخر ، ومن قارئ لآخر ، فهي مثل اللوحات الفنية التي يفسرها المتلقي تفسيراً معيناً ، ثم يأتي متلق آخر ، ليسبغ عليها دلالات جديدة .
إن نظرية تعدد القراءات تغني النص ، وتحوله الى كائن حي ، قابل للتطور ، وقابل للفهم ، وقابل للغواية الفنية لأنه يحمل في أعماقه بذرة التجدد والحداثة الدائمة .
قدم سهيل كيوان قراءته الخاصة لغسان كنفاني ، ومثل ذلك إضافة نوعية لنظرية تعدد القراءات ، فقد تجنب كما ذكر في مقدمته تكرار الأفكار السابقة أو الجوانب التي تطرق إليها من سبقوه في دراسته ، وحرص في هذه الدراسة على إضاءة بعض الزوايا الجديدة ، وعلى تعميق وتجذير وتحسين إضاءة بعض الجوانب الأخرى التي لامسها الآخرون .
وأنا لا أعتقد أن ذلك كان بهدف الإبتعاد عن التكرار او بتوخي الأمانة والصدق بقدر ما اعتقد ان ذلك يندرج في إطار بلاغة القراءة ، وبلاغة الإبتكار في الرؤية وبلاغة التجديد التي تطلقها فكرة تعدد القراءات ..
وهذه الدراسة ، بهذا المعنى ، تمثل عمق الثقافة التي يمتلكها سهيل كيوان ، وتعكس خبرته الشخصية في مجالات السرد الروائي ، وقد تعامل مع نصوص غسان كنفاني برؤية الفنان الذي يبحث في النص عن جمالياته ، ووظيفته الاجتماعية ، ولغته ونقدياته وبنيته ، وشكله ومضمونه وهي رؤية حية ، فيها الحس المرهف ، والصدق الإنساني وإستبطان الحلم المشترك .
لقد كتب الكثير عن أدب غسان كنفاني ، وصدرت عنه دراسات متخصصة ، ورسائل جامعية ، وترجمت أعماله الى العديد من اللغات الحية ووجدت أيضا تلك الأعمال إهتمام الدارسين والنقاد في مختلف بلدان العالم ومع ذلك فثمة ما يمكن أن يقال من جديد في أدبه وسيرته الذاتية ، ودوره في حركة الثقافة الفلسطينية ، فضلاً عن دوره في الحركة الوطنية الفلسطينية .
إن المساحة الجديدة التي أدخلنا إليها سهيل كيوان تشبه فسحة الأمل ، تفتح أمامنا عالم غسان كنفاني الرحب ، ولا تغلقه ، والمدى ما زال في أتساع ، والنص ما زال مفتوحاً أمام المعاني والدلالات والقراءات ، و(كيفما وليت وجهك في فلسطين ، لا بد وأن تشم رائحة البرتقال الحزين ) .

داليا الهواري
23-02-2007, 03:27 AM
مفتتح
بودي أن أوضح أولاً أنه من الصعوبة بمكان الكتابة عن أدب كُتب عنه الكثير لأن العملية حينئذ ستشبه عملية طحن الطحين بل الأجترار ، والكتابة أصعب وأصعب عندما يكون الكاتب الذي نحن بصدد أبداعه شهيداً ، خط روايته الأخيرة بدمه أمتداداً لما سبق وقاله بحبره ، لقد كتبت الكثير من الدراسات عن أدب غسان كنفاني ، وكتب مقدمة لكتبه كبار الكتاب والنقاد أمثال يوسف أدريس وجبرا أبراهيم جبرا ، مما يؤكد صعوبة الخوض في دراسة جديدة لأدبه ، وعندما أعلنت مسابقة مؤسسة توفيق زياد للعام 2001 حفزتني على المشاركة ، وكنت في حيرة بادئ الأمر بين أجراء دراسة عن الأرض في الأدب الفلسطيني وبين أدب غسان ، في النهاية أخترت الدراسة في أدب كنفاني ، بعد أن كنت قد قرأت مؤلفاته مراراً ، ورأيت أن التخصص في أدب كاتب واحد يعطيه حقه بشكل أفضل من توزيع الدراسة على عدد كبير من الكتاب والشعراء ، فقررت أن أدلي بدلوي وذلك لما لأبداع هذا الكاتب من مكانة أستقرت في نفسي ، خصوصاً قصصه القصيرة ذات الحيوية الخاصة والتي كنت أعود اليها بين فترة وأخرى لأشحذ همتي من جديد ، ولكي أعيش لحظات من المتعة الحزينة معها ، تلك المتعة التي يسببها العمل الفني الراقي وأن كان موضوعه محزناً ، في كل مرة كنت أكتشف قدرته على أمتاع القارئ وأثارة دهشته ومنحه الشعور اللذيذ بالتطهير . لقد حاذرت رغم كثرة ما كتب عنه أن لا أكرر أفكاراً سابقة أو جوانب تطرق أليها من سبقوني في دراسته ، لذلك حاولت أن أضيء بعض الزوايا الجديدة رغم صعوبة الأمر ، وأعمّق وأجذر وأحسّن أضاءة بعض جوانب لامسها آخرون على السطح دون التعمق بها ، والحقيقة أنني أكتشفت خلال أعادة قراءتي لمؤلفاته أمكانية كتابة دراسات ودراسات جديدة عن هذا الأدب الجميل ، وأنه بالأمكان دائماً أكتشاف الجديد ، أما الجوانب التي سبق وتطرق أليها من سبقوني بتوسع وتعمق فلم أعد اليها ( بقدر ما وقع بيدي من هذه الدراسات ) . ، وذلك أبتعاداً عن التكرار وتوخياً للأمانة والصدق وطمعاً في الأصالة . طبعاً يوجد أتفاق عام على الخطوط العريضة لأدب كنفاني ، لا يمكن لدارس جدي أن يغفلها ، فالجميع متفق أنه لا يمكن فصل أدبه عن قضيته المركزية وسوف نمر على هذا أيضاً . بهذه المناسبة بودي التقدم بالتحية والشكر للقيمين على مؤسسة توفيق زياد للثقافة ، لتحريضهم الكتاب والدارسين على الأبداع ، من خلال أطلاق مثل هذه المسابقة المحفزة على القراءة والدراسة الجادة التي نحن بأمس الحاجة لها كتاباً وقراء .

داليا الهواري
23-02-2007, 03:28 AM
الأدب الجيد يخدم القضية
لقد رفع أدباء فلسطين وبحق شعار ( الأدب الجيد يخدم القضية ، والأدب الرديء يسيء لها ) . وقد تغني أشراقة فنية واحدة من على المسرح أو السينما أو في رواية أو قصة أو صورة عن عشرات المحاضرات الجافة والخطب الرنانة ، ولعل صورة محمد الدرة في الأنتفاضة الأخيرة رغم المأساة الكامنة فيها عملت ما لم يفلح بعمله عشرات السفراء والقناصل ودهاقنة الدبلوماسيين ، ولعل الميزة الأهم التي ميزت أدب غسان كنفاني هي كون أدبه جاء ناضجاً في لظى قضية عاشها الكاتب حتى الثمالة بوعيه وبلا وعيه ، فنبت أدبه ورشف ماء حياته من ترابها ووحلها وصهدها ، وكانت المرجعية الأجتماعية والنفسية والسياسية لجل كتابته ، وستكون مضحكة بل مثيرة للشفقة أية محاولة نقدية مفتعلة تسعى لتخليص بنيان كنفاني الأدبي من الحوض السياسي والأجتماعي والنفسي الفردي والجماعي الذي عاش وكتب غسان في سياقه ، فكان أدبه كالسمكة في حوض مأساة اللجوء والفقد والتشرد ، وأن كان يطمح أحياناً بالخروج من هذا الحوض ، ألا أنه سرعان ما كان يشعر بالأختناق ، وبمساحة معرفتنا المسبقة لهذا الواقع السالف ، نفهم وندرك المادة اللسانية التي استخدمها في تصاويره الحسية ، ونفهم المنعطفات النفسية التي تضافرت لأنتاج كتابته . كثيرة هي مدارس النقد الأدبي القديمة والحديثة للقصة والرواية ولكن تبقى جمهرة الذواقة هي صاحبة القول الفصل بنجاح أو فشل التجربة الفنية لهذا الكاتب أو ذاك ، بأمكان الناقد أن يقرظ عملاً روائياً ما ، وقد يعتبره قمة الدقة الفنية بمقياس نظري معين ، ورغم ذلك قد يفاجأ هذا الناقد أن الجمهور المتلقي ( رأس مال الكاتب ) لم يتذوق هذا العمل ، وتوقف مصاباً بالملل عند الصفحات الأولى منه ، وفي المقابل قد يهمل النقاد عملاً روائياً لأعتبارات نظرية ولكن القراء قد يحبونه ، ومن هنا تنشأ أشكالية الرواية ، فكلما حاولت مدارس النقد ( تقعيدها ) ومحاصرتها ضمن قواعد ضبط معينة ظهرت أبداعات خرقت هذه القواعد وسجلت نجاحاً باهراً ، ويعود هذا لسبب بسيط وهو أن الحياة ، حياة الأفراد والجماعات الداخلية لا يمكن تقعيدها أي ضبطها بقواعد ، في بداية هذا العام _2001 _ألقي القبض على شاب يهودي قتل زميلاً له ليس بدافع فقر ولا بدافع سرقة أو تجارة سموم أو شذوذ جنسي ، لقد كان هذا الشاب أبناً لعائلة محترمة ، وحتى أن والدته تعمل كأخصائية نفسية ، ووالده أكاديمي ويوفران له كل متطلبات الحياة ، ورغم ذلك فقد قتل فتى بريئاً ودفنه وكأن شيئاً لم يحدث ، الى أن أعترفت صديقته عنه لسبب تافه وليس لسبب من صحوة ضمير ، وأقول هذا للتأكيد على أن الأنسان ( موضوع كل رواية ) لا يمكن ضبط تصرفاته ومشاعره وأفعاله ونمذجة ما يجول بخاطره ضمن قواعد نظرية ثابتة ، فرب فقير قانع بفقره ورب غني طامع بالمزيد ، وقد تجد فقيراً متكبراً متعجرفاً وغنياً متواضعاً بسيطاً والعكس في الحالتين صحيح ، وبالتالي فأن الحياة نفسها تحمل متغيرات وتفاعلات وعلاقات جدلية دائمة لا ثبات فيها حتى للجماد ، فما بالك بالأنسان وخصوصاً المعاصر المعرض لموجات الحداثة اللانهائية ، و" الرواية تحمل متغيرات أبطالها وبهذا تختلف عن الملاحم التي يكون فيه البطل محدد التصرف ونمطياً " كما يقول الكاتب والناقد جبرا أبراهيم جبرا . أذاً فمحاولة رسم قواعد ثابتة للرواية بشكل خاص هي محاولات مؤقتة كما ثبت ، فما أن يستقر النقاد على نظرية من النقد ويحتفون بها حتى يأتي من ينسف ما سبقه أو يطوره الى أن يُستنفذ ، فما كان صالحاً قبل قرن فقد بريقه اليوم وألا لأصبح تكراراً مملاً ، فلا يمكن حصر الفن في قمقم وألقاءه في قاع المحيط ، لأن هذا المارد الجبار ( الفن ) سيخرج مقهقهاً هازئاً في كل مرة ، وقد أثار دهشتي بل أضحكني الناقد جورج طرابيشي وهو مثقف كبير في تحليله النفسي الفرويدي لأحدى الجمل التي تلفظ بها (سعيد حزوم ) بطل رواية ( حكاية بحار ) لحنا مينة ، فالبطل يقول " أيتها الحياة يا صاحبتي العزيزة ، كلانا مسلح بأرادة البقاء والمقاومة ، وأن كان علي كي تستمري أنت أن أفنى فأن لذلك شرطاً : أن تأتيني من أمام ، أنا لا أحب الغدر . كنت بحاراً ولم أكن غداراً .. حذار لا تكوني ساقطة .. أني لا أحب الساقطين " وهنا يقول الناقد الكبير في تحليله " فلنا أن نلاحظ أن الخوف الذي يعبر عنه من الغدر هو عين الخوف الذي يساور المرء أزاء شكل معين من الجماع ، وأن المعنى الوحيد الذي يعطيه للغدر على أي حال " الأتيان من الخلف " ويستمر الناقد في تحليله العجيب " ثم أننا لا نستطيع أن نغض الطرف عن زلة القلم ، فقد كان يقتضي أن يخاطب الحياة بالقول " لا تكوني ساقطة أني لا أحب الساقطات " لكنه آثر التذكير في الجمع فقال " الساقطين " والحال من هم "الساقطون "؟ أنهم أولئك الذين يأتون أو يؤتون من الخلف ! أولئك الذين يؤجرون أقفيتهم " أنهم المخنثون!! الى هنا ! الروائي وبطله جورج طرابيشي ص 64 . الناقد الكبير أعتبر أن جملة " أيتها الحياة لا تأتيني من الخلف " هي خوف البطل من أن يغتصب جنسياً ، أو أن يشتد لديه الشعور بالمثلية . مع أحترامنا لأبداعات وتحليلات جورج طرابيشي المتكئة على فرويد وهي بمعظمها جميلة وتستحق الوقوف عندها وتستند الى قواعد في علم النفس ولكنها تصبح سقيمة وواهية في بعض الأحيان ، عندما تعتمد تفسيرات جنسية لكل حركة ولفظة يقوم بها الأنسان وأعتبار أن كل شيء يعود الىالتنازع بين " الأنا وبين العلاقات الجنسية " ، ففرض مثل هذا التحليل على جملة كهذه فيه كثير من التعسف بل هو أغتصاب للمؤلف وللشخصية وللنقد ، وتحليل كهذا يعني الحرج الدائم والأقتران الجنسي لكلمات مثل ، خلف ، فوق ، تحت ، رأس ، دخل ، خرج ، نزل ، صعد ، أنتفخ ، أمتد ، أنتصب ، ومئات التعابير المشابهة ، لأن كل هذا سيفسر تفسيراً جنسياً حسب فرويد وطرابيشي ، ألا يشبه هذا كلام بسطاء الناس في مجتمع مغلق عندما يتبعون كل جملة قد توحي بالجنس بقولهم ( بلا قافية ) خوفاً من أن تفسر تفسيراً جنسياً ! لقد أنحدر النقد ( العلمي ) هنا الى أسفل سافلين ! وابتعد عن الأدب والفن وحتى بمفهوم مدرسة الفن للفن ، وما رأي الناقد أذاً بهذه الأبيات للشاعر سميح القاسم
وأخاف ، أخاف من الغدر
من سكين يغمد في ظهري
ولكني يا أغلى صاحب
يا طيب يا بيت الشعر
رغم الشك ورغم الأحزان
أسمع أسمع وقع خطى الفجر _ الأدب الفلسطيني المقاوم ص88 غسان كنفاني _
، فهل يفسر الناقد جورج طرابيشي ( السكين في الظهر ) كما فسر الجملة السالفة ! لقد فهم غسان كنفاني هذا الشعر على أنه شعر مقاوم وهذا ما يفهمه الناقد والقارئ العادي ، فالغدر من وراء الظهر والسكين بالظهر وغيرها تعابير مجازية واضحة ليست بحاجة لتفسيرات أضافية حتى في اللغات غير العربية ، وفي مختلف طبقات وشرائح المجتمع ! وأما التأويلات النفسية التي يدعيها جورج طرابيشي فأنها لم تفعل سوى الأساءة للنص نفسه وزعزعة الثقة بمثل هذا النقد ، بل وبالأشارة الواضحة الىعبثية فرض نظرية كاملة على نص أدبي بأكمله . لقد سقت هذا المثال كنموذج لما قد يفعله فرض مدرسة نقدية حرفياً على عمل أدبي ، وهذا يوضح أنه لا يمكن حصر عمل روائي في قالب تحليلي واحد أو نظرية واحدة ، لأننا هكذا نظلم العمل ونظلم العلم والنظريات النقدية . كثيرة هي مدارس النقد وخصوصاً بما يتعلق بالرواية وقد تختلف الآراء النقدية لنفس الرواية من ناقد لآخر ، يقول ( باختين ) أن "كل رواية أنما هي عالم قائم بذاته ولها أدواتها النقدية المختلفة عن أية رواية أخرى ". وتوصل أنه لا يمكن وضع مقاييس دقيقة تقاس بها الرواية مثل نظرية رياضية ، فالرواية ما زالت تسعى نحو ذاتها بدون نهاية ، لأن الحياة نفسها متغيرة وليس لها ضوابط تقف عندها .
ألا أنه ثبت بما لايقبل الجدل وعلى جميع الأصعدة العلمية ، أن البيئة المحيطة بالأنسان لها تأثيرها الحاسم في تطوره بل في تركيبته العضوية ، ولعل الأكتشاف العلمي المذهل الأخير الذي أعلن عنه بأكتشاف الخرائط الوراثية لجينات الأنسان جاء ليؤكد تأثير المحيط على الأنسان ، وقال العلماء بصدد هذا الأمر " أن البيئة التي يعيش فيها الأنسان تؤثر فيه أكثر مما تصورنا حتى الآن ". ولكن ما علاقة هذا بالفن والأدب الذي نحن بصدده ! نعم توجد علاقة مباشرة ، لقد أراد غسان أن يعبر عن الحياة بكل ما فيها ، ولكن بطريقة فنية ومن زاوية نظر الفنان وليس كناسخ لها ، " ثمة خياران أمام الروائي ، أن يتعامل مع معطى موجود محسوس جاهز ، وبذلك يكتب له السقوط ، أو أن يتخذ قراراََ بخلق جديد لهذا المعطى الموجود ، أي أن تكون لديه القدرة على أعادة خلق الأشياء والموجودات وبذلك يكتب له أن يرتقي الى مرتبة الفن " النص المرصود ص 20 سمير لحميدان . هذه الحياة عند غسان والتي أراد تحويلها الى نصوص فنية ، هي حياة اللجوء والبؤس والتشرد وكما قيل من قبل ، من المستحيل الفصل بين هذا الواقع وكتابات غسان خصوصاً وأنه قصد ذلك ، ولكن المهم هل نجح بنقل هذه الحياة فنياً ودون أن يقع في فخ المباشرة والتقريرية وتكرار نفسه ، وتقديم ما هو جاهز كما هو ؟
لقد بذل غسان جهداً جباراً لخلق الأنسجام والتوازن بين الفن والجمال المتوخى من العمل الفني وبين أبطال قصصه الحقيقيين الذين رآهم وعاش معهم بشكل شخصي في المنافي أو ممن تناقلت قصصهم الألسن ، لكنه لم يكن ناقلاً لحكايات بل كان جزءاً منها ومتفاعلاً معها لأنه هو نفسه عاش في أجوائها وكتب قصصه من داخلها ،وبلغة كرة القدم هو لم يكن مراقباً كلاعب أحتياط لما يدور على أرض الملعب أو متفرجاً ، بل كان لاعباً وفي قلب الهجوم ( وهذا سبب قتله ) . فقد كان حريصاً أن يوصل فكرته الى القارئ العادي لأنه كان هدفه بالأساس ، ولم يكن يهدف الى أثارة أعجاب النقاد بكتابة أحجيات أدبية ومتاهات فكرية مغلقة ، فهو مسيطر على أبطاله الذين سيحملون مادة عمله ، فيعجنهم ويشكلهم من جديد كما يشاء له الفن ، فلم يكن ليسيرهم حسب أهوائه الأيديولوجية وما كانوا يسيطرون عليه لدرجة تحوله الى مرآة لهم ، فقد كان يلتقي بهم على الطريق الذهبي ، فأخذت الشخصيات متنفساً لها وأنسابت بحرية داخلية ، وهذا لا يعني أنه أبتعد عنهم أو ترك بينه وبينهم مسافة ، بل كان يتغلغل بهم أكثر وأكثر حتى يلتصق بهم ويتقمصهم ، ثم يتحدث من دواخلهم ويكشف ويعبر ما يعجز الأنسان العادي أن يعبر عنه ، فكان تناوله عميقاً ولم تكن شخصياته مسطحة بل أمتازت بكثافتها السيكولوجية ، كان يفاجئهم هم أنفسهم بما كشفه وأستخرجه من أعماقهم ، ولكنه يشبه الغواص الذي يستخرج اللؤلؤة ولكنها ما زالت بحاجة لصقل ولتقديمها في شكل وغلاف جذاب وهذا ما قام به غسان ، وهذا سر عبقريته الفنية ، الفكرة العميقة والأخلاص للحقيقة والشكل الجميل ، لا أستطيع تسمية أدبه البسيط الممتنع ، أنه العميق الواضح الممتنع ، لم يسع للتخلص من السياق الزمكاني الأجتماعي العام للفلسطيني اللاجئ بشكل مصطنع كي ينتج فنه ، بل سعى للألتصاق بالحياة أكثر وأكثر ، حتى عندما كان هذا البطل غير فلسطيني (مثلاً كما في قصة موت السرير رقم 12 فبطلها عماني لكنه كان غريباً ومات غريباً كرقم ) . أنه مثل عصفور يبتعد عن قفصه ولكنه مربوط به وأن كان هذا الخيط يطول أحياناً وبالكاد يرى ، فاللغة التي كان يتجسد بها الأبطال كانت تشير الى المسبب الأول كما سنرى والذي تسميه د. يمنى العيد ( الحوض البشري الذي ينمو فيه ويحيا النص الأدبي ) فن الرواية العربية ص 8 . وكانت نوعية كتابته جزءاً من نتيجة هذا الواقع ( الحوض البشري ) وبالتالي نتاج واقع أجتماعي سياسي . ولعل أصعب ما يواجه كاتب في مثل هذه الحالة هي الكتابة المعقولة ( أي أن يتقبلها العقل ) في واقع شاذ لا معقول كما في رواية رجال في الشمس وعائد الى حيفا وفي معظم القصص ، غسان بعبقريته وموهبته الأصيلة تمكن من خلق المعادلة المتوازنة بين الفن وبين أظهار هذا الواقع الأليم الذي يعيشه هذا الأنسان ومن ثم وفي مراحل متقدمة أكثر الدفع بأتجاه الهدف الأيديولوجي ( التغيير ) الذي أراد أن يسخر فنه لأجله بوعي تام ومع سبق الأصرار والترصد ، ويبدو هذا واضحاً بألحاح في ( رواية أم سعد ) ، الى أن شكلت طريقة موته ذروة لحالته ( الأجتماعية السياسية الأدبية ) وكأن هذا الموت وبهذه الطريقة جاء تكملة أو أمتداداً ونتيجة غير مفاجئة لواقع لم يفرز سوى المآسي والويلات كما سنرى من خلال رواياته وقصصه التي أغتيل بعضُها قبل أكتماله بأستشهاد الكاتب نفسه ( العاشق _ برقوق نيسان _ الأعمى والأطرش _ ) ، فشكل موته وأدبه وقضيته وحدة واحدة لا يمكن تجزئتها ، تمازجت عناصرها تمازجاً عضوياً لترسم لوحة تراجيدية متكاملة لهذا الأديب كجزء من المبنى العام للتراجيديا الفلسطينية ، ولا يمكن لقارئ يقرأ غسان أن ينسى أنه يقرأ لأنسان تم اغتياله على خلفية سياسية ، فشبح الجريمة يطل من بين السطور والصفحات لتأخذ قصصه أبعاداً أكثر عمقاً وكثافة . وبالأمكان القول أن غسان كان الوريث الشرعي لمن سبقه من كتاب وشعراء حملوا أرواحهم على راحاتهم ، ونذروا أنفسهم لقضايا آمنوا بها ( سأحمل روحي على راحتي وأهوي بها في مهاوي الردى فأما حياة تسر الصديق وأما ممات يغيظ العدى ) الشهيد الشاعر عبد الرحيم محمود . أن الخطر الذي يواجهه الكاتب في حالات مشابهة هو السقوط في المباشرة والشعاراتية والتحول الى مرآة تعكس حرفياً ما يدور من حوله بشكل تقريري على حساب العمق والتحليل والخيال و الصورة الفنية ثم التحول الى بوق لبث الأيديولوجيا ، ولكن غسان سلك الطريق الأصعب ، أختار طريق الآلام ، طريق الأبتكار والفن ، غسان لم يتهادن مع أبطال قصصه ولم يكن طيباً معهم ، لم يسايرهم رغم مآسيهم ، بل واجههم وجعلهم يواجهون أنفسهم مواجهة حقيقية مؤلمة ، وجعلهم يسألون أنفسهم الأسئلة الصعبة فطرحها بجرأة وبعمق ، ولكن بطريقته الفنية ، فهو يواجههم بالسؤال دائماً .. لماذا تركت ليلى وحيدة ! لماذا لم تقرعوا الخزان ! كيف يترك والدان أبنهما في السرير ويهربان ! لماذا لم تدافع عن حيفا ؟ لماذا لماذا لماذا !!

داليا الهواري
23-02-2007, 03:29 AM
الأبعاد النفسية للأنهيار

عندما نشاهد أنتاجه الغزير في فترة قصيرة نسبياً ( شرد في الثانية عشرة من عمره وتوفي في السادسة والثلاثين ) نشعر وكأنه كان في سباق مع الزمن ، حالة التشرد والأزمات السياسية الأجتماعية الضاغطة بعنف ، صهرت بنيته النفسية في أتونها بالأضافة لمرضه وعذابه الشخصي بالسكري ( نلمس هذا بوضوح حاد في قصة ( في جنازتي ) في مجموعة موت السرير رقم 12 ) . كذلك في قصة العطش أذ يقول الرجل الكئيب " عشرة فناجين قهوة بدون سكر وعلبة سجائر " ص184 القصص ، ، وليس صدفة أنه بدأ أبداعه في سن مبكرة ، فالتجربة القاسية ألتقت مع العبقرية والذهنية المتوقدة ، بالأمكان ملاحظة ذلك من تواريخ كتابته لقصصه الأولى ( أواخر الخمسينيات أي عندما كان في العشرينات المبكرة من عمره ، فهو من مواليد عام 36 19) ، وقد تمكن من ترجمة أحاسيسه وأفكاره الى فن ثوري جميل ، ثوري في أستيعاب ما حدث ومن ثم ترجمة هذا الوعي الثوري الى فن ، لنكتشف وراء كل تعبير رسالة مشفرة عن مأساة ندركها ليس من خلال الحواس الخمس فقط ، بل بأدراك داخلي عميق حقيقي وليس سطحياً أو ظاهرياً فقط ، فالمأساة ليست ما نراه من فقدان بيت ومكان عمل وهجرة من مكان الى آخر فقط ، فربما فعل هذا الأمر انسان برضاه وأختياره ، ولكن عندما يحدث هذا قسراً وتحت ضغط القوة والأرهاب ، ستكون له أبعاد في النفس البشرية والتي ستنعكس على مجمل المشاعر والعواطف والتفكير والقيم والتصرفات ، أنه أنهيار عالم بأكمله سيجد تعبيراته السلوكية وأرتداداته النفسية على ما قد ينتج هذا الأنسان من فنون وآداب ، وله تأثيره حتى على الجبلة العضوية لهذا الأنسان ( كما تشير آخر الأكتشافات العلمية ) .
عاش غسان حياة الأنسان المنفي واللاجئ المغترب _ جسداً _ نفساً _ فكراً _ فعلاً _ ، لم يترك غوراً ألا سلكه وغاص به ، ولا سرداباً ألا ولجه مهما كان مظلماً ومخيفاً وبجرأة نادرة ، ومن خلال الأنسان اللاجئ عبر الى قضية الأنسان عموماً ، مازجاً بين الهم الفلسطيني الخاص والهم الأنساني العام ، ليصل الى نتيجة حتمية وهي أن قضية الأنسان لا تتجزأ ( كما سنرى فيما بعد في رواية عائد الى حيفا ) فالأنسان قضية .

داليا الهواري
23-02-2007, 03:30 AM
شبح الأغتراب
أهتم الكاتب جداً بتفاصيل الحياة الصغيرة لأدراكه أنها في الواقع تشكل الحياة العريضة والعميقة ، فلا يمكن فصل القضية الكبيرة عن كيفية عيش هذا الأنسان والمركبات الصغيرة التي تشكل حياته ، وكما يقول في قصة ( الصغير يذهب الى المخيم ) " أن العالم وقتئذ يقف على رأسه ، لا أحد يطالبه بالفضيلة .. سيبدو مضحكاً من يفعل .. أن تعيش كيفما كان وبأية وسيلة هو أنتصار مرموق للفضيلة ، حسناً حين يموت المرء تموت الفضيلة أيضاً . أليس كذلك ؟ أذن دعنا نتفق بأنه في زمن الأشتباك يكون من مهمتك أن تحقق الفضيلة الأولى ، أي أن تحتفظ بنفسك حياً " ص717 القصص ، لقد ركب واقع اللجوء وفككه وعاد فركبه كل مرة بشكل آخر وكأنه لعبة تركيبية ساخنة تحرق أصابعه وبنفس ثوري ، لكنه لم يكن أدب حرب ، وأن كنا نشم رائحة البارود والموت والبنادق في كثير من قصصه ورواياته ، وأوسمة الشجاعة لا تمنح عند غسان بسهولة ولا بسطحية ولا بقرار ، وهي غير مقتصرة على المقاتلين في ميدان الحرب ، فالحرب تأخذ أشكالاً عديدة ، بدءاً من رغيف الخبز الى الجوع الجنسي الى شكل الخيمة الى الصراع مع الطبيعة القاسية ، المطر والأوحال في المخيم ثم الصحراء والعزلة والحرمان ، وربما كانت حرب الرصاص هي أسهل الحروب وآخرها عند غسان أو في ما أسماه ( زمن الأشتباك ) كما يوضح ذلك في القصة السالفة ، بل نكاد نلاحظ الكثير من الجبن والتردد عند كثيرين من أبطال قصصه كما هو حال المدعو خيري في قصة ( شيئ لا يذهب ) موت السرير رقم 12 ، فالفلسطيني ليس ( سوبر مان ) بل هو أنسان عادي ، ولكن ويا للفاجعة حتى هذا كان بحاجة لأثبات . تورط غسان في المشاكل الأنسانية الأساسية غير المحلولة للاجئ ، الجوع ، السكن ، الغربة ، المحيط المعادي ، الحرمان ، وهو ( اللاجئ ) بحاجة لطاقة نفسية هائلة لطرد شبح الأغتراب الذي بات يلقي بظله الثقيل عليه أضعافاً مضاعفة عن غربة الأنسان العادي ، ولهذا نجد أن الخارطة اللفظية في قصص كنفاني تحمل رائحة ولون ( الذل الجماعي والفردي ) وتهدم البنيان النفسي ،التشرذم والأغتراب ، فحالة الذل اللاذعة تتكرر في معظم قصص وروايات كنفاني وتتجلى في التعابير الحسية والمعنوية ( الوحل ، الحقارة ، الصغار ، الذل ، العجز ، البحث عن أنسانية ضائعة ) الخ ، يركز عليها أمعاناً في سبر أغوار هذا الكائن الغريب عن ما يحيط به وحتى عن نفسه _ اللاجئ _ وبالتالي فأن تصرفاته ونفسيته وردود أفعاله أزاء ما يحيط به تحمل سمة الغرابة والدهشة التي تلامس الجنون في كثير من الأحيان ، كما في قصة (كعك على الرصيف ) في مجموعة موت السرير رقم 12، التي ينتقل بطلها من كذبة الى أخرى وبأتقان غريب ، وهي حالة من حالات الأغتراب الشديد يدافع فيها بطل القصة عن توازنه النفسي بالمزيد من الكذب ، ليحرك هذا الجرح وكأنه يستمتع بعذابه هذا ، فكلماته حديد محمى يسفع بها الجرح بقوة كي يصل بالتالي الى النتيجة الحتمية المتوخاة والتي لا يذكرها الكاتب مباشرة ، وهي ضرورة تثوير صاحب هذا الجرح ( اللاجئ ) وبالتالي تغيير هذه الحالة غير العادية من الذل والهزيمة والعار ، فهذا اللاجئ هو أنسان له ماض مفقود يساوي _كرامة ، عزة ، كبرياء ، وأحترام للذات _ وله حاضر يساوي _ ذل ، أهانة ، عجز ، أحتقار للذات ، وتأنيب ضمير ، _ فنرى أن أبطاله يعملون على أعادة هذا التوازن المفقود ، لقد بلغ الأغتراب أوجه فصار هذا الأنسان بحاجة لأثبات أنسانيته أولاً لنفسه ثم للمحيطين به ، الذين نزل على أرضهم غريباً وبينهم لاجئاً ثم للبشرية كلها ، هذا الأنسان الذي وجد نفسه أمام قوة طاغية عنيفة جبارة لا ترحم تدفعه دفعاً الى مصير مشؤوم فقد فيه توازنه النفسي ، يتحسس واقعه وأنسانيته ليقول ، أنا أنسان أولاً ، وهذا الذي أعيشه واقع ، وهو بهذا يبدأ بمقاومة نفسية أمام هذا الواقع المسبب للجنون ، لأعادة التوازن المفقود بسبب الصدمة الكبرى والفقد المفجع ، هكذا فقد بحث أبطال غسان في قصصه الأولى عن دعم نفسي هو أهم ما يقدم للأنسان المغتصب المستباح ، فقد أشار في بواكير قصصه لهذا الأغتصاب بدقة ،ومعروف أن العلاج يبدأ بالأعتراف بوجود الحالة المرضية ، فلم يتردد بالحديث عن ( ليلى ، كرمز وربما كواقع )_ يتكرر أسم ليلى كثيراً في قصص غسان _ ليلى تغتصب لتسعة أيام متتالية بأيدي اليهود ، " قالت لي بصوت منخفض هادئ : لقد ضاجعوني طوال تسعة أيام .
لم أستطع أن أقول شيئاً .. بل لقد خيل ألي أنها قالت : لقد كنت أصلي طوال تسعة أيام " شعرت أن الكلمة التي يمكن أن أواسيها بها شيئ حقير .. لا قرار لحقارتها أبداً .. وأنتشلَتْ الموقف بكلمة أخرى : يحسن بك أن تتركني .. أنا أمرأة مهترئة ". قصة ( شيئ لا يذهب ) ص 63_64 القصص . الى أن يقول " لقد مضى زمن طويل على اليوم الذي خرجت فيه من حيفا ، وأشعر اليوم أنني لم أكن أستحق ليلى مطلقاً ! بل لم أكن أستحق حيفا نفسها . لماذا أهتمت هذه الأنسانة النبيلة بأنسان جبان مثلي ؟ " ص 66 . نلاحظ هنا أعتراف (خيري ) بطل القصة بجبنه ، وأعترافه أن ليلى كانت اكثر منه شجاعة رغم تعرضها للأغتصاب ، وقد رأى بأعترافها نوعاً من الصلاة ، ونلاحظ أن ليلى هي حيفا وحيفا هي ليلى وأنها تحولت بصمودها الى شيء مقدس ، وهذه من بواكير قصصه ، وفي المرحلة الأولى ، أذاً يجب الأعتراف بما حدث ، أنها عملية أغتصاب ، ونلاحظ هنا أن البطل وكأنه يعذب نفسه فقد قال " تسعة ايام متتالية " بهدف زيادة حدة المأساة ، ثم يؤنب نفسه ويعترف أنه جبان ، وهذا الأعتراف نفسه شجاعة بل بداية لبلورة فكرة الشجاعة من خلال تغييبها المؤقت ، كمن يعترف بخطيئته كي لا يعود لمثلها . لقد شكلت كتابة غسان مفصلاً هاماً في تاريخ الوعي النفسي الكتابي الفلسطيني وربما العربي ، فالمغتصبة تحمل العار عادة ، ألا أن ( خيري ) أعتبرها شجاعة بل وقدسها لأنه شبه كلامها "كأنه صلاة "، لقد تغير مفهوم العار ، والذي يحمله الآن هو البطل السلبي خيري الذي كان سيخطبها ، ولكنه يعترف أنه لم يكن شجاعاً ليبقى ويدافع عن حيفا ، بل أعترف بشجاعتها هي وبأنه لا يستحقها وأنها كانت أشجع منه ، وبهذا أشارة واضحة وشهادة فخر لمن بقوا في وطنهم ، فهو ينظر اليهم بقداسة ، فهم ليلى التي أغتصبت لكنها بقيت في وطنها ،وقد أختار أسم ليلى لما لهذا الأسم من صدى داخلي على المتلقي ، فليلى هي بطلة قصة حب عذري شهيرة ( يتكرر أسمها كثيراً في قصصه كما سبق وقلت ) ، وكأنه أراد القول أن الأغتصاب نفسه ليس أسوأ من ترك الوطن ، والتمسك بالوطن يجب أن يكون رغم كل شيء ، وأن ما ينتظر اللاجئ من ذل هو أسوأ من الأغتصاب . (وليس صدفة أن أول من كتب بأحترام كبير عن الأدب الفلسطيني في الداخل هو غسان كنفاني ، فكان كتابه ، الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الأحتلال من 1948 الى 1968) .

داليا الهواري
23-02-2007, 03:31 AM
أمتاز غسان بشغفه بتفكيك المسلمات وهدمها ثم أعادة بنائها كما سنلاحظ في روايتي أم سعد وعائد الى حيفا ، لم يكتف بتفكيكها بل أعاد صياغتها ، ولا يوجد شيء مطلق أو طاهر غير قابل للنقاش ، كل شيء قابل للنقد وأعادة النظر والشك ، والشك أحد مقومات الأبداع " القطبية بين الجماعة والفرد بين المؤمن والمتشكك بين القانع والثائر بين المتهرب والمتورط بين الأيمان بالطائفة والأيمان بعزة الأنسان ، هذه القطبية هي منشأ الشد والتوتر ومنشأ الصراع الخلاق للأدب " الحرية والطوفان جبرا أبراهيم جبرا ص51 ، حتى عملية التهجير ناقشها بجرأة كما سنرى في رواية عائد الى حيفا ، فهو لا يتناول الأمور بالتبسيط المألوف ، بل يمضي في نبشه عن الحقيقة مهما كلف الأمر ، ومهما كانت النتيجة التي قد يصلها وبأخلاص شديد لفنه .
********
تحاول قصص المرحلة الأولى أعادة تشكيل الصورة التي تحطمت ، فأبطال المرحلة الأولى من قصصه يريدون القول للقارئ وللناس عموماً ، نحن فقدنا مكاناً جميلاً هو الوطن ، لقد أرغمتهم حالة الأغتراب في واقع اللجوء الجديد الى محاولة ربط ما أنبتّ بين ما كان وما هو الان في محاولة يفسرها علم النفس على أنها محاولة مقاومة من خلال الأعتزال والتقوقع داخل النفس والعيش في الماضي كأحد أنواع ردود الفعل على الأغتراب الشديد والعجز عن المواجهة أو التعايش مع الواقع ، فنرى أنه أهتم بذكر أسم المكان المفقود في قصصه الأولى بشكل خاص ، هذا المكان يعيد له شيئاً من الأستقرار والتوازن ،وما دام هذا الأنسان عاجزاً عن الذهاب الى المكان والعيش فيه فليأت المكان أذاً ، فليتم أستحضار المدن والقرى ، يافا ، عكا ،حيفا ،اللد ،صفد ،نحف ،مجد الكروم الغبسية ، وغيرها من مواقع الدفء والسكينة ، ولكنه ليس حنينا رومانسياً ، بل يحوي مرارة كالعلقم لا يسعى للتهرب منها أو تجنبها او العيش بأوهام أستعادتها بدون تضحية ، بل كانت واقعيته جارحة ومؤلمة ، وبغلاف فني جاء كضرورة مكملة للمضمون ، وبهذا شهد له به كبار الكتاب والنقاد أمثال عملاق القصة يوسف أدريس الذي عبر عنها بتأثر عميق في مقدمته لأعمال غسان ( الكاملة ) " أقرأوا هذه القصص مرتين ، مرة لتعرفوا أنكم موتى بلا قبور ، ومرة لتعرفوا أن قبوركم تجهزونها وأنتم لا تدرون ، قبور الثقافة بلا ثورة والثورة بلا ثقافة ..الخ )" .
لقد أرادها غسان ثقافة ثورة وثورة ثقافة فارتقى بالمفهوم الجديد من القديم بشكل مقنع ودون تعسف ، كتب بتكثيف شديد ولكن بوضوح تام . فلا نجد في كتابة غسان التنميقات والبلاغة والبيان والتكلف ، ولا وجود في قصصه للغموض المغلق الذي يستعصي على الفهم ، هي بسيطة بساطة أبطاله ، قريبة جداً من فهم القارئ العادي ( بأستثناء المسرحيات ) ، ولكنها عميقة مثقلة بالعرق والوحل والدموع والدم والجهد والصدق ورائحة المنفى والعذاب والتراب ، وبصدق مدهش ومفاجئ حتى لأعدائه الذين عملوا على أخماد هذا الصوت بقتله ، ولكن يد غسان التي بترها الأنفجار لتسقط بعيداً عن جسده قالت ، أنه بمقدور المتفجرات أن تنهي حياة أنسان وأن تقطعه ، لكنها غير قادرة على طمس وألغاء ما سطرته يد هذا الثائر العبقري من أثر ، وتقف القوة عاجزة أمام الأبداع الحقيقي ، وبالتأكيد أن موت غسان بتلك الطريقة البشعة قد أعطى لكتابته صدقاً وحرارة ومعنى وطعماً غير مألوف ، وبات الفصل بين كتابته وفنه وأبطال قصصه وبينه شخصياً وبين طريقة موته غير ممكن ، بل ليس أخلاقياً ، ولا يمكن للسنين أن تمحو هذا الفنان الأنسان الثوري من وجدان الأنسان العربي عموماً والفلسطيني خصوصاً .

داليا الهواري
23-02-2007, 03:32 AM
ردة الفعل الأولى على الأغتراب المركب

" الأغتراب حسب الأستخدام العام في العلوم الأجتماعية يشير الى حالة الأنفصال بين الشخصية الكلية والجوانب الدالة على الخبرات الخارجية ، ومن ثم يشير الأغتراب في ضوء هذه الرؤية للحالة الموضوعية للأغتراب من ناحية كما أن الأنفصال المبين يوضح الأنفصال بين الذات والعالم الموضوعي " * د . علي الشتا نظرية الأغتراب من منظور الأجتماع ص 380 . من السذاجة الأعتقاد أن الفلسطيني أكتشف أنه أضاع وطنه بمجرد خروجه الجسدي منه ، أو لأنه وجد نفسه في خيمة في جنوب بيروت أو على مشارف أريحا أو قريباً من دمشق وغيرها ، لأن الأعتقاد السائد في تلك الأيام كان بأن القضية ستحل خلال أيام أو أسابيع وأشهر على أبعد حال ، ثم يعود الفلسطينيون الى مدنهم وقراهم وبيوتهم منتصرين معززين مكرمين ، وهذا يعني أن الأقامة في المخيم مؤقتة ، وستكون بمثابة رحلة ذكريات ، ولم تدرك جموع اللاجئين حجم الكارثة التي ما زالت تنتظرهم والتي حلت بهم ، وحلت مرحلة الأنتظار والتعلق بالمؤتمرات الدولية والأجتماعات العربية والأدمان على الصحف والخطب النارية ونشرات الأخبار . ألا أن الواقع الثقيل بدأ يفرض نفسه بسرعة بمضي الأشهر والأعوام الأولى التي صارت تظهر بوضوح أن حلم العودة بدأ يتضاءل وعلى الأقل ليس بالسرعة المرجوة ، وأصطدم الأنسان اللاجئ بواقعه الجديد المرير ( أبتعاد الأمل بالعودة ) الذي ناء عليه بكلكله فأفقده توازنه النفسي وبدأ شعوره بالأغتراب يتحدد ،وأذا كان لهذا الشعور ما يبرره عند الأنسان العادي لأسباب عديدة ، منها مثلاً فقدانه السيطرة على نسق الأنتاج والأستهلاك كما يقول هيجل ، فأن حقيقة أن يجد الأنسان نفسه لاجئاً فاقداً السيطرة على كل شيء ..، مصيره ، عمله ، أرضه ، أسرته ،تأثيره ، محيطه ، مجتمعه ،أنتاجه ، وأستهلاكه ، حتى نوع طعام اللاجئ المخصص من الأونروا كان مفروضاً عليه ،كما نلاحظ من المدخل الذي كتبه غسان لقصص " عن الرجال والبنادق " حيث توزع الهيئات الدولية والأجتماعية على أبناء المخيم علباً فيها ألعاب وطعام " وكان في العلبة بلا ريب لعب أطفال رائعة لكنها لم تكن لتؤكل وقد اهملت وضاعت وظلت علبة الحساء معي أسبوعاً ، أعطي أمي منها كل يوم عبو كأس من الماء كي تطبخه " ص620 القصص أذاً فالغربة وصلت حتى الى طعامه المفروض عليه ، هذا الواقع جعل هذا الأنسان يشعر ليس بالأغتراب فقط بل ربما تجاوز مرحلة الأغتراب الى الجنون ، والأغتراب يؤدي الى سلوكيات معينة تختلف عن سلوكيات الأنسان المنسجم والمسيطر على ما يحيط به . في قصة أرض البرتقال الحزين ينتظرون يوم الخامس عشر من أيار وهو يوم التحرير الموعود ،ويركض الناس وراء السيارات العسكرية العربية التي ستحرر البلاد ولكن فجأة يتضح أنه لا يوجد تحرير ويعودون الى ( الدار ) منهوكين . " بعدها ، مضت الأمور ببطء شديد .. لقد خدعتنا البلاغات ثم خدعتنا الحقيقة بكل مرارتها .. وأخذ الوجوم يعود الى الوجوه من جديد ، وبدأ والدك يجد صعوبة هائلة بالتحدث عن فلسطين وفي التكلم عن الماضي السعيد في بياراته وفي بيوته ، كنا نحن نشكل جدران المأساة الضخمة التي تملك حياته الجديدة ، وكنا نحن أيضاً أولئك الملاعين الذين يكتشفون بسهولة شديدة ، أن الصعود الى الجبل في الصباح الباكر بناء على أوامر والدك ، معناه الهاءنا عن طلب الفطور . وبدأت الأمور تتعقد ، كان أبسط شئ قادراً بشكل عجيب على استثارة والدك .. أنني أذكر تماماً يوم طالبه أحدهم بشيء لا أدريه ولا أذكره .. لقد أنتفض ثم بدأ يرجف كمن مسه تيار صاعق .. ودارت عيونه تلتمع في وجوهنا .. كانت فكرة ملعونة قد أوجدت طريقها الى رأسه ، فأنتفض واقفاً كمن وجد نهاية ترضيه ، وفي غمرة من شعور الأنسان بقدرته على أنهاء مشاكله ، ومن شعوره بالرعب قبل أقدامه على شيء خطير أخذ يهذي ، وأخذ يدور حول نفسه باحثاً عن شيء لا نراه .. ثم أنقض على صندوق كان قد خرج معنا من عكا وأخذ ينثر ما فيه بحركات عصبية مخيفة .. وفي لحظة واحدة " . ص373 ،القصص ويمضي الكاتب في شرح ما فعلته الأم أمام الخطر المحدق بأبنائها ، الى أن يقول " وعندما كنا ننظر الى الغرفة من شقوق الباب وجدناه ملقى في الأرض يلهث بصوت مسموع ويمضغ أسنانه وهو يبكي .. بينما قعدت أمك في ناحية تنظر اليه بجزع .. لم نفهم شيئاً كثيراً ولكنني أذكر أنني عندما رأيت المسدس الأسود ملقى على الأرض بجانبه .. فهمت كل شيء .. وبدافع من ذلك الرعب القاتل الذي يصيب طفلاً شاهد غولاً على حين غرة .. أخذت أعدو في الجبل هارباً من الدار .. وعندما كنت أبتعد عن الدار كنت أبتعد عن طفولتي في الوقت ذاته . كنت أشعر أن حياتنا لم تعد شيئاً لذيذاً سهلاً علينا أن نعيشه بهدوء .. أن الأمور وصلت الى حد لم تعد تجدي في حله ألا رصاصة في رأس كل واحد منا .." ص374 أرض البرتقال الحزين . هذه الحالة التي شاهدناها من التزعزع النفسي سترافق الكثير من أبطال قصص غسان أن لم يكن معظمهم ، وأذا ظهرت هنا بصورة واضحة ومباشرة فستظهر في قصص أخرى بصورة غير مباشرة وبتعابير أخرى .
أذاً ضاع الوطن وسوف يستمر ضياعه لمدة طويلة ومن ثم ما يترتب عن ضياع المكان والذي سيؤدي لتحلل هذا المجتمع وتفككه بل ضياع أفراده ، ولهذا جاءت قصص كنفاني الأولى كأداة لاشعورية لأعادة التوازن النفسي المتزعزع لهذا الكائن ( اللاجئ ) ، فهو لم يعش ولم ينسجم بمحيطه الجديد بعد ، ولهذا سنرى فردوسه المفقود ، المكان الذي فيه الدفء والتوازن والعافية والصحة النفسية ، في معظم قصصه الأولى . في قصة ( البومة ) في موت السرير رقم 12 ، تذكره صورة على جدار غرفته في المنفى ( في الكويت ) لبومة مبتلة بحديقة بيته ( في فلسطين ) التي دفن تحتها صندوق قنابل ، يتذكر البومة التي راقبته وهو يدفن الصندوق تحت التينة قبيل الرحيل وعندما أقترب اليهود من البلدة " كنت طفلاً آنذاك ، وكنا نشهد دون ان نقدر على الأختيار كيف كانت تتساقط فلسطين شبراً شبراً وكيف كنا نتراجع شبراً شبراً ) ( البومة_ سرير رقم 12 )، هذه الذكرى ليست للبكاء والندب على الماضي ففي آخر القصة يقول " أوشك الصبح أن يطلع وأنا في وقفتي أمام الصورة الملونة الملصوقة على الحائط العاري . لقد أنهكتني الذكرى ولكنني أحسست بأرتياح غريب فجأة فهأنذا التقي بالبومة الغاضبة بعد غيبة طويلة ! وأين ! في غرفة منعزلة مترامية تتنفس بوحدة مقيتة ، بعيداً عن قريتي التي كانت تعبق برائحة البطولة والموت ، وكانت البومة ما تزال ملصوقة على الحائط تحدق في ، عبر زمن متباعد وينحدر من منقارها المعقوف صرير حاد : أيه أيها المسكين .. هل تذكرني الآن ؟ ؟ " ص 53 . نلاحظ هنا شيئاً من التغيير الظاهر حتى بالرموز ، فلماذا أختار البومة الغاضبة ! البومة معروفة في الموروث الشعبي كعلامة للتطير ، وقد رآها غاضبة على التينة ، لماذا غاضبة ؟ طبعاً لما يحصل ( ضياع فلسطين شبراً شبراً )! ولكنه هنا في الغربة ، عندما تذكرها أحس بشيء من الأرتياح ، وهذا يعني حالة نفسية جديدة تكاد تكون مقلوبة ، أن مجرد تذكره لحديقة بيته أعاد له شيئاً من الهدوء والتوازن والراحة ، وأن كنا نلاحظ أغترابه عن كل مكان سينزل فيه فيما بعد ، وسيحاول الأبقاء على العلاقة مع المكان ومع الماضي الذي يستمد توازنه النفسي منه . حتى البومة التي تذكرها في الوطن لم تبق رمزاً للتشاؤم والتطير ، وها هي تخاطبه وتقول له _ أيه أيها المسكين _، لقد أنقلب أيحاء البومة من التشاؤم الى الأرتياح ، الأرتياح لأن البومة ذكرته بوطنه وبصندوق القنابل في الحديقة ، وهذه ليست دعوة للقتال بعد، لكنها تذكر بوجود هذه الأمكانية ، وأن الصندوق ما زال تحت التينة ، وقد يأتي يوم تستعمل فيه ، فهو يتوعد أذاً ، هذا البصيص من النور وأن كان يأتي وكأنه من كوكب بعيد ، سبب له الأرتياح ، ( القصة نشرت عام 1959 الكويت ) ، أذاً مهما ابتعد فأن أبسط الأشياء ستذكره بوطنه وسيبقى هذا الوطن المفقود مركز ومحور تفكيره في كل الحالات ، لأن الغربة ستزداد يوماً بعد يوم . ملاحظة ( لقد شاهدنا فقط قبل أشهر جموع اللاجئين يحجون الى بوابة فاطمة على الحدود اللبنانية الفلسطينية بعد 53 عاماً من النكبة ، ليتعلقوا ( بحبال الهواء ) التي قد تعيد لهم شيئاً من أنسانيتهم وتوازنهم النفسي ، وكانوا على أستعداد للموت فقط لكسب هذا الشعور بالأمل . س .كيوان . ) . و ينهي القصة بالتساؤل على لسان البوم : هل تذكرتني أيها المسكين ؟" أذاً لماذا مسكين ! لأنه بعيد عن وطنه وبيته وقريته ويعيش في المنفى وهو ما يعني بدء اكتشاف الذات ، وأكتشاف ما حصل والتأكيد على فقدان الوطن ، فمن ليس له وطن يكون مسكيناً ، وعندما يقول لهذا الأنسان طائر ( بوم ) أنه مسكين ، فهذا يعني أن مسكنته بلغت مرامي بعيدة لدرجة جعلت البوم يشفق عليه ، وهنا نلاحظ أنه اشفق على نفسه ولكنه أعطى المجال لطائر البوم كي يعبر عن حالته أو هو الذي أوحى له هذا التفكير ، فالبوم لا يتكلم بالطبع ، ولكن البوم عكس حالتين نفسيتين مختلفتين للبطل ، والشفقة على النفس هي أقسى درجات الشعور بالإغتراب . لم يذكر الوطن بحنين ( نوسطالجي ) أي لم يذكر فقط ما هو جميل من الوطن ، لقد ذكر كيف صار يسقط هذا الوطن " شبراً شبراً ونحن نتراجع شبراً شبراً "،ص46 وكأنه يحاول بهذا أن يولج الى وعي المتلقي فقدان الوطن قطعة قطعة وحفنة تراب بعد حفنة ، كي يكون الأحساس بهذا الفقد ملموساً وفاجعاً وذا تأثير مضاعف ، ونقل هذا الضياع من حالة التجريد اللغوي الى تجنيد أكثر ما يمكن من الحواس و ترجمة اللغة الى أحساس ، للمس هذا الفقد والأحساس به ، فهو لم يقل ( وضاع الوطن ، أو غاب الوطن عن عيوننا ) بل ، ضاع شبراً شبراً ، فأذا فككنا كلمة _ شبراً _ فهي تعني وحدة قياس هي الكف والأصابع ، وكي تقيس بالشبر عليك أن تلمس هذا الشيء الذي تقيسه ،وفي هذه الحالة فأن الكف تلامس التراب لأن الوطن هو الذي يضيع شبراً شبراً ، فهو فقدان شخصي وعام وملموس . وقد أختار وحدة القياس الحية والصغيرة ترجمة لصعوبة شعوره بالفقد ، وهو هنا ينقل هذا الوطن من المجرد الى الملموس المحسوس ، الى تراب ، الى لحم ودم الى أصوات ومشاهد ، مشاعر وأعصاب .

داليا الهواري
23-02-2007, 03:33 AM
" سنرجع يوماً الى حيّنا "

سنرجع يوماً الى حينا
ونغرق في دافئات المنى
كلمات هارون هاشم رشيد
غناء فيروز
تندرج في أطار ( أعادة تشكيل الوطن والترميم النفسي ( أعادة التوازن المفقود ) ، قصص مجموعة " أرض البرتقال الحزين ، المدفع ، عن الرجال والبنادق ، وجزء من " عالم ليس لنا ، " وجزء كبير من مجموعة " موت السرير رقم 12 ،" .
في قصة أبعد من الحدود ، في مجموعة " أرض البرتقال الحزين " وعندما يكون بطل القصة في حضرة موظف حكومي من الجهاز الأمني في دولة عربية ما تتكثف حالة الأغتراب التي يعيشها هذا الأنسان اللاجئ والتي يعبر عنها بطل هذه القصة منفجراً " _ لايا سيدي ، لاتحاول أن تستدعي كاتبك ليحمل لك الملف الذي يحتوي على كل التفاصيل الهامة وغير الهامة في حياتي .. تريد أن تعرف شيئاً عني ؟ هل يهمك ذلك ؟ أحسب على أصابعك أذن ( لنلاحظ هنا أحسب على أصابعك وليس في ذهنك ، في محاولة لتقريب حسي لما سيقوله ) : لي أم ماتت تحت أنقاض بيت بناه لها أبي في صفد ، أبي يقيم في قطر آخر وليس بوسعي الألتحاق به ولا رؤيته ولا زيارته ، لي أخ يا سيدي ، يتعلم الذل في مدارس الوكالة ( لاحظ هنا تعلم الذل وليس العلوم العادية ) ، لي أخت تزوجت في قطر ثالث وليس بوسعها أن تراني أو ترى والدي ، لي أخ آخر يا سيدي ، في مكان ما لم يتيسر لي أن أهتدي اليه بعد .. تريد أن تعرف جريمتي ؟ هل يهمك حقاً أن تعرف أم أنت فضولي بريء يا سيدي ؟ لقد سكبت دون أن أعي ، كل محتويات وعاء الحليب فوق رأس الموظف وقلت له أنني لا أريد بيع وطني .. في لحظة جنون .. ولكنني في تلك الزنزانة تيقنت أكثر من أية لحظة مضت بأنها كانت لحظة العقل الوحيدة في حياتي كلها " ( نلاحظ أن لحظة الجنون الوحيدة أعادت له شيئاً من هدوئه الروحي _ لأن عالمه كله مقلوب ) . ويمضي هذا اللاجئ في حديثه معبراً عن حالة الأغتراب الفظيعة الى أن يقول " أتعرف يا سيدي في الواقع لست ألا تجارة من نوع نادر ، أنا لست صوتاً أنتخابياً ، وأنا لست مواطناً ، بأي شكل من الأشكال ، وانا لست منحدراً من صلب دولة تسأل بين الفينة والأخرى عن أخبار رعاياها ، وأنا ممنوع من حق الأحتجاج ، ومن الصراخ فماذا ستربح ؟ لا شيء ، ( ارض البرتقال الحزين صفحة 281 . أذاً فهو لا شيء وهل توجد غربة أقسى من هذه ! أن يشعر الأنسان أنه لا شيء وفاقد السيطرة على كل ما يحيط به ، حتى على نفسه ! بل أنه يستغل بفظاظة من قبل الآخرين دون أن يكون له رأي في الموضوع " أنتم الآن أمام حالة أذا خطر لكم ان تسموها لصوصية فأنهم لصوص ، خيانة ! أذن خونة !" أنا اريد ان أقول انهم أيضاً حالة تجارية " أنهم أولاً قيمة سياحية فكل زائر يجب أن يذهب الى المخيمات " " ثانياً قيمة زعامية فهم مادة للخطابات الوطنية " الأحوال السياسية صعبة أذن اضرب المخيمات ! أسجن بعض اللاجئين ، " أعط مواطنيك درساً قاسياً دون أن تؤذيهم .. " تستطيع أن تؤكد ولاء مواطنيك عن طريق الأدعاء بأن المتذمرين أنما هم بعض الفلسطينيين " ويمضي هذا اللاجئ بالتحدث عن نفسه ". ألا أننا يا سيدي نقمة في كثير من الأحيان . نحن لصوص ، نحن خونة ، نحن بعنا ارضنا للعدو ، نحن طماعون ، طماعون نريد أن نمتص كل شيء هنا حتى التراب " ص286-287 أرض البرتقال الحزين . ( نلاحظ شدة الغربة في الجملة الأخيرة فهناك بالأضافة لمأساته من يتهمه ببيع أرضه للعدو وبالخيانة والطمع ) ، هذا اللاجئ بدأ بأكتشاف ليس فقط أنه لاجئ ، بل أن لهذا اللجوء أبعاده الخطيرة الأخرى فهو مستغل من قبل الحاكم العربي ، فيتكئ هذا على قضيتة لحل مشاكله أو التهرب منها ، بل أنه لا يتورع عن أستغلالها سياحياً وتجارياً ، فالمشكلة هنا لم تبق مشكلة اللاجئ ، بل فيها تلميح واضح أن هذه المشكلة لها أسقاطاتها وتداخلها وتفاعلها مع الوضع العربي العام ! . كما أسلفنا فأن أبطال غسان ما زالوا يكافحون لمجرد الأعتراف بهم كبشر كان لهم وطن ولكنهم فقدوه ، وهم في الواقع لا يختلفون عن أبناء البشر بشيء ، فهم لهم بيوت ومزارع وبيارات وشوارع ومدن وأرياف ، وهم يسعون للتأكيد عكس الواقع حيث يذكرون أسماء بلدانهم الأصلية في كل فرصة متاحة ، فأن لم يذكر أسم البلدة تماماً ذكر ( قرية ) تدل ملامحها أو أحداثها على فلسطينيتها مثلاً :
___ كنت طفلاً آنذاك وكنا نشهد دون أن نقدر على الأختيار ، كيف كانت تتساقط فلسطين شبراََ شبراََ . ص 46 قصة البومة في غرفة بعيدة ،
__ دارنا في حيفا لم تكن بعيدة عن دارها كثيراً . شيء لا يذهب ص59 ،
__ وفي السيارة التي حملتنا الى المستعمرة المجاورة . منتصف أيار ص 77
__ " لي أم ماتت تحت أنقاض بيت بناه لها أبي في صفد " أبعد من الحدود ص 279 أرض البرتقال الحزين .
__ " تقلب في فراشه وخيل أليه أنه يسمع قلبه يضرب في جسده كله كالوتر المشدود ، سوف يبدأ من البدء ، منذ غادر يافا الى عكا ليرى الفتاة التي كانت أمه تزمع أن تخطبها له " الأفق وراء البوابة ص293 أرض البرتقال الحزين .
__ "عندما خرجنا من يافا الى عكا " ( ص363 البرتقال الحزين "
__حينما وصل مع أمه الى اول بئر ماء بعد أن طردا من بلدتهما الصغيرة اللد " ص380 قتيل في الموصل .
__ هي أرضك ألم تعش هناك ؟ أنك تعرفها أكثر من سواك ، في واحد من الحقول بنى اليهود خزاناً يسقي المستعمرات القريبة ، أعتقد أنك فهمت ، أن الديناميت الذي تحمله بكفيك .. ص795( الى أن نعود ) المدفع ،
__ ومع أن سكان السلمة كانوا على يقين كبير أن ثمن مدفع من هذا الطراز لا يمكن أن يجمع من التبرعات . المدفع ( المدفع ص806)
__ قرب قرية أبو كبير ابعد منها قليلاً ( المدفع ) المدفع ص809
في القصة التالية نجد حشداً من أسماء المواقع في صفحة واحدة .
___ وكان العالم الصغير ذاك مزيجاً من عمال أمتصهم الميناء ، مثل شافطة وحشية ، من كل ثقوب الجليل وفلاحين من قضاء حيفا صاهروا منذ زمن لا يستطيعون الوصول اليه بذاكرتهم ، رجلاً ونساء في قضاء صفد ، وطفل واحد من أم الفرج ، أرسلته أمه الى حيفا ليرى فيما أذا كان أبوه ما يزال حيا، وهو يعود الآن بالجواب ، ومحام وكل بقضية أرض في الكابري ، ويتعين عليه فحصها قبل جلسة المحكمة ، وامرأة تسعى الى خطب فتاة لوحيدها ، وسلال فيها طعام وخبز مرقوق وحمام طبخ في الطوابين ، ولعب اطفال وصفارات ومكاتيب حملت على الموقف من غرباء الى غرباء ، وشبابة من قصب لفتى أغلقت مدرسته قبل يوم واحد فقط ، وسائق يعرف الطريق مثلما يعرف زوجته ، من حيفا الى الطريق المتعرج الذي يطوق الخليج كالعقد ، صعودا حيث ينبثق النخيل مطعوجاً متراجعاً حائرا في عراكه الصامت الممض مع الرياح القادمة من البحر فوق نهر النعمين الذي يصب حزينا متعبا ولكن نقيا في الموج الصاخب فيرده ، بهدوء عنيد الى الوراء ، ومن هناك تتسلق السيارة الطريق الى السميرية " المزرعة " الى نهاريا لتنعطف شرقاً وتغوص عبر عشرات من القرى ملقية طوال الطريق راكباً هنا وسلة هناك ورسالة الى رجل ينتظر وزوجاً لأمرأة لم تستطع أن تنتظر . قصة كان يومذاك طفلاً ص 870 المدفع.
__ في البدء لم يعرف أحد في الغبسية كيف جاء قاسم اليها وسكن فيها . العاشق ص421 الروايات
__ اللحظة المناسبة التي ولد فيها قاسم من جديد في طول الجليل وعرضه بعد غياب طويل ، كالمد عاد فجأة فاذا به يملأ الجرود مرة أخرى من الجرمق الى ترشيحا الى جدين الى عكا . العاشق ص439
__ وكانت نابلس ذلك الصبح منكفئة على نفسها وكأنها ما تزال نائمة ، برقوق نيسان العاشق ص585
__ لأنني كنت اعرف والدك رحمه الله .. بل أننا قاتلنا سوية في الرملة منذ سنوات . ص54 رجال في الشمس
__ أستدعاه مجاهدو الطيرة ليقود مصفحة عتيقة . رجال في الشمس ص94
__ أو أن الرملة بعيدة جداً ، قبل أسبوعين كنت في زيتا . ص66 رجال في الشمس
__ لقد مضى هو صعوداً في قيظ لا مثيل له الى البروة ، ومن هناك الى مجد الكروم ، الى البعنة ، الى دير الأسد ، الى كسرى الى كفر سميع ، متعقباً أخبار بندقيته خطوة خطوة من قصة الى أخرى ومن رجل الى آخر وحين وصل ترشيحا جاءته أخبار جديدة من شعب . قصة العروس ص601 المجلد الثاني

داليا الهواري
23-02-2007, 03:35 AM
الدلائل اللغوية
" مثل الكلاب التي تشم بأنوفها على طول الجدار روائح نفاذة تستطيع هي وحدها أن تميزها ، وهي تقرب أنفها من الأرض وتلتقط روائح الأشياء التي يخجل منها الناس وتشم المعاني الخفية المشار اليها أشارة ، وتتبع آثار الذلة الخفية غير قادرة على الفكاك منها " من رواية صورة رجل مجهول ، لنتالي ساروت ، المعقول واللامعقول ، كولن ولسون ص102
الى جانب ردة الفعل الأولى والطبيعية لحالة الأغتراب الشديدة وغير الطبيعية ، نلاحظ الى جانب هذا أن معظم قصص الكاتب ورواياته مكتظة بموتيف المرارة والأحباط والذل والأحتقار ( في الحاضر ) ، لدرجة أنه من الصعب أيجاد قصة واحدة تخلو من هذا (الموتيف )، وهي تشبه الصفعات المستمرة من أجل أيقاظ مغمى عليه ، وأحياناً تشبه تلك الصدمة الكهربائية الأخيرة التي يضربون صدر المصاب بنوبة قلبية بها لأعادة النبض لقلبه ، كثيرا ما نجده يصف الناس بالكلاب والقططة وحتى العناكب والديدان ، هذه التعابير الحسية تمتد خيوط نسيجها الى الواقع التعيس بوعي الكاتب أو بغير وعي منه ، وهي تشير بوضوح الى دونية يشعر بها الأنسان الغريب ، يقول باختين " أن اللغة بأعتبارها دلائل مركبة في نسق معين ، هي في الوقت نفسه أيديولوجيا ، كما أنها بالضرورة تجسيد مادي للتواصل الأجتماعي ، ولذلك فدراسة الدلائل اللغوية تعني في الوقت نفسه التعامل مع العلاقات الأجتماعية الأقتصادية . " *. النقد الروائي والأيديولوجيا , ص74 د . حميد لحميداني . وكأن الكاتب قصد من عملية تأكيد هذه الحالة أحداث طفرة مضادة لها فكرس جهداً كبيراً في هذا الأتجاه ، موقناً أن الخروج من حالة الخمول واللامبالاة لن يتم ألا من خلال التأكيد على هذه الحالة وأظهارها على حقيقتها لتحقيق الأشمئزاز والقرف والصدمة منها ومن ثم الأنتفاض ضدها ، يقول هيجل " بين الأهداف والتحقيق يوجد عنصر ثالث للفعل يتمثل في الوسيلة المحركة لعنصر التحقيق ويتمثل هذا العنصر الثالث في الأرادة ، أي فاعلية الأنسان بأوسع معانيها ، ومن ثم يتبين أن تحقيق الأهداف يخضع لعملية تفاعل أجتماعية تقوم على بعدين ، بعد داخلي وبعد خارجي ، ولكي يكون الفعل الناتج تلقائياً لا بد من قيام الوحدة بين البعدين الداخلي والخارجي ، أذ لكي أبذل جهدي في سبيل أي هدف لا بد من أن يكون ذلك هدفي بمعنى ما من المعاني ، ولا بد في تحقيقي لهذا الهدف أو ذاك أن أجد في الوقت ذاته رضاء لي " ص 380 نظرية الأغتراب (د علي الشتا ) . التأكيد على الوضع المزري سيكون جسراً لحث أبطاله للتغيير ، هذا التغيير الذي سيحقق للمجموعة وللأفراد الرضاء ، فالأهانة مرافقة للاجئ كيفما توجه وأينما حل ، حتى النماذج غير الفلسطينية التي يتعامل معها في قصصه هي أيضاً مسحوقة تعاني حالات مشابهة ، وبمراجعة معظم قصصه سنلاحظ هذه الحالة الأنسانية الغريبة التي يحتقر الأنسان فيها نفسه ويشمئز فيها من كل شيء ويشعر بالعار والدونية ، وكما سبق وقلت فهو لا يبتعد عن مرجعيته ليحقق فنه بل يلتصق بها ويتغلغل لأقصى درجة ممكنة ، .
نبدأ من مجموعة موت السرير رقم 12
من قصة شيئ لا يذهب
__ لم أكن استحق ليلى .كانت أحسن مني بكثير ، كنت جباناً . أخاف من الموت ورفضت ان أحمل سلاحاً كي أدافع عن حيفا .. كنت في رأس الناقورة عندما قالوا حيفا سقطت ، ص65 .
__ شعرت أني أنسان لا يعيش على أرضه ، أنسان يجب أن يبقى طفلاً كما كانت تقول ليلى ، وبدا لي في لحظة أن ماضي شيء مخجل في الحقيقة ، ثماني سنوات أجتر ذكرى ليلى كأنها أنسانة صنعتها فقط لأذكرها ص 67
من قصة كعك على الرصيف
__ هز رأسه فوق الحذاء دون أن يجيب وأحسست بأنه يخفي شعوراً بخجل صغير
_ أين تسكن ؟
_ في المخيم
_ مع أبيك
_ لا مع أمي
__ أنت طالب اليس كذلك
__ نعم
ونقر بأبهامه على النعل ، ثم طالعني بعينين صافيتين ، باسطاً كفه الصغيرة تجاهي ، وأحسست بخيط رفيع من الأسى في حنجرتي ، وتنازعني شعوران حادان هل أعطيه أجرته فحسب ؟ أم أزيد عليها ؟ كنت حينما أعطى أجري حسب أستحقاقي أحس شرف عملي ، ولكنني حين كنت أوهب هبة ما كنت أقبلها وشعور بالأهانة يتراكم فوق سعادتي في أنني كسبت أكثر ص 84 -85
__ أن كل طالب في مدرسة النازحين كان يصر علىالأحتفاظ بمأساته الخاصة ، وضمها بعنف الى صدره .. كأنما كان هنالك شبه أتفاق مشترك على أن هذا واجب وضروري . ص98
__ بدأت الكفان الصغيرتان تعملان بحذق فيما أخذ الرأس الخشن يهتز فوق الحذاء ، ثم وصلني الصوت أياه قائلاً ببساطة : أستاذ . أنت لم تغير حذاءك منذ عام … هذا حذاء رخيص ). ص98
من قصة ( في جنازتي ) :
_ كل شيء في العالم كان يقف في وجهه .. كل أنسان كان يصفعه ، وكل يوم يمر كان يبصق في وجهه شعوراً مراً حاد المرارة بالتقصير . ص102_
__ فلنقل أنني أردت أن أغوص حتى عنقي في أوحال التحدي المغرور وأنني أردت لنفسي أن تفقد كل شيء على الأطلاق طالما هي فقدت أهم الأشياء . ص109
_ قررت أن أصارحها مهما بلغ الأمر بي من ذلة ص115 الأرجوحة
من قصة موت السرير رقم 12
__ كان الفقر شيئاً محفوراً في وجهه ، على زنديه ، في صدره ، في طريقة أكله ، في كل ما يحيط به من أشياء . ص134 .
__ صحيح انه كان فقيراً ولكن ماذا يعني الفقر للمرء أذا كان لم ير في حياته سواه ؟ أن ( أبخا ) كلها تشكو الفقر وهو فقر مماثل تماماً لما يعانيه محمد علي أكبر ولكنه كان فقراً قنوعاً . ص134 . ( أبخا هي قرية عمانية ).
من قصة لؤلؤ في الطريق
__ لأننا ودعنا عاماً حافلاً بالعذاب ؟ أم لأننا نستقبل عاماً آخر لا يبدو أقل عذاباً ؟ أم للأمرين معاً ؟ ص155 .
__ كنا نعرف كل شيء عن الناس الذين يذوبون فيما هم يفتشون عن وسيلة للعيش ، وكنا نعرف أيضاً أدق التفاصيل عن بطولة الذين أتوا من بعيد كي يعيشوا فماتوا من فرط ما تاقوا للعيش .. ص 156
__ وأستدار حسن فواجهنا وجه مظلل بمأساة متلبدة كتقاطيعه ، .. ص 157
__ لا بد وأن أجرب حظي
__ أي حظ ؟
__ الحظ المدفون تحت ركام عذاب عشرة لأعوام . ص 160 . ( نلاحظ أن أبطاله معذبون أيضاً ، حتى غير الفلسطينيين من العرب ).
من قصة الرجل الذي لم يمت
__ وراوده شعور بالقلق وبالخزي في آن واحد . ص 167
__ ولأول مرة عرفت كم هي قاسية ومؤلمة اللحظة التي يريد أن يبكي فيها الأنسان ، ورغم ذلك فهو لا يستطيع ، ص179 .
__ وأعتقدت وهي جالسة تفكر أن السيد علي يخجل من هذا الجرح ، وأنه يراوده شعور بالخزي كلما وقف أمام المرآة كي يحلق ذقنه ، الى حد يود فيه لو يبصق على صورة وجهه المطبوعة . ص180
من قصة العطش
__ أتذكر أيها الكئيب يوم سمعت هذه القطعة لأول مرة ؟ ص183
__ لماذا لا تجلس على طرف السرير وتضع رأسك بين كفيك وتعترف بهدوء " أنا غريب " ص 184
__ أمس قام الرجل الكئيب ليشرب وحينما فتح الصنبور خرخر صوت عميق ولم تنزل أية قطرة .185
__ لن يقول لك أحد كيف نمت .. سوف تتناول فطورك في مطعم حقير وسوف تركض باحثاً عن أنسان تجلس معه .. أي أنسان تجلس معه . ص 186 .
في قصة ( المجنون ) من نفس المجموعة نقرأ ما يلي :
__ أقرفص هنا منذ لم أعد كلباً صغيراً ، هذا المكان لي ، ليس من أنسان يقرفص به سواي . ص 189
__ وكان الأطفال يقفون الى جانب المنعطف ويصيحون باصوات رفيعة " متى ستصبح كلباً " ولكني لم أهتم بهم ص 190
__ أمي تحب الكلاب لقد تزوجت كلباً ذات يوم ثم طلقها لأنه ذهب مع كلبة أخرى . ص190 .
__ كانت السيارة تحت ما زالت تبدو ككلب مضغوط ميت ص208 قصة ثماني دقائق .
وطبعاً لا بد من الحقارة كما ذكرنا
__ لا شك أني حقير ، أقارن أجازتي بموت أنسان ص 207
والتعاسة أيضاً لا بد منها :
__ كان رأسه خالياً من كل شيء وكانت في صدره رغبة حارة لبكاء بلا دموع . ص208
في قصة أكتاف الآخرين :
__ ووقفت أمام مكتبه طاوياً كفي على بطني ( هأنذا ، لقد عدت ككلب ) ! ص 219 ،
نلاحظ تشبيه الأنسان بالكلب يتكرر في كثير من قصصه أمعاناً في هذا الشعور بالنقص وأحتقار الذات ، حتى السيارة وصفها ككلب ميت مضغوط .
من قصة قلعة العبيد
__ أن يمضي الرجل سبعين سنة من حياته بصورة قاسية ، أن يعمل أن يتعب أن يكون موجوداً يوماً أثر يوم وساعة وراء ساعة أن يأكل طوال سبعين عاماً من عرق كفيه ، أن يعيش اليوم آملاً في غد أفضل أن ينام كل ليلة سبعين سنة لماذا ؟ ليقضي بقية عمره مطروداً ككلب ، وحيداً جالساً هكذا أنظر اليه كأنه حيوان قطبي فقد فراءه .. ص 229
من قصة القط
__ لقد كتم أبتسامة سخرية مرة وراودته رغبة في ان يوقف كل رجل يمر به ويهزه من كتفيه ويصيح به : أنت مسكين ص 252
__ أن لغرفة العاهرة رائحة خاصة ، لا بد أنها تنبعث من مكان ما من السرير ، الستائر ، أم أنفي نفسه ! ولكنها رائحة متميزة أستطيع شمها ككلب صيد مدرب .. كلب ؟ ص254_
__ نظر الى الحائط يسحق الجملة التي أخذت تعوي كذئب في رأسه ص254
من قصة الخراف وهي القصة الأخيرة في مجموعة موت سرير رقم 12 يختتمها بالجملة التالية
__ كانت نوبة الفلسفة ما زالت مكلبة بعقلي الزميلين في المقعد الخلفي ووجدت نفسي مرغما على أن أكرر لنفسي تلك الجمل الحقيرة التي ما برحت تفتك بعقلي منذ زمن طويل : هذه رحلة عجيبة اليوم ليست سوى مأساة وغدا سوف نقول عنها أنها مغامرة ص267.
نلاحظ أن قصص المجموعة كلها لم تخل من التعابير والأوصاف التي تقدم ذكرها ، ولعل القصة الأخيرة ( الخراف ) هي الوحيدة التي حملت طابعاً آخر رغم أنها تحدثت عن بؤس راع بدوي ألا أنه عاد ووصف الجمل التي رددها بأنها حقيرة .
ننتقل الى مجموعة أرض البرتقال الحزين وسوف أكتفي بالأشارة الى بعض الجمل من كل قصة ولا تخل أية قصة من الحالات التي ذكرناها .
لنرى بعض ما جاء في قصة أبعد من الحدود ، ففيها تشابيه وتعابير الذل والأحباط والبؤس مكثفة جداً .
__ أسمح لي يا سيدي أن أرتجف أمامك . ص279
__ لي أخ يتعلم الذل في مدارس الوكالة . ص280
__ يا سيدي أنا أذن خنزير حقير .. أتسمح لي أن أكونه ؟ ص281
__ أنا لست صوتاً أنتخابياً وأنا لست مواطناً ص 281
__ وتبدو لي حياتي ، حياتنا كلنا خطاً مستقيماً يسير بهدوء وذلة ، ص 282
__ ألست ترى أنكم أستطعتم نقلي بقدرة قادرة من أنسان الى حالة ؟ ص285
__ لا بأس لن ينالني العار أكثر مما نالني ص286
__ أية حياة هذه الموت أفضل منها ص287
من قصة السلاح المحرم
__ أنظر الى عينيه الزرقاوين كيف تغزلان ، أنه ملعون حذر ككلب صيد . ص303
__ وأحس _ فيما كان على وشك أن يبكي بأن لا مناص ص315
من قصة الأخضر والأحمر من نفس المجموعة فنجد ما يلي :
__ كفاه فيهما عشرة أصابع كل اصبع له ثلاث عقد تماماً مثل الأنسان . ( نلاحظ هنا جملة مثل الأنسان ، أمعاناً بالأغتراب ) ص357
__ فأنطلق الىأمام شاقاً بأظافره طريقه الصغير كالدودة . ص358
__ كل الناس فوق كاهلك ، وأن تأكل تراباً وتتنفس وتشرب عصير التراب ؟ ص359
___ أيها ألأسود الصغير وأنت ماض كالدود تبحث عن ماذا ؟ أي خلاص ترتجي ؟ أين سينتهي بك الطريق التعس ؟ ص 360
في قصة ارض البرتقال الحزين
__ وقمت كالمسعور وانحدرنا عبر التلال حفاة في منتصف الليل ص370
__ يجب أن لا نطلب الأكل ولو جعنا ص373
__ وكانت عيونكم تلتمع كأنها عيون القطط ص374
__ لقد دخلت الغرفة متسللاً كأنني منبوذ ص 375
في قصة قتيل في الموصل نجد ما يلي :
لقد كان الطريق طويلا منذ غادر البئر الى أن وصل الى باب الجامعة كان طريقاً طويلا موحلاً _( الموحل هنا مجاز ) ص 381
__ حين تعبرون الطريق الى فلسطين سوف أكون خلفكم أنا صرصار صغير سأحتمي بأظلال فيلة هنيبال . ص382
__ ألاحظت ؟ أنهم يحشدون أنفسهم كالديدان ص 386
__ بغداد ! كل شيء أصبح غير ذي معنى الديدان خرجت من باطن ألأرض ، ص387
__ وفي الصباح هبط الجيش الى الشارع كان كل شيء يحتم هذه اللحظة وهربت الصراصير من جديد ص 388
وفي قصة ( لا شيء )
__ كان ثمة عنكبوت أسود كبير قد تمركز في جبينه من الداخل يبني شباكه الدقيقة القاسية بين عينيه ص 396
__ أشار الى جانب رأسه مرة أخرى ومضى العنكبوت يشد خيوطه ص396
__ نظر الى الممرض بأمعان كان العنكبوت قد بدأ يتلاشى . ص402
ونقتطف من مجموعة ( عالم ليس لنا ) ما يلي :
___ ذلك البناء القميء الذي كان يعج بالفئران والجيران بشكل لا يحتمل ص425 قصة الصقر
__ أغلب الظن هكذا كنا نعتقد ان جدعان يحتقر بكيفية ما زميله مبارك ص427
__ ضد جدعان أنه يرفض تنظيف المراحيض حينما يأتي دوره ص 427
ومن قصة كفر المنجم :
__ أنني أكره هذا المقهى ص439
__ وبصوت خفيض قلت لنفسي أنني واهم ومنافق ص440
__ كان العالم يبدو في عيني وهميا فقررت من جديد انني لا استحق الحياة ص442
__ مثل كل يوم الناس يتدافعون والسيارات تتبارى وشتائم بائع الكعك ص 446
ومن قصة ذراعه وكفه واصابعه :
__ أيها العجوز الخرف ..واكتشف في تلك اللحظة ان هذه الجملة الصغيرة ترددت على لسانه طوال السنوات الاربع الفائتة دون كلل ودون توقف ورغم طول الزمن لم تفقد شيئا من معناها مغزاها ولؤمها ص450
__ وانهمر على ركبتيه امامه وحاول ان يقبل يده ولكن خيري شد يده بعنف وتراجع خطوة الى الوراء وصاح بكل ما في وسعه : أنت عجوز خرف ص451
__ أعجوز خرف لأنني احببتك ! لأنني كنت ذليلاً على قدميك 1 ص451
ومن قصة عشرة امتارفقط :
__ ولم تستطع العلاقات الواسعة تلك ان تدخل الى حياتنا الا شيئا بسيطا وتافها من النكهة والمذاق ص 461
__ كنا نمضي أيام العطلات في تجمعات صغيرة نلعب الورق ونشتم ونسلي انفسنا هكذا كنا نسمي الأمر مجرد تسلية بمقامرات صغيرة ص 461
__ كانت المرأة يافعة نضرة وان كانت قذرة ص462
__ كلا كلا أنا أعرفكم سوف أجد في الداخل عشرة رجال على الأقل ولسوف يتناوبوني أنتم تكذبون دائماً ص 462
__ كم نحن سخفاء حين ندخل الحضارة قسرا الى اليأس والأسى الأنسانيين ص462
__ شيء مضحك أن يضع الأنسان نفسه داخل سيارة مستفيدا من الحضارة ثم تبقى المسافة بينه وبين انسانيته معطلة تماما ص 462
__ ألا أنه كان يرتد الى الصمت بنوع من الذلة ص 464
__ لست أفهم كيف تقول لا يهمكما وانت لست ألا قواداً ص466
ومن قصة المنزلق :
__ وقد أتفق أولئك مع ابي على أن يكتموا السر عن مخدومهم مقابل أن يصلح لهم احذيتهم مجاناً ص 473
__ ولم يستطع الخدم أن يجدوا صندوق أبي بين كل تلك القشور ص474
__ ولكنني لست مجنونا أذهب الى قصر الرجل الغني وانظر الى أحذيته فستجد عليها اطرافا من لحم ابي ص 476
و من قصة علبة زجاج واحدة :
__ كنا نعيش كفئران التجارب ص 481
__ هو ذا عالم فاوست الشياطين والسحرة أتوا من انحاء العالم وزواياه ليجتمعوا هنا ، وهأنذا في صميم الضجيج عاهرات طلين وجوههن بمساحيق شيطانية _ ويتمسكن بالعبور ليكتشفن رجلا سكرانا يسهل جره الى غرفة الرجس ص486
__ وانحنت فرفعت ثوبها الطويل وكشفت عن بطن متهدل منفوخ . كان الثوب قد وصل الى اسفل ثديها وكانت تلهث كانها موشكة على البكاء ص489
__ سوف تضعين سبعة جراء صغيرة كالقطط ص489_
___ أنه شيء لا يحتاج الى حساسية خارقة أن يكتشف المرء بأن شعوراً عاما بالخجل كان يسيطر على الجميع ص 491
ومن مسرحية جسر الأبد
بلى فكرت كثيراً دون جدوى أحس أحياناً أنني فأر تعس أطبقت وراء ذيله مصيدة جبارة . ص50 طبعة الأسوار
ومن رواية رجال في الشمس
__ في هذه السنوات الطويلة شق الناس طرقهم وأنت مقع ككلب عجوز في بيت حقير . الأعمال الكاملة ص46
__ وكانت الرسالة تشبه صفاء تلك السماء فوقه ، ليس يدري كيف أجاز لنفسه أن يصف أباه بأنه مجرد كلب منحط ولكنه لم يشأ أن يشطب ذلك بعد أن كتبه . ص 76 الأعمال الكاملة .
__ قصص رجال تحولوا الى كلاب وهم يبحثون عن نقطة ماء ص112 الأعمال الكاملة .
__ أترى هذا المخلوق الحقير الذي هو أنا ؟ ص114 الأعمال الكاملة .
كما لا حظنا فأن التعابير الحسية مسحوبة من واقع بائس أكد عليه الكاتب بحرقة بهدف خلق طفرة التمرد والثورة ، من خلال التأكيد عليه والأصطدام به وليس تجاهله كما جرى حتى الآن " في السنوات العشر الماضية لم تفعل شيئاً سوى أن تنتظر ،لقد أحتجت الى عشر سنوات كبيرة جائعة كي تصدق أنك فقدت شجراتك وشبابك وقريتك كلها ، في هذه السنوات شق الناس طريقهم وأنت مقع ككلب عجوز في بيت حقير ، ماذا تراك كنت تنتظر ؟ أن تثقب الثروة سقف بيتك ؟ بيتك ؟ أنه ليس بيتك ! رجل كريم قال لك أسكن هنا " رجال في الشمس الأعمال الكاملة ص 46 . فهو لم يتحدث عن فلسطين الفردوس المفقود فقط بل عن الحاضر التعيس الذي تطحن فيه كرامة الأنسان ،وسنجد أن براعم الثورة على هذا الواقع قد بدأت تظهر في بعض القصص ، وسنجد أن تمتمة وليست صرخة أولى نطقت بكلمات ( لماذا لم يقرعوا الخزان ؟ في رواية ! رجال في الشمس ، ) هذه التمتمات تتطور وتصبح طعنات وجهتها مريم لزكريا الخائن وحامد للجندي الأسرائيلي في رواية ( ما تبقى لكم ) ، لقد كانت طعنات لهذا الواقع الحقير .

داليا الهواري
23-02-2007, 03:36 AM
رجال في الشمس ..فشل محاولة أستنساخ الفردوس المفقود

لقد سبق وأن مُسرحت هذه الرواية على يد المخرج رياض مصاروة ، كذلك قدمها المخرج منير بكري باللغة العبرية في الآونة الأخيرة ، وأعتقد أنها قُدمت في السينما أيضاً ، وصرخة لماذا (لم يطرقوا الخزان ) ، أصبحت جزءاً من تراث الفلسطينيين الفكري والدلالي ، الأمر الذي يشير الى أهمية هذه الرواية التي أعتبرها بعض النقاد أولى الروايات الفلسطينية الملتزمة ( أنظر فاروق وادي ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية ) ، وقد تركت بصمتها الواضحة في وجدان القراء والنقاد على حد سواء ، فما هو سر قوة هذه الرواية ؟
لقد توفرت الضرورة الأولى للرواية وهي المضمون أو الفكرة ، فقد جاءت بلا شك قوية وحادة ومؤلمة جداً ، والقارئ لا يمكن أن ينسى عملاً فنياً يسبب له الألم ، لأن هذا يعني أن الكاتب قد نجح بملامسة مشاعره ، فأنت كقارئ سوف تتعاطف مع أبطال الرواية لأنك ستشعر بالظلم الواقع عليهم خصوصاً نهايتهم المأساوية التي قد تكون حصلت بالفعل لأمثالهم من المتشردين فأن لم تحصل فعلاً فأن أمكانية حصولها واردة ، وأذا كنت فلسطينياً فقد تتخيل أمكانية وجودك أنت مثلهم في الخزان كضحية فتتماهى معهم ، وهذا بحد ذاته يعطي للرواية قوة ومبرراً ، وهو الوجه الأول الضروري لأي عمل روائي ، ألا أن المضمون مهما كان قوياً لا يسمى رواية ناجحة ما لم يقدم بأدوات ترتقي وتحلق به الى فضاء الفن والأبداع (الشكل ) ، وبما أن القارئ والناقد قد أحبا هذه الرواية وما زال لها حضورها وصداها بعد حوالي أربعة عقود على صدورها ، فهذا يعني أنها دخلت فضاء الفن والأبداع ، فما هي هذه الأدوات التي أستخدمها الكاتب لتحويل فكرته الى فن ! لقد قسم الكاتب الرواية الى سبعة أقسام أو فصول ، وهي _ أبو قيس _ أسعد _ مروان _ الصفقة _ الطريق _ الشمس والظل _ القبر . وهي سبع لوحات كبيرة كل لوحة تكمل الأخرى مثل معارض الرسم الحديث التي نشاهدها ، لوحة تكمل الأخرى وأن كان من الممكن أن نشاهدها كلاً على حدة ، ألا أن اللوحة تكتمل وتأخذ بعدها الحقيقي الى جانب أخواتها ، فاللوحات السبع تشكل عملاً فنياً واحداً , وكي تكمل بعضها بعضاً فلا بد أن يكون في اللوحات السبع ما هو مشترك ، ولا بد أن تكون الألوان والأحجام ومساحات النور والظلال متناسبة بحيث تبدو مكملة لبعضها البعض وليست ملصقة على بعضها ، أي أن التكامل فيما بينها يجب أن يتم بتفاعل عضوي داخلي وليس سطحياً ، أن يأتي من صلب الأحداث الهامة في الرواية وليس من سطحها ، فهل يوجد هذا التكامل ! في هذه اللوحات ؟ هل هناك ما يوحد هذه اللوحات !

داليا الهواري
23-02-2007, 03:37 AM
الزواج والأسرة
في هذه اللوحات نجد أن قضية الأسرة والألتزام بها والخوف من تفتتها تشكل ( موتيف ) مشتركاً ، الأربعة أتوا من مجتمع محافظ عموماً ، تلتحم فيه الأسرة بعرى وثيقة . ونلاحظ أن عرى هذه العلاقات بدأت تنبت وتتحلل ، فالأبطال الأربعة الرئيسيون ، أبو قيس ، مروان ، أسعد ، أبو الخيزران ، يشكلون أربعة أضلاع متساوية متناسبة وذلك أن الأسباب التي حدت بهم للسفر واحدة ( البحث عن العمل والمال ) ، وحالاتهم الأجتماعية متشابهة ، وأصولهم من نفس المكان ( فلسطين ) ونهايتهم واحدة ، وبالأمكان القول بوجود تناسب جمالي ، يشعر القارئ جراءه براحة ومتعة وذلك لوحدة الموضوع وتماسكه الأمر الذي يجعل القراءة مريحة ، طبعاً فأن دقة التعابير والأيجاز ، وعملية السرد المسبوكة بمهارة مثل ضربات الفرشاة المتناسقة والمتناسبة على اللوحة في المساحات والألوان المتسلسلة بخطوط رفيعة ، تصبح أثخن كلما تقدمنا في الرواية ، الى جانب هذا فأن اللغة هي ألوان الكاتب ، هي المادة التي يصنع منها فنه ، فلننظر كيف يستخدم غسان اللغة ( الألوان ) ، في الصفحة الأولى من هذه الرواية .
" كلما تنفس رائحة الأرض وهو مستلق فوقها خيل أليه أنه يتنسم شعر زوجه حين تخرج من الحمام وقد أغتسلت بالماء البارد ، .. الرائحة أياها ، رائحة أمرأة أغتسلت بالماء البارد وفرشت شعرها فوق وجهه وهو لم يزل رطيباً .. الخفقان ذاته : كأنك تحمل بين كفيك الحانيتين عصفوراً جميلاً .. " ص37 الأعمال . نجد في هذه اللوحة ،_ الرجل _ الأرض _ المرأة _ جمال المرأة وأنوثتها _ الماء _ الرائحة المثيرة _ الخفقان ، المشاعر _ عصفور جميل بين كفين حانيتين . أنها قطعة من القطع التي تشكل اللوحة الأولى ، وبقراءة متأنية فأنك تكاد تلامس اللوحة بأصابعك وتراها بعينيك . مثل هذه الصور تجذب القارئ وتشده لمواصلة القراءة بمتعة ، لقد أرتقى هنا بالواقع الى مرتبة الفن ، لقد عبر تعبيراً رائعاً عن علاقة أبي قيس بالأرض وبزوجته ، هذه الزوجة الرائعة هي التي سيضطر لأن يتركها وراءه بسبب الحاجة ، وسيسافر آلاف الأميال الى المجهول !
نبدأ بالتسلسل كما جاء ترتيب أبطال الرواية .
أبو قيس رب أسرة تشرد من فلسطين ، لم يصدق ما حصل له بعد " لقد أحتجت الى عشر سنوات كبيرة جائعة كي تصدق أنك فقدت شجراتك وبيتك وشبابك وقريتك كلها ص46 الروايات الآثار الكاملة . ( هذا يؤكد ما سبق وقلنا أن اللاجئ لم يكتشف ولم يقتنع بعد بما حدث له )
. لنقرأ هذا الحوار بينه وبين صديق له يدعى سعد سبق وسافر وأحضر مالاً يحثه على السفر الى الكويت ، يقول له : " أتعجبك هذه الحياة هنا ؟ لقد مرت عشر سنوات وأنت تعيش كالشحاذ .. حرام ! أبنك قيس ، متى سيعود للمدرسة ؟ وغداً سوف يكبر الاخر .. كيف ستنظر أليه .
__ طيب كفى "
__ لا لم يكف حرام ! أنت مسؤول ! الآن عن عائلة كبيرة ، لماذا لا تذهب الى هناك ؟. ما رأيك أنت ؟
( سعد يقنعه والزوجة تستمع ، وعندما يسألها ما رأيك يا أم قيس تقول )
: " كما ترى أنت .. "
_ سيكون بوسعنا أن نعلم قيس "
_ نعم
_ وقد نشتري عرق زيتون أو اثنين
_ طبعاً
_ وربما نبني غرفة في مكان ما
_ أجل ص48
أذاً فواجب أبي قيس تجاه الأسرة المدقعة في الفقر دفعه للسفروترك زوجته وأولاده ، نلاحظ أنه سيحاول في غربته أحضار المال لأستنساخ فردوسه المفقود وليس تحريره ، فهو يطمح لأعادة زرع شجرات الزيتون وأعادة بناء غرفة في مكان ما ، وكأنه قرر الركون الى هذا الواقع وقد بدأ تعامله معه بعد عشر سنوات من الأنتظار والأعتكاف غير المجدي ، أذاً سيحاول أبو قيس الخروج من قوقعته وعزلته ، هذه العزلة التي هي في جوهرها محاولة دفاع عن النفس في واقع الأغتراب ، فالواقع أقوى من الأستمرار بتجاهله ، وهناك حاجات انسانية يومية تضغط على هذا اللاجىء ، أضطرته الى التوغل في الصحراء بحثاً عن المال ، وهو يعتقد أو يحلم أن هذا المال سيعوضه عن الوطن لأنه بهذا المال سيستنسخ ماضيه المفقود .
__ الشخصية الثانية أسعد وهو شاب يريد السفر لكنه لا يملك فلساً واحداً ، ألا أن عمه يعطيه تحويشة العمر خمسين ديناراً ، وذلك كي يذهب ويعمل ويعود ليتزوج أبنته ندى ، _ يقول عمه " أنني أريدك أن تبدأ ولو في الجحيم حتى يصير بوسعك أن تتزوج ندى .. أنني لا أستطيع أن أتصور أبنتي المسكينة تنتظر أكثر هل تفهمني ؟" ص61 . أذاً فرغم كل ما حصل تستمر الحياة ، وبعيداً عن الشعارات فأن سلم الأولويات عند عمه هو تزويج المسكينة أبنته ، أذاً فالواقع الجديد ( اللجوء ) بدأ يأخذ صورة الأستمرارية والعودة الى الحياة الأجتماعية ولكن بصورة مشوهة ، وبدأت عملية اللجوء تبتعد عن كونها ظاهرة مؤقتة .
__ الشخصية الثالثة مروان . هو شاب في مقتبل العمر يترك المدرسة كي يذهب الى الكويت للعمل وأرسال المال لأسرته بعد أن ترك والده الأسرة وتزوج من شفيقة المبتورة الساق فقط لأنها تملك ثلاث غرف ، بينما هو وأسرته لا يملكون سوى غرفة من الطين ، وصديق والد مروان وهو والد شفيقة يريد أن يتخلص من عبء أبنته ليلقيه على زوج . " لقد عرض عليه صديقه القديم والد شفيقة أن يتزوجها .. قال له أنها تملك بيتاً من ثلا ث غرف في طرف البلد دفعت ثمنها من تلك النقود التي جمعتها لها منظمة خيرية .. وأبو شفيقة يريد شيئاً واحداً : أن يلقي حمل أبنته التي رفضها الجميع بسبب تلك الساق المبتورة من أعلى الفخذ ..على كاهل زوج ! أنه على حافة قبره ويريد أن يهبطه مطمئناً على مصير أبنته " ص80 .
ولكن لنفس الأسرة أبن يدعى زكريا سبق وسافر الى الكويت وأرسل لهم المال لكنه منذ تزوج هناك كف عن أرسال المال وهذا حدا بمروان أن يسافر لأعالة أمه ونصف دزينة من الأفواه المفتوحة .
نلاحظ هنا أن جميع الأسر المذكورة في طريقها الى التفسخ بسبب هذا السفر غير المأمون العواقب، وكل هذه العلاقات مبنية على خطأ ، أبو قيس الكهل سيبتعد عن زوجته التي ذكرها بشهوة في الصفحة الأولى في مغامرة غير مضمونة لأعالتها وضمان تعليم قيس ولأستنساخ وطنه المفقود وليس تحريره ، والله أعلم متى سيعود اذا عاد ! وأسعد حصل على النقود من عمه الذي يريد أن يزوجه من أبنته ( ندى ) التي لا يحبها أسعد بل ويتساءل لماذا أنتظرته لمجرد أنهم قرأوا لهما الفاتحة يوم ولادتهما ! فهو يرضى بأخذ النقود من عمه رغم عدم أقتناعه وعدم نيته بالزواج من ندى . أما والد مروان فقد تزوج من شفيقة أبنة صديقه لسعيه الى الأستقرار ( أستنساخ مزيف للأستقرار ، فقد حصلت شفيقة على الغرف الثلاث من جمعية خيرية ) ، ولكنه مقابل هذا الأستقرار المزيف والرضى بزواج مصلحي ترك أسرته لتضيع ، الأمر الذي أضطر أبنه أن يترك المدرسة ، أما زكريا شقيق مروان فقد تزوج في الكويت وانقطعت أخباره ( أستقر خارج وطنه وربما ضاع فأخباره مفقودة ) ، وربما سيكون مصير مروان مشابهاً لمصيره ، لأنهم يقولون له " عندما تصل هناك ستعرف أن النقود أولاً ومن بعدها تأتي الأخلاق " .
__ الشخصية الرابعة أبو الخيزران ، فقد ذكورته بأنفجار قنبلة أثناء حرب 48 ، ولم يعد له هم الآن سوى جمع المال ليرتاح في الظل فيما بعد ( في الظل بعيداً في الصحراء وليس في الوطن ) ، ويحس بالضيق والحرج عندما يُسأل لماذا لا يتزوج . أذاً فالأسرة في تشظيها تشكل موضوعة هامة في هذه الرواية . لقد بدا جلياً في هذه الرواية التفكك الأسري للعائلة الفلسطينية وهو تعبير عن تفكك مجتمع بأكمله ، بات يلهث أفراده لأجل الرغيف والمسكن ومجرد البقاء ، كذلك فهي محاولة أستنساخ أستقرار مؤقت لأعادة شكل من أشكال الحياة الطبيعية لبني البشر ، وحتى على حساب العمل من أجل العودة الى فلسطين ، وأما هذا النسق والتشابه في هذه الحالات فقد منح للقارئ راحة ولم يشتت أفكاره فالمشترك بين الأبطال واضح ، كذلك فأن لكل منهم شخصيته المستقلة في الوقت ذاته .

__ الأبطال من نفس الأصل الفلسطيني :
الموتيف الثاني والذي يفرض أجواء التناسق في الرواية فهو كون الأبطال الرئيسيين ( اللاأبطال ) الأربعة جميعهم من أصل فلسطيني ، وقد ذكرت بشكل أو آخر البلدان الأصلية التي طردوا منها . أذاً فهذا يشبه لوناً مشتركاً بين اللوحات ،
__ أبو قيس من قرية قريبة من يافا " في تلك الليلة شاهد الأستاذ سليم جالساً في ديوانية المختار يقرقر بنرجيلته : كان قد أرسل لقريتهم من يافا كي يعلم الصبية " ص41 الروايات . __ أسعد من الرملة . شخص يدعى أبو العبد يقول لأسعد " ورغم ذلك فسوف أقدم لك خدمة كبرى لأنني كنت أعرف والدك ، رحمه الله ، بل أننا قاتلنا سوية في الرملة منذ عشر سنوات " ص 54 .
__ مروان من يافا . والد مروان تزوج شفيقة أبنة صديقه " التي فقدت ساقها أثناء قصف يافا " ص 80 .
__ أبو الخيزران من طيرة دندن حيفا . كان أبو الخيزران سائقاً بارعاً ، فقد خدم في الجيش البريطاني في فلسطين قبل عام 48 أكثر من خمس سنين " ولذلك أستدعاه مجاهدو الطيرة ليقود مصفحة عتيقة كان رجال القرية قد أستولوا عليها " . ص94 .

داليا الهواري
23-02-2007, 03:38 AM
من الملاحظ أن الأبطال الثلاثة يفاصلون على أجرة الطريق بسبب فقرهم ، الى أن يتوصل ثلاثتهم كل بطريقته الى الأتفاق مع أبي الخيزران لنقله الى الكويت ، وهذه المفاصلة وما يحيط بها من أحداث صغيرة تدعم أعداد القارئ للصفقة أي اللوحة الرابعة من الرواية .
*****
نلاحظ الجو المأساي الذي أقفلت فيه اللوحات الثلاث الأولى ، الأمر الذي ينبئ بأقتراب حدوث أمر فاجع ، فأبو قيس " أحس أن رأسه كله قد أمتلأ بالدمع من الداخل فأستدار وأنطلق الى الشارع . هناك بدأت المخلوقات تغيم وراء ستار من الدمع . ص50
__ أما أسعد فالرجل السمين يقهقه من وراء كتفيه ويقول " لكن حاذر أن تأكلك الجرذان قبل أن تسافر " ص68
__ أما مروان فقد ودعته زوجة والده هكذا " كان صوتها فاجعاً وحين التفت اليها قبل أن يجتاز الباب بدأت تشهق بالبكاء " ثم " صفق الباب وراءه وسار . كان ما زال يسمع صوت عكاز شفيقة يقرع البلاط برتابة وعند المنعطف تلاشى الصوت . ص86
أذاً هذه الحالات الثلاث تسهم بأضفاء جو التناسب العام على العمل ، وتهيئ القارئ لما هو آت ، وتشده لمعرفة ما سيحصل للثلاثة بالفعل .
أنظر الحوار في اللوحة الرابعة ( الصفقة ) بين مروان وأبي الخيزران حول طريقة تهريبهم
"__ أسمع يا أبا الخيزران .. هذه اللعبة لا تعجبني ! هل تستطيع أن تتصور ذلك ؟ في مثل هذا الحر من يستطيع أن يجلس في خزان ماء مقفل ؟
__ لا تجعل من القضية مأساة ،هذه ليست أول مرة .. هل تعرف ما الذي سيحدث ؟ ستنزلون الى الخزان قبل نقطة الحدود في صفوان بخمسين متراً ، سأقف على الحدود أقل من خمس دقائق ،" الخ . هذا الحوار يوجه القارئ ويعده نفسياً بالأشارات الى ما سيحدث . فالأبطال يعرفون خطورة ما هم مقدمون اليه ، ولكن ما العمل ! فأن أبا الخيزران ( القائد العاجز ) يقنعهم بعدم وجود أمكانية أخرى .
بعد الصفقة تأتي اللوحة الخامسة ( الطريق ) ، وفيها نقرأ قصصاً ومآسي مهولة حدثت لمن سبق وحاولوا العبور الى الكويت عن طريق الصحراء " هل رأيت في عمرك كله هيكلاً عظمياً ملقى فوق الرمل ؟ "
_ ماذا قلت ؟ " أبو الخيزران يحكي لأبي قيس قصص الموت والعطش لمن خدعوا مع مهربين آخرين . وهذه القصص المخيفة تعد الأجواء للمأساة الكبيرة التي تنتظرهم ، ولكنها أيضاً تجذب القارئ وتشحذ رغبته في معرفة النهاية ، خصوصاً وأن الكتابة غير مترهلة ، والجمل قصيرة وموجزة .
يأتي بعد ذلك فصل ( الشمس والظل ) ، وهو قصة المأساة فيسردها بشد أعصاب يوتر القارئ ويمنحه لذة الترقب لما سيحدث ، هل سينجحون أم سيموتون أختناقاً على الحدود ! وقد نجحوا في الحاجز الأول ، ويتعاطف القارئ معهم ويود لو أنهم ينجحون بعبور الحاجز الثاني ، لكنهم في الحاجز الثاني تأخروا ، ويشعر القارئ بالقلق الحقيقي والغضب عندما يدير حرس الحدود محادثة تافهة مع أبي الخيزران ، تدل على مللهم وفراغهم وجوعهم للجنس ، بينما الثلاثة داخل الخزان يواجهون خطر الموت وبالتاكيد فهي لحظات يكون القارئ فيها مشدوداً جداً ليعرف النهاية ، هل بقوا أحياء أم قضوا ! ويزداد شد الأعصاب عندما يفتح أبو الخيزران الخزان وينادي فلا يأتي سوى صدى صوته .
اللوحة السابعة القبر . حتى طريقة الدفن أو التخلص من الجثث يتمكن الكاتب من جذب القارئ لمعرفتها ، هل يدفنهم كل واحد في قبر ! هل يدفن ثلاثتهم في قبر جماعي ! هل يلقي بجثثهم في الصحراء للجوارح وبعد أيام يتحولون الى هياكل عظمية بيضاء ! أم يلقي بالجثث على المزبلة كي يتمكن عمال النظافة من أكتشاف الجثث فتقوم الدولة بدفنهم ! هكذا ينجح الكاتب بجذب القارئ حتى الكلمة الأخيرة ، وبرأيي المتواضع فأن هذه الرواية أجمل عمل روائي لغسان كنفاني .

داليا الهواري
23-02-2007, 03:40 AM
الحدود :
لقد لعبت الحدود والحواجز بين بلد عربي وآخر عائقاً هاماً في تحرك المواطنين ، سواء كانوا فلسطينيين أو غير فلسطينيين ، فعبور أسعد من الأردن الى العراق كان مشكلة كانت قد تؤدي الى موته ، والعبور من العراق الى الكويت كان أيضاً مشكلة لجميعهم ، لدرجة أنها أدت لحالة الموت والأختناق الرمزية ، وقد كان الرمز لهذا الوضع الشاذ الخزان المقفل ، فالخزان هو الواقع الخانق ، وأبتعادهم عن الهدف الأساسي أدى الى أختناقهم ، فهم كالأسماك خرجت من الماء ، وفي رحلتهم المغامرة هذه كانوا يسعون لأستنساخ وطنهم الأصلي وأعادة تشكيله في المنفى بصورة مشوهة بدلاً من تحريره ، وقد رمز الكاتب للحدود الأستعمارية التي يضطر العربي للألتفاف حولها للدخول الى قطر عربي آخر ( بالأتشفور ) " أقسم لك بشرفي أنني سألتقيك وراء الأتشفور ، ما عليك ألا أن تدور حول تلك المنطقة الملعونة وستجدني بأنتظارك ، لقد دار دورة كبيرة حول الأتشفور ، كانت الشمس تصب لهباً فوق رأسه " ص58 . أذاً فمنطقة الأتشفور والتي سميت كذلك بأعتقادي نسبة لخط بترول العراق حيفا ، رمز ت الى هذه الحالة ، سواء كانت واقعاً أو رمزاً فأنها بالمحصلة أصبحت رمزاً لحدود أستعمارية بين الكيانات العربية يضطر المواطن العربي للألتفاف حولها كي يعبر الى القطر العربي الآخر في مخاطرة قد تودي بحياته لأن الحدود مغلقة بوجهه . وقد رمز الكاتب لسلاطين الصحراء والذين هم نتاج للمخططات الأستعمارية بالجرذان تأكل بعضها ، عندما تتساءل الفتاة الأجنبية ، " أوف هذه الصحراء مليئة بالجرذان ، تراها ماذا تقتات ؟
__ أجاب بهدوء : جرذاناً أصغر منها " ص 67 .
، وأما صرخة لماذا لم يقرعوا الخزان فكأنها تنديد بهذا الواقع الذي يجد الأنسان العربي نفسه فيه في المقلاة ، ثم يموت مختنقاً داخل الخزان دون أن يصرخ أو يحتج أو يحاول تغيير واقعه الأليم ، بينما حرس الحدود والحاج الذي عمل عنده أبو الخيزران يتسلون بقصص الجنس ، الى جانب هذا سبق وقيل من قبل ( في دراسات سابقة ، ليوسف سامي اليوسف ، غسان كنفاني رعشة المأساة ) أن أبا الخيزران المخصي رمز للقيادة التي فشلت .
أود أن أضيف أن أبا الخيزران ليس رمزاً لقيادة عقيمة فقط ، فقد تواطأ مع حركة التهريب التي كان يقوم بها الحاج في الأشياء الأخطر من تهريب الناس ، ولعل الكاتب أراد بهذا الرمز أن قيادة فلسطينية مخصية تحالفت مع قيادة عربية فاسدة ومتسترة بالدين ، ولو لم يقصد ذلك لما منح لقب ( الحاج ) للمهرب ، والنتيجة هي موت الثلاثة الذين يمثلون قضية فلسطينية عربية أنسانية ثم رميهم على المزبلة ، أن محاولة الأبتعاد عن الوطن وأستنساخه بدلاً من تحريره أدت الى أن يلاقوا هذا المصير والنهاية المفجعة ، من ناحية أخرى فأن أبا الخيزران الذي تساءل لماذا لم يقرعوا الخزان ! هو نفسه الذي لم يتورع بعد أن ترك الجثث أن يعود ويأخذ ما تبقى من نقود في جيوبها وكذلك الساعة من يد مروان ، هذا الأنسان نفسه الذي قاد مصفحة عام 48 وفقد ثقته بنفسه وصار كل همه أن يجمع المال كي يستريح فيما بعد ( في الظل ) بعيداً عن وطنه . رجال في الشمس تبين وتحذر من محاولة أستنساخ الوطن الأصلي بآخر مزيف لأن النهاية مأساوية ، وهي كذلك مأساة وفضيحة للعرب وللحدود الأستعمارية التي تفصل العربي عن أخيه العربي ، فلا يستطيع الوصول اليه ألا بالألتفاف حول ( الأتشفور _ H_4 ، وأختناق ليس فقط لمجموعة من الفلسطينيين الباحثين عن العمل والذين يضطرون للتسلل الى الكويت من العراق في خزان المياه ! بل هو واقع عربي خانق ، ولا بد هنا من أستذكار حرب الخليج الثانية ومآسيها بسبب هذه الحدود نفسها . _ ( لماذا لم يقرعوا الخزان ؟ )
في هذا التساؤل بذرة تمرد ورفض لم تبرعم بعد ! والتي سنسمع صداها عند حامد في رواية ما تبقى لكم .


( ما تبقى لكم ) من أغتصاب ليلى الى تدنيس مريم .
تبدأ رواية ( ما تبقى لكم ) كامتداد لحالات القذارة والشعور بالخزي والذل والعار التي ذكرناها في القصص القصيرة وأستمرت في رجال في الشمس . ألا أنه هنا يركز على القذارة المعنوية ، حيث أنها تأخذ شكل الزنى والخيانة ، فزكريا الخائن المتزوج وله خمسة أولاد يسافح مريم شقيقة حامد العانس فتحمل منه ( بالأمكان هنا ملاحظة تكرر سلبية أسم ( زكريا ) فقد سبق وكان شقيق مروان في رواية رجال في الشمس قد تزوج في الكويت ونسي أسرته ) ، وخوفاً من الفضيحة فأن زكريا يتزوجها ويجد شقيقها حامد نفسه مضطراً أن يزوج شقيقته لعميل خائن ، وأن يعيد ويكرر وراء الشيخ " زوجتك أختي مريم _ زوجتك أختي مريم _ على صداق قدره عشرة جنيهات _ عشرة جنيهات _ كله مؤجل ". " كل الذين كانوا هناك كانوا يعرفون أنه لم يزوجها وأنها حامل ، وأن الكلب الذي سيصبح صهره يجلس الى جانبه يضحك في أعماقه بصوت مسموع . ص14 _ ( طبعة الأسوار ) وهز رأسه : " لقد كنت كل شيء ، وأنت ملطخة وأنا مخدوع .. " ص15
نلاحظ هنا أستمرار تشبيهات وصور الأحتقار المعنوي التي ذكرت في باب سابق :
__ كان يلتهب مبتلعاً مرارة حادة حتى معدته ، ألا أنها رجعت خطوتين وهي لما تزل تبتسم تلك الأبتسامة الدامية ، ومن ورائها نبح الكلب فقالت له " صهرك حامد يريد أن يترك غزة " ص15
__ كان ضئيلاً بشعاً كالقرد أسمه زكريا ص16
ولا تعود بشاعة زكريا لأنه مارس الزنى ولطخ شقيقة حامد بالعار فقط ، بل هو خائن ، قبل هذا وشى بأحد المناضلين للجنود الأسرائيليين ، عندما يأمر الجنود الناس بالوقوف صفاً ويسألونهم عن مناضل يدعى سالم ، ويسود صمت الى أن يتقدم زكريا ويشي به " وفي اللحظة التالية تماماً أندفع زكريا خارج الصف المستقيم وقذف بنفسه راكعاً وكفاه مضمومتان الى صدره وأخذ يصيح ، فتراجعت الفوهات الفولاذية مترددة بطيئة ، ثم تقدم الضابط فركله وتولى جنديان أيقافه على قدميه الواهنتين " أنا أدلكما على سالم " ص24 .
ألا أنه في هذه الرواية تبدأ عملية التطهير من حالة النجاسة والقذارة التي كانت كثيفة جداً فيما سبق من قصص ( بدأ السعي لتغيير الواقع الداخلي ) ، هنا بعد أن قام الكاتب بتبئير الشعور بالعار من خلال السفاح بين زكريا الخائن ومريم شقيقة حامد والذين يعيش جميعهم في معسكر للاجئين في غزة بعد أن رحلوا من يافا ، فأن حامد يترك غزة هارباً من هذا العار ويمضي للبحث عن أمه التي يرى فيها رمز الطهارة والنقاء والتي تعيش في الضفة الغربية ، ولكنه من أجل العبور اليها سيضطر للعبور في صحراء النقب ، ولا بد من مواجهة الأسرائيلي ، أي أنه من أجل العودة الى الأم ، الى النقاء ، الطهارة ، الشرف ، التي هي الأم التي تمثل الوطن لا بد من مواجهة الأسرائيلي ، وحين يلتقيه يتصارع معه وتدل أوراق الجندي أنه يعيش في يافا ، المكان الذي طرد منه حامد وأسرته ويبدأ حامد بسؤاله عن يافا .. " هيا كن رجلاً طيباً ودعنا نتحدث عن يافا " أن الأنتظار الصامت لن يأتي ألا بالرعب " ولكنه ظل يحدق ألي بعينيه الضيقتين المتعبتين ، وكأنه لم يفهم شيئاً " هيا كيف أنتهى الأمر بكل ذلك الحي ، الذي كان يمتد بين جامع الشيخ حسن وحمام اليهود المحروق في المنشية ؟ وفجأة لست أدري لماذا بالضبط ، أحسست أنه يفهمني تماماً ، وأنه يتابعني وينتظر نهاية لذلك كله . فمضيت " سيكون ذلك حديثاً مفيداً فأنا أعرف ذلك الحي تماماً ، كنا نعيش هناك " لكن ذلك بدا له عبثاً في نظره على أي حال ص 67 . لقد حاول حامد محاورة الأسرائيلي لكن هذا بقي صامتاً لا يريد الكلام ، وكأن الكاتب قصد القول أن لغة الحوار غير مجدية لأن الأسرائيلي رفضها أصلاً ، وحينئذ يفهم حامد أن لا مناص من القتال . وفي الوقت الذي يكون حامد مسيطراً على حركة الجندي الأسرائيلي ويمنع عنه مطرة الماء وينتظر اللحظة المناسبة ليحز عنقه ، تكون شقيقته مريم قد وصلت الى قناعة بأنها يجب أن تقتل الخائن زكريا ، فهو يحاول أقناعها مرة تلو الأخرى أسقاط الجنين الذي صار عمره ستة أشهر ،ويريد أن يجعل منها مجرد عاهرة ومتنفساً لرغبته الجنسية ،ستقتله لأنه يحاول التخلص من الجنين كي يفلت من مسؤوليته تجاهها كزوجة وكأب تجاه أبنهما ، فهو لا يريدها سوى عاهرة ولكنها ترفض أنزال الجنين " وسوف أحكم على نفسي بالموت لو سمحت له أن يعتبرني مجرد ممر في حياته بين مدرسته وبيتها ( تقصد زوجته الأولى ) يبصق منيه في ويمضي .. أي أنتظار يا مريم ، أي أنتظار طويل ينتهي بك الى مجرد ممر ! ص50
_ ويواصل زكريا محاولة أقناعها " طفل سادس ؟ سادس ! ( يقصد بالأضافة لأولاده الخمسة من زوجته الأولى ) ، هل تتصورين ذلك ؟ هل تتوقعين أن أرقص فرحاً ؟ أنه الولد السادس ! لقد نصحتك ألف مرة أن تتخلصي منه ولكنك تعتقدين أنه شيء مثير ومهم ص63 . حينئذ تقرر قتله .
"ولمعت أمامي بنصلها الطويل المتوقد فوق الطاولة فردني الجدار أليها كأنني لعبة مطاط وأحتوتها قبضتاي معاً وأنسدل ذراعاي فوق كفي المطبقتين على مقبضها حتى أسفل بطني متشنجتين قاسيتين ، وأندفعنا مرة واحدة ونحن ننظر في عيني بعضنا مباشرة . كان النصل مندفعاً من بين كفي المحكمتي الأغلاق . وأحسست به حين أرتطمنا يغوص فيه . فأن أنيناً طويلاً وحاول أن يرتد ألا أن النصل جذبه من جديد .الخ " وسمعت صوت النصل يغوص في لحمه بطيئاً ولكن ثابتاً ص69 _ 70
أذاً فالوصول الى الأم الوطن لن يتم ألا بقتل الخائن ، العدو الداخلي ومواجة الأسرائيلي ، ولا مناص من المواجهة وعلى الجبهتين .
يمكن ملاحظة أن أسم شقيقة حامد هو مريم ، وهي تحمل بدون زواج ، ونلاحظ أن أسم زكريا مرتبط بأسم مريم في التراث الديني ، فهل كان هذا بلا وعي من الكاتب أم أنه قصد ذلك ! كذلك نلاحظ أن أسم مريم التي تحمل هنا سفاحاً سيتكرر في رواية أخرى ( عائد الى حيفا ) حيث يكون اسم اليهودية التي تقطن بيت العائلة العربية وتستولي على أبنها خلدون أيضاً ميريام فهي لا تنجب ، فهل هي صدفة أستعمال أسم مريم وفي هاتين الحالتين ( الحمل بدون زواج في رواية ما تبقى لكم _ ثم تبني طفل في رواية عائد الى حيفا لأنها لا تنجب ؟ نضيف الى هذا أسم ليلى الذي يتكرر في قصصه والمعروفة بالتاريخ العربي كصاحبة أجمل قصة حب عذري ، نراها تغتصب لتسعة أيام في قصة البومة التي سبق وذكرناها !! فلماذا تغتصب ليلى وتدنس مريم ! أنها أشارة الى قتل البراءة وتدنيسها وأستباحة كل ما هو مقدس ، وربما يعود هذا للشعور الذي فصلناه سابقاً ، ذلك الشعور بتلوث كل شيء وغياب النظافة والطهر والبراءة ، حتى ليلى ومريم دنستا.
نعود الى ( ما تبقى لكم ) فالنقاد يعتبرونها ذروة غسان الفنية في الجانب الروائي من كتابته وذلك لأستخدامه تقنية تغيير نوع الحرف عندما ينتقل من حامد الى مريم أو زكريا ، بالأضافة لأبطاله حامد _ مريم _ زكريا _ فأن الصحراء والساعة أيضاً من أبطال الرواية " ودون أن ينتابه خوف أو تردد أستلقى على الأرض وأحس بها تحته ترتعش كعذراء ، فيما أخذ شريط الضوء يمسح ثنيات الرمل بنعومة وصمت ،( يتكرر ترميز الأرض بالمرأة ، فقد سبق هذا في رواية رجال في الشمس ، بل أن نفس عملية الأستلقاء والأحساس بالأرض عند أبي قيس تتكرر عند حامد ). عندها فقط شد نفسه الى التراب وأحسه دافئاً ناعماً ، وفجأة تعالى هدير وصارت السيارة أمامه تماماً ، فغرس أصابعه في لحم الأرض وذاق حرارتها تسيل الى جسده ، وبدا له انها تنفست في وجهه فلفح لهاثها المستثار وجنتيه ، وشد أليها فمه وأنفه فأشتد الوجيب الغامض فيما أستدارت السيارة فجأة ، فالتمع الضوء الأحمر في مؤخرتها وأخذ يذوب في الليل ، _ زوجتك أختي مريم _ أراح وجنته فوق صدرها الدافئ مرة أخرى فيما أخذت نسمات باردة تغسله ، … لو كانت أمي هنا ، أستدار ومرر شفتيه فوق التراب الدافئ " ليس بمقدوري أن أكرهك ، ولكن هل سأحبك ؟ أنت تبتلعين عشرة رجال مثلي في ليلة واحدة ، أني أختار حبك ، أنني مجبر على أختيار حبك ، ليس ثمة من تبقى لي غيرك " ص18 الصحراء هي الأم والأم هي الأرض الوطن ، وقد تعامل معها كما لو كانت كائناً حياً ، حتى أنه ألصق شفتيه بها كما لو كانت أمه التي يرضع منها حليبه ويستمد منها طمأنينته .
أما الساعة ( الوقت ) فهي تلعب دوراً هاماً فهي تدق تدق وحامد يمضي في الصحراء ، هي تدق ويتقدم حمل مريم والعار يكبر ، تدق الساعة والأزمة تتطور في الأتجاهين ، وهي اشارة هامة جداً الى عامل الزمن في القضية الفلسطينية كلها ، والذي ثبتت أهميته من خلال الأحداث التاريخية وفرض سياسة الأمر الواقع على الفلسطيني . حامد والجندي الأسرائيلي في الصحراء من ناحية ، ومريم وزكريا وجنين العار من ناحية أخرى ، والوقت الساعة لا تتوقف ، تجمع الكل وكأنها تراقب أو تحذر أو ترصد ما يدور ، كل دقة لها مسموعة ، ودقاتها كأنها أجابة لسؤال " لماذا لم يقرعوا الخزان من الرواية السابقة " أذاً هنا يوجد من يقرع الخزان ، ولن يختنق الأبطال كما في الرواية الأولى ، فمريم تطعن زكريا الخائن ، وحامد يواجه الأسرائيلي في طريقه للأم الوطن ، فالمواجهة لا بد منها لمحو دنس خيانة زكريا وللوصول الى الأم الأرض . فبينما كان أبطال الرواية الأولى يبحثون عن أستنساخ وطنهم مبتعدين عنه في جوف الصحراء فأن حامد يقرر المواجهة ، فهو يريد الوصول الى أمه ، ولأجل هذا يعبر صحراء النقب ويواجه ، وبنفس الوقت بينما تواطأ أبو الخيزران مع الحاج رضا في الرواية الأولى فكان مخصياً عاجزاً عن الفعل ، فأن مريم تطعن الخائن وبالضبط في عانته .

داليا الهواري
23-02-2007, 03:41 AM
تقابل

حامد الهارب من العار يواجه الجندي الأسرائيلي = مريم التي تحمل العار تواجه الخائن وتطعنه . الساعة تمضي والجنين ينمو = الساعة تمضي وحامد يتوغل في الصحراء عائدا الى الأم .
يتم قتل الخيانة الممثلة بزكريا _ يكون الصراع مع الأسرائيلي في الصحراء .
الأم المفقودة = الحنان الدفء الطمأنينة = الصحراء الدافئة
الفم الثدي ( الأم ) = الفم الصحراء = ( الأم )



أم سعد التحول في دلالة الألفاظ

الفكرة أو المعنى أو المضمون من أهم عناصر الأدب ومقوماته وهي الأساس الأول للأعتراف بقيمته ، وهي كذلك أساس العاطفة ، فلا بد من تمازج الفكرة بالعاطفة , والأدب الذي ينقصه الفكرة أدب خامل ضعيف ميت . د . محمد عبد المنعم خفاجي . مدارس النقد الحديث ص 50
، لاحظنا في رواية ( ما تبقى لكم ) بداية الخروج الداخلي من الواقع القذر ولكنه كان فعلاً فردياً يكاد يكون يائساً ، ولم يكن عملاً جماعياً منظماً ( داخلياً وخارجياً ) ، وعلينا أن لاننسى أن رواية ما تبقى لكم نشرت عام 1966 أي قبل هزيمة حزيران ، ولكن بعد حزيران نشرت رواية أخرى في الطريق للخلاص من الواقع الرث هي رواية أم سعد ، لكننا سنلاحظ التحولات الأجتماعية الأعمق من السابقة والتي ستعم الجماهير ، رغم أن فنية ما تبقى لكم أرقى بكثير من فنية أم سعد ،وذلك بأعتقادنا أن أم سعد كتبت تحت ضغط كبير بعد النكسة عام 67 وكأن الكاتب يستعجل ببث الوعي للجماهير ولو كان هذا على حساب فنية العمل ، ولكننا سنواصل هنا رصد كتابة غسان كنفاني النابتة في مناخها التاريخي وواقعها الأجتماعي الخاص ، فهو من قصته الأولى حتى نهايته ملتصق بقضية شعبه قضيته الأساسية . أما رواية أم سعد فهي مؤلفة من تسع حلقات مكملة لبعضها بتسلسل ومعتمدة على السرد البسيط ، يربط بين الحلقات خيط واضح المعالم هو الراوية ( أم سعد ) فهي بطلة جميع الحلقات ، هذه الرواية أو ( القصة الطويلة ) لأنها خلت من صراع أيديولوجي ( حسب رؤية باختين للرواية * ) ، أذ جاءت الأفكار فيها كقرار نهائي لا يستأنف ولا يناقش ، هذه القصة مؤدلجة سياسياً وأجتماعياً ، فأم سعد تحكي وعلى القارئ أن يتقبل بدون نقاش ، وهي تنتمي للادب المؤدلج الذي كتب ليخدم فكرة أيديولوجية سياسية يؤمن بها الكاتب بشدة ، وهو أي الكاتب سيقوم بمحاولات الوقوف خارج النص ليحركه من بعيد أو من وراء الكواليس ، فيفلح تارة ويخفق تارة أخرى في عملية ( عدم التدخل ) لتبدو أفكاره وأيديولوجيتة السياسية واضحة مهيمنة على النص وأن كانت على لسان العجوز أم سعد وبلغة محكية أحياناً في محاولة لجعلها عفوية وبسيطة وأقرب الى حالة أم سعد . أم سعد العجوز الفلسطينية اللاجئة من ( الغبسية ) تحكي ما حصل لها ولأبنها سعد للصحفي ( الكاتب ) وهو بدوره ينقل للقارئ بلغة سردية واضحة وتكاد تكون ببساطة أم سعد ما تقوله هذه العجوز ، وقد خصص لكل حلقة من الحلقات التسع مهمة التحول الدلالي لمعنى من المعاني العاطفية والمعنوية ( أذا كانت أسماء الماديات ثابتة فأن المعاني المعنوية والعاطفية دائمة التحول ) في الأدب والنقد د . محمد مندور ص 24 . سيتم التحول في مفاهيم ومصطلحات سائدة من خلال أم سعد نفسها محاولاً أن لا يبدو متدخلاً بصياغة أفكارها الثورية المتقدمة ، رغم شفافية هذه المحاولة في بعض المواقف ، وهو لم يعط مجالاً لأفكار أخرى أن تناقش أو أن تطرح نفسها في مواجهة أفكار ومنطق أم سعد ، فالمختار والأفندي ظهرا بسرعة دون أن يدليا بحججهما وكأن الكاتب كان بعجلة من أمره أو أنه أفترض قناعة القارئ برجعية المختار والأفندي وضرورة ( تنظيفهما ) من طريق أم سعد التي تمثل ( الثورة ) الشعبية ، ألا أنه مما لا شك فيه يقنعنا بواقعية شخصية أم سعد وهذا هو المهم في الكتابة بل أنه يهدي الرواية ( الى أم سعد والى كل أم سعد ) ، ويقتنع القارئ بسهولة أن هذه الشخصية التي يقرأ عنها حقيقية من لحم ودم ، ولكننا نلاحظ أحياناً تفاوتاً في مستويات اللغة والوعي في حالة أم سعد نفسها فنشعر بسذاجتها وبعفويتها أحياناً وأحياناً أخرى بذكائها الحاد وبكلامها المخطط أو المؤدلج ، لنرى بوضوح أن المثقف الثوري يقف وراءها ويمسك بيدها ويساعدها بما يجب أن تقول ( وكأنه الملقن ) ، وهنا لا بد من ذكر أن رواية أم سعد جاءت أولاً على شكل قصة قصيرة في كتاب ( عن الرجال والبنادق ) الصادر عام 1964 _ الذي سبق صدور رواية أم سعد بخمس سنوات 1969، ويبدو أن الكاتب قرر فيما بعد تطوير قصة ( خيمة عن خيمة تفرق ) وليتقدم بها رأسياً لتصبح قصة طويلة تقرأ في جلسة واحدة ، أو كما سبق وقلت قصة طويلة لها طموحات رواية لكنها ليست رواية بكل المفاهيم النقدية وربما تدخل في جنس ( النوفيلا )، وكل من جرب كتابة هذه الألوان القصة القصيرة والرواية والنقد يعرف كيف تولد رواية أحياناً من قصة قصيرة أو من فكرة صغيرة ، وأذكر قولاً للروائي الكولمبي الكبير جابرئيل غارسيا ماركيز يقول فيه أن رواياته الكبيرة كانت في البداية قصصاً قصيرة بل مقالات في بعض الأحيان أو تقارير صحفية . فقصة ( خيمة عن خيمة تفرق ) قدحت شرارة عند الكاتب لجعل كل شيء فيما بعد ( يفرق ) وليس الخيمة فقط ، ففي الرواية قرر أيجاد أصطلاحات وتعابير وحالات تفرق عن بعضها رغم أنها تحمل نفس الأسم واللفظ ولكن مدلولاتها أختلفت بأختلاف فهمها وتجسدها الجديد في الوعي المتغير مقابل لفظها الكلامي نفسه في الوعي السابق . ليس صدفة أن أختار الكاتب أسم سعد ، فسعد من السعادة أو الحظ ، كذلك فأن السعد يوحي بالتفاؤل رغم حالة أم سعد التي يرثى لها ، ألا أن سعد هو فتحة الأمل لأم سعد ، وسنجد أن لسعد شقيقاً يدعى سعيد ،( نلاحظ أن أسعد سعيد وسعد من الأسماء المتكررة عند غسان ) بالطبع ليست هذه صدفة في أختيار هذين الأسمين فالكاتب الروائي ينتقي أسم بطله ليوحي بأمر ما ، أو لأنه يرى في هذا الأسم ممثلاً لشريحة أجتماعية ما ، الكاتب يريد أن يطرح التفاؤل ( السعد _ الحظ ) وذلك من خلال جيل سعد وسعيد الذي التحق بصفوف الثورة . تحكي أم سعد عن أبنها سعد الذي أنخرط في صفوف المقاومة ( أذاً المقاومة هي التي ستجلب السعد _ الحظ _ سعيد _ السعادة ) ومن خلال حديثها هذا نلمس التغير في المفاهيم الموازية لأنطلاق الثورة وأختيار الفلسطينيين لطريق الكفاح المسلح لأنتزاع كرامتهم وحريتهم ، بل بالأساس للخروج من حالة الذل والأهانة المستمرة التي يعيشونها ، فالوحل يكاد يغرق الخيمة التي تعيش بها أسرة أم سعد ، هذه الثورة كما سنلاحظ ليست ثورة سلاح فقط بل هي ثورة وعي وسلاح يسيران بخطين لولبيين متصاعدين متعانقين ، فالكرامة والعز الذي ينشده الفلسطيني ليس ترفاً ، بل ضرورة وحاجة ملحة لأجل خروجه من حالة الذل التي ما عادت تطاق التي فصلناها في القصص القصيرة التي سبقت هذه الرواية ، بل أن هدف الفلسطيني ليس العيش في عز بقدر ما هو طموح للخروج من حالة الذل ، الرواية صغيرة الحجم ولكنها تحمل شحنة تثويرية عالية جداً وكأنها ليزر بكثافتها ، ينقلها الكاتب للقارئ خصوصا القابع في المنفى فيحرضه تحريضاً يلامس المباشرة للأنخراط في صفوف الثورة ،وكأنما يمسك الناس فرداً فرداً من تلابيبهم ليصرخ في وجوههم ..ليس لكم من سبيل للخلاص من هذه الحالة البائسة سوى الثورة ، الثورة بمعناها العميق ، هي التي ستجلب لكم ال( سعد _ الحظ _ السعادة )وتزيل عنكم الوحل .

داليا الهواري
23-02-2007, 03:42 AM
التحول في دلالة كلمة ( أوادم )
من الكلمات التي تتحول دلالتها فتنقلب الى ضدها هي كلمة ( أوادم ) في الرواية ، عندما يأتي المختار الى أم سعد ليشكو لها أبنها سعد ورفاقه الذين رفضوا التوقيع على ورقة تقول أنهم ( أوادم ) كي يخرجهم بواسطته من المعتقل ، نلاحظ التغير الجوهري الحاصل في شخصية المختار بالنسبة لسعد ورفاقه وأمه ، المختار وما أدراك ما المختار في الحياة الفلسطينية ، المختار رمز لمرحلة ، رمز لحالة هي السكوت والرضى والخضوع للأمر الواقع ، و في أحيان كثيرة رمز للسلبية والرجعية في التعامل مع المواطنين البسطاء ، وغالبا ما كان المختار سوطاً بيد السلطة توجهه عند الضرورة لقمع الشعب أو تمييع نضاله وأمتصاص نقمته ، والمختار مخيف لأنه لا يوجد مختار من فراغ ، فهو صاحب نفوذ عسكري وأقتصادي ، أو أنه مدعوم من جهة لها هذه القوة ( وهي التي جعلته مختاراً )، ورغم أن أسمه مختار ألا أنه لا ينتخب أنتخاباً بل هو ممثل السلطة وعنوانها ، وينفذ أملاءاتها على الغالب ، ومعاندته ليست بالأمر اليسير المضمون العواقب ، فما بالك بالأستهتار به ، ها هم يهزأون منه ولكن كيف !
تحكي أم سعد فتقول " سعد ورفاقه . قال لي المختار أنهم ضحكوا عليه ، وأن سعد سأله شو يعني أوادم ؟ قال المختار أنهم كانوا محشورين في زنزانة وأنهم أخذوا يضحكون جميعاً ، وأن شخصا لا يعرفه كان بينهم قال له : " أوادم يعني قاعدين عاقلين ؟ فقال رجل ثالث : " يعني ناكل كف ونقول شكراً ؟ وأن سعد قام وقال له : يا حبيبي ، أوادم يعني بنحارب ، هيك يعني هيك " ( أم سعد ص 12 طبعة الأسوار _ عكا ). ننتبه هنا الى الدلالة الأنقلابية الحاصلة في كلمة ( أوادم )، ففيما مضى ، أي قبل الثورة أسقطت كلمة أوادم رداءها على أولئك القاعدين الذين يمشون الحيط الحيط ويقولون يا رب السترة ، الأوادم في المفهوم السابق ( مفهوم المختار والسلطة ) هم غير المستعدين للمواجهة ، هم الراضون بالأمر الواقع ولا يسعون لتغييره عادة ، الأوادم يبعدون عن المشاكل قدر المستطاع ويطيعون أولي الأمر وعلى رأسهم المختار ، ولعل المختار في هذا المفهوم من ( رؤوس ) الأوادم ، وبالمقابل فأن من يسعى الى تغيير الواقع وخصوصاً بالقوة فسوف يواجه بخروجه من دائرة كلمة أوادم ومن دائرة (الأدمنة ) ، وهذا يعني تلقائياً وجوده في دائرة الشغب الأمر الذي سيغضب المختار والسلطة ، وهذا موقع خطر بطبيعة الحال ، يؤدي بصاحبه الى السجن و( البهدلة والأهانة ) فمواجهة السلطة والسجن والسجان في مفهوم المختار القديم هي بهدلة وأهانة وزعرنة وليست كفاحاً ونضالاً وصموداً ، ألا أن كلمة الأوادم أخذت عند سعد ورفاقه دلالة جديدة ، فالأوادم هم الذين يحاربون ويثورون على الواقع ، وليسوا الأوادم بالمعنى القديم الذي ما زال يعبر عنه المختار ويسعى للتمسك به وتكريسه ، اولئك السلبيون الذين لا هم لهم ألا رضى المختار والأفندي والسلطة ، ومن ثم القبول بالأمر الواقع أو على الأقل عدم محاولة تغييره بوسائل ثورية ، أذاً فقد تغير مفهوم كلمة أوادم وبدرجة حادة ، الآدمي الجديد أذاً هو الفدائي ، هو الثائر وليس المستكين ، وتلقائياً يفهم أن من لا يتنظم مع الفدائيين فهو الذي تنقصه صفة ( الأدمنة ) . وهذا التمرد يتجلى حين يسأل المختار الشبان المعتقلين ( بعد يأسه من أقناعهم بأن يكونوا أوادم ) أذا ما كانوا يريدون أن يوصل لهم شيئاً الى الأهل في المخيم فيرد عليه سعد بسخرية " سلم على الأهل يا بني " ، هذه السخرية المتمردة والتي تحمل التحول بدلالة كلمة ( يا بني ) الموجهة للمختار من قبل شاب ، تنبئ بدخول سكان المخيم الى مرحلة جديدة من الوعي ، هي مرحلة كسر طوق وصاية المختار ، وعملياً من يقف وراء المختار ..السلطة ، وقد أنعكس هذا التحول بتحول الدلالات اللفظية للصفات ( أنظر د ، محمد مندور ، في الأدب والنقد ، باب النقد اللغوي ) ، المختار ورغم الأهانة اللاذعة التي تعرض لها من الشبان ألا أنه يتشبث حتى النهاية بدوره ، فهو يسألهم أذا كانوا يريدون شيئاً من الأهل ! وحينئذ يقولون له بسخرية " سلم على الأهل يا بني " وهذا يعني نهاية دوره وحلول سلطة أخرى غير سلطته ، حلول نوعية جديدة من الأوادم مكان الأوادم السابقين ، نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة ، وتعبير ( يا بني ) الساخر أو الهازئ يعني أن سعداً ورفاقه صاروا هم المسؤولون عن مصير المخيم ، وحتى المختار تحول بنظرهم الى صبي غير مسؤول حتى عن نفسه بقولهم له ( يا بني ) ، لقد انقلب المفهوم رأساً على عقب ، وحدثت صدمة التغيير بتحول الصبي سعد الى مسؤول وتحول المختار الى صبي ( يا بني ) ،وقد قصد الكاتب أن الأوادم التقليديين أنتهى دورهم ، وعليهم الآن أخلاء القيادة لجيل من ( الأوادم ) الجدد .

داليا الهواري
23-02-2007, 03:43 AM
ماذا تعني كلمة ( الحبس )
كلمة الحبس أو السجن بمفهومها العادي ، تعني المكان المغلق ، لا يستطيع الأنسان التنقل منه وأليه وفي داخله بحرية فهو محبوس بين أربعة جدران ، ألا أن أم سعد تخبر الكاتب بمفهوم جديد للحبس ، عندما يسألها الكاتب أو الصحفي الذي تخاطبه ب ( أبن عمي ) أذا ما لم يكن خروج سعد من السجن بواسطة المختار أفضل من بقائه في السجن ! فترد " طيب أنت غير محبوس فماذا تفعل ؟ أتحسب أننا لا نعيش في حبس ؟ ماذا نفعل نحن في المخيم غير التمشي داخل الحبس العجيب ؟ الحبوس أنواع يا أبن العم ! أنواع ! المخيم حبس وبيتكم حبس ، والجريدة حبس ( هنا نلاحظ تدخل الكاتب بوعي الى تعريفات أم سعد ) ، والراديو حبس ، والباص والشارع وعيون الناس .. أعمارنا حبس ، والعشرون سنة الماضية حبس ، والمختار حبس ، تتكلم أنت عالحبوس ؟طول عمرك محبوس ، أنت توهم نفسك يا ابن العم بأن قضبان الحبس الذي تعيش فيه مزهريات ! حبس حبس أنت نفسك حبس .. فلماذا تعتقدون أن سعد هو المحبوس ، ؟ محبوس لأنه لم يوقع ورقة تقول انه آدمي .. آدمي ؟ من منكم أدمي ؟ كلكم وقعتم هذه الأوراق بطريقة أو بأخرى ومع ذلك فأنتم محبوسون ، وتنهي أم سعد حديثها __ أسمع أنا أعرف أن سعد سيخرج من الحبس ، الحبس كله ! أتفهم ؟ ص13 _ 14
وهذا يعني أن الحبس التقليدي لم يعد مخيفاً ولا هو بالعار ولا هو بالبهدلة أذا كان لأجل قضية نبيلة ، كذلك فأن وجودك خارج الحبس التقليدي لا يعني أنك حر ، فالحرية لا تقاس بهذا المقياس داخل الجدران أو خارجها ،بل أصبح لها مقياس جديد ، فلربما كان أحدهم داخل الجدران أكثر حرية ممن هو خارجها ، الحبس لم يعد باطونا وحديدا وقضبانا ، أنه أكثر من ذلك بكثير ، الحبس هو نقيض للحرية بمعناها الجديد ، والحرية بمعناها الجديد لا تعني فقط الطعام والشراب والجلوس في مكتب أو التتقل بسيارة ،تأخذ هنا الحرية بعداً جديداً لدرجة أن أم سعد تسخر من السجن التقليدي ، وهكذا تلغي الفرق بين داخل وخارج السجن بالنسبة لمن فقدوا وطنهم وحريتهم وباتوا مرغمين على قبول الأمر الواقع داخل مخيماتهم ( ها أنت خارج السجن فماذا تفعل ) ؟ أذاً الحرية هي مفهوم أوسع من مجرد وجودك خارج جدران سجن بينما أنت جثة غير قادرة على الفعل ، هنا تدخلك تساؤلات ( السيدة البسيطة ) الى أسئلة فلسفية عميقة حول معنى الحرية ومفهومها ، وبهذا تدفع المتلقي للتخلص من الخوف والتغلب على نفسه وتبئير القضية الكبيرة ليصبح كل شيء رخيصاً من أجل القضية الكبيرة بما في ذلك الحرية الشخصية ، لأن سعد ( الآدمي في المفهوم الجديد ) يريد الخلاص من جميع الحبوس دفعة واحدة كما تقول أمه ، وليس التحرر فقط من الحبس الشكلي التقليدي ، أنه يريد الخلاص الفعلي من الحبس المادي والمعنوي بمعناه الأعمق والأبعد ، بمعناه الأجتماعي والسياسي والمعرفي والعملي .
_ الأم مصدر البطولة _
أعتدنا على تعبير معروف عندما نريد أمتداح شخص ما ، نقول أنه أبن أبيه ،أو (الولد طالع لأبوه )، ولكن أم سعد قالت العكس ، فقد قالت أن سعداً جاء _ أبن أمه _ ،يعني أن سعداً (طالع لأمه وليس لأبيه ) ، وهذا جديد في زاوية التفكير بل أضاءة ذكية من الكاتب " . قلت للمرأة التي جلست الى جانبي في الباص أن ولدي أضحى مقاتلاً ( آنذاك بدا صوتها ، بلا ريب مختلفاً . ولذلك تذكرت الآن " قلت لها أنني أحبه وسأشتاق له ولكنه جاء " أبن امه " ، أتعتقد أنهم سيعطونه رشاشاً ! الى أن تقول " أتدري أن الأطفال ذل ! لو لم يكن لدي هذان الطفلان للحقت به . لسكنت معه هناك ، خيام ؟ خيمة عن خيمة تفرق !"( صفحة 20 )، نلاحظ هنا الأنقلاب في مفهوم الرجولة والبطولة ، فسعد هو أبن أمه وليس أبن أبيه وهذا جديد ليس فقط على صعيد الأدب الفلسطيني بل العربي عموماً ، أي أن بطولته مصدرها أمه فهي أذاً التي تحمل بذرة البطولة لأنه طالع لها وليس لأبيه وهذه أهتزازة لصورة الأب ( المقصّر ) رغم أنه العنصر الأقوى في الأسرة العربية ، وبهذا نلمس تدعيماً لدور الأم ( الأنثى ) وهو كفر بمسلمة أخرى من المسلمات ، فالرجل اذا لم يثر فقد رجولته ، وأذا ثارت المرأة فهي ستحمل وتستحق حمل صفة البطولة ، وهنا كانت نظرة كنفاني العبقرية بدفع المرأة الفلسطينية الى الأمام وأعطائها زمام المبادرة ، فهي التي تدفع وستدفع ثمن التضحيات ! فلماذا لا تكون هي القائدة والموجهة ! وخصوصاً تلك المرأة اللاجئة والتي عليها أن تواجه قساوة الحياة من أجل توفير لقمة العيش لأولادها كما هو حال أم سعد التي تعمل بتنظيف البيوت ، فهي نفسها أم المقاتل الذي سيكون شهيداً أو أسيراً أو في منطقة الخطر ،وهي التي ستعيش القلق والمخاوف ، وهي عملياً آلة الدفع الرئيسية في الثورة ، وهي الداعمة نفسياً ومادياً لهذا الثائر ، ( لا بد هنا من الأنتباه للتناص بين مسرحيتي ( الأم لبريشت والأم لمكسيم جوركي ) وأسقاطاتها على فكر الكاتب وتوجهه بوعي أو بغير وعي ، فالأم في الحالتين كانت أمية أذ أشتركت الأم عند بريشت وغوركي * دون أن تعرف القراءة بتوزيع المناشير الثورية لأبنها الذي كان عليه أن يوزعها تحريضاً على الأضراب ، ولكنه يسجن فتوزعها أمه مكانه ، وسنرى هنا الدور البطولي لأم سعد ، رغم الأختلاف بين هذه الأم وبين ( أم غوركي )، هنا تتصرف بوعي كامل منها بما تقوم به من دفع أبنها الى القتال ، بينما في الأم عند غوركي حركتها عاطفة الأمومة والتضامن مع أبنها وليس وعيها , تتساءل أم سعد أذا ما كانوا سيعطونه رشاشاً ! ثم تعلن عن أستعدادها ( المرأة ) للألتحاق به ، وهي دعوة جديدة أيضاً للنساء للالتحاق بصفوف المقاتلين ، هذه الدعوة جديدة على صعيد عربي كما قلت وليس فقط على صعيد فلسطيني ، لقد أدرك غسان أهمية أنخراط المرأة في الثورة وهذه من القناعات الهامة التي حاول غسان أدخالها الى الوعي الفلسطيني ، ( لمسنا هذا في قصة ( البومة ) في مجموعة السرير رقم 12 حيث ضحت ليلى بكل شيئ للدفاع عن حيفا )، ونعود الى أم سعد التي تستدرك قائلة ( الأطفال ذل ) ، وهنا يريد كنفاني التوضيح انه لا يقصد بالأنضمام للثورة أهمال الأسرة فأم سعد ( لولا هذان الطفلان للحقت بأبنها سعد ) ، وهي دعوة واضحة لمن ليس لديها صغار بالبيت وخصوصاً الصبايا أن يلتحقن بالثورة ، أما من لديها صغار فهو يلتمس لها العذر ولكن سيجد لها الكاتب الثوري ( بواسطة أم سعد ) عملاً آخر يخدم الثورة كما سنرى فيما بعد . ثم تتساءل أم سعد _ خيمة ؟ أي هل يعني الأنضمام للثورة العيش في خيمة ؟ " خيمة عن خيمة تفرق "، فالعيش في خيمة الثورة ليس كالعيش في خيمة البؤس المهددة بالأنطمار بالوحل . خيمة الثورة هي خيمة الكرامة للمرأة وللرجل ، أذاً لقد أختلفت الدلالة اللفظية لكلمة الخيمة .
(الواسطة ) لم تعد عيباً والهدية ليست خاتماً
أعتدنا أن نعرف أنه عندما يقوم أب أو أم بطلب من رئيس أو مسؤول بالعناية بأبنهم في مكان عمل خطر ، تكون هذه العناية بأعطاء الأبن عملاً سهلاً وأبعاده عن منطقة الخطر ، وغض الطرف عنه أذا تعب كي يستريح والسماح له بأمور قد تكون غير مسموحة للمجموعة ، كذلك عرفنا وسمعنا عن واسطات لأبعاد الأولاد عن العمليات الخطرة وحتى عن الجندية ( أنظر رواية الحرب في بر مصر ليوسف القعيد * ). حيث يقوم العمدة بأرسال الشاب مصري الفقير مكان أبنه الى الجبهة ولكنه يتقمص أسمه ، ألا أن الواسطة عند أم سعد تختلف ، فهي تريد أن توصي بأبنها ولكن بطريقة مغايرة ، تريد أن لا يزعله قائده وأن يلبي له رغبته ، فأذا أراد الذهاب الى الحرب أن لا يزعله وأن يسمح له بتلبية رغبته ( صفحة 22،) وهذا يعني أيضا حدوث أنقلاب في مفهوم الواسطة والتوصية ،وتحول في دلالة ما هو الأفضل وما هو الأسوأ ، فالعناية بالأبن تعني أرساله الى حيث يريد حتى الى الحرب ، وهذا أنقلاب في المتعارف والسائد فالأم تخاف عادة على أبنها ولا تريده في مناطق الخطر ، فهي لا تريد أن يزعل أبنها فأذا أراد الذهاب الى الحرب فليذهب ، هنا تتجلى شجاعة الأم وأستعدادها النفسي عملياً لتلقي الأسوأ وهو فقدان أبنها لأن أرساله الى الحرب يطرح مثل هذه الأمكانية ، هذه الأم التي أرادها الكاتب أن تحمل شعلة الأنتقال بالمفاهيم وحتى بالمشاعر ، بحيث تكون المشاعر موجهة الى القتال والثورة للتخلص من الظلم والبؤس والذل والوحل بدون أدنى تردد ، وبدون هذه الثورة في المفاهيم والمشاعر والقيم فأننا سنبقى في المخيم حتى يغمرنا الوحل في يوم من الأيام كما كان يقول سعد لوالده ، وهذه رسالة عظيمة يوجهها الكاتب السياسي من خلال أم سعد للمرأة الفلسطينية ، وحتى الهدية التي تنتظرها أم سعد من أبنها مختلفة وتحمل مفهوماً وقيمة جديدة من الهدايا ، هذه الهدية كانت عملية تفجير سيارة معادية يقوم بها سعد ، " أرأيت ! قلت لك أن سعد سيهدي أمه سيارة " صفحة 27 ، وعندما يعود سعد جريحاً فهي لا تندب ولا تولول بل تقول " أسم الله عليه حمل ساعده كانها نيشان ". نلاحظ هنا أن الكاتب يكاد يغتصب حق الأم بالتألم لجرح أبنها ويكاد ينتزع منها مشاعرها كأم لأجل الفكرة ( الأيديولوجيا السياسية ) التي يريد أيصالها وهي تحويل المعركة والفداء الى نمط حياة عادي لدى سكان المخيم ، وسقوط الفارق بين الجرح الجسدي والجرح النفسي والمعنوي ، فالهدف يبرر كل شيء ولا شيء ممكن أن يكون أهم من الهدف ، الخروج من حالة الذل والهزيمة ، حتى مفهوم الأمومة بدأ يتغير ، ومثله الهدية ، فالهدية التي أنتظرتها من سعد لم تكن سواراً ولا خاتماً ولا قطعة أثاث للبيت بل عملية فدائية .
وخلال هذه العملية يحاصر سعد ورفاقه فتنقذهم من الجوع أمرأة فلسطينية ممن بقوا في أرض الوطن ، هذه السيدة نرى أن سعداً يعتبرها أيضاً أمه ويقول لرفاقه ، أمي تتبعني حيثما ذهبت " ( أنا سعد يا يما ، جوعان ) وسقط القضيب من يد العجوز الفلاحة وهي تحدق الى الشاب الذي ولده الدغل الشائك ينحدر نحوها بالكاكي وبالرشاش على كتفه " ، ص35 ، فالأم هنا ليست فقط تلك التي يخرج الأنسان من رحمها ، الأم تكون أيضاً تلك المرأة الشجاعة التي جاءت بالطعام للفدائيين لتنقذهم من حصار الجيش المعادي ، ولعل كنفاني أراد القول أن الأم فلسطين لن تبخل عليكم أيها الفدائيون ، وسوف تجدون عندها الطعام والشراب والحنان كما تجدونه عند أمهاتكم أذا ما حاولتم الدخول اليها كفدائيين .
الجميع مقاتلون
أراد الكاتب التأكيد على أن الثورة شاملة وليست مقتصرة على بعض الشبان المتحمسين أو على الرجل دون المرأة ولا على الكبير دون الصغير ، بل هي ثورة شعبية تشترك فيها جميع قطاعات الناس حتى الأطفال ، وبهذا تختلف الثورة عن الجيش النظامي ، بل وتختلف ثورة الشعب الفلسطيني نفسه عن ثوراته السابقة في الأعوام 1936 ، و1928 ،وفي المواجهات السابقة ، ففي ثورة 36 أقتصرت الثورة على ثوار تسلقوا الجبال وقاموا بعمليات عسكرية محدودة دون أشتراك كافة قطاعات الشعب رغم تعاطفهم معها . من المعروف أنه أذا حدثت غارة مثلاً في مكان ما يأتي الجيش والشرطة فيبعدون الناس أولاً ومن ثم يعالجون ما حصل ، لكن عكس ذلك حصل لأهل المخيم ، فعندما تقوم الطائرات بالأغارة فأن جميع أهل المخيم يتجمعون لرؤية ما الذي يحدث ! نلاحظ هنا أفتقاد عنصر الخوف ( الطبيعي ) عند أهل المخيم فهم لم يهربوا ولم يختبئوا بل تجمعوا لرؤية ما يحدث " وسمعت أم سعد صوتأً معدنياً كالرنين يملأ الطريق ورفعت بين أصابعها قطعة حديد ذات أربعة رؤوس مسننة ، قالت أم سعد لرفيقاتها : هذه الحدائد تفرقع دواليب السيارات ودورتها بين أصابعها ثم قالت : يا صبايا ، لنلمها ونقذف بها الى الرمل ، وأندفعت النساء ومن ثم أندفع الأولاد الى الطريق المظلم وأخذوا يجمعون قطع الحديد بأيديهم العارية ويقذفون بها الى الرمل ". صفحة 41 ، بهذا المشهد أراد الكاتب التأكيد على أن الجميع منخرط بالثورة ، وهي ثورة شعبية بكل جوانبها وبكل فئات المجتمع ، ولكل واحد دوره حتى العجائز والنساء والأطفال فبأمكان كل فرد أن يعطي من موقعه ، لحشد أكبر طاقة ممكنة لصالح الثورة ، هكذا نلاحظ في مثل هذا المقطع أن الكاتب سياسي مائة بالمائة حتى أننا لا نلمس لديه الوقت للوقوف عند حالة تردد أو خوف واحدة هي مشروعة في حالة الغارة .

داليا الهواري
23-02-2007, 03:44 AM
نحن المشحرين
في الفصل السابع تحت عنوان ( الناطور وليرتان فقط )، يحاول الناطور تشغيل أم سعد بشطف وتنظيف درج بناية مقابل خمس ليرات ، ولكنها تكتشف أن سيدة لبنانية من الجنوب كانت تعمل مكانها وبسبع ليرات ، أما الناطور فقد أراد توفير ليرتين للخواجة صاحب العمارة على حساب خلق نزاع بين السيدة اللبنانية الفقيرة من الجنوب وبين أم سعد اللاجئة الفلسطينية ، ولكن أم سعد تتخذ موقفاً ثورياً وبدون شعارات طنانة ورنانة عن وحدة المضطهدين والتحالفات الخ ، فهي تقول " كلما أتذكر تلك القصة يهتز بدني كله ، وأكاد أبكي ، أنني اصاب بالأرتجاف حين أرى ذلك الناطور يتعقبني من قرنة الى أخرى ، يريدون ضربنا ببعضنا نحن المشحرين ، كي يربحوا ليرتين "صفحة 59، .. وأخيراً تتساءل أم سعد " لو أنا والناطور والحرمة قلنا للخواجا … ، وهكذا فأن كلمة نحن المشحرين أغنت عن شرح مطول حول وحدة مصير المضطهدين وضرورة تحالفهم للوقوف بوجه الخواجا صاحب العمارة المستعد لزرع الخلاف بينهم من أجل توفير ليرتين . نحن المشحرين كانت كلمة بسيطة وبليغة تعبر عن جميع المضطهدين ، فالشحار يشمل السواد والقذارة والذل والأهانة لأن النظيفين ( شكلياً _ الخواجات _ سواء كانوا عرباً أو غير عرب ) هم ليسوا من الطبقات المسحوقة وبالتالي من الطبقات الأقل ثورية ( بوجهة نظر ماركسية ) ، وهنا تأكيد على أن الفئات الأكثر ثورية في المجتمع هي هذه الفئات التي عبر ت عنها أم سعد بوصفهم ( المشحرين ) ، أما الخواجة صاحب العمارة فهو قد يكون عربياً ايضاً ،لكن ما تهمه هي مصلحته ، وتوفير ليرتين حتى على حساب حرب بين المضطهدين أنفسهم ، وفي هذه الحالة بين فقراء لبنان من أهل الجنوب والفلسطينيين اللاجئين .وهنا نلاحظ رغبة الكاتب الخفية والقوية بوحدة كهذه بما يتلاءم مع أيديولوجيته ( الشعبية ) بأن الثورة يجب أن تكون كذلك ضد الأنظمة الرجعية العربية التي يمثلها ( الخواجا ) المستغل لمآسي الناس والذي يريد الربح على حساب المشحرين ، وممكن أن نلاحظ هذه الرغبة في قصة مبكرة كتبت عام 1957 وهي ( درب الى خائن ) في مجموعة المدفع ،عندما يقرر البطل أن يتسلل الى فلسطين لقتل خائن ، لكنه في النهاية يضطر للتسلل الى الأردن مقرراً أغتيال صاحب الجلالة . " أن ( أبو حنيك ) هذه المرة يلبس ثوب صاحب الجلالة ..
__ أذن ماذا سنعمل ؟
قال وهو يشير الى الأفق :
__ سأتسلل الى الأردن ". المدفع ص69

الحجاب ليس الذي نعرفه

في الفصل الثامن نشهد تغيراً حاسماً في علاقة أم سعد بالغيبيات وهي من أهم التحولات الأجتماعية الطارئة على وعي أم سعد ، بل هي آخر ما ينتظر أن يتحول عندها لأن التحول الأجتماعي يتأخر عن التحول السياسي عادة ، وقد أعد لها الكاتب جيداً ، فعندما يأتي أليها الأفندي ويسألها أذا ما كان سعد قد عاد الى المخيم تقول له وكأنما تتحداه لكن بلهجة هادئة ( أذهب اليه الى الأغوار وأمسكه )، ولكن الأفندي ينتبه لقلادة في عنق أم سعد ، هذه القلادة لم تكن سوى رصاصة مدفع رشاش مثقوبة قرب قاعدتها النحاسية ومفرغة من بارودها ، فيقول الأفندي _ لقد غيرتن حليكن هذه الأيام !
وكانت أم سعد ترمقه بحذر وبيدها أمسكت الرصاصة المعلقة بالسلسلة ، ووجدت نفسها تقول ، _ هذا ليس عقداً
_ ماذا أذن ؟
_ هذا حجاب
حجاب ؟
حجاب!
_ حجاب جاء به سعد ؟
_ نعم . جاء به سعد .. صفحة 62
وعندما يسألها الأفندي عن الحجاب القديم تقول أم سعد _ صنعه لي شيخ عتيق منذ كنا في فلسطين ، وذات يوم قلت لنفسي : ذلك الرجل دجال بلا شك . حجاب ! أنني أعلقه منذ كان عمري عشر سنين ، ظللنا فقراء ، وظللنا نهترئ بالشغل ، وتشردنا ، وعشنا عشرين سنة ، حجاب ! هنالك أناس ينتفعون بالضحك على لحى الناس !ذلك الصباح قلت لنفسي : أذا مع الحجاب هيك ، فكيف بدونه ؟ أيمكن أن يكون هنالك ما هو أسوأ ؟ صفحة 64 ، لقد أراد الكاتب في هذا الفصل الدفع بأتجاه التحرر من التعلق بالغيبيات والأعتماد على النفس ( الرصاص ، التسلح ) ، ولعله لم يقصد الحجاب الذي يعلق في الرقبة فحسب بل كل الحجب والغيبيات بأشكالها وألوانها الأخرى ، ومن خلال الحجاب أراد القول أنه لا يمكن الأعتماد على الغيبيات والركون عليها ( هذا واضح في رواية الأعمى والأطرش غير المكتملة التي تشكل هذه الفكرة عمودها الفقري ) ، والتغيير لن يحدث من تلقاء نفسه ، فالحجاب الذي يقي أبن المخيم لا يكون ألا هو نفسه برصاصه وسلاحه ،وعندما يقول لها الكاتب _ ولكنك تسببت بمشكلة لسعد ، فأنها تبتسم بشبه سخرية ، واثقة أنهم لن يستطيعوا النيل من سعد المقاتل ، الذي أهداها هذا الحجاب ، رصاصة المدفع الرشاش ، لقد تغيرت الدلالة المعنوية والعاطفية لكلمة حجاب .
تغير طعم العيشة
في الفصل الأخير من الرواية نشهد التغيرات الحاصلة لعلاقة أبي سعد بأم سعد فهو صار لطيفاً ، وهذا اللطف مصدره شعوره الجديد بشيء من الكرامة نتيجة أنخراط الأبناء مع الثورة ،ونلاحظ هنا العلاقة بين اللطف والقوة ، فالشعور بالقوة والثقة بالنفس وارتفاع منسوب الكرامة الجماعية بسبب الأنخراط في الثورة أدى لشعور بالكرامة الشخصية حيث تترجم الى حب ، والشعور بالكرامة الشخصية رفع معنويات أبي سعد وأدى به لأن يمد يده بلطف الى أم سعد بعد أن كان جلفاً وعصبياً ، ( فجأة تغير كل شيء ، كف أبو سعد عن الذهاب للقهوة وصار حديثه لأم سعد أكثر ليونة ، بل أنه ذلك الصباح سألها أن كانت ما تزال تتعب . وأبتسم طويلا حين رمقته متسائلة عن السبب ، فقد كان يأتي دائماً منهكاً ، ويطلب طعامه بسؤال فظ ، ويكاد ينام وهو يعلك لقمته الأخيرة " ص65 . أذاً فعدم الشعور بالكرامة وهيمنة الشعور باحتقار الذات ( الأنا الأعلى ) يؤدي به الى تراجع ظاهر في علاقات الحب والجنس ، فهو ينام وهو يعلك اللقمة ، أي لا وقت ولا محفز لديه للحب والجنس ، وسنلاحظ أن تغيراً طرأ على هذه الحالة بأنطلاق الكفاح المسلح وبداية الشعور الخارجي والداخلي بالكرامة ، وهذا يعني أن الخشونة والعسكرية والثورة المسلحة ( القوة ) لا تعني الكراهية والعنف تجاه الأهل بل الحب والعلاقات الجنسية الطبيعية ، وأن للحب ملحقات كثيرة كي نستطيع تسميته حباً . وقد ربط الكاتب بين التطور الأيجابي في علاقة الرجل بزوجته ( الرجولة والفحولة ) بالتطور الأيجابي بأتجاه الثورة ، فالثورة أعطت متنفساً جديداً للحب والجنس الأنساني ، فقد كف أبو سعد عن الجلوس في المقهى والتسكع بدون هدف ،صار يتحدث عن الكلاشينكوف ، الذي يشير اليه باختصار (كلاشن )، " لقد ذهب تلك الظهيرة الى حيث كان مكبر الصوت يعلو بحديث لم يكن يسمع مثله من قبل ، ووقف هناك فوق الجدار يرقب ، مثلما المصاب بذهول ، أطفال المخيم وبناته ورجاله يقفزون عبر النار ويزحفون تحت الأسلاك ويلوحون بأسلحتهم ، وقد شهد سعيد أبنه الأصغر يقدم أمام الحشود عرضا عما يتعين على المقاتل أن يفعل حين يتعرض لطعنة حربة كي يتجنب الأذى ". صفحة 66 . نلاحظ أنخراط بنات المخيم في المقاومة ايضاً وهذا شيء جديد أراد التأكيد عليه الكاتب في نهاية الرواية ، فدور المرأة لا يقتصر الآن على تخبئة الرجل الثائر في الحمام أو نقل قنبلة في سلة البصل كما في ثورة 1936 ، أو أنتظار أبن العم للعودة من الحرب منتصراً ثم الزواج به ، هي الآن خرجت الى دائرة الفعل فهي تقفز عبر النار مثل الشاب ، لتصبح شريكة في عملية التحرير للتخلص من الواقع المؤلم ، فهي لا تنتظر النتائج بل تسعى للعمل على تحقيقها . ويقول العجوز " لو هيك من الأول ما كان صار لنا شيء " ، أي أن هذا الطريق سيمنع تكرار ما حصل عام 1948 ،ووافق أبو سعد مدهوشاً من الدموع التي رآها في عيني جاره العجوز : " يا ريت من الأول هيك " ص67 ، أي يا ريت كنا منظمين ومسلحين وواعين وجميعنا يقاتل بما في ذلك النساء والصبايا منذ بداية المشكلة الفلسطينية . وبعد حوار مع العجوز يقول أبو سعد وهو يشد اليه أم سعد " هذه المرأة تلد الأولاد فيصيروا فدائيين ، هي تخلف وفلسطين تأخذ " ( لعل المباشرة هنا تصل درجة الفظاظة ، أذ تبتعد جداً عن فنيتها ) وتغير أبو سعد منذ تلك الظهيرة هكذا قالت لي أم سعد ، طبعاً قالت " الحالة صارت غير … الزلمة قال لي أنه صار للعيشة طعم الآن . الآن فقط " ، أذن فالثقة بالنفس والشعور بالقوة وبداية الأمل أرتبط عند الكاتب بتحول في العلاقة بين الذكر والأنثى نحو الأفضل ، ولعله أراد بهذا أن يتثبت عكس ذلك ، بأن غير المنضمين للثورة ينقصهم عنصر الرجولة ، وعلاقاتهم الجنسية مشكوك فيها ، وليس أنضمام الفتيات للثورة عيب بل هو الصحة والكرامة ، بينما مواصلة التقوقع والأبتعاد عن العمل الثوري المنظم تؤدي لأستمرار أنتهاك الكرامة وحتى للضعف الجنسي . هكذا تنتهي رواية أم سعد ، وقد نجح الكاتب بتوصيل مراده ، وأن كنا نشعر أحياناً أن أم سعد تكاد تكون أماً قاسية ، ولكن لقسوتها ما يبررها ، فهم يعيشون في الوحل والسجن وتنظيف بيوت الآخرين فماذا بقي ليخافوا عليه ! وفي النهاية لعل رواية أم سعد من أنجح الروايات السياسية التعبوية الملتزمة وبالأمكان وصفها بأنها رواية تغيير المفاهيم ، ولكن الى جانب أهميتها وحرارة طرحها فقد كان فيها الكثير من المباشرة وقد عانت أم سعد نفسها ( المرجعية ) من وطأة الأيديولوجية وتدخل الكاتب الواضح أحياناً بصياغة أفكارها وموقفها خصوصاً بالأمور المتعلقة بمشاعرها كأم ، وأن كان يحاول أخفاء ذلك بأستخدام لغتها البسيطة العامية ، لقد أراد الكاتب هنا أن يوصل رسالة واضحة للجماهير الفلسطينية تكاد تكون مباشرة ولكن هذا لا يعود لضعف في أدواته الفنية ، فقد سبقت هذه الرواية رواية ( ماذا تبقى لكم ) وهي رواية فيها فنية أكثر بعيدة عن المباشرة والشعاراتية ، ولكنها قد تحمل بعض الصعوبة لدى القارئ العادي ( الجماهير ) والتي كتب غسان لها كأيديولوجي وسياسي .

داليا الهواري
23-02-2007, 03:46 AM
عائد الى حيفا الأسئلة الفلسفية الصعبة

يقول ولتر باتر " الفن هو فك أزمة الصراع "، ويضيف لهذا القول جبرا أبراهيم جبرا "وسواء كان هذا الصراع سياسياً أو أجتماعياً أو نفسياً، فأنه المميز الهام في فن الرواية رغم المدارس الفنية التي نشأت حوله .الحرية والطوفان ص46 جبرا أبراهيم جبرا .
كتاب كثيرون كتبوا عن مأساة الشعب الفلسطيني ، منهم من عاش المأساة بشخصه ومرت التجارب القاسية على لحمه وفي دمه وعظامه ، فتركت على جسده وفي نفسه ندبات لم ولن يدملها الدهر ، منهم من أصبح لاجئاً بين ليلة وضحاها لكنه كان واعياً في تلك الفترة ، ومنهم من نجح في البقاء في وطنه فكتب تجربته ، ومنهم من سمع والتقط من أفواه الناس ومن الصحف والكتب ما حدث ثم كتب ، ومنهم من كان طفلاً لا يذكر شيئاً من النكبة ، ومنهم من ولد في المنفى فكتب تجربة المنفى بعد أن شرب حميمها وأكل زقومها حتى الثمالة ، ومنهم من كتب عن العلاقة بين الداخل والخارج ، بين الحنين والواقع ، أما غسان فقد كان في الثانية عشرة من عمره عند حدوث النكبة وشرد وأسرته من عكا الى لبنان ، أما المشترك بين جميع من كتبوا فهو أنهم حملوا مسؤولية ما حدث للشعب الفلسطيني لليهود وللأنكليز وللجيوش العربية المتقهقرة غير المنظمة ، وفي كثير من الأحيان دون تمحيص وبحث جاد ومقنع للقارئ المحايد أو ما يسمى القارئ الموضوعي ذو النظرة الأنتقادية ، نقلوا صوراً عن المجازر الوحشية البشعة التي أرغمت الفلسطينيين على الرحيل ، كتبوا عن الحق الذي أغتصب ، كتبوا عن الحنين ليافا وحيفا وعكا والجليل . في رواية عائد الى حيفا نلمس والتحليل النقدي الواعي والجريء ومواجهة عقدة الصراع . وبدون رحمة أو انحياز أو ممالأة للجانب الفلسطيني ، فنراه يواجه الواقع والكارثة التي حصلت بأنتقاد ذاتي شديد ! يصل أحياناً درجة توبيخ النفس وتأنيبها من خلال عقدة شعور بالذنب رافقته في معظم أعماله وبشجاعة نادرة ، فهو لا يتردد في طرح أصعب الأسئلة ، ومن المفاجئ أنه لا يعتبر أدانة اليهودي أمراً مفروغاً منه ، ومن ثم تحميله المسؤولية الكاملة لما حدث ، على الأقل ليس بكل ما حصل .
رواية عائد الى حيفا مواجهة مرة مع الواقع ،وهي رواية تعالج القضية الفلسطينية والتهجير من وجهة نظر فلسفية عميقة بعيدة عن السطحيات والكليشيهات الجاهزة ، تتساءل فيها ما هو الأنسان ! وما هو الوطن ! وما هي علاقة الأنسان بوطنه ! وما هي الأبوة والأمومة ! فيها يسبر الكاتب نفسيتين متشابهتين عاشتا نفس المعاناة لكنهما متصارعتان ، ضحية حلت مكان ضحية في صراع بقاء ، ليس لهذه أو تلك ذنب بما حصل فهما ضحيتان ، هي رواية المواجهة بين اليهودية ميريام الهاربة من بولونيا لتقطن في بيت عائلة سعيد س وزوجته صفية ، ميريام التي تلقت أيضاً الطفل _خلدون _ ابن الأسرة العربية كهدية من الوكالة اليهودية ! و( خلدون ) هو أبن سعيد وصفية الذي تركاه في سريره تحت وطأة الرعب والحرب ، ومن ثم ليصبح ملكاً للأسرة اليهودية ، فتتبناه وتطلق عليه الأسم الذي يحلو لها ، " دوف " . في هذه الرواية غير العادية تختفي التوصيفات التي عرفت بها شخصية اليهودي البشع عموماً في الأدب العربي ما بعد النكبة ، في هذه الرواية نراه أنساناً لا يختلف كثيراً عن الفلسطيني وكأنه توأمه بل يحمل نفس الهم والمشكلة ، أذ نجد أنه هو أيضاً هارب من ظلم ووحشية تعرض لها في أوروبا ، بل أن الكاتب يذكر ذلك الطفل اليهودي الذي قتله النازيون عندما حاول الهرب ، " كانت ميريام قد فقدت والدها في أوشفيتز قبل ذلك بثماني سنوات . وقبل ذلك حين داهموا المنزل الذي كانت تعيش فيه مع زوجها ، ولم يكن عند ذاك فيه ، التجأت الى جيران كانوا يسكنون فوق منزلها . ولم يجد الجنود الألمان أحداً ، ألا أنهم في طريق نزولهم على السلم صادفوا أخاها الصغير قادما أليها ، كان عمره عشر سنوات ، وقد جاء آنذاك ليخبرها _ أغلب الظن _ أن والدها قد سيق الى المعتقل وأنه الآن صار وحده . ألا أنه حين رأى الجنود الألمان استدار وأخذ يعدو هارباً . وقد أستطاعت أن ترى ذلك عبر تلك الكوة الضيقة التي تتيحها المسافة الصغيرة المتروكة بين مجموعة السلالم ، ومن هناك شهدت كيف أطلق عليه الرصاص " صفحة 48_49 ، عائد الى حيفا منشورات صلاح الدين 1976 . يتعامل الكاتب هنا مع اليهودي كوجه آخر لمشكلة الفلسطينيين ، بل هما وجهان لمشكلة واحدة هي مشكلة موجودة داخل الأنسان نفسه ، وهنا تكمن عظمة غسان المفكر والثوري الواقعي ، فسر قوة الكاتب بصدقه وملاحقته للحقيقة مهما كان ثمنها ، فهو لم يحاول التهرب من المسؤولية ومن الأسئلة الصعبة أو تغطيتها وتعليقها على مشجب ( اليهودي البشع ) ، بل أنه يملك جرأة فريدة في وضع الأصبع على الجرح ، أو لنقل على جرح واحد من جراح كثيرة ، حتى على أكثرها التهاباً . فاليهودية ميريام من أصل بولوني وهي بدورها ضحية للنازية ، تهرب من بلدها الأصلي لتنجو من الموت بعدما حصل لها ، وتأتي مرافقةً لزوجها الى فلسطين ، وهنا تقدم لهما الوكالة اليهودية بيتاً وطفلاً ، وذلك لأنهما محرومان من الأطفال ، هذا الطفل هو ( خلدون _ تصغير لأسم خالد ) الذي تركه والداه العربيان صفية وسعيد وهربا مع الجماهير المذعورة المدفوعة دفعاً بأتجاه ميناء حيفا ، ومن هناك الى عكا فلبنان فرام الله ، لا بد أن نلاحظ هنا الشبه الشديد بين الطفل اليهودي الذي قتله الألمان وهو شقيق ميريام الصغير ، وبين خلدون الفلسطيني الذي تركه أهله في السرير ، ألا أن اليهود لم يقتلوا الطفل خلدون بل ربياه لأنهما كانا يفتقدان للأطفال ومن ثم جعلاه أبنهما ، وكأنهما أبقيا على حياة خلدون كعملية تطهير من الذنب الفظيع الذي أقترفوه بحق والديه ( الحلول مكانهما في هذا الحيز من العالم والتسبب بتشريدهما ) . وظاهرة التطهير من الذنب هي ظاهرة أسرائيلية كانت معروفة في حروب أسرائيل مع العرب ، محاولة تطهير الذات والظهور بمظهر حضاري وأنساني من خلال الأبقاء على حياة الأطفال والضعفاء وتقديم المساعدة لهم ، أولاً لأقناع الذات بالنظافة وطهارة السلاح ( هذا ما حصل أيضاً في مظاهرة الأربعمئة الف بعد مجزرة صبرا وشاتيلا ، التي كانت عبارة عن صرخة تطهير للذات الداخلية أكثر منها صرخة تجاه الخارج _ الآخر _ ) __،ملاحظة ( في الأنتفاضة الأخيرة 1 00_ 2000 _ حدث تحول خطير في الحالة النفسية الأسرائيلية ، أذ قُتل فيها أطفال فلسطينيون بشكل متعمد لأهداف لا مجال الآن لتفصيلها وتحليلها وبدون أي شعور بالذنب ولا حتى محاولة للكذب على الذات ، خصوصاً أمعانهم بقتل الأطفال بعد ظهور محمد الدرة أمام العالم ، وهذا يحتاج الى تحليل نفسي عميق آخر ، كما لو كانوا تنازلوا عن قضية الشعور بالذنب ، ولم يعد يفرق معهم ) .
لنر الآن كيف أرغمت عائلة سعيد س ، على ترك بيتها مضطرة وكيف تركت أبنها الرضيع في السرير " كان المساء قد بدأ يخيم على المدينة ، وليس يدري كم من الساعات أمضى وهو يركض في شوارعها ، مرتداً عن شارع الى شارع ، أما الآن فقد بات واضحاً أنهم يدفعونه نحو الميناء ، فقد كانت الأزقة المتفرعة عن الشارع الرئيسي مغلقة تماماً ، وكان أذ يحاول الأندفاع في أحدها ليتدبر أمر عودته الى بيته ، يزجرونه بعنف ، أحياناً بفوهات البنادق وأحياناً بحرابها . صفحة 16 . ويستمر الكاتب بوصف دقيق لما قد حصل وكيف تُرك ( خلدون ) في السرير ، فسعيد لم يكن في البيت ، فهو كان في الحليصة مع المقاتلين وزوجته هي التي في البيت ، ولكنها خرجت من البيت الى الدرج لا تعرف ما تريده ، وفجأة رأت نفسها في موج الناس ، يدفعونها ، وهم يندفعون من شتى أرجاء المدينة ، في سيلهم العرم الجبار الذي لا يمكن رده ، كأنها محمولة على نهر متدفق مثل عود القش ، كم مضى من الوقت قبل أن تتذكر أن ( خلدون ) الطفل ما زال في سريره في الحليصة ؟ صفحة 20 . ومن هناك الى الميناء ليعيشا في المنفى ، ولكن طيف خلدون يبقى في ذاكرتهما حتى تأتي حرب حزيران وتسفر عن فتح الحدود ، ( طبعاً عكس التوقعات )، وحينئذ يقررا القدوم الى حيفا مثل بقية الناس ، وأثناء دخولهما حيفا يبدآ بتذكر الطفل الذي تركاه الى أن يصلا البيت ، ، فيلتقيان السيدة اليهودية التي أحتلت مكانهما والتي تبنت الطفل الذي كان أسمه خلدون وصار أسمه " دوف "، وتلتقي العائلتان ويدور بينهما حوار هادئ بدون صخب ، ولكنه فريد من نوعه في جرأته وعمقه وصدقه وفلسفته، هو من أجرأ الحوارات التي كتبت حول القضية الفلسطينية وفي مواجهة أنسانية حقيقية مرعبة .
تبدأ المواجهة عندما يصل سعيد . س وزوجته صفية الى بيتهما فيقرعا جرس الباب ، وعندما تطل العجوز ميريام التي تقيم في بيتهما تكون المفاجأة ، لقد أعتدنا أن يغلق اليهودي الباب بوجه الفلسطيني ، ,أن ينكر حقه حتى في زيارة بيته محاولاً التهرب من المواجهة الأنسانية مع صاحب هذا الحق ، ولكن أمراً جديداً حدث هنا ،لم تغلق الباب بوجهيهما ! ولم تقل لهما أنقلعا من هنا هذا ليس حقكما ( كما يحدث عادة في أعمال أخرى ) ، بل أبتسمت وقالت " منذ زمن طويل وأنا أتوقعكما " ص34 . أن أبتسامة ميريام وأعترافها أنها تتوقعهما يثير التساؤل ! عملياً فأن ميريام تعترف بحقهما ولكنها لا تريد الأفصاح صراحة !لأن هذا الأعتراف يعني عدم شرعية وجودها ! ( نلاحظ أنه نفس مبدأ عدم الأعتراف بحق العودة الذي تتبناه حكومات أسرائيل المتعاقبة لأنه يعني نهاية دولة أسرائيل كدولة يهودية ) ، ولكن ما دامت تتوقعهما وتعترف بحقهما فكيف تتعايش مع حقيقة أنهما مشردان بينما هي تعيش بدفء بيتهما ! بل وحصلت على أبنهما كهدية ! وهل يريد الكاتب القول أن القضية هي معركة صراع بقاء والبقاء يكون للأقوى ! رغم قساوة هذا الواقع ! وأن هذا ينطبق على اليهودي كما ينطبق على العربي !
ميريام لم تستقبلهما بعصبية بل هي متوقعة أن يعودا ، وهي الآن جاهزة نفسياً لأستقبالهما ومواجهتهما ، ونلاحظ أيضاً محاولتها التحرر من الذنب ، بل ربما كانت تشعر بأعتزاز ما أنها ربت أبنهما البيولوجي ( الذي تركاه ) ، بل هي ستترك " خلدون _ دوف " فيما بعد ليوجه لهما الأسئلة الصعبة الحارقة ، والتي ستجعلهما يشعران بذنب شديد ، وبالمقابل ستشعر هي بطمأنينة نفسية وتفوق أخلاقي عليهما في محاولة لتحميلهما مسؤولية ما حدث على الأقل لخلدون أبنهما ! _ " كيف يترك والدان أبنهما في السرير ويهربان " ! سؤال يوجهه _ دوف، خلدون _ ص76 ، أنها متأكدة من أنتصارها الأخلاقي الآن خصوصاً وأن ما حصل فرض عليها فرضاً ، أي أنها في لا وعيها ضد أن تحتل بيتهما والأستحواذ على أبنهما ، ولكن الواقع فرض عليها هذه القساوة ، لأنه كان خيارها الوحيد بين القدوم الى حيفا والحلول مكانهما أو الفناء برصاص النازيين ، وهنا يمضي الكاتب لتأزيم الموقف أكثر وليس الى تبسيطه أو محاولة التخلص من المواجة الفلسفية والأخلاقية ، وكأنه يقول سألاحق الحقيقة حتى النهاية !
فاليهودية أتت مرغمة وتحت وطأة القوة الطاغية ، وأحتلت بيتهما لأنه ليس لديها مفر ، ولكنها أبقت على حياة أبنهما الذي تركاه ، لدينا الآن معادلة _ ولد يهودي هارب يطلق عليه الرصاص = ولد فلسطيني عاجز في السرير _ طفل يهودي يطلق عليه الرصاص = طفل فلسطيني نسي في السرير لكن تمت تربيته وتحويل ديانته _ فالأنسان بقي هو نفسه لكنه تغير بتغير التربية والمحيط الذي نما داخله . فهي أذاً ليست مجرمة ولم تفعل ما فعلته لأجل الأنتقام من العربي ، بل فعلته تحت وطأة الضغط والظروف . من جهة أخرى فقد هربا هما أيضاً تحت وطأة الضغط العسكري ( تطابق الظروف _ نازيون في بولونيا = عصابات مسلحة يهودية في فلسطين _ طفل يهودي = طفل عربي _ عائلة يهودية = عائلة عربية _ ) هروب من بولونيا = هروب من فلسطين . العائلة العربية تركت أبنها في السرير لنفس السبب ولكنها عملياً فقدت الصلة المباشرة به وما عاد يشعر بأنتمائه لها .
، وأنحنى سعيد الى الأمام وسألها : _ هل تعرفين من نحن ؟
وهزت رأسها بالأيجاب عدة مرات لتزيد الأمر تأكيداً ، وفكرت قليلاً كي تنتقي كلماتها ثم قالت ببطء :أنتما أصحاب هذا البيت وأنا أعرف ذلك "
_ كيف تعرفين ؟ وزادت العجوز ( ميريام ) بأبتسامتها . ثم قالت :
_ " من كل شيء . من الصور ، من الطريقة التي وقفتما بها أمام الباب . والصحيح أنه منذ أنتهت الحرب جاء الكثيرون الى هنا وأخذوا ينظرون الى البيوت ويدخلونها ، وكنت أقول كل يوم أنكما ستأتيان لا شك . صفحة 35 . أبتداء من هذه اللحظة يحتدم النقاش الفلسفي ذو الصبغة الأنسانية العميقة ، ولكن ببساطة ووضوح رغم عظم العقدة . تقول المرأة اليهودية " أنا آسفة ولكن ذلك كان ما حدث . لم أفكر قط بالأمر كما هو الان " ." أبتسم سعيد بمرارة ولم يعرف كيف يقول لها أنه لم يأت من أجل هذا وأنه لن يشرع في نقاش سياسي ، وأنه يعرف أن لا ذنب لها . "لا ذنب لها " . لا ليس بالضبط ! كيف يشرح لها ذلك ؟." ( الكاتب لم يصدر على الأمرأة اليهودية القادمة من بولونيا حكماً صارماً غير قابل للنقاش ، كأن يقول لها عودي الى بولونيا مثلاً ، لقد أختار الكاتب أن يشرب كأس الواقع المر حتى الثمالة ) ، ففتح الباب على مصراعيه للاسئلة الصعبة الحارقة ، لم يختر الطريقة السهلة بألقاء شعار ما على عواهنه ليرتاح من المواجهة الحقيقية ومن السؤال الصعب الذي يوجهه لهما أبنهما ( دوف _ خلدون ) فيما بعد " كيف يستطيع الأب والأم ترك أبنهما وهو في شهره الخامس وأن يهربا ؟ " وكيف يستطيع من هو ليس أمه وليس أباه أن يحتضناه ويربياه عشرين سنة ؟ أتريد أن تقول شيئاً يا سيدي ؟ " صفحة 78 . ولعل تساؤل الشاب لوالديه البيولوجيين هو أصعب سؤال يطرح في الرواية ، وغسان هنا يلوم الفلسطيني ويشعر بالذنب الذي أقترفه ، حتى لو هربت لا يمكن فهم ترك طفل في السرير رغم كل المخاطر .
وبعد أن تقدم لهما ميريام الضيافة تحكي لهما كيف سكنت في بيتهما وكيف أخذته مع الطفل عن طريق الوكالة اليهودية ، هذا الطفل كبر وصار جندياً في جيش أسرائيل أسمه دوف بدلاً من أسمه العربي خلدون ، وعندما يسألها سعيد ،س متى سيحضر ؟
تقول __ " وقت أوبته الآن ، ولكنه قد يتأخر قليلاً . لم يلتزم طوال عمره بموعد لعودته الى البيت ، أنه مثل أبيه تماماَ .. " صفحة 53 ، وتقصد هنا أباه اليهودي المتبني وليس البيولوجي ، فقد أكتسب الطفل الأبن عادات الأب وأن لم يكن هذا الأب أباه الحقيقي .
، هل صدفة أن الكاتب أختار لليهودية أسم ميريام ؟ ميريام أسم له بعد تاريخي ديني ! ربما أختاره للتذكير بأن اليهود قريبون من العرب تاريخياً ! ولهذا الأسم دلالته ، فهو أسم له قدسيته في الدين المسيحي والأسلامي ، ونلاحظ أن ميريام هذه لا تنجب ولكنها حصلت على أبن هو " خلدون " والذي أتاها كهدية ( من السماء ! ) فأطلقت عليه أسم "دوف " ، أذاً فهي ميريام ولا تنجب ! ولكنها حصلت على أبن لها من الوكالة اليهودية ، وكأن الكاتب يريد أن يقول ربما بلا وعي منه أن ما حدث هو من صنع القدر وليس للأنسان سلطة عليه ، وأما " دوف " فهو ، الدب ، وكذلك الحمامة " وأعتقد أن الكاتب قصد الدب ، !وكأنه أراد القول بلا وعي منه أن هذا الخلدون الفلسطيني تحول الى " دب " بعد أن تمت تربيته في أسرة من أصل بولوني ! .وأن هذا الدب " دوف " الضابط الأسرائيلي ستتم مواجهة حتمية بينه وبين خالد ( شقيقه البيولوجي ) أبن سعيد وصفية الذي يتمنى سعيد أن يجده قد أنضم للفدائيين ( الحل ) ! . يمعن الكاتب بتأزيم الموقف أكثر فأكثر فقد ذكرت السيدة اليهودية أن " دوف _ خلدون " مثل أبيه ، قاصدة زوجها اليهودي الذي تبناه ، " مثل أبيه " وفجأة سأل نفسه :" ما هي الأبوة "؟ وكان كمن فتح مصراعي شباك أمام أعصار غير متوقع " ص54 . هذا السؤال يخبرنا الكاتب أنه كان كامناً في رأس سعيد منذ عشرين عاماً دون أن يجرؤ على مواجهته ، ويطرح الكاتب سؤالاً جريئاً غير متوقع ، ما هي الأبوة ! هذا السؤال يطرحه على نفسه ذلك الأب الذي ترك أبنه في السرير طفلاً ، فهل الأبوة هي بمجرد الأنجاب أم أن الأبوة هي لمن يربي هذا المولود ؟ . أذاً لدينا والد بيولوجي ووالد بالتبني ، لدينا شقيقان ، " خلدون _ دوف " وخالد "، والشقيقان سائران الى صراع حتمي لأن خلدون ضابط أسرائيلي وخالد سينضم للفدائيين ، أذاً فهل هو صراع أشقاء ! ولماذا أطلق أسم سعيد س على الوالد ! سعد وسعيد في رواية أم سعد كانت لهما دلالة معينة هي التفاؤل ، وأما هنا فالأسم يتناقض مع دلالته ، أذاً هل هي السخرية المرة ! وخصوصاً أنه أضاف حرف س كرمز لأسم العائلة ، هل أراد أن يترك وهماً لدى القارئ أن القصة حقيقية وحتى أسماء أبطالها ! فهو لم ينتهج أسلوب كتابة حرف واحد من أسم أي من أبطال قصصه الأخرى .
تقول ميريام " أتعتقد أن الأمر لم يكن مشكلة لي كما كان مشكلة لك ؟ طوال السنوات العشرين الماضية وأنا محتارة ، والآن دعنا ننتهي من كل شيء ، أنا أعرف أنك أبوه ، وأعرف أيضاً أنه أبننا ! ومع ذلك لندعه يقرر بنفسه ! لندعه يختار . لقد أصبح شابا راشداً ( تحاول ميريام هنا أضفاء صفة الشرعية على أمتلاكها لخلدون وبأختلاق عدالة وهمية تتلخص بأتاحة الخيار له رغم علمها المسبق بموقفه ) . صفية تقول بسذاجة " أنه أختيار عادل " وهي واثقة أن خلدون سيختار والديه الحقيقيين " لا يمكن أن يتنكر لنداء الدم واللحم " هنا يطرح الكاتب مسألة فلسفية جدية أخرى ، هل الأنسان من لحم ودم بالفعل فقط وسيحمل الصفات الوراثية حتى لو ترك طفلاً لدى الآخرين ! أم أن التربية والمحيط والبيئة هي التي ستحسم أنتماءه ! فصفية تخاطب الغريزة البدائية بأن هذا الشاب لايمكن أن يتنكر لنداء الدم واللحم وهذا موقف بدائي بلا شك ، ولكن زوجها " سعيد س " يضحك بكل قوته ، " أي خلدون يا صفية ؟ أي لحم ودم تتحدثين عنهما ؟ وأنت تقولين أنه خيار عادل ، الى أن يقول "لقد أنتهى الأمر . سرقوه ." ويقول سعيد س لقد بدأت الجريمة قبل عشرين عاماً ، ولا بد من دفع الثمن .. بدأت يوم تركناه هنا " .
وترد صفية " ولكننا لم نتركه ، أنت تعرف "
_ بلى . كان علينا ان لانترك شيئاً . خلدون والمنزل وحيفا ، صفحة 57،
أذاً فهذا أعتراف من قبل الكاتب بأن الأنسان الفلسطيني يتحمل قسطاً من المسؤولية بما حدث له لأنه تَرك ، ولا يمكن تحميل مسؤولية كل ما حدث لليهود والأنكليز ، وفي الواقع قد يكون غسان قد تفرد بهذا الموقف من بين الكتاب العرب عموماً الذين قفزوا عن مثل هذه الأسئلة الصعبة . وتبلغ ذروة هذا اللقاء عندما يدخل " دوف _ خلدون " ببزته العسكرية الى البيت وتقول له ميريام اليهودية "توجد مفاجأة لك "، وتخبره أن هذين هما والداه ، وبعد صمت يقول " أنا لا أعرف أماً غيرك ، أما أبي فقد قتل في سيناء قبل أحد عشر عاماً " وبعد ذلك يتساءل " وماذا جاءا يفعلان هنا ؟ لا تقولي لي أنهما جاءا لأسترجاعي ! ثم يسأل سعيد " والده البيولوجي ، ماذا تريد يا سيدي ؟ " ويجيبه سعيد " لا شيء لاشيء أنه مجرد فضول كما تعلم " صفحة 73 .
ما يريد الكاتب قوله هنا أن الأنسان قضية وليس من لحم ودم فقط ، الأنسان ينمو وينشأ وتتحكم بمصيره ظروف معينة محيطة قد تكون فوق قدرته على فهمها أو حتى مواجهتها ،هذا ما حصل للعائلتين اليهودية والعربية ، وتأكيداً لفكرة أن الأنسان قضية بغض الطرف عن أنتمائه العرقي ، فهو ينتقل الى موقف مشابه لعائلة عربية حلت لتعيش في يافا مكان عائلة عربية أخرى كانت قد رحلت ، أي أن ما قام العربي مشابه من حيث المضمون لما قام به اليهودي عندما وضع في نفس الظروف ،لأنه مضطر هو الآخر ، وبدلاً من الطفل العربي المتروك في السرير سنجد صورة شهيد من أفراد العائلة التي تركت البيت ما زالت معلقة على الجدار . يحدث "سعيد س " زوجته صفية بهذه القصة فيقول " أتعرفين ما حدث لفارس اللبدة ؟ ص57 ، ويبدأ سعيد يحكي لزوجته صفية ما حدث لفارس ، وذلك عندما تقوم ميريام وتتركهما في الغرفة وحيدين ! يحكي لها قصة فارس اللبدة جارهما في رام الله الذي جاء قبل أسبوع الى يافا الى بيته وقرع الباب فأطل منه شاب مد يده ليصافحه فيرفض فارس مصافحته وقال له " جئت لألقي نظرة على بيتي . هذا المكان الذي تسكنه هو بيتي أنا ، ووجودك فيه مهزلة محزنة ستنتهي بقوة السلاح . " صفحة 59 ، وتكون المفاجأة أن الرجل الذي يقطن بيت فارس هو عربي يحتضنه ويقول " لا حاجة لتصب غضبك علي فأنا عربي أيضاً ، ويافاوي مثلك ، وأعرفك ، فأنت أبن اللبدة … أدخل لنشرب القهوة " صفحة 60 . والمفاجأة أنه أي فارس يجد أن صورة أخيه بدر الذي أستشهد دفاعاً عن يافا عام 1947 ما زالت معلقة مكانها كما تركها قبل عشرين عاماً ،بل أن الرجل الذي سكن مكانه قد أطلق على أحد أبنائه أسم " بدر" على أسم الشهيد شقيق "فارس اللبدة " والذي أبقى صورة الشهيد بدر معلقة منذ عشرين عاماً ،( نلاحظ هنا التشابه ( خلدون _ الذي تحول الى " دوف " في الحالة الأولى بينما هنا نجد صورة للشهيد بدر ما زالت مكانها ) ، العائلة اليهودية القادمة من بولونيا حاولت تغيير الماضي _ تزييفه بفرض واقع جديد وتربية خلدون تربية يهودية _ العائلة العربية تمسكت بصورة الشهيد محافظة على الأتصال بالماضي . وعندما يعود فارس الى رام الله يأخذ معه الصورة ولكنه في اليوم التالي يعيدها قائلاً ": لقد شعرت أنها ليست من حقي " ويقصد أنها من حق من بقي وحافظ على البيت ، أما الشاب الذي يقطن في بيت اللبدة فيقول له عندما يعيد الصورة " شعرت بفراغ مروع حين نظرت الى ذلك المستطيل الذي خلفته على الحائط ، وقد بكت زوجتي وأصيب طفلاي بذهول أدهشني ، لقد ندمت لأنني سمحت لك باسترداد الصورة ففي نهاية المطاف هذا الرجل لنا نحن ، عشنا معه وصار جزءاََ منا ، وفي الليل قلت لزوجتي أنه كان يتعين عليكم أن أردتم أسترداده أن تستردوا البيت ويافا ونحن .. الصورة لاتحل مشاكلكم ولكنها بالنسبة لنا جسركم الينا وجسرنا اليكم "ص 67 . نلاحظ هنا أيضاً أن الصورة أصبحت ملكاً شعورياً ونفسياً لمن سكن البيت ولم تعد حتى لشقيق الشهيد ، كما أصبح خلدون ملكاً للعائلة اليهودية ، وأذا كان بالفعل يريد أستردادها عليه أن يحمل السلاح ويسترد يافا كلها وليس الصورة فقط ، كذلك أذا أرادوا أسترداد خلدون وحيفا عليهم التوجه للصراع . هنا أيضاً تطرح أشكالية أن الأنسان قضية ، وصورة أبن اللبدة الشهيد " بدر " تشبه قضية "خلدون " فكلاهما قضية ، لأن خلدون " دوف " سيقول " أنا لم أعرف أن ميريام وايفرات ليسا والدي ألا قبل ثلاث سنوات أو أربع ، منذ صغري وأنا يهودي ، أذهب الى الكنيس والى المدرسة اليهودية وآكل الكوشير ، وأدرس العبرية ، وحين قالا أنني لست من صلبهما لم يتغير شيء.. وكذلك حين قالا لي أن والدي هما عربيان ، لم يتغير شيء . لا لم يتغير ، ذلك شيء مؤكد .. أن الأنسان هو في نهاية الأمر قضية . " ص 76 " أليس الأنسان هو ما يحقن فيه ساعة وراء ساعة ويوما وراء يوم وسنة وراء سنة ؟ أذا كنت أنا نادماً على شيء فهو أنني أعتقدت عكس ذلك طوال عشرين سنة " ص81_ 82 . وبعد أن يصطدم في هذا الواقع ، يسأل نفسه ما هو الوطن ؟ وهو أيضاً سؤال فلسفي صعب ، " أهو هذان المقعدان اللذان ظلا في هذه الغرفة عشرين سنة ؟ الطاولة ؟ ريش الطاووس ؟ شجر البلوط ؟ صورة القدس على الجدار ؟ " الخ . بعد هذا يقف " خلدون _ دوف "، ويتهم والديه البيولوجيين بالجبن لأنهما تركاه ولم يحاولا أستعادته ، ولكن صفية تطرح سؤالاً فلسفياً مرة أخرى ، " ولأننا جبناء يصير هو كذلك " ؟ ثم يحدثه سعيد س :
" زوجتي تسأل أن كان جبننا يعطيك الحق في أن تكون هكذا ، وهي كما ترى تعترف ببراءة بأننا كنا جبناء، ومن هنا فأنت على حق ، ولكن ذلك لا يبرر لك شيئاً ، أن خطأ زائد خطأ لا يساويان صحاً ، ولو كان الأمر كذلك لكان ما حدث لأيفرات ولميريام في أوشفيتز صواباً " . أذا مرة أخرى يجري الكاتب مقارنة بين ما حدث للفسطيني في حيفا وبين ما حدث لليهودي في بولونيا ،( هروب اليهودي وهروب الفلسطيني ). ليقول أن الأنسان قضية شمولية أكثر من كونها حسابات ربح وخسارة ،وقد خربط الكاتب الشخصيات وجعلها متداخلة ليقول أن القضية ليست بين يهودي وفلسطيني بل هي بين أنسان وأنسان ! أنسانان تعرضا لنفس الظروف وتصرفا نفس التصرف ! ضغط تبعه _ هروب ، ثم _ أحتلال مكان الآخر _ النازي ضغط فهرب اليهودي = ضغط اليهودي فهرب الفلسطيني ، اليهودي أحتل بيت العربي وأخذ أبنه = العربي في يافا قطن مكان العربي وأستولى على صورة شقيقه الشهيد فصارت ملكاً له ، اليهودي خائف لكن هذا لا يبرر تصرف النازي = الفلسطيني خائف لكن هذا لا يبرر تصرف اليهودي . أذاً كيف سيحل هذه الأشكالية الأنسانية ؟ فيسأل سعيد دوف _ خلدون " وأنت تعتقد أننا سنظل نخطئ ؟ وأذا كففنا ذات يوم عن الخطأ ، فما الذي يتبقى لديك ؟ " ص87 . ويصل الى نتيجة أن الحرب هي التي ستغير وتصحح الأخطاء ، " ألم أقل لك أن كان يتوجب علينا ألا نأتي .. وأن ذلك يحتاج الى حرب . هيا بنا " لقد عرف خالد ( ابنهما ) ذلك قبلنا .. آه يا صفية آه .. وعندما خرج من بيته قال مخاطباً " ميريام وخلدون _ دوف " تستطيعان البقاء مؤقتاً في بيتنا ، فذلك شيء تحتاج تسويته الى حرب " وتنتهي الرواية عندما يقول " أرجو أن يكون خالد قد ذهب .. أثناء غيابنا " ص91 ويقصد ذهاب أبنه خالد الى الفدائيين لينضم اليهم . أذاً فالذي أراد الكاتب أن يصل أليه أنه لا يمكن مخاطبة اليهودي الذي أحتل بيتك من موقع الضعف ، وكي تستطيع أن تخاطبه عليك أن تكون نداً له ، أن تصارعه وبعد ذلك يمكن الحديث أو التفاوض معه ، لأن التفاوض في هذه الزيارة تم من موقع الضعيف ، وعليه في المرة القادمة أن يكون من منطلق القوة أو الندية ، وأذا نظرنا الآن الى الثلاثين عاماً الماضية نجد أن رؤية الكاتب قد أصابت ، فالمجتمع الدولي ( الأنساني ) لا يرحم الضعفاء ، وكي تجد لك مكاناً محترماً على وجه الأرض يجب أن تكون قوياً ، حينئذ فقط ستحترم أيها الأنسان في كل زمان ومكان ، وسيكون بأمكانك أن تفاوض وسوف تحصل على حقوقك بقدر قوتك .

داليا الهواري
23-02-2007, 03:47 AM
المسافر الأبدي

( سقراط وأفلاطون نظرا الى الفن نظرة أخلاقية ، وكانت نظرة أرسطو تربوية ، غير أن الفرق بين النظرة القديمة والجديدة هو أن علماء اليوم جمعوا معاً : الأخلاقية والتربوية ، وأضافوا اليهما الطابع الأجتماعي والطبيعي ، ووجدوا أن الفنان في أبداعه الفني يخضع لثلاثة عوامل أو مؤثرات ، البيئة الطبيعية _ الأجتماعية والجنس والأخلاق ، وأن كان دريكايم يغلب الطابع الأجتماعي على كل أبداع . فصول في علم الجمال ، عبد الرؤوف برجاوي ص 176 _ 177
لقد تحولت حياة الفلسطيني الى سفر وترحال طلباً للرزق أو الأمان أو العلم ، ولهذا نجد أن موتيف الترحال والسفر والرسائل القادمة من بعيد أو المرسلة الى البعيد ، تحتل حيزاً محترماً في أدب غسان كنفاني ، فكثيراً ما نجد بطله مسافراً عبر الصحارى والطرق السريعة أو سيارات الأجرة أو القطارات والمطارات ، أو أنه في غرفة بعيدة وحيداً يشكو العزلة ، . وهذه باقة من هذه الحالة الملفتة التي أستخرجتها من قصصه القصيرة ( المجلد الثاني من الأعمال الكاملة ) ، ولكنني تجنبت القصص والتنقلات التي كانت في فلسطين نفسها كما في قصص عن الرجال والبنادق ، لأن التنقل لم يكن بسبب اللجوء والهجرة ، والأمثلة التي أسوقها هنا تعبر عن التنقلات الأضطرارية في الغربة .
__ القطار اللاهث يصعد الطريق الجميل الى طهران . شيء لا يذهب ص57
__ لست أدري لمن سوف أرسل هذه الرسالة . منتصف أيار ص71
___ وغبت عنك بعيداً حيث أقتلع عيشي أقتلاعاً ، ص 104 في جنازتي
___ لقد كانت الرحلة شاقة حقاً .. أن المركب الذي حمل هذا الحشد الطموح عبر الجنوب .. ثم صعد المضيق الى الشمال قاصداً ركن الخليج . ص139 موت سرير رقم 12
__ كنا نعرف أيضاً أدق التفاصيل عن بطولة الذين أتوا من بعيد كي يعيشوا ، فماتوا من فرط ما تاقوا للعيش ص156 لؤلؤ في الطريق
__ ما كاد السيد علي يطمئن على مقعده في سيارة الركاب حتى لمح وجه السيدة زينب تجلس في الجانب الآخر . ص167 الرجل الذي لم يمت .
___ آه لو يستطيع الرجل الكئيب أن يذهب ! الى أين ! هذا لا يهم فقط لو يستطيع ان يذهب . ص183 الرجل الكئيب .
__ لقد مشيت كثيراً حتى تعبت أمي ، 194 المجنون .
__ وأستغرقت رحلتنا ثلاث ساعات . ص227 قلعة العبيد .
__ كان علي أن أتنقل بين ثلاث قرى لأؤدي دروسي فيها __ ، كان ركوب السيارة امراً مرهقاً حقاً ، كنت أحاول أن أنام أحياناً خلال الطريق . ص237 ستة نسور وطفل
__ وحينما شاهد أول سيارة أجرة أشار اليها وأندفع الى المقعد الخلفي . ص 249 القط
__ حينما كنت أنقل نظري في وجوه رفاق السفر كنت أحس بوضوح كم هي قاسية رحلتنا ، شعورهم بيضاء من الغبار . ص259 الخراف المصلوبة
__ لقد أنزلته السيارة على باب الفندق . 291 الأفق وراء البوابة
__ سآتي من فلسطين ماشياً على قدمي ، كما أتيت في المرة الأولى ، وسأبحث عن الشرطي هذا ما استطعت ، ثم سادعوه ليقضي شهراً كاملاً في طيرة حيفا على حسابي , ص 339 ورقة من الطيرة
__ ومست شفاهك الباردة وجنتي وأدرت عني وجهك ميمماً شطر الطائرة ، وعندما التفت الي مرة ثانية كنت أرى دموعك .. ص 343 ورقة من غزة
___ كانت سيارة شحن كبيرة تقف في باب دارنا ، وكانت مجموعة بسيطة من أشياء النوم تقذف اليها من هنا وهناك بحركات سريعة ص363 أرض البرتقال الحزين
___ ولكن ما الذي قاده الى الموصل ؟ أنا أعرف أنه يعيش في بغداد .. __ أتريد أن أقول لك نفس كلامه ؟ قال أنه يريد أن يخطو نحو اللد ، أن الزيف الذي غرقت فيه بغداد قد قطع في صدره كل أمل .. ص387 قتيل في الموصل
___ فور أن شاهدتها في الأفق سقط أسمها في ذهني دون أن أقرأه أو أسمعه : كانت الطريق أقصر مما ظننت ، وقد شاهتها عن بعد فكففت عن التجذيف ، وأخذت اتأملها وهي مكومة في الأفق كجبل اسود في المدى المترامي لزرقة البحر . ص444 كفر المنجم
___ قادتنا الظروف نفسها تقريباً للسفر الى هناك .. لقد قبلنا بنوع من الأختيار البطل ، أن ننفي أنفسنا مقابل أن نرسل لعائلاتنا ما يقيم اودها . ص 461 عشرة أمتار فقط
___ أول مكان ذهبت اليه بعد وصول الطائرة كان ذلك المكان الذي حلمنا أن نشاهد فيه اللحم والحب والأكتفاء ص 490 علبة زجاج واحدة
__ ألا تكتب لك ؟ _" طبعاً كل ستة شهور مرة ، أنت تعرف أنهن لا يفكرن بامهاتهن كثيراً ، ص544 الشاطئ
__ وبعد عشر دقائق قرر أن يطلق لسيارته العنان ، فالطريق واسع وطويل ويمتد حوالي سبعة أميال في خلاء شبه صحراوي ص561 رسالة من مسعود .
___ لقد ولد عامر من أب أيطالي وأم فرنسية وكان الأثنان يعملان في السلك السياسي هنا منذ زمن بعيد حينما تعارفا ، وأذا كان قد أتفقا كثير من الأمور فأن الشيء الأهم الذ يجمعهما هو حبهما للشرق . ص574 رأس الأسد الحجري .
___ عزيزي رياض ، لا شك أنك تقول الآن أنني قد جننت ، فهذه ثاني رسالة أكتبها لك في يوم واحد .. ص591 العروس
___ مع أشعة الشمس التي كانت تأكل راسه وهو يضرب في صحراء النقب . ص 793 الى أن نعود
__ رأيناه أول مرة جالساً في واحدة من تلك العرائش المتناثرة على طول الطريق الممتد في الصحراء بين بغداد والمفرق ص815 درب الى خائن
___ لقد سافر رياض الى الأردن ، بعد أنتكاسة نيسان الأخيرة . ص829 البطل في الزنزانة .
___ وفيما كان الباص ينسرب في أنفاس الشروق ، كان اللحن المجروح يكمل الطبيعة . ص869 كان يومذاك طفلاً .
أما في الروايات فأن رجال في الشمس تعتمد بالأساس على موضوعة السفر الأضطراري للبحث عن لقمة العيش ، فالأبطال يلقون حتفهم أثناء السفر في خزان تنقله شاحنة كبيرة ، وفي رواية ما تبقى لكم ، فأن حامد يمضي عبر صحراء النقب مشياً في طريقه الى أمه . وأما عائد الى حيفا فهي سفر معاكس ، هو سفر نحو الوطن ، أذ يأتي سعيد س وزوجته صفية الى حيفا من المنفى بعد حرب 67 ، ويدخلا حيفا في سيارتهما يتأملان شوارعها ، ولكنهما لا يلبثان أن يعودا مسافرين الى المنفى . وفي رواية أم سعد فأن السفر يكون من لبنان الى الأغوار ، فقد سافر سعد الى هناك كي ينضم للثورة ، الأمر الذي يشير الى أن موضوعة السفر القسري والرسائل المرسلة أو القادمة من بعيد أحتلت حيزاً محترماً من نتاج غسان الأدبي ، حتى يكاد لا يخلو منها عمل واحد ، وهذا أثبات دامغ على ما سبق وقلنا أنه أستمد أبداعه من الحوض الأجتماعي الذي عاش به .

داليا الهواري
23-02-2007, 03:49 AM
الكثافة السيكولوجية
مما يلفت ألأنتباه بسهولة أن أبطال قصص غسان يحملون كثافة سيكولوجية عالية جداً ، وهم أبعد ما يكونون عن الشخصيات المسطحة ، أي أن الكاتب دخل الى عالم البطل النفسي اكثر بكثير من أهتمامه بما يبديه من حركات ظاهرة على السطح ، حتى شكل ولباس البطل لم يكن ليهتم به ألا حين يخدم الوظيفة السيكولوجية ويضيء جانباً معتماً من الشخصية ، بل أن مهنة البطل أهملت في كثير من الأحيان ، فنقرأ كثيرا من القصص ولا نعرف بماذا أشتغل هذا البطل أو ( اللا بطل ) ، أما حيث ذكرت المهنة فهي وظيفة في مؤسسة ما ، وكثيراً ما تكون مهنة التدريس ( المهنة التي مارسها الكاتب ) أو يستبدلها بالهندسة أو بوظيفة كتابية أخرى ، وهذه أيضاً موضوعة تستحق الدرس . أما الأبطال ( اللاابطال ) فهم عادة على حافة الجنون والتصرفات العصبية والعزلة ترافق معظمهم ، ولهذه الشخصيات دائماً ما يبرر حالتها النفسية الغريبة هذه ، وتكمن قدرة الكاتب هنا أنه نجح بتوصيل واقع لامعقول ليصبح معقولاً ، مثلاً كي يقبل ثلاثة رجال أن يدخلوا خزاناً من الصلب في الصحراء يجب أن يكونوا مجانين ولكن عندما نقرأ نقتنع بأن دخولهم للخزان كان حقيقياً وليس ملفقاً ، وألا كيف كانوا سيعبرون الحاجز ويدخلون الى الكويت ؟ فرغم تصرفهم المجنون فهم تصرفوا بتعقل أزاء الواقع الذي وجدوا أنفسهم يتقلون فيه ، سنختار نماذج للبطل المنعزل والمتوتر نفسياً _ القصص _ الأعمال الكاملة ، .
__ كنت في غرفتي : غرفة عازب بجدران عارية تشابه أحساسه بالوحدة والعزلة ، أرضها متسخة بأوراق لا يدري أحد من أين جاءت ، والكتب تتكدس فوق طاولة ذات ثلاث قوائم رفيعة . البومة في غرفة بعيدة ص43 .
__ أطمأنت الأيرانية الحسناء أخيراً أنني لست لصاً ، أو لست لصاً خطيراً على الأقل ، فأستسلمت لأغفاءة قلقة ، شيء لا يذهب ص59 .
__ ألم يكن الأجدر بي وقد فشلت في حمل أزهار الحنون الى قبرك .. أن أستمر في الصمت الذي بدأ منذ أثنتي عشرة سنة ؟ يبدو لي أنه من المستحيل أن أستمر في صمتي . ص72 منتصف أيار .
__ لم أحس الأهانة على الأطلاق فلقد كان شعوري حينما كنت أشاهد حذاء رخيصاً يشابه شعوره ، ولكنني لم أكن أعبر عنه بهذه السذاجة ، كان الحذاء الرخيص يشعرني بأقتراب غامض بيني وبين العالم . ص84 كعك على الرصيف .
__ ولكنني في الحقيقة أنسان مريض فالدم الذي يحترق في لا قيمة له على الأطلاق : فهو دم يليق بأنسان عجوز ، نصف ميت ، نصف ساكن ، ليس في صدره سوى صناديق الماضي المقفلة ، ص101 في جنازتي .
__ قررت أن أصارحها مهما كلفني الأمر من ذلة ، ص115 الأرجوحة .
___ قلت لنفسي لقد فقد محمد علي أكبر أسمه أنه السرير رقم 12 . موت السرير رقم 12 ص129
__ ولكن الغرفة فيها بقيت صامتة كما كانت ، كان صمتاً من ذلك الطراز الذي يحتار الأنسان في تفسيره : الصمت يا ترى لأننا ودعنا عاماً حافلاً بالعذاب ؟ أم لأننا سنستقبل عاماً لا يبدو أقل عذاباً . ص155 لؤلؤ في الطريق .
___ ولكن السيدة زينب لم تتحرك ورأت زوجها كالذي به مس من جنون يجمع أدوات الحفر . حفر قبر ولدها ورغم ذلك فلقد بقيت خارج الدنيا . ص179 الرجل الذي لم يمت .
__ أنت تعيش وحيداً الآن أليس هذا الذي أردته ؟ هل كان من الضروري أن ينقطع الماء عن منزلك لتكتشف أنك وحيد ؟ ص 185 العطش .
__ أقرفص هنا منذ لم أعد كلباً صغيراً ، هذا المكان لي ، ليس من أنسان يقرفص فيه سواي ، ص189 المجنون
__ كانت في رأسه فكرة ملفوفة بشرنقة من حرير بنفسجي ، وكان يدور حولها دبور يستمتع بالأنتظار ، ولكن الفكرة كانت هناك ، وكان الدبور عاجزاً ، بملء رغبته عن الوصول الى ما داخل الشرنقة . ص201 ثماني دقائق .
__ هكذا يتحدث دائماص نفس الكلمات التي تجعلني أرتجف أمامه " بشكل رهيب " ورأسك في مكان آخر " وخامة صالحة " كل ذلك بدا لي ساعتها متهافتاً كزجاج شيء الصنع . ص216 أكتف الآخرين
__ يقولون أن عجوزاً نصف مجنون يسكنه __ وماذا يفعل في الخلاء لوحده ؟ __ ما يفعله أي نصف مجنون يخطر على بالك . ص228 قلعة العبيد .
__ كل هذا كنت أحتمله على مضض لسبب قد لا يعرفه سوى مدرس قام بعمله في القرى ، المدرس هناك شيئ مقدس . ص238 ستة نسور وطفل
__ فكرت كان القط على وشك الموت ؟ _ نعم أعتقد أنه كان ينتظر .. _ أذن .. لقد زحف الى هناك كي يموت هناك . 254 القط
__ لست املك ماء ولم أجد طوال النهار أية قطرة ، كان الحزن قد أخذ يتسع في عينيه حتى ملك كل شيئ وبدا لي أنه موشك على البكاء . ص264 الخراف المصلوبة
__ أسمح لي يا سيدي أن أرتجف أمامك ريثما يبرد الحساء أنت لن تمنعني من الأرتجاف ، اليس كذلك أنه حق ما زال متوفراً لي حتى الآن .. شيء مؤسف ولكنه حقيقة واقعة أن رجالك لا يستطيعون أن يمنعوني من ذلك . ص279 أبعد من الحدود
__ وفي العينين الصغيرتين المترقبتين ذاب كل الأصرار الذي حمله معه ، كأن قوة خفية تمسكت بحلقه وأخذت تهزه بلا هوادة . ص296 الأفق وراء البوابة
__ وقطع أفكاري مرور أبي عثمان من أمامي عائداً الى مكانه بعد أن دفن فاطمة ، وعندما حاذاني غير ناظر الي البتة تذكرت أنهم قتلوا زوجته ، وأن عليه أن يواجه مصاباً جديداً . 322 ورقة من الرملة
__ الحمد لله على أي حال ، الحمد لله أنني لم أكن خائناً ولاجباناً في يوم من الأيام ، ولو كنت كذلك أذن لما سامحت ذلك الشرطي . ص330 ورقة من الطيرة
__ كان كل شيء ساعتئذ يدور مع المحرك ذلك الدوران الصاخب وكنت أنت تقف أمامي بوجهك المليء بالصمت . ص342 ورقة من غزة
__ أنسحبت الأظافر فبقي جامداً واقفاً لمدى لحظات كالدهر لقد احس بالحياة تتسرب من جسده وبات أحساسه بالموت صلباً وكبيراً ولكنه لم يشأ أن يقع فتجالد واضعاً كفيه فوق وجهه ألا أن الموت كان قد وصل وسمعه يمشي فتخفق خطواته بالأناشي البعيدة لقد أتى من تحت تسلق ساقيه فأحس بالعجز ، ص355 الأخضر والأحمر
__ وبدأت الأمور تتعقد كان أبسط شيء قادراً بشكل عجيب على أستثارة والدك ، أنني أذكر تماماً يوم طالبه أحدهم بشيء لا أدريه ولا أذكره لقد انتفض ثم بدأ يرتجف كمن مسه تيار صاعق . 373 أرض البرتقال الحزين ،
__ كانت أمه عطشى وكانت حافة البئر مكتظة بمئات الرجال والنساء الذين ينتظرون فرصهم لكي يشربوا ولكي يعيشوا .. لقد زاحم الناس بأصرار رجل بائس وحينما عاد الى أمه بالماء الملوث بالتراب : كانت قد ماتت . ص380 قتيل في الموصل
__ صحيح أنه أنهيار عصبي .. ولكنه ليس هنا .. _ أين أذن ؟ __ أشار الى صدره وقال بهدوء : هنا __ الأنهيار العصبي لا يحدث هناك قط _ من قال لك ؟ _ الأطباء ـ أنهم مجانين . ص397 لا شيء
__ وأخذ حسان يحدق مهموماً الى الحسون محاولاً أن يكشف بنفسه سبب خوف الطائر المذعور منه ، ص413 عالم ليس لنا
__ وعلى الضوء الشاحب لعود الثقاب رأيت وجهه كما كان دائماً هزيلاً قاسياً بارداً وتحرت شفتاه : ذهب ليموت عند أهله ، الغزلان تحب أن تموت عند أهلها .. الصقور لا يهمها أين تموت ! ص436 الصقر
__ أذكر جيداً الآن ان أبراهيم قد أختفى في اليوم التالي .. شاهدناه آخر مرة واقفاً أمام لوحة الأسماء ، ألا ان أحداً لم يجرؤ على الأقتراب منه .. وما من شك أنه قرأ القوائم مرات طويلة بطيئة ويديه معقودتين وراء ظهره ثم أستدار دون أن ينظر الينا ومضى .. في اليوم التالي قيل أنه انتحر . ص441 كفر المنجم
__ تلك هي المرة الأولى التي يغادر فيها غرفته العارية منذ أربع سنوات على الأقل ، حتى أنه كان على وشك أن ينسى كيف يتعين على المرء أن يسير دون أن يقع . ص449 ذراعه وكفه وأصابعه
__ أمامي أكثر من نصف ساعة مسير شيء مضحك أن يضع الأنسان نفسه في سيارة مستفيداً من الحضارة ثم تبقى المسافة بينه وبين أنسانيته معطلة تماماً ص463 عشرة أمتار فقط
__ أنني اعتقد أنه طفل مجنون ، _ أجاب الأستاذ حسن : ولكنه ليس مجنوناً ، أنا نفسي أصلحت حذائي عند والده ، وحينما عدت عنده لأصلحه قالوا لي أنه مات . ص476 المنزلق
__ راودنا شعور بأننا ضيعينا شبابنا دون أن نعيش لم يكن بوسع أي منا أن يحدق الى تحت أكثر مما فعل ، كنا نصاب بشيء يشبه الدوار ، وكنا نحس بشيء يتقطع في صدورنا كلما هدرت الطائرة موغلة في غيوم آب العالية ،وكان التقطع هذا يبعث راحة عجيبة .ص483علبة زجاج واحدة .
___ هل تسمعين السيارات كيف تنعق كالضفادع وهي محملة بالبشر كالسردين ؟ أنه عار عار كبير تصوري يتزوجون بلا زفة ص505 عطش الأفعى
__ منذ بدأ يعي معنى الكلمات _ لا يذكر متى بالضبط _ وهو يسمع هذه الجملة من بين أسنان أبيه . لقد كان غريباً حقاً أن أباه كان الأنسان الوحيد في العالم الذي سنعه يتمنى لأبنه أن يكون حصاناً . ص511 لو كنت حصاناً
__ مهما يكن فأن السيد عبد الرحمن لم يكن يعتقد أنه نصف مجنون كما كانوا يقولون عنه . 526ص نصف العالم
__ مرة أخرى دارت القطة الناصعة البياض حول نفسها ألا انها عادت الى وضعها السابق وفكر الراهب الشاب في خطة القطة ، تراها ماذا ستفعل الآن ؟ ص541 الشاطئ
__ ولم يستطع مسعود بك أن يتخلص من فكرة ملأت رأسه فجأة : لقد تبدت له بادئ الأمر فكرة سقيمة ولكنه في مدى ساعتين فقط ، أعتادها تماماً متيقناً أن ليس ثمة أي مخرج عادها ، ولم يكن بحاجة الى أي دراسة للتفاصيل حين قرر أن ينهي حياته ويضع حداً بذلك لعامين وثلاثة شهور مزدحمة بالشقاء والتعاسة . ص570 جحش
__ كيف يمكن لأبي أن يفكر بالتخلي عن البيت الذي عاش فيه أكثر من ستين سنة ؟ كيف ؟ ألا تملأ صدره تلك الرائحة ؟ ص579 رأس الأسد الحجري
__ عزيزي رياض لا شك أنك تقول الآن أنني قد جننت ، فهذه ثاني رسالة أكتبها لك في يوم واحد ص 591 العروس
__ كانت العلب تبدو بعيدة ، وكنا نرتجف كحقل من القصب العاري ، ننط كي تظل الدماء تجول في عروقنا ، وبعد مليون سنة جاء دوري ، فناولتني الممرضة علبة حساء من مسحوق العدس . ص620 المدخل لمجموعة عن الرجال والبنادق .
__ كان ذلك في زمن الأشتباك ، أقول هذا لأنك لا تعرف أن العالم وقتئذ وقف على رأسه ، لا أحد يطالبه بالفضيلة .. سيبدو مضحكاً من يفعل.. أن تعيش كيفما كان وبأية وسيلة هو أنتصار مرموق للفضيلة ، ص717 زمن الأشتباك
__ وبين وبين نفسي كنت أحسب أنني أعاني من مرض خطير يجعل الأشياء تبدو مختلفة عما تبدو فيه للآخرين ص 729 الصغير يكتشف أن المفتاح يشبه الفأس .
ومثل هذا كثير .

داليا الهواري
23-02-2007, 03:49 AM
جسر الى الأبد
محاولة التخلص من الشعور بالذنب
رافق معظم أبطال كنفاني شعور بالذنب لتركهم الوطن وعدم الدفاع والتمسك به حتى النهاية وكما يجب ، ويبدو هذا واضحاً في ( عائد الى حيفا ) ، وفي قصة ( البومة ) في سرير رقم 12 التي ذكرناها وكذلك في قصص أرض البرتقال الحزين وغيرها ، لقد شبه الكاتب الأرض فلسطين بالأم ، فرأينا حامد يضع شفتيه على رمالها في النقب وكأنه يرضع من ثديها في (ما تبقى لكم ) ، ورأينا أبا قيس في رجال في الشمس ينام فوقها ويشعر بحرارتها وأنفاسها ، وهي الأمرأة التي تحضر الطعام لسعد ورفاقه في رواية أم سعد عندما يدخلون الى فلسطين . في مسرحية جسر الى الأبد ، تجري محاولة للتخلص من الشعور بالذنب ، وتحاول هذه المسرحية أثبات أن ما حصل للأم ( الوطن ) كان سيحصل لها حتى لو بقي ( فارس ) هناك . فطيلة المسرحية يشعر البطل فارس بالذنب لأنه ترك أمه ( وسافر ) فماتت لعجزها .
رجاء فتاة مدللة وجميلة منحدرة من أسرة برجوازية عربية تكاد تدهسه بسيارتها وهو ماض في الشارع يفكر بالأنتحار ، لماذا ! لأن شبحاً أتاه في الليل وأخبره بأنه قتل أمه لأنه تركها وسافر ( نلاحظ هنا التناص بين فكرة الشبح وقتل الأم مع فكرة الشبح وقتل الوالد في مسرحية هاملت لشكسبير ) . ويقول له الشبح أن عذابه سيستمر بسبب ذنبه الذي لا يغتفر وهو قتله لأمه ، عندما تنقله رجاء بسيارتها بعد ألحاح يخبرها أنه لا يتأثر من مثل هذا الجرح وفوراً يبرز لها كيف أن جرحه ألتأم بسرعة عجيبة ، ولكنه يحكي لها أنه قتل أمه .
" رجاء برعب : قتلت أمك ؟ قتلت أمك ثم تجيء لتقول أنك أنسان مسكين ؟ ( بتردد ) قل لي هل قتلت أمك يا فارس ؟
_- فارس ( بهزء ) قتلتها أجل يا رجاء قتلتها .. قتلتها
__ رجاء : ( بغضب شديد ) أذن ما الذي تريدني أن أفعله من أجلك ؟ أنت أنما تتلقى جزاءك .. هذا كل شيء .
فارس ( كأنه يبكي ) جزاء ؟
( نلاحظ أن هذا موقف الأنظمة العربية من قضية الشعب الفلسطيني في تلك الفترة ، وهي تحميل الضحية مسؤولية ما حدث ، وقد تم التعبير عنه هنا بقتل فارس لأمه لأنه تركها وسافر ، بل أن رجاء الفتاة اللطيفة التي دهسته بسيارتها تقول له أن هذا جزاء قتلك لأمك )
بعد هذا يبدأ فارس ورجاء بعملية بحث عن هذه الأم لأنه لا مكان لقبرها ، وعندما ييأس ويتركها ويعود الى البيت تلحق به رجاء أبنة الطبيب والتي تصل الى المشرحة وتتعرف على جثة والدته لتخبره بأكتشافها
_ رجاء : أفتح يا فارس أفتح
_ فارس : أتيت مبكرة يا رجاء اليوم هل من جديد ؟
_ رجاء مثارة : أفتح عجل أفتح
_ فارس : لحظة واحدة لحظة واحدة سأصل الآن ، لحظة واحدة فقط .
( صوت أقدامه ثم صوت المزلاج يفتح )
_ رجاء شبه باكية ) : آه يا فارس .. أيها العزيز المسكين .. أنت لم تقتل أمك .. لم تقتلها !
_ فارس مذهولاً : لم أقتلها ؟
_ رجاء ( تصيح ) : أجل لم تقتلها يا فارس .. لم تقتلها
_ فارس ( كمن فقد رشده ) تعنين أنها ليست ميتة !
_ رجاء : لا لا ( تتردد ) أعني نعم نعم أنها ميتة طبعاً ، ولكنك لم تقتلها .
_ فارس ( منهاراً ) كيف أيتها الحمقاء الصغيرة ؟ كيف كيف ؟
_ رجاء : تلهث لقد ماتت بعد نصف ساعة فقط من مغادرتك البيت ( تصمت هنيهة ) أنت قلت أنك غادرت البيت يوم الثلاثاء في الساعة الثامنة صباحاً . التقرير الطبي يقول أنها ماتت في الساعة الثامنة والنصف من نفس الصباح ،
_ فارس : هذا .. هذا لا يغير شيئاً
_ رجاء : كيف كيف لا يغير شيئاً أيها الأحمق .. كيف ؟
_ فارس : ماذا يغير ؟
__ رجاء : لقد ماتت قبل أن تغادر المدينة أنت .. كان من الممكن أن يحدث ذلك وأنت هناك .. ماتت دون أن تعرف أنك غادرت المدينة . كانت تشتري طعاماً للغذاء وكانت على وشك العودة الى البيت حين داهمها الموت في الطريق ..الخ ص269 المسرحيات .
نلاحظ هنا أن رجاء تتتهم فارس بالحمق لأنه أتهم نفسه بقتل أمه ، وأن موتة أمه كانت بدون تدخله ، أي أنها ماتت قبل أن يغادر المدينة وهذا يفرق كثيراً كما تقول هي ، لقد كان هذا الأنسان ( الفلسطيني ) الذي يحمل الشعور بالذنب تجاه أمه ( الوطن ) بحاجة لهذا الأعتراف من الحاكم العربي ، وحتى من الجماهير العربية في المناطق التي حل عليهم فيها لاجئاً ، لقد ذاق الفلسطيني الأمرين من تهمة ( = قتله لأمه = تركه لوطنه ) ، لقد جاءت ( رجاء ) لتقول لفارس ( أيها الأحمق كف عن تأنيب الضمير ! أنت لم تقتل أمك ) طبعاً هذا يختلف ، بين أن تكون قتلتها ، وبين أن تكون هي كانت ستموت حتى لو بقيت معها ، ( فلسطين ) كانت ستضيع سواء خرج منها الفلسطينيون أم لم يخرجوا بل كانوا سيموتون معها لأن خروجهم كان تحت ضغط كبير ، فعندما تحاول أم فارس أقناعه على عدم الرحيل وتركها يقول لها : سأغيب شهرين سأغيب شهرين فقط ولكنني سأنقذ نفسي وسأنقذك الى الأبد .. أنها فرصة العمر يا أمي فرصة العمر " ص65 ، وبهذا يحاول الكاتب التخفيف من وطأة عقدة الذنب التي لاحقت الكثيرين من أبطاله ، بتركهم لوطنهم ( الأم ) فلسطين .

داليا الهواري
23-02-2007, 03:51 AM
السر في جاذبية أدب غسان

أن المهمة الأولى الملقاة على عاتق الكاتب هي أن يتمكن من جذب القارئ حتى النهاية ، فأن فشل فهذا فشل للقصة ، وكي يتمكن الكاتب من هذا لا بد من أن عناصر جمالية في البناء الأدبي هي التي ستقوم في بث المتعة والدهشة والأكتشاف في نفس القارئ كي يستمر أو أن يعود لقراءة العمل مرة وأخرى . وأذا كانت قوانين الرواية صعبة التحديد فأن للقصة القصيرة قوانينها المعروفة بها بعد بلورة تجارب وخبرات كتاب ونقاد من شعوب كثيرة وفي أزمنة مختلفة .
" الحكاية في القصة هي مجموعة أحداث مرتبة ترتيباً سببياً ، تنتهي بنتيجة ، والحكاية لا بد أن تكون ثمرة تجربة أنسانية موضوعية ، وهذه التجربة العميقة تستلزم صدق الواقع بسياق الأحداث على طريقته المقنعة واقعياً وفنياً ".مدارس النقد الأدبي الحديث ص303 دكتور محمد عبد المنعم خفاجي ، " ولا بد أن تكون الحكاية في القصة ذات وحدة عضوية كالوحدة العضوية في القصيدة وفي المسرحية " " وقد تبدأ القصة بأولى الحوادث فيها وقد تبدأ بنهايتها وقد تبدأ بالذروة " " أما تدخل المؤلف تدخلاً بارزاً في الحوار بالشرح أو التعليل مستقلاً في ذلك عن الحوار والحديث النفسي فذلك معيب ." " أختيار الشخصيات التي تؤدي الأحداث على الطبيعة ثم اختيار الزمان والمكان المناسبين لوقوع الحدث من الشخصيات ثم ألأسلوب الذي تسرد به الحادثة كل ذلك له مكان في العمل الفني في القصة " والقصة تحدث لتؤكد فكرة وغاية ، والفكرة هي الأساس الذي يقوم عليه البناء الفني للقصة " هذه بأيجاز كما جاء تعريفها في المصدر السابق ، وهو خلاصة نقد لمدارس أدبية متعددة ، سنتناول قضية الجمال في قصص غسان ، فبالأضافة لما سبق وذكرنا حول ما يمكن أن نسميه نسق أو أتجاه غسان كنفاني الكتابي والذي اجتمعت فيه العوامل التي فصلناها ، فقد كان فناناً حقيقياً ، فهو وقبل كل شيء فنان ومبدع ، علماً أن الجمال الفني من الصعب تحديده بدقة ، فأنت أمام الجمال تقف صامتاً أحياناً أو تعبر بكملة الله ما أروع هذا .. أوتتنفس الصعداء وقد ويعبر كل شخص عن أنفعاله بطريقته ، وقد تقرأ قصة فتسرع لتحكيها بأقرب فرصة لصديقك أو تنشرها أذا كنت مسؤولاً عن زاوية أدبية في صحيفة ، ولكنك لا تفهم بالضبط ما هو الذي جعل عقلك يعلن رضاه ونفسك عن أرتياحها لهذا الشيء الذي يهز مشاعرك .
ولعل البداية في القصة أو الرواية لها أثر حاسم على نفس القارئ بأن يستمر أو أن ينكص عن القراءة لذلك فأن للبداية أهمية كبيرة ، وسنأخذ بعض البدايات في قصص كنفاني ونشير الى قوة الجذب فيها ، قصة المنزلق من مجموعة عالم ليس لنا ص472 ،ما هو السر الذي يجعل قصة كهذه جذابة ، ويتمسك القارئ بها حتى نهايتها ؟
" الكتابة الجيدة هي ما يمر فيها الفكر بالأحساس والأحساس بالفكر ، حتى ليصح أن يقال أن الكاتب الجيد يفكر ويحس بعقله ." محمد مندور في الأدب والنقد ص37
بداية قصة المنزلق ( القصص )
" سار الأستاذ محسن في الممر الطويل المؤدي الى صفه بخطوات بطيئة مترددة ، كانت تلك هي تجربته الأولى في عالم التدريس ، " نلاحظ أن الخطوات بطيئة ومترددة وهي تنسجم مع كون المدرس جديداً في مهنة التدريس ، لكونه جديداً لديه تردد فهو لا يعرف الطلاب بعد وليس واثقاً من نفسه تماماً ، ثم يتم دعم هذه الفكرة بالجملة التي تليها " ولما كان لا يعرف ماذا يتعين عليه أن يفعل حين يدخل الصف فقد حاول جهده أن يبعد تلك اللحظة قدر الأمكان " أذاً فالجمل هنا دعمت واحدة الأخرى وجميعها تصب في صالح الفكرة ، وتردده في الجملة الأولى كي يبعد لحظة وقوفه امام الطلاب ، وكون هذه الفكرة هي جزء من منظومة أفكار وأحاسيس ستدعم الفكرة الكبيرة في القصة . نمضي في القصة " في الليلة الماضية تقلب على فراشه حتى الصباح وهو يفكر في الأمر : أن من العسير على المرء أن يقف أمام الناس ولماذا ؟ ليعلمهم ! ومن أنت لتفعل ذلك ؟ لقد عشت حياتك البائسة دون أن يعلمك أنسان أي شيء ينفعك ، أتعتقد أنه بوسعك أن تعلم الناس ما ينفعهم ، أنت نفسك آمنت بأن المدرسة هي آخر مكان يتعلم فيه الرجل الحياة ، فما بالك الآن وقد صرت مدرساً فيها ؟" أذاً فالعودة الى ليلة أمس دعمت الفكرة الأولى ( التردد ) وأضيفت أفكار أخرى ثانوية في مصب منظومة الأفكار التي ستشكل في مجموعها الفكرة الكبيرة التي ستبدأ بالتبلور ، فالأستاذ محسن قلق وتقلب في فراشه ، أذاً منذ ليلة الأمس ويسأل نفسه ماذا يمكن للمدرسة أن تعلم ، فهو مقتنع أن المدرسة آخر مكان يمكن للأنسان أن يتعلم فيه ، وبهذه الفكرة يهيء الكاتب الأرضية لما سيحصل خلال الدرس ،فهو عملياً وضع نظرية وفكرة معينة وعلى القصة الان أن تبرر هذه الفكرة أو أن تضحضها ونمضي في القصة " في الصباح حملت نفسك الى غرفة المدير وجلست هناك تستمع الى بقية الأساتذة وهم يناقشون الأمر الذي شغلك ولكن من زاوية أخرى .. ماذا عسانا نفعل في الصفوف أذا كان الصغار دون كتب ؟ " أذاً فالصغار بدون كتب ، أي أنهم فقراء وهذه مشكلة يتشاور بها المعلمون ، وهنا يعدنا الكاتب لما هو آت فالصف أذاً يحوي طلاباً فقراء ، وهو معلم جديد متردد ، والمدرسة آخر مكان لتعلم الحياة فما الذي سيحصل ؟ " وأجاب المدير من أنفه بأختصار : أي أستاذ قدير يعرف كيف يشغل حصته دون كتب " .أذاً فقد تحدث المدير من أنفه كتعبير عن موقعه الأداري الفوقي ، وكل ما قلناه حتى الآن يدعم فكرة التردد ، فهو أستاذ جديد ، والطلاب بدون كتب ، وهو قانع أن المدرسة آخر مكان يمكن أن يتعلم فيه الأنسان ، والمدير يتحدث من أنفه ، ونتقدم " ثم أنكفأ شارحاً ( المدير ) بلؤم : تطلب من أحد الأطفال أن يشغل الحصة عنك أذا عجزت .. "
قال الأستاذ محسن لنفسه : " ها هو ذا مدير المدرسة يريد أن يلقن أساتذته درساً بالأنتظام والطاعة منذ اللحظة الأولى لقد قبض الأقساط قبل أسبوع وعليه الآن أن يقبض أرواحنا " المدير يتحدث من أنفه ثم تحدث بلؤم للمعلمين مبرراً حديثه من أنفه ، وتكررت هنا كلمة قبض لينزاح معناها الأول عن معناها الثاني _ فهو قبض المال ولم يبق سوى أن يقبض أرواحنا فلفظة القبض نفسها أتت بدلالتين مختلفتين فأعطت للجملة جمالاً ونكهة ،ونمضي ..." الممر الطويل مملوء بصخب الأطفال وصياحهم ، والأستاذ محسن بخطواته الثقيلة يحس بأنه أنما يسير في دوامة تؤدي الى مستقبل قميء مترع بالضجة والسخف .. الضجة والسخف وليس غيرهما ! " هذه الجملة الأخيرة تشي بعبثية الفضاء الذي ستحدث فيه القصة ، والقارئ يستعد نفسياً لما هو آت ، السخف والقماءة .
"__ لدي قصة جميلة يا أستاذ
صاح طفل كان مكوماً على نفسه في آخر مقعد فقدم حلاً ملائماً لذلك الموقف المضطرب ،" نلاحظ هنا كلمة ( مكوماً ) وهذه الكلمة تستخدم لشيء رخيص وعادة لا يكون أنساناً ، فهو قد يكون كيساً أو قماشاً أو أي شيء بعيد عن كونه يحمل صفة أنسانية ، لقد أوحت كلمة ( مكوماً ) للقارئ أن هذا الطفل ليس كالأطفال العاديين ، ومنحه صفة ( التكوم ) أمعاناً في دقة الأحساس بأن هذا الطفل ليس كالأطفال العاديين . ولكن الطفل بأعلانه هذا قدم حلاً لموقف الأستاذ المضطرب ، أذاً فكل الأحداث حتى الآن تسير في نسق واحد ومقنع لم تشُبْه حتى الآن فكرة أو حالة غريبة عن المشهد العام ، هذا الأسلوب يجعل القارئ يركز أكثر في النص والتركيز نفسه يعني أن القارئ أصبح منجذباً يقترب من مركز القصة وبؤرتها أو ذروتها ، و" قبل أن يوافق الأستاذ على الأقتراح كان الطفل قد صار خارج صفوف المقاعد ، وواجه رفاقه ببنطال قصير أوسع من حجمه وقميص ذي قماش نسائي عتيق ، وشعر أسود غزير يصل متهدلاً الى حاجبيه " . أذاً فالطفل لم ينتظر موافقة الأستاذ ، وهذا يضيف للمشهد ويغنيه ، فهو مكوم وفقير وجريء بنفس الوقت ، ولباسه وشعره المتهدل على حاجبيه والقماش النسائي لقميصه يؤكد بؤسه ويبرر وصفه ( مكوماً ) ، كل هذا يؤثث المشهد ويلونه ، ويبرر ما قيل في غرفة المدير بالنسبة لعدم وجود كتب مع الطلاب . وهكذا فأن الأجواء كلها الآن مهيأة للقصة ، وكأن كل هذه الأفكار والحركات تدور حول بؤرة واحدة هي الحدث الذي بتنا ننتظره . أو كأنها الجداول الصغيرة الكثيرة التي تصب في مجرى واحد لتجعل منه نهراً فالنهر هو الجداول الصغيرة مجتمعة . " كان والدي رجلاً طيباً .. كان شعره شائباً ، وكانت له عين واحدة أما عينه الأخرى فقد أقتلعها بنفسه حين كان يخيط نعلاً سميكاً لحذاء رجل ضخم ، لقد كان مكباً على الحذاء يحاول جاهداً أن يدخل الأبرة الكبيرة في النعل ، ألا أن النعل كان قاسياً جداً ضغط كل ما في وسعه ، بلا فائدة ، ضغط أكثر ، لا فائدة ، ثم رفع الحذاء الى صدره وضغط بكل قوته فخرجت الأبرة فجأة من الناحية الأخرى ودخلت في عينه .. " هذه القطعة عبارة عن لوحة فنية رائعة متكاملة ، وكأن كل جملة فيها لون في لوحة تدرجت هذه الألوان من الفاتح الى الأغمق ، لقد نقل لنا الصورة مع الحركة وكأننا نشاهد ونحس ، فالتعابير رشيقة خالية تماماً من الألفاظ الميتة المصطنعة ، وكل كلمة في محلها ، ولو أختزلنا منها لحدث نقص فيما أراد قوله الكاتب ، فكلمة ( شائباً ) لمحت لنا الى صورة وشكل وسن والد الطفل ، والضغط المستمر له ما يبرره فالنعل قاس جداً وضخم وكي نحصل على النتيجة أي خروج الأبرة الى عينه ، جعله يتدرج بالضغط وكما ذكرت وكأنها الألوان من الفاتح للغامق فالأغمق ، أولاً يضغط جاهداً ، ثم ضغط كل ما في وسعه ، ثم ضغط أكثر لا فائدة ، ثم رفع الحذاء الى صدره .. أي أنه أستعان بصدره أيضاً للضغط ، لقد أقترب الحذاء من وجهه استعداداً للضغط بكل قوته وحينئذ خرجت الأبرة ودخلت في عينه ، لقد سبقت مرحلة دخول الأبرة الى العين خمس مراحل كلها دفعت بأتجاه النتيجة التي صارت منطقية ومعقولة ، وتستمر القصة ونجد أنفسنا مضطرين لمعرفة ما ستنتهي اليه قصة هذا الطفل البائس أبن هذا الرجل البائس .

داليا الهواري
23-02-2007, 03:51 AM
بداية قصة علبة زجاج واحدة ( القصص )

"كنا نعيش كفئران التجارب ، في علبة زجاج نظيف : نأكل جيداً وننام جيداً نذهب الى البحر أحياناً فنغسل ضجرنا بالماء والشمس .. ونعود الى علبة الزجاج .. لقد أعطونا كل شيء ألا المرأة .. وهذه كانت مشكلتنا .." ص481
أنه يصدمك منذ الجملة الأولى ، فكيف للأنسان أن يشعر أنه يعيش كفئران التجارب ألا أذا كان يمر بتجربة قاسية جداً ولا أنسانية ، وكأن الكاتب هنا أمسك بتلابيبك فجأة وجذبك اليه ، وبدون لف ولا دوران وبجملة واحدة رشيقة لفت أنتباهك لما يحدث وأستفز مشاعرك ، لقد أوحت فئران التجارب لك بأمر قاس قذر مقزز ، وأوحت أن هؤلاء الناس في وضع صعب جداً ، أو في حالة أنسانية شاذة ، فأنت الآن تريد أن تعرف لماذا حكم الراوي على حياته هذا الحكم ، وما هو سبب هذا الشعور العميق بالأهانة ، وقد أختار توصيفاً دقيقاً لحالته وحالة من معه . وبعد بضع كلمات تعرف السبب .." لقد أعطونا كل شيء ألا المرأة ". أذاً فهذا سبب شعوره وكأنه فأر تجارب ، الحرمان من المرأة لفترة طويلة ، الحرمان من شيء من طبيعة الأنسان ، أما لماذا علبة زجاج نظيفة ! فالزجاج له صفة الشفافية ، فأنت قد ترى ما وراءه لكنك عاجز عن لمس هذه الأشياء والحصول عليها فالنساء يتحركن وهن موجودات لكنك معزول عنهن وكأنك في علبة زجاج ، وبنفس الوقت أنت مراقب من الخارج وتصرفاتك كلها واضحة أمام الآخرين كأنك فأر تجارب ، وهذا يسبب لك الشعور بالحرمان أكثر وأكثر ، والعلب أوحت بالسجن ولكنه ليس سجناً عادياً ، أنهم طلقاء بمعنى أنهم يستطيعون الخروج للطعام والمشي ولكنهم ما زالوا يحملون شعور المسجونين ، في هذه العلب الزجاجية النظيفة ، وبلا شك هي أماكن العمل والسكن في دولة خليجية . وكي يجعل القارئ يعيش معه هذا الحرمان ، قال " في الشهر الأول صرنا نشتري المجلات الملونة العارية ، في الشهر الثاني لم نجد حرجاً يمنعنا من تعليقها في صدور غرفنا ., في الشهر الثالث مزيداً من الصور .. وفي الشهر الرابع مزقناها ، كان الأحتمال قد وصل حلوقنا ، وانسكب من هناك غضباً مروعاً ". نلاحظ هنا تركيز الجمل التي تصب الى البؤرة ذاتها وكأنها دوائر حوام تدور حول مركز واحد تعززه ، أو كما سبق وقلت كأنها الألوان من الفاتح للأغمق ، أو الأوركسترا التي يلتقي فيها عدد من الآلات لتصنع لحناً واحداً متناسقاً . لم يعد الوضع يطاق وصاروا يغضبون بسرعة وبشكل مروع فمزقوا الصور . " بعد عام أطلقونا من العلب الزجاجية ". لقد استعمل كلمة أطلقونا ليؤكد أيحاءه وكأنهم كانوا مسجونين بالفعل . والآن عزيزي القارئ فأنت تريد أن تعرف ما الذي فعله أبطال هذه القصة بعد أن أطلق سراحهم بعد هذا الشعور بالحرمان المرير ، بالتأكيد سيبحثون عن الأمر الذي حرموا منه ( المرأة ) ، وما عليك الآن سوى متابعة القصة بشوق لمعرفة ماذا عساهم يفعلون .
يقول غسان كنفاني في أحدى المقابلات الصحفية التي أجراها معه كاتب سويسري قبل أستشهاده بأسابيع حول أدبه " أن فلسطين تمثل العالم برمته في قصصي " ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية ، فاروق وادي ص 43
ويضيف كنفاني في المقابلة نفسها " ففي وسع الناقد الأدبي الآن أن يلاحظ بأن قصصي لا تتناول الفرد الفلسطيني فحسب ، بل تتناول حالة أنسانية لأنسان يقاسي من المشاكل أياها ،لكن ربما كانت تلك المشاكل أكثر تبلوراً في حياة الفلسطيني " ص 44 المصدر نفسه . ولم يكن كنفاني بحاجة لتأكيد هذه الحقيقة بأن أدبه أنما يمثل حالات أنسانية لكن هذه الحالات أكثر كثافة عند الفلسطيني ، فالشعور بالعزلة والأغتراب والتهميش يرافق أناساً عاديين في أوطانهم أيضاً وبدون أن يشردوا من بيوتهم ويقتلوا كما هو حال الفلسطيني ، ولكن غربتهم لا تكون بنفس الحدة المركبة كما سبق وذكرنا ، فالحالة الفلسطينية تضفي على الحالة الأنسانية بعداً أعمق لأنها أكثر تعقيداً ، ولنأخذ مثالاً قصة ( عطش الأفعى ) وهي قصة أسرة يعتاش معيلها من قرع الطبلة في الأفراح وبالتحديد خلال زفة العريس ،وهو يصر أن يعلم أبنه مهنة قرع الطبلة التي ورثها بدوره عن والده وجده ،كي يضمن أستمرار هذه المهنة في الأسرة ومصدر معيشتها ، ولكن الناس صاروا ينقلون العريس بالسيارات أثناء الزفة وأستغنوا عن الزفة التقليدية وبالتالي عن الطبلة والطبال الأمر الذي يعني نهاية مصدر دخل الأسرة ، وتعبيراً عن أحباطه يقوم الوالد بمهاجمة سيارة جاءت لنقل عريس أثناء الزفة في الحارة ويحطم زجاجها ،ومنذ تلك الحادثة تطارد هذه السيارة أبن الطبال الى أن تدهسه كأنتقام من والده الطبال . ليس في هذه القصة أية أشارة على أن بطلها فلسطيني ، وهي قد تحدث لأسرة لبنانية أو سورية أو مصرية أو لأسرة في أي بلد من بلدان العالم وخصوصاً العالم الثالث ، هذه القصة عالجت قضية أنسانية بمفهومها الواسع ، السيارات التي تمثل التكنولوجيا الحديثة أدت الى أنهيار عالم أسرة تعتاش من مهنة ( بدائية ) قرع الطبلة في زفة عريس تقليدية بدائية ، ولكن الناس في عصر السرعة صاروا يتحدثون عن أن الزفة في السيارة أكثر راحة لهم ، وأنهم ما عادوا يرغبون بالمشي المتعب في الأزقة كي يزفوا العريس ، ويحاول الوالد أن يقاوم هجوم التكنولوجيا لكن هذا التطور يمضي دون أكتراث بمصيره ومصير أسرته التي فقدت مصدر معيشتها لتكون ضحية هذا التقدم الذي لا مفر منه ، أنها قصة أنسانية ولكنها سوف تتكثف أذا عرفنا أن هذه الأسرة فلسطينية تعيش في لبنان مثلاً ، والقارئ لغسان كنفاني لا بد سيشعر بذلك بدون أن يصرح الكاتب بجنسية الأسرة ، سوف تتكثف في حالة الفلسطيني لماذا ؟ لأنه ليس من السهل أبداً لأسرة فلسطينية أن تجد عملاً بديلاً في دولة مثل لبنان ، الأمر الذي سيضاعف الضرر المترتب على أنقراض مهنة الطبال الذي سيعاني من البطالة ، الى جانب حقيقة أن أبنه الذي دهس لن يكون مؤمناً صحياً ( كلاجئ ) وسيكون وضع الأسرة أكثر مأساوية وربما حل بها الدمار والخراب تماماً نتيجة لما حصل ، فالمأساة الأنسانية هنا تضاعفت وتكثفت مرات ومرات ، فالفلسطيني ليست لديه دولة تمنحه عملاً بديلاً وما من قانون يحميه ، هذا يعني أنهيار عالمه .

داليا الهواري
23-02-2007, 03:53 AM
شعر في رداء نثري

" وليس من شك في أن للنثر وزناً وأيقاعاً كما هو الحال في الشعر وأن كان أخفى وأقل أطرادا ولقد درست أوزان النثر في أوروبا كما درست أوزان الشعر تماماً " محمد مندور في الأدب والنقد ص 30 . بالأضافة لعناصرالجذب والجمالية التي تمتاز بها كتابة كنفاني ، نلاحظ المشاعر القوية المتدفقة في نثره الذي يحمل كثيراً من خصائص الشعر ، حتى يرتقي نثره الى مستوى الشعر في بعض الأحيان ، وكأنه شعر يرتدي رداء النثر .
سنأخذ بعض الأمثلة لهذا الرأي ، نبدأ في قصة العطش من مجموعة السرير رقم 12 . ص183
"آه لو يستطيع الرجل الكئيب أن يذهب ! الى أين ؟ هذا لا يهم .. فقط لو يستطيع
أن يذهب .. دار في مربع الجدران دون غاية ، ثم سقط فوق السرير .. النغم الباكي من الأسطوانة لم يعد يصل الى صدره .. أنه يلمس جلده البارد ثم يرتد ليلتصق بالجدار .. كيف استطاع أن يعتقد _ في يوم مضى _ أن النغم هو كل شيء ؟ كيف ؟ "
هذه القصة تحكي عن رجل يعيش في حالة أغتراب تام لا يجد من يتحدث معه ، يحاول قتل هذه العزلة بسماع أسطوانة لكنه قد مل هذه الأسطوانة منذ سنوات ، وبشرب عشرة فناجين من القهوة ولكن عندما يأتي ليشرب الماء يكتشف أن لا ماء في الصنبور فقد أنقطعت المياه ، فتزداد عزلته وغربته وينام ،. وتنتهي القصة هكذا " غداً أيها الأنسان الكئيب لن تكون سعيداً ، الأنسان الذي سوف تجلس معه لن تسمع كلمة من كلماته .. أنت تبحث عنه فقط كي تقول له ، كأنك تحكي شيئاً عابراً : " أمس أنقطع الماء عن منزلي ".
سوف نركز حول شعرية النص .فلو أعدنا ترتيب القطعة الأولى من القصة بأن نقطعها الى مقاطع كما يفعل الشعراء لصارت كالتالي :
آه لو يستطيع الرجل الكئيب أن يذهب !
الى أين ؟
هذا لا يهم ..
فقط لو يستطيع أن يذهب ..
دار في مربع من الجدران دون غاية
ثم سقط فوق السرير ..
النغم الباكي من الأسطوانة
لم يعد يصل الى صدره ..
أنه يلمس جلده البارد
ثم يرتد ليلتصق بالجدار ..
كيف أستطاع أن يعتقد ( في يوم مضى )
أن النغم هو كل شيء؟
كيف ؟
أنها نفحات شعرية بلا شك ، أليس في هذا معان وحركة خفية تشبه تلك الأشعار العالمية المترجمة الى العربية لكبار شعراء التشاؤم والأغتراب ! فهو يتأوه ، آه لو يستطيع أن يذهب ! لكن هو ليس سجيناً فبأمكانه أن يذهب ولكن الى أين ! فهو سجين نفسه ، دار في مربع الجدران دون غاية ، ثم سقط فوق السرير ، لقد وصف الكاتب حياة هذا الرجل وكأنها خواء بلا هدف فسقط فوق السرير وتحول الى جثة ، فالنغم الباكي من الأسطوانة لم يعد يصل صدره ، أي لم يعد يدخل الى قلبه فمشاعره ، يلامس جلده ويرتد ، لقد تحول هذا الأنسان الى كائن أصم كالجماد حتى موجات الصوت صارت تلمس جلده البارد وترتد دون أن تدخل أو تنحدر الى داخله . ويتساءل كيف أستطاع أن يعتقد ( في يوم مضى ) أن النغم هو كل شيء ؟ كيف ؟
أذاً فالرجل الكئيب كان في يوم ما متفائلاً وكان يعتقد أن النغم ( الحياة ) هو كل شيء والآن يتساءل بمرارة وأحباط كيف فكر ذلك التفكير ، لقد قتلته العزلة والأكتئاب وغيرت رأيه في الحياة برمتها ، فالنغم ( الحياة ) لم يعد يصل بل يرتد عنه وكأنه تحول الى جماد فاقد الأحاسيس بسبب عزلته ، لقد أعطى كنفاني واقع العزلة والكآبة ( صورة أشد دقة مما كان يعطى بها سابقاً )كما يقول كولن ولسون في المعقول واللامعقول عن غاية الأدب عند نتالي ساروت وروب غرييه ) ص 102 المعقول واللامعقول ، وهذا أحد أسرار نجاح كنفاني كما سلف وقلنا ، أنه يقدم الواقع بصورة أكثر دقة مما كان يعطى سابقاً .
فاذا مضينا في القصة نفسها سنجد أن هذا الأيقاع سيستمر حتى نهاية القصة وسوف يعود على التأكيد أنه تحول الى شيء جامد .
في يوم مضى
يبدو أن الماضي
كان لأنسان آخر
أما هو ! آه !
أنه يحمل الجدران الأربعة
على كتفيه منذ ولد
يحملها أينما ذهب
حتى حينما يضحك
فلسانه الخشن
يجري فوق الجدار
منذ متى !
وهو يحمل هذه الجدران ؟
ليس يدري ،
ربما قبل أن يولد
ربما الان فقط
نهض عن السرير
وأدار ..مفتاح الراديو
الصوت يدوي الآن في الغرفة
زاعقاً كمليون بومة كئيبة
ورغم ذلك فأنه ما زال يلمس جلده
ثم يرتد الى الجدار
****
ويمضي غسان الناثر في قصته الشعرية فيقول :
" صوت البوق شيء فاجع !
ورغم ذلك فأنه ليس هنا
كأن صدرك صفائح قصدير
يضربها الصوت ويرتد مرناً
كشيء تافه
الى الجدار
*** **
أمس قام الرجل الكئيب ليشرب
وحينما فتح الصنبور
خرخر صوت عميق
ولم تنزل أية قطرة
كان العطش يمسك باصابعه
الغليظة الجافة حلقه
كيف يشرب ؟
شيء سخيف
ولكنه يريد أن يشرب
ثم صحا في منتصف الليل
أشد عطشاً
لو كان في الغرفة أنسان آخر
لقال له متأففاً :
أريد أن أشرب
ليس المهم أن تشرب !
المهم أن تجد من تقول له
أنك تريد أن تشرب ..
أنك ظامئ ..
أكان من الضروري أن يحدث هذا
لتكتشف
أنك أنسان ملقى في الفراغ ؟
****
هذا النثر يتفوق بشاعريته على كثير مما نقرأ ونسمع يومياً من شعر حتى لشعراء يعتبرون من الصفوف الأولى ، وأن كنا لا نحاسب النثر كما نحاسب الشعر على الوزن والتفعيلة ولكن من الواضح أن الشحنات الشعرية كثيفة في نص كهذا ، مثل هذه الشعرية نجد في قصص كثيرة ، .
من قصة المجنون
أقرفص هنا منذ لم أعد كلباً صغيراً ، هذا المكان لي ، ليس من أنسان يقرفص فيه سواي ، أن أحداً لم يجده حتى الآن .. آتي اليه في الصبح ، وأظل مقرفصاً حتى تسقط الشمس ، وراء سطح بيت الولد الأشقر .. يأتي الولد الأشقر ، يمشي ببطء على رؤوس أصابعه ، أراه من طرف عيني ، لا أدعه يراني أبداً ، يصل الى المنعطف ، يضع الطعام ، ويركض الى درج بيته . يفتح الباب ويبقى ينظر الي حتى أقوم فآخذ الأكل وأرجع الى مكاني مسرعاً فيصيح : متى ستصبح كلباً مرة أخرى ؟ ص189
من قصة لؤلؤ في الطريق :
ولكن الغرفة بمن فيها بقيت صامتة كما كانت ،كان صمتاً من ذلك الطراز الذي يحتار الأنسان في تفسيره : أنصمت يا ترى ، لأننا ودعنا عاماً حافلاً بالعذاب ؟ أم لأننا سوف نستقبل عاماً آخر لا يبدو أقل عذاباً ؟ ام للأمرين معاً ؟ ص 155
من قصة الأخضر والأحمر :
لم يكن يظن لحظة واحدة ، أنه قريب من الموت قرب أنفه من الهواء .. لم يكن يظن ذلك قط .. كل الطريق كانت تعبق بحياة بكر كأنها خلقت لتوها ، كأن الله صنعها الآن فحسب ليتنشقها ، وليتركها تغسل صدره مثل شلال من الريش .. أيار يبرعم في جبينه وكفيه وأضلاعه ويشمه فينهال الى صدره دوامات لا تنضب ولا تنثني .. كيف تريده أن يظن ، لحظة واحدة ، أنه قريب من الموت قرب الهواء الى أنفه ؟ ولكنه كان قريباً منه ، كان قريبا منه دون أن يحسه أو يشمه .. لم تكن عنده مقدرة شم الموت كما كانت عنده قدرة أحساس الحياة .. وقالوا له مرة أن هذا خطأ مهلك ، وأن الحياة لا قيمة لها قط ان لم تكن ، دائماً ، واقفة قبالة الموت . الخ هكذا وبهذا الأسلوب السلس الشعري تستمر القصة . هكذا فأن عناصر عدة تضافرت لتجعل من كتابة غسان قوية ومتينة وجذابة ، المضمون الأنساني العميق الى جانب المستوى الفني الرائع الأصيل . تقرأ غسان ولا تشبع وفي كل مرة ستكتشف أشياء جديدة .

داليا الهواري
23-02-2007, 03:54 AM
النهايات الكئيبة و التشاؤمية
معظم نهايات القصص عند غسان تنتهي بالكآبة أو بجملة تشاؤمية وربما فلسفية ، وهو وأن كان يريد تغيير الواقع من خلال أدبه ألا أنه لم يكن يصطنع نهايات متفائلة غير منسجمة مع الواقع أو مسقطة على النص أسقاطاً كما يحدث عادة مع الأدباء (الثوريين ) الذين يرغمون بطلهم على التفاؤل حتى وهو يشاهد الهزيمة والضياع والموت ،فالنهايات عنده تأتي طبيعية متناغمة مع السياق ومع البداية ، لنبدأ ببعض الأمثلة من مجموعة عالم ليس لنا فجميع قصص هذه المجموعة تنتهي بالتشاؤم .
__ وهز أخي الكبير رأسه ببطء وواصل التحديق الى الطير الصغير عاقداً حاجبيه بأمعان ، ثم أنفكت أسنانه عن جملة واحدة : أنه يحتضر . جدران من حديد ص 421
__ وعلى الضوء الشاحب لعود الثقاب رأيت وجهه كما كان دائماً : هزيلاً قاسياً بارداً ، وتحركت شفتاه : ذهب ليموت عند أهله .. الغزلان تحب أن تموت عند أهلها .. الصقور لا يهمها أين تموت ! الصقر ص 436
__ وفجأة حدث ذلك الشيء مرة أخرى : شعرت بسعادة مفاجئة ، وضعت كفي في جيبي ، وهززت رأسي وأنا أبتسم وأسارع خطوي : " كلا .. أبراهيم لم يعد من كفر المنجم بعد .. " كفر المنجم ص 446 ، تبدو هذه النهاية متفائلة ولكن الحديث يدور عن طالب فشل في أمتحانات النهائي في المدرسة وأنتحر ، وصديقه هنا يتخيل أنه سافر الى بلد يدعى كفر المنجم والتقاه في مقهى لكنه في الحقيقة لم يعد .
__ كان الدم يسيل لامعاً قانياً خلال الشعر الناصع البياض فيما كان القط الرضيع ماضياً بامتصاصه بنهم وبصوت مسموع . ص458 ذراعه وكفه وأصابعه
__ تابعت طريقي تحت القيظ والشمس الساطعة التي لا تطاق .. تكسي ؟ أتراه كان قادراً على حملي عبر الأمتار العشرة التي مشيتها الآن ؟ تكسي ؟ كلا أن هذا لن يصلح العالم قط ! عشرة أمتار فقط ص 467
__ ولما حاول أن يقوم لم يستطع كان مثبتاً الى السندان بأحكام ، ولقد رفض المارة أن يساعدوه ، وبقي ملصوقاً هناك الى أن مات .. نظر المدير الى ألأستاذ محسن من جديد وكان واقفا هناك الى جانب الطفل ، ملتصقين ببعضهما كأنهما شيء واحد وهز رأسه مراراً دون أن يقول شيئاً ، ثم عاد فجلس في كرسيه الجلدي الوثير وأخذ يراجع أوراقه كان يرمق الأستاذ محسن والطفل بطرفي عينيه بين الفينة والأخرى . المنزلق ص477
__ يا صديقي .. تقول علب زجاج ؟ أنها علبة زجاج واحدة كبيرة .. نحن نتحرك داخلها ولكننا لا نغادر .. نحن ننتقل من طابق الى آخر .. ولكننا لا نغادر . علبة زجاج واحدة ص494
__ تسللت الأفعى السوداء بطيئة قاسية كريهة ، وغاصت في بحيرة الدم الصغيرة ، ثم أخذت تلعق الشراب الأحمر بلسان رفيع طويل . عطش الأفعى ص 508
__ سلمت الجراحة لذلك الطبيب الثرثار الفضولي بملء أرادتي ، لمجرد أن هذيان المريض قد آلمني .. أيكون قد قتله بأهماله وانصرافه الى الأستماع ؟ أذا كان قد فعل فالقاتل أنا . كان بوسعي أن أجري العملية على أكمل وجه ، ورغم أنف العجوز المسكين ! ما الذي أرتكبته أيها الغبي ؟
وقف هنيهة ، ثم أستدار وأخذ يركض عائداً الى المستشفى . كانت الشمس قد بدأت تشرق ، وكان يقرع بلاط الشارع المبلول بقديمه الكبيرتين فيرجع الصدى وكأنه خبب حصان . لو كنت حصاناً ص 522
__ ولقد شوهد آخر مرة يمشي في الشارع العام ، كان يطوي كفيه خلف ظهره وكانت السيارات تمرق حواليه بجنون وهوس ولكنه كان يمشي بهدوء ، وكان واحدهما _ هو أو السيارات _ غير موجود . ص533 المجنون
__ ورغم ذلك فقد كانت تبدو بعيدة جداً بالنسبة للقطة البيضاء التي كانت تقاوم الغرق بصخب وجنون ، فيما بدأت الأجواء تقصف بالرعد . ص545 الشاطئ
في قصة قتيل في الموصل وهي من مجموعة أرض البرتقال الحزين تنتهي القصة بهجوم الجراد الى السهول الخضراء " وصلت في تلك اللحظة جرادة حطت على الصخرة أمامنا .. ومد صاحبي كفه كي يلتقطها ، ولكنها طارت بأندفاع مفاجئ متجهة بأصرار فتي نحو المزارع الخضراء الممتدة خلف الرصيف .. ص 391 .
طبعاً كما وسبق وقلنا في بداية هذه الدراسة ، أننا لا نريد أن نفرض نظرية ما على جميع أنتاج الكاتب فهنالك أيضاً القصص التي تنتهي بالتفاؤل ولكنها قليلة ، في رواية رجال في الشمس تنتهي بالتساؤل لماذا لم يقرعوا الخزان وفي رواية ما تبقى لكم تنتهي بأصرار حامد على المضي نحو أمه ، أما رواية عائد الى حيفا فتنتهي بالتمني بأن يكون خالد قد أنضم الى المقاومة ، بينما نهاية أم سعد وهي آخر رواية كاملة له فتنتهي بأنضمام سعيد الى المقاومة وبالتفاؤل لأن عقلة العنب قد برعمت . ألا أن الأجواء العامة لكنفاني هي واقع تعيس كئيب ومتشائم ، رغم كل ما كان يحمله من ثورية وأرادة لتغيير هذا الواقع الذي للأسف لم يتغير حتى اليوم .ويبقى غسان علامة هامة جداً في الأدب الفلسطيني والعربي والأنساني ، وستبقى اعماله الأدبية خالدة أبد الدهر كخلود شعب فلسطين ، وسوف تكون ينبوعاً يروي ظمأ الأجيال القادمة للفن الرفيع والحس الأنساني المرهف ، وكما عجزت آلة الحرب الصهيونية والأمريكية عن ابادة الحلم الفلسطيني بالحرية هكذا تقف آلة الأرهاب الصهيوني عاجزة عن أبادة غسان كنفاني وأن مزقت جسده فروحه ما زالت وستبقى تقرع جدران الخزان مرفرفة مع سعد في الأغوار ومع الرجال والبنادق في جبال النار ومداخل غزة وفي كل ساحات الكفاح ، وكيفما وليت وجهك في فلسطين لا بد وأن تشم رائحة البرتقال الحزين .

المراجع

1 _ الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الأحتلال . غسان كنفاني .
2 _ الأعمال الكاملة لغسان كنفاني ( القصص – الروايات - ) مؤسسة الأبحاث العربية
3 _ رواية أم سعد مؤسسة الأسوار عكا .
4 _ مسرحية جسر الى الأبد الأسوار عكا
5 _ الأم مسرحية لبريخت
6 _ الأم مسرحية لغوركي
7 _ الحرب في بر مصر ليوسف القعيد
8 _ في الأدب والنقد للدكتور محمد مندور
9 _ رواية عائد الى حيفا دار نشر صلاح الدين القدس
10 _ الروائي وبطله مقاربة اللاشعور في الرواية العربية ، جورج طرابيشي
11 _ فن الرواية العربية . د يمنى العيد ،
12 _ مدارس النقد الأدبي الحديث د ، محمد عبد المنعم الخفاجي
14 _ فصول في علم الجمال عبد الرؤوف برجاوي ، دار الآفاق الجديدة .
15 _ النقد الروائي والأيديولوجيا د حميد لحميداني ، المركز الثقافي العربي ،
16 _ نظرية الأغتراب من منظور علم الأجتماع د علي الشتا ، مؤسسة شباب الجامعة , الأسكندرية .
17 _ الحرية والطوفان جبرا ابراهيم جبرا . المؤسسة العربية للدراسات والنشر
18 _ النص المرصود سمير أبو حمدان ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر بيروت
19 _ ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية ، فاروق وادي .
20 _ المعقول واللامعقول ، كولن ويلسون . دار الآداب
21_ غسان كنفاني رعشة المأساة يوسف سامي اليوسف .

************
سهيل كيوان . كاتب من مجد الكروم . الجليل . فلسطين
مواليد 1956 .
صدر لمؤلف هذه الدراسة .
__ المبارزة قصص
__ أحزان النخيل قصص
__ عصي الدمع رواية
__ مقتل الثائر الأخير رواية
__ المفقود رقم 2000 رواية
__ هوميروس من الصحراء , دراسة أنطباعية وتحرير في شعر سميح القاسم باشتراك آخرين ،
__ القرد الشره _ قصة للأطفال
__ العصافير الطيبة _ قصة للأطفال

داليا الهواري
23-02-2007, 03:56 AM
رجال في الشمس



أبو قيس


أراح أبو قيس صدره فوق التراب النديّ، فبدأت الأرض تخفق من تحته : ضربات قلب متعب تطوف في ذرات الرمل مرتجة ثم تعبر إلى خلاياه … في كل مرة يرمي بصدره فوق التراب يحس ذلك الوجيب كأنما قلب الأرض ما زال، منذ أن استلقى هناك أول مرة، يشق طريقا قاسيا إلى النور قادما من أعمق أعماق الجحيم، حين قال ذلك مرة لجاره الذي كان يشاطره الحقل، هناك، في الأرض التي تركها منذ عشر سنوات، أجابه ساخرا :
"هذا صوت قلبك أنت تسمعه حين تلصق صدرك بالأرض"، أي هراء خبيث .! والرائحة إذن؟ تلك التي إذا تنشقها ماجت في جبينه ثم انهالت مهوَمة في عروقه؟. كلما تنفس رائحة الأرض وهو مستلق فوقها خيل إليه انه يتنسم شعر زوجه حين تخرج من الحمام وقد اغتسلت بالماء البارد .. الرائحة إياها، رائحة امرأة اغتسلت بالماء البارد وفرشت شعرها فوق وجهه وهو لم يزل رطيبا .. الخفقان ذاته : كأنك تحمل بين كفيك الحانيتين عصفورا صغيرا..
الأرض الندية-فكر- هي لا شك بقايا من مطر أمس.. كلا،أمس لم تمطر! . لا يمكن أن تمطر السماء الآن ألا قيظا وغبارا ! أنسيت أين أنت؟ أنسيت؟
دور جسده واستلقى على ظهره حاضنا رأسه بكفيه واخذ يتطلع إلى السماء: كانت بيضاء متوهجة، وكان ثمة طائر اسود يحلق عاليا وحيدا على غير هدى، ليس يدري لماذا امتلأ، فجأة، بشعور آسن من الغربة، وحسب لوهلة انه على وشك أن يبكي .. كلا، لم تمطر أمس، نحن في آب الآن .. أنسيت؟ كل تلك الطريق المنسابة في الخلاء كأنها الأبد الأسود .. أنسيتها؟ مازال الطائر يحوم وحيدا مثل نقطة سوداء في ذلك الوهج المترامي فوقه.. نحن في آب ! إذن لماذا هذه الرطوبة في الأرض؟ انه الشط! السبت تراه يترامى على مد البصر إلى جانبك؟
-"وحين يلتقي النهران الكبيران: دجلة والفرات، يشكلان نهرا واحدا اسمه شط العرب يمتد من قبل البصرة بقليل إلى… "
الأستاذ سليم، العجوز النحيل الأشيب، قال ذلك عشر مرات بصوته الرفيع لطفل صغير كان يقف إلى جانب اللوح الأسود، وكان هو مارا حينذاك حذاء المدرسة في قريته .. فارتقى حجرا واخذ يتلصص من الشباك :كان الأستاذ سليم واقفا أمام التلميذ الصغير وكان يصيح بأعلى صوته وهو يهز عصاه الرفيعة:
-"..وحين يلتقي النهران الكبيران: دجلة والفرات…" وكان الصغير يرتجف هلعا فيما سرت ضحكات بقية الأطفال في الصف ..مد يده ونقر طفلا على رأسه فرفع الطفل نظره إليه وهو يتلصص من الشباك:
-"… ماذا حدث؟"
ضحك الطفل و أجاب هامسا:
-"تيس! "
عاد،فنزل عن الحجر واكمل طريقه وصوت الأستاذ سليم مازال يلاحقه وهو يكرر:
-"وحين يلتقي النهران الكبيران…"
في تلك الليلة شاهد الأستاذ سليم جالسا في ديوانية المختار يقرقر بنرجيلته: كان قد أرسل لقريتهم من يافا كي يعلم الصبية، وكان قد أمضى شطرا طويلا من حياته في التعليم حتى صارت كلمة استاذ جزءا لا يتجزأ من اسمه، وفي الديوانية سأله أحدهم، تلك الليلة،
-".. وسوف تؤم الناس يوم الجمعة.. أليس كذلك؟"
وأجاب الأستاذ سليم ببساطة:
-"كلا، إنني أستاذ ولست إماما.."
قال له المختار:
-"وما الفرق؟لقد كان أستاذنا إماما.."
-"كان أستاذ كتاب، أنا أستاذ مدرسة.."
وعاد المختار يلح:
-"وما الفرق؟."
لم يجب الأستاذ سليم بل دور بصره من وراء نظارتيه فوق الوجوه كأنه يستغيث بواحد من الجالسين، إلا أن الجميع كانوا مشوشين حول هذا الموضوع مثل المختار..
بعد فترة صمت طويلة تنحنح الأستاذ سليم وقال بصوت هادئ :
-"طيب، أنا لا اعرف كيف اصلي.."
-"لا تعرف؟"
زأر الجميع، فأكد الأستاذ سليم مجددا:
-"لا اعرف! "
تبادل الجلوس نظرات الاستغراب ثم ثبتوا أبصارهم في وجه المختار الذي شعر بان عليه أن يقول شيئا، فاندفع دون أن يفكر :
-"..وماذا تعرف إذن؟"
وكأن الأستاذ سليم كان يتوقع مثل هذا السؤال، إذ انه أجاب بسرعة وهو ينهض:
-"أشياء كثيرة.. إنني أجيد إطلاق الرصاص مثلا .."
وصل إلى الباب فالتفت، كان وجهه النحيل يرتجف:
-"إذا هاجموكم أيقظوني، قد أكون ذا نفع"

***


ها هو إذن الشط الذي تحدث عنه الأستاذ سليم قبل عشر سنوات! ها هو ذا يرتمي على بعد آلاف من الأميال والأيام عن قريته وعن مدرسة الأستاذ سليم.. يا رحمة الله عليك يا أستاذ سليم! . يا رحمة الله عليك ! لا شك انك كنت ذا حظوة عند الله حين جعلك تموت قبل ليلة واحدة من سقوط القرية المسكينة في أيدي اليهود.. ليلة واحدة فقط.. يا الله ! أتوجد ثمة نعمة إلهية اكبر من هذه؟.. صحيح أن الرجال كانوا في شغل عن دفنك وعن إكرام موتك .. ولكنك على أي حال بقيت هناك .. بقيت هناك ! وفرت على نفسك الذل والمسكنة أنقذت شيخوختك من العار .. يا رحمة الله عليك يا أستاذ سليم.. ترى لو عشت، لو أغرقك الفقر كما أغرقني.. أكنت تفعل ما افعل الآن؟ أكنت تقبل أن تحمل سنيك كلها على كتفيك وتهرب عبر الصحراء إلى الكويت كي تجد لقمة خبز؟
نهض، واستند إلى الأرض بكوعيه وعاد ينظر إلى النهر الكبير كأنه لم يره قبل ذلك . إذن هذا هو شط العرب : "نهر كبير تسير فيه البواخر محملة بالتمر والقش كأنه شارع في وسط البلد تسير فيه السيارات .."
هكذا صاح ابنه، قيس، بسرعة حين سأله تلك الليلة :
-"ما هو شط العرب؟"
كان يقصد أن يتحنه، إلا أن قيس صاح الجواب بسرعة، وأردف قائلا:
-"..لقد رأيتك تطل من شباك الصف اليوم.."
التفت إلى زوجه فضحكت، أحس بشيء من الخجل، وقال ببطء:
-"إنني اعرف ذلك من قبل .."
-"كلا، لم تكن تعرفه.. عرفته اليوم وأنت تطل من الشباك.."
-"طيب! وماذا يهمني أن اعرف ذلك أو أن لا اعرفه، هل ستقوم القيامة؟"
رمقته زوجته من طرف عينيها ثم قالت:
-"اذهب والعب يا قيس في الغرفة الأخرى.."
وحين صفق الباب خلفه قالت لزوجها:
-"لا تحكي أمامه بهذا الشكل، الولد مبسوط لأنه يعرف ذلك، لماذا تخيب أمله؟"
قام واقترب منها ثم وضع كفه على بطنها وهمس:
-"متى؟"
"بعد سبعة اشهر"
-"أوف! "
-نريد بنتا هذه المرة.."
-"كلا ! نريد صبيا صبيا"

***


ولكنها أنجبت بنتا سماها"حسنا"، ماتت بعد شهرين من ولادتها وقال الطبيب مشمئزا: "لقد كانت نحيلة للغاية ! "
كان ذلك بعد شهر من تركه قريته، في بيت عتيق يقع في قرية أخرى بعيدة عن خط القتال:
-"يا أبا قيس، أحس بأنني سألد! "
-"طيب، طيب، اهدأي"
وقال في ذات نفسه:
"بودي لو تلد المرأة بعد مئة شهر من الحمل !أهذا وقت ولادة؟"
-"يا الهي! "
-"ماذا؟"
-"سألد."
-"أأنادي شخصا؟"
-"أم عمر"
-"أين أجدها الآن؟"
-"ناولني هذه الوسادة.."
-"أين أجد أم عمر؟"
-"يا الهي..ارفعني قليلا، دعني اتكئ على الحائط.."
-"لا تتحركي كثيرا، دعيني أنادي أم عمر.."
-"أسرع.. أسرع..يا رب الكون! "
هرول إلى الخارج، وحين صفق وراءه الباب سمع صوت الوليد، فعاد والصق إذنه فوق خشب الباب..
صوت الشط يهدر، والبحارة يتصايحون، والسماء تتوهج و الطائر الأسود ما زال يحوَم على غير هدى.
قام ونفض التراب عن ملابسه ووقف يحدق إلى النهر ..
أحس، أكثر من أي وقت مضى، بأنه غريب وصغير، مرر كفه فوق ذقنه الخشنة ونفض عن رأسه كل الافكار التي تجمعت كجيوش زاحمة من النمل .
وراء هذا الشط، وراءه فقط، توجد كل الأشياء التي حرمها هناك توجد الكويت .. الشيء الذي لم يعش في ذهنه إلا مثل الحلم والتصور يوجد هناك .. لابد أنها شئ موجود، من حجر وتراب وماء وسماء، وليست مثلما تهوم في رأسه المكدود.. لابد أن ثمة أزقة وشوارع ورجالا ونساء وصغارا يركضون بين الاشجار ..لا ..لا..لا توجد اشجار هناك ..سعد، صديقه الذي هاجر إلى هناك واشتغل سواقا وعاد باكياس من النقود قال انه لا توجد هناك أية شجرة.. الاشجار موجودة في راسك يا أبا قيس.. في راسك العجوز التعب يا أبا قيس .. عشر اشجار ذات جذوع معقدة كانت تساقط زيتونا وخيرا كل ربيع.. ليس ثمة اشجار في الكويت، هكذا قال سعد.. ويجب ان تصدق سعدا لانه يعرف أكثر منك رغم انه اصغر منك .. كلهم يعرفون أكثر منك .. كلهم.
في السنوات العشر الماضية لم تفعل شيئا سوى أن تنتظر.. لقد احتجت إلى عشر سنوات كبيرة جائعة كي تصدق انك فقدت شجراتك وبيتك وشبابك وقريتك كلها .. في هذه السنوات الطويلة شق الناس طرقهم وأنت مقع ككلب عجوز في بيت حقير .. ماذا تراك كنت تنتظر؟أن تثقب الثروة سقف بيتك .. بيتك؟ انه ليس بيتك .. رجل كريم قال لك :
اسكن هنا! هذا كل شئ، وبعد عام قال لك اعطني نصف الغرفة، فرفعت أكياسا مرقعة من الخيش بينك وبين الجيران الجدد .. وبقيت مقعيا حتى جاءك سعد واخذ يهزك مثلما يهز الحليب ليصير زبدا.
-"إذا وصلت إلى الشط بوسعك أن تصل إلى الكويت بسهولة، البصرة مليئة بالأدلاء الذين يتولون تهريبك إلى هناك عبر الصحراء..لماذا لا تذهب؟"
سمعت زوجته كلام سعد فنقلت بصرها بين وجهيهما وأخذت تهدهد طفلها من جديد.
-"إنها مغامرة غير مأمونة العواقب! "
-"غير مأمونة العواقب؟ها! ها! أبو قيس يقول : غير مأمونة العواقب .. هاها "!
ثم نظر إليها وقال :
-"أسمعت ما يقول زوجك؟غير مأمونة العواقب ! كأن الحياة شربة لبن! لماذا لا يفعل مثلنا؟ هل هو احسن؟ .."
لم ترفع بصرها ليه، وكان هو يرجو أن لا تفعل ..
-"أتعجبك هذه الحياة هنا؟لقد مرت عشر سنوات وأنت تعيش كالشحاذ .. حرام ! ابنك قيس، متى سيعود للمدرسة؟وغدا سوف يكبر الآخر .. كيف ستنظر إليه وأنت لم.."
-"طيب ! كفى! "
-"لا ! لم يكف! حرام! أنت مسؤول الآن عن عائلة كبيرة، لماذا لا تذهب إلى هناك؟ما رأيك أنت؟"
زوجته ما زالت صامتة وفكر هو : "غدا سيكبر هو الآخر …" ولكنه قال:
-"الطريق طويلة، وأنا رجل عجوز ليس بوسعي أن أسير كما سرتم أنت .. قد أموت .. "
لم يتكلم أحد في الغرفة، زوجته ما زالت تهدهد طفلها.وكف سعد عن إلحاح ولكن الصوت الغليظ انفجر في رأسه هو :
-"تموت؟ هيه! من قال أن ذلك ليس افضل من حياتك الآن؟ منذ عشر سنوات وأنت تأمل أن تعود إلى شجرات الزيتون العشر التي امتلكتها مرة في قريتك .. قريتك ! هيه! "
عاد فنظر إلى زوجته:
-"ماذا ترين يا أم قيس؟"
حدقت إليه وهمست:
-"كما ترى أنت…"
"سيكون بوسعنا أن نعلم قيس.."
-"نعم"
-"وقد نشترى عرق زيتون أن اثنين .."
-"طبعا! "
-"وربما نبني غرفة في مكان ما .."
-"اجل"
-"إذا وصلت ..إذا وصلت.."
كف، ونظر إليها..لقد عرف أنها سوف تبكي : ترتجف شفتها السفلى قليلا ثم ستنساب دمعة واحدة تكبر رويدا رويدا ثم تنزلق فوق خدها المغضن الأسمر..حاول أن يقول شيئا، ولكنه لم يستطع، كانت غصة دامعة تمزق حلقه .. غصة ذات مذاق مثلها تماما حين وصل إلى البصرة وذهب إلى دكان الرجل السمين الذي يعمل في تهريب الناس من البصرة إلى الكويت، وقف أمامه حاملا على كتفيه كل الذل وكل الرجاء اللذين يستطيع رجل عجوز ان يحملهما.. وكان الصمت مطبقا مطنا حين كرر الرجل السمين صاحب المكتب.
_"إنها رحلة صعبة، أقول لك، ستكلفك خمسة عشر دينارا."
-"وهل تضمن أننا سنصل سالمين؟"
-"طبعا ستصل سالما، ولكن ستتعذب قليلا، أنت تعرف، نحن في آب الآن، الحر شديد والصحراء مكان بلا ظل … ولكنك ستصل .."
كانت الغصة ما تزال في حلقه، ولكنه أحس انه إذا ما اجل ذلك الذي سيقوله فلن يكون بوسعه ان يلفظه مرة اخرى :
-"لقد سافرت آلافا من الأميال كي اصل إليك، لقد أرسلني سعد، أتذكره؟ ولكنني لا املك إلا خمسة عشر دينارا، ما رأيك ان تاخذ منها عشرة وتترك الباقي لي؟"
قاطعه الرجل:
-"إننا لا نلعب .. ألم يقل لك صديقك أن السعر محدود هنا؟ أننا نضحي بحياة الدليل من أجلكم.."
-"ونحن أيضا نضحي بحياتنا.."
-"إنني لا أجبرك على هذا "
-"عشرة دنانير؟"
-"خمسة عشر دينارا..ألا تسمع؟"
لم يعد بوسعه أن يكمل، كان الرجل السمين الجالس وراء كرسيه، المتصبب عرقا، يحدق إليه بعينين واسعتين و تمنى هو لو يكف الرجل عن التحديق، ثم أحس بها، ساخنة تملأ مؤقه و على وشك أن تسقط .. أراد أن يقول شيئا لكنه لم يستطع، أحس أن رأسه كله قد امتلأ بالدمع من الداخل فاستدار وانطلق إلى الشارع، هناك بدأت المخلوقات تغيم وراء ستار من الدمع : اتصل أفق النهر بالسماء وصار كل ما حوله مجرد وهج ابيض لا نهائي، عاد، فارتمى ملقيا صدره فوق التراب الندي الذي اخذ يخفق تحته من جديد .. بينما انسابت رائحة الأرض إلى انفه وانصبت في شرايينه كالطوفان.

داليا الهواري
23-02-2007, 03:57 AM
أسعد


وقف أسعد أمام الرجل السمين صاحب المكتب الذي يتولى تهريب الناس من البصرة إلى الكويت، ثم انفجر:
-خمسة عشر دينارا سأدفعها لك ! .. لا باس ! ولكن بعد أن اصل وليس قبل ذلك قط ..
حدق إليه الرجل من وراء جفنيه السمينين وسال ببلاهة :
-لماذا؟
-لماذا؟ ها ! لان الدليل الذي سترسلونه معنا سوف يهرب قبل أن نصل إلى منصف الطريق ! خمسة عشر دينارا، لا باس .. ولكن ليس قبل أن نصل ..
طوى الرجل أوراقا صفراء أمامه وقال بلؤم :
-أنا لا أجبرك على أي شئ .. أنا لا أجبرك .
-ماذا تعني؟
-اعني انه إذا لم تعجبك شروطنا فبوسعك أن تستدير، وخطو ثلاث خطوات، وستجد نفسك في الطريق .
-الطريق ! .. أتوجد بعد طرق في هذه الدنيا؟ ألم يمسحها بجبينه ويغسلها بعرقه طوال أيام وأيام؟ كلهم يقولون ذلك : ستجد نفسك على الطريق ! .. قال له أبو العبد الذي هربه من الأردن إلى العراق:
-"ما عليك إلا أن تدول حول الاتشفور، لا باس أن تضرب قليلا إلى الداخل، أنت مازلت فتى وبوسعك أن تتحمل قليلا من القيظ .. ثم عد، وستجدني بانتظارك على الطريق.. "
-"ولكن هذا لم يكن ضمن الشروط ..لقد قلت لي، ونحن في عمان انك ستأخذني إلى بغداد ودفعت لك عشرين دينارا كاملا .. لم تقل لي أنني سأدور حول الاتشفور.."
وضرب أبو العبد جناح سيارته المغبر فعلمت أصابعه الخمسة وبان من تحتها لون السيارة الأحمر الفاقع .. كانت السيارة الضخمة واقفة إلى جانب البيت قرب جبل عمان حين تفاوض معه، وهو يذكر تماما كل الشروط التي قيلت :
-"إنها مهمة صعبة، وسوف يأخذونني إلى السجن لو أمسكوك معي، ورغم ذلك فسوف اقدم لك خدمة كبرى لأنني كنت اعر ف والدك، رحمه الله .. بل أننا قاتلنا سوية في الرملة منذ عشر سنوات .."
صمت أبو العبد قليلا ..كان قميصه الأزرق ينضح بالعرق وأعطاه وجهه الحاد شعورا بأنه أمام واحد من أولئك الرجال الذين يعتقدون أن اجتراح معجزة ما هو واجب من واجبات رب العائلة :
-"سآخذ منك عشرين دينارا .. وسوف تجد نفسك في بغداد .. "
-"عشرون دينارا؟"
-"نعم! وعليك أيضا أن تساعدني طوال الطريق.
سنبدأ بعد غد، علي أن اشحن سيارة صغيرة لرجل ثري في بعداد كان قد أمضى شطرا من الصيف في رام الله ثم رأى أن يعود إلى بغداد بالطائرة.."
-"ولكن.. عشرين دينارا؟"
نظر إليه أبو العبد بالحاج، ثم انفجر:
-" إنني أنقذ حياتك بعشرين دينارا .. أتحسب انك ستمضي عمرك مختفيا هنا؟ غدا يلقون القبض عليك.."
-"ولكن من أين .. احضر لك عشرين دينارا؟"
-"استدن .. استدن، أي صديق بوسعه أن يعطيك عشرين دينارا إذا عرف بأنك ستسافر إلى الكويت.."
-"عشرون دينارا؟"
-"عشرون . عشرون.."
-"إلى بغداد؟"
-مباشرة!
ولكنه كذب عليه، استغل براءته وجهله، خدعه، أنزله من السيارة، بعد رحلة يوم قائظ، وقال له أن عليه أن يدور حول الاتشفور كي يتلافى الوقوع في أيدي رجال الحدود، ثم يلتقيه على الطريق!
"ولكنني لا اعرف هذه المنطقة ..أتفهم أنت معنى أن أسير كل هذه المسافة حول الاتشفور، في عز الحر؟"
ضرب أبو العبد جناح سيارته المغبر مرة أخرى، كانا واقفين منفردين قبل ميل من الاتشفور وصاح:
-ماذا تعتقد؟أن اسمك مسجل في كل نقاط الحدود، إذا رأوك معي الآن، لا جواز سفر ولا سمة مرور .. ومتآمر على الدولة ماذا تعتقد انه سيحدث؟كفاك دلالا .. انك قوي كالثور وبوسعك أن تحرك ساقيك .. سألاقيك وراء الاتشفور على الطريق.
كلهم يتحدثون عن الطرق .. يقولون : تجد نفسك على الطريق ! وهم لا يعرفون من الطريق إلا لونها الأسود وارصفتها ! وها هو الرجل السمين، المهرب البصراوي يكرر القصة بنفسها.
-ألا تسمع؟ إنني رجل مشغول جدا . قلت لك : خمسة عشر دينارا وسأوصلك إلى الكويت، طبعا عليم ان تمشي قليلا ولكنك فتى في غأية القوة، لن يضيرك هذا .
-ولكن لماذا لا تصغي إلى؟ قلت لك إنني سأعطيك المبلغ إذا ما وصلنا إلى الكويت.
-ستصل ! ستصل!
-كيف؟
-إنني اقسم لك بشرفي انك ستصل إلى الكويت!
-تقسم بشرفك؟
-اقسم لك بشرفي أنني سأتقيك وراء الاتشفور ! ما عليك إلا أن تدور حول تلك المنطقة الملعونة وستجدني بأنتظارك !
لقد دار دورة كبيرة حول الاتشفور، كانت الشمس تصب لهبا فوق رأسه، وأحس فيما كان يرتقي الوهاد الصفر، انه وحيد في كل هذا العالم .. جرجر ساقيه فوق الرمل كما لو انه يمشي على رمل الشاطئ بعد أن سحب زورقا كبيرا امتص صلابة ساقيه .. اجتاز بقاعا صلبة من صخور بنية مثل الشظأيا ثم صعد كثبانا واطئة ذات قمم مسطحة من تراب اصفر ناعم كالطحين.. تراهم لو حملوني إلى معتقل الجفر الصحراوي ..هل سيكونالأمرارحم مما هو الآن؟عبث .. عبث.. الصحراء موجودة في كل مكان، كان أبو العبد قد اعطاه كوفيه لف بها رأسه، ولكنها لم تكن ذات جدوى في رد اللهب بل خيل إليه انها اخذة، هي الأخرى، في الاحتراق ..كان الافق مجموعة من الخطوط المستقيمة البرتقالية، ولكنه كان قد عقد عزمه على المسير بجد .. وحتى حينما انقلب التراب إلى صفائح لامعة من ورق اصفر، لم يتباطأ.. وفجأة بدأت الأوراق الصفر تتطأير فانحنى يلمها:
-شكرا، شكرا ..إن هذه المروحة الملعونة تطير الأوراق من أمامي، ولكن دونها ليس بوسعي أن أتنفس .. ها! ماذا قررت؟.
-هل أنت متأكد من أن الدليل الذي سترسله معنا لن يهرب؟
-كيف يهرب أيها الغبي؟ستكونون أكثر من عشرة أشخاص .. لن يكون بوسعه أن يهرب منكم..
-وإلى أين سيوصلنا؟
-حتى طريق الجهرة، وراء المطلاع، وهناك ستكونون داخل الكويت..
-هل سنمشي كثيرا؟.
-ست أو سبع ساعات فقط..
بعد أربع ساعات وصل إلى الطريق، كان قد خلف الاتشفور وراءه، وكان الشمس قد سقطت وراء التلال البنية إلا أن رأسه كان ما يزال يلتهب وخيل إليه أن جبينه يتصبب دما .. لقد اقتعد حجرا و ألقى بصره بعيدا إلى راس الطريق الأسود المستقيم، كان رأسه مشوشا تخفق فيه آلاف الأصوات المتشابكة، وبدا له أن بروز سيارة كبيرة حمراء في راس تلك الطريق أمر خيالي وسخيف.. وقف، حدق إلى الطريق من جديد، لم يكن بوسعه أن يرى بوضوح بعد، تراه الغسق أم العرق؟ .كان رأسه ما يزال يطن مثل الخلية، وصاح بملء رئتيه:
-أبو العبد . يلعن أبوك .. يلعن أصلك..
-ماذا قلت؟
-أنا؟ لا شئ، لا شئ .. متى ستبدأ الرحلة؟
-حال يصير عددكم عشرة .. أنت تعرف، ليس بوسعنا أن نرسل دليلا مع كل واحد منكم، ولذلك فنحن ننتظر حتى يرتفع العدد إلى عشرة أشخاص ونرسل معهم دليلا واحدا .. هل ستعطيني النقود الآن؟
شد على النقود في جيبه وفكر:"سوف يكون بوسعي أن أرد لعمي المبلغ في اقل من شهر.. هناك في الكويت يستطيع المرء أن يجمع نقودا في مثل لمح البصر.."
- لا تتفاءل كثيرا، قبلك ذهب العشرات ثم عادوا دون أن يحضروا قرشا…ورغم ذلك سأعطيك الخمسين دينارا التي طلبتها، وعليك أن تعرف أنها جنى عمر..
إذن لماذا تعطيني النقود إذا كنت متأكدا من أنني لن أعيدها لك؟
-أنت تعرف لماذا ..الست تعرف؟أنني أريدك أن تبدأ..أن تبدأ ولو في الجحيم حتى يصير بوسعك ان تتزوج ندى .. انني لا استطيع ان اتصور ابنتي المسكينة تنتظر أكثر.. هل تفهمني؟
أحس الإهانة تجترح حلقه ورغب في أن يرد الخمسين دينارا لعمه يقذفها بوجه بكل ما في ذراعه من عنف وفي صدره من حقد، يزوجه ندى ! من الذي قال له انه يريد أن يتزوج ندى؟ لمجرد أن أباه قرأ معه الفاتحة حين ولد هو وولدت هي في يوم واحد؟ أن عمه يعتبر ذلك قدرا، بل انه رفض مئة خاطب قدموا ليتزوجوا ابنته، وقال لهم أنها مخطوبة ! يا اله الشياطين ! من الذي قال له انه يريد أن يتزوجها؟من قال له انه يريد أن يتزوج أبدا؟ وها هو الآن يذكره مرة أخرى ! يريد أن يشتريه لابنته مثلما يشري كيس الروث للحقل، شد على النقود في جيبه وتحفز في مكانه.. ولكنه حين لمسها هناك، في جيبه، دافئة ناعمة، شعر بأنه يقبض على مفاتيح المستقبل كله، فلو أتاح الآن لحنقه أن يسيطر عليه ليرجع النقود إلى عمه، إذن لما تيسرت له قط فرصة الحصول على خمسين دينار بأي شكل من الأشكال .. هدأ غضبه مطبقا فمه بإحكام وشد أصابعه على النقود الملتفة في جيب بنطاله، ثم قال :
-لا، لا، سأسلمك النقود حالما تجهز الرحلة تماما…سوف أراك مرة في كل يوم .. إنني انزل في فندق قريب ..
ابتسم الرجل السمين، ثم تطاولت ابتسامته فانفجر ضاحكا بصخب:
- من الخير لك أن لا تضيع وقتك يا بني.. كل المهربين يتقاضون نفس السعر، نحن متفقون فيما بيننا .. لا تتعب نفسك .. وعلى أي حال : احتفظ بنقودك حتى تجهز الرحلة، أنت حر..ما اسم الفندق الذي تنزل فيه؟
-فندق الشط ..
-آه! فندق الجرذان! .
نط جرذ الحقل عبر الطريق فلمعت عيناه الصغيرتان في ضوء السيارة وقالت الفتاة الشقراء لزوجها المنهمك بالسياقة:
-انه ثعلب ! رأيته؟
قال الزوج الأجنبي ضاحكا:
-أف منكن أيتها النساء! تجعلن من الجرذ ثعلبا! .
كانا قد التقطاه بعد الغروب بقليل بعد أن لوح لهما وهما في سيارتهما الصغيرة، فلما اوقف الزوج السيارة، اطل هو من النافذة .. كان يرجف من فرط البرد،وكانت الزوجة خائفة منه .. إلا انه جمع بذهنه ما تعلمه من اللغة الإنكليزية و قال :
- لقد اضطر صديقي أن يعود إلى الاتشفور بالسيارة وتركني ..
قاطعه الرجل :
-لا تكذب ..أنت هارب من هناك، لا باس، اصعد.. سأوصلك إلى بعقوبة.
كان المقعد الخلفي مريحا وناولته الفتاة بطانية التفح بها وكان لا يستطيع أن يعرف بالضبط، هل هو يرجف بسبب البرد الصحراوي، أم بسبب الخوف، أم بسبب التعب.. وقال الرجل:
-هل مشيت كثيرا؟
-لست ادري.. ربما أربع ساعات..
-لقد تركك الدليل .. أليس كذلك؟ إن ذلك يحدث دائما .
التفتت إليه الفتاة وسالت:
-لماذا تهربون من هناك؟
أجابها زوجها:
-إنها قصة طويلة .. قل لي .. هل تجيد قيادة السيارات
-نعم ..
-بوسعك أن تأخذ مكاني بعد أن تستريح قليلا .. قد أستطيع أن أساعدك على عبور مركز الحدود العراقي.. سنصل هناك في الثانية بعد منصف الليل، وسيكون المسؤولون نياما.
لم يكن يستطيع أن يركز رأسه على محور واحد، كان مشوشا ولم يكن بوسعه أن يهتدي إلى أول طريق التساؤلات كي يبدأ، ولذلك حاول جهده أن ينام ولو لنصف ساعة..
-من أين أنت؟
-من فلسطين.. من الرملة.
-أوف .. إن الرملة بعيدة جدا .. قبل أسبوعين كنت في زيتا..أتعرف زيتا؟ لقد وقفت أمام الأسلاك الشائكة، فاقترب مني طفل صغير وقال بالإنكليزية أن بيته يقع على بعد خطوات وراء الأسلاك ..
-هل أنت موظف؟
-موظف؟ ها ! إن الشيطان نفسه تأبى عليه براءته أن يكون موظفا.كلا يا صديقي .. أنا سائح..
-"انظر .. انظر، انه ثعلب آخر .. ألم تر إلى عينيه كيف تتقدان؟"
-"يا عزيزتي انه جرذ ..جرذ.. لماذا تصرين على انه ثعلب؟هل سمعت ما حدث أخيرا هناك، قرب زيتا؟"
-"كلا..ماذا حدث؟"
-"الشيطان لا يعرف ماذا حدث ! هل ستستقر في بغداد؟"
"كلا.."
-"أوف! إن هذه الصحراء مليئة بالجرذان، تراها ماذا تقتات؟"
أجاب بهدوء:
-"جرذان اصغر منها.."
قالت الفتاة:
-"حقا؟ انه شئ مرعب؟ الجرذ نفسه حيوان مرعب كريه.."
قال الرجل السمين صاحب المكتب:
-"الجرذ حيوان كريه .. كيف بوسعك أن تنام في ذلك الفندق؟"
-"انه رخيص."
نهض الرجل السمين صاحب المكتب واقترب منه ثم وضع ذراعه الثقيلة فوق كتفيه :
-"تبدو متعبا أيها الفتى.. ماذا حدث؟هل أنت مريض؟"
-"أنا؟كلا! "
-"إذا كنت مريضا قل لي.. قد أستطيع أن أساعدك .. لي كثير من الأصدقاء يعملون أطباء ..و اطمئن، لن تدفع شيئا .."
-"بارك الله فيك، ولكنني تعب قليلا.. هذا كل ما في الأمر.. هل سيتأخر أعداد الرحلة؟"
-"كلا، نحمد الله أنكم كثر .. خلال يومين ستجد نفسك على الطريق .. "
أدار ظهره واتجه إلى الباب، ولكن قبل أن يجتازه سمع الرجل السمين يقهقه من وراء كتفيه:
-"… لكن حاذر أن تأكلك الجرذان قبل أن تسافر

داليا الهواري
23-02-2007, 03:58 AM
مروان


خرج مروان من دكان الرجل السمين الذي يتولى تهريب الناس من البصرة إلى الكويت، فوجد نفسه في الشارع المسقوف المزدحم الذي تفوح منه رائحة التمر وسلال القش الكبيرة .. لم تكن لديه أية فكرة محددة عنة وجهته الجديدة .. فهناك، داخل الدكان، تقطعت آخر خيوط الأمل التي شدت، لسنوات طويلة، كل شئ في داخله ..كانت الكلمات الأخيرة التي يلفظها الرجل السمين حاسمة ونهائية، بل خيل إليه انها كانت مصبوبة من رصاص:
-خمسة عشر دينارا .. ألا تسمع؟
- ولكن…
-أرجوك ! أرجوك ! لا تبدأ بالنواح ! كلكم تأتون إلى هنا ثم تبدأون بالنواح كالأرامل! .. يا أخي، يا روحي .. لا أحد يجبرك على الالتصاق هنا، لماذا لا تذهب و تسال غيري، البصرة مليئة بالمهربين !
طبعا سيذهب ويسال غيره، لقد قال له حسن – الذي اشتغل في لكويت أربع سنين –أن تهريب الفرد الواحد من البصرة إلى الكويت يكلف خمسة دنانير فقط لا غير، وانه يجب أن يكون- حين يمثل أمام المهرب- اكبر من رجل وأكثر من شجاع وإلا ضحك عليه وخدعه واستغل سنيه الست عشرة وجعل منه ألعوبة .
-قالوا أن سعر الواحد خمسة دنانير.
-خمسة دنانير؟هاها! كان ذلك قبل أن تزف حواء إلى ادم .. يا بني، استدر، واخط ثلاث خطوات، وستجد نفسك في الطريق غير مطرود!
جمع شجاعته كلها وحشدها في لسانه، كل ما تبقى في جيبه لا يزيد عن السبعة دنانير، ولقد كان يحسب قبل هنيهة انه غني.. أما الآن .. أتراه يستصغره؟
-سوف تأخذ مني خمسة دنانير وأنت مبسوط .. وإلا ..
-وإلا ماذا؟
-وإلا فضحتك في مخفر الشرطة! .
قام الرجل السمين ودار حول كتبه ثم وقف أمامه وهو يلهث و يتصبب عرقا .. حدق فيه هنيهة قاسه فيها من رأسه حتى قدميه ثم رفع يده الثقيلة في الهواء..
-تريد أن تشكوني إلى الشرطة يا ابن ألـ…
وهوت اليد الثقيلة فوق خده، فضاعت الكلمة في طنين شيطاني اخذ يدور بين إذنيه.. لم يستطع أن يحتفظ بتوازنه للحظة فخطا إلى الوراء خطوتين صغيرتين، ووصله صوت الرجل السمين مبحوحا بالغضب : -اذهب وقل للقواويد انني ضربتك .. تشكوني للشرطة؟
تحفز في مكانه لبرهة وجيزة، ولكنها كانت كافية ليكتشف فيها عبث أية محاولة يقوم بها لترميم كرامته، بل انه أحس حتى عظامه .. بأنه قد اخطأ ـ خطأ ـ لا يغتفر، فاخذ يمضغ ذله وعلامات الأصابع فوق خده الأيسر تلتهب..
-ماذا تراك تنتظر هنا؟
دار على عقبيه، واجتاز الباب إلى الخارج فصفعت انفه روائح التمر وسلال القش الكبيرة .. تراه ماذا سيفعل الآن؟لم يكن يريد أن يسال السؤال لنفسه قط .. ولكنه ليس يدري لماذا كان يحس بنوع من الارتياح .. ترى ما السبب في ذلك؟لقد احب ان يشغل نفسه بالتقصي عن السبب .. ثمة شعور يملا جانبا من رأيه ويوحي له بالارتياح والسعادة، ولكنه لم يكن ليستطيع ان يفصله عن كل الاحداث المؤسية التي احتشدت في صدره خلال نصف الساعة الماضي .. وحين أنتهت كل محاولاًته إلى الفشل اتكأ على الحائط.. كانت جموع الناس تعبر حوإليه دون ان تلتفت إليه، ربما يحدث هذا للمرة الأولى في حياته:
ان يكون منفردا وغريبا في مثل هذا الحشد من البشر ولكنه كان يريد ان يعرف سبب ذلك الشعور البعيد الذي يوحي له الاكتفاء والارتياح، شعور يشابه ذاك الذي كان يراوده بعد ان ينتهي من مشاهدة فيلم سينمائي فيحس بان الحياة كبيرة وواسعة وانه سوف يكون في المستقبل واحدا من أولئك الذين يصرفون حياتهم، لحظة اثر لحظة وساعة اثر ساعة بامتلأء وتنوع مثيرين .. ولكن ما السب في كونه يحس الآن مثل ذلك الشعور رغم انه لم يشاهد منذ زمن بعيد فيلما من ذلك النوع، ورغم ان خيوط الامل التي نسجت في صدره احلاما كبارا قد تقطعت، قبيل لحظات، داخل دكان الرجل السمين؟.
لا فائدة .. يبدو انه لن يستطيع اختراق الحجاب الكثيف من خيبة الامل الذي ارتفع دونه ودون ذلك الشعور الملتف على نفسه في مكان ما من رأسه .. وقرر، فيا بعد، ان لا يرهق رأسه قط .. وان يشغل نفسه بالمسير .. ولكنه ما ان ترك الجدار وبدا يمشي في الزحام حتى شعر بيد تربت على كتفيه ,,
-لا تياس إلى هذا الحد …إلى أين ستذهب الآن؟
كان الرجل الطويل قد بدأ يسير إلى جانبه بالفه، وحين نظر اله خيل له انه قد شاهده في مكان ما من قبل، ولكنه رغم ذلك، ابتعد عنه خطوة وصب فوق وجهه عينين متسائلتين، فقال الرجل:
-انه لص شهير.. ما الذي قادك إليه؟
اجاب بعد تردد قصير:
-كلهم ياتون إليه..
اقترب الرجل منه وشبك ذراعه بذراعه كانه يعرفه منذ زمن بعيد:
-اتريد ان تسافر إلى الكويت؟
-كيف عرفت؟
لقد كنت واقفا إلى جانب باب تلك الدكان، وشهدتك تدخل ثم شهدتك تخرج..ما اسمك؟
-مروان .. وأنت؟
-انهم ينادونني "أبو الخيزران."
لأول مرة منذ راه لاحظ الآن ان منظره يوحي حقا بالخيزران، فهو رجل طويل القامة جدا، نحيل جدا،ولكن عنقه وكفيه تعطي الشعور بالقوة والمتانة وكان يبدو لسبب ما انه بوسعه ان يقوس نفسه، فيضع رأسه بين قدميه دون ان يسبب ذلك أي ازعاج لعموده الفقري او بقية عظامه.
-حسنا، ماذا تريد مني؟
تجاهل أبو خيزران السؤال بسؤال من عنده:
-لماذا تريد ان تسافر إلى الكويت؟
-اريد ان اشتغل .. أنت تعرف كيف تجري الامور هناك .. منذ شهور طويلة وأنا.
صمت فجأة ووقف.
الآن، فقط، عرف منشا ذلك الشعور بالارتياح والاكتفاء الذي لم يكن بوسعه، قبل دقائق، ان يكتشفه .. انه ينفتح أمام عينيه بكل اتساعه وصفائه، بل انه هدم، بشكل رائع كل سدود الكآبة التي حالت بينه وبين معرفته .. وها هو الآن يمتلكه من جديد بسطوة لا مثيل لها قط .. كان أول شئ فعله ذلك الصباح الباكر هو كتابة رسالة طويلة إلى امه .. وانه يشعر الآن بمزيد من الارتياح لانه كتب تلك الرسالة قبل ان تخيب اماله كلها في دكان الرجل السمين فيضيع صفاء الفرح الذي صبه في تلك الرسالة .. لقد كان بديعا ان يعيش بعض ساعة مع امه.
نهض باكرا جدا ذلك الصباح.. كان الخادم قد رفع السرير إلى سطح الفندق لان النوم داخل الغرفة في مثل ذلك القيظ وتلك الرطوبة امر مستحيل .. وحينما اشرقت الشمس فتح عينيه .. كان الجو رائعا وهادئا وكانت السماء مازالت تبدو زرقاء تحوم فيها حمامات سود على علو منخفض ويسمع رفيف اجنحتها كلما اقتربت- في دورتها الواسعة-من سماء الفندق.. كان الصمت مطبقا بكثافة، والجو يعبق برائحة رطوبة مبكرة صافية .. مد يده إلى حقيبته الصغيرة الموضوعة تحت السرير فاخرج دفترا وقلما ومضى يكتب رسالة إلى امه وهو مستلق هناك.
كان ذلك احسن ما فعله خلال الشهور، لم يكن مجبرا على فعله، ولكنه كان يريد ذلك بملء رغبته وارادته .. كان مزاجه رائقا، وكانت الرسالة تشبه صفاء تلك السماء فوقه .. ليس يدري كيف اجاز لنفسه ان يصف أباه بانه مجرد كلب منحط ولكنه لم يشا ان يشطب ذلك بعد ان كتبه، لم يكن يريد ان يشطب أية كلمة في الرسالة كلها.. ليس لان امه تتشاءم من الكلمات المشطوبة فقط، بل لانه كان لا يريد ذلك أيضا و ببساطة.
ولكنه –على أي حال –لا يحقد على ابيه إلى ذلك الحد.. صحيح ان أباه قام بعمل كريه، ولكن من منا لا يفعل ذلك بين الفينة والأخرى؟انه يستطيع ان يفهم بالضبط ظروف والده، وبوسعه ان يغفر له .. ولكن هل بوسع والده ان يغفر لنفسه تلك الجريمة؟
"ان يترك اربعة اطفال. ان يطلقك أنت بلا أي سبب، ثم يتزوج من تلك الإمرأه الشوهاء .. هذا امر لن يغفره لنقسه حين يصحو، ذات يوم، ويكتشف ما فعل .
انني لا اريد ان اكره احدا، ليس بوسعي ان افعل ذلك حتى لو اردت .. ولكن لماذا فعل ذلك، معك أنت؟ أنا اعرف انك لا تحبين لاحد منا ان يحكي عنه، اعرف .. ولكن لماذا تعتقدين انه فعل ذلك؟
لقد مضى كل شئ الآن وراح ولا امل لنا بان نستعيده مرة اخرى .. ولكن لماذا فعل ذلك؟ دعينا نسال، لماذا؟
أنا سوف اقول لك لماذا .. منذ ان انقطعت عنا اخبار اخي زكريا اختلف الوضع نهائيا.. كان زكريا يرسل لنا من الكويت، كل شهر حوالي مئتي روبية .. كان هذا المبلغ يحقق لابي بعض الاستقرار الذي يحلم به .. ولكن حين انقطعت اخبار زكريا-نرجو ان يكون ذلك خيرا– ماذا تعتقدين انه فكر؟
لقد قال لنفسه –بل قال لنا كلنا- ان الحياة امر عجيب وان الرجل يريد ان يستقر في شيخوخته لا ان يجد نفسه مجبر على اطعام نصف دزينة من الافواه المفتوحة .. الم يقل ذلك؟ زكريا راح .. زكريا، ضاعت اخباره، من الذي سيطعم الأفواه؟ من الذي سيكمل تعليم مروان ويشتري ملابس مي ويحمل خبزا لرياض وسلمى وحسن؟ من؟
انه رجل معدم، أنت تعرفين ذلك .. لقد كان طموحه كله .. كال طموحه، هو ان يتحرك من بيت الطين الذي يشغله في المخيم منذ عشر سنوات ويسكن تحت سقف من اسمنت، كما كان يقول .. الآن، زكريا راح .. اماله كلها تهاوت .. احلامه انهارت .. مطامحه ذابت.. فماذا تعتقدين انه سيفعل؟
لقد عرض عليه صديقه القديم والد شفيقه ان يتزوجها. قال له انها تمتلك بيتا من ثلاث غرف في طرف البلد، دفعت ثمنه من لك النقود التي جمعتها لها منظمة خيرية.. وأبو شفيقة يريد شيئا واحدا: ان يلقي حمل ابنته-التي فقدت ساقها اليمنى اثناء قصف يافا- على كاهل زوج! انه على عتبة قبره ويريد ان يهبطه مطمئنا على مصير ابنته التي رفضها الجميع بسبب تلك الساق المبتورة من اعلى الفخذ.. لقد فكر والدي بالأمر: لو اجر غرفتين وسكن مع زوجته الكسحاء في الثالثة إذن لعاش ما تبقى له من الحياة مستقرا غير ملاحق بأيما شئ .. واهم من ذلك ..تحت سقف من اسمنت ..
-اتريد ان تبقى واقفا هنا إلى الابد؟
نفض رأسه وسار.. كان "أبو الخيزران"ينظر إليه من طرف حدقتيه، وخيل إليه انه على وشك ان يبتسم ساخرا.
-ما بالك تفكر بهذا الشكل؟ ان التفكير غير ملائم لك يا مروان، مازلت صغير السن .. والحياة طويلة..
وقف مرة اخرى والقى برأسه إلى الوراء قليلا:
-والآن .. ماذا تريد مني؟.
واصل "أبو الخيزران" المسير فلحق به من جديد:
-استطيع ان اهربك إلى الكويت ..
-كيف؟
هذا شاني أنا.. أنت تريد ان تذهب إلى الكويت اليس كذلك؟ ها هو ذا إنسان بوسعه ان ياخذك إلى هناك .. ماذا تريد غير ذلك؟
-كم ستأخذ مني؟
-هذا ليس مهما في الواقع ..
انه المهم.
ابتسم أبو الخيزران ابتسامة واسعة فانشقت شفتاه عن صفين من الاسنان الكبيرة الناصعة البيضاء ثم قال :
-ساخبرك الأمر بكل صراحة.. أنا رجل مضطر للذهاب إلى الكويت، قلت لنفسي: لا بأس من ان ارتزق فاحمل معي بعض من يريد ان يذهب إلى هناك..كم بوسعك ان تدفع؟
-خمسة دنانير..
-فقط؟
-لا املك غيرها.
-حسنا، ساقبلها ..
وضع أبو الخيزران يديه في جيبه ومضى يسير بخطوات واسعة حتى اوشك مروان ان يضيعه، فاضطر إلى اللحاق به مسرعا، الا ان أبا الخيزران وقف فجأة وهز اصبعه أمام فمه:
-ولكن! لا تقل ذلك لأي إنسان .. اعني إذا طلبت من رجل اخر عشرة دنانير فلا تقل له انني اخذت منك خمسة فقط..
-ولكن كيف تريدني ان اثق بك؟
فكر أبو الخيزران قليلا ثم عاد فابتسم تلك الابتسامة الواسعة وقال:
-معك حق! ستعطيني النقود في ساحة الصفاة في الكويت ..في العاصمة.. في منتصف العاصمة، مبسوط؟
-موافق!
-ولكننا سنحتاج إلى عدد اخر من المسافرين .. وعليك ان تساعدني، هذا شرط.
-انني اعرف واحدا ينزل معي في الفندق ويرغب في السفر.
-هذا رائع، أنا اعرف واحدا اخر .. انه من بلدتي في فلسطين أيام زمان قابلته صدفة هنا .. ولكنني لم اسالك ماذا تريد ان تفعل في الكويت .. هل تعرف احداً؟
وقف مرة اخرى، الا ان أبا الخيزران شده من ذراعه فعاد يخب إلى جانبه ..
-ان اخي يعمل هناك .
هز أبو الخيزران رأسه فيما كان يسير متعجلا ثم رفع كتفيه فغاصت عنقه وبدا اقصر من ذي قبل..
-وإذا كان اخوك يشتغل هناك .. فلماذا تريد أنت ان تشتغل؟ الذين في سنك مازالوا في المدارس! ..
-لقد كنت في المدرسة قبل شهرين، ولكنني اريد ان اشتغل الآن كي أعيل عائلتي..
وقف أبو الخيزران ثم رفع كفيه من جيبه وثبتهما على خصريه واخذ يحدق إليه ضاحكا..
-ها! لقد فهمت الآن .. اخوك لم يعد يرسل لكم نقوداً، اليس كذلك؟
هز مروان رأسه وحأول ان يسير، الا ان أبا الخيزران شده من ذراعه فاوقفه ..
-لماذا؟ هل تزوج؟
حدق مروان إلى ابي الخيزران مشدوها ثم همس:
-كيف عرفت؟
-ها! إلى لا يحتاج إلى ذكاءه خارق، كلهم يكفون عن ارسال النقود إلى عائلاتهم حين يتزوجون أو يعشقون ..
أحس مروان بخيبة أمل صغيرة تنمو في صدره، لا لانه فوجئ، بل لانه اكتشف ان الأمر شائع ومعروف، لقد كان يحسب انه يخنق صدره على سر كبير لا يعرفه غيره: حجبه عن أمه وعن أبيه طوال شهور وشهور .. وها هو الآن يبدو على لسان ابى الخيزران كانه قاعدة معروفة وبديهية..
-ولكن .. لماذا يفعلون ذلك؟ لماذا يتنكرون لـ…
صمت فجأة، كان أبو الخيزران قد بدا يضحك :
-أنا مبسوط انك ستذهب إلى الكويت لانك ستتعلم هناك اشياء عديدة .. أول شئ ستتعلمه هو ان: القرش ياتي أولا، ثم الاخلاق .
-حين تركه أبو الخيزران على امل لقاء بعد الظهر كان قد فقد –من جديد- كل تلك المشاعر الرائعة التي كانت تغسله، من الداخل طوال الصباح .. بل انه استغرب كيف تكون تلك الرسالة التي كتبها لامه قد اعطته الشعور الرائق الذي جعل خيبة امله تبدو اقل قيمة مما هي في الواقع .. رسالة سخيفة كتبها تحت وطاة الشعور بالوحدة والامل على سطح فندق حقير مرمي في طرف الكون.. ما هو الخارق في الأمر؟ أيحسب ان امه لا تعرف القصة كلها؟ ماذا كان يريد ان يقول؟ اكان يريد ان يقنعها بان هجران زوجها لها ولأولادها امر رائع وطبيعي؟
إذن لماذا كل تلك الثرثرة؟ انه يحب والده حبا خارقا لا يتزعزع.. ولكن هذا لا يغير شيئا من الحقيقة الراعبة .. الحقيقة التي تقول ان أباه قد هرب .. هرب .. هرب.. تماما كما فعل زكريا الذي تزوج وارسل له رسالة صغير قال له فيها ان دوره قد اتى، وان عليه ان يترك تلك المدرسة السخيفة التي لا تعلم شيئا وان يغوص في المقلاة مع من غاص..
كل عمره كان على طرفي نقيض مع زكريا.. بل انهما كأنا-في الواقع –يكرهان بعضهما .. زكريا لم يكن يستطيع ان يفهم قط لماذا يتوجب عليه ان يصرف على العائلة طوال عشر سنوات بينما يروح مروان ويجئ إلى المدرسة مثل الاطفال.. وكان هو يريد ان يصبح طبيبا .. كان يقول لامه ان زكريا لن يفهم قط معنى ان يتعلم الإنسان لانه ترك المدرسة حين ترك فلسطين وغاص منذ ذاك، في المقلاة، كما يحب ان يقول.
وها هو الآن قد تزوج دون ان يقول ذلك لاحد غيره، كانه كان يريد ان يضعه أمام ضميره وجها لوجه .. ولكن ماذا ترك له ليختار. لا شئ غير ان يترك المدرسة ويعمل، يغوص في المقلاة من هنا وإلى الابد!
لا باس ! لا باس .. أيام قليلة ويصل إلى الكويت .. إذا ساعده زكريا كان ذلك افضل، إذا تجاهله فلسوف يعرف كيف يهتدي إلى أول الطريق كما اهتدى الكثيرون.. ولسوف يرسل كل قرش يحصله إلى امه، سوف يغرقها ويغرق اخوته بالخير حتى يجعل من كوخ الطين جنة الهية .. ويجعل أباه ياكل اصابعه ندما!
ورغم ذلك، فانه لا يكره أباه إلى هذا الحد، لسبب بسيط هو ان أباه مازال يحبهم جميعا .. لقد تاكد من ذلك تماما حين ذهب إليه يودعه قبل ان يسافر، لم يقل لامه انه سيذهب إلى بيت شفيقة والا لكانت جنت .. قال له أبوه هناك:
-أنت تعرف يا مروان بان لا يد لي في إلى، هذا شئ مكتوب لنا منذ بدء الخليقة.
قالت شفيقة:
-قلنا لامك ان تاتي وتسكن هنا لكنها لم تقبل .. ماذا تريدنا ان نفعل أكثر من ذلك؟
كانت جالسة فوق بساط من جلد ماعز، وكان العكاز ملقى إلى جانبها، وفكر هو: "ترى أين ينتهي فخذها؟" كان وجهها جميلا ولكنه حاد الملامح مثل وجه كل أولئك المرضى الذي لا يرجى لهم الشفاء، وكانت شفتها السفلى مقوسة كانها على وشك ان تبكي ..
قال أبوه:
-خذ، هذه عشرة دنأينر .. قد تنفعك .. واكتب لنا دائما.
حين قام رفعت شفيقة ذراعها في الهواء ودعت له بالتوفيق، كان صوتها فاجعا وحين التفت إليها قبل ان يجتاز الباب بدأت تشهق بالبكاء . وقال له أبوه:
-وفقك الله يا مروان يا سبع.
وحاول أن يضحك إلى انه لم يستطع فاخذ يربت بكفه الكبيرة الخشنة على ظهره بينما تناولت شفيقة عكازها واستوت واقفة بحركة سريعة، كانت قد كفت عن البكاء.
صفق الباب وراءه وسار . كان مازال يسمع صوت عكاز شفيقة يقرع البلاط برتابة، وعند المنعطف تلاشى الصوت

داليا الهواري
23-02-2007, 03:59 AM
الصفقة


اقتاد مروان زميله أسعد إلى موعده مع إلى الخيزران، وصلا متاخرين قليلا فوجدا أبا الخيزران بإنتظارهما، جالسا مع ابي قيس فوق مقعد اسمنت كبير على رصيف الشارع الموازي للشط.
-لقد اجتمعت العصابة كلها الآن، أليس كذلك؟
صاح أبو الخيزران ضاحكا وهو يضرب كتف مروان بكفه ويمد الأخرى ليصافح أسعد.
-هذا هو صديقك إذن .. ما اسمه؟
أجاب مروان باقتضاب:
-أسعد.
دعني إذن أعرفكما على صديقي العجوز .. "أبو قيس.."
وبهذا تكون العصابة قد اكتملت .. لا باس أن تزداد واحدا .. ولكنها الآن كافية أيضا.
قال أسعد:
-يبدو لي انك فلسطيني.. أأنت الذي سيتولى تهريبنا؟
-نعم، أنا .
-كيف؟
-هذا شأني أنا ..
ضحك أسعد بسخرية ثم قال ببطء شادا على كلماته بعنف:
-لا يا سيدي .. انه شاننا نحن .. يجب أن تحكي لنا كل التفاصيل، لا نريد متاعب منذ البدء.
قال أبو الخيزران بصوت حاسم :
-سأحكي لكم التفاصيل بعد أن نتفق، وليس قبل ذلك ..
قال أسعد :
-لا يمكن أن نتفق قبل أن نعرف التفاصيل، ما رأي الشباب؟
لم يجب أحد، فأكد أسعد من جديد:
-ما رأي العم أبو قيس؟
قال أبو قيس:
-الرأي رأيكم ..
-ما رأيك يا مروان؟
-أنا معكم.
قال أسعد بعنف:
-إذن، دعونا نختصر الوقت .. يبدو لي أن العم أبو قيس غير خبير بالأمر، اما مروان فانها تجربته الأولى . أنا عتيق في هذه الصنعة، ما رأيكم ان اتفاوض عنكم؟
رفع أبو قيس كفه في الهواء موافقا، وهز مروان رأسه، فالتفت أسعد إلى أبى الخيزران ..
-لقد رأيت : الشباب سلموني الأمر، فدعني أقول لك شيئا : إننا من بلد واحد. نحن نريد أن نرتزق وأنت تريد أن ترتزق،لا باس، ولكن يجب أن يكون الأمر في منتهى العدل ..سوف تحكي لنا بالتفصيل كل خطوة، وسوف تقول لنا بالضبط كم تريد، طبعا سنعطيك النقود بعد أن نصل وليس قبل ذلك قط..
قال أبو قيس:
-الأخ أسعد يحكي الحق .. يجب أن نكون على بينة من الأمر، وكما يقول المثل: ما يبدأ بالشرط ينتهي بالرضا .
رفع أبو الخيزران كفيه من جيبيه ووضعهما على خصريه، ثم نقل بصره فوق الوجوه جميعا ببطء وببرود حتى قر قراره فوق وجه أسعد:
-أولا، كل واحد منكم سيدفع عشرة دنانير .. موافقون؟
قال أبو قيس:
-أنا موافق.
قال أسعد:
-أرجوك ..لقد سلمتني الأمر إذن دعني احكي ..
عشرة دنانير مبلغ كبير، إن المهرب المحترف يأخذ خمسة عشرة دينارا .. ثم..
قاطعه أبو الخيزران :
-لقد اختلفنا إذن قبل أن نبدأ، هذا ما كنت أخشاه .. عشرة دنانير لا تنقص فلسا ..السلام عليكم .
أدار ظهره وخطا خطوتين بطيئتين قبل أن يلحقه أبو قيس صائحا:
-لماذا غضبت؟ الموضوع سؤال وجواب والاتفاق أخو الصبر..
-حسنا، نعطيك عشرة دنانير .. ولكن كيف ستأخذنا؟
-ها! نحن الآن في شغل الجد .. اسمع .
جلس أبو الخيزران على مقعد الأسمنت ووقف الثلاثة حواليه ومضى يشرح مستعينا بيديه الطويلتين:
-لدي سيارة مرخصة لاجتياز الحدود .. ها ! يجب أن تنتبهوا : إنها ليست سيارتي .. أنا رجل فقير أكثر منكم جميعا وكل علاقتي بتلك السيارة انني سائقها! صاحب هذه السيارة رجل ثري معروف، ولذلك فانها لا تقف كثيرا على الحدود، ولا تتعرض للتفتيش، فصاحب السيارة معروف ومحترم، والسيارة نفسها معروفة ومحترمة وسائق السيارة، تبعا لذلك، معروف ومحترم..
كان أبو الخيزران سائقا بارعا، فقد خدم في الجيش البريطاني في فلسطين قبل عام 1948 أكثر من خمس سنوات، وحين ترك الجيش وانضم إلى فرق المجاهدين كان معروفا بأنه أحس سائق للسيارات الكبيرة يمكن أن يعثر عليه، ولذلك استدعاه مجاهدوا الطيرة ليقود مصفحة عتيقة كان رجال القرية قد استولوا عليها اثر هجوم يهودي .. ورغم انه لم يكن خبيرا في قيادة المصفحات إلا انه لم يخيب آمال أولئك الذين وقفوا على جانبي الطريق يتفرجون عليه وهو يدخل من الباب المصفح الصغير ويغيب لحيظات، ثم يهدر المحرك بالضجيج وتمضي المصفحة تدرج في الطريق الرملي الضيق . إلا أن المصفحة ما لبثت أن تعطلت، ولم تجد كل المحاولاًت التي بذلها أبو الخيزران لإعادتها إلى سيرتها السوية .. وإذا كانت خيبة أمل الرجال كبيرة، فان خيبة أمله كانت اكبر، ولكن أبا الخيزران –على أي حال –أضاف إلى تجاربه في عالم المحركات تجربة أخرى، ومن ذا الذي يستطيع أن يقول أن هذه التجربة لم تنفعه حين انضم إلى سائقي سيارات الحج رضا في الكويت؟
لقد استطاع ذات يوم أن يقود سيارة ماء جبارة أكثر من ست ساعات في طريق ملحي موحل دون أن تغوص في الأرض وتتعطل مثلما حدث لجميع سيارات القافلة.. كان الحج رضا قد خرج مع عدد من رجاله إلى الصحراء ليغيبوا عدة أيام في القنص ..إلا أن الربيع كان خادعا، وأثناء عودتهم كانت الطريق تبدو بيضاء صلدة، وهذا ما دفع سائقي السيارات لاقتحامها دون وجل، وهناك بدأت السيارات، الكبيرة والصغيرة، تغوص في الوحل واحدة اثر الأخرى..
إلا أن أبا الخيزران، الذي كان يقود سيارته الجبارة خلف الجميع واصل السير ببراعة ودون أن يتعطل ثانية واحدة وحين شارف سيارة الحج رضا الرمادية الغارقة حتى ثلاثة أرباع عجلاتها الو رائية في الوحل، أوقف سيارته وهبط ثم اقترب من الحج وقال له :
-ما رأي عمي الحج رضا أن يصعد إلى سيارتي؟ان أنتشال هذه السيارات يستلزم أكثر من اربع ساعات، وفي هذا الوقت يكون عمي الحج رضا قد وصل إلى بيته .
قال الحج رضا :
-تمام ! إن صوت محرك سيارتك ارحم من الوقوف هنا مدة أربع ساعات.
قاد أبو الخيزران سيارته الضخمة طوال ست ساعات فوق تلك الأرض الخادعة التي تبدو بيضاء صلدة بسبب طبقة رقيقة من الملح الذي جف على السطح، وكان أبو الخيزران، طوال الطريق، يحرك مقود سيارته حركات خفيفة وسريعة ذات اليمين وذات اليسار كي تستطيع العجلتان الأماميتان أن تفتحا طريقا اوسع قليلا من حاجتهما..
لقد سر الحج رضا للغاية من براعة أبى الخيزران وتحدث بذلك لكل أصدقائه طوال شهور .. وقد سر الحج أكثر حين نما إليه أن أبا الخيزران رفض عروضا عديدة للعمل عند سواه، بعد أن تفشت هذه الأخبار، واستدعاه وأثنى عليه ثم زوّد راتبه قليلا .. ما هو أهم من ذلك أن الحج رضا بات يشترط أن يكون أبو الخيزران رفيقا ضروريا لكل رحلة قنص أو سفر بعيد.
منذ أسبوع خرج الحج رضا في قافلة من سياراته إلى رحلة قنص أقامها خصيصا من اجل ضيوف ينزلون عنده، وقد كلف أبو الخيزران بقيادة سيارة الماء الكبيرة التي سترافق القافلة طوال الرحلة وتؤمن الماء الوفير للرجال أثناء الرحلة التي قد تستغرق أكثر من يومين .. لقد ضربت القافلة بعيدا في الصحراء حتى أن الحج رضا فضل أن يسلك في طرق عودته دروبا أخرى تصل به إلى الزبير، ومن الزبير يستطيع أن يسلك الطريق الرئيسي الذي يعود إلى الكويت .. كان من الممكن أن يكون أبو الخيزران الآن في الكويت، مع بقية القافلة لو لم يصب سيارته الكبيرة عطل صغير يضطره للبقاء في البصرة يومين آخرين حتى يصلحه، ثم يلحق بمن سبق .
-أنت تريد إذن أن تضعنا داخل خزان ماء سيارتك في طريق عودتك؟
-بالضبط ! لقد قلت لنفسي : لماذا لا تنتهز الفرصة فترتزق بقرشين نظيفين طالما أنت هنا، وطالما أن سيارتك لا تخضع للتفتيش؟
نظر مروان إلى آبي قيس، ثم إلى أسعد فنظرا إليه بدورهما متسائلين :
-اسمع يا أبا الخيزران .. هذه اللعبة لا تعجبني! هل تستطيع أن تتصور ذلك؟في مثل هذا الحر من يستطيع ان يجلس في خزان ماء مقفل؟
-لا تجعل من القضية مأساة، هذه ليست أول مرة ..هل تعرف ما الذي سيحدث؟ستنزلون إلى الخزان قبل نقطة الحدود في صفوان بخمسين مترا، ساقف على الحدود اقل من خمس دقائق، بعد الحدود بخمسين مترا ستصعدون إلى فوق.. وفي المطلاع على حدود الكويت، سنكرر المسرحية لخمس دقائق اخرى، ثم هوب! ستجدون انفسكم في الكويت!
هز أسعد رأسه ثم حدق إلى الأرض لبرهة وقد قلب شفته السفلى، أما مروان فقد اخذ يتلهى بقصف عود جاف، وواصل أبو قيس التحديق إلى السائق طويل القامة.. وفجأة قال مروان :
-هل يوجد ماء في الخزان؟
انفجر أبو الخيزران ضاحكا وابتسم أسعد:
-طبعا لا .. ماذا تعتقد؟ هل أنا مهرب أم معلم سباحة؟
وكأنما راقت الفكرة لأبي الخيزران فقد مضى يقهقه ويضرب فخذيه بكفيه ويدور حول نفسه..
-ماذا تعتقد؟ هل أنا معلم سباحة؟أيها الصغير : أن الخزان لم ير الماء منذ ستة شهور!
قال أسعد بهدوء :
-حسبت انك كنت تنقل الماء في رحلة قنص قبل أسبوع؟
-أوف .. أنت تعرف، تعرف ماذا اقصد .
-لا، لا اعرف.
-اقصد منذ ستة أيام ..إن المرء يبالغ أحيانا .. والآن، هل اتفقنا؟..دعونا ننهي هذا الاجتماع الخطير ! .
وقف أبو قيس مهيئا نفسه للقول الفصل، ولكنه قبل أن ينطق دور بصره على الجميع وتوقف هنيهة وهو ينظر إلى أسعد كأنه يرجوه العون، ثم اقترب من أبي الخيزران.
-اسمع يا أبا الخيزران .. أنا رجل درويش ولا افهم بكل هذه التعقيدات .. ولكن قصة رحلة القنص تلك، لم تعجبني.
تقول انك حملت للحج رضا ماء، ثم تقول الآن أن خزان سيارتك لم يشم رائحة الماء منذ ستة اشهر . سأقول لك الحقيقة و وأرجو أن لا تغضب : أنا اشك في انك تملك سيارة ..
التفت أبو قيس للبقية ومضى يكمل بصوت خزين :
-أنا افضل أن ادفع خمسة عشر دينارا واذهب مع مهرب عن طريق الصحراء ..لا أريد مزيدا من المشاكل.
ضحك أبو الخيزران وقال بصوت عال:
-اذهب وجرب .. أتحسب أنني لا اعرف هؤلاء المهربين؟ سيتركونكم في منتصف الطريق ويذوبون مثل فص الملح ! . وأنتم بدوركم ستذوبون في قيظ آب دون أن يشعر بكم أحد .. اذهب .. اذهب وجرب.. قبلك جرب الكثيرون ..تريد أن أدلك؟ لماذا تحسب انهم يأخذون منكم المبلغ سلفا؟
-"ولكنني اعرف كثيرين وصلوا إلى هناك عن طريق المهربين ".
-"عشرة بالمئة على الأكثر..ثم اذهب واسألهم وسيقولون لك انهم اكملوا الطريق بلا مهرب وبلا دليل، وان حظهم قد ساعدهم على النجاة."
جمد أبو قيس في مكانه، وبدا للحظة انه موشك على السقوط ولاحظ مروان أن أبا يقيس يشبه والده إلى حد بعيد، فأشاح بوجهه عنه، لم يعد بوسعه أن يركز رأسه على موضوع واحد.. فيما مضى أبو الخيزران صائحا:
-يجب أن تقرروا بسرعة ! ليس لدي مزيد من الوقت لأضيعه، اقسم لكم بشرفي..
قال أسعد مقاطعا بهدوء
-اترك موضوع الشرف في ناحية أخرى .. الأمور تمضي بشكل افضل حين لا يقسم المرء بشرفه ..
التفت أبو الخيزارن إليه وقال:
-الآن يا سيد أسعد، أنت رجل ذكي ومجرب .. ما رأيك ..؟
-رأيي بماذا؟
-بكل شئ.
ابتسم أسعد ولاحظ أن أبا قيس ومروان ينتظران أن يسمعا قراره، فمضى يحكي ببطء وسخرية:
-أولا، اعفينا من تصديق قصة رحلة القنص ! .يبدو لي أن الحج رضا وجنابك تعملان بالتهريب.. عفوك قليلا، دعني اكمل.. الحج رضا يعتقد ان تهريب الاشخاص في طريق العودة امر تافه، لذلك يتركه لك، اما أنت فتترك له بالمقابل تهريب الامور الاهم.. وبنسبة من الارباح المعقولة، ام تراه لا يعرف انك تهرب اشخاصا في طريق العودة؟
ابتسم أبو الخيزران ابتسامة واسعة فبانت أسنانه البيضاء النظيفة من جديد وبدا انه لا يريد أن يجيب أسعد .. قال مروان فجأة:
-وقصة القنص؟
-أوه! قصة القنص معدة لرجال الحدود، ليس لنا ولكن أبا الخيزران لا يجد باسا من أن يرويها..
اتسعت ابتسامة آبي الخيزران أكثر من قبل واخذ يبادل الرجال النظر دون أن يتكلم .. وبدا، للحظة، انه غبي .
قال أبو قيس:
-ولكن ماذا يهرب الحج رضا؟لقد قلت انه رجل ثري! .
نظر الجميع إلى آبي الخيزران الذي كف، فجأة، عن الابتسام وعاد وجهه يكتسي بطابع اللامبالاة والتسلط ثم قال بحزم:
-والآن كفوا عن الثرثرة.. يجب أن لا تعتقد يا سيد أسعد انك ذكي إلى هذا الحد.. ماذا قررتم؟
قال أسعد بهدوء؟
-أنا شخصيا لا اهتم إلا بموضوع وصولي إلى الكويت، أما ما عدا ذلك فانه لا يعنيني .. ولذلك فإنني سأسافر مع آبي الخيزران .
قال مروان بحماسة:
-وأنا سأسافر معكما.
قال أبو قيس:
-هل تعتقدون انه بوسعي أن أرافقكم، أنا رجل عجوز .. ضحك أبو الخيزران بعنف ثم شبك ذراعه بذراع ابى قيس : -له ! له! يا أبا قيس .. من الذي اوهمك انك عجوز إلى هذا الحد؟ ربما ام قيس ! له! يجب ان تاتي معنا..
كانا قد سارا خطوات قليلة معا وتركا مروان وأسعد واقفين إلى جانب مقعد الاسمنت الكبير، التفت أبو الخيزران من فوق كتفه وصاح :
-سينام أبو قيس معي في السيارة .. وسأزمر لكما صباح غد الباكر أمام الفندق

داليا الهواري
23-02-2007, 04:00 AM
الطريق


لم يكن الركوب فوق ظهر السيارة الجبارة مزعجاً كثيراً .. فرغم أن الشمس كانت تصب جحيمها بلا هوادة فوق رأسيهما إلا أن الهواء الذي كان يهب عليهما بسبب سرعة السيارة خفف من حدة الحر.. كان أبو قيس قد صعد مع مروان إلى فوق وجلسا على حافة الخزان متجاورين أما أسعد فقد رست عليه القرعة ليجلس إلى جانب السائق في الفترة الأولى من الرحلة .
قال أسعد محدثاً نفسه:
-"سوف يأتي دور العجوز أخيراً ليستظل هنا .. ولكن لا بأس، على أي حال، فان الشمس تبقى محتملة الآن .. أما عند الظهيرة فسيكون حظ العجوز حسناً.."
قال أبو الخيزران فجأة، بصوت عال ليسمع عبر هدير المحرك :
-هل تتصور؟ .. إن هذه الكيلومترات المئة والخمسين أشبهها بيني وبين نفسي بالسراط الذي وعد الله خلقه أن يسيروا عليه قبل أن يجري توزيعهم بين الجنة والنار ..فمن سقط عن السراط ذهب إلى النار، ومن اجتازه وصل إلى الجنة.. أما الملائكة هنا فهم رجال الحدود..
انفجر أبو الخيزران ضاحكاً كأنه لم يكن هو الذي قال ذلك، ثم أخذ يضرب المقود بكلتا يديه ويهز رأسه ..
-أتعرف؟ إنني أخاف أن تفطس البضاعة، هناك ..
أشار بعنقه إلى حيث يجلس العجوز مع مروان فوق الخزان ومضى يضحك بعنف..
قال أسعد بهدوء:
-قل لي يا أبا الخيزران .. ألم تتزوج أبداً؟
-أنا؟
سأل بعجب، واكتسى وجهه الهزيل بالأسى كأنه لم يكن يضحك قبل هنيهة .. ثم قال ببطء:
-لماذا تسأل؟
-لا لشيء معين ..كنت أقول لنفسي إن حياتك رائعة ..لا أحد يشدك من هنا ولا أحد يشدك من هناك.. وتطير أنت منفردا حيث شئت، تطير .. تطير.. تطير..
هز أبو الخيزران رأسه ثم ضيق جفنيه كي يتلافى ضوء الشمس الذي انصب، فجأة، فوق زجاج الواجهة.. كان الضوء ساطعا بحدة حتى انه لم يستطع، بادئ إلى، أن يرى شيئاً .. إلا انه أحس بألم فظيع يتلولب بين فخذيه، ثم استطاع أن يتبين، بعد لأي، أن ساقيه مربوطتان إلى حمالتين ترفعانهما إلى فوق وان عددا من الرجال يدور حوله .. اغمض عينيه برهة ثم فتحهما، مرة أخرى، على وسعيهما. كان الضوء المستدير الموضوع فوق رأسه يحجب عنه السقف ويعشي بصره.. ولم يستطع أن يتذكر، وهو مقيد هناك على ذلك الشكل المحكم والغريب، أكثر من شئ واحد حدث له منذ برهة، ليس غير .. كان يركض مع عدد من الرجال المسلحين حين تفجرت جهنم أمامه فسقط على وجهه .. هذا كل شئ، والآن، الألم الفظيع مازال يغوص بين فخذيه والضوء المستدير الضخم معلق فوق عينيه وهو يحاول أن يرى إلى الأمور والأشخاص مضيقا جفنيه قدر ما يستطيع .. وفجأة خطر له خاطر اسود فبدا يصيح بجنون، ليس يذكر ما الذي قاله حينذاك، ولكنه أحس بيد تطبق فوق فمه بعنف، كانت تلبس قفازا لزجا .. ووصله الصوت، كأنما عبر قطن :
-كن عاقلا ..كن عاقلا..إن ذلك على أي حال افضل من أن تموت ! ..
ليس يدري هل استطاعوا أن يسمعوه وهو يصيح من بين أسنانه واليد اللزجة مطبقة فوق فمه. أم أن صوته ضاع في حلقه؟ انه، على أي حال، مازال يسمع الصوت نفسه كأن إنساناً آخر كان يصيح في أذنيه:
-لا ..الموت افضل.
والآن ..مرت عشر سنوات على ذلك المشهد الكريه..
مرت عشر سنوات على اليوم الذي اقتلعوا فيه رجولته منه، ولقد عاش هذا الذل يوما وراء يوم وساعة اثر ساعة، مضغه مع كبريائه، وافتقده كل لحظة من لحظات هذه السنوات العشر، ورغم ذلك فانه لم يعتده قط، لم يقبله قط .. عشر سنوات طوال، وهو يحاول أن يقبل الأمور، ولكن أية أمور؟ أن يعترف ببساطة بأنه قد ضيع رجولته في سبيل الوطن؟ وما النفع؟ لقد ضاعت رجولته وضاع الوطن وتبا لكل شئ في هذا الكون الملعون ..
كلا انه لم يقبل، بعد عشر سنوات، أن ينسى مأساته ويعتادها .. بل انه لم يقبل ذلك حتى حين كان تحت المبضع يحاولون أن يقنعوه بان فقدان الرجولة ارحم من فقدان الحياة .. يا اله الشياطين، انهم لا يعرفون ذلك قط، لا يعرفون شيئا ثم يتنطعون لتعليم الناس كل الأشياء .. أتراه لم يقبل أم انه كان عاجزا عن القبول؟ منذ اللحظات الأولى كان قد قرر أن لا يقبل، نعم، هذا هو الصحيح بل انه كان عاجزا عن تصور إلى بتمامه حتى انه، بلا وعي، هرب من المستشفى قبل أن يشفى نهائيا .. كأن هروبه كان قادرا على تسوية الأمور من جديد، لقد احتاج إلى وقت طويل حتى يعتاد مجرد الحياة .. ولكن، تراه اعتادها . ليس بعد .. كلما سئل بشكل عابر : "لماذا لا تتزوج؟ "عاد إليه الإحساس الكريه بألم يغوص بين فخذيه كأنه ما زال ملقى تحت الضوء المستدير الساطع وساقاه مرفوعتان إلى فوق.
كان الضوء متوهجا وساطعا حتى أن عينيه بدأتا تدمعان، عندها مد أسعد بيده فانزل حاجبة الشمس المستطيلة ليقع الظل على وجه أبى الخيزران:
-"نعم، أن هذا افضل .. شكرا .. أتعرف؟.
إن أبا قيس رجل محظوظ! " أحس أسعد بان أبا الخيزران يريد تغيير موضوع الزواج الذي أثاره بسؤاله فاستجاب لذلك ببساطة:
-لماذا؟
-لو قدر له أن يذهب مع المهربين لكان وصوله إلى الكويت بمثابة أعجوبة لا أكثر ولا اقل.
كتف أبو الخيزران ذراعيه على المقود واتكأ بصدره فوقهما ..
-أنت لا تعرف كيف تجري الأمور هنا .. كلكم لا تعرفون .. اسألني أنا .. اسألني، إنني اعرف قصصا يبلغ عددها عدد شعر القط!
-إلى الرجل السمين يبدو طيبا .. لقد ملت إليه.
انزل أبو الخيزران رأسه ومسح عرق جبينه بكمه المتكئ على المقود وقال :
-هه! إلى الرجل السمين لا يذهب معك عبر الحدود وهو لا يعرف ماذا يحدث ..
-ماذا يحدث؟
-لي ابن عم يدعى حسنين، هرب مرة عبر الحدود، وبعد مسير أكثر من عشر ساعات، حل الظلام .. عندها أشار المهرب إلى مجموعة من الأضواء البعيدة وقال : تلك هي الكويت..
تصلونها بعد مسير نصف ساعة.. أتدرى ما الذي حدث؟ لم تكن تلك الكويت .. كانت قرية عراقية نائية! أستطيع أن اروي لك آلافا من القصص المشابهة. قصص رجال تحولوا إلى كلاب وهم يبحثون عن نقطة ماء واحدة يغسلون بها ألسنتهم المشققة.. وماذا تحسب انه حدث حين شاهدوا خيام البدو؟ لقد اشتروا جرعة الماء، بكل ما يملكون من نقود أو خواتم زواج أو ساعات .. يقولون أن حاتم كان بدويا .. ولكنني اعتقد أنها مجرد كذبة ! .. ذلك زمن راح يا أبا السعد .. راح .. ولكنكم لا تدركون ذلك .. تحسبون أن الرجل السمين بوسعه أن يعمل كل شئ .. اعرف رجلا عاش في الصحراء وحيدا مدة أربعة أيام، وحين التقطته سيارة على طريق الجهرة كان على وشك أن يلفظ آخر أنفاسه .. أتدرى ماذا فعل؟ كان يريد شيئا واحدا من كل هذه الحياة.. كان يريد أن يعود إلى البصرة فور أن يسترد صحته، ويعود إليها عبر الصحراء أيضا إذا لزم الأمر .. أتعرف لماذا؟ قال لي انه يريد العودة إلى هناك كي يطبق بكفيه حول عنق الرجل السمين ويخنقه، ثم لتقم القيامة .. كان قد بدأ رحلته مع صديقين من أصدقاء شبابه، من غزة، عبر إسرائيل، عبر الأردن، عبر العراق .. ثم تركهم المهرب في الصحراء، وهم لم يعبروا حدود الكويت .. لقد دفن صديقيه بتلك الأراضي المجهولة وحمل معه هويتهما على أمل أن يصل إلى الكويت، فيرسلهما إلى أهليهما. لم يكن يريد لأحد أن ينصحه .. كان يقول انه لا يريد أن ينسى ولا يريد أن يغفر وبعد مرور اقل من شهر عاد أدراجه إلى العراق، ولكنهم القوا القبض عليه .. وهو الآن يمضي سنته الثانية في سجن حقير .. ماذا تراك تحسب؟ تأتون إلينا من المدارس مثل الأطفال وتحسبون أن الحياة هينة .. أتحسب أن أبا قيس لم يكن يقامر بحياته .. وسوف يكون هو الخاسر ! . أنا متأكد من ذلك تأكدي من الشمس الملعونة هذه!غدا حين تصل إلى الكويت ستتذكرني بالخير وتقول : كان أبو الخيزران يحكي الصحيح، ثم تحمد ربك ألف مرة لأنني أنقذتك من أظافر الرجل السمين .. هل رأيت في عمرك كله هيكلا عظميا ملقى فوق الرمل؟
-ماذا قلت؟
-سألتك : هل رأيت في عمرك كله هيكلا عظميا ملقى فوق الرمل؟
-كلا…
دوّر أبو الخيزران مقود سيارته بعنف ليتجاوز حفرة واسعة في الرمل، ثم بدأت السيارة تخب وترتجف فوق طريق تشبه الدرج المنبسط، أحس أسعد أن أمعاءه على وشك إلى تقفز من بين أسنانه المصطكة .
-كنت سترى الكثير منها لو مشيت مع المهربين .. وعلى أي حال، سوف لن يعني ذلك شيئا…
-لماذا؟
-لأنك ستكون مشغولا عن التفكير به .. أو، مثلما قال حسنين، لأنك لا تريد أن تفكر به ..
ابتسم أسعد ببلاهة، لمجرد انه لا يعرف ماذا يتعين عليه أن يفعل،ثم سأل وهو يلكز أبا الخيزران في خاصرته:
-لماذا تعمل إذن في التهريب؟
-أنا؟ أنا لا اعمل في التهريب…
ضحك أسعد وضرب كفه فوق فخذ أبى الخيزران :
-إذن ماذا تسمي هذا؟
-أقول لك الحقيقة؟ إنني أريد مزيدا من النقود.. مزيدا من النقود.. مزيدا من النقود.. ولقد اكتشفت انه من الصعب تجميع ثروة عن طريق التهذيب ..أترى هذا المخلوق الحقير الذي هو أنا؟ أنني امتلك بعض المال! .. وبعد عامين سأترك كل شئ واستقر .. أريد أن استريح .. أتتمدد .. استلقي في الظل وأفكر أو لا أفكر .. لا أريد أن أتحرك قط .. لقد تعبت في حياتي بشكل أكثر من كاف! إي والله، أكثر من كاف..
أطفأ أبو الخيزران المحرك بسرعة، وفتح الباب ثم قفز إلى الأرض .. واخذ يصيح:
-لقد بدأ الجد .. هيا.. سأفتح لكم باب الخزان .. هاها! سيكون الطقس كالآخرة، هناك في الداخل…
صعد بخفة فوق السلم الحديدي الصغير واخذ يعالج باب الخزان المستدير وفكر مروان ببطء: "إن ذراعيه قويتان.." كانوا يتصببون عرقا، إلا أن قميص أبى الخيزران كان مبتلا تماما وكان وجهه يبدو كأنه مطلي بالوحل .
انفتح الباب مقرقعا ورفع أبو الخيزران طرف القرص الحديدي إلى فوق فاستوى واقفا فوق مفصله وبدا باطنه احمر من فرط الصدأ .. جلس أبو الخيزران إلى جانب الفوهة موسعا ما بين ساقيه المدلاتين واخذ يمسح عرقه بالمنديل الأحمر الذي يلفه على مؤخرة رقبته، تحت قبة القميص الأزرق، وكان يلهث:
-أنصحكم أن تنزعوا قمصانكم .. الحر خانق ومخيف هنا وسوف تعرقون كأنكم في المقلى .. ولكن.. لخمس دقائق أو سبع، وسوف أقود بأقصى ما أستطيع من السرعة …توجد في الداخل عوارض حديدية .. في كل زاوية عارضة .. إنني افضل أن تتمسكوا بها جيدا وإلا تدحرجتم كالكرات.. طبعا ستخلعون أحذيتكم ..
بقي الجميع واقفين على الأرض دون حراك، نهض أبو الخيزران ثم قفز إلى تحت وكان يحاول أن يضحك:
-بوسع المرء أن ينام في الداخل لو كان الطقس ارحم قليلا .. نظر أبو قيس إلى مروان ثم نظر كلاهما إلى أسعد .. الذي خطا-تحت تأثير تلك النظرات –خطوتين صغيرتين إلى الأمام، ثم عاد، فوقف من جديد، وكان أبو الخيزران يراقبه.
-أنصحكم أن تعجلوا قليلا ..إننا ما زلنا في مطلع النهار وبعد قليل سيصبح الخزان من الداخل فرنا حقيقيا .. بوسعكم إلى تأخذوا معكم مطارة، ولكن لا تستعملوها حين تحسون أن السيارة واقفة..
حسم مروان رأيه فاقترب متسرعا من السلم الحديدي، إلا أن أسعد سبقه فتسلق العجل ثم انحنى فوق الفوهة المفتوحة واسقط رأسه داخل الخزان لبرهة وجيزة، ثم عاد فرفعه :
-هذه هي جهنم! إنها تتقد!
قال أبو الخيزران وهو يفرش كفيه الكبيرتين :
-لقد قلت لكم ذلك من قبل ..
كان مروان قد وصل هو الآخر ودس رأسه داخل الفوهة ثم عاد فرفعه وقد ارتسمت على وجهه علائم الاشمئزاز والرعب أما أبو قيس فقد وصل إلى جانبهما لاهثا .. وصاح أبو الخيزران من تحت:
-أتعرفون ماذا تفعلون إذا راود أحدكم العطاس؟
ابتسم أسعد ابتسامة باهتة بينما نظر مروان إلى تحت وبدا أن أبا قيس لم يفهم السؤال ..
-ليضع إصبعه تحت منخريه مستقيما .. هكذا ..
مثل أبو الخيزران الحركة فبدا وجهه مضحكا، وقال أسعد وهو يخطو إلى الأمام:
-لا اعتقد أن أحدنا سيعطس في هذا الفرن ..لا تقلق من هذه الناحية..
وضع أسعد كفيه على خاصرتيه ووقف إلى جانب الفوهة مطأطئا رأسه وكأنه يريد أن يرى ماذا يوجد في الداخل .. بينما خلع أبو قيس قميصه ولفه باعتناء تحت إبطه، وبدا صدره مشعرا شائبا وعظام كتفيه بارزة إلى الأمام ..جلس على حافة الفوهة مدليا ساقيه داخلها. رمى بقميصه أولا، ثم بدأ ينزلق بطيئا مستقيما معتمدا على ذراعيه المشدودتين فوق حافة الفوهة حتى إذا ما لمست قدماه ارض الخزان أرخى ذراعيه وجعل جسده ينساب باعتناء، فغاص رأسه ثم توارت ذراعاه..
قوس أسعد جسده وصاح:
-كيف ترى الأمور؟
دوّى صوت عريض من الداخل كأنه آت من عمق سحيق :
-انه بئر ملعونة .. تعال.
نظر أسعد إلى مروان الذي خلع قميصه ووقف ينتظر بينما بدأ أبو الخيزران يتسلق السلم الحديدي من جديد.
-دور من؟
-دوري.
توجه مروان إلى الفوهة أدار لها ظهره .. انزل ساقيه أولا جاعلا بطنه فوق الحافة ثم انزلق الجسد ببراعة، وبقيت الكفان متمسكتين بإطار الفوهة لبرهة، ثم اختفتا.
لحق أسعد بزميليه دون أن يخلع قميصه، وحين وارته الفوهة انحنى أبو الخيزران محاولاً أن يرى الوضع في الداخل إلا انه لم ير شيئا، في كل مرة كان يطل بها كان جسده يحجب الضوء المتسلل من الفوهة فتتعذر الرؤيا، وأخيرا صاح:
-ها؟
وأجابه صوت عريض :
-ماذا تنتظر؟ عجل، إننا على وشك الاختناق‍‍‍
‍اغلق أبو الخيزران الغطاء بسرعة ودوّر يده المضلعة دورتين ثم انحدر راكضا إلى مقعده، وبدأت السيارة، قبل أن يغلق الباب، تلتهم الطريق.
في تلك الدقائق القليلة كانت، ثمة، فكرة واحدة تحوّم في راس أبى الخيزران، ليس غير.
إن الطريق المحفّرة، التي تشبه درجا منبسطا، تهز السيارة وترجفها بلا هوادة و بلا انقطاع..إن هذا الهزيز جدير بان يجعل البيض عجة في وقت اقل مما تستطيع الخفاقة الكهربائية أن تفعل .. لا بأس بذلك بالنسبة لمروان فهو فتى، ولا بأس بذلك بالنسبة لأسعد فهو قوي البنية ..ولكن، ماذا عن أبى قيس؟ لا شك أن أسنانه تصطك الآن مثل إنسان على وشك أن يموت من شدة الصقيع، ولكن الفرق انه ليس ثمة صقيع هنا.
بوسع أبى الخيزران أن يتلافى بعض هذا الهزيز لو زاد من سرعته أكثر .. لو جعل هذه الدبابة الجهنمية تسير بسرعة مئة وعشرين بدل التسعين التي يشير لها المؤشر الآن .. ولكن إذا فعل ذلك من يضمن أن لا تنقلب السيارة فوق مثل هذه الطريق الملعونة؟ لا بأس أن تنقلب السيارة، فهي ليست له، ولكن ماذا لو استقرت على قفاها؟ ثم من قال أن محرك السيارة يتحمل مثل هذه السرعة في مثل هذا الجو وهذه الأرض؟ انهم يضعون دائما على المؤشر أرقاما عالية ليس من الحكمة إلى يبلغها السائق الماهر ..
لم يخفف السرعة حين وصل إلى صفوان، بل انه –حين دوّر في الساحة متجها إلى اليسار حيث يقوم المخفر لم يرفع قدمه عن مضغط البنزين قيد شعرة بل جعلها دورة واسعة نثرت الغبار في حلقة واسعة .. ولم يرفع قدمه إلا حين ضغط المكبح أمام باب الخفر بعنف، ومرق كالسهم إلى الداخل.
ساحة الجمرك ساحة رملية واسعة في صفوان تتوسطها شجرة كبيرة يتيمة تتهدل أوراقها المتطاولة فترمي ظل واسعا في الساحة .. وعلى الأطراف تنتصب حجرات ذات أبواب خشبية واطئة في داخلها مكاتب مكتظة ورجال مشغولون دائما .. لم يلحظ أبو الخيزران، وهو يقتحم الساحة بقده المديد، سوى بعض النسوة الجالسات في ظل الشجرة ملتفعات بالعباءات، كان ثمة طفل أو طفلان يقفان إلى جانب صنبور المياه وكان الحاجب دائما فوق كرسي القش العتيق.
-أبو الخيزران متعجل اليوم!
-نعم ..الحج رضا ينتظر.. إذا تأخرت طردني.
-الحج رضا لن يطردك، لا تخف..لا يمكن أن يعثر على شاب مثلك .
-هه! الشباب يملأون الأرض كالفقع ..لو اشر بيديه لتهاووا فوقه كالذباب.
-ماذا تحمل معك؟
-أسلحة! دبابات! ومصفحات! وست طائرات ومدفعين..
انفجر الرجل ضاحكا من أعماقه وتناول أبو الخيزران الأوراق من تحت يديه بخفة وانطلق إلى الخارج .. قال في ذات نفسه وهو يدخل إلى غرفة آخر:"اصعب المراحل انتهت"
بعد دقيقة واحدة خرج من الغرفة الأخرى .. وبأقل من لمح البصر كان يدوّر المحرك فيمزق السكون الضارب فوق صفوان، وينطلق إلى الطريق من جديد.
فيما كانت السيارة تنطلق كالسهم تاركة وراءها خطا من غيوم الغبار كان أبو الخيزران ينزف عرقا غزيرا يصب في وجهه المغبر ممرات متشعبة تلتقي عند ذقنه ..كانت الشمس ساطعة متوهجة وكان الهواء ساخنا مشبعا بغبار دقيق كأنه الطحين : "لم أر في حياتي مثل هذا الطقس اللعين .."فك أزرار قميصه فلامست أصابعه شعر صدره الغزير المبتل.. كانت الطريق قد استوت، ولم تعد السيارة ترجف شانها من قبل فزاد من سرعته – كان المؤشر يندفع إلى الأمام ككلب ابيض مربوط إلى وتد.
نظر إلى الأمام بعينيه الغارقتين في عرقه فتبين نهاية الهضبة الصغيرة .. وراء هذه الهضبة تحتجب صفوان، وهناك يتعين عليه أن يقف .
زوّد ضغط قدمه فوق المضغط كما تتسلق السيارة الهضبة دون إلى تتباطأ، أحس بان عضلة ساقه قد تكوّرت حتى أوشكت أن تتمزع، الأرض تنطوي والسيارة تزأر، والزجاج يتوهج والعرق يحرق عينيه، وما تزال قمة الهضبة تتراءى له بعيدة كالأبد .. يا الهي العزيز العلي القدير، كيف يمكن لقمة هضبة ما أن تعني كل هذه المشاعر التي تموج في شرايينه وتصب لهبها على جلده الملوّث بالوحل عرقا مالحا؟ يا الهي العلي الذي لم تكن معي أبداً، الذي لم تنظر إلى أبداً ـ الذي لا أومن بك أبداً. أيمكن أن تكون هنا هذه المرة؟ هذه المرة فقط؟
رفّ عينيه رفات سريعة ليغسل العرق عن جفنيه، وحين فتحهما آخر مرة كانت قمة الهضبة قد صارت أمامه ..
وصل إلى أعلاها فأطفأ المحرك وترك السيارة تنزلق قليلا ثم أوقفها وقفز من الباب إلى ظهر الخزان.
خرج مروان أولا : رفع ذراعيه فأنتشله أبو الخيزران بعنف وتركه مفروشا فوق سطح الخزان .. اطل أبو قيس برأسه ثم حاول أن يخرج إلا أنه لم يستطع، عاد فاخرج ذراعيه وترك أبا الخيزران يساعده .. أما أسعد فقد استطاع أن يتسلق الفوهة : كان قد خلع قميصه.
جلس أبو الخيزران فوق سطح الخزان الساخن : كان يلهث وبدا انه قد كبر عن ذي قبل.. بينما انزلق أبو قيس ببطء فوق العجلات واستلقى في ظل السيارة منبطحا على وجهه . وقف أسعد هنيهة يتنشق بملء صدره . كان يبدو انه يريد أن يتكلم إلا انه لم يستطع .. وأخيرا قال لاهثا :
-أووف! الطقس هنا في غاية البرودة!
كان وجهه محمرا ومبتلا، وكان بنطاله مغسولا بالعرق أما صدره فقد انطبعت عليه علائم الصدأ فبدا وكانه ملطخ بالدم .. نهض مروان وهبط السلم الحديدي بإعياء .. كانت عيناه حمراوين وكان صدره مصبوغا بالصدا وحين وصل إلى الأرض وضع رأسه فوق فخذ أبى قيس ومدد جسده ببطء إلى جانب العجل .. بعد لحظة تبعه أسعد ثم أبو الخيزران فجلسا واضعين راسيهما فوق ركبهما المطوية.. قال أبو الخيزران بعد فترة :
-هل كان الأمر مخيفا؟
لم يجبه أحد .. فدوّر نظره فوق وجوههم فبدت له وجوها صفراء محنطة، ولولا أن صدر مروان كان يرتفع ويهبط، ولولا أبا قيس كان يتنفس بصفير مسموع، لخيل إليه إذن انهما ميتان..
-قلت لكم سبع دقائق …ورغم ذلك لم يستغرق الأمر أكثر من ست.
نظر إلى أسعد ببرود بينما فتح مروان عينيه دون أن ينظر إلى شئ معين ودوّر أبو قيس وجهه إلى الناحية الأخرى.
-اقسم لك بشرفي : ست دقائق ! انظر إلى الساعة يا أسعد:
ست دقائق بالضبط! انظر! لماذا لا تريد أن تنظر؟ لقد قلت لكما ذلك، قلته منذ البدء، وأنتم تعتقدون الآن أنني اكذب عليكم .. هاهي الساعة..انظر..انظر.
رفع مروان رأسه ثم استند على عضديه واخذ ينظر، ملقيا برأسه بعض الشيء إلى الوراء، باتجاه أبى الخيزران ..لم يكن يبدو انه يراه بوضوح..
-هل جربت أن تجلس هناك ست دقائق؟
-لقد قلت لكم..
-ثم أنها لم تكن ست دقائق .
-لماذا لا تنظر إلى ساعتك ..لماذا؟ إنها في رسغك، هيا انظر..انظر..وكف عن التحديق بي كالمجنون.
قال أبو قيس:
-إنها ست دقائق..كنت طوال الوقت اعد.. من الواحد إلى الستين:دقيقة، هكذا حسبت .. عددت ست مرات .. في المرة الأخيرة عددت ببطء شديد..
كان يتكلم بصوت منخفض وببطء .. فقال أسعد:
-ماذا بك يا أبا قيس؟ هل أنا مريض؟
-أنا؟ أنا؟ أوف، كلا..ولكنني أتنفس حصتي من الهواء.
وقف أبو الخيزران ونفض عن بنطاله الرمل ثم ثبت كفيه فوق خاصرتيه واخذ ينقل بصره بين الرجال الثلاثة :
-هيا بنا .. يجب أن لا نضيع وقتا أكثر .. أمامكم حمام تركي آخر بعد فترة وجيزة.
نهض أبو قيس واتجه إلى غرفة السائق بينما تسلق أسعد السلم الحديدي وبقي مروان جالسا في الظل.
قال أبو الخيزران:
-ألا تريد أن تنهض؟
-لماذا لا تستريح قليلاً؟
صاح أسعد من فوق:
-سنستريح كثيراً بعد أن نصل وليس قبل ذلك .. هيا… ضحك أبو الخيزران بصوت عال .. ثم ضرب بكفه فوق كتف مروان وقال:
-تعال اجلس إلى جانب أبى قيس، انك نحيل ولن تضايقنا كثيرا.ثم انك، كما يبدو، متعب جدا .
صعد مروان فجلس إلى جانب أبى قيس بينما صاح أبو الخيزران بصوت عال قبل أن يغلق الباب:
البس قميصك يا أسعد والا شوتك الشمس ..
قال مروان لابي الخيزران بصوت موهن:
-قل له أن يترك باب الفرن مفتوحا عله يبترد.
صاح أبو الخيزران جذلا:
-واترك باب الخزان مفتوحا..
هدر المحرك ومضت السيارة الكبيرة ترسم في الصحراء خطا من الضباب: يتعالى، ثم يذوب في القيظ..

داليا الهواري
23-02-2007, 04:01 AM
الشمس و الظل


شق العالم الصغير الموهن طريقه في الصحراء مثل قطرة زيت ثقيلة فوق صفيحة قصدير متوهجة .. كانت الشمس ترتفع فوق رؤوسهم مستديرة متوهجة براقة، ولم يعد احد منهم يهتم بتجفيف عرقه ..فرش أسعد قميصه فوق رأسه وطوى ساقيه إلى فخذيه وترك للشمس إن تشويه بلا مقاومة .. اما مروان فقد اتكا برأسه على كتف أبى قيس واغمض عينيه .. وكان أبو قيس يحدق إلى الطريق مطبقا شفتيه باحكام تحت شاربه الرمادي الكث.
لم يكن أي واحد من الاربعة يرغب في مزيد من الحديث .. ليس لان التعب قد انهكهم فقط بل لان كل واحد منهم غاص في افكاره عميقا عميقا .. كانت السيارة الضخمة تشق الطريق بهم وباحلامهم وعائلاتهم ومطامحهم وآمالهم وبؤسهم ويأسهم وقوتهم وضعفهم و ماضيهم ومستقبلهم.. كما لو انها آخذة في نطح باب جبار لقدر جديد مجهول .. وكانت العيون كلها معلقة فوق صفحة ذلك الباب كأنها مشدودة إليه بحبال غير مرئية.
سوف يكون بوسعنا أن نعلم قيسا وان نشتري عرق زيتون أو عرقين، وربما نبني غرفة نسكنها وتكون لنا، أنا رجل عجوز قد اصل وقد لا اصل .. أو تحسب إذن أن حياتك هنا افضل كثيرا من موتك؟ لماذا لا تحأول مثلنا؟لماذا لا تنهض من فوق تلك الوسادة وتضرب في بلاد الله بحثا عن الخبز؟هل ستبقى كل عمرك تأكل من طحين الإعاشة الذي تهرق من أجل كيلو واحد منه كل كرامتك على أعتاب الموظفين؟
و تمضي السيارة فوق الأرض الملتهبة ويدوي محركها بلا هوادة ..
شفيقة امرأة بريئة .. كانت صبية يافعة حين طوحت قنبلة مورتر بساقها فبترها الاطباء من أعلى الفخذ.. وأمه لا تحب أن يحكي إنسان عن أبيه : زكريا راح.. هناك، في الكويت، ستتعلم كل شئ .. ستعرف كل شئ .. أنت مازلت فتى لا تفهم من الحياة إلا قدر ما يفهم الطفل الرضيع من بيته ! المدرسة لا تعلم شيئا .. لا تعلم سوى الكسل فاتركها وغص في المقلاة مثلما فعل سائر البشر.
السيارة تمضي فوق الأرض الملتهبة، ويدوي محركها بهدير شيطاني..
ربما كانت قنبلة مزروعة في الأرض تلك التي داس عليها فيما كان يركض، أو ربما قذفها، أمامه، رجل كان مختبئا في خندق قريب، كل ذلك لا يهم الآن : ساقاه معلقتان إلى فوق وكتفاه مازالتا فوق السرير الابيض المريح والألم الرهيب يتلولب بين فخذيه .. كانت، ثمة،، امرأة تساعد الاطباء، كلما يتذكر ذلك يعبق وجهه بالخجل.. ثم ماذا نفعتك الوطنية؟ لقد صرفت حياتك مغامرا، وها أنت ذا أعجز من أن تنام إلى جانب امرأة ! وما الذي افدته؟ليكسّر الفخار بعضه :أنا لست أريد الآن إلا مزيدا من النقود.. مزيدا من النقود.
السيارة تمضي فوق الأرض الملتهبة .. ويدوي محركها بالهدير.
دفعه الشرطي أمام الضابط فقال له : تحسب نفسك بطلا وأنت على اكتاف البغال تتظاهرون في الطريق! بصق على وجهه ولكنه لم يتحرك فيما اخذت البصقة تسبل ببطء نازلة من جبينه : لزجة كريهة تتكوم على قمة انفه ..أخرجوه، وحينما كان في الممر سمع الشرطي القابض على ذراعه بعنف يقول بصوت خفيض:"يلعن أبو هالبدلة" .. ثم اطلقه فمضى يركض. عمه يريد أن يزوجه ابنته ولذلك يريده أن يبدأ ..لولا ذلك لما حصل الخمسين دينارا كل حياته.
السيارة تمضي فوق الأرض الملتهبة، ويهدر محركها مثل فم جبار يزدرد الطريق..
الشمس في وسط السماء ترسم فوق الصحراء قبة عريضة من لهب ابيض، وشريط الغبار يعكس وهجا يكاد يعمي العيون..كانوا يقولون لهم أن فلأنا لم يعد من الكويت لأنه مات، قتلته ضربة شمس، كان يغرس معوله في الأرض حين سقط فوقه وفوقها، وماذا؟ضربة شمس قتلته، تريدون أن تدفنوه هنا أو هناك؟هذا كل شئ، ضربة شمس ! هذا صحيح، من الذي سماها ضربة؟ ألم يكن عبقريا؟كان هذا الخلاء عملاق خفي يجلد رؤوسهم بسياط من نار وقار مغلي . ولكن أيمكن للشمس إلى تقتلهم وتقتل كل الزخم المطوي في صدورهم؟كأن الافكار كانت تسيل من رأس إلى رأس وتخفق بهواجس واحدة، لقد التقت العيون فجأه : نظر أبو الخيزران إلى مروان ثم إلى ابي قيس فوجده يحدق به ,حاول أن يبتسم ولكنه لم يستطع فمسح عرقه جبينه بكمه وقال بصوت خفيض:
-هذه جهنم التي سمعت عنها.
جهنم الله.
-نعم.
مدّ أبو الخيزران يده فأطفا المحرك، ثم نزل ببطء فتبعه مروان وأبو قيس بينما بقي أسعد معلقا فوق .
جلس أبو الخيزران في ظل السيارة وأشعل لفافة ثم قال بصوت خفيض:
-لنستريح قليلا قبل إلى نبدأ التمثيلية مرة أخر.
قال أبو قيس :
-لماذا لم تتحرك بمساء أمس فتوفر علينا برودة الليل وكل هذه المشقة؟
قال أبو الخيزران دون أن يرفع بصره عن الأرض:
-الطريق بين صفوان والمطلاع تمتلئ بالدوريات في الليل..
في النهار لا يمكن لأية دورية أن تغامر بالاستطلاع في مثل هذا القيظ..
قال مروان:
-إذا كانت سيارتك معصومة عن التفتيش.. فلماذا لا نبقى خارج ذلك السجن الرهيب؟
قال أبو الخيزران بحدة :
-لا تكن سخيفا .. هل أنت خائف إلى هذا الحد من البقاء خمس أو ست دقائق في الداخل؟لقد اجتزنا أكثر من نصف الطريق ولم يبق إلا الأسهل ..
نهض أبو الخيزران واقفا ثم اتجه إلى المطّارة المعلقة خارج الباب وفتحها:
-سوف أقيم لكم حفلة غداء رائعة حين نصل .. سأذبح دجاجتين ..
رفع المطّارة وصب في فمه الماء فبدأ يسيل من ركنيه مزرزبا إلى ذقنه ثم إلى قميصه المبتل، وحين إرتوى صب ما تبقى في المطّارة فوق رأسه وترك الماء يسيل على عنقه وصدره وجبينه وبدأ شكله عجيبا . علق المطّارة من جديد خارج الباب وفرش كفيه الكبيرتين وصاح:
-هيا بنا .. لقد تعلمتم الصنعة جيدا .. كم الساعة الآن؟
انها الحادية عشرة والنصف .. إحسبوا: سبع دقائق على الأكثر وأفتح لكم الباب..تذكروا ذلك جيدا : الحادية عشرة والنصف..
نظر مروان إلى ساعته وهز رأسه، لقد حاول أن يقول شيئا إلا أنه لم يستطع، فمشى خطوات قليلة إلى السلم الحديدي وبدأ يتسلقه .
طوى أسعد قميصه وغاص في الفوهة .. تردد مروان قليلا ثم تبعه متكئا ببطنه فوق الحافة منزلقا ببراعة وقسوة بينما هز أبو قيس رأسه وقال :
-سبع دقائق؟
-على الأكثر!
ربت أبو الخيزران على كتف أبى قيس ونظر مباشرة في عينه، كأنا واقفين هناك معا يتصببان عرقا، ولكنهما لم يستطيعا الكلام.
تسلق أبو قيس السلم بثبات ثم أسقط ساقيه داخل الفوهة فأعانه الشابان على النزول.
أغلق أبو الخيزران الباب ودوّر الذراع المضلعة دورتين ثم قفز إلى الأرض متعجلا وانطلق إلى مقعده .
بعد دقيقة ونصف فقط إجتاز أبو الخيزران بسيارته الباب الكبير المفتوح في الأسلاك الشائكة المشدودة حول مركز المطلاع وأوقف سيارته أمام السلم العريض الذي يرقى إلى البناء المقرمد ذي الطابق الواحد، والذي تمتد على جانبيه غرف صغيرة ذات شبابيك واطئة مغلقة، بينما تقوم بضعة عربات لبيع المأكولات قبالته، وكانت أصوات مكيفات الهواء تملأ المساحة بالضجيج.
لم يكن ثمة، غير سيارة أو سيارتين واقفتين في طرف الساحة الكبيرة بالإنتظار، كان الصمت مطبقا بكثافة إلا من اصوات هدير مكيفات الهواء المثبتة على كل الشبابيك المطلة على الساحة، ولم يكن هناك سوى جندي واحد واقف في كوخ خشبي صغير يقع إلى جانب الدرج العريض .
إرتقى أبو الخيزران الدرج مسرعا وإتجه إلى الغرفة الثالثة إلى اليمين، وفور أن فتح الباب ودخل أحس، نتيجة للنظرات التي إنصبت عليه من قبل الموظفين، أن شيئا ما سوف يحدث، إلا أنه لم يتباطا ودفع أوراقه أمام الموظف السمين الذي كان يجلس في صدر الغرفة .
-ها‍‍‍‍‍! أبو الخيزران! !
قال الموظف وهو ينحي الأوراق من أمامه بلا مبالاة متعمدة ويكتف ذراعه فوق الطاولة الحديدية..
-أين كنت كل هذا الوقت؟
قال أبو الخيزران لاهثا؟
-في البصرة.
-سأل عنك الحاج رضا أكثر من ست مرات .
-كانت السيارة معطلة.
ضج الموظفون الثلاثة الذين يشغلون الغرفة ضاحكين بصخب فالتفتت أبو الخيزران حواليه حائرا ثم ثبت نظره على وجه الرجل السمين:
-ما الذي يضحككم في هذا الصباح؟
تبادل الموظفون النظر ثم انفجروا ضاحكين من جديد ..
قال أبو الخيزران متوترا وهو ينقل قدما ويضعها مكان الأخرى:
-والان يا أبو باقر .. لا وقت لديّ للمزاح.. أرجوك .
مدّ يده فقرب الأوراق إلى أمامه، إلا أن أبا باقر عاد فنحى الأوراق إلى طرف الطاولة وكتف ذراعيه من جيد وهو يبتسم ابتسامة خبيثة :
-سأل عنك الحج رضا ست مرات ..
-قلت لك : كانت السيارة معطلة .. ثم إنني والحج رضا نستطيع أن نتفاهم حين نلتقي .. وقع الأوراق رجاء، إنني على عجل ..
قرب الأوراق من جديد إلا أن أبا باقر نحاها مرة أخرى .
-كانت سيارتك معطلة؟
-نعم ..أرجوك إني مستعجل .
نظر الموظفون الثلاثة إلى بعضهم وضحكوا بخبث-ولكن بصوت خفيض-كانت طاولة أحدهم فارغة تماما إلا من كأس شاي زجاجي صغير، وكان الآخر قد كف عن عمله وأخذ يتابع ما يحدث.
قال الرجل السمين المسمى أبو باقر وهو يتجشأ :
-والآن .. كن عقلا يا أبوخيزرانة .. لماذا تتعجل السفر في مثل هذا الطقس الرهيب؟الغرفة هنا باردة وسوف اطلب لك إستكانة شاي..فتمتع بالنعم!
حمل أبو الخيزران الأوراق ثم تناول القلم من أمام أبى باقر ودار حول الطاولة حتى صار إلى جانبه فانحنى ودفع له القلم وهو يدفع، بذراعه، كتف أبى باقر :
-في طريق عودتي سأجلس عندك ساعة، ولكن الآن دعني امشي كرامة لباقر وأم باقر ..خذ.
إلا أن أبا باقر لم يمد يده وبقي يحدق إليه بعينين بلهاوين وهو على وشك أن ينفجر بالضحك.
-آه يا ملعون يا أبا خيزرانه ! لماذا لا تتذكر أنك على عجلة حين تكون في البصرة؟ها؟
-قلت لك ان السيارة كانت في الكاراج.
دفع له القلم مرة أخرى إلا أن أبا باقر لم يتحرك :
-لا تكذب يا أبوخيزرانة .. لا تكذب ..الحج رضا حكى لنا القصة من الألف للياء.
-أية قصة؟
نظر الجميع إلى بعضهم فيما انقلب وجه أبي الخيزران الهزيل فصار مبيضاً من فرط الرعب وأخذ القلم يرتجف في يده .
-قصة تلك الراقصة .. ما اسمها يا علي؟
أجاب علي من وراء الطاولة الفارغة:
-كوكب .
ضرب أبو باقر طاولته بيده واتسعت ابتسامته:
-كوكب ! كوكب! يا أبا خيزرانة يا ملعون ..لماذا لا تحكي لنا قصصك في البصرة؟ تمثل أمامنا أنك رجل مهذب، ثم تمضي إلى البصرة فتمارس الشرور السبعة مع تلك الراقصة ..كوكب ..آه .. كوكب هذا هو الإسم .
صاح أبو الخيزران محاولاً أن لا يتجاوز حد المزاح:
-أي كوكب وأي بطيخ ! دعني أمضي قبل أن يطردني الحج..
قال أبو باقر:
-لا يمكن ! حدثنا عن تلك الراقصة .. الحج يعرف قصتك كلها وقد رواها لنا .. هيا.
-إذا رواها الحج لكم .. فلماذا تريدونني أن أرويها مرة أخرى؟
وقف أبو باقر وصاح كالثور:
-إذن .. إنها قصة حقيقية! ..قصة حقيقية!
دار حول الطاولة حتى صار في منتصف الغرفة . كانت القصة الفاجرة قد هيجته.
لقد فكر بها ليل نهار، ركّب فوقها كل المجون الذي خلقه حرمانه الطويل الممض، كانت فكرة أن صديقا له قد ضاجع عاهرة ما، فكرة مهيجة تستحق كل تلك الأحلام:
-تذهب إلى البصرة وتدعي أن السيارة قد تعطلت .. ثم تمضي مع كوكب أسعد ليالي العمر! يا سلام يا أبو خيزرانة..يا سلام يا ملعون .. ولكن قل لنا كيف أحبتك؟ الحج رضا يقول انها من فرط حبها لك تصرف نقودها عليك وتعطيك شيكات .. آه يا أبو خيزرانة يا ملعون!
اقترب منه ! كان وجهه محمرا وكان من الواضح أنه أمضى وقتا طيبا وهو يتفكر في القصة كما رواها الحج رضا له على الهاتف .. انحنى فوق إذنه وهمس بصوت مبحوح:
-اتراها فحولتك؟ أم قلة الرجال؟
ضحك أبو الخيزران ضحكة هستيرية ودفع الأوراق إلى صدر أبى باقر الذي تناول القلم دون وعي وأخذ يوقعها وهو يرتج بالضحك المكبوت، ولكن حين مدّ أبو الخيزران يده ليتناولها خبأها أبو باقر وراء ظهره ومد ذراعه الأخرى بينه وبين أبى الخيزران.
في المرة القادمة سأذهب معك إلى البصرة .. أتوافق؟
تعرفني على كوكب هذه .. الحج رضا يقول أنها جميلة حقا.
قال أبو الخيزران راجفا وهو يمد ذراعه محاولاً أن يصل إلى الأوراق :
-موافق ..
-بشرفك؟
-بشرفي..
ضج أبو باقر بالضحك من جديد واخذ يهز رأسه المدورّ وهو يعود إلى مكتبه بينما أندفع أبو الخيزران بأوراقه إلى الخارج وصوت أبى باقر يلاحقه :
-يا ملعون يا أبا خيزرانة! خدعنا أكثر من سنتين وانكشف الآن .. آه يا ملعون يا أبا خيزرانة.
اقتحم أبو الخيزرانة الغرفة الأخرى وهو يحدق إلى ساعته،كانت تشير إلى الثانية عشرة إلا ربعا..توقيع الأوراق الأخرى لم يستغرق أكثر من دقيقة .. وحين صفق وراءه الباب لسعه القيظ من جديد ولكنه لم يهتم بالأمر وقفز الدرج العريض مثنى مثنى حتى صار أمام سيارته، حدق إلى الخزان لحظة وخيل إليه أن حديده على وشك أن ينصهر تحت تلك الشمس الرهيبة، استاجب المحرك لأول ضغطة، وطوى الباب في لحظة دون أن يلوح للحارس .. الطريق الآن معبدة تماما وأمامه دقيقة أو دقيقة ونصف ليتجاوز أول منعطف يحجبه عن مركز المطلاع، لقد اضطر إلى تخفيف السرعة قليلا حين التقى سيارة شحن كبيرة، ثم عاد فأطلق لسيارته كل العنان الممكن وحين وصل إلى المنعطف صفرت العجلات صفيرا متواصلا كأنه النواح وكادت أن تمس الرصيف الرملي وهي تقوم بدورتها الشيطانية الواسعة .. لم يكن في رأسه أي شئ سوى الرعب وخيل إليه أنه على أن يقع فوق مقوده مغميا عليه: كان المقود ساخنا وكان يحسه يحرق كفيه الخشنين ولكنه لم يخفف من تمسكه به، كان المقعد الجلدي يلتهب تحته وكان زجاج الواجهة مغبرا يتوهج ببريق الشمس.
أزيز عريض ترسله العجلات كأنها تسلخ الأسفلت سلخا من تحتها، أكان من الضروري أن تتفلسف يا أبا باقر؟ أكان من الضروري أن تقيء كل قاذوراتك على وجهي وعلى وجوههم؟ يا لعنة الإله العلي القدير عليك، يا لعنة الإله الذي لا يوجد قط في أي مكان تنصب عليه يا أبا باقر! وعليك يا حاج رضا يا كذاب ! راقصة؟ كوكب؟ يا لعنة الله عليكم كلكم..
اوقف السيارة بعنف وتسلق فوق العجل إلى سطح الخزان .. وحين لامست كفاه السطح الحديدي أحس بهما تحترقان ولم يستطع أن يبقيهما هناك فسحبهما وإتكأ بكميه –عند الكوعين –فوق حديد السطح ثم زحف إلى القفل المضلع، وأمسكه بطرف قميصه الأزرق ودورّه فانفتح مقرقعا واستوى القرص الحديدي الصدئ مستقيما فوق مفصله..
حين ترك القرص لمح عقارب الساعة الملتفة على زنده :كانت تشير إلى الثانية عشرة إلا تسع دقائق وكان زجاجهاالمدور قد تشقق شقوقا مضلعة صغيرة.
الفوهة المفتوحة بقيت تخفق بالفراغ لحظة، كان وجه أبى الخيزران مشدودا إليها متشنجا وشفته السفلى ترتجف باللهاث والرعب، سقطت نقطة عرق عن جبينه إلى سطح الخزان الحديدي وما لبثت أن جفت .. وضع كفيه على ركبتيه وقوس ظهره حتى صار وجهه فوق الفوهة السوداء وصاح بصوت خشبي يابس:
-أسعد!
دوّى الصدى داخل الخزان فكاد أن يثقب أذنيه وهو يرتد إليه، وقبل أن تتلاشى دوامة الهدير التي خلقها نداءه الأول صاح مرة أخرى :
-يا هوه .
وضع كفين صلبتين فوق حافة الفوهة واعتمد على ذراعيه القويتين ثم انزلق إلى داخل الخزان .. كان الظلام شديدا في الداخل حتى إنه لم يستطع أن يرى شيئا بادئ الأمر، وحين نحى جسده بعيدا عن الفوهة سقطت دائرة ضوء صفراء إلى القاع وأضاءت صدراً يملؤه شعر رمادي كث أخذ يلتمع متوهجا بألم مطلي بالقصدير .. انحنى أبو الخيزران ووضع أذنه فوق الشعر الرمادي المبتل كان الجسد باردا وصامتا .مد يده وتحسس طريقه إلى ركن الخزان،كان الجسد الآخر مازال متمسكا بالعارضة الحديدية . حاول أن يهتدي إلى الرأس فلم يستطع أن يتحسس إلا الكتفين المبتلين ثم تبين الرأس منحدراً إلى الصدر، وحين لأمست كفه الوجه سقطت في فم مفتوح على وسعه.
أحس أبو الخيزران أنه على وشك أن يختنق، كان جسده قد بدأ ينزف عرقا بشكل مريع حتى بات يشعر أنه مدهون بالزيت الثقيل ولم يدر، أهو يرتجف بسبب إطباق هذا الزيت على صدره وظهره، أم بسبب الرعب؟تحسس طريقه منحنيا إلى الفوهة وحين أخرج رأسه منها لم يدر لماذا سقطت في ذهنه صورة وجه مروان دون أن تبرح . لقد أحس بالوجه يلبسه من الداخل مثل صورة ترتجف على حائط فأخذ يهز رأسه بعنف وهو ينسل من الفوهة فتحرق رأسه شمس لا ترحم .. وقف هنيهة يتنشق هواء جديدا، لم يكن ليستطيع أن يفكر بأي شئ، كان وجه مروان يطغى في رأسه مثل نبعة انبثقت هادرة من الأرض شامخة إلى علو رهيب .. وحين وصل إلى كرسيه تذكر أبا قيس، كان قميصه مازال موضوعا على المقعد إلى جانبه فتناوله باصابعه الطويلة وقذف به بعيدا .. دوّر محرك سيارته فبدأ يهدر من جديد، ومضت السيارة تدرج فوق المنحدر ببطء وجبروت .
التفت وراءه، عبر النافذة المشبكة الصغيرة، فشاهد القرص الحديدي مفتوحا مستويا فوق مفصله يأكل باطنه الصدأ.. وفجأة غاب القرص الحديدي وراء نقاط من الماء المالح ملأت عينيه .. كان الصداع يتاكله وكان يحس بالدوار إلى حد لم يعرف فيه: هل كانت هذه النقاط المالحة دموعا؟ أم عرقا نزفه جبينه الملتهب؟

داليا الهواري
23-02-2007, 04:02 AM
القبر


قاد أبو الخيزران سيارته الكبيرة حين هبط الليل متجها إلى خارج المدينة النائمة.. كانت الأضواء الشاحبة ترتعش على طول الطريق، وكان يعرف أن هذه الأعمدة التي تنسحب أمام شباك سيارته سوف تنتهي بعد قليل حينما يغرق في البعد عن المدينة.. وسوف يعم الظلام .. فالليلة لا قمر فيها، وأطراف الصحراء ستكون صامتة كالموت .
أنحرف بسيارته عن الطريق الأسفلت ومضى يتدرج في طريق رملي إلى داخل الصحراء . لقد قر قراره منذ الظهيرة على أن يدفنهم، واحدا واحدا، في ثلاثة قبور أما الآن فإنه يحس بالتعب يتأكله فكأن ذراعيه قد حقنتا بمخدر .. لا طاقة له على العمل .. ولن يكون بوسعه أن يحمل الرفش ساعات طويلة ليحفر ثلاثة قبور .. قبل أن يتجه إلى سيارته ويخرجها من كاراج الحج رضا قال في ذات نفسه أنه لن يدفنهم،بل سيلقى بالأجساد الثلاثة في الصحراء ويكر عائدا إلى بيته .. الآن، لم تعجبه الفكرة، لا يروقه أن تذوب أجساد الرفاق في الصحراء ثم تكون نهبا للجوارح والحيوانات .. ثم لا يبقى منها بعد أيام إلا هياكل بيضاء ملقاة فوق الرمل.
درجت السيارة بصوت هزيل فوق الطريق الرملي، ومضى هو يفكر . لم يكن يفكر بالمعنى الصحيح، كانت اشرطة من مشاهد مقطعة تمر في جبينه بلا أي توقف اوترابط أو تفسير .. وكان يشعر بإرهاق مر يتسرب في عظامه كقوافل مستقيمة من النمل .
هبت نسمة ريح فحملت إلى أنفه رائحة نتنة.. قال في ذات نفسه:"هنا تكّوم البلدية القمامة"ثم فكر : "لو ألقيت الأجساد هنا لاكتشفت في الصباح، ولدفنت باشراف الحكومة" دوّر مقود سيارته وتتبع آثار عجلات عديدة حفرت طريقها قبله في الرمل ثم أطفأ فانوسي سيارته الكبيرتين وسار متمهلا على ضوء الفانوسين الصغيرين ..حين لاحت أمامه أكوام القمامة سوداء عاليةأطفأالفانوسين الصغيرين.. كانت الرائحة النتنة قد ملأت الجو حواليه ولكنه ما لبث أن اعتادها .. ثم اوقف سيارته وهبط . وقف أبو الخيزران إلى جانب سيارته لحيظات ليتاكد من أن احدا لا يشاهده ثم صعد ظهر الخزان :كان بردا رطبا..دوّر القفل المضلع ببطء ثم شد القرص الحديدي إلى فوق فقرقع بصوت متقطع .. اعتمد ذراعيه وانزلق إلى الداخل بخفة : كانت الجثة الأولى باردة صلبة، القى بها فوق كتفيه، أخرج الرأس أولا من الفوهة ثم رفع الجثة من الساقين وقذفها إلى فوق وسمع صوتها الكثيف يتدحرج فوق حافة الخزان ثم صوت إرتطامها المخنوق على الرمل، لقد لاقى صعوبة جمة في فك يدي الجثة الأخرى عن العارضة الحديدية، ثم سحبها من رجليها إلى الفوهة وقذفها من فوق كتفيه : مستقيمة متشجنة وسمع صوت ارتطامها بالأرض .. أما الجثة الثالثة فقد كان اسهل من اختيها ..
قفز إلى الخارج واغلق الفوهة ببطء، ثم هبط السلم إلى الأرض، كان الظلام كثيفا مطبقا و أحس بالارتياح لأن ذلك سوف يوفر عليه رؤية الوجوه، جر الجثث-واحدة واحدة-من اقدامها والقاها على رأس الطريق، حيث تقف سيارات البلدية عادة لإلقاء قمامتها كي تتيسر فرصة رؤيتها لأول سائق قادم في الصباح الباكر.
صعد إلى مقعده ودوّر المحرك ثم كر عائدا إلى الوراء ببطء محاولاً قدر الإمكان أن يخلط آثار عجلات سيارته بالآثار الأخرى، كان قد اعتزم أن يعود إلى الشارع الرئيسي بذلك الشكل الخلفي حتى يشوش الأثر تماما ..ولكنه ما لبث أن تنبه إلى أمر ما بعد أن قطع شوطا فأطفا محرك سيارته من جديد وعاد يسير إلى حيث ترك الجثث فأخرج النقود من جيوبها، وانتزع ساعة مروان وعاد ادراجه إلى السيارة ماشيا علىحافتي حذائه.
حين وصل إلى باب السيارة ورفع ساقا إلىفوق تفجرت فكرة مفاجئة في رأسه ..بقي واقفا متشنجا في مكانه محاولاً أن يفعل شيئا، أويقول شيئا ..فكر أن يصيح إلا أنه ما لبث أن أحس بغباء الفكرة، حاول أن يكمل صعوده إلى السيارة إلا أنه لم يشعر بالقوة الكافية ليفعل.. لقد شعر بأن رأسه على وشك أن تنفجر، وصعّد كل التعب الذي كان يحسه فجأة، إلى رأسه وأخذ يطن فيه حتى أنه احتواه بين كفيه وبدأ يشد شعره ليزيح الفكرة .. ولكنها كانت ما تزال هناك :
كبير داوية ضخمة لا تتزعزع ولا تتوارى، التفت إلى الوراء، حيث القى بالجثث، إلا أنه لم ير شيئا، ولم تجد النظرة تلك إلا بأن اوقدت الفكرة ضراما فبدأت تشتعل في رأسه .. وفجأة لم يعد بوسعه أن يكبحها داخل رأسه أكثر فأسقط يديه إلى جنبيه وحدق في العتمة وسع حدقتيه .
انزلقت الفكرة من رأسه ثم تدحرجت على لسانه:
-"لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟.."
دار حول نفسه دورة ولكنه خشي أن يقع فصعّد الدرجة إلى مقعده وأسند رأسه فوق المقود:
-لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟لماذا لم تقولوا؟لماذا؟
وفجأة بدأت الصحراء كلها ترد الصدى:
-لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟لماذا؟لماذا؟لماذا؟


-انتهت-

داليا الهواري
23-02-2007, 04:04 AM
نص مقابلة أجراها <<جايمس زغبي>> مع غسان كنفاني عام 1971 عن تطور الشعر الفلسطيني . ونذكّر بأن الشهيد غسان يتحدث قبل انتشار الكتابات النقدية عن شعر المقاومة، ونذكّر بأنه هو الذي عرّف بذلك الشعر عام 1964.

كان الشعر العربي في بداية هذا القرن ما يزال يعبّر عن ذاته من خلال معان قديمة وتقليدية جدا. ففي مصر مثلا استخدم الشاعر الشهير أحمد شوقي المعاني القديمة التي استخدمها من قبل، بل واستهلكها، الشعراء العرب القدامى وهي معان تحدثت عن الجمال السطحي والموت ومشاكل تجريدية ما ورائية.
غير أنه في عشرينيات هذا القرن حدثت في فلسطين نهضة أدبية اتخذت منحى كلي المغايرة لما سبقها. ففي ذلك الوقت كان أكثر كتاب البلدان العربية الأخرى يحثون العرب على اللحاق بالغرب، على التعلم من الغرب، واليقظة، ونسيان عاداتهم المتخلفة، وغير ذلك. باختصار، كانوا يدعون العرب في مصر ولبنان إلى أن يصيروا غربيين. لكننا في فلسطين آنذاك كان لدينا شعراء يشرعون فيما يمكن لنا تسميته ب<<الشعر الوطني>>، لما فيه من هجوم على البريطانيين، والحث على الكفاح المسلح، والحديث عن الحرية والمساواة. وبمقدوري أن أذكر ثلاثة شعراء فلسطينيين شديدي الأهمية ينتمون إلى تلك الفترة. أولهم إبراهيم طوقان؛ وإذا قرأت شعره اليوم فإنك تشعر كما لو أنه يصف الوضع الراهن. في شعره تحدث عن ملاّك الأراضي الذين كانوا سيتخلون عن فلسطين للصهاينة.
وثمة شاعر فلسطيني آخر من تلك الفترة هو أبو سلمى الذي كان آنذاك طليعة المقاومة. وإني أذكر أنه كتب في بداية الثلاثينيات قصيدة جميلة جدا عن الفدائيين، وهي قصيدة كانت شعبية جدا ولا تزال حتى اليوم. وحين طلبت الحكومات العربية عام 1936 من الثوريين الفلسطينيين أن يستسلموا للبريطانيين، كتب أبو سلمى قصيدة جعلته من <<المطلوبين>> في البلدان العربية بسبب نقده العنيف لتلك الأنظمة العربية. وأنا أذكر أن تلك القصيدة كانت محط إعجاب شديد بحيث إن كل فلسطيني حفظها عن ظهر قلب. ولو استطعت أن تنشر هذه القصيدة اليوم رغم أنها قد كُتبت عام 1936 فإني لا أظن أن صحيفة عربية واحدة سوف تجرؤ على نشرها، لأن القصيدة تبدو كأنها كُتبت عن الحكومات العربية اليوم وعن أسلوبها في التعاطي مع الثورة الفلسطينية.
وكان لدينا في الثلاثينيات شاعر آخر اسمه إبراهيم محمود. وإبراهيم محمود من الشعراء الذين يذكّروننا ب<<لوركا>>، لا لكونه شاعرا فحسب بل لكونه قد قتل في الثورة أثناء القتال.
إني أذكر هؤلاء الشعراء الثلاثة، غير أن ثمة كتابا وشعراء آخرين حملوا على أكتافهم قضية بعث الأدب العربي، وأدوا دورا وطنيا وتقدميا طليعيا. وبالطبع، فإننا لو نظرنا الى شعرهم اليوم فإننا قد نجد أنه لا يعبّر مئة بالمئة عن طموحات جيلنا هذا. غير أنه يجب عليك بالتأكيد أن تضع أولئك الشعراء في الإطار الذي وُلدوا فيه.
واستمرت الأمور على هذا النحو حتى عام 1948. وبعد 1948 نما نوعان مميزان من الأدب الفلسطيني. نستطيع أن نسمي الأول منهما <<أدب المنفى>> ذاك الذي كتب على يد فلسطينيين يعيشون خارج فلسطين ونسمي الثاني الأدب الفلسطيني في ظل الاحتلال الإسرائيلي. في الأدب الأول أدب المنفى بإمكاننا أن نلاحظ ثلاث مراحل من التطور. المرحلة الأولى تمتد بين عامي 1949 و1954. وفيها كان الأدب حزينا جدا وسلبيا، باكيا طوال الوقت. وكان الوطن بالنسبة له محض ذاكرة من الماضي من الأندلس المفقود. وبين عامي 1954 و1961/1962، دخل هذا الأدب في ما أسميه مرحلة التبجح، أي التحدث عن شدة بطولة المسيرة الفلسطينية و واعديتها. هذا الأدب قد كان عالي النبرة وفارغا جدا في الوقت نفسه. وحسب تقديري فإنه كان تتمة طبيعية جدا لتلك المرحلة البكاءة، إلا أن البكاء ههنا يبدو بكاء فخورا. لقد كان هذا الأدب شديد السطحية.
و حوالى عام 1961 ابتدأت مرحلة ثالثة وما تزال مستمرة حتى الآن (أجريت المقابلة عام 1971). وكان هذا الأدب مستندا إلى مزيج من الحزن والتفاؤل. وهو الآخر مبالغ بعض الشيء أحيانا، غير أنه مكتوب بأسلوب عميق شديد الرمزية، أسلوب الأدب الحديث. والحق أن ثمة تغييرات أخرى قد طرأت على هذا الشعر مؤخرا وسوف أعود للحديث عنها.
ولكن في فلسطين نلاحظ أن تطور الأدب قد أخذ وجهة مغايرة كليا. فبين عامي 1948 و1952 (تاريخ اندلاع الثورة المصرية) اتجه جميع شعراء فلسطين باستثناء القدامى منهم كحنا أبي حنا نحو الشعر الغزلي لا الشعر السياسي. وفي تلك المرحلة لم يكتب محمود درويش نفسه وهو الذي يعتبر اليوم واحدا من شعراء الأدب المقاوم الطليعيين سوى أشعار ورسائل وقصص غزلية.
وإننا لن نستطيع أن نفهم هذا فهما صحيحا إلا إذا لاحظنا أن الفلسطينيين الذين بقوا في فلسطين بعد 1948 قد كانوا بشكل أساسي أبناء قرى صغيرة. وكانت ثقافتهم وتربيتهم محدودتين، ولم يكن لديهم أي شكل من أشكال الحماية في مواجهة العالم الخارجي باستثناء العلاقات الحميمة التي ربطت واحدهم بالآخر. هذه العلاقات، إذن، كانت شديدة الأهمية بالنسبة لهم في تلك المرحلة من تطورهم. فالحديث عن الحب، إذن، كان بشكل ما عملا سياسيا. فالمرأة في القصيدة، مثلا، لم تعن إنسانا فردا وعلاقة فحسب، بل عنت نوعا معينا من الملاجئ الشخصية والسياسية.
سنلاحظ أن أدب المقاومة الفلسطينية، بعد عشر سنوات (1952 1962) من القصص والأشعار الغارقة في السياسة، سيعود إلى تلك المعاني الغزلية. غير أن موضوع الغزل هذه المرة هو فلسطين لا امرأة فردية بعينها. فإذا رجعت الآن إلى تلك الأشعار التي كُتبت بين عامي 1948 و1952، فإنك ستجد أن المرأة المشار إليها لم تكن هي الأخرى امرأة بعينها. غير أن هذا ما لم يكن الشعراء يودونه آنذاك؛ إلا أننا على ضوء ما حدث بعد عشر سنوات على كتابتهم تلك الأشعار نستطيع أن نرى ما كانوا قد قصدوا إليه.
فلمحمود درويش، مثلاً، قصيدة مشهورة لعلها أن تكون أفضل قصائده <<عاشق من فلسطين>>. في هذه القصيدة يتحدث عن فلسطين كامرأة، فيصفها بأنها فلسطينية العينين، وفلسطينية الشعر، وفلسطينية الثوب،... بل إنه لا يكف عن قول <<فلسطينية، فلسطينية، فلسطينية>> حتى تنسى في النهاية كل ما يتعلق بامرأة فردية بذاتها. وهكذا يتضح لك أن هذا الرجل يمارس الحب مع أرضه. والقصيدة تبدأ بقوله إن عينيها شوكة في قلبه وهو مع ذلك يحبها. وبكلمات أخرى: فالأرض تسبب له عذاب الجحيم لأنه يعشقها لكنها تحت الاحتلال.
إن علينا بالطبع أن نأخذ في الحسبان أن الأشعار قد اتخذت ذلك الشكل الشديد الرهافة لأن على جميع الأشعار وجميع أشكال الأدب المكتوبة تحت الاحتلال والفاشية أن تُكتب متنكرة على هذا النحو. فكثيرا ما يتحدث الشاعر عن امرأة، لكنه يعني فلسطين؛ ويتحدث عن أبيه، لكنه يعني الأمة العربية؛ ويتحدث عن أمه، لكنه يعني أرضه وتاريخها.
ثمة أشعار أخرى، مثلا، يتحدث فيها الشاعر عن امرأة يسميها <<ريتا>>. و<<ريتا>> اسم يهودي؛ فحين تسمع القصيدة تشعر بأن الشاعر يتحدث عن الصهاينة. وفي إحدى القصائد، مثلاً، تطلق <<ريتا>> الكثير من الوعود، لكنها في النهاية تخونها جميعها.
إن شعراء الأدب المقاوم هؤلاء، إذ يكتبون في ظل ظروف صعبة، قد وجدوا طريقة لإيصال أفكارهم السياسية وتطويرها. إن الفارق الأساسي الذي نستطيع أن نتبيّنه بين أفكار هؤلاء الشعراء السياسية وشعراء المنفى هو أن شعر الأوائل قد كان منذ البداية شديد التفاؤل والإيجابية والاجتماعية. لقد تحدثوا على الدوام بنبرة شديدة الإيجابية عن كفاح الفلاحين من أجل أرضهم، وعن حاجات البروليتاريا، وغير ذلك. وعلينا أن نلاحظ أن غالبية هؤلاء الشعراء هم من القرى التي دمرها الإسرائيليون وجرفوها. إنه ليس من المصادفة، إذن، أن يكون أكثر هؤلاء الشعراء قد تمحوروا حول الحزب الشيوعي الإسرائيلي أو تلقوا تربيتهم السياسية فيه.
أود أن أذكر شيئا عن نوع آخر من أدب المقاومة في فلسطين. فعندما تحدثت عن أشعار الغزل كنت أتحدث عن أشعار مكتوبة باللغة الفصحى. غير أن شعب فلسطين حين تُركوا وحدهم عام 1948 كانوا من دون ثقافة مدنية متطورة ومن دون تسهيلات نشرية، وغير ذلك. لقد كان الشكل الأساسي لإنتاجهم الأدبي في تلك المرحلة ما ندعوه بالأدب الشعبي، أي الشعر العامي البسيط.
وإنها لعادة منتشرة في العالم العربي أن يتلو الشعراء العاميون المحليون (الذين يكونون في أكثر الأحيان أميين) أشعارهم في الأعراس وفي مناسبات طقوسية أساسية مماثلة. وإنها لعادة فلسطينية قديمة موجودة في أكثر البلاد العربية كذلك أن يأتي الأهالي بشاعرين من أولئك الشعراء إلى العرس. فيقدم شاعر منهما العروس، فيما يقدم الآخر العريس. وإنه لجزء من الاحتفال أن يقوم الشاعر الذي يمثل العروس فيرتجل أبياتا تمتدحها، وذلك بالتحدث عن خيرها وجمالها وغير ذلك. فينبري الشاعر الآخر ليتحدث عن خير العريس وجماله،... فتحصل مسابقة حول من من الطرفين أفضل، ولا تنتهي إلا بعد مضي عدة ساعات.
لقد تحوّل دور هؤلاء الشعراء بعد عام 1948 بطريقة عفوية إلى دور سياسي، فصاروا يذهبون في ظل الاحتلال إلى الأعراس في قرى عربية و يبدأون بتلاوة قصائدهم؛ فيستهلونها بمدح الفتاة، غير أنهم يقولون عبارات من نوع: <<سوف نريكم أن الفتاة كانت ستكون أفضل بكثير لو كانت الظروف أفضل، ولو كنا لا نعاني التمييز ضدنا، ولو لم تصادر أرض أبيها، إلخ...>>. فيجيب الشاعر الآخر إجابات مماثلة عن العريس. ويتحول كل هذا، وسط تصفيق الناس وحماستهم، إلى مناسبة سياسية.
فجأة صار هؤلاء الشعراء، الذين كانوا يعتبرون على الدوام نوعا من المرتزقة، يؤدون دورا قائدا في القتال ضد الاحتلال. وتحول كل تجمع، كل عرس، كل مأتم، كل حدث أساسي في القرى، وبسرعة لا يمكن لأي إنسان أن يلحظها، إلى تظاهرة سياسية.
لقد أنبئت أن واحدا من هؤلاء الشعراء، اسمه إبراهيم، من <<أم الفحم>>، صار عام 1951/1952 من التأثير والشهرة بحيث إن الإسرائيليين قتلوه ذات يوم حين كان يقود تظاهرة خارجة من عرس! فحتى لو وضعنا المعاني الإنسانية لتلك الأشعار جانباً، فإن حوادث كهذه ترينا مدى أهمية الفولكلور في يقظة الشعب السياسية.
ونتيجة لهذا النوع من الشعر، فقد سن الإسرائيليون قانونا عام 1961 يمنع هؤلاء الشعراء من تلاوة شعرهم علناً. وإني لا أظن أن أي قوة احتلالية أخرى في العالم تجرؤ على سن مثل هذا القانون!
عبر هذا الشعر العامي نما شعراء المقاومة الفلسطينية العظام، أمثال محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد. إنهم شعراء جيدون جدا، لا سياسيا فحسب بل فنيا كذلك. غير أن <<أباهم>> لم يكن المدرسة التقليدية؛ فهم لم يكتسبوا علمهم من خلال الأدب العربي التقليدي والكتب العربية التقليدية ولا من خلال النظام التعليمي الإسرائيلي. بل إن أباهم قد كان في الحقيقة الفولكلور شعر الشعب. وهذا يفسر لماذا نحس بالدفء والتفاؤل في جميع أشعارهم.
وفي الوقت الذي كان فيه شعر المنفى يغدو سلبيا أكثر فأكثر، كان شعر الأراضي المحتلة يغدو أكثر شجاعة وتحديا. وكان هذا الشعر كذلك ينمو بسرعة على الصعيد الفني.
أما بالنسبة لشعراء المنفى فإن شعرهم لم يتغير إلا بعد الخامس من حزيران عام 1967. ففي البدء، عقب هزيمة الأنظمة العربية ذلك العام، بدأ شعراء المنفى بمن فيهم شاعر مثل نزار قباني قضى اثنتين وعشرين سنة يكتب أشعارا غزلية بكتابة نوع غريب جدا من الشعر. فقباني كتب بعد الهزيمة قصيدة هاجم فيها كل العرب حكومات وشعبا. غير أن الشاعر، بقصيدة من مثل هذا النوع، ما يزال سلبيا؛ ذلك أنه كان يحاول أن يضع نفسه خارج الحكاية، شاتما الناس كلهم، قائلا لهم <<لقد أخطأتم خطأ عظيما>> و<<يجب أن تخجلوا من أنفسكم>>، وهلم جراً.
إن شعر المنفى قد بدأ بالتحول في السنوات الأخيرة فحسب (أواخر الستينيات)؛ فالكثير من الشعراء العرب اليوم يشعرون منذ بداية حركة المقاومة بأن في إمكانهم هم أيضا قول أشعارهم بشجاعة وتفاؤل. إن المواجهة اليومية مع العدو هي التي تجعل ذلك الفن متفائلا. وأما في المنفى فإن الشاعر أو الروائي لم يجد أمامه طوال عشرين عاما سوى نفسه ومشاكله الخاصة؛ وهذا ما لن ينتج فناً متفائلاً.
وأعتقد أن أدب المقاومة الفلسطينية في المنفى يتطور الآن تطورا سريعا جدا. فالشعراء الجدد أولئك التلاميذ الذين يدرسون في جامعة دمشق أو جامعة الأردن أو غيرهما هم الذين التحقوا بالثورة حين بدأت في حزيران. والواقع أن مواهبهم قد تفتحت حين كانوا على الجبهة، وفي المخيمات، وفي معسكرات التدريب. فإنك لتشعر، إذ تقرأ أشعارهم، بنبرة شديدة التفاؤل والشجاعة. إنها النبرة عينها، في الواقع، التي سمعناها وقتا طويلا قادمة من داخل الأراضي المحتلة والتي افتقدناها لحد الآن في أدب المنفيين.
تلك هي بشكل عام صورة تطور شعر المقاومة بين الفلسطينيين المنفيين. الغريب في الأمر أن الشعر القادم من الأراضي المحتلة كان كلي المغايرة. فبعد حزيران 1967 لم يمر هذا الشعر في مرحلة سلبية. وإني لأذكر، مثلا، قصيدة لمحمود درويش في نهاية حزيران، بعد عشرين يوما من الهزيمة. (كان محمود آنذاك ما يزال في فلسطين- الآداب). وفيها يقول ما مفاده أنه سوف ينتظر إثمار حقله رغم أن هذا لم يحصل في الموسم الماضي. وأما توفيق زياد فقد كتب قصيدة يقول فيها إن الحصان لم يكمل السبق لكنه سوف يفعل هذا بعد هنيهة.
وهكذا نجد أن الشعراء لم يتخلوا عن الأمل لأنهم كانوا منخرطين في النضال منذ بدئه. علينا أن نلاحظ أنه على الرغم من حصول تلك التحولات الإيجابية فإن ثمة حملة حقيقية في إسرائيل حملة تربوية تهدف إلى التقليل من أهمية تراث الأدب العربي. فالحكومة الإسرائيلية قد نشرت أدبا عربيا سخيفا و عدميا، ومجلات وروايات جنسية، بهدف الحط من قدر الأدب العربي.
وبالطبع يقول الإسرائيليون أن ليس ثمة مشكلة في أن ينشر كاتب عربي جيدا أعماله الأدبية؛ فالحق أن هذا هو المنطق الإسرائيلي في تبرير وجوده. الإسرائيليون يقولون أن لا مانع لديهم في أن يعبّر العرب أو أي أناس آخرين عن أنفسهم شعراً ورواية وغير ذلك. غير أن الحكومة الإسرائيلية تتدخل حين يصل شكل المعارضة هذا إلى مرحلة التعبئة السياسية. علاوة على ذلك فإننا يجب أن نلاحظ أن الإسرائيليين حين يسمحون بنشر هذه الأشعار فإن ثمة رقابة لا تزول عنها فرضها الحاكم العسكري. فأنت لو نظرت إلى الكتب التي ينشرها الشعراء الفلسطينيون في الأراضي المحتلة فإنك ستجد في الغالب أن ثمة مقطعا ناقصا، أو أن ثمة شعرا لا خاتمة له! وفي قصيدة لدرويش مثلا يطلب من امرأة يحبها أن تأخذه تحت عينيه، وأن تجعل منه حجرا في بيتها؛ غير أن هذا ما تقرأه منشورا فحسب؛ فالواقع أنني تلقيت نسخة أصلية من القصيدة واكتشفت أن لها نهاية يطلب الشاعر فيها من حبيبته أن تجعل منه حجرا لبيتها من أجل أن يعرف الجيل القادم السبيل للعودة إلى البيت. وهكذا تجد أن الرقابة حذفت البيتين الآخرين اللذين أعطيا للقصيدة كلها معناها الحقيقي.
وأحيانا يرفض الحاكم العسكري كتابا كاملا. وإذا أصر الفنان على عمله فإن من الممكن أن يعتقل. بل إن معظم شعراء الأرض المحتلة قد قضوا زمنا في السجن أو تحت الإقامة الجبرية. أحيانا يرسلون بشعرهم خارج الوطن لننشره نحن. وكان هذا أمرا صعبا جدا أول الأمر، لأن العرب داخل الأراضي المحتلة لم يثقوا كثيرا بأولئك العرب الذين يحيون خارجا. وكنت أنا أول من عرّف بأدب الأراضي الفلسطينية المحتلة في العالم العربي، عام 1964/1965. وكان كتابي آنذاك صدمة؛ فلم يقبل به أحد أول الأمر لأن الجميع ظنوا أن ثمة خدعة ما. لكن أعمال شعراء الأرض المحتلة ما لبثت أن قُبلت ورُحب بها ترحيبا عظيما.

الميدل إيست انترناشونال،
نيسان 1975، ص 25 28
ترجمة الآداب

داليا الهواري
23-02-2007, 04:07 AM
سمعنا في أكثر من مناسبة تعليقات تأتي من هنا وهناك. أنكم في «الهدف» حولتم غسان كنفاني إلى «أيقونة مقدسة»، وبتّم تبالغون في تخصيص ملف سنوي عن غسان كنفاني في ذكرى استشهاده.

ذريعة أصحاب هذا التعليق، الذي قد يهمس به بعضهم همساً، ويجاهر به بعضهم الآخر بوضوح: أن ما كُتب عن غسان خلال السنوات الثلاث والثلاثين الماضية لم يترك شيئاً من غسان المناضل، أو الأديب، أو الصحفي، أو السياسي، أو الفنان، أو الإنسان إلا وتناولته الدراسات والمقالات الكثيرة بحثاً وتمحيصاً وتحليلاً، وبالتالي فقد أٌُشبعت كافة الموضوعات التي تناولت غسان بمزاياه المتنوعة، وما تفعلونه ليس سوى تكرار لما كُتب، لا جديد فيه.
دعونا نعترف بدايةً، أنه على الرغم من غزارة ما كُتب عن غسان، إلا أن هذه الكتابات ـ وفق قناعتنا ـ لم تفِ الرجل حقه، لكنها دون شك تضاعف في الوقت نفسه من مسؤوليتنا، ومسؤولية أي كاتب، أو ناقد يريد أن يكتب عن غسان لكي يضيف جديداً، وحتى لا تكون كتابته مجرد صدىً، أو تكراراً لكتابات أخرى، وبالتالي هذا الأمر يتطلب من أي كاتب مجهوداً أكبر، ورؤية نقدية أعمق للنفاذ إلى عالم غسان والغوص في أغواره، وإعادة اكتشافه، وإضافة الجديد، وفي هذا السياق رُبّ قائل يقول: «وهل ثمة جديد بعد لم يُكتشف في تراث غسان؟!».
لهؤلاء نقول: نعم هناك الكثير في تراث هذا المبدع الريادي الكبير، الراهن حتى الآن، مما يستحق إعادة القراءة والتحليل بأدوات نقدية جديدة، وبأفقٍ جديد، وهذا ليس مجرد كلام نطلقه على عواهنه لأننا ننتمي إلى «الهدف» بيت غسان الذي نفتخر به، وإنما هو رأي مُجمع عليه من قبل كبار النقاد العرب، وكمثال على ذلك، يحيل القارىء إلى كتاب الناقد يوسف سامي اليوسف «رعشة المأساة / مقالات في أدب غسان كنفاني» الصادر عن دار كنعان عام 2004. إذ على الرغم من أهمية هذا الكتاب الذي تناول في خمس مقالات بحثية، وبعين نقدية متفحصة: روايات غسان، وقصصه، ومسرحه، بالإضافة إلى أثر النكبة، وأثر الثورة الفلسطينية على أدب غسان فإن الناقد يخلص إلى نتيجة مفادها: «أن هذه المجموعة من المقالات لم تتمكن أن تقول إلا الشيء اليسير مما ينبغي أن يُقال، حين يريد النقد أن يدرس تراث غسان. إنها لم تفهِ حقه من الشرح والتفصيل، فالرجل غني بالممكنات، وكذلك بالمحتويات التي تستحق الكشف المفصّل الدقيق، ولا بد للحركة النقدية من أن تخصص له الكثير من الدراسات المطولة الجادة، إذا ما أرادت أن تنصف الرجل».
إن إبداعات كنفاني التي تشكل علامة مضيئة في تاريخ الأدب الفلسطيني، والعربي ما تزال إذن تدخر الكثير في ثناياها، فهل تفي الحركة النقدية هذه القامة ما تستحق؟!







عن الهدف الفلسطينية

داليا الهواري
23-02-2007, 04:08 AM
إدريس علوش

غسان كنفاني السياسي، و الصحفي، و الفنان، والأديب، والمبدع، الناقد، والمناضل والشهيد...
الناقم حياً و شهيداً على غطرسة كيان يتوهم أن له وجوداً بيننا، ولأجل هذا الوهم فتح دولاب الدم، والمجازر، والمكر، والخداع، والدسيسة، وزور الذاكرة، والتاريخ، واستهزأ بالجغرافيا...
غسان كان يعرف من موقعه النقدي كل هذا وأكثر...
لهذا الاعتبار تواجد في كل الأماكن، والمواقع، والأزقة، والشوارع، والمخيمات، والخنادق حتى لا يدع مجالاً اوثقباً يتسرب عبره هذا الكيان المندس في شأن ليس له... في القصة القصيرة.. والرواية.. والمسرح.. والرسم.. والجريدة.. والمجلة.. والبيان.. والملصق.. والنص.. والفقرة.. والسطر.. والنقطة.. والفاصلة.. كان غسان بلمسته الثاقبة يقول لن ندعك تعيش بيننا بسلام ما دمت محتلاً وغازياً وعدوانياً. لأنك لست منا وعليك أن ترحل وإن لم يكن اليوم ماهم ولو بعد مائة سنة.المهم هو أن ترحل ونحن لك بالمرصاد احياءً وشهداء بالدم، بالحديد، بالرصاص، بالحجر، بالفكر، بالإ بداع فلا مجال لك بيننا فارحل..ارحل..ارحل...
غسان كان بمثابة حبة وجود...
نحيف ونحيل وخفيف كفراشة تماما..
يمسك بالقلم وكأنه يمسك بالزناد..لا فرق كان عنده..
المهم إنه كان يصوب نحو الهدف الذي يقود إلى تحرير فلسطين..
تحرير الإنسان، والأرض، والذاكرة من التشويه والتاريخ من النسيان والجغرافية من التلوث وفلسطين من الاحتلال...
لم يكن غسان يفصل بين الهدف المجلة، والجبهة الحزب. لكنه كان يراهن كثيراً على ذاك الخيط الرفيع الذي يجمع بينهما ويؤسس للجدل القائم بين الفكر والثورة والوعي النقدي.رحلة عمر قصيرة عاشها بكثافة وكانت حافلة ومليئة بالعطاء، والفعل، والتفاني، والحب، والجرأة، والشهامة، والشجاعة، والاجتهاد، والمثابرة فقط لتستمر المقاومة وليستمر النهج المكافح لتحرير فلسطين..
عندما صوّب العدو رصاص الغدر والمؤامرة لينال من غسان كان يستهدف بالأساس فيه روح الإبداع، والقدرة الخلاقة على تدبير إشكال المقاومة الفعالة لإنهاء الاحتلال في اقرب وقت ممكن حتى لا يتمادى هذا الوباء والسرطان إلى أقصى مداه...كان يستهدف فيه الشموخ الذي لا يهادن مهما تخاذلت سبل وملابسات المرحلة...كان يستهدف فيه بعد الرؤية وعمق التحليل...
هل كان يعرف الناس والعالم ونحن كم من الساعات كان يشتعل غسان لتصمد فلسطين في وجه الكيان الصهيوني.هل أجازف إذا قلت أنه كان يولد ساعات إضافية لعقارب الزمن.وإذا كان اليوم بليله ونهاره يعادل الأربعة وعشرين ساعة، فاليوم عند غسان سبعة وعشرون ساعة...من أين إذن كان غسان يضيف هذه الساعات الثلاث إلى عمر اليوم.. وهذا معطى موضوعي وحقيقة ساطعة وليس مجالا للاستعارات أو الخيال..من الحب العميق لفلسطين، والناس، وللمعذبين في الأرض. كان يستمد طاقته الفعالة للانتصار على الزمن واستثمار الوقت على أحسن وجه وصورة..
غسان كنفاني المتعدد في النص، والإبداع، والخلق، والابتكار متعدد أيضا في الرؤيا والرؤى ورحابة صدره وسعة فكره، ونضجه، ورصانته سمات هيأته للقبول بالتعدد، والاختلاف، والتنوع، وقبول الرأي والرأي الأخر دون تعصب، أو إرهاب فكري، أو شوفينية عرقية، أو عنصرية، كيف لا وهو المثقف العضوي والمناضل الأممي . فقط لا اختلاف عنده عندما يتعلق الأمر بفلسطين فهي التعدد في الوحدة، والوحدة في التعدد. من هنا كانت قوته في إدارة الحوار، والنقاش، والتواصل ليس مع مكونات الصف الوطني والديمقراطي الفلسطيني فحسب بل مع كل الفعاليات، والتنظيمات التقدمية، والديمقراطية، والأممية في أرجاء المعمورة. لذا سيبقى منارة شامخة للفكر الأممي، والإنساني، والكوني...
عن غسان الإنسان ..قد لا يسعف التعبير ولا حتى العبارة للحديث عن هذا البعد في المسار الحياتي والنضالي والكفاحي لغسان .ببساطة لأن الأساس والجوهر فيه كان إنسانياً وبامتياز.. إنساني في السلوك، والممارسة، والتنظير، والإبداع.. غسان من الإنسان أتى ولأجله ناضل واستشهد...







عن الهدف الفلسطينية

داليا الهواري
23-02-2007, 04:09 AM
وليد عبد الرحيم

ترى ما الذي يعنيه لنا، نحن الفلسطينيين، هذا الاسم الذي يكبر معناه كلما مرت السنون، بعكس ظواهر كثيرة، أدبية وسياسية وفنية.
السؤال في غسان، صعب، والإجابة أصعب، سؤال يتعلق بالأدب أولاً، ثم بالسياسة، ثم الاغتيال، لنقف أمام شخصية معقدة ومركبة على الرغم من بساطتها البادية، فالأديب يكتشف من قبل النقاد تباعاً، وفي كل عام تطل عناوين جديدة تدرس نثر وفكر هذا الرجل، وكأنه غابة لم تكتشف بعد، أما السياسي فيتضح رؤية تلو رؤية، وأما المُغتال فتسطع حوله الأسئلة، وفي كل مرة أيضاً نكتشف سبباً جديداً لاغتياله!
غسان كنفاني، فلسطيني عادي هويةً، ومبدع شائك العالم في براعة نصه فنياً، بحيث أن معادلة البساطة والعمق قد تحققت بقلمه، وغاصت المفردات البسيطة، بل والاعتيادية في عالم من الأفكار والرؤى التي لا تُحدّ. حتى أن ناقداً قال مازحاً: «لم يدرس الحرف عند غسان كنفاني»، وهو إذ يقول ذلك مازحاً، فإن فيه من الجدية ما يكفي لاعتبار معناه بجدية ولأسباب عدة:
في اللحظات الأولى، أو لنقل السنوات الأولى، قيل بأن اغتيال غسان كان لمشاركته في قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي أقلقت إسرائيل والعالم بعملياتها الصاخبة، وذلك بالتأكيد من مسببات اختيار هدف الاغتيال من قبل النازيين الجدد.
ثم مرت السنون، فاتضح أكثر بأن سبب الاغتيال لم يكن لمجرد مشاركة هذا الأديب الساخط والنقي في الحركة السياسية، بل ثمة ما يخيف في قلمه، واكتشفنا فيما بعد بأن الصهيونية لا تخشى السلاح بقدر ما تخشى القلم، وأن دوافع استهداف كنفاني كانت فكرية وثقافية أكثر منها أمنية أو سياسية، فقد أرعب الجيل الجديد من الكتاب والشعراء الفلسطينيين أركان وأسس بناء الكيان النازي المقام على أنقاض صراخ ألأطفال الذي أصبح بعضهم أدباء وقادة ومفكرون في وقت قياسي، مما أجاب ببلاغة على سؤال غولدا مائير: «أين هو الشعب الفلسطيني». غسان واحد من ألمع المجيبين على هذا السؤال وأبرعهم، لهذا تم اغتياله.
واليوم بعد أكثر من ثلاثة عقود على تشظي جسده المتفجر بالسيارة المفخخة، تحاول الصهيونية الرد على رواية بسيطة المبنى، عميقة الدلالة هي: «عائد إلى حيفا».
فقد كتب سامي ميخائيل، رواية جديدة هي في معناها الفكري رد على «عائد على حيفا»، يعيد فيها تشكيل عناصر وشخصيات الرواية، تماماً كما فعل أسلافه بتاريخ فلسطين، فبدل أن يكون ترك الطفل الفلسطيني مأساةً نتيجة قدوم النازيين الجدد، يحاول ميخائيل تحميل المسؤولية للأم التي تركته.
ترى لماذا يحاول ميخائيل تزوير، أو إعادة بناء رواية كنفاني، هل لاعتقاده بأن صهيونيته فشلت في تزوير الذاكرة البشرية، أم لقناعته بأن الأدب الفلسطيني كالتاريخ لا بد أن يشع ويتضح في الذهن البشري، في كلتا الحالتين يدلل ذلك على أهمية الأدب وأهمية غسان كنفاني، التي تستوجب الرد روائياً بعد قتله بوحشية بثلاثة عقود.

داليا الهواري
23-02-2007, 04:10 AM
شاكر فريد حسن


تحيي الاوساط الثقافية والشعبية الفلسطينية في هذه الايام ذكرى استشهاد المناضل والمبدع الفلسطيني غسان كنفاني الذي جعل من الفن ثورة ومن الثورة فنا مقاتلا ولم تعرف حياته الفصل بين الفكر والممارسة.
لقد كتب الكثير عن غسان الانسان والكاتب والمثقف الثوري الديمقراطي واجمع الكل على تميز شخصيته واهمية قصصه ومكانته الأدبية بين مريديه ودوره الاجتماعي والسياسي والثقافي في الحياة الفلسطينية وريادته للرواية الفلسطينية الحديثة في الشتات والمنافي القسرية، وقد قال عنه الشاعر محمود درويش >انه يقتحمنا دائما بقوة كلماته التي لا تموت، كم هم الفلسطينيون الذين كتبوا وماتوا، ولكن حبرهم كان يجف مع دمهم، كتابته هو قد تكون هي النادرة التي تصلح للقراءة بعد العودة من جنازة كاتبيها، وتاريخ تبلور النثر الفلسطيني الجديد يبدأ من غسان كنفاني<.
ان الكتابة الكنفانية، الروائية والقصصية تنبع اهميتها من كونها تصور الكارثة والمأساة التي حلت بالشعب الفلسطيني وتنقل حياة التشرد والمعاناة والعذاب والوجع الفلسطيني الى حيز الرواية الفنية، بحيث تقدم فهما عميقا للتراجيديا وادانة للتاريخ في طرفيه النافي والمنفي، وتحرص على تحقيق التطابق والتمازج والالتحام بين الهم الفلسطيني بتفاصيله الدقيقة والهموم الانسانية بعموميتها، وتنطلق من رؤية ثورية نافذة متفائلة تتطلع نحو المستقبل المشرق.. ومما قاله بهذا الصدد: >انني ارى في فلسطين رمزا انسانيا متكاملا، فانا عندما اكتب عن عائلة فلسطينية فانما اكتب في الواقع عن تجربة انسانية ولا توجد تجزئة في العالم غير متمثلة في المأساة الفلسطينية.
صدرت لغسان كنفاني قبل موته اربع روايات ترسم بكثافتها رحلة العذاب الفلسطيني من الفرار الى المواجهة وهي- ام سعد: وتمثل وثيقة فنية تحمل صورة للنقلة النوعية في التاريخ النضالي الفلسطيني وتنقل حياة المخيمات التي تحولت من الذل والبؤس والظلام والاستسلام الى التمرد والرفض والثورة.
- رجال في الشمس: وترصد المأساة الفلسطينية بعد النكبة ورحلة التشرد الفلسطيني بعيدا عن الوطن والارض بحثا عن رغيف الخبز من خلال شخصيات فلسطينية هي >ابو قيس واسعد ومروان< وتنتهي بالسؤال من يدق الخزان؟!
- ما تبقى لكم: وفيها يدخل البطل الفلسطيني مرحلة ولوج الموت داخل الفعل التاريخي والتحدي عبر جسد الصحراء.
- عائد الى حيفا: وتنفجر فيها كل تناقضات النفس وخباياها من خلال تصويره لعودة سعيد وزوجته الى حيفا التي غادرها قبل عشرين عاما بحثا عن ابنهم الذي بقي في البيت عند سقوط المدينة ليفاجأوا انه اصبح ضابطا في صفوف الجيش الاسرائيلي، لكنهم يجدون عزاءهم في ابنهم الآخر الذي يطمح للالتحاق بالمقاومة الشعبية الفلسطينية.
وكان غسان اول من اهتم بأدب المقاومة الذي كتبه وانتجه الشعراء العرب الفلسطينيون في اسرائيل >فنشر دراستين عن مسيرة تطور هذا الأدب وملامحه الاساسية وهما: >أدب المقاومة في فلسطين المحتلة< و>الأدب الفلسطيني المقاوم من 1948- 1968<.
غسان كنفاني اقوى من الموت والنسيان ويظل بوصلة تهدي قلوبنا التائهة الى مدافئ الحب وشطآن الفرح والحرية، وهو خالد في ذاكرة شعبنا ومبدعيه، كواحد من رواد الرواية الفلسطينية المعاصرة ونموذجا للمناضل والمقاتل بالكلمة والقلم والذي افنى حياته وروحه في خدمة القضية الوطنية التحررية لشعبنا الفلسطيني.
عن الحياة الجديدة الفلسطينية

داليا الهواري
23-02-2007, 04:11 AM
د. فيصل دراج

ماذا يفعل الفلسطينيون، الآن، بذكرى غسان كنفاني؟ وهل ذكرى مثقّف مناضل، بالـمعنى النموذجي، مناسبة جديدة لكلام قديم أم أنّها شيء آخر؟ ما الفرق بين الزمن الفلسطيني اليوم وذاك الذي نما فيه غسان واندفع إلى الكتابة؟ وعن ماذا كان سيكتب غسان لو عاش إلى هذا اليوم، الذي أضاف إلى مآسي الفلسطينيين القديمة خيبات جديدة؟
الواضح الوحيد في الأسئلة السابقة كلّها أمر جوهري، : استمرار الإخفاق، والواضح الوحيد انقسام الفلسطينيين عوضاً عن وحدتهم، والواضح استمرار دولة إسرائيلية لا تزال تفعل بالحق الفلسطيني ما تريد. مع ذلك، فإنّ في هذا الواضح، الذي لا يدعو إلى الـمسرّة أبداً، واضحاً آخر هو: القتالية الفلسطينية الـمجيدة التي تحلّق عالياً في السماء وتنشر البشائر وتكاثر الوعود ولا تعثر، في النهاية، على مهد ملائم تعود إليه، كما لو كانت الشجاعة الـمضيئة تأتي من أرواح الفلسطينيين وتذهب إلى لا مكان. وقد يسأل غسان، لو كان حيّاً، بلهجة يعوزها الرضا: "ما تبقّى لكم"؟ و"ما تبقّى لنا" هو "ما تبقّى" له ذات يوم، مع فرق كاسح يجعل زمانه أقل إيلاماً من الزمن الذي نعيش.
بنى غسان تصوّراته على معادلات شديدة الوضوح: الفرار من الوطن فرار إلى موقع لا كرامة فيه، القبول الطائع بالـمنفى موت آخر، واسترجاع الوطن يتحقق بقتال محسوب، والقتال الواجب يبدأ من الإنسان لا من بندقيته، والوعي الصائب ما يعترف بالـمشخص ولا يطمئن إلى مجرّد يشاكل الجهل، والفلسطيني من يعرف مسؤولية كونه فلسطينياً، والتمرّد على إجماع تقليدي طريق إلى الحريّة، والبحث عن الجديد الفاعل بحث حقيقي عن فلسطين، وقتال العدو هو الاعتراف بإمكانياته التي جعلته منتصراً، والنوايا الـمجرّدة درب إلى جهنّم، حتى لو بدت غير ذلك... كان في هذا كلّه يسأل ويطوّر إجاباته، ويجيب ولا يطمئن إلى إجابة أخيرة، وكان في هذا كلّه يتحدّث عن فلسطينيين لا عن فلسطين، لأنّ الوطن يتعرف بالذين يحملون مسؤوليته.

1. وقوف أول على ذاكرة غسان:
ينتسب الـمهزوم إلى ذاكرته، يلوذ بها محاذراً هزيمة جديدة، هاجساً بالأسباب التي نصرت عدوّه وألقت به إلى أرض الهزيمة. في إحدى قصصه القديمة وضع غسان سارد الحكاية الفلسطيني أمام صورة بومة، أيقظت في ذاكرته أطياف معركة لـم تمنع الهزيمة. ولعلّ هذه الـمعركة، مهما كان مآلها، هي التي جعلت من موضوع: الوعي الزائف ثابتاً من ثوابت روايات غسان ذلك أنّ الأفعال، في أشكالها الـمختلفة، لا تنفصل عن نتائجها العملية. ومع أنّ جملة "كان الفرار موتاً" أعطت "رجال في الشمس" معناها الظاهري، فقد كان الـمعنى الجوهري قائماً في سؤال الوعي الزائف والوعي الصحيح، الذي يعني أنّ كل فعل يساوي الوعي الذي يحكم مساره. فالفلسطينيون الـمندفعون إلى أرض تلتبس بوعيهم بالفردوس ينتهون موتى على قارعة الطريق، وقائد الفلسطينيين، الذي يظن ذاته مرشداً سوياً، ميّت وهو يقود "إخوانه" إلى موت مهين. أشاع غسان، في نهاية روايته، مناخاً جنائزياً مشبعاً بالحزن والغضب والتساؤل، مستدعياً قارئاً فلسطينياً يتأمّل معه ذلك الطلاق الـمأساوي بين الفعل والعقل، وبين الفعل اللاعقلاني والأخلاق، وبين الفعل البليد الـمتداعي وفلسطين الـمحتلة، التي تطالب بوعي آخر. وقد تقفز إلى العين مباشرة صورة "أبي الخيزران" القائد الخصي الذي قاد "إخوانه" إلى التهلكة. لكن غسان، الشاب الذي يعطف اندفاع القلب على العقل كان يساوي، في أعماق الكتابة، بين القائد العاجز ورعيته البائسة، لأنّ القائد البائس تصنعه رعيّة أكثر بؤساً.
أراد نص غسان، في رمزيّته الـمعلنة، أن يندّد بالتقليدي، وعياً وقيادةً ورعيةً، مفترضاً في لا وعيه اليقظ، إن جازت العبارة، أن في الوضع الفلسطيني، الذي يقاتل صهيونية عاتية مدعومة بكل الظلـم الاستعماري، ما يأمر بوعي مبدع جديد منقطع عن التصوّرات الأيديولوجية ــ السياسية التي أفضت إلى ضياع فلسطين. ولعلّ من يرجع إلى مسرحية "الباب"، يجد أنّ غسان لـم يكن مأخوذاً بالكليّات، فلا وجود لفلسطين إلاّ في التعرّف الـمشخص على قدرات الذين يتصارعون على أرضها، ولا وجود للفلسطينيين إلا في تساؤلاتهم الـمتميّزة عن أسباب الخروج ووسائل العودة. كأنّ غسان كان ينطلق من الـمفرد الـمفكّر الـمبدع ويرى في الـمجموع الفلسطيني الحقيقي محصّلة للفرديات الحرّة، الـمتمرّدة على الإجماع التقليدي وعلى جملة الأفكار التي تختصر الـمجموع الوطني إلى إرادة فرد أو مجموعة أوطائفة أو فئة حزبية. وواقع الأمر أنّ لكل فلسطيني، يؤمن بحق الفلسطينيين في العيش في فلسطين، الحق كل الحق، في تقديم ما شاء من الأسئلة والأجوبة، بعيداً عن التقنين وسطوة الـمحلّل والـمحرّم. والأساسي في منظور غسان، كما تجلّى في كتاباته الـمختلفة، أن معنى الإنسان الحقيقي يصدر عن ذاته الـمتمرّدة، التي لا تأتلف مع الإجماع الـمطمئن وترفض كل ما له علاقة بالتجانس العقائدي والـمجانسة. ذلك أنّ التجانس الفلسطيني الوحيد، الـمقبول به، هو العمل من أجل تحرير أرض فلسطين، كي تكون وطناً في الحاضر والـمستقبل. فالـمعيار هو الإنسان والهدف الـمرتجى من أجل الإنسان، والدروب الحقيقية إلى فلسطين إنسانية الـمبتدأ والـمنتهى.
نستطيع القول، إن حرّرنا الكلام من بعض الغموض، ما يلي: كان غسان حداثياً في وعيه: حداثة من أجل فلسطين، وحداثة لا معنى لفلسطين من دونها، لأنّ الحداثة هي الحريّة، مثلـما أنّ تحرير فلسطين عمل ينجزه بشر أحرار. لـم يكن منظوره، رغم تميّزه، بعيداً عن جبرا إبراهيم جبرا، الذي عيّن الحداثة مبتدأ للوطنية والكتابة والدفاع عن القدس. وقد يرى البعض أنّ في الركون إلى تعبير الحداثة تزيّداً لا ضرورة له، أو إقحاماً لتعبير "فكري" لا ينبغي إقحامه في الـمسائل الوطنية الخالصة. والاعتراض سقيم لأكثر من سبب: فلا وجود لقضايا وطنية خالصة، طالـما أنّ الوطن هو الأفراد الـمدافعون عنه، الـموزّعون إلى طبقات وأهواء ومصالح ومعتقدات وتحالفات، وطالـما أنّ شكل الكفاح الوطني هو من شكل الناطقين بالقضية الوطنية. أكثر من ذلك أنّ حركات التحرّر في العالـم، مهما كان مآلها، كانت، غالباً، حداثية الأدوات والـمقاصد، بل أنّها لـم تكن مرفوضة، استعمارياً، إلاّ بسبب مشاريعها الحداثية التي تحلـم بحقوق الـمواطنة قبل أن تتحدّث عن الوطن. إضافة إلى ذلك فإنّ الصهوينية، رغم أقمطتها الأيديولوجية، اللاهوتية، أنشأت مشروعها الاستعماري متوسّلة العلـم والتقنية ودولة القانون (بالنسبة للصهاينة لا لغيرهم طبعاً) وغيرها من معطيات الأزمنة الحديثة. لا غرابة أن يبدأ جبرا عمله الروائي الأول "صراخ في ليل طويل" بمجاز أدبي، قوامه الحريق والـموت والانبعاث، مطالباً بحرق التقليدي الـمتقادم والأخذ بمدأ جديد، وأن تكون إدانة التقليدي ثابتة من ثوابت أدب غسان، أدرجه في "رجال في الشمس"، وهو يفرّق بين من يحسن الأدعية ولا يحسن استعمال "البارودة"، وعاد إليه في "أم سعد" مستدعياً صورة "الـمختار" السعيد بمنصبه وأثاره، بشكل مختلف، في "ما تبقّى لكم"، حيث الـمتعامل مع الـمحتلين الصهاينة في غزّة استمرار لــ "مختار" قديم...

2. وحدة القيم والحريّة:
من أين تولد القيم الوطنية النبيلة، وهل هي معطى مسبق يصدّره الأجداد إلى الأحفاد، أم أنّها ردّ نوعي مشخص على واقع مشخص يأمر الإنسان بالتحرّر من طمأنينته الـمتوارثة واكتشاف ذاته وواقعه من جديد؟ لو كانت القيم متوارثة وسكونية في توارثها لبقيت شخصيات "ما تبقّى لكم" على حالها بلا اختلاف. بيد أنّ غسان الرافض للتجانس وللتراث السكوني الـمتجانس اشتق الإنسان من الإنسان، أو اشتق الأخير من "فضول الـمعرفة" أو "فضول الاكتشاف" وأطلقه في مساحة مجهولة، مقرّراً أنّ الـمعلوم الحقيقي، الذي ينفع فلسطين، يأتي من مساءلة الـمجهول لا من إتقان الـمعلوم. ومع أنّ في الرواية، التي حاكى فيها الروائي الأميركي وليم فوكنر، تذهيناً أو شيئاً من التذهين، فإنّ الأساسي، في الـمجال الذي نقاربه، هو منظور غسان كنفاني للعالـم الـمحتشد بعناصر حداثية كثيرة: التمرّد على الـمعطى والـمعروف، إعادة الاعتبار إلى مفهوم الزمن القائل بالتبدّل والتغيّر والـمفاجأة، اكتشاف الإنسان لذاته من جديد وهو يكتشف واقعاً لا يمكن تحمّله، اكتشاف الإنسان لعدوّه وهو يقابله بشكل مشخص... لا ينفصل مفهوم الفردية الفاعلة عن مفهوم التجربة، ولا تنفصل التجربة عن نبذ معلوم والذهاب إلى مجهول. فلو أراد "حامد" أن يبقى في ماضيه لـما عرف معنى الزمن، ولو قبلت أخته "مريم" بقدرها لـما اكتشفت الفرق بين الأسماء والـمسميّات. ولعلّ مفهوم الزمن الفيزيائي، الفاصل بين أمس ويومٍ يغايره، هو الذي جعل غسان يحتفي بـ "الـمستقبل"، لا بمعنى التفاؤل الذي يقضي به "أدب الـمضطهدين" فقط، بل بمعنى سيرورة الاكتشاف الضرورية، التي تجعل مستقبل الفلسطينيين غير حاضرهم. لـم يكن غسان، في هذا، بعيداً عن حلـم "التوليد الذاتي"، حيث اكتشاف الـمجهول يفصل بين "الولادة البيولوجية" القائمة على الـموروث، و"الولادة الإنسانية"، التي تضع مصير الإنسان في يده وتطلقه إلى تجارب غير مسبوقة. وبداهة فإنّ غسان، الذي يستولد من الإنسان إنساناً آخر، لـم يكن مشغولاً بفكرة "الضمان"، أو الجائزة أو الثواب العادل، وذلك لأمر واضح محدّد ولا خفاء فيه: على الإنسان أن يخلق إنسانيته الفاعلة الـمطلوبة أخلاقياً، كما لو كان الإنسان الحقيقي مساوياً لـمثال بعيد عليه أن يصيره. لن يكون الدفاع عن فلسطين، والحال هذه، واجباً وطنياً مجرّداً، ولا استشهاداً من أجل عاقبة حميدة، بل وجهاً عادياً من وجوه الإنسان الحقيقي، الذي يرفض كل ما يثلـم شرف الإنسان ويحطّ من قيمته. شيء قريب من "صورة بروميثيوس"، يخلقه وازعه الأخلاقي، ويملي عليه أن يوزّع الأنوار على الذين يحتاجونها، دون التوقّف كثيراً أمام ثنائية الثواب والعقاب، طالـما أنّ "الثواب" الوحيد يخلق إنسانية تؤمن بتحرّر الإنسان وحريّته.
تعطي رواية "الأعمى والأطرش" غير الناجزة، وهي من أجمل روايات غسان، مثالاً كتابياً عن فكرة "التوليد الذاتي"، التي تجعل الإنسان يضيف إلى ذاته أعضاء يفتقدها ويخلع منها أعضاء يظنها نافلة. فبعد "الولادة البيولوجية" التي رمت إلى العالـم بأعمى، يحسن الـمشي ولا يرى شيئاً، وبأطرش لديه ما يفتقده الأعمى، جاءت "الولادة الجديدة" من فضول الـمعرفة، التي لا تستسلـم إلى الـمعطى والإجماع، ومن النزوع إلى الاكتشاف، الذي تظهر أنّ الإجماع لا يساوي الحكمة. فالشجرة الـمقدّسة، التي قدّسها الجهل لا غيره، والتي التمس منها الأعمى والأطرش شفاء لن يعثرا عليه، تتهاوى قداستها أمام الفضول الـمعرفي، فما كان يبدو "إعجازاً" تمخّض عن "فطر" أو "فقع" حوّله الوعي الضليل إلى رمز مقدّس. نزع الفضول عن الشجرة سحرها وحرّر "الكسيحيْن" من ثقافة الإجماع، بعد أن أدركا أنّ من يريد أن يعرف شيئاً عليه أن يختبره. ترك غسان في "رجال في الشمس" شخصياته تختبر "القيادة القديمة" من جديد، وترك "حامد" في "ما تبقّى لكم" يختبر فتوّته الوليدة، وترك بطل رواية "عائد إلى حيفا" يختبر فكرة الأبوّة والبنوّة. لا شيء جاهزا ولا شيء له سلام البداهة، باستثناء الـموت البائس، وعلى الإنسان الـمضطهد أن يختبر ويعيد اختبار الوقائع، دون أن يسقط في إيمانية ساذجة، تقاتل ولا تختبر العدو الذي تقاتله.
تحدّث غسان، في مسرحيته "الباب"، وهي أكثر أعماله وضوحاً، على مستوى تصوّر العالـم، عن مفهوم الحريّة، سائلاً الفرق بين الـموت الـمختار والـموت الـمقدّر. فهو يرى أنّ الإنسان أعطي حريّة واحدة لا غير، هي حريّته في اختيار موته، بعد أن فاته الاختيار في أمور عديدة. فالإنسان لا يُسأل لحظة ولادته، ولا دور له في اختيار اسمه ومعتقده، ولا من يكترث به إذا جاء إلى عائلة موسرة أسقط في عائلة شديدة الفقر والإملاق. كل شيء يقوده مقيّداً إلى درب وقعت عليه ولـم يقع عليها. إذا كان الـمتبقّى الوحيد، في "ما تبقّى لكم"، هو الحق في الاكتشاف والـمغامرة، فإنّ الحق الـمتبقي في مسرحية "الباب" هو اختيار الـموت، أي: أن يذهب الإنسان إلى الـموت الذي يشاء واختار وأراد واصطفى، عوضاً أن ينتظر مقهوراً صاغراً موتاً يأتي إليه، حين يشاء. تتضمن هذه الفكرة، بداهة، تلاوين من فلسفة سارتر ربما، لكن قارئ أعمال غسان يدرك سريعاً أمرين: التقط الأديب الـمتمرّد، الذي استنكر الـموت الـمهين في "رجال في الشمس"، فكرة تلائم هواه، واستهوته فكرة ردّ بها على بؤس الفلسطينيين في الـمخيمات، الذين لـم تفيدهم في شيء آيات التضامن والتآزر والتعاطف والأخوّة، وغيرها من أشكال البلاغة الكسيحة التي تنشدّ إلى "الحق الفلسطيني" ولا ترى الفلسطينيين.
ولعلّ الـموت الطليق، الذي لا يلتفت إلى "الضمان" ولا يأبه به، هو في أساس روايته: "رجال في الشمس"، وهي صورة عن الـموت الذي يختار الإنسان، و"ما تبقّى لكم" وهي صورة عن الـمتمرّد الذي يلاحق الـموت ولا يدع الـموت يلاحقه. وقد يبدو أنّ في فكرة الـموت، في شكليها، ما لا يتفق مع أفكار التفاؤل والحق الـمنتصر والإنسان الـمكتفي بذاته. وواقع الأمر أنّ غسّان، الذي عالج هذه الـمواضيع جميعاً، كان مهجوساً أبداً بفكرة الحريّة. وما جملة "خيمة عن خيمة تفرق"، وهي عنوان فصل في روايته "أم سعد" إلاّ تعبير عن هذه الحريّة. فالخيمة الجديدة ليست مهمة ببنادقها وبفدائييها وبنصائح الـمرشد الحزبي وتعاليم الـمسؤول العسكري، بل برمزيّتها، التي تعني خروج الفلسطيني من عالـم القيد والضرورة إلى عالـم الانطلاق والحريّة. فالكفاح هو الحريّة، وفلسطين لا ضرورة لها إن لـم تكن الحريّة طريقاً إليها وعنصراً في كل مشاريعها. وما الفصل بين قضية الأرض وقضية الإنسان إلاّ بلاغة قديمة مستهلكة تهلك الطرفين معاً. شيء يذكر بـ "دولة الاستقلال الوطني"، التي ألغت الحرية كي توطّد الاستقلال، فأجهزت على الإنسان ولـم تحافظ على الاستقلال.


3. الإنسان وفضيلة الـمتعدّد
نقض غسان التقليدي بالحداثي والقديم بالجديد، اعتماداً على عالـم القيم لا عالـم العقائد والأيديولوجيات الـمجرّدة. وإذا كان قد وصل إلى ما وصله إليه، مستقدماً الثقافة والتجربة، فقد ترك مكاناً فسيحاً للتاريخ الفلسطيني، قبل اللجوء. ففي دراسته الثمينة الرائدة عن "ثورة 1936"، لا يخلص فقط إلى أنّ 92% من الـمشاركين فيها كانوا من الفلاحين وفقراء الـمدن، بل يخلص أولاً إلى بلادة وعجز وغثاثة القيادة السياسية الـمسيطرة، التي قال عنها شيئاً مماثلاً محمد عزّة دروزة في كتابه "القضية الفلسطينية". وقد تفصح دراسته عن حقيقة قيادة مضت، لكنها تفصح وتفضح أولاً معنى ومآل: "الشكل التقليدي للقيادة السياسية"، مهما كان الفكر الذي تقول به، والذي يحوّل الـمقاتلين، أو الـمجاهدين، أو الشعب إلى رعية يوجّهها ويشرف عليها "الأعيان"، وذلك في تقسيم استبدادي للعمل السياسي، يفصل بين القائد والـمقاد. وواقع الأمر أنّ العمل السياسي الوطني، الذي تقول به أعمال الأديب، قريب القرب كلّه من روايته "العاشق"، حيث الـمفرد الوطني حرّ ومسؤول عن حريّته، وحيث حريّته الـمبدعة تكفل له النجاة واستمرار القتال. لن يكون الكفاح الفلسطيني مجدياً، بهذا الـمعنى، إلاّ إذا كان كفاح مواطنين حرّرت إرادتهم وعقولهم، ولن يكون القائد الوطني جديراً باسمه إلاّ إذا كان واجبه التحريض على هذه الإرادة وخلق أشكال سياسية بلا مراتب، وبلا رعية وأعيان، تترك البشر يتكاملون ويتحاورون ويستأصلون معاً "أشجارهم الـمقدّسة" التي لا تعيد البصر ولا ترد إلى العاجز عافية مشتهاة. شيء قريب، ربما، من روح "الكرنفال" أو الأعياد الشعبية، التي تطلق الإنسان على سجيّته، متحرّراً من جميع العادات والقيود الـموروثة.
تفضي مقولات غسان الـمختلفة إلى فكرة التعدّد، وذلك بمعنى مزدوج: أولهما بمعنى بسيط، كأن يكتب الـمسرحية والرواية والقصة القصيرة والنقد والـمقالة السياسية، وثانيهما بمعنى أكثر عمقاً، ذلك أنّ التعدّد، في جوهره، تعبير عن عدم اليقين أو عن نسبية الفكر، التي ترفض الإطلاق والإطلاقية. فحين ينتقل غسان من شكل أدبي إلى آخر فهو يسعى، كما كان يقول، الإمساك بالواقع "مئة بالـمئة" لكنّه يدلل في الوقت ذاته على وعي يرى أنّ هذا الطموح يظل هارباً، وهو ما يملي عليه أن يكتب الفكرة ذاتها بأشكال مختلفة. وواقع الأمر أنّ غسان لـم يكن يكتفي بالاختلاف إلى أجناس أدبية متعدّدة، بل كان يفتّش عن أشكال متعدّدة داخل الجنس الأدبي الواحد، كأن يكون رمزياً في "رجال في الشمس" وواقعياً اشتراكياً في "أم سعد" ومتأثّراً بفوكنر تارة وبسارتر تارة أخرى. غير أنّ هذا التأثّر الـمتعدّد، الذي كان يلاحق هدفاً واحداً، يعلن أنّ غسان كان يختار من الـمواد الثقافية والأدبية ما يلبّي مشروعه، ويعيد تحويلها وتأويلها من وجهة نظر مشروعه الذاتي الذي لا يكفّ عن التحوّل.
"إعرف عدوّك" كان هذا شعار غسّان، وهو يكتب روايته "عائد إلى حيفا" ودراسته الرائدة عن "الأدب الصهيوني". وهذا الشعار ينطوي، لزوماً، على شعار سقراط الشهير "إعرف نفسك". يبدأ الشعاران من الـمعرفة، التي لا تظل معرفة إلاّ إذا بقيت سيرورة مفتوحة، حالها حال الكفاح الفلسطيني ضد الاستعمار الصهيوني.









عن الأيام الفلسطينية

داليا الهواري
23-02-2007, 04:12 AM
إلياس خوري

في الثامن من تموز، 1972 اغتيل غسان كنفاني في الحازمية، ضاحية بيروت الشرقية، حيث كان يقيم. انفجرت سيارته بعدما استقلها والى جانبه ابنة شقيقته لميس، وتطايرت أجزاؤها ومعها تحولت جثة الكاتب أشلاء وشظايا. ثلاثون عاماً مرت على الاغتيال ولا يزال الموت الفلسطيني هو الكاتب الخفي الذي يصوغ صورة المأساة المستمرة.
لم يكن كنفاني سوى حلقة من الموت الفلسطيني الكثير الذي غطى تاريخ المنطقة منذ بدء الغزوة الصهيونية واكتسابها شرعية دولية مع وعد بلفور الذي رسم سياسة الانتداب البريطاني على فلسطين.
هذا اللاجىء من عكا الى دمشق فالكويت فبيروت، لم يكن الكاتب الفلسطيني الأول الذي يسقط في المقاومة. فذكرى عبد الرحيم محمود، الشاعر الفارس الشهيد، كانت قد صارت جزءاً من ذاكرة فلسطينية تصنعها النكبة.
لكن اغتيال كنفاني اخذ شكل القتل الرمزي، وبه افتتحت إسرائيل سياستها المركزية مع الجسد الفلسطيني، فصار قتل القادة والمناضلين الفلسطينيين أشبه بطقس رمزي، يسعى ليس الى قتل الشخص المحدد فقط، بل الى قتل الفكرة الفلسطينية.
عندما اغتيل كنفاني في بيروت عام، 1972 اعتبر الكثيرون هذا العمل محض اغتيال سياسي، إما تحويل جسد الكاتب أشلاء فلم يكن مقصوداً في ذاته. اذ ان الهدف هو قتل الكاتب والمناضل الذي كان يترأس تحرير أسبوعية "الهدف" الناطقة باسم "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين".
لكن الشاعر الفلسطيني كمال ناصر كان له رأي آخر. روى محمود درويش ان كمال ناصر جاءه غاضباً، بعدما نشر درويش مقالاً في "الملحق" يرثي فيه كنفاني، وسأله: "ماذا ستكتب عن موتي، بعدما كتبت كل شيء عن غسان؟".
ضحك محمود درويش يومذاك من "النرجسية" الفلسطينية المرتبطة بالموت، ونسي الحكاية، الى ان قُتل كمال ناصر بعد تسعة أشهر من اغتيال كنفاني. ففي العاشر من نيسان، 1973 تسللت وحدة كوماندوس إسرائيلية الى بيروت، واغتالت ثلاثة من قادة المقاومة الفلسطينية، كمال عدوان ومحمد يوسف النجار، عضوي اللجنة المركزية في حركة "فتح" وكمال ناصر الناطق الرسمي باسم منظمة التحرير الفلسطينية.
أمام جسد كمال ناصر المدمّى، أصيب الناس بالذهول. اذ لم يكتفِ الإسرائيليون بقتل الشاعر الفلسطيني رمياً بالرصاص، بل القوه أرضا على ظهره، يداه مصلوبتان، وهناك رصاصة في فمه.
يومذاك اتضحت دلالة الرمز في الموت الفلسطيني. كاتب "رجال في الشمس"، تمزق أشلاء وتطايرت أعضاؤه، والشاعر الناطق، أُخرس برصاصة في فمه، وصُلب على الأرض.
نشر محمود درويش رثاءه لكمال ناصر في قصيدة العرس الفلسطيني: "طوبى لشيء لم يصل"، ثم جاءت التقارير الإسرائيلية لتشير الى ان قائد عملية الاغتيال هو ضابط إسرائيلي يدعى أيهودا باراك، تسلل مع مجموعة كوماندوس في الجيش الإسرائيلي الى بيروت، متنكراً في زي امرأة تضع على رأسها باروكة شقراء.
"هذا هو العرس الذي لا ينتهي
في ساحة لا تنتهي
في ليلة لا تنتهي
هذا هو العرس الفلسطيني
لا يصل الحبيب الى الحبيب
إلا شهيداً أو شريداً".
قرأ محمود درويش اغتيال الشاعر الفلسطيني ورفيقيه، في سياق "عرس الدم" الفلسطيني الذي يجعل العاشق شهيداً، متابعاً بذلك تراث شعر الحب عند العرب الذي أوصله الشاعر الأموي جميل بثينة الى الشهادة: "لكل لقاء نلتقيه بشاشة/ وكل قتيل عندهن شهيد".
غير ان الصور الفوتوغرافية التي نشرتها صحف بيروت لكمال ناصر شهيداً، قدمت قراءة رمزية أخرى للاغتيال. فالشاعر الذي عمل ناطقاً رسمياً باسم منظمة التحرير أخرسته رصاصة في فمه. والفلسطيني المسيحي صُلب على الأرض وليس على الخشبة، والرسالة الإسرائيلية تبحث ليس عن القتل فقط بل عن القتل الرمزي.
اتخذت الاغتيالات ومحاولات الاغتيال طابعاً رمزياً صارخاً، بعد هذين الاغتيالين الكبيرين: أنيس صابغ، مدير مركز الأبحاث الفلسطيني، انفجرت عبوة ناسفة في يده وعينيه. الكاتب والباحث يجب ان تُشلّ يداه ويفقد البصر. والرجل الذي خلف كنفاني في رئاسة تحرير "الهدف"، بسام أبو شريف، انفجرت فيه عبوة مشابهة. وائل زعيتر قُتل في روما. ومحمود الهمشري وعز الدين القلق قُتلا في باريس. واللائحة تطول لتتوَّج في النهاية بخليل الوزير (أبو جهاد)، ثم تتخذ أبعادا جديدة عبر سياسة القتل العمد التي اتبعها الجيش الإسرائيلي في مواجهة انتفاضة الأقصى، حيث استخدمت الصواريخ التي ترميها المروحيات في الاغتيال بدءاً بالأمين العام ل"الجبهة الشعبية" أبو علي مصطفى، الى ما لا نهاية له من المناضلين.
كأن إسرائيل تخوض مع الشعب الفلسطيني معركة رمزية، الى جانب معركتها السياسية - العسكرية. الهدف هو محو الرمز الفلسطيني، وإحلال رمز مكان رمز. لكن السياسة الإسرائيلية صنعت من دون ان تدري ربما، مخزوناً رمزياً فلسطينياً جديداً، فصار الرمز اكبر من وعائه الأدبي، ولم ينحصر بالموت وحده، بل امتد الى حقول متنوعة، ربما كان مشهد الأسرى والمعتقلين هو الأكثر دلالة: العيون المعصوبة، الأيدي والأرجل المكبلة، الأجساد التي تُجبَر على التعري، الركوع... وهنا تأتي صورة مروان البرغوثي، أمين سر حركة "فتح" في الضفة الغربية، لتحتل مكانها الرمزي، في وصفها تجسيداً للفلسطيني المقاوم.
كان اغتيال غسان كنفاني، بداية الموت الفلسطيني الرمزي، اذ صار جسد الكاتب استعارة لأرضه، وصارت أشلاؤه صورة عن أشلاء شعب ممزق، وصار قبره صورة عن المنفى، حيث لا يستطيع الفلسطيني ان يجد لنفسه قبراً!
في حقل الموت تخوض الدولة العبرية أكثر معاركها الرمزية شراسة ضد الوجود الفلسطيني، فالمعركة التي قادت الحركة الصهيونية الى الاستيلاء على التاريخ والأرض والفولكلور والمطبخ والعمارة، لن يُكتب لها النصر إلا في حقل الموت الرمزي، عبر فرض المنفى الكامل على السكان الأصليين الذين يعيشون في بلادهم.
المقاومة بالرمز
لم تكتفِ "حرب الاستقلال"، وهذا هو الاسم الذي يطلقه الإسرائيليون على النكبة الفلسطينية، بطرد سكان فلسطين بالقوة، بل قامت بإحداث تغييرات جذرية على المشهد الريفي الفلسطيني، عبر تدمير القرى الفارغة من سكانها، وعبر زراعة ملايين أشجار السرو من أجل حجب الجريمة، وتغيير معالم البلاد، التي حوّلت الزيتون رمزاً. إضافة الى ذلك، فقد شهدت الأعوام الأولى لتأسيس دولة إسرائيل حمّى اركيولوجية، حولت مواطني الدولة علماء آثار، بحثاً عن مبررات "تاريخية" تدعم أسطورة أرض الميعاد التوراتية. واذا كانت الحمّى الاركيولوجية لم تصل الى أي نتائج، بحسب المؤرخ كمال الصليبي، فإن عملية الاستيلاء على الرموز الفلسطينية اتخذت حجماً كبيراً في ميادين الفولكلور والعمارة والمطبخ، فتمّ تسويق هذه العناصر الثلاثة في العالم بأسره، في وصفها خصوصيات إسرائيلية. ولقد أوضح الكاتب الفلسطيني انطون شماس في بحثه عن الفلافل، المدى الذي يمكن ان يصل إليه الاستيلاء الإسرائيلي على تاريخ الآخرين وأنماط عيشهم. وفي المقابل، أتت شهادة عين حوض التي حوّلها المعماري الإسرائيلي مارسيل يانكو قرية للفنانين الإسرائيليين، بعد طرد سكانها منها، لتقدم العمارة الريفية الفلسطينية كأنها خصيصة معمارية إسرائيلية، مثلما تحولت البيوت العربية في أحياء الطالبية والقطمون في القدس الغربية كيتشاً ثقافياً إسرائيليا. المنفى الذي صنعته إسرائيل للشعب الفلسطيني، يحمل هذه السمة. اذ لم يكتف الإسرائيليون بتدمير القرى واحتلال البيوت واقتلاع الأشجار من أجل بناء الغابات، بل قاموا أيضا بنفي الوجود المادي للشعب الفلسطيني، واستولوا على عناصر كثيرة من تراثه.
يقدّم الأدب الإسرائيلي لجيل الدولة، وخصوصاً في أعمال كل من عاموس عوز، "ميخائيل وحنة"، وأ. ب. يهوشع، "في مواجهة الغابات" و"العاشق"، نماذج من هذا النفي. ففي حين ترسم تهويمات حنة في رواية عوز عن التوأمين العربيين المغتصبين، صورة الفلسطيني في وصفه بدوياً، تقدّم حكاية الطالب الإسرائيلي الذي يذهب الى الغابة من أجل دراسة الحروب الصليبية، في قصة يهوشع، صورة الفلسطيني الأخرس، الذي يحرق غابة زُرعت من أجل محو قريته.
الفلسطيني غائب، ليس في السياسة فقط بل وفي الخيال الأدبي أيضاً. ولن تظهر صورة الفلسطيني إلا بعد احتلال فلسطين كلها عام ،1967 في أعمال روائيين مثل ديفيد غروسمان، وخصوصاً في روايته "ابتسامة الحمل".
لن نقدّم في المقال قراءة أدبية لأعمال غسان كنفاني، بل سنقتصر على تحليل مسألة المقاومة الرمزية، التي افتتحها هذا الكاتب الذي قُتل شاباً في السادسة والثلاثين، والذي جعل من حياته أشبه بالحمّى الأدبية والصحافية والنضالية. كأنه كان يعي دوره التأسيسي في صوغ مجموعة الرموز المضادة، أي في رسم مبنى رمزي - ثقافي، يشكل مرجعاً لمقاومة ثقافية.
تسمح لنا قراءة أدب كنفاني، وجهده النقدي في إطلاق الشعر الآتي من الجليل، أي من التجربة الأدبية التي صنعها المنفى المزدوج للفلسطينيين في إسرائيل، بأن نرسم ملامح الصراع الرمزي الذي خاضه هذا الكاتب من أجل تأسيس البنىة الأولية التي اتسعت بعد ذلك، وخصوصاً في شعر محمود درويش وروايات إميل حبيبي وجبرا ابراهيم جبرا، لتقدم إطارا مرجعياً لسؤال كبير: من هو الفلسطيني؟
لقد تشكل الجواب عن هذا السؤال في مستويين:
المستوى الأول، هو الارتباط بالأرض، والانطلاق من هذا المعطى، لتأسيس علاقة بالمكان.
المستوى الثاني، هو الرد على النفي بالتأكيد، أي الرد على النفي الإسرائيلي لوجود الشعب الفلسطيني، بالانطلاق من المنفى كمعطى لتأكيد الهوية. ولعل ادوارد سعيد كان أول من بلور آليات المنفى كمعطى في تكوين وعي الفلسطيني لذاته. الفلسطيني المنفي، هو المقابل لصورة اليهودي التائه.
يقدّم لنا أدب كنفاني، النمذجة الأولية لسؤال الرمز الفلسطيني. وهي نمذجة سوف يوسّع محمود درويش دائرتها لاحقاً، الى درجة تسمح لنا بالقول ان الجواب الرمزي الفلسطيني تبلور في منفيين:
المنفى الأول، هو بيروت الستينات، التي استقبلت الطليعة الأدبية العربية، وكانت تحمل علامات النهضة الأدبية الثانية، في الشعر الحديث والرواية الوجودية والنقد الجديد والفن التشكيلي.
المنفى الثاني، هو الجليل الذي نجحت تجربة الحزب الشيوعي في إسرائيل، في التحوّل ملجأ قومياً للأقلية الفلسطينية الريفية. ففي حيفا والناصرة، انطلقت حركة أدبية - شعرية اضطلعت بدور أساسي في بلورة الوعي بالذات، ضمن مقتربات غنائية - حديثة، وخصوصاً في الشعر.
كنفاني في بيروت، صار أشبه بالحالة الأدبية الكبرى. ففي إنتاجه الأدبي الغزير واكب الوعي الفلسطيني عبر صوغه أعمالاً سردية حديثة، أخذت على نفسها مهمة كتابة فجوات الذاكرة، ليس من أجل الذاكرة نفسها، بل من أجل بلورة صورة الذات.
هكذا نجد في هذا الأدب الملامح الأولى لمن هو الفلسطيني. ان نمذجتنا لهذه الملامح هي اقتراح أولي، في حاجة الى إعادة نظر من أجل ان يتم استكماله. لكننا سوف نغامر في هذا المقال، ونقدم طرحاً يتألف من سبعة عناصر:
الأرض: نجد الكيفية التي ستتحول من خلالها الأرض استعارة للمرأة: الأم والحبيبة، كما ستتحول المرأة استعارة للأرض، في أولى روايات كنفاني، "رجال في الشمس"، حيث سنقرأ في البداية وصف أبو قيس للأرض في اعتبارها امرأة، ولرائحتها التي تشبه رائحة امرأة تخرج من الحمّام، ولنبضها الذي يشبه نبض العصفور.
الأرض كاستعارة مزدوجة: الأرض - المرأة، الأرض - الرحم، سوف تحتل مساحة كبرى في الأدب الفلسطيني، من وديع عساف بطل "السفينة" لجبرا، الى "قصيدة الأرض" التي كتبها محمود درويش في ذكرى انتفاضة يوم الأرض.
كلمة الأرض، سوف تأخذ بعداً سياسياً وأدبياً. في السياسة ستصير اسماً لانتفاضة الفلسطينيين في إسرائيل ضد مصادرة الأراضي، وفي الأدب ستحتل مكانة مقدسة، وستمتزج بالمرأة، فتحتل الاستعارة والكناية حجماً كبيراً في وعي الذات لنفسها.
الطبيعة: يتخذ هذا العنصر نقطة تمركزه في شجرتين هما البرتقال والزيتون. أولى مجموعة كنفاني القصصية تحمل اسم "ارض البرتقال الحزين". رمز البرتقال هو أحد الرموز الأساسية التي استولت عليها إسرائيل، لكنه يحتل في أدب كنفاني موقع استعادة الرمز من جديد. وفي المقابل يأتي الأدب الريفي من الجليل، ليتمسك بالزيتون في وصفه رمزاً حياتياً - ثقافياً. حول هاتين الشجرتين، بنى الأدب الفلسطيني تصوراً كاملاً عن معنى الهوية المرتبط بالأرض. فإذا كان الفلسطيني قد نزح من الأرض، فإن الأشجار لا تنزح، وهي تشكل في ذلك علامة ثابتة على الوجود.
الفدائي: اللاجىء يتحول فدائياً. أليست هذه هي الرسالة التي لم يكتبها سعيد س. بطل "عائد الى حيفا"، الى ابنه خالد؟ صورة اللاجىء التي احتلت المدى الشعري والأدبي بعد النكبة، وخصوصاً في أعمال راشد حسين، وفي الكثير من قصص كنفاني، تخلي الساحة لصورة جديدة هي صورة الفدائي المقاتل التي سوف تفتتح "العرس" الفلسطيني، أي فكرة الشهيد، وتفرد لها مساحة كبيرة في الأدب الفلسطيني.
الأم: صحيح ان الأرض صارت استعارة للمرأة، لكن رواية "أم سعد" بتأثيراتها الواقعية الاشتراكية (أم غوركي)، ستقدم صورة جديدة للأم الفلسطينية. فالأم التي تعيش في مخيم لاجئين قرب بيروت، ستتخذ شكلاً جديداً، وتظهر على الفدائيين الذين تسللوا من الجنوب اللبناني الى فلسطين وتقدّم لهم الطعام. هذه الأم نفسها ستكون رفيقة الشاعر في سجنه (قصيدة "أمي" لدرويش، والأم التي تلتحق بمغارة ابنها في الطنطورة، كما في رواية "المتشائل" لحبيبي).
الآخر - الإسرائيلي: في روايته الثانية، "ما تبقى لكم"، تكون العلاقة بالإسرائيلي - الآخر، مستحيلة. الحوار الوحيد بين الجلاد والضحية هو القتال. غير ان كنفاني سيجري تعديلاً جذرياً على هذا المقترب في رواية "عائد الى حيفا"، حيث يدور حوار حقيقي بين سعيد س. والمرأة الإسرائيلية التي تحتل منزله في حيفا، ثم يصل هذا الحوار الى ذروته التراجيدية حين يلتقي الفلسطيني بابنه خلدون، الذي نسيه في البيت لدى نزوحه من حيفا. خلدون صار جندياً إسرائيليا يحمل اسم دوف، والحوار بين الأب وابن(ه) يتخذ شكل مواجهة حول المعنى.
هذا الإسرائيلي الغائب عن الأدب الفلسطيني، وعن صورة الذات لنفسها، يظهر أيضا، في أدب الأرض المحتلة. فهو في رواية حبيبي يتخذ شكل رجل الشرطة والمخابرات، لكنه سيعرف انقلاباً جذرياً في شعر محمود درويش، "جندي يحلم بالزنابق البيضاء"، أو في صورة المعشوقة المستحيلة التي اسمها ريتا، وأخيراً في صورة الفتاة السمراء التي تسرق مرآة الشاعر في ديوان "لماذا تركت الحصان وحيداً".
الاسم: لم يغب الاسم الفلسطيني عن أدب كنفاني، رغم ان قضية الاسم ستتخذ بعداً كبيراً في الشعر. فالاسم الفلسطيني لم يتعرض للنفي في إسرائيل وحدها، بل تمّ تغييبه عربياً بفعل مجموعة من العوامل المتشابكة: إلحاق الضفة الغربية بالأردن، تخوّف الأنظمة من التسلل الفلسطيني، وغلبة الخطاب القومي العربي. ولم يتخذ الاسم دلالاته الرمزية إلا في الشعر. من قصيدة "سجّل أنا عربي"، التي أعلنت التمسك بالهوية الفلسطينية في فلسطين، والتي اتخذت ببعدها الديموغرافي شكل التحدي ("وأولادي ثمانية، وتاسعهم سيأتي بعد صيف، فهل تغضب"؟)، الى "عاشق من فلسطين"، حيث صار لفظ الاسم الفلسطيني أشبه بتعويذة سحرية من أجل توكيد الهوية.
العاشق: "العاشق" هو اسم رواية لم يستطع كنفاني إنهاءها، فبقيت ناقصة مثل حياة مؤلفها، لكنها أشارت الى حالة تساهم في تحديد الوعي الفلسطيني. عاشق كنفاني، مجنون او ثائر او هو ابن "زمن الاشتباك". موضوع العشق هو الأرض - المرأة، ومساحته هي الرفض والعمل على التغيير. شخصية العاشق سيقوم جبرا ابراهيم جبرا ببلورتها في روايتيه: "السفينة" و"البحث عن وليد مسعود"، فتتم اسطرة الفلسطيني "القائد"، ويصير هو المغيّر والمثقف في العالم العربي. كأن جبرا، من دون وعي ربما، يستعيد صورة اليهودي التائه، المثقف الغني، ويسقطها على بطله الفلسطيني.
هذه العناصر السبعة، لا تغطي الرمز في الأدب الفلسطيني، بل قد لا تغطي جميع العناصر الرمزية في أدب كنفاني نفسه. فأدب كنفاني، تميّز بسمتين بارزتين:
السمة الأولى، هي بنيته الرمزية المختصرة، التي جعلت من رواياته، أشبه بقصص قصيرة - طويلة. أي أنها تحافظ على بنية القصة القصيرة من حيث وحدة الحدث فيها ("رجال في الشمس" و"عائد الى حيفا")، أو تتشكل في متواليات قصصية (أم سعد).
لم تكتفِ هذه السمة ببناء المرجعيات الرمزية للهوية، بل استنبطت أيضاً وعاء رمزياً محكماً لهذه المرجعيات. فالرمز يفترس المقدمة. كأن كنفاني كان يبحث عن مقترب لكسر البديهية الفلسطينية، وتحويلها رموزاً مكتوبة. البديهة لا تحتاج الى كتابة لأنها موجودة في الشفهي، أما الرمز فلا يتأسس إلا في بنية سردية أو شعرية.
السمة الثانية، هي الصرخة.
كنفاني كان يصرخ بالألم والحلم. أذكر اني حين قرأت "رجال في الشمس" للمرة الأولى بعيد صدورها، أحسست ان حرارة الشمس والقيظ لا تقتل الفلسطينيين الثلاثة فقط، بل تنتشر في مسامي، وتدفعني الى ما يشبه الصراخ. ربما كان قدر المؤسسين في الثقافة المقاومة، ان يبقوا في حدود الرمز، ويجمعوا بدايات الحكايات وليس الحكايات نفسها. اذ أننا لا نكاد نعثر من تجربة النكبة سوى على صفحات قليلة من روايات كنفاني وقصصه. كان الكاتب معنياً ببلورة الكلمات في وصفها سلاحاً للبقاء والفعل في آن واحد. لذا اكتفى من الأدب بالتقاط الملامح الأولى.

الموت الرمزي والموت الواقعي
لم يستطع أدب كنفاني تجاوز عتبة الرمز، لأن المؤلف نفسه صار رمزاً، ولم يترك له قاتله فسحة من الزمن تسمح له بأن يقترب من عملية بناء الرمز وتفكيكه، وهي عملية نجد بذرتها في رواية "الأعمى والأطرش" التي بقيت ناقصة أيضاً.
من كنفاني الى حبيبي وجبرا ودرويش وشماس، استطاع الأدب الفلسطيني تأسيس صورة لوطن من الكلمات والرؤى والأحلام والذاكرة. ولقد تشكلت هذه الصورة في المنفى المزدوج، أي في العالم العربي والجليل. والصورة محكومة بصراع رمزي على الوجود. من يكتب الحكاية؟ هذا هو السؤال الذي يهيمن على الصراع المستمر في فلسطين منذ أكثر من نصف قرن؟
غير ان الموت الفلسطيني بدأ يتخذ شكلاً آخر في الانتفاضتين. فالرموز هنا صارت مكوِّناً للهوية ولم تعد بحثاً عنها، وبذلك اتخذت صورة أخرى، فأجبرت الرمز على التخلي عن دلالاته البدائية، أي عن بنيته الكنائية. الكوفية أو الحجر أو الشهيد، صارت جزءاً من حياة يومية، يعيشها السكان الأصليون على أرض بلادهم، وليس في المنافي. حتى المخيم الفلسطيني في جنين او غزة او بيت لحم، اتخذ بعداً يتجاوز القرى التي طُرد منها السكان، كي يصير وحدة في ذاتها، ذاكرتها جزء من حاضرها، وليست بديلاً منه. وهذا ينعكس في شكل واضح على الخطابين السياسي والأدبي، ويعلن ولادة لحظة تغيّر، لا تزال ملامحها غير واضحة، لكنها تقود الى بناء رؤية لفلسطين - الوطن، تضم في داخلها مقولة فلسطين الشتات لكنها تتحرر منها في الآن نفسه.
غير ان هذا التطور الكبير لن يتبلور إلا إذا استطاع الشعب الفلسطيني نيل استقلال دولته وسيادته. وهذه مسألة دونها الأهوال. فالسياسة الإسرائيلية التي تجسدها حكومة الوحدة الوطنية الشارونية، لا تزال تدور في حلقة "حرب الاستقلال"، أي لا تزال تسعى الى أحداث نكبة فلسطينية جديدة، يجسّدها نظام فصل عنصري يطلق عليه الرئيس الاميركي اسم الدولة المؤقتة. الممارسات الإسرائيلية اليوم، تعيد لغة الرمز الى بداياتها، والترميز هنا هو محاولة لاستبدال الكلمات بالمعاني، فالكلمة تحجب المعنى ولا تشير إليه، والصورة تشوّه الحقيقة ولا تسعى الى اكتشافها. عادت مصطلحات الإرهاب والتخريب لتحتل اللغة العبرية في وصفها للفلسطينيين، بل دخل مصطلحان جديدان لوصف الاحتلال: المكبس واللحاف، وهما كنايتان بذيئتان عن قرار إعادة احتلال المدن الفلسطينية، ويستخدمهما كبار الضباط الإسرائيليين الآن كمصطلحين عسكريين. وتم تحطيم كل الحرمات: منع تجول دائم، اصطياد سيارات الإسعاف، تدمير البيوت على سكانها، جرف الأشجار المثمرة وأخيراً بناء سياج او جدار الفصل، الذي سيحوّل المناطق المأهولة بالسكان الى أقفاص.
الشعب الفلسطيني هو اليوم أمام امتحان نهاية مرحلة كاملة من تاريخه، أي انه أمام امتحان بداية جديدة.
لكن البداية هذه المرة لن تكون في فراغ. فلقد سال دم كثير وحبر كثير، ومن مزيج الدم والحبر وُلدت حكاية ورُسمت صورة وتشكلت هوية. البداية الجديدة ستُبنى على البداية الأولى التي صنعها جيل غسان كنفاني. فالنص الفلسطيني صار اليوم أرضا ثانية تحمي الأرض التي يدور حولها الصراع، وتعطيها تاريخاً وشخصية واحتمالات نمو.
عندما قتلت المخابرات الإسرائيلية غسان كنفاني في بيروت، وتمزق جسده أشلاء متناثرة، تحوّل الموت كاتباً خفياً يشاركنا مائدة الكلمات وأفق البحث عن الحرية.

ملحق النهار الثقافي

داليا الهواري
23-02-2007, 04:15 AM
كلمات صقلها بقلمه
انتقيتها مما قرأت فقط.. يبقى هنالك المزيد
لا تمت قبل أن تكون ندا!
إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت..إنها قضية الباقين
إن الموت السلبي للمقهورين و المظلومين مجرد انتحار و هروب و خيبة و فشل
الثورة وحدها هي المؤهلة لاستقطاب الموت..الثورة وحدها هي التي توجه الموت..و تستخدمه لتشق سبل الحياة
لنزرعهم شهدائنا في رحم هذا التراب المثخن بالنزيف..فدائما يوجد في الأرض متسعا لشهيد آخر
إن كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق و تافه لغياب السلاح..و إنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء أحترمه
لك شيء في هذا العالم..فقم!
أنا أحكي عن الحرية التي لا مقابل لها..الحرية التي هي نفسها المقابل
لا أرتد حتى أزرع في الأرض جنتي..أو أقتلع من السماء جنتها..أو أموت أو نموت معا
هذا العالم يسحق العدل بحقارة كل يوم!
إن الإنسان هو في نهاية الأمر قضية
إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية..فالأجدر بنا أن نغير المدافعين..لا أن نغير القضية
الغزلان تحب أن تموت عند أهلها..الصقور لا يهمها أين تموت
الأشباح ماتوا ..قتلتهم الفيزياء..و ذوبتهم الكيمياء..و أرعبتهم العقول


جاعوا, وأخذت السماء تزخ, حيث يسقى فولاذ الرشاشات تضحى
له رائحة الخبز
ليس المهم أن يموت أحدنا..المهم أن تستمروا
هذه المرأة تلد الأولاد فيصيروا فدائيين..هي تخلف و فلسطين تأخذ
في صفاء رؤيا الجماهير تكون الثورة جزءا لا ينفصم عن الخبز و الماء و أكف الكدح و نبض القلب
إن ضرب السجين هو تعبير مغرور عن الخوف
إن الخيانة في حد ذاتها ميتة حقيرة
سيظل مغروسا هنا ينبض وحده في العراء..إلى أن يموت واقفا
و أورثني يقيني بوحدتي المطلقة مزيدا من رغبتي في الدفاع عن حياتي دفاعا وحشيا
أيمكن أن يكون القدر مرتبا على هذه الصورة الرهيبة..يا إلهي..أيمكن؟!
إن حياتي و موتك يلتحمان بصورة لا تستطيع أنت و لا أستطيع أنا فكهما..ورغم ذلك فلا يعرف أحد كيف يجري الحساب ها هنا
لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟
لم أعد أشك في أن الله الذي عرفناه في فلسطين قد خرج منها هو الآخر..و أنه لاجئ في حيث لا أدري!
فإذا بالجميع يصرخوا دفعة واحدة" أية حياة هذه..الموت أفضل منها" و لأن الناس عادة لا يحبون الموت كثيرا..فلابد أن يفكروا بأمر آخر
إن الانتصار هو أن تتوقع كل شيء..و ألا تجعل عدوك يتوقع
إنها الثورة! هكذا يقولون جميعا..و أنت لا تستطيع أن تعرف معنى ذلك إلا إذا كنت تعلق على كتفك بندقية تستطيع أن تطلق..فإلى متى تنتظر؟!
بالدم نكتب لفلسطين
عن موقع حرية

داليا الهواري
23-02-2007, 04:26 AM
بصراحة هي الرسائل التي أثارت الكثير من الحبر، و الغضب من عائلة غسان كنفاني الأديب الشهيد. رسائل نشرتها الروائية السورية غادة السمان في كتاب أطلقلت عليه الاسم ذاته، أي رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان.. رسائل لا يمكن تحديد القالب الذي يمكن وضعها فيه، لأنها مزيج من حب و حزن و شوق شخصي و انساني .. لا ندري هل نحكم على غادة السمان بأنها أخطأت بنشر تلك الرسائل الخاصة جدا و هي التي لا تحتاج إلى شهرة على حساب رجل اغتالته المخابرات الصهيونية و مات شهيدا، أم أن الخطأ كان في مكان ما؟
نحن مجرد قراء، و الرسائل ليست سرية و لا بالحبر السري، لأنها منشورة في أكثر من موقع و من مكان، و نشر بعضها هنا ليس أكثر من محاولة قراءة أخرى لا تنقص أبدا من قيمة الشهيد الأديب الروائي غسان كنفاني رحمه الله و لا من مكانته كواحد من أبرز الروائيين الفلسطينيين و العرب...
دودة قراءة:171:

داليا الهواري
23-02-2007, 04:34 AM
*رسائل غسان كنفاني إلى غادة السّمان*



تقول الكاتبه والأديبه المعروفه((غادة السمان)) في مقدمة كتابها ((رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان))والذي منع تداوله وللأسف في معظم الدول العربيه.!!
وفي محاولة إهداء ما نصه:

"هذه السطور أهداني إياها ذات يوم وطني مبدع لم يكن قلبه مضخه صدئه،
أهديها بدوري إلى الذين قلوبهم ليست مضخات صدئه،
وإلى الذين سيولدون بعد أن يموت أبطال هذه الرسائل"

ولقد حظيت شخصيا بشرف إهداء هذا الكتاب المميز من قبل وطني مبدع كذلك,,وبدوري أهديه لكل متذوقي الأدب وأدب الرسائل بشكل خاص..في منتدانا العزيز ولرواد الأدبي على وجه الخصوص...


وأتابع معكم من ضمن ماتقول غاده السمان في حق غسان كنفاني في محاولة لتقديمه تقول:

"كان أحب رجالي إلى قلبي كأمرأة كي لا أخون حقيقتي الداخليه مع آخرين سيأتي دور الاعتراف بهم- بعدالموت
-وبالنار التي أوقدوها في زمني وحرفي... ولكنه بالتأكيد كان أحد الأنقياء القلائل بينهم."

داليا الهواري
23-02-2007, 04:35 AM
رساله غير مؤرخه- لا أذكرالتاريخ!
لعلها أول رساله سطرها لي


غادة...
أعرف أن الكثيرين كتبوا لك، وأعرف أن الكلمات المكتوبه تخفي عاده حقيقه الأشياء خصوصا إذا كانت تعاش وتحس وتنزف على الصورة الكثيفه النادره التي عشناها في الاسبوعيين الماضيين...ورغم ذلك ،فحين أمسكت هذه الورقه لأكتب كنت أعرف أن شيئا واحدا فقط أستطيع أن أقوله وأنا واثق من صدقه وعمقه وكثافته وربما ملاصقته التي يخيل إلي الآن أنها كانت شيئا محتوما، وستظل ، كالأقدار التي صنعتنا: إنني أحبك.

الآن أحسها عميقه أكثر من أي وقت مضى ، وقبل لحظه واحده فقط مررت بأقسى مايمكن لرجل مثلي أن يمر فيه، وبدت لي تعاساتي كلها مجرد معبر مزيف لهذه التعاسه التي ذقتها في لحظه كبريق النصل في اللحم الكفيف.. الآن أحسها ، هذه الكلمه التي وسخوها ، كما قلتِ لي والتي شعرت بأن علي أن أبذل كل مافي طاقة الرجل أن يبذل كي لا أوسخها بدوري .
إنني أحبكِ: أحسها الآن والألم الذي تكرهينه –
ليس أقل ولا أكثر مما أمقته أنا-ينخر كل عظامي ويزحف في مفاصلي مثل دبيب الموت ..أحسها الآن والشمس تشرق وراء التله الجرداء مقابل الستاره التي تقطع أفق شرفتك إلى شرائح متطاوله .. أحسها وأنا أتذكرأنني أيضا لم أنم ليلة أمس ، وأنني فوجئت وأنا أنتظر الشروق على شرفة بيتي أنني – أنا الذي قاومت الدموع ذات يوم وزجرتها حين كنت أجلد-وأبكي بحرقه بمراره لم أعرفها حتى أيام الجوع الحقيقي ، بملوحة البحار كلها وبغربة كل الموتى الذين لايستطيعون فعل أيما شيء ..وتساءلت :أكان نشيجا هذا الذي لم أسمعه أم سلخ السياط وهي تهوي من الداخل ؟
لا..أنت تعرفين أنني رجل لا أنسى وأنا أعرَف منكِ بالجحيم الذي يطوق حياتي من كل جانب ، وبالجنه التي لا أستطيع أن أكرهها ، وبالحريق الذي يشتعل في عروقي ،وبالصخرة التي كتب على أن أجرهاوتجرني إلى حيث لا يدري أحد...وأنا أعرف منك أيضا بأنها حياتي أنا ، وأنها تنسرب م بين أصابعي أنا ، وبأن حبك يستحق أن يعيش الانسان له، وهو جزيرة لا يستطيع المنفى في موج المحيط الشاسع أن يمر بها دون أن ..ورغم ذلك فأنا أعرف منك أيضا بأنني أحبك إلى حد أستطيع أن أغيب فيه ، بالصورة التي تشائين ، إذا كنت تعتقدين أن هذا الغياب سيجعلك أكثر سعاده ، وبأنه سيغير شيئا من حقيقة الأشياء.
أهذا ما أردت أن أقوله لك حين أمسكت الورقه؟ لست أدري ..ولكن صدقيني يا غادة أنني تعذبت خلال الأيام الماضيه عذابا أشك في أن أحدا يستطيع احتماله ، كنت أجلد من الخارج ومن الداخل دونما رحمه وبدت لي حياتي كلها تافهه ، واستعجالا لا مبرر، .................................................. . .....................................

إن قصتنا لا تكتب ، وسأحتقر نفسي لو حاولت ذات يوم أن أفعل ، لقد كان شهراً كالإعصار الذي لا يفهم ، كالمطر ، كالنار ، كالأرض المحروثه التي أعبدها إلى حد الجنون ، وكنت فخوراً بك إلى حد لمت نفسي ذات ليلة حين قلت بيني وبين ذاتي أنك درعي في وجه الناس والأشياء وضعفي ، وكنت أعرف في أعماقي أنني لا أستحقك ليس لأنني لا أستطيع أن أعطيك حبات عيني ولكن لن أستطيع الاحتفاظ بك إلى الأبد.

وكان هذا فقط ما يعذبني ..إنني أعرفك إنسانه رائعه ، وذات عقل لا يصدق وبوسعك أن تعرفي ما أقصد : لا يا غادة لم تكن الغيرة من الآخرين ..كنت أحسك أكبر منهم بما لا يقاس ، ولم أكن أخشى منهم أن يأخذوا منك قلامة ظفرك ..لا يا غادة ، لم يكن الادعاءوالتمثيل والزيف فذلك الشيء الوحيد الذي لا أستطيع أبدا إتقانه ولو أتقنته لما كنت الآن في قاع ا لعالم..لا يا غاده..لم يكن إلا ذلك الشعور الكئيب الذي لم يكن ليغادرني ، مثل ذبابه أطبق عليها صدري ، بأنك لا محالة ستقولين ذات يوم ماقلته هذه الليله.

إن الشروق يذهلني، رغم الستاره التي تحوله إلى شرائح وتذكرني بألوف الحواجز التي تجعل من المستقبل –
أمامي مجرد شرائح... وأشعر بصفاء لا مثيل له مثل صفاء النهاية ورغم ذلك فأنا أريد أن أظل معكِ، لا أريد أن تغيب عني عيناكِ اللتان أعطتاني ماعجز كل شيء انتزعته في هذا العالم من إعطائي ..ببساطه لأني أحبكِ. وأحبكِ كثيرا يا غاده ، ويدمر الكثير مني إن أفقدك ، وأنا أعرف أن غبار الأيام سيترسب على الجرح ولكنني أعرف بنفس المقدار أنه سيكون مثل جروح جسدي : تلتهب كلما هبت عليها الريح.
أنا لا أريد منكِ شيئاً، ولا أريد بنفس المقدار أبدا أبدا أن أفقدك.
إن المسافه التي ستسافرينها لن تحجبك عني ، لقد بنينا أشياء كثيرة معا لا يمكن بعد أن تغّيبها المسافات ولا أن تهدمها القطيعه لأنها بنيت على أساس من الصدق لا يتطرق إليه التزعزع.
ولا أريد أن أفقد الناس الذين لا يستحقون أن يكونوا وقود هذا الصدام المروع مع الحقائق التي نعيشها.
ولكن إذا كان هذا ما تريدينه فقولي لي أن أغيب أنا ..ظلي هنا أنت فأنا تعودت أن أحمل حقيبتي الصغيرة وأمضي...
ولكنني هذه المره سأمضي وأنا أعرف أني أحبك ، وسأظل أنزف كلما هبت الريح على الأشياء العزيزة التي بنيناها معاً....

غسان

داليا الهواري
23-02-2007, 04:36 AM
رسالة غبر مؤرخة ، ولكن سياق الكلام فيها يدل على أنها كتبت في القاهرة أواخر تشرين الثاني (نوفمبر)وقبل 29/11/1966 بيوم أو اثنين



عزيزتي غادة..

مرهق إلى أقصى حد : ولكنك أمامي ، هذه الصورة الرائعة التي تذكرني بأشياء كثيرة عيناك وشفتاك وملامح التحفز التي تعمل في بدني مثلما تعمل ضربة على عظم الساق ، حين يبدأ الألم في التراجع . سعادة الألم التي لا نظير لها . أفتقدك يا جهنم ، يا سماء، يا بحر. أفتقدك إلى حد الجنون . إلى حد أضع صورتك أمام عيني وأنا أحبس نفسي هنا كي أراك .

ما زلت أنفض عن بذلتي رذاذ الصوف الأصفر الداكن. وأمس رأيت كرات صغيرة منها على كتفي فتركتها هناك. لها طعم نادر كالبهار ....إنها تبتعث الدموع إلى عيني أيتها الشقية. الدموع وأنا أعرف أنني لا أستحقك: فحين أغلقت الباب وتركتني أمضي عرفت ، عرفت كثيراً أية سعادة أفتقد إذ لا أكون معك. لقد تبقت كرات صغيرة من الصوف الأصفر على بذلتي ، تتشبث بي مثلما أنا بك ، وسافرت بها إلى هنا مثلما يفعل أي عاشق صغير قادم من الريف لأول مرة.

لن أنسى. كلا. فأنا ببساطة أقول لك: لم أعرف أحدا في حياتي مثلك، أبداً أبداً . لم أقترب من أحد كما اقتربت منك أبداً أبداً ولذلك لن أنساك، لا...إنك شيء نادر في حياتي. بدأت معك ويبدو لي أنني سأنتهي معك.

سأكتب لك أطول وأكثر...لقد أجلوا المؤتمر إلى 30 ولكنهم سيسفروننا غداً ، الأحد إلى غزة كي نشترك بمآتم التقسيم. يا للهول. ويبدو أنه لن يكون بوسعي أن أعود للقاهرة قبل الرابع . وسأكون في بيروت يوم 6 كانون الأول على أبعد تعديل...إلا إذا فررت من المؤتمر وأتيتك عدْواً..

حين قرأ أحمد بهاء الدين حديثك لي خطفه، بل أجبرني على التعاقد معه لأكتب له مواضيع مماثلة ......قال لي وهو يهز رأسه: أخيراً أيها العفريت وجدت من يُسكت شراستك. سينشر الموضوع في (المصور) التي علمت أنها توزع في كل البلاد العربية أعداداً هائلة وتحوز على ثقة الناس واحترامهم ...ولكنني بالطبع لا أعرف متى..

وزعت كتبك.تحدثت عنك كثيراً .فكرت بك.بك وحدك..وأنت لا تصدقين..وأنت حين (أعذب نفسي في المساء) موجودة في الماي فير مع الناس والهواتف والضحك..

حاولي أن تكتبي لي: فندق سكارابيه شارع 26 يوليو .القاهرة فسيكون أحلى ما يمكن أن يلقاني حين عودتي رسالة منك لأنني أعرف أنك لن تأتين..



آه.. يا عزيزة

غسان كنفاني

داليا الهواري
23-02-2007, 04:37 AM
كازينو الأندلس - غزة

ANDALUS CASINO-GAZA

فندق الأندلس - غزة

EL-ANDALUS HOTEL-GAZA

فندق قصر البحر – غزة ت 603

SEA PALACE HOTEL-GAZA TEL603

كازينو هويدي – غزة ت 352

HAWAIDICASINO GAZA TEL352



غزة في 29/11/1966 Gaza



غادة

كل هذه العناوين المسجلة فوق، على ضخامتها ، ليست إلا أربع طاولات على شاطئ البحر الحزين ، وأنا ، وأنت، في هذه القارورة الباردة من العزلة والضجر. إنه الصباح، وليلة أمس لم أنم فقد كان الصداع يتسلق الوسادة كجيوش مهزومة من النمل ، وعلى مائدة الفطور تساءلت: هل صحيح أنهم كلهم تافهون أم أن غيابك فقط هو الذي يجعلهم يبدون هكذا؟ ثم جئنا جميعاً إلى هنا : أسماء كبيرة وصغيرة، ولكنني تركت مقعدي بينهم وجئت أكتب في ناحية، ومن مكاني أستطيع أن أرى مقعدي الفارغ في مكانه المناسب ، موجود بينهم أكثر مما كنت أنا.

إنني معروف هنا ، وأكاد أقول (محبوب) أكثر مما كنت أتوقع ، أكثر بكثير . وهذا شيء، في العادة ، يذلني، لأنني أعرف بأنه لن يتاح لي الوقت لأكون عند حسن ظن الناس ، وأنني في كل الحالات سأعجز في أن أكون مثلما يتوقعون مني . طوال النهار والليل أستقبل الناس ، وفي الدكاكين يكاد الباعة يعطونني ما أريد مجاناً وفي كل مكان أذهب إليه أستقبل بحرارة تزيد شعوري ببرودة أطرافي ورأسي وقصر رحلتي إلى هؤلاء الناس وإلى نفسي. إنني أشعر أكثر من أي وقت مضى أن كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق وتافه لغياب السلاح وأنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء أحترمه ، وذلك كله يشعرني بغربة تشبه الموت وبسعادة المحتضر بعد طول إيمان وعذاب ، ولكن أيضا بذل من طراز صاعق.........
ولكنني متأكد من شيء واحد على الأقل، هو قيمتك عندي..أنا لم أفقد صوابي بك بعد ، ولذلك فأنا الذي أعرف كم أنت أذكى وأنبل وأجمل. لقد كنتِ في بدني طوال الوقت ، في شفتي، في عيني وفي رأسي. كنتِ عذابي وشوقي والشيء الرائع الذي يتذكره الإنسان كي يعيش ويعود...إن لي قدرة لم أعرف مثلها في حياتي على تصورك ورؤيتك..وحين أرى منظراً أو أسمع كلمة وأعلق عليها بيني وبين نفسي أسمع جوابك في أذني ، كأنك واقفة إلى جواري ويدك في يدي . أحياناً أسمعك تضحكين، وأحياناً أسمعك ترفضين رأيي وأحياناً تسبقينني إلى التعليق ، وأنظر إلى عيون الواقفين أمامي لأرى إن كانوا قد لمحوك معي، أتعاون معك على مواجهة كل شيء وأضع معك نصل الصدق الجارح على رقابهم. إنني أحبك أيتها الشقية كما لم أعرف الحب في حياتي، ولست أذكر في حياتي سعادة توازي تلك التي غسلتني من غبار وصدأ ثلاثين سنة ليلة تركت بيروت إلى هنا .

أرجوك..دعيني معك. دعيني أراك.إنك تعنين بالنسبة لي أكثر بكثير مما أعني لك وأنا أعرف ولكن ما العمل؟ إنني أعرف أن العالم ضدنا معاً ولكنني أعرف بأنه ضدنا بصورة متساوية، فلماذا لا نقف معاً في وجهه؟ كفي عن تعذيبي فلا أنا ولا أنت نستحق أن نسحق على هذه الصورة. أما أنا فقد أذلني الهروب بما فيه الكفاية ولست أريد ولا أقبل الهروب بعد. سأظل، ولو وُضع أطلس الكون على كتفيّ، وراءك ومعك. ولن يستطيع شيء في العالم أن يجعلني أفقدك فقد فقدت قبلك ، وسأفقد بعدك ، كل شيء.

(إنني لا أستطيع أن أكرهك ولذلك فأنا أطلب حبك) ..أعطيك العالم إن أعطيتني منه قبولك بي..فأنا، أيتها الشقية، أعرف أنني أحبك وأعرف أنني إذا فقدتك فقدت أثمن ما لديّ ، وإلى الأبد..

سأكتب لك وأنا أعرف أنني قد أصل قبل رسالتي القادمة، فسأغادر القاهرة يوم 5 كانون وتأكدي : لا شيء يشوقني غيرك.



غسان كنفاني

داليا الهواري
23-02-2007, 04:37 AM
20/1/1967

عزيزتي غادة

صباح الخير..

ماذا تريدين أن أقول لك ؟ الآن وصلت إلى المكتب ، الساعة الثانية ظهراً ، لم أنم أبداً حتى مثل هذه الساعة إلا أمس ودخلت مثلما أدخل كل صباح : أسترق النظر إلى أكوام الرسائل والجرائد والطرود على الطاولة كأنني لا أريد أن تلحظ الأشياء لهفتي وخيبتي. اليوم فقط كنت متيقناً أنني لن أجد رسالة منك ، طوال الأيام ال17 الماضية كنت أنقب في كوم البريد مرة في الصباح ومرة في المساء . اليوم فقط نفضت يدي من الأمر كله، ولكن الأقدار تعرف كيف تواصل مزاحها . لقد كانت رسالتك فوق الكوم كله، وقالت لي: صباح الخير ! أقول لك دمعتُ

منذ سافرتِ سافرت آني ، وإلى الآن ما تزال في دمشق وأنا وحدي سعيد أحياناً ، غريب ٌ أحياناً وأكتب دائماً كل شيء إلا ما له قيمة ...حين كنتِ على المطار كنت أعرف أن شيئاً رهيباً سيحدث بعد ساعات: غيابك وتركي للمحرر، ولكنني لم أقل لك. كنتِ سعيدة ومستثارة بصورة لا مثيل لها وحين تركتك ذهبتُ إلى البيت وقلت للمحرر أن كل شيء قد انتهى.

إنني أقول لك كل شيء لأنني أفتقدك. لأنني أكثر من ذلك ( تعبت من الوقوف) بدونك.. ورغم ذلك فقد كان يخيل إلي ذات يوم إنك ستكونين بعيدة حقاً حين تسافرين.

ولقد آلمتني رسالتك. ضننت عليّ بكلمة حارة واحدة واستطعت أن تظلي أسبوعاً أو أكثر دون أن أخطر على بالك، يا للخيبة! ورغم ذلك فها أنا أكتب لك: مع عاطف شربنا نخبك تلك الليلة في الماي فير وتحدثنا عنك وأكلنا التسقية بصمت فيما كان صاحب المطعم ينظر إلينا نظرته إلى شخصين أضاعا شيئاً.

متى سترجعين؟ متى ستكتبين لي حقاً؟ متى ستشعرين أنني أستحقك؟ إنني انتظرت ، وأنتظر ، وأظل أقول لك : خذيني تحت عينيك..


غسان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ

المحرر جريدة المحرر البيروتية ، حيث كان غسان يعمل.

عاطف صديق حميم من أصدقائي وغسان.

الماي فير مقهى في الروشة

التسقية فتة الحمص وكنا نذهب آخر الليل للعشاء في مطعم شعبي يعدها في ( الطريق الجديدة) قرب المقاصد ، حتى صار صاحب المطعم يتوقع حضورنا كل ليلة مع الأصدقاء ، ويعاتبنا إذا غبنا

داليا الهواري
23-02-2007, 04:45 AM
و في موقع الساخر الكثير الكثير عن الروائي الشهيد غسان كنفاني من روايات و قصص و معلومات أيضا التي تبقى مهمة جيلا بعد جيل تعكس وجه هذا الشهيد المناضل الرائع الذي نسأل الله ان يكتبه مع الشهداء و الصديقين
رحمه الله

منسي.
03-03-2007, 06:32 PM
منذ مدة طويلة قرأت له رجال تحت الشمس ، وأعمال أخرى ، ووجدته أديب تسكنه القضية الفلسطينية .

داليا الهواري
03-03-2007, 07:54 PM
منذ مدة طويلة قرأت له رجال تحت الشمس ، وأعمال أخرى ، ووجدته أديب تسكنه القضية الفلسطينية .

السلام عليكم و حفظك الله
فعلا غسان كنفاني أديب القضية و لا يمكن قول غير هذا و الدليل أنه اغتيل من قبل الموساد الاسرائيلي في بيروت. إنه كاتب مسكون بحبه لفلسطين
حياك الله على المرور المنسي
:171:

gr__motaz
03-03-2007, 10:43 PM
مع الاحترام لصاحب الموضوع دى رواية رجال فى الشمس للرائع غسان كنفانى
http://abooks.tipsclub.com/index.php?act=mirror&id=4954
تحميل

داليا الهواري
03-03-2007, 11:05 PM
مع الاحترام لصاحب الموضوع دى رواية رجال فى الشمس للرائع غسان كنفانى
http://abooks.tipsclub.com/index.php?act=mirror&id=4954
تحميل

يعطيك العافية يا خوي
إضافة رائعة منك، بارك الله فيك
حياك الله يا رائع

محمد العَرَفي
04-03-2007, 11:50 AM
مجهود رائع أختي الكريمة، بارك الله فيك
ومعذرة على المداخلة أيضا



http://img143.imageshack.us/img143/6204/136n0ze.jpg


أعمال الأديب غسان كنفاني
.

http://img184.imageshack.us/img184/130/65247dh.jpg


http://img103.imageshack.us/img103/4113/65193bi.jpg


http://img329.imageshack.us/img329/1/65120ml.jpg


http://img253.imageshack.us/img253/7122/65110va.jpg


http://img118.imageshack.us/img118/9918/65201ur.jpg
.

http://img252.imageshack.us/img252/3783/65088dv.jpg

http://img248.imageshack.us/img248/6335/54764cm.jpg


رسائل إلى غادة السمان (http://www.alsakher.com/books/kanafani_messages.zip)

.

http://img291.imageshack.us/img291/1986/65154el.jpg

الباب (http://www.alsakher.com/books/albab.zip)

مختارات لغسان كنفاني (http://www.alsakher.com/books/gassan.zip)

http://img48.imageshack.us/img48/9210/65104nm.jpg

الشيء الآخر(من قتل ليلى الحايك؟) (http://www.alsakher.com/books/alshy%20alakhr.zip)

عائد إلى حيفا (http://www.alsakher.com/books/3aed.zip)

رجال تحت الشمس (http://www.alsakher.com/books/rejal.zip)


منقول/ghedor

داليا الهواري
04-03-2007, 07:45 PM
مجهود رائع أختي الكريمة، بارك الله فيك
ومعذرة على المداخلة أيضا
منقول/ghedor


السلام عليكم أخي المهاجر
بارك الله فيك على الإضافة الرائعة فعلا، يعطيك ألف عافية و هي مداخلة جيدة منك يا رائع
حفظك الله و رعاك
:171:

قيس ابوتينة
07-03-2007, 06:41 PM
واليكم الرابط


http://www.filefactory.com/file/62f60c/