PDA

View Full Version : دروس في فن القصة



طارق شفيق حقي
11-07-2004, 05:07 PM
فن القصة القصيرة



مم أكاد أختلف فيه مع نفسي التي تنازعني الكتابة أنه تريد أن توجه الشراع إلى غير ما أعرف فأقول في سري لعل الهوى هنا لعمري مفيد .

خروجا عن ما الفت سأدع النفس تتكلم على هواها وسأرى معكم أين ستأخذنا بعد إصرارها والآن هلا تفضلت وقدمت ما لديك :


بسم الله الرحمن الرحيم


-أجد وبشجاعة أني سأغوص لأحمل إليكم رزقا من بحر اللاشعور دون تكلف .

القصة جنس أدبي عريق متأصل في تراثنا وحضارتنا , وكلما كان للفن مقومات كلما تقدم وتطور وتأصل.
القصة تبادل للخبرات البشرية اختصار للتجارب بث للواعج والصراعات النفسية فكر منسكب ومشاعر متصارعة حدث يستلب عقلك فتمضي معه إلى حيث المفاجأة فتسليك وتبعد عنك الضجر وتؤثر في نفسك وفكرك فتتقدم معارفك وتتطور وكل ذلك في قالب أدبي جميل جذاب لا تمله ولا تنفر منه وهنا سنتاول بعض المقومات والفنيات والتقانات التي يتميز بها هذا الفن مما عرفنا وابتكرنا و مربنا 1-


المكان والزمان:

لعل الخط الأفقي للقصة هو المكان الذي يجري عليه الحدث وليس بالضرورة أنك ستذكر مدينة أو قرية أو أي مكان كالبيت أو المكتب أو الشارع لتقول أن قصتك استوفت المقومات بل من الوصف أحيانا ومن صيرورة الحدث نستدل على ذلك بشكل غير مباشر.
والزمان هو الخط الشاقولي الذي ستمر القصة بأجزائها عبره وطبعا كاتب القصة لن يتقيد بكتابة ظهرا وعصرا وفجرا أو عند تمام الساعة السادسة أو . أو إنما قد قد يدل الفعل على الزمن بشكل غير مباشر(كان تقول كان الصغير يعيش مع والديه وبعدها انقل إلى العيش مع عمه)
ومن الأمور التي تفضل في القصة القصيرة أن لا يكون الزمان مترهلا متطاولا كأن تقول " بعد عشر سنوات كان الرجل يعيش سعيدا في أحضان الطبيعة بعيدا عن المدنية وضغوطاتها"
فمن ما تقدم نستدل أننا يجب أن نتكلم عن حياة الرجل بالمدينة وما عاناه وكذلك بعدها في الريف التغيرات التي حصلت له وكل ذلك سيستغرق صفحات طويلة ستكون بعيدة عن القصة القصيرة


إذا المكان والزمان هما الخطان الأفقي والعامودي للقصة ولعلي أذكر هنا أن المكان عبارة عن المادة أو الحيز المادي الذي ستجري به الأحداث والزمان هو حبل الغسيل الذي سيضم التفاعلات التي ستنشرها عليه
نعود ونقول لماذا الزمان والمكان عنصران هامان من عناصر القصة
قد قدم كثير من النقاد تنظيرا حول المكان والزمان بل تحدثت دراسات نقدية عنهم فقط بل عن احديهما وقد يقول قائل وهل يقتضي المكان كل تلك الأهمية
أقول حقيقة إن الأمر بالنهاية يعود لاستخلاص النتيجة التي سنصل إليها فمثلا قدم ناقد دراسة عن المكان في إحدى روايات نجيب محفوظ فوجد إن وصف الشخصيات للمكان ذاته مختلف فالأول يصفه كئيبا والثاني جميلا والثالث.. و

إذا دراسة المكان من خلال الوصف ستعطينا أهميته عند الشخوص ودلالته النفسية
كذلك الزمان
في النهاية إن هذان العنصران بمثابة الضابط كي لا تغدو القصة بوصفها جنسا أدبيا لها مقوماتها كي لا تغدو محض تفكير ذهني أو حوار ذاتي فتقترب من الخاطرة أو أي جنس أدبي أخر.


في نهاية هذا القسم إليكم هذه القصة القصيرة جدا



عــــــادة
اعتاد أهل القرية غسل الثياب على ضفة النهر أخذت أم ساهي ثيابها وثياب ولدها الذي تفتخر به أمام الجيران وأمام القرية بأسرها بالرغم من أنها ترى نظرات غريبة في عيونهم لكنها تردها إلى نظرات حسد وضيقة عين, وأخذت أم ساهي تضرب طقم ولدها بالعصا وحولها نساء القرية.
ذهبت النساء بعد انتهائهن من الغسيل بينما بقيت أم ساهي تضرب طقم ولدها الكحلي وهي مستغربة كل الاستغراب من هذا الطقم الذي لا ينظف مع كل خبراتها التي جربتها أخذت تحكه بصخرة قرب النهر وتغمسه وتخرجه من النهر الذي تلون باللون الأسود في النهاية نفذ صبرها وهي المرأة الصبورة, فضربت الطقم بالعصا ضربة قوية سمعت لها صراخاً عالياً وأطل ساهي برأسه من داخل الطقم.؟؟



للكلام تتمة والتتمة بحسب التفاعل


وقالت لأخته قصيه مقالة عن القصة في هذا الرابط لمن أراد الاستزادة:
في التوقيع

طارق شفيق حقي
14-07-2004, 11:33 PM
الصفحة الثانية
الحدث:


أو موضوع القصة وكثيرا ما يقف الكاتب عند هذه النقطة ويقول في نفسه أي شيء سأكتب

قد تأخذ الكاتب قضايا كثيرة وكثيرة وقد يحار كيف يجريها حدثا فنيا على الورق وقد يبدأ من البداية يصف ويشرح وقد يصل الحدث بأحداث أخرى و إذ القصة تتمطى وتترهل .
القصة القصيرة تتناول حدثا مستقلا عما قبله مستقلا عما بعده وتكثف زاوية العدسة لتغدو الكلمات مؤثرة فاعلة في المتلقي
مثلا : لدينا الشخصية ولتكن فرضا أستاذ في الجامعة قد درس وتفوق و عمل في أكثر من دولة ثم تقاعد و أخذ يعمل في الصحافة.....
هذه حياة طويلة إذا أردنا أن تناولها كلها من الولادة بل قبلها حتى الممات بل بعده فالمجال هو الرواية لأنها تتناول الأحداث الطويلة حتى تكاد أن تكون سيرة ذاتية للأبطال تسرد كل الأحداث في حياتهم .

عين القاص تنتقي حدثا قصيرا ويلعب القاص على هذا الوتر

مثلا أستاذ لجامعة أعلاه نتناول استبداده في قاعة الدرس وتمسكه برأيه أو عصبيته مثلا أو مرحه من خلال حدث مستقل ....أذكر أني كتبت قصة قصية جدا كان عنوانها الرأي والرأي الأخر
كانت تتحدث عن أستاذ جامعة مستبد برأيه لا يسمح لأحد بالكلام والحوار مع أنع يفتتح درسه بالكلام عن الرأي والرأي الأخر وكان أفضل من يتحدث عن حرية الرأي والديمقراطية وعدم استنساخ الشخصية والأفكار
وجمال الاختلاف لكنه كان أفضل من يستبد برأيه و إذ عجزنا عن الحل فقمنا بالحديث لابنه زميلنا في الدفعة الدراسية كي يحادث أبيه فابدي تعاونه وقال إن والده في المنزل رجل أخر
في اليوم التالي جاءنا زميلنا وقد طبع على خده أثار الرأي والرأي الأخر!! .

طبعا كانت القصة ستغدو أجمل بحلتها الحقيقية وصياغتها لكن لا ادري أين أصبحت الآن بين أوراقي
المهم في هذه القصة الحدث أو الموضوع كان استبداد هذا الدكتور وأسلوبه وتناقضه مع كلامه ثم بحثنا عن الحل ثم النهاية وهي نقطة التنوير
يستهوي كثير من الكتاب الحديث عن الأحداث الضخمة والكبيرة وهذا ليس بالضرورة أن ينجح القصة
كأن نتناول أحداث أيلول في أمريكا أو حادثة قتل أو اغتصاب أو ..أو....

قدرة القاص الحقيقية هي في تناول الأحداث البسيطة وكشف عمقها
وهذا مثال على ذلك ولو كان من القصة القصية جدا لكن ضرب المثال حول الحدث البسيط :
كأس الشاي المكسورة من طرفها
حين كان صديقي يصنع الشاي لنا .. فإن الكأس المكسورة من طرفها تأخذ شيئا" من التفكير .. فكان يضعها أمامه ويعطيني الأخرى فابتسم ويبتسم وحين كنت أعد الشاي كنت أضعها أمامي وأعطيه الأخرى فيبتسم وأبتسم , بعد أيام .. اشترى صديقي كأسا" جديدة .. وأعد الشاي لنا ووضع الكأسين وغابت البسمة فأمسكت الكأس ونظرت إليها وكسرتها من طرفها .

طارق شفيق حقي
28-07-2004, 08:09 PM
الصفحة الثالثة

الشخصيات

القصة كما عرفت نقديا حاليا تتناول شخصية رئيسة وشخصيات ثانوية على أن نذكر أن لا تكون هذه الشخصيات الثانوية محض زينة تكميلة لا أكثر.
والشخصية المحورية تطبع أفكاره وأفعالها على أغلب مساحة الورقة .
في ما ظهر لي أن شخصية القصة القصيرة هي شخصية مهمشة .
والشخصية المهمشة هي شخصية تعاني من الضغط الاجتماعي أو الضغط النفسي.
فالشخصية التي تناولها الكاتب العبقري غوغول وهي شخصية أكاكي أكاكيفيتش وهو موظف في دائرة حكومية يعاني من ضغط أصحابه فتراه ينادي : ألست بأخوكمأكاكي شخصية مهمشة فقيرة حاولت أن تجمع النقود لتشتري معطفا بدل معطفه المرقع الذي أخبره الخياط في المرة الأخيرة أنه لن يستطيع ترقيعه أكثر من ذلك
فبدأ اكاكي يجمع النقود ويدخر من طعامه حتى ادخر قيمة المعطف بعد ذلك وهو يسير فرحا قام اللصوص ليلا باستلابه معطفه فمرض ومات من حزنه .
هذه القصة المؤثرة التي تحرك المرء حتى أخمص قدميه هي من عيون الأدب وهي عبقرية القص التي تمثلت في شخصية أكاكي هي وغيرها من قصص غوغول حتى قال أحد الأدباء : لقد خرجنا جمعيا من تحت معطف غوغول
هنا من خلال هذا المثال عن البطل المهمش يتبين لنا حجم الشريحة التي نتوجه لها وهي شريحة واسعة إنها الشريحة التي تحاول النهوض من حالتها الراهنة التي وضع أفضل وهنا قد تناول تقسيمات المجتمع و الصراع الطبقي
وإرادة طبقة ما للتطور
وهنا يكمن الإبداع حيث تكمن الصعوبات
نعرج هنا على شخصيات الرواية التي تكثر أكثر بكثير من القصة القصيرة وتتعدد إذ تتعدد أماكن الأحداث وزمانه وهناك على عكس القصة يناول الراوي شخصيات المجتمع غير المهمشة ويسرد تفاصيل حياتها حتى الممات بشكل عام.
طبعا موضوع الشخصية يطول إلى أكثر من محور منه البناء النفسي والاجتماعي .

التونسي
28-01-2007, 03:07 PM
أخي ابراهيم :حملتني مسؤولية كبيرة،ولأنني أعرف كم أنت رجل جدي ومثابر ،ولأن الساخر هو بيتي
وقطعة مني،وأنا مقصر جدا تجاهه فسأحاول أن أبذل كل الجهد للإنجاح هذه الورشة حول فن اللأقصوصة ونقدها ،وما أطلبه منك هو الدعاية لهذه الورشة في شتى جنبات الساخر ،ليعلم بها ويشارك فيها الإخوة الأعضاء ،
ولا بد من التنويه هنا:أنه مطلوب من كل المولعين بكتابة الأقصوصة،ولمن يريد أيضا تنمية معارفه ومهاراته في هذا الفن ،أن يبذل بعض الجهد للإلمام بقواعد النقد والخصائص الفنية للأقصوصة من خلال الكتب المبسطة والنصوص السهلة التي سأقترحها هنا[وأيضا يمكن أن يقترحها بقية الأعضاء]..
فأنا أرى أنه قبل المرور للجانب التطبقي النقدي الصرف،يجب قبل ذلك التعرف ومناقشة الخصائص النظرية لفن الأقصوصة،

المرحلة النظرية
وأنا أقترح عليكم قراءة هذا الكتاب المبسط الذي أقترحه على طلبتي بداية السنة الدراسية ،وستجدون فيه إحاطة ميسرة بأغلب المدارس النقدية
http://al-mostafa.info/data/arabic/aalam/Issue-221.pdf
وهذه معلومات أولية ضرورية للمبتدئين في هذا الفن[ملخصة عن الدكتورة سوسن رجب]
- الموضوع : يختار القاص موضوعه من :

أ- تجاربه . متناولا النفس البشرية وسلوكها وأهوائها .

ب- تجارب الآخرين : متناولا المجتمع بالنقد والتحليل .

ج‌- ثقافته : متناولا موضوعات فكرية وفلسفية .

د - من التاريخ : متناولا نضال الشعوب والأحداث الوطنية والسياسية .

هـ - من الوثائق .

(2) الفكرة، ( فكرة القصة):

هي وجهة نظر القاص في الحياة ومشكلاتها التي يستخلصها القارئ في نهاية القصة .

وعلى القاص أن يتجنب الطرح المباشر؛ لئلا يسقط في هاوية الوعظ والإرشاد .



(3) الحدث:

هو مجموعة الأعمال التي يقوم بها أبطال القصة ويعانونها ، وتكون في الحياة مضطربة، ثم يرتبها القاص في قصته بنظام منسق لتغدو قريبة من الواقع،





ويتم عرض الحوادث بواحدة من الطرق الثلاثة الآتية:

1- .النوع التقليدي : وفيه ترتب الأحداث من البداية ثم تتطور ضمن ترتيب زمني سببي .

2.الطريقة التي تنطلق من النهاية ثم تعود بالقارئ إلى البداية والظروف والملابسات التي أدت إلى النهاية .

3. الطريقة التي يبدأ الكاتب الحوادث من منتصفها، ثم يرد كل حادثة إلى الأسباب التي أدت إليها



(4) الحبكة:

هي فن ترتيب الحوادث وسردها وتطويرها.

والحبكة تأتي على نوعين هما:

1.الحبكة المحكمة : وتقوم على حوادث مترابطة متلاحمة تتشابك حتى تبلغ الذروة ثم تنحدر نحو الحل.

2. الحبكة المفككة : وهنا يورد القاص أحداثا متعددة غير مترابطة برابط السببية ، وإنما هي حوادث ومواقف وشخصيات لا يجمع بينها سوى أنها تجري في زمان أو مكان واحد.



( 5) البيئتان الزمانية والمكانية:



البيئة المكانية :هي الطبيعة الجغرافية التي تجري فيها الأحداث ، والمجتمع والمحيط وما فيه من ظروف وأحداث تؤثر في الشخصيات .

البيئة الزمانية :هي المرحلة التاريخية التي تصورها الأحداث .

(6) الشخصيات:

1.شخصيات رئيسية : تلعب الأدوار ذات الأهمية الكبرى في القصة .

2. شخصيات ثانوية : دورها مقتصر على مساعدة الشخصيات الرئيسة أو ربط الأحداث.

أنواع الشخصيات بحسب الثبات والظهور

1.شخصيات نامية : تتطور مع الأحداث .

2.شخصيات ثابتة : لا يحدث في تكوينها أي تغيير ، وتبقى تصرفاتها ذات طابع واحد لا يتغير .



الطرق التي يعرض بها القاص شخصياته:

1.الطريقة التحليلية : وفيها يرسم القاص شخصيته وعواطفها ويعقب على تصرفاتها .

2. الطريقة التمثيلية : وفيها ينحّي القاص ذاته ، ويترك الشخصية تعبر عن طبيعتها من خلال تصرفاتها .

(7) الأسلوب واللغة:

1.السرد : وهو نقل الأحداث من صورتها المتخيلة إلى صورة لغوية .

وله ثلاث طرق :

-الطريقة المباشرة : ويكون الكاتب فيها مؤرخا.

- طريقة السرد الذاتي : وفيها يجعل الكاتب من نفسه إحدى شخصيات القصة ، ويسرد الحوادث بضمير المتكلم .

- طريقة الوثائق : وفيها يسرد الكاتب الحوادث بواسطة الرسائل أو المذكرات .







(8 )الصراع:
و

هو التصادم بين إرادتين بشريتين



نوعا الصراع: أ- خارجي : بين الشخصيات .

ب- داخلي : في الشخصية نفسها.



(9) العقدة والحل:

وهي:تأزم الأحداث وتشابكها قبيل الوصول إلى الحل.

ولكن: هل من الضروري أن يكون لكل عقدة حل؟

ليس من الضروري ذلك ، فيمكن أن تكون نهاية القصة مفتوحة، تستدعي القارئ أن يضع النهاية بنفسه وبخياله.


طبعا ،المتمرسون في هذا الفن سيجدون هذه المعلومات مبسطة جدا،ولكن أنا أفكر في الإخوة الأعضاء الذين مايزالون في بداية الطريق،ومن خلال قراءتي لبعض الأقاصيص في المشهد ،أجد كتاب تلك الأقاصيص يكتبونها بطريقة فطرية ساذجة بدون أي إلمام بفن الأقصوصة..
أرجوا أن نتدرج جميعا من البسيط للمعقد ..

التونسي
28-01-2007, 03:44 PM
أريد أن أنبه كل أخ وأخت يريد أو تريد أن تكتب قصة قصيرة إلى أمور مهمة جدا:
1/لا تستسهلن أبدا هذا الفن،لأنه بشهادة النقاد والمبدعين جنس الأقصوصة هو أصعب الأجناس الأدبية!!
2/أصعب ما في هذا الفن هو الفكرة التي تريد أن توصلها من خلال أقصوصتك :إذ يجب أن تكون طريفة،مختلفة ،قوية،خارجة عن المألوف ،ذات دلالة ،تدفع القاريء للتفكير والتدبر !!ومع ذلك يجب عليك أن تحرص كل الحرص على عدم السقوط في المباشرة والوعظ والإرشاد !!فالفكرة يجب أت تكون مضمنة ضمن نسيج الأحداث ،متوارية بين تضاعيفها !!
لذلك قبل كتابة الأقصوصة :فكر جيدا:هل الفكرة التي ستتناولها الأحداث جديرة بالطرح!!
3/الأٌقصوصة محدودة في المكان وفي الزمان:وهذا ينعكس على الأحداث والشخصيات والحبكة!!
فالشخصيات يجب أن تكون محدودة حتى تكون قادرا على السيطرة عليها وإيفائها حقها من التحليل والوصف والمتابعة
وكذا الأمكنة التي تتنقل الشخصيات في حيزها يجب أن تكون مختارة بدقة ومحدودة جدا في العدد
4/طبعا الحبكة هي الأكثر تعقيدا وصعوبة عندما نباشر الكتابة
وهنا نحكم على الأقصوصة بالفشل أو النجاح
وأكاد أقول أن السيطرة على الحبكة أمرغير متاح إلا من أوتي الموهبة والتمرس !!ويستحيل على أي كاتب أن يتقن الحبكة القصصية قبل أن يكتب عشرات الأقاصيص الفاشلة وهو ما أقر به كل رواد هذا الفن

لماذا الصعوبة
لأن الحبكة هي فن التصرف في مختلف العناصر القصصية والتدرج بها حتى بناء اللأقصوصة بشكل نهائي
عندك :فكرة تريد بلورتها
راو أو أكثر
شخصية أو اكثر
حدث أو أكثر
أزمنة وأمكنة

الحبكة هي الخلطة العجيبة التي تجعل الأقصوصة أقصوصة،كيف ستتصرف في الأحداث وتتدرج بها،
كيف تتعامل مع الشخصيات حضورا وغيابا تأثيرا وتاثرا،صراعا وهدوءا
كيف تدير الحوار الباطني داخل الشخصيات والحوار العادي بينها!!
كيف تستثمر الأزمنة والأمكنة!!
ولا أحد في العالم قادر أن يبين لك كيف "تحبك أقصوصتك"

لأن ذلك لا يتأتي إلا بأمرين أساسيين
-قراءة أكثر ما يمكن من أقاصيص من الشرق والغرب
-كتابة أكثر ما يمكن من أقاصيص ولا يهم إن كانت فاشلة أو ناقصة!!لأننا لا نتعلم فن الكتابة إلا عندما نكتب

أرجو المشاركة

التونسي
28-01-2007, 06:45 PM
لنبدأ على بركة الله في مناقشة مختلف العناصر المكونة للأقصوصة

1/الفكرة:
قبل أن نبدا في كتابة أقصوصة ما لا بد أن لنا فكرة نريد أن نوصلها لجمهور القراء
بالطبع القاص ليس مطالبا بالإفصاح عن هذه الفكرة بشكل مباشر بل مطلوب من القاريء أن يصل إليها وحده وليس مهما ألا يصل إليها أبدا،لأن سحر الأدب هو أنه لا أحد قادر على الوصول إلى الفكرة النهائية للمبدع ،إنما يجتهد في تحديدها لا غيربشكل جزئي منقوص بالضرورة!!
وأذكر أنني حضرت مرة للشاعر الكبير نزار قباني وهو يلقي قصيدته قارئة الفنجان ،وقد سألناه ما المقصود بقارئة الفنجان !!هل هي حاكم/شعب/رؤية...فأجابنا
إنه ليس من مسؤوليته أن يجبنا عن هذا السؤال بل هي مسؤولية كل قاريء على حدة!!في هذا العصر وفي العصور القادمة!!
وقد قتل ابن الفارض لما قال قولته الشهيرة :أنتم وما تعبدون تحت قدمي!!وبعد ذلك تبين للجميع أنه كان يقصد المال!!

،ومن منا يدعي مثلا أنه توصل إلى ما يريد أن يصل إليه المتنبي في قصائده أو المعري في رسالة الغفران أو محفوظ اللص والكلاب أو الطريق أو الشحاذ أو في أقاصيص دنيا الله أو في رواريته الإشكاكلية:أولاد حارتنا!!فالأدب الحقيقي مستحيل أن يفصح عن نفسه لقاري واحد أو جيل واحد أو ناقد واحد فالكل يأخذ منه حسب عصره ومستواه الذهني وحاجته الفنية

أتساءل هنا:
-كيف يجب ان نختار فكرة أقصوصتنا؟
-هل يجب أن ترتبط ضرورة بالعصر ومشاغله ورؤاه وقضاياه!!
-هل يجب أن تكون مسيسة مؤدلجة ضرورة ذات بعد وعظي إرشادي لتصل بسرعة إلى المتلقي؟
-هل من مهمة القاص أن يطرح قضايا عصره بطريقة صحافية فجة أم يجب أن يكون ذا نظرة إستشرافيه بعيدة عن قيد اللحظة وزخمها،فيبتعد عن التنظير واتخاذ المواقف مع أو ضد أطراف داخل الحراك السياسي أو الإجتماعي أو غيره؟باعتبار أنه في النهاية يكتب لكل الناس ولكل الأجيال الحاضرة والقادمة؟

أنتظر مشاركاتكم

التونسي
10-02-2007, 01:48 AM
سعيد جدا بمشاركة العزيز راهب الشوق الذي أثرى الحوار وأضاف إضافات مهمة..
كما لا يفوتني التنويه بتدخل العزيزين :انتصار ونبض الحياة،الذي يدل على اهتمام بمتابعة ما يكتب هنا..
في انتظار دخول بقية الإخوة والأخوات...
وحتى نتقدم

ما رأايكم أن نناقش قضية

الشخصيات في الأقصوصة

ويمكن بعجالة أن نحدد مواطن الإهتمام بخصوص الشخصية في الأقصوصة كما رآها النقاد

الشخصية تكون:
نامية:تتطور مع أحداث القصة
غير نامية
مساعدة
معرقلة
رئيسية
غير رئيسية
وقد أضاف الناقد "غريماس" عناصر أخرى للشخصية ،وهو ما ترجمه النقاد العرب ب:التبئيرfocalisation بالفرنسية ،أي الزاوية التي يتناول من خلالها القاص الشخصية فنجد
-الرؤية من الداخل ،أي أن القاص يتقمص دور الشخصية ،ولا نعلم عنها إلا ما تصرح به
-الرؤية من الخارج أي أن القاص يعلم كل شيء عن شخصيته ويقودها كما يشاء،ويطلعنا على كل ما يتصل به باعتبارأن الراوي منفصل عن الشخصية

طبعا هناك تفاصيل كثيرة تخص الشخصية في الأقصوصة،وأنا هنا لا أريد ان أحتكر الرأي حولها ..
وأنا في انتظاركم

إبراهيم سنان
13-03-2007, 10:54 PM
هذه نسخة من بعض الردود للأستاذ التونسي والتي تفضل مشكورا بشرح الكثير عن القصة وكان من الجدير أن نقتنصها بطريقة نجعل الوصول إليها سريعا .

سيكون هذا الموضوع لإضافة أي درس جديد من التونسي أو أي عضو آخر يرى أن لديه ما يفيد ، وكل ما عليه هو كتابة الدرس في رد على هذا الموضوع
http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=108091

وسأقوم بنسخه إلى هنا وإضافته كمرجع للجميع .

تحياتي

بنان
23-07-2007, 12:33 PM
هذا بحث جميل جدا حول القصة القصيرة جدا ..

القصة القصيرة جدا: قراءة في التشكيل والرؤية

بقلم: أ. د. حسين علي محمد
*****************************

(القسم الأول) (1):ــــــــــــــــــــــــ
يقول الأديب والعالم الفيزيائي الدكتور أحمد زكي «ليس ألذ في أحاديث الناس من قصة، وليس أمتع فيما يقرأ الناس من قصة، والعقول قد تخمد من تعب، ويكاد يغلبها النوم، حتى إذا قلت قصة ذهب النوم، واستيقظت العقول، وأرهفت الآذان ...» (2).
وإذا كان «فن القصة القصيرة» ـ كما يرى جابر عصفور ـ فنا صعباً «لا يبرع فيه سوي الأكفاء من الكتاب القادرين علي اقتناص اللحظات العابرة قبل انزلاقها علي أسطح الذاكرة‏,‏ وتثبيتها للتأمل الذي يكشف عن كثافتها الشاعرية بقدر ما يكشف عن دلالاتها المشعة في أكثر من اتجاه» (3).
إذا كانت القصة القصيرة كذلك، فإن فن القصة القصيرة جداً أكثر صعوبة؛ لأنه مطلوب من القاص أن يُحقق ذلك في أقل عدد من الكلمات. وهو فن ظهر في السنوات الأخيرة، ينتمي إلى الفنون السردية، ويُحاول مبدعه من خلاله أن يقدم نصا سرديا مكتنزاً في عدد قليل من الكلمات لا يتجاوز مائة كلمة في غالبية الأحوال.
وهذا الفن ليس جنساً أدبيا جديدا مستقلا عن القصة والقصة القصيرة اللتين عرفهما الأدب.. كما أنه ليس تحديثاً لفن المقامات أو ألف ليلة وليلة بطريقة «حداثوية ومعصرنة جدا»(4)، كما يشير أحد الكتاب.
إننا نراه تطويراً لفن الخبر في تراثنا، وبخاصة تلك الأخبار التي كانت تجمع بين السخرية والمُفارقة، ومنها هذه الأخبار الأربعة التي وردت في كتاب «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي:
وقد وضعنا للخبر الأول عنوان [أحمقان، وثالثهما]، وهذا نصه:
حُكي أن أحمقيْنِ اصطحبا في طريق، فقال أحدهما للآخر: تعالَ نتمنَّ على الله، فإنَّ الطريقَ تُقطعُ بالحديث.
فقال أحدُهما: أنا أتمنّى قطائع غنم أنتفعُ بلبنِها ولحمها وصوفِها.
وقال الآخر: أنا أتمنّى قطائعَ ذئابٍ أرسلُها على غَنمِكَ حتى لا تتركَ منها شيئاً.
قال: ويحكَ! أهذا من حقِّ الصحبةِ وحُرمة العشرةِ؟!.
فتصايَحا، وتَخَاصَما، واشتدّت الخصومةُ بينهما حتى تماسكا بالأطواق، ثمَّ تراضَيَا أنَّ أولَ منْ يطلعُ عليهما يكونُ حكَماً بيْنهما، فطلع عليهما شيخٌ بحمارٍ عليهِ زقَّانِ منْ عسل، فحدّثاه بحديثِهما، فنزل بالزّقّين وفتحهما حتى سال العسل على التراب، وقال:
صَبَّ اللهُ دمي مثلَ هذا العسلِ إنْ لمْ تكونا أحمقين!» (5).
وأما الخبر الثاني فقد وضعنا له عنوان [مجنون بني عجل]، وهذا نصه:
حُكِي أن الحجاج خرج يوما متنزها، فلما فرغ من نزهته صرف عنه أصحابه وانفرد بنفسه، فإذا هو بشيخ من بني عجل، فقال له: من أين أيها الشيخ؟ قال: من هذه القرية. قال: كيف ترون عمالكم؟ قال: شر عمال؛ يظلمون الناس، ويستحلون أموالهم. قال: فكيف قولك في الحجاج؟ قال: ذاك، ما ولى العراق شر منه، قبحه الله، وقبح من استعمله! قال: أتعرف من أنا؟ قال: لا. قال: أنا الحجاج! قال: جُعلت فداك! أو تعرف من أنا؟ قال: لا. قال: فلان بن فلان، مجنون بني عجل، أصرع في كل يوم مرتين. قال: فضحك الحجاج منه، وأمر له بصِلة »(6).
وأما الخبر الثالث فقد وضعنا له عنوان [فجعله عذابي!]، وهذا نصه:
قال الأصمعي: رأيتُ بدويّةً من أحسنِ الناسِ وجهاً، ولها زوْجٌ قبيح، فقلتُ: يا هذه! أترضينَ أن تكوني تحتَ هذا؟ فقالتْ: يا هذا! لعلَّهُ أحسنَ إلى اللهِ فيما بينه وبيْنَ ربِّه، فجعلني ثوَابَه، وأسأتُ فيما بيني وبين ربِّي فجعله عذابي، أفلا أرضى يما رضي اللهُ به؟»(7).
والخبر الرابع وقد وضعنا له عنوان «مثل هذا!» يقول:
«قال الجاحظ: ما أخجلتْني إلاَ امرأة مرتْ بي إلى صائغ، فقالت له: اعملْ مثلَ هذا، فبقيتُ مبْهوتاً، ثم سألْتُ الصَّائغَ، فقالَ: أرادتْ هذه المرأةُ أنْ أعملَ صورةَ شيْطان، فقلتُ: لا أدري كيفَ أُصوِّرُهُ، فأتَتْ بكَ إليَّ لأصوِّرَهُ على صورتكَ»(8).
***
والقصة القصيرة جدا مع اعتمادها على عناصر القص من شخصيات وأحداث وزمان ومكان وحبكة ونهاية نراها تمتاز بقدرتها على التكثيف الدلالي، وإثارة التأويلات المختلفة، وعنصر المفارقة فيها يُحكٍم استراتيجية النص التي يبغي الكاتب أن يُبرزها بوعي، وتستطيع فاعلية القراءة لاحقاً أن تُشارك الكاتب في تفعيل النص وإثراء دلالاته، اعتماداً على تقاطع المقروء مع مخزون الذاكرة، وما يُثيره من غنى دلالي، في ضوء النص / الزمان / المكان / القارئ .
وقد ظهر هذا الفن بعد سقوط الإيديولوجيات الكبرى‏,‏ ليعبر عن الإنسان العادي (الذي كان يعبر عنه الخبر في التراث)، ويؤكد على القيم الإنسانية التي تنطوي عليها‏ الكتابة الصادقة,‏ التي تتشوق للعدل والحرية‏,‏ وتنحاز إلي المظلومين والهامشيين، وتحاول أن تغمس مدادها في جراح مجتمعها لتكشف عن الأدواء السياسية والاجتماعية التي تستشري، وتصور الهامشيين الذين آن لهم أن ينتصفوا في شعرية شفيفة، أو سخرية مُخادعة تستطيع أن تنجو بهما دائماً من القمع والمصادرة.
وليست القضية ـ كما ينبغي أن تكون ـ قضية تغيير حجم النص المقروء فحسب من الحجم الكبير إلى حجم أقل في القص «فالرغبة الملحة في التغيير لا بد أن يكون وراءها دوافع جوهرية نابعة من متغيرات الحياة التي نعيشها»(9).
ولا تؤدي النماذج المتفوقة من القصص القصيرة جدا ما تريده علي نحو مباشر‏,‏ وإنما تشف عنها بأدوات سردية مقتدرة‏,‏ وبراعة تؤكدها الخبرة والممارسة‏.‏ ولذلك فكتاب القصة القصيرة جدا الناجحون في الساحة هم من تمرسوا سابقاً على كتابة القصة الموباسانية أو القصة الجديدة، وأكثرهم سوءاً هم من دخلوا هذا الفن بلا تجربة سابقة في التعامل مع فنون السرد.
يقول أحد المبدعين المجيدين هذا اللون، وهو عدنان كنفاني:
«وفي سبيل الوصول إلى ذلك لا بد أن نقرر أن الصعوبة تكون مضاعفة، فالكاتب المبدع عليه أن يحمّل نصّه كل تلك الشروط.. "الفكرة، والحدث من خلال التقاط لحظة الومضة، والشخوص، والمكان، والزمان، والعقدة الدرامية، ثم تصاعدها للوصول بها إلى الحلّ.. ويقدح شرارة المفاجأة والإبهار والدهشة في مخيّلة المتلقّي، إضافة إلى الجمل الوصفية، والكلمات الرشيقة، واختيار المواضيع التي تهمّ المتلقّي…الخ ما هنالك من شروط إضافية محببة ومشوِّقة" كل ذلك في جمل قليلة، ومضغوطة لا تسمح باستئصال كلمة واحدة، وإلا تفكك النص..
هي قصّة قصيرة إذن، تنطبق على فنيّتها ذات الشروط التي تنطبق على أيّ قصة قصيرة عاديّة أخرى، وما جاءت كلمة "جدّاً" إلا زيادة في التعريف، وهذا ليس أمراً جديداً مبتدعاً، وليست ولادة لمسخ يدخل على الأدب، كما أنها ليس نتاج عولمة، ولا خصخصة، ولا مستوردة من أسواق الجات أو غيرها، كما جنح البعض في الاتهام.. »(10).
إن فن القصة القصيرة جدا يتطلب من كاتبه الصدق في الطرح، مع العمق حتى يغني نصه بإشراقات تضع الضوء على دلالات النص مباشرة، وترينا ما غرسه في الميدان الأدبي من رايات تخفق بقيم الحق والخير والجمال، ومن خلال إشاراته إلى الحرية و الدعوة للتضامن مع هم الإنسان و صراعه مع قيود زمنه ، وتصوير إحباطاته المتنوعة وهمومه الكثيرة، وأفراحه الصغيرة، من خلال نصوص ينبغي أن تزهو بفنيتها وقدرتها على التعبير السردي المكتمل الموجز.
إن أهمية القصة القصيرة جدا تكمن في أن نصوصها الجيدة تكشف عن تعدّد حقولها الدلالية، وتُساعد القارئ على إعادة إنتاج الرمز الذي ينهض به وعليه، أي فيما يتصل بحال الرسالة التي يُريد المبدع إيصالها إلى المتلقي (أو المتلقين) سواء أكانوا أفراداً، أم مجتمعات، ويُغني النص ـ في حالته هذه ـ عن نصوص سردية طويلة، وإن كان بالطبع لا يمثل إشباعاً فنيا كالقصة الطويلة أو الرواية، إنما حسبه أن يُمتعنا فنيا وجماليا ـ في لحظات ـ بالإضافة إلى المستوى المعرفي اليسير.
فقد يبتعد الإنسان قليلاً أو كثيراً عن النص السردي الطويل فهما لمراميه أو تذوقاً لجمالياته، لأنه يحتاج إلى ساعات طوال، قد لا يكون تركيزه أثناء القراءة على الدرجة نفسها من الانتباه والتيقظ من بداية النص إلى منتهاه، لكن قصر نص القصة القصيرة جدا، الذي يجعل القارئ يطالعه في دقيقة واحدة ـ أو بضع دقائق ـ إذا أعاد تأملها أو قراءتها، يُتيح لـه التعايش مع النص، وتذوقه تذوقاً أقرب إلى الاكتمال.
يقول غسان كنفاني:
«لنتفق أولاً [على] أن مصطلح القصة القصيرة جداً وما يندرج تحت هذا العنوان لا يعني أن "من طرحوه" يبتدعون لوناً أو منهجاً أو جنساًً أدبياً جديداً. ولو عدنا إلى كثير من النصوص القديمة بدءاً مما جاء في (القرآن الكريم)، وكتب السلف، ومواقف الظرفاء، والشعراء، وأصحاب الحاجات في بلاطات الأمراء، وما تمخّض عنها من حكايات لم تكن تتجاوز الجمل القليلة، ولعل كتاب "المستطرف في كل فن مستظرف" لمؤلّفه الأبشيهي خير مثال.. وكذلك بعض النصوص التي جاءت في كتب الخلف وأكثرهم من الكتّاب الكبار محلياً وعالمياً، لوجدنا عشرات من النصوص أمثلة تصلح لتكون قصصاً قصيرة جداً، سمعناها أو قرأناها، وقبلناها، لأنها ببساطة حملت إلينا متعة القصّة مستوفية الشروط الفنيّة، ووصلتنا سهلة ... دون أن يفرضها علينا أحد تحت عنوان "قصّة قصيرة جدّاً" وكأنه مصطلح يوحي بابتداع جنس أدبيّ جديد.. ولعل الكلمة الوحيدة المبتدعة، والتي أثارت جدلاً بدأ ولم ينته هي كلمة "جداً"(11).
وبعيداً عن التنظير للقصة القصيرة جدا، حيث يرفضها البعض، بينما بعض النقاد يميل إلى «هذا النوع الأدبي القادر على حمل الهموم المختلفة اجتماعيةً ووطنية وقومية وإنسانية»(12)، سنحاول أن نحدد بعض سمات هذا الفن المراوغ، موضوعيا وفنيا:
ــــــــــــ

بنان
23-07-2007, 12:40 PM
القسم الثاني)ـــــــ
من سمات القصة القصيرة جدا:
1-التكثيف:يعمد كتاب القصة القصيرة جدا إلى الجمل القصيرة المكثفة التي تصور عالماً رحباً تتسع دلالاته مع كل قراءة جديدة.
تقول فوزية الشدادي في قصة «خيانة»:
« بعد عودته من رحلته مكث طويلاً أمام الباب يحاول فتحه ... كان الباب قد كبر، وكبر ومازال المفتاح صغيراً !!!!!!!» (2).
إنها قصة تسرد عالماً من المشاعر المتناقضة التي يُحدثها الغياب المادي والمعنوي. وهي في قصتها التي تتصف بنوعٍ عال من التكثيف ترينا أن هذا الغياب مثَّل خيانة، ومن ثم فقد جوزي هذا الغائب عند عودته بعدم القدرة على التماس مع الآخرين.
وتقول هيام عبد الهادي صالح في قصة بعنوان «المساخيط»:
«قال زوجي إن الجبل يغضب حين نحفر لنكشف ستره، ونُخرج المساخيط الأثرية من جوفه. ولذلك فإنه وجد مسخوطة خوجاية ـ كركوبة في عمر أمه ولا العوزة للجبل ـ ستتزوجه وتُسافر به، ويعود حين تسأمه، ولديه ما يكفي لتجهيز أكبر بازار في البلدة»(3).
وهذه القصة قد قالت في سطور قلائل ما تريد قوله، فأوربا تنتج التماثيل الشمعية المُعاصرة التي بلا روح، بينما أنتجت الحضارة المصرية القديمة تماثيلها الباقية، ولذا فالزوج هنا ـ بعد أن ضن الجبل وبخل عن إعطاء مساخيطه / تماثيله، ليبيعها للسائحين ويتعيّش منها، قرر أن يذهب ويتزوج امرأة أوربية عجوزاً ـ بلا روح ـ وعندما سينتهي غرضها منه أو تموت ـ وهو ما لم تقله القاصة عنها؛ بينما أشارت إليه،فهي ـ أي الأوربية ـ «كركوبة» أي طاعنة في السن، وعندما ينتهي الغرض من الزواج فسيعود الرجلُ ويفتتح معرضاً لبيع الآثار، ولا ندري هل سيغضب الجبل ساعتها أم سيبارك هذا المعرَض؟
وفي قصة حورية البدري «للبيع» تستبطن تجربة صوفية، وتُريد أن تنقلنا إلى تجربة معيشة في كلمات قلائل:
«قال سهل التستري : سجدت 00 وعندما نهضت من السجود ؛ ظل قلبي ساجدا.
أحببت الحالة 00 وأحببت سهلا التستري في الله.
حاولت الوصول للحالة كثيرا 00 كانت النتيجة في كل مرّة مختلفة 00 شيء واحد كان يحدث دائما 00 كنت أجد فاكهة الصيف والشتاء في مطبخي دون أن أذهب إلى السوق 00 لا بيع ولا شراء 00 لا حاجة بي لذلك 00 فكل شي هنا ! 00 » (4).
إنها تتحدث عن نوع من المُجاهدة النفسية، قد نستصعبه معنويا، أو نرفضه موضوعيا أو عقديا، كعالم ينبتُّ عن الحياة أو العقيدة، لكنها استطاعت أن تنقله في عدد مكتنز من الألفاظ، وبه استطاعت أن ترينا أن «عالم القص الروائي يعد أقرب الأشكال الأدبية اللغوية لحركة الحياة، فهو عالم مصغر لعالمنا، وهو يقف موازياً له وقريباً منه. والفرق بين عالم القصة الخيالي وعالمنا التجريبي، أن الأول محدود ومركز وأكثر حبكة ونظاماً في حين أن عالمنا التجريبي عالم واسع وعريض وتختلط فيه الأمور اختلاطاً قد يصل إلى حد التهويش وغياب المنطق، وبعبارة أخرى فإن عالم القص عالم متخيل ومصنوع صنعة محكمة في مقابل عالمنا الواقعي الذي تسير فيه الأمور مشتتة، كما يحلو لها أن تسير» (5).
ومن هذه القصص قصة «المايسترو» لحورية البدري، التي تؤكِّد على الأمل والإرادة والمُقاومة في وجه الأمور المثبطة؛ فهاهو عصفور الكناريا المحبط، يقاوم، فيأتي نهار الفوز والنصر والإشراق: « عندما رف بعصاه(6) السحرية ـ كمايسترو ـ على بوابة الليل، مُشيراً إلى عصفور الكناريا المُحبط انتفض العصفور، تحرك بين سياج الليل الدامس. لم يتأكّد من اقتراب أنوار الفجر، لكنه شعر برغبة في التغريد، أقنعه المايسترو بأن التغريد قد يوحي لأنوار الفجر بالإشراق، تأتي لترى العصفور النائم طول الليل بين الثعابين ... أخذ يغرد، فتشجعت أنوار الفجر، وبدأت تنتشر حول ترنيماته العذبة، وأخذت الجبال تؤوب معه والطير، فظهر قرص الشمس وابتسم، وانسحبت الثعابين لتختفي في جحورها البعيدة» (7).
ومن هذه القصص المكثفة التي تتناول مصادرة حرية الإنسان، مما يسبب اختناقه قصة هيمى المفتي «اختناق»، وتتحدث عن رجل وضع السدود والقيود فسبب الاختناق لزوجته، ثم أراد تحسين الظروف فبقيت القيود هيَ هي، وظلت تشعر بالاختناق:
«شيد جدرانه حولها، فانحبس الهواء في المكان، وكادت تختنق ..‏ حرصاً على حياتها فتح نافذة اختار مكانها بعناية بحيث لا تطل سوى على فضائه الرحب الواسع ..‏ تنفست هواءه بعمق ..‏ من جديد شعرت بالاختناق.. »(8).
ومن هذه القصة قصة «سعاد حسني» لمجدي محمود جعفر، التي تتناول عالم الخواء العاطفي عند المرهقين حيث يتحول الوهم إلى حقيقة، ويُعايشه المُراهق كأنه واقع يلون رؤاه، ويُفسده عن رؤية حقائق الحياة، ويصرفه عن دروسه ومتطلبات دراسته:
«أقسم الولد قائلاً: إن سعاد حسنى عندما تظهر على الشاشة – تلهيني عن المذاكرة وتشغلني عن كل شيء في الدنيا، تأسرني بعينيها الجميلتين، وتجذبني بخفتها ورقتها، تنثر زخات ضوءٍ تبدد مساحة العتمة، وأظل أدور في مساحة جسمها الضئيل وملامحها الدقيقة.
غطت صورها حوائط غرفتي، وأغلفة كتبي وكراريسي المدرسية، وملأت فراغ قلبي، وشغلت تفكيري، تتسلل إلى غرفتي في الليل تداعب أصابع البيانو، تغمز لي بعينيها الجميلتين، تعزف وترقص وتغنى وتتشابك أيادينا وتتعانق عيوننا، وتمضى بدلالٍ وغنج، وفى الصباح أستيقظ وألعن نساء قريتنا البدينات وبناتها المسترجلات!!» (9).
لكن محاولة التكثيف لدى القاص قد تصيب الحدث في مقتل، فلا. ومنه هذه النص لجبير المليحان، بعنوان «رثاء ـ 11»:
« ظل صامتا ، وهي تضع في الحقيبة ما تبقى لها من حياة. التقت عيناهما، و قالتا كل السنين، وهي تغلق الباب. تَـلَفّتَ في جسد الصالة الخاوي، وأعناق الزوايا المتهدلة، و أكوام الذكريات اليابسة، و تشعب ألم البكاء في قلبه ...» (10).
هذه القصة ومضة، ومع تكثيفها أرى أنها لم تتم، فالقصة القصيرة جدا، لا بد لها من حدث مكتمل، يشير ولا يصرح. وأنا أرى أن هذا النص لم يكتمل، تنقصه ومضة .. إشارة .. جملة ما.. حتى يصير النص قصة قصيرة جيدة مكتملة، كقصص جبير المليحان الأخرى .. العجيب أن بعض المعلقين يكتبون (خواطرهم) التي فجّرها النص .. لا نقدهم، وأحياناً تُكمل ما لم يقله القصة. ومن هذه التعليقات تعليق للقارئة وفاء العمير، التي أشارت إلى: «الجانب الإنساني المتهدم الذي حاول القاص هنا أن يرسمه، ما تبقى من حياة الزوجة، تحمله في حقيبة وتغادر، العيون تلتقي بوجع مؤلم يحاول أن يكون لا مبالياً، سكون المكان، بكاؤه، وذهوله أمام اللحظات المتكسرة نزفاً وسقوطاً؛ الحياة التي ينفض كل من الزوج والزوجة تفاصيلها الصغيرة والحميمية عن أيامهما القادمة وكأن اللحظات الماضية لم تحتفِ بها. خرجت المرأة مغلقة خلفها باب العودة ، فوجد الزوج نفسه وحيداً، تماماً كما لم يكن ينتظر، لوت (هي) عنق الأمل ورحلت، فيما (هو) تكوم على كرامة ودّ ألا تخذله في تلك اللحظة، انتصرت كرامته وهجمت عليه هزيمة الحب! ... اختار القاص أن تكون اللغة مكثفة، واللحظات متسارعة ومشحونة بالألم، أحياناً لا تحتاج إلى مساحة كبيرة من الوصف لتضع يدك على الجرح، يكفي أن يصل إليك كومضة تقف طويلاً على نافذة إدراكك دون أن تغادر!» (11).






(القسم الثالث):ـــــــــ
2-الشعرية:ويتصل بالتكثيف ما تتمتع به كثير من القصص القصيرة جدا من الشعرية المجنحة، التي تضفي على عالم القص ـ من خلال التلاعب بالنظام اللغوي بين المعيارية والإيحائية ـ صورةً تحمل رؤية للإحباطات التي نواجهها في عالمنا، وتحمل العديد من الدلالات المباشرة المفتوحة على دلالات ـ نجدها بالتأمل ـ أكثر اتساعاً، وتكشف عن هموم الإنسان الذي يطمح إلى عالم أكثر متعةً وإنسانية بينما تتهدده الأخطار في كل لمحة، وعند كل ثنية من طريقه.
يقول جبير المليحان في قصة «سجّادة» :
«قلت لصديقي: لقد كبرت بهجتي وامتدت كربيع وأنا أدخل إلى البيت وأسمع السجادة العتيقة القديمة تئن!
تراءت لي دهشة عينيه كبريق لعلامة نصر!
قلت له : عن بكائها … نعم : هو بكاء وليس أنينا، ( لقد ألصقت أذني بها وسمعتها تهمي ببكاء خافت ، و بعيد ، مثل أنين المهزومين في مباراة الحياة … ) قال:
- فقط إنها سجادة تطؤها كل الأقدام : أقدام الكل ...
يا لألمي عندما قال :
- أنا لم أرها في يوم ترفع رأسا؟!
دويت في وجهه :
- إذن كيف أنّت ؟!»(1).
وهي قصة قصيرة جدا تكشف عن زيف واقعنا، وأننا تعودنا على رؤيته كما هو موجود ولا نراه كما ينبغي أن نراه؛ ولأن السجادة تعودت على أن ندوسها، تعوّدنا على رؤيتها هكذا، بينما الذي يرى استطاع أن يبصرها، ويسمعها وهي تهمي ببكاء خافت، و بعيد، مثل أنين المهزومين في مباراة الحياة … ، فهل يكون هذا بداية للوعي والثورة والتمرد.. وهل تعي شعوبنا هذه المقولة لهذه القصة التي تقول في كلمات ما لا تقوله الصحف في أنهرها السوداء المنسابة على أعيننا كالغشاوة، فلا تجعلنا نبصر ما يجب أن نبصره، وأن المهمشين الذين يُداسون في طرق الحياة يُمكن أن يثوروا ويتمردوا ذات يوم؟!!
وتتناول القصص القصيرة جدا عالم الإنسان الصغير الذي تكتنفه محاولات القهر والإغواء، لكنه عالم طبيعي نحس به ونشعر به ونرى مثله في حياتنا، لكن القصص تأخذه وتحاول إكسابه مسحة من الشعرية والترميز(2).
ومن النصوص التي تبرز فيها الشعرية نصوص فهد العتيق وجبير المليحان ومحمد المخزنجي، ومجدي جعفر ... وغيرهم. يقول فهد العتيق في نص يعبر عن الأمل في المستقبل بعنوان «ربما يأتون»:
«ربما يتركون بيتهم القديم ، ويأتون ، أخيراً .
يأتون إلى مدينتنا التي ستحتفل بأرواحهم المبتهجة وملامحهم الجميلة.
يأتون إلينا ..
يأخذون بيتاً جوار بيتنا ، فنسمع أصواتهم في الليل والنهار ..
ربما يتركون بيتهم، يحمّلون سيارتهم ويدخلون المدينة من كل أبوابها دفعة واحدة، ثم تتبعثر أقدامهم في تراب حارتنا ، وتنطق مهرة الغناء في أرواحنا .
ربما يأتون ، هم ودماؤهم ، وبعض أسرار الطريق .
ينظرون خلفهم إلى بيتهم القديم وآثار أعمارهم .. ثم .. يأتون إلينا ..
ربما ... »(3).
ومن القصص التي تبرز فيها الشعرية قصة «الأرض» لجبير المليحان، التي تتناول الحياة الإنسانية وإشكالاتها، من خلال نص موغل في البساطة:
أخذ الطفل الصلصال، وصنع منه كرة كبيرة، وضعها في منتصف ألعابه: تسلقتها الأسود، والنمور، والقطط، والأطفال، والفراشات، والسيارات، والطائرات … فاجأته أمه وهو يُعينها، ويُثبتها في أماكنها، مصدراً أصواتها الخاصة ..
- ما هذا ؟
- هذه الأرض !
وأشار إلى موقع بيتهم فيها: كان سريره هناك .
بعد قليل، عادت الأم على صراخه الحاد، شاهدته يرفع قبضته محتداً، ومنتحباً :
- لقد داس أخي الكبير الكرة وهو يمر من هنا !
كانت كرة الصلصال تلتصق بالأرض، والسكان يتناثرون»(4).
ومن هذه الشعرية الشفيفة قصة قصيرة جدا تتحدث عن زوجةٍ تعيش منفردة، لأن زوجها يعمل في الخليج، ويحاول الذئب أن يتودد للأولاد أولاً، ليجد مدخلاً بعد ذلك لقلب ـ أو قل لجسد ـ المرأة، وتعبر عما تُريد في فنية واقتدار، دون أن تلجأ إلى كلمةٍ نابيةٍ واحدة:
«في زيارته الأولى جاء لابني الصغير بطائرة بالريموت كنترول، تطير لتسلم على أبيه في بلاد البترول.
في زيارته الثانية جاء لابنتي بعصفورين في قفص ليطيرا ويُسلما على أبيها في بلاد البترول.
في زيارته الثالثة جاء لابني الكبير ببلوك نوت وقلم جميل، ليكتب ويُسلم على أبيه في بلاد البترول.
في زيارته الرابعة جاء لي بلفافة كبيرة مزركشة .. فتحتها تصاعدت الدماء لوجهي.
خرج حاملاً إياها مُضافاً لها رذاذ بصقة»(5).
ونقصد بالشعرية في النص السابق اللغة التي يوردها الروائي في نصه متجاوزاً بها حدود الزمان والمكان والشيء الموصوف نفسه. وقد رأينا في هذه القطعة التي يتقاطع فيها المكاني (مصر والخليج)/ مع الزماني (الزيارت المتكررة في أزمان مُتقاربة) لتصل الساردة إلى هدفها من القص، وه إبراز غواية الرجل للمرأة التي سافر زوجها وتركها وحيدةً للذئاب.
والشعرية تتدفق في القصة القصيرة جدا من انهمار لغوي «لا يستمد عذوبته من فصاحة الكلمات، ولا من صليل الإيقاع اللغوي الجهير، وإنما من موسيقى الحياة الأليفة، وهي تغمرك بضباب حلو من تفصيلات حية تتفتح عنها ذاكرتك وأنت تمتزج بها وأنت تقرأه فتحقق بينك وبينه درجة عالية من «التماهي» .. »(6) يُساعد عليه السارد عندما يعبر عنك وهو يصف موقفه وشخوصه بصدق بالغ».
وهذا ما يحاول مبدع القصة القصيرة جدا ـ أن يُقدمه من خلال مقدمات عادية، لتبني عليها رؤية مُفارقة ـ تُريدُ أن تقول كلاماً آخر ـ كما رأينا في القصة القصيرة جدا السابقة، وكما تقدمه هيام صالح في قصة قصيرة جدا بعنوان «بالألوان» هذا نصُّها:
«حين أدرتُ تلفاز أحلامي .. جاء العرض باللونين الأبيض والأسود .. ظللتُ أتململ.
فجأة اصطبغت الشاشة بلونٍ واحد .. الأسود فقط. كانت الأيدي تُكبِّلني لمقعدي حتى أستمر لنهاية العرض الحزين.
حين وجدت «الريموت» المفقود ضغطت الزر .. انسحب اللون الأسود من الحلم ببطء شديد، وبدت خطوط ملونة تتسلّل لتصبغ الشاشة، لكن على استحياء!» (7).
رغم اكتناز القصة وتكثيفها فعالمها ثري وخصب، مفرداته كثيرة الإشارات، ولغتها تحاول أن تكون شعرية حية؛ وإن أخذنا عليها استعمال الألفاظ الأجنبية، مثل «بلوت نوت» و«بازار» و«ريموت كنترول » ... وغيرها.


(القسم الرابع)
ــــــ
3-المُفارقة التصويرية:عرف النقد العربي القديم والبلاغة العربية القديمة لوناً من التصوير البديعي القائم على فكرة التضاد، وقد عولج تحت اسم «الطباق» في صورته البسيطة، و«المُقابلة» في صورته المركبة، أما «المُفارقة التصويرية» فهي «طريقة في الأداء الفني مختلفة تماماً عن الطباق والمقابلة، سواء من ناحية بنائها الفني، أو من ناحية وظيفتها الإيحائية، وذلك لأن «المفارقة التصويرية» تقوم على إبراز التناقض بين طرفين كان من الفروض أن يكونا متفقين، و«التناقض في المُفارقة التصويرية فكرة تقوم على استنكار الاختلاف والتفاوت بين أوضاع كان من شأنها أن تتفق وتتماثل»(1). والأديب المعاصر يستغل هذه العملية في تصوير بعض المواقف والقضايا التي يبرز فيها هذا التناقض، ليلفت نظرنا إلى شيء يريد إبرازه، أو فكرة يُريد توضيحها.
ومن هذه القصص التي تعتمد على المفارقة التصويرية قصة «سوء تشخيص!» لأحمد جاسم الحسين ، ونصها:
«أشارت التحليلات الأولية إلى احتمال أن تكون الكتلة الموجودة في بطنه سرطانية 000
لما أجريت العملية كانت المفاجأة عالية،إذ وجدوا مجموعة من الخطابات والشعارات والصور المنشورة في جريدة رسمية »(2).
وتقول هيام عبد الهادي صالح في قصة قصيرة جدا بعنوان «ورود»:
«على مكتبي مشمّع أنيق تسكنه الورود .. بعض الوريقات داكنة، والأخرى فاتحة اللون. أسدد إليها نظراتي فتتفتّح الوردات عن طفلات يرقصن في فساتين واسعة قصيرة، وشعورهن تنعقد بفيونكات في ذيول أحصنة، وأطفال يرقصون بوجوه مبتسمة وخصلات ناعمة تبدو من تحت الطواقي الجميلة. يتوقف رقص الورود الطفلات والطفلات فجأة حين يلمحون وردة ضخمة تنشق عن سلطان الحواديت بوجهه الجهم وكرشه الضخم خلفه حاشيته. يأتي يبتلع كل الحلوى .. كل الضحكات .. كل نغم الموسيقى. تنغلق بعض الوردات وتتوارى بعيداً .. بينما يقف بعضهم [الصواب: بعضها] في صف واحد ووجههم للجدار»(3).
فهذا النص القصير يحتوي على مفارقة بين عالمين: عالم الطفل (أو عالم البراءة المُرتجاة)، المتمثل في: الورود ـ الطفلات ـ الأطفال ـ الرقص ـ الطواقي الجميلة ... إلخ، وعالم القهر (أو عالم الواقع) الذي يُعاني منه الكبار (ويُعاني منه الأطفال أيضاً) ويتمثل في سلطان الحواديت الذي يقتحم عالم النص بوجهه الجهم وكرشه الضخم وخلفه حاشيته، والذي يبتلع كل الحلوى .. وكل الضحكات .. كل نغم الموسيقى.
ثم تستدعي الكاتبة في النهاية صورة العقاب الذي يُعاني منها الأطفال في مراحل الدراسة المبكرة ـ وهي أن يقف الطفل ووجهه إلى الجدار ـ في صورة ترسم التعاسة، ولكنها في الوقت نفسه ليست صورة كابوسية مفزعة، فهي تترك مجالاً للأمل والسعادة أن يجيئا مرة ثانية، في قولها «تنغلق بعض الوردات وتتوارى بعيداً .. بينما يقف بعضهم في صف واحد ووجههم للجدار».
فهي قد جعلت بعض الوردات تنغلق، وبعضها يقف ووجهه الجدار.
وتستخدم المفردات الحديثة لتعبر عن حالتها كامرأةٍ، ومثقفةٍ، وإنسانٍ من العالم الثالث يُواجَه بالمثبطات أكثر مما يُواجَه بما يدعو إلى الفرح، تقول في قصة «بالألوان»: «حين أدرتُ تلفاز أحلامي جاء العرض باللونين الأبيض والأسود .. ظللتُ أتململ. فجأة اصطبغت الشاشة بلون واحد: الأسود فقط! .. كانت الأيدي تكبلني لمقعدي لأستمر حتى نهاية العرض* الحزين»(4).
4- جمالية الزمان:
للزمن سطوته التي لا تُقاوم في نصوص القصة القصيرة جدا، وفي مقابل الرواية والقصة القصيرة اللتين تهتمان بجمالية المكان، فإن كاتب القصة القصيرة جدا يعتني بالزمان ويستخدمه لإبراز التغيرات في المكان والشخصيات؛ ويُمكننا أن نمثل لذلك بقصة ياسر علي «البوابة» معبراً عن لحظة خروج الأساتذة من مقار لجان التصحيح في الشهادات العامة (كالشهادتين الإعدادية والثانوية)، ويبدو أنه كتبها بعد أن أصبح هناك فصلان دراسيان في العام (في يناير، ويوليو). ونص هذه القصة:
ما أصعب يوم الحشر!
الساعة ركبها شيطان رجيم!
لا تُريد عقاربها الوقحة أن تقترب من الثانية والنصف!
الأجساد المتلاصقة اقتربت رائحتها من درجة العفونة.
عيون العشرات من الرجال المحترمين معلقة بالبوابة السمراء الضخمة التي تُشبه وحش الأساطير القديمة!
الشمس رغم حرارتها الرقيقة تلسع الرؤوس المكتظة بدرجات التصحيح.
المنظر من أعلى سيكون أروع سخرية!
خاصة في الطابق الرابع، حين يشب ابن الخامسة وقد هاله منظر الواقفين أمام البوابة!
أمه بجانبه، تمضغ متعتها بهؤلاء المعذبين .. وقد تركت شعرها لنسيم يناير يعبث به، ويداها تستقران على رأس الصغير!، ولسان حالها يقول: أرجو .. ألا تكون مثل هؤلاء!»(5).
الزمان يمثل كابوساً ضاغطاً على المصححين، واللحظات ثقيلة، تحول المكان إلى سجن.
وفي القصة ـ رغم اهتمامها بإبراز أثر الزمن في مطلع القصة ـ مفارقة تصويرية طرفها الأول هؤلاء المدرسون المأزومون الذين انتهت فترة تصحيحهم، ومع هذا فمازالت البوابة السوداء الضخمة مغلقة، وطرفها الثاني هذه الأم الشابة التي تقف بجوار طفلها الصغير، ابنِ الأعوامِ الخمسة، وترجو لـه حين يكبر ألا يُصبح مدرساً كهؤلاء المدرسين.
***
توقفنا عند أهم الملامح الفنية في بناء القصة القصيرة جدا، ومن استطلاع (100) مائة نص أثناء كتابة هذا البحث (ما بين مطبوعة في مجموعة، أو منشورة في الصحف أو على الإنترنت)، لاحظنا أن أكثر من ثلاثة أرباع هذه المجموعة تتناول الهموم السياسية والاجتماعية، ولهذا سنشير إلى بعض هذه الآفاق في وَجازة:
1- الطرح السياسي:
من الطبعي أن تطرح الكثير من نصوص القصص القصيرة جدا هموماً سياسية (وجدتُ أن حوالي 40 % من النصوص التي خضعت للدراسة تتناول أُفقاً سياسيا).
ومن هذه القصص قصة «فيلم أمريكي حار» لعدنان كنفاني، وهذا نصها:
« جاء مبحراً من شواطئ بعيدة..
كأنه فوجئ بكائنات بشرية ما زالت تعيش في الخيام، وتركب الحصان، وتلبس الجلود.
التقط (رشاشاً) من مجموعته المختارة. وحصد منهم بعدد الرصاصات..
عندما هبط الظلام، عاد هندي نجا من المجزرة يزحف على بطنه..
دخل إلى خيمته المحّتلة، وجد الرجل الأبيض ينام عارياً على فراشه..
استل سكينه بهدوء، وحّز رقبته، ثم سلخ فروة رأسه..
صرخ العالم المتحّضر:
ـ إرهابي.. » (6).
قد يجيء الطرح السياسي مباشراً كما في القصة السابقة، التي تتناول قضية الإرهاب كما يراها المحتلون العابثون بالأوطان الصغيرة، بينما ما تفعله هذه الأوطان المحتلة المستضعفة، هو مقاومة لإرهاب المحتلين، فالمحتل والمستعمِر هو «الإرهابي».
وقد يجيء الطرحُ السياسي من خلال لغة هامسة تُدين أحزاب التسلط، التي لا تقيم وزنا للإنسان واحتياجاته. ونجد هذا في قصة "انتظار امرأة" لزكريا تامر، حيث يُطلعنا على مأساة إنسان ولد دون رأس، فعاش سعيداً!!، ويتمنى هذا الشخص أن ينتج شعباً من السعداء بلا رؤوس!!
"ولد فارس المواز بغير رأس، فبكت أمه وشهق الطبيب مذعوراً، والتصق أبوه بالحائط خجلاً، وتشتت الممرضات في أروقة المستشفى.‏
ولم يمت فارس كما توقع الأطباء، وعاش حياة طويلة، لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم ولا يتذمر ولا يشتغل، فحسده كثيرون من الناس، وقالوا عليه إنه ربح أكثر مما خسر.‏
ولم يكف فارس المواز عن انتظار امرأة تولد بغير رأس حتى يتلاقيا وينتجا نوعاً جديداً من البشر آملاً ألا يطول انتظاره" (7).
وقد يتناول الطرحُ السياسي قضية آنيةً يتفق عليها الجميع، مثل قضية المقاومة في فلسطين المحتلة، وقد عبرت عن ذلك عشرات النماذج لعدنان كنفاني وطلعت سقيرق، لكننا نتوقف أمام نص لوائل وجدي بعنوان «طفل» هذا نصها:
« ـ تأخرت كثيراً يا وليد.
ـ كنتُ أرمي الصهاينة بحجر.
ـ أنت صغير.
ـ لقد وُلدتُ رجلاًً.
**
لمح جنود الجيش الصهيوني بالقرب من ساحة المسجد الأقصى. اختبأ وراء شجيرة، وأخرج من بنطاله النبلة .. تخيّر حجراً .. وجذب الإستيك ضارباً رأس أحدهم.
حاول أن يكتم ضحكته .. ترامى إلى أسماعهم صوته .. صوّبوا الرصاص تجاه تلك الشجيرة .. سقطت أوراقُها على بقايا جسده الصغير الممزق»(8).
وتُحاول القصص ذات الاتجاه السياسي أن تقدم رؤاها السياسية في همس، بعيداً عن الصخب والضجيج، الذي يميز المقالة ـ أو الخاطرة ـ السياسية، ومنها قصة جبير المليحان «النجمة»، وهذا نصها:
« في ليل بهيم، افترشا بساطهما، خلف السيارة، على شاطئ بحر الدمام، تقابلا .. مدّ يده ضاغطاً كفها الوديع: طارت عيناها في السماء حمامتين، بعيداً حيث تتلألأ نجمة بهية زرقاء عنيدة. أشار إلى النجمة و قال:
- .. مثل قلبي!
تدارك، و هي تخفظ بصرها:
- .. أنت نجمة .. نجمتي !
مرحا طويلاً - بعينيهما - و يديهما ، على الشاطئ . مدّ قدميه ليرتاح ، و مدّت قدميها .. وخلعت الحذاء .. حدّق في الحذاء : كانت تستقر في طرف لسانه الداخلي نجمة سداسية بلون الذهب . اسود وجهه كالليل ، رفع رأسه و صرخ في وجه الليل:
- من أين هذا ؟!
- من السوق من .. هنا !! ، وأشارت حيث تهجع الدمام .
- ولكن ..
لم يستطع أن يكمل: وضع بساطه في السيارة ، و عاد صارخاً : - و بكل قوته - رمى الحذاء إلى أقصى البحر ناحية الضفة الأخرى!
عادا إلى بيتهما بصمت ، و الدموع تتساقط في حجر المرأة كحمام ميت!» »(9).
إن وجود النجمة السداسية (رمز إسرائيل) أفسد على الزوجين لحظاتهما، كما أن في القصة إشارة إلى التسلل الإسرائيلي إلى المجتمع العربي والأسواق العربية.
وقد يكون الطرحُ السياسيُّ المُباشر في بعض القصص التي تكتب أثناء أزمة، يكون طرحاً ساخناً، يُقلل من العناصر الفنية للقص، ويجعلها قريبةً من المقالةِ القصيرةِ أو الخاطرةِ، ومن ذلك قصة «المسدس» لمنيرة الأزيمع، التي نشرتها عقب اقتحام الأمريكيين بغداد:
«إنه هنا في غرفة المعيشة .. وتحت الوسادة وفي درج الطاولة التي أقعد أمامها كل مساء….. وهو بين جلدي وملابسي .. جهة قلبي هنا. أتحسسه بجنون عندما أفتقده .. وحينما أجده، وأضع يدي عليه .. أشعر بأنه يحس بدفء يدي عندما تربت عليه .. يعرف كثيرا عن مدى حاجتي إليه .. ويعرف كم هو ضروري الآن . لكن لا أعرف كيف أستخدمه جيدا... ولم أتدرب على ذلك. ثم عندما تنتهي طلقاته.. من أين آتي بأخرى؟؟ وكم صندوقا سأحتاج ؟؟ وإلى من سأوجه فوهته فهم كثيرون ويظهرون كل يوم .. تتشقق عنهم الأرض . هاهم ألان يتقافزون في كل جهة من هنا .. في حين أن الناس هنا يتحدثون عن سلام بصناعة غربية. لا أستطيع الثقة بأحد أبدا سوى بمسدسي .بصوته فهو الحقيقة الوحيدة حتى الآن …»(10).
وقد يتخذ من الرمز (أو الإشارة لفكرة يراها أو رؤية يطرحها فنيا على القراء) أداةً لقصته، وهو ما فعله ثائر دوري في قصته «انتخابات بلدية» حيث يرى موات الحركة السياسية العربية، وينتقد القدرة المحدودة لأعضاء المجالس البلدية على الفعل أو التأثير في مجتمعاتهم، ومن ثم فهو يشبه دخول المرشحين هذه الانتخابات بالموت.
تقول القصة:
« فجأة لمحت صورته بطرف عيني ملصقة على الجدار. فتوقفت على الفور أمام الصورة و قرأت الاسم ( أبو سليم العيتاني الملقب بالكخ ). ضربت كفاً بكف، وقلت لرفيقي:
- لا حول و لا قوة إلا بالله. رحمة الله عليه. البارحة فقط شاهدته، لقد توفي الرجل. مات الكخ. يجب أن نذهب لنعزي أولاده به.
نظر صديقي نحوي بدهشة شديدة، و قال:
- هذه ليست ورقة نعوة. بل هذا ملصق انتخابي. الرجل لم يمت بل رشح نفسه إلى الانتخابات البلدية.
ضربت كفاً بكف من جديد و أنا أتمتم:
- لا حول و لا قوة إلا بالله.»(11).
ـــــــــــــــــ
***

بنان
23-07-2007, 12:41 PM
القسم الخامس والأخير):ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
2-الرؤية الاجتماعية:
وجدت (36 %) من النماذج التي درستُها في هذه العِينة من القصص القصيرة جدا ذات المنحى الاجتماعي)، وقد تناولت هذه القصص هموم المجتمع، في واقعية جديدة تشبه واقعية الجاحظ التي «لا تقف عند تلك التفصيلات الدقيقة، بل تستند إلى تحليل نفسي واجتماعي، وتصوير لبعض الأحاسيس والعواطف»(1). في جمل قصيرة وحادة تنقل لك الحدث أو تصور لك الشخصية في ضربات متتابعة.
في قصة "نهاية انتظار طال" لزكريا تامر يكشف القاص وجهاً بشعاً من أوجه الاستغلال، استغلالِ الأبناءِ لثروةِ الأبِ، حين يحكي لنا حكاية الأب الذي مات فاستولى أبناؤه على معطفه وقميصه وبنطاله وجواربه وثيابه الداخلية وحذائه، فاستحيا من عريه، وعندما سألهم بصوت متهدج عمن سيرث ديونه، تبادلوا النظرات المتعجبة، واتفقوا على أن ما سمعوه ليس سوى وهم، فالميت لا يستطيع التكلم بعد موته"(2).‏
وفي قصة «بلادة!!» لمنى العجمي تصور عدم التواصل بين الزوجين داخل بيت الزوجية في هذه القصة / اللوحة:
«أعلن صوت المفاتيح عن دخوله للبيتِ وكالعادة لم يجد من يستقبله فتوجه مباشرة إلى المائدة ليجدها جالسة في مكانها، وكأنها لم تتحرك منذ الصباح غير أن ألوان الطعام وشت بالجديد الذي حدث، تمتم ببعض الأسئلة ردت عليها باقتضاب أغراه بالصمت، بعد محاولات فاشلة لبث الروح في المكان توجه إلى سرير يجيد فوقه غسل الموتى"(3).‏.
وفي قصة «شموع الفراولة» لفوزية الشدادي تتناول الطلاق الذي ارتفعت وتيرته في الأعوام الأخيرة في البلاد العربية، من خلال لقاء مطلقة بطليقها، وتبادلهما المشاعر الإنسانية، وكأن المرأة تندم على هذا الطلاق الذي كان وليد لحظات غضب حمقاء. تتناول الساردةُ ذلك من خلال لحظة لقاء عابرة في صالة ألعاب، وتتذكّر أيامهما الجميلة معاً، وكلماتهما الرقيقة، وعالمهما الواحد قبل أن يحدث الطلاق:
«تيبست قدماي .. كان أمامي . مازال كما هو، وسيم بشاربه الخفيف، وغترته البيضاء الناصعة. كنا في صالة ألعاب مزدحمة، والصراخ والإضاءات تتوهج وتخبو .. كلها تذكرني بليلة زفافي به؛ لم تبرح عيناي ساحة عينيه توشوشني فأنا أجيد قراءتهما لم أكترث بطفله الذي يحمله، أو بزوجته التي خلفه، تقدمت أكثر: هل أسلم عليه وأسأله عن صوري المعلقة في حائط مكتبه ؟؟؟ ..لا. لن يكون هذا مناسباً له الآن .. هل عرفني وأنا متدثرة بهذا اللثام؟ إنه يبادلني الابتسامة!! كل ما أريده الآن أن أتأكد بأنه أمامي .. اقتربت، حشرت يدي بيده .. ضغطها بكل دفء ..عندها سالت دماء قلبي بغزارة، خرجت من أظافر قدمي .. كتبت له: هذا الدفء هو ما أريده منك، ولا أريد المزيد ..
ياه!!!
مازال يفكر بي بعد كل تلك السنوات من الطلاق ..كم أتمنى أن هذا الطفل كان مني .. ليتركنا الناس بهدوء .. هل أتجاهل الناس من حولنا وأفرش شعري على صدره كما كنت أفعل سابقا؟؟ .. جلس مع زوجته وطفله وكوب الشاي الحار بين يديه .. جلست في الكرسي القريب منه أريد سماع صوته .. أريد أن أملأ صدري بهواء عطره .. كان يسترق النظر لي بين كل رشفة و أخرى ..
ماذا سيضر هذا العالم لو سرقت منه لحظة حيث غرفتي وشموع الفراولة عندما تتقارب أنفاسنا ؟!! سيعيد عليّ إعلانه بأنني سيدة النساء، وطفلته !!!
ماذا سيضر البشر أن آخذ أنامله الصغيرة، و أمررها على شفتي حيث مازال الشوق يشعلها.
أطفئت الأنوار .. خرج الجميع وأنا مازلت أمام طاولته .. حملت كأسه الفارغة ، ولملمت رائحة عطره في صدري وعدت حيث بيت آخي »(4).‏
وفي قصة «المشنوق» لمحمد البشيِّر نرى تفاسير (اجتماعية) مختلفة لكاتب قصة وُجِد مشنوقاً، وإن كانت الحقيقة غير ذلك، لكن في هذا السرد تبرز مواقف المجتمع وأحكامها على الفرد، التي تجعله في النهاية متكيفاً اجتماعيا، فيعيش. أو غير قادر على التكيف الاجتماعي، فينتحر أو يموت اجتماعيا!
« وُجِدَ معلقاً بحبل في سقف غرفته المهملة، وجهه مزرق وأطراف أصابع يديه المتشبثة عبثاً تحاول ثنيه.
يقول جاره إنه انتحر هرباً من الدائنين فطالما خلعوا بابه طرقاً ولم يعودوا إلا بوعود، وأهل زوجته يحمدون الله أنه لم ينتحر إلا بعد أن طلق ابنتهم، فهو لم يفلح زوجاً ولا أباً، ولا يستحق هذين اللقبين؛ أحد المارة صرح بأنه كان منحرفاً – ستر الله عليه – وهذه نهاية مطاف المنحرفين، وشاب ظهرت عليه سمات الصلاح حذر من الإعراض عن ذكر الله، وسرد هذه القصة للعظة والعبرة، وفي مجلس العزاء صعد صوت (يتحسب) على من كان السبب، وآخر يثني خيراً ويتذكر ابتسامة الفقيد اللامعة مبددة ظلمة البؤس وطاردة لخفافيش معاناته المنفردة»(5).
وتكون الرؤية الاجتماعية ـ غالباً ـ من خلال أبطال فقراء ومحبطين ومأزومين، ولكنهم يحبون الحياة، ويحلمون، ويجدون وقتاً ليصنعوا سعادتهم الخاصة حتى يتوهّموا أنهم يعيشون ويحْيَوْن!
وهاهو بطل قصة «الحلم» لوائل وجدي رغم أنه مأزوم، فإن إيمانه يبسُط عليه ظلاً من الطمأنينة والهدوءِ النفسي:
«الشمسُ تغربُ باكية .. يقف حائراً .. البرودةُ تتسربُ في أوصاله .. يتدثَّر بالثرى، ويلتحفُ به .. عيناه مغرورقتان بالدمع، ويرنو إلى السماء، ويجأرُ بالدعاء. استند إلى حائط قريب. وضع يده تحت رأسه. الظلام يتلاشى رويداً رويـداً. ضياء يغشى الأبصار .. أريج عطر ينبعثُ في الأفق .. أشجار وارفة .. وجوه باسمة، مستبشرة»(6).
***
بقي أن نشير إلى بعض المزالق في طريق القصة القصيرة جدا: ومنها افتقاد الحدث المركزي، وانفلات اللحظة القصصية، حيثُ ينبغي أن تكون القصة القصيرة جدا متماسكة وثرية من حيث البناء والدلالة، وتُعطينا الإشباع الفني الذي نشعر به عقب قراءة لأي تجربة فنية صادقة في فنون القول (القصيدة، المسرحية، المقالة الأدبية ... وغيرها).
لكن من الملاحظ على بعض القصص القصيرة جدا أنها لا تُعطينا هذا الإشباع لأنها تفتقد الحدث أو الشخصية، وهما عماد القصة القصيرة جدا، فنجد القصة القصيرة تنهمر في ألفاظ تضعها على حافة المقالة الأدبية القصيرة أو الخاطرة ـ لا في قلب القص ـ ومنه هذا النص بعنوان «مداخلة» لفهد العتيق:
«لماذا تبدو صامتاً دائماً؟ ربما في أغلب الأحيان، أو أنني أراك هكذا.. رغم ما أتذكره من ضحكات وتراشق وأسئلة دارت بيننا طويلاً، عندما كنا نسهر في بيتكم الطيني الواطئ ذي(7) الغرف الصغيرة المظلمة .. هل تذكر؟ وكانت أمك ترتق لنا ثيابنا الممزقة .. كانت أوقاتا رائعة.
لكنك لا زلت تبدو لي صامتاً وحزيناً وممزقاً .. يا صديقي بعد لم نطرح أسئلتنا، أسئلتنا لازالت مشوهة .. أسئلتنا لازالت معلقة»(8).
إن النص ينفتح على التأويلات المختلفة من تمزيق الثياب إلى تمزيق الشخصية، لكنه يفتقر إلى الحدث المسبب في هذا التمزيق الذي يحث للقصة أثراً نبحث عنه، فلا نجده.
ولذلك فان الكتابة في مثل هذا النوع من القصص، تستوجب قدرا كبيرا من إتقان البناء، وعدم الوقوع في غواية الانهمار اللغوي ـ عكس التكثيف ـ وتستوجب المحافظة - كذلك - علي إبراز الدلالة التي يحدثها النص من خلال حدث محدد، وموجز، ومركز.
وفي كثير من نماذج هذا النوع، لا يستطيع القاص أن يحافظ على الإمساك باللحظة القصصية، أو السيطرة عليها، فنرى النص يجئ قريباً من النادرة أو النكتة منه إلى القصة القصيرة.
ومن ذلك نص لهيمى المفتي بعنوان «نسخ مكررة‏»، وهذا نصه:
«سار الابن على خطى أبيه، وسار الحفيد على خطى أبيه وجده، ثم اقتفى ابن الحفيد آثارهم، وتبعه ابنه، وحفيده وابن حفيده..‏
قطع أفراد العائلة طريقاً واحداً، زاروا الأماكن ذاتها، تعثروا بنفس المطبات، تجاوزوا عقبات متشابهة، ووصل -من عاش منهم -إلى نفس النهاية. وعلى الرغم من مرور زمن طويل، وتتابع عدد كبير من أجيال العائلة، لكنهم جميعاً لم يتركوا في الأرض سوى آثار أقدام رجل واحد..‏ »(9).
إنها تقترب من الحكمة البالغة، لا من فن القص.
ومن ذلك ـ أيضاً ـ نص بعنوان «بريق» لوائل وجدي:
« .. يجثو على الصخر، وترنو عيناه إلى زرقة البحر .. المدى البعيد .. بعيد، ويأخذ الموج بتلابيب فؤاده .. شيء ما يستبيه .. يعود إلى حضن جدته، وتحدثه محذرة من عروس البحر وعالمها .. يبتسم إليها، ويغفو» (10).
إنه نص قصير، وكان يمكن أن ينفتح لدلالات أخرى، لو أضاف عدة ألفاظ ، بينت لنا أن هذا المتحدث مع زوجته شاب، وبدلاً من الإغفاء، جعله ينتظر. إنها كانت ستعمل مفارقة جميلة طرفها الأول الجدة التي تحدث حفيها الشاب عن عروس البحر وتخيفه منها، والطرف الثاني: الشاب الذي ينتظر أن تكون خرافة جدته حقا، وتأتي عروس البحر.
إن الطول أو القصر في القصة القصيرة ليسا هما المشكلة، ولكن المشكلة هي : كيف يستطيع القاص أن يتعامل بقصر النفس هذا ـ أو طوله ـ مع مادته القصصية، ومع ذلك يظل مسيطرا علي الشخصية أو اللحظة القصصية، بحيث لا تفلت منه، أو تكون عبئاً على عمله السردي المكتنز، أو تجعله يخرج من إطار القص ليتماس مع أشكال أخرى كالحمة، أو النكتة، أو النادرة.
كما أن بعض نصوص القصص القصيرة جدا تفقد تكثيفها وترميزها، وتتحول إلى بوق دعاوي يريد منه الكاتب أن يُعبر عن فكرته التي يريدها، ونقدم لذلك نصين:
النص الأول لأحمد جاسم الحسين، بعنوان «انتحار حائط!»، وهذا نصه:
«أنا الموقع أدناه حائط بن طين أقرّ وأنا بكامل قواي النفسية أنني قررت الانتحار عامداً متعمداً 00إذا أردتم معرفة السبب الحقيقي لانتحاري فلا تكترثوا بأقوال المهندسين الذين سيتبارون في الحديث عن فساد المواد التي أنشئت منها 00 لكن عليكم فقط أن تفتحوا ذاكرتي:
- أتيت متأخراً عن اليوم المحدد لأن الضابط المسؤول عني منعني من المجيء آنئذ00
- حدث مثل هذا من قبل 00عادة تترك لي موعداً آخريناسبها000
لأرى ماذا تركت لي على الحائط000
بدأتُ بالتنقيب فوجدت مجموعة أوراق مبعثرة 000
(«حبيبي الغالي 000 لن أستطيع الحضور بعد الآن00 أبي سيزوجني من زميله بالعمل اليوم إن تمكنتَ من الحضور تعال 00سنذهب إلى المحكمة لنتزوج ؟)» (11).
إن الحائط هنا ينتحر مما عاناه من بني البشر!!، وهي موعظة بالغة جديرة بالتسجيل، لكن الكاتب لم يستطع أن يُمسك بعناصر الفن القصصي، فوقع في تسطيح لاحظناه في تبعثر الأحداث وعدم تآلفها لتصنع نصا محكماً ذا أثر محدد.
والنص الثاني لعبد الله مهدي بعنوان «سيد درويش»، وهو يدور حول التشرذم والانشغال بالهموم العامة عن هموم الوطن. ويقول فيه:
« كل يوم أعبر محطة التمثال ببنها للكلية .. لا أحد يهتم بالتمثال، شروخ واضحة بقاعدته، لا أحد يلتفت أو ينتبه ..
في يوم اثنين، محطة التمثال مكتظة برواد السوق، اندهش الجميع لنزول دم أسود وقيح من شروخ قاعدته .. الكل في حيرة، كيف ؟؟ تمثال ينزف دماً وقيحاً . . لم يستطع أحد الاقتراب إلا أنا، اندفعت مقترباً منه غاصت قدماي في الدم والقيح ..وصلت إليه، سمعته يئن بلحن فنان الشعب الخالد (سيد درويش)، (قوم يا مصري) .. طالبت الجميع أن يرددوا ورائي .. لم يترددوا في الاستجابة .. بدأت شروخه تلتئم ، وتوقف نزيف الدم والقيح» (12).
فهل مجرد الغناء بلحن فنان مصري سيجعل التمثال يلتئم وتكف جروحه عن النزيف؟!!
***
وبعد؛
ففي نهاية هذه المقاربة النقدية (فنيا وموضوعياً) لفن جديد، هو فن القصة القصيرة جدا نرى أنه نبتت من الخبر في تراثنا، وأنه يعتمد على اللغة المكتنزة التي تخلو من الحشو والثرثرة، وأنه في نماذجه الجيدة يؤكِّد قدرته على أن يكون عالماً مصغراً لحياتنا، وأن فضاءه يتنوع بين القرية والمدينة، وشخوصه تتنوع، وأنه يقدم نماذج مترعة بالجمال إذا كتبت نصوصه القصيرة بلغة قادرة على التعبير والإيحاء، وأن بعض نماذجه التي تُنشر الآن في سبيلها إلى الاكتمال، وإن كانت هناك كثير من نماذجه التي تُنشر في الصحف أو في مجموعات ـ للأسف ـ تبتعد عن فن القصة بقدر ما تقترب من فن الخاطرة، أو اللوحة القلمية!
والله من وراء القصد.


المصادر والمراجع
ــــــــــ
الأبشيهي (شهاب الدين محمد بن أحمد):
1-المستـطرف في كل فن مستظرف، تحقيق: د. مفيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت 1986م.
د. أحمد جاسم الحسين:
2-سوء تشخيص، موقع «القصة العربية» على الإنترنت، في 17/1/2003م.
3-انتحار حائط، موقع «القصة العربية»ـ على الإنترنت ـ في 1/9/2002م.
د. أحمد زكي:
4-في السماء، كتاب الهلال (العدد 603)، مارس 2001م.
د. أحمد عبد العال:
5-شواشي، ط1، أبو المجد للطباعة، القاهرة 2001م.
6-العجوز، ط1، أبو المجد للطباعة، القاهرة 2003م.
ثائر دوري:
7-انتخابات بلدية، موقع «القصة العربية» على الإنترنت، في 10/8/2003م
د. جابر عصفور:
8-"أوتار الماء" عمل يستحق التقدير، الأهرام ـ العدد 42470، في 17/3/2003م.
جبير المليحان:
9-الأرض، موقع «القصة العربية» على الإنترنت، في 7/7/2002م.
10-رثاء ـ 11، موقع «القصة العربية» على الإنترنت، في 3/5/2003م.
11-السجادة، موقع «القصة العربية» على الإنترنت، في 24/9/2002م.
12-النجمة، موقع «منتدى القصة العربية» على الإنترنت، في 10/10/2003م.
حورية البدري:
13-للبيع، موقع القصة العربية» على الإنترنت، في 20/3/2003م.
14-المايسترو، مجلة «المنتدى»، العدد (196)، نوفمبر 1999م.
خالد السروجي
15-وحشة، موقع «القصة العربية»، على الإنترنت، في 3/5/2004م.
د.خليل الموسى:
16-من مصطلـحات النقد الأدبي : "الشعريّة"، جريدة الأسبوع الأدبي ـ العدد 774 تاريخ 8/9/2001م.
زكريا تامر:
17-الحصرم، دار رياض الريس، بيروت 2000م.
سمير الفيل:
18-زهرة الورد الجوري، موقع القصة العربية» على الإنترنت، في 14/5/2004م
د. صلاح فضل:
19-أساليب السرد في الرواية العربية، سلسلة «كتابات نقدية»، العدد (36)، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 1995م.
عدنان كنفاني:
20-فيلم أمريكي حار، موقع «القصة العربية» على الإنترنت، في 31/8/2002م.
21-القصّة القصيرة "جدّاً" إشكالية في النصّ، أم جدليّة حول المصطلح.!، موقع «عدنان كنفاني» على الإنترنت.
فهد العتيق:
22-أظافر صغيرة وناعمة، ط1، النادي الأدبي الثقافي، جدة 1418هـ-1997م.
23-ربما يأتون، موقع القصة العربية 1/7/2002م.
فوزية الشدادي:
24-خيانة، موقع «القصة العربية» على الإنترنت، في 8/6/2002م.
25-شموع الفراولة، موقع «القصة العربية» على الإنترنت، في 8/6/2002م.
عبد الله مهدي:
26-سيد درويش، موقع «أصوات معاصرة» على الإنترنت، في 1/8/2002م.
د. علي عشري زايد:
27-عن بناء القصيدة العربية الحديثة، ط2، مكتبة دار العلوم، القاهرة 1979م.
مجدي جعفر:
28-أصداء رحلة شاب على مشارف الوصول، العدد (52)، سلسلة «أصوات مُعاصرة»، يناير 2000م.
29-سعاد حسني، موقع «أصوات معاصرة» على الإنترنت، في 1/8/2002م.
محمد البشيِّر
30-المشنوق، موقع «القصة العربية» على الإنترنت، في 16/11/2003م.
محمد المبارك:
31-فـن القصص في كتاب «البخلاء» للجاحظ، ط2، دار الفكر، دمشق 1384هـ - 1965م.
منيرة الأزيمع:
32-المسدس، موقع القصة العربية، في 20/4/2003م.
منى العجمي:
33-بلادة، موقع القصة العربية، في 21/4/2003م.
د. نبيلة إبراهيم:
34-مستــويات لعبة اللغة في القص الروائي، مجلة «إبداع»، س 2، ع 5، مايو 1984م.
نزيه الشوفي:
35-نظرة ما: القصة القصيـرة جـدا... والتنظير الفاقع جداً‏، دمشق ‏الأسبوعي‏، ثقافة ‏الثلاثاء 4 أيلول 2001م.
د. هيام عبد الهادي صالح:
36-وللجبل أغان أخرى، سلسلة «أصوات معاصرة»، العدد (69)، دار الإسلام للطباعة، المنصورة ـ مايو 2001م.
هيمى المفتي:
37-قصص قصيرة جدا، موقع «أصوات معاصرة » ـ على الإنترنت ـ في 1/2/2003م.
وائل وجدي:
38-الحنين، سلسـلة «أصوات معاصرة»، العدد (94)، دار الإسلام للطباعة، المنصورة 2002م.
39-دبيب الروح، مكتب النيل للطبع والنشر، القاهرة 1999م.
وفاء العمير:
40-تعليق على قصة جبير المليحان «رثاء ـ 11»، موقع «القصة العربية» على الإنترنت، في 4/5/2003م.
ياسر علي:
41-عندما يموت الحب، الهيئة العامة لقصور الثقافة، الزقازيق 2000م.
د. يوسف حطيني:
42-القصة القصيرة جـدا عند زكريا تامر، الأسبوع الأدبي، العدد (778)، في 6/10/2001م.
***
[انتهى البحث]

بنان
24-07-2007, 06:29 PM
بداية

فيما يرى البعض ان "القصة القصيرة جدا" جنس أدبي طارئ ليس له تاريخ أتى نتيجة للحركة الحداثية التي طالت معظم الاجناس الأدبية فما كانت القصة القصيرة جدا الا وليدة هذه الحركة،فما أتى هذا النوع من الادب الحداثي الا نتيجة قص وحذف وشطب في القصة وعناصرها وهيكلها وبنائها لتخرج لنا في النهاية أدبا جديدا بمسمى القصة القصيرة جدا.

..وبما ان هذا النوع من الأدب لم يشبع ذوقهم أو انهم يرون أن قضاياهم تحتاج الى مئات الصفحات,فبعضهم أخذ يصب جموح سخريته على القصة القصيرة جدا وآخرون يرون ان هذا النوع من الادب ما هو الا للمبتدئين الذين فقدوا الابداع في صنوف الأدب الأخرى كالشعر والرواية فتوجهوا اليه في محاولة للهروب من الفشل.. ولكن السؤال الذي يبادرني:هل يستطيع المبتدئ فعلا الابداع في فن القصة القصيرة جدا؟!



لكن يرى البعض الآخر ان القصة القصيرة جدا "ق.ق.ج" كما أطلق عليها أحمد جاسم الحسين لها جذورها التاريخية كأي أدب آخر...وما هذه التسمية الجديدة الا لفن قديم اسمه" الخبر" الذي يجمع السخرية والمفارقه وخير مثال على ذلك كتاب:
"المستطرف في كل فن مستظرف" للأبشيهي:



مجنون بني عجل


«قال الجاحظ: ما أخجلتْني إلاَ امرأة مرتْ بي إلى صائغ، فقالت له: اعملْ مثلَ هذا، فبقيتُ مبْهوتاً، ثم سألْتُ الصَّائغَ، فقالَ: أرادتْ هذه المرأةُ أنْ أعملَ صورةَ شيْطان، فقلتُ: لا أدري كيفَ أُصوِّرُهُ، فأتَتْ بكَ إليَّ لأصوِّرَهُ على صورتكَ»


مثل هذا!


حُكِي أن الحجاج خرج يوما متنزها، فلما فرغ من نزهته صرف عنه أصحابه وانفرد بنفسه، فإذا هو بشيخ من بني عجل، فقال له: من أين أيها الشيخ؟ قال: من هذه القرية. قال: كيف ترون عمالكم؟ قال: شر عمال؛ يظلمون الناس، ويستحلون أموالهم. قال: فكيف قولك في الحجاج؟ قال: ذاك، ما ولى العراق شر منه، قبحه الله، وقبح من استعمله! قال: أتعرف من أنا؟ قال: لا. قال: أنا الحجاج! قال: جُعلت فداك! أو تعرف من أنا؟ قال: لا. قال: فلان بن فلان، مجنون بني عجل، أصرع في كل يوم مرتين. قال: فضحك الحجاج منه، وأمر له بصِلة »

الذي أثار حفيظة النقاد على هذا الصنف من الأدب_ وبعضهم ما زال يرى فيه قضية معلقه_ في الآونة الأخيرة هو بروزه في هذه المرحلة وإقبال الكثير من الكتاب عليه بعضهم يعتبره أدبا سهل المنال فانجرف في تياره رغم جهله بالصعوبات والتحديات التي قد تواجهه .. والبعض الآخر بعد أن برع في صنف آخر من الأدب كالشعر أو القصة بدأ في الميل لكتابة القصة القصيرة جدا..وللتسارع العجيب الذي يشهده هذا العصر سواء بالتكنولوجيا أو الاتصالات واتساع دائرة الأدب والمعرفة _بشكل عام_ دور في ذلك حيث أدى الى صعوبة في تصنيف المادة الأدبية وإلى أي جنس تنتمي وكما لم تخلو القصة من ذلك لم يخلو الشعر أيضا خصوصا بعد ظهور الشعر النثري أوالشعر الحداثي...

ورغم أن" القصة القصيرة جدا"تحتاج الى إبداع في اختزال عناصر القصة والتي لا يمكن لأي كاتب قصصي أن يتجاوزها جميعا لكن الحذق هو من يعرف ماذا يستخدم من هذه العناصر ولديه ذائقه فنية بالاختصار اللغوي..فهذا النوع من الادب يحتاج الى التكثيف والاضمار والايحاء والتلميح والتضمين وكل هذا يحتاج الى تركيز عالي حيث لا يقبل بوجود جمله وأحيانا كلمة واحده ليس لها هدف او أن وجودها عبث في النص...ورغم أن هناك من أضفى على القصة القصيره جدا طابع شعري نثري أو فلسفي في ميلانه أكثر من كونه قصصي.. الا أن هناك من برع في هذا النوع من الأدب أمثال زكريا تامر,يوسف ادريس,أحمد جاسم الحسين،عدنان كنفاني وغيرهم..


سمات القصة القصيرة جدا:
التكثيف:يعمد كتاب القصة القصيرة جدا إلى الجمل القصيرة المكثفة التي تصور عالماً رحباً تتسع دلالاته مع كل قراءة جديدة


تحليل/آسيا ابراهيم


جلست متثاقلة مالئة الكرسي بجسدها السمين .... قرأت الملاحظة على
إحالة الطبيب :» أكدت الفحوصات والصور عدم وجود قلب وكل ما هنالك كيس مليء بالدماء«‏
وعندما انتهيت من سحب الدّم أخذت القلم لأضيف كلمة السّوداء إلى الملاحظة

الشعرية:التي تضفي على عالم القص ـ من خلال التلاعب بالنظام اللغوي بين المعيارية والإيحائية ـ صورةً تحمل رؤية للإحباطات التي نواجهها في عالمنا، وتحمل العديد من الدلالات المباشرة المفتوحة على دلالات ـ نجدها بالتأمل ـ أكثر اتساعاً، وتكشف عن هموم الإنسان الذي يطمح إلى عالم أكثر متعةً وإنسانية بينما تتهدده الأخطار في كل لمحة، وعند كل ثنية من طريقه.
ومن النصوص التي تبرز فيها الشعرية نصوص فهد العتيق وجبير المليحان ... وغيرهم. يقول فهد العتيق في نص يعبر عن الأمل في المستقبل بعنوان «ربما يأتون»:

«ربما يتركون بيتهم القديم ، ويأتون ، أخيراً .
يأتون إلى مدينتنا التي ستحتفل بأرواحهم المبتهجة وملامحهم الجميلة.
يأتون إلينا ..
يأخذون بيتاً جوار بيتنا ، فنسمع أصواتهم في الليل والنهار ..
ربما يتركون بيتهم، يحمّلون سيارتهم ويدخلون المدينة من كل أبوابها دفعة واحدة، ثم تتبعثر أقدامهم في تراب حارتنا ، وتنطق مهرة الغناء في أرواحنا .
ربما يأتون ، هم ودماؤهم ، وبعض أسرار الطريق .
ينظرون خلفهم إلى بيتهم القديم وآثار أعمارهم .. ثم .. يأتون إلينا ..
ربما ... »

"الألوان"/ هيام صالح
«حين أدرتُ تلفاز أحلامي .. جاء العرض باللونين الأبيض والأسود .. ظللتُ أتململ.
فجأة اصطبغت الشاشة بلونٍ واحد .. الأسود فقط. كانت الأيدي تُكبِّلني لمقعدي حتى أستمر لنهاية العرض الحزين.
حين وجدت «الريموت» المفقود ضغطت الزر .. انسحب اللون الأسود من الحلم ببطء شديد، وبدت خطوط ملونة تتسلّل لتصبغ الشاشة، لكن على استحياء!»

المفارقة التصويرية:«التناقض في المُفارقة التصويرية فكرة تقوم على استنكار الاختلاف والتفاوت بين أوضاع كان من شأنها أن تتفق وتتماثل»...مثال :

سرطان/أحمد جاسم الحسين
«أشارت التحليلات الأولية إلى احتمال أن تكون الكتلة الموجودة في بطنه سرطانية 000
لما أجريت العملية كانت المفاجأة عالية،إذ وجدوا مجموعة من الخطابات والشعارات والصور المنشورة في جريدة رسمية »
جمالية الزمان:كاتب القصة القصيرة جدا يعتني بالزمان ويستخدمه لإبراز التغيرات في المكان والشخصيات؛
مثال:

البوابة/ياسر علي
ما أصعب يوم الحشر!
الساعة ركبها شيطان رجيم!
لا تُريد عقاربها الوقحة أن تقترب من الثانية والنصف!
الأجساد المتلاصقة اقتربت رائحتها من درجة العفونة.
عيون العشرات من الرجال المحترمين معلقة بالبوابة السمراء الضخمة التي تُشبه وحش الأساطير القديمة!
الشمس رغم حرارتها الرقيقة تلسع الرؤوس المكتظة بدرجات التصحيح.
المنظر من أعلى سيكون أروع سخرية!
خاصة في الطابق الرابع، حين يشب ابن الخامسة وقد هاله منظر الواقفين أمام البوابة!
أمه بجانبه، تمضغ متعتها بهؤلاء المعذبين .. وقد تركت شعرها لنسيم يناير يعبث به، ويداها تستقران على رأس الصغير!، ولسان حالها يقول: أرجو .. ألا تكون مثل هؤلاء!


آفاق القصة القصيرة جدا:
أغلب القصص القصيرة جدا تتناول الهموم الاجتماعية واليساسية وهنا اشاره الى بعض هذه الآفاق بوجازة:
**الطرح السايسي:من الطبيعي أن تطرح الكثير من نصوص القصص القصيرة جدا هموماً سياسية
أمثله...


قبض على سارق الآس !/أحمد جاسم الحسين
بدأ عمله فور انصراف زائري القبور 000
راح يحمل الآس الذي وضعوه على قبور موتاهم ويوزعه في كل مكان : أبواب المدارس، والصحف، والإذاعة والتلفزيون والجامعة والساحات والمكتبات والأسواق 000
ما حيّر المحققين أنه لم ينكر ما قام به 000
بل كان يقول :إنني أتمنى أن أجلل كل شيء بالآس حتى البشر !
فيلم أمريكي حار/عدنان كنفاني
جاء مبحراً من شواطئ بعيدة..
كأنه فوجئ بكائنات بشرية ما زالت تعيش في الخيام، وتركب الحصان، وتلبس الجلود.
التقط (رشاشاً) من مجموعته المختارة. وحصد منهم بعدد الرصاصات..
عندما هبط الظلام، عاد هندي نجا من المجزرة يزحف على بطنه..
دخل إلى خيمته المحّتلة، وجد الرجل الأبيض ينام عارياً على فراشه..
استل سكينه بهدوء، وحّز رقبته، ثم سلخ فروة رأسه..
صرخ العالم المتحّضر:
- إرهابي..
بيان عسكري/عدنان كنفاني

حملته طائرة من أحدث طراز في مهمّة عاجلة، وطارت به آلاف الكيلومترات..
وصل إلى الهدف المرسوم..
حلّق وناور واستعرض مزايا سلاحه الخارق، ثم انقضّ وهو لا يزال يطحن بين أسنانه ضرس العلكة الذي حمله معه من هناك..
فريق من الأطفال.. لا يعرفون شيئاً عن فضائل التكنولوجيا.. رشقت الجسم الفولاذي الضخم بالحجارة..
عاجلهم الطّيار الحاذق بصاروخ ذكي، يعرف مساره وطريقه بدّقة مذهلة..
ويعرف كيف يختار أهدافه..
أنجز المهمة بنجاح.. وعاد إلى قاعدته البعيدة منتصراً..
"كان الطيّار المتّحضر بحالة الدفاع المشروع عن النفس. "
انتهى البيان.!
على ذمته!/أحمد جاسم الحسين
عن أحد المرشحين الذين لم ينجحوا في الانتخابات قال :
حين أدرك المرشح 0000 أنه لن يحصل على أصوات تنجحه عاد إلى منزله خائباً وقال لزوجته : لن أنجح إن لم أحصل على ألف صوت 00
قالت له: لعيونك000؟
حين عادت في الصباح تحمل معها ألف هوية ( رجالية ) أدلى حاملوها بأصواتهم مسبقاً 000نجح ؟
**الرؤيا الاجتماعية:الباحث في القصص القصيرة جدا يجد أنها تخاطب هموم المجتمع، في واقعية جديدة تشبه واقعية الجاحظ التي «لا تقف عند تلك التفصيلات الدقيقة، بل تستند إلى تحليل نفسي واجتماعي، وتصوير لبعض الأحاسيس والعواطف» في جمل قصيرة وحادة تنقل لك الحدث أو تصور لك الشخصية في ضربات متتابعة.


«بلادة!!»/منى العجمي

أعلن صوت المفاتيح عن دخوله للبيتِ وكالعادة لم يجد من يستقبله فتوجه مباشرة إلى المائدة ليجدها جالسة في مكانها، وكأنها لم تتحرك منذ الصباح غير أن ألوان الطعام وشت بالجديد الذي حدث، تمتم ببعض الأسئلة ردت عليها باقتضاب أغراه بالصمت، بعد محاولات فاشلة لبث الروح في المكان توجه إلى سرير يجيد فوقه غسل الموتى
المشنوق/ لمحمد البشير

وُجِدَ معلقاً بحبل في سقف غرفته المهملة، وجهه مزرق وأطراف أصابع يديه المتشبثة عبثاً تحاول ثنيه.
يقول جاره إنه انتحر هرباً من الدائنين فطالما خلعوا بابه طرقاً ولم يعودوا إلا بوعود، وأهل زوجته يحمدون الله أنه لم ينتحر إلا بعد أن طلق ابنتهم، فهو لم يفلح زوجاً ولا أباً، ولا يستحق هذين اللقبين؛ أحد المارة صرح بأنه كان منحرفاً – ستر الله عليه – وهذه نهاية مطاف المنحرفين، وشاب ظهرت عليه سمات الصلاح حذر من الإعراض عن ذكر الله، وسرد هذه القصة للعظة والعبرة، وفي مجلس العزاء صعد صوت (يتحسب) على من كان السبب، وآخر يثني خيراً ويتذكر ابتسامة الفقيد اللامعة مبددة ظلمة البؤس وطاردة لخفافيش معاناته المنفردة
اتهامات/أحمد الحسين
صرنا هامشيين في حياتك 000
هذا آخر ما سمعه من أولاده صباح اليوم000
لما أسعفوه في مساء اليوم نفسه وجد الأطباء عللاً كثيرة فيه000 واستغربوا متسائلين: أهذا مقطوع من شجرة ؟

وفاء/عدنان كنفاني
من أجلك احتملت كلَّ شيء.. كل شيء..
أحذيةَ الصغار، وسطوةَ الكبار..
وألف ليلة سوداء في أقبية الزمن المتّعفن..
من أجلك احتملت ما لا يحتمل.!
وحين صرت..
حين كدت أن تصير..
هجرتني..
يا ضيعة العمر..

محو الفقراء/زكريا تامر
"جاع المواطن سليمان القاسم، فأكل جرائد زاخرة بمقالات تمتدح نظام الحكم وتعدد محاسنه المتجلية في محو الفقر. ولما شبع، شكر الله رازق العباد، وآمن إيماناً عميقاً بما قالته الجرائد"

عقبات في طريق القصة القصيرة جدا:
بعض المزالق في طريق القصة القصيرة جدا:ومنها افتقاد الحدث المركزي، وانفلات اللحظة القصصية، حيثُ ينبغي أن تكون القصة القصيرة جدا متماسكة وثرية من حيث البناء والدلالة، وتُعطينا الإشباع الفني الذي نشعر به عقب قراءة لأي تجربة فنية صادقة في فنون القول (القصيدة، المسرحية، المقالة الأدبية ... وغيرها).
لكن من الملاحظ على بعض القصص القصيرة جدا أنها لا تُعطينا هذا الإشباع لأنها تفتقد الحدث أو الشخصية، وهما عماد القصة القصيرة جدا، فنجد القصة القصيرة تنهمر في ألفاظ تضعها على حافة المقالة الأدبية القصيرة أو الخاطرة ـ لا في قلب القص ـوهنا مثالا على ذلك:

مداخله/فهد العتيق
«لماذا تبدو صامتاً دائماً؟ ربما في أغلب الأحيان، أو أنني أراك هكذا.. رغم ما أتذكره من ضحكات وتراشق وأسئلة دارت بيننا طويلاً، عندما كنا نسهر في بيتكم الطيني الواطئ ذي الغرف الصغيرة المظلمة .. هل تذكر؟ وكانت أمك ترتق لنا ثيابنا الممزقة .. كانت أوقاتا رائعة.
لكنك لا زلت تبدو لي صامتاً وحزيناً وممزقاً .. يا صديقي بعد لم نطرح أسئلتنا، أسئلتنا لازالت مشوهة .. أسئلتنا لازالت معلقة»
إن النص ينفتح على التأويلات المختلفة من تمزيق الثياب إلى تمزيق الشخصية، لكنه يفتقر إلى الحدث المسبب في هذا التمزيق الذي يحث للقصة أثراً نبحث عنه، فلا نجده.
ولذلك فان الكتابة في مثل هذا النوع من القصص، تستوجب قدرا كبيرا من إتقان البناء، وعدم الوقوع في غواية الانهمار اللغوي ـ عكس التكثيف ـ وتستوجب المحافظة - كذلك - علي إبراز الدلالة التي يحدثها النص من خلال حدث محدد، وموجز، ومركز.
وفي كثير من نماذج هذا النوع، لا يستطيع القاص أن يحافظ على الإمساك باللحظة القصصية، أو السيطرة عليها، فنرى النص يجئ قريباً من النادرة أو النكتة منه إلى القصة القصيرة.
أخيراً:
لم تزل قضية القصة القصيرة جداً لم تحسم بعد وما زال هناك تقصير واضح في هذا المجال ولكن
سيبقى هذا المجال مفتوحا للقادرين على إثبات ابداعهم وترك نصوصهم بصمة لا يمكن غض الطرف عنها في فن القصة القصيرة جدا .."وإن كانت هناك كثير من نماذجه التي تُنشر في الصحف أو في مجموعات ـ للأسف ـ تبتعد عن فن القصة بقدر ما تقترب من فن الخاطرة، أو اللوحة القلمية!"

فاطمه.ن.
27-07-2007, 09:46 AM
أحيانا يطلق عليها الومضه..
أحيانا..القصة الصغيره
واحيانا اخرى الكبسوله القصصيه..
وكل ذلك اختزال لشىء اقل واقصر واكثف واعقد من (قصة قصيره)
لكنه لا ياتي في كل الاحيان بمواصفات تبرر وجوده..
ذلك ان الكثيرين ممن لا يدركون ان لهذا القص فنّيات اكثر تعقيدا، يستسهلون كتابة بضعة اسطر على انها قصه،ويدفعون بها للقارىء واضعين اياه في حالة ارباك عن ما هية ما سقط بين يديه بالضبط...هل هذه حكمة قرأها أحدهم خلف ورقة من تقويم الحائط، أم مثل شعبي كتبه بالفصحى، ام بيتين من قصيدة لشاعر مغمور.....الخ.

تقول ايزابيل الليندي: ان القصة القصيرة مثل السهم،لا تملك اطلاقه الا مرة واحده..لذلك يجب ان تحدد الهدف وتكون يدك قويه.
وهذا ينطبق على القصة القصيرة جدا على ما اعتقد..

مررت على مداخلة للناقد المغربي: رمصيص محمد ..حول قتل الأب والنص المغامر يتحدث فيها عن هذا الموضوع بالذات(القصة القصيرة جدا) ويتناول قراءات لبعض الكتاب المغاربه بهذا الخصوص..رأيت ان انقل المداخلة هنا لأهميتها...وسوف نتناقش طبعا في ما يشكل حول، او عناصرها..لنثرى النقاش حول ادب السرعه..

قراءة في تشكل القصة الومضة بالمغرب.* **محمد رمصيص.

إن تأطيرا تاريخيا لتطور أشكال القص يسعف على موقعة وموضعة القصة الومضة ضمن صيرورة تحولات كثيرة لحقت بنيتها وأساليبها وتيماتها..و يحديد الأرض التي تحركت ونمت عليها..فعندما نراجع ذاكرة الأجناس القصصية تحديدا يمتد بنا التفكير للمقامة ، فالمقالة القصصية، ثم القصة القصيرة، والقصة التجريبية، فالقصة الومضة..وهذا يعني أولا حداثة سن القصة الومضة. و ثانيا قلة تراكمها...هذا إذا تتبعنا خط تطورها الأفقي مع وجوب الإشارة لتنويعاتها العمودية حيث حملت تارة مسحة رمزية وتارة مسحة واقعية وأخرى عجائبية وما شابه.كتابة جديدة تراهن على لغة مكثفة ومشعة تلتقط المستجد والطارئ في المشاعر والسلوك والعلاقات البشرية، الشيء الذي يمنحها شرعية الانتساب لشجرة القص التجريبي..لكن هذا التأطير التاريخي يجعلنا نركن لاطمئنان زائف خاصة إذا تأملنا الأسئلة التالية ومنها:هل ظهور القصة الومضة جاء نتيجة احتياج محلي وشرط داخلي ؟أم أنها لا تعدو كونها نزعة ارادوية لتجديد الشكل تماشيا وأنماط الحكي بالغرب؟وهل حقا أن تكثيف وإيجاز القصة الومضة هو قوة بلاغية أو مجرد احتماء بالصمت عن قول ما يجب قوله؟ وهل التمرد الفني على النموذج وتحويل وفرة تقنيات القص القديم لنمط جديد يضفي بعض المشروعية على المبدع المغامر؟أم أن التعايش ممكن دون اللجوء للقتل الرمزي للماسبق؟وهل حقا أن الكتابة المضادة غايتها خرق التشابه والتماثل دون عنايتها بتقديم بديل مقنع قصصيا؟جملة من الأسئلة نطرحها للتأمل والتداول..لكن قبل ذلك أرى لزاما علي الوقوف عند تحديد المفهوم. 1-القصة الومضة: إن تحديد المفهوم بقدر ما يؤسس لفعل تواصلي دقيق وقوة إجرائية لصياغة الحمولة الدلالية للمصطلح بقدر ما يعكس تمثل مستعمله..وهنا يطرح علينا السؤال التالي:لماذا القصة الومضة وليس القصة القصيرة جدا؟ -أولا: توصيف القصة بكونها قصيرة جدا هو توصيف معياري وخارجي يستمد مشروعية من خارج النص.أقصد أن وصفها بالقصر المكثف نابع من مقارنتها مع القصة القصيرة. -ثانيا:تسميتها’’ بالقصيرة جدا ’’يسير عكس استراتيجية الحذف والتكثيف التي تتبناها القصة الومضة.فتسمية بهذا الطول’’القصة القصيرة جدا’’تبدو مفارقة وقصر الجنس الأدبي المراد وصفه. -.ثالثا:القصر المفرط وحده غير كاف لانتساب هذا الحكي أو ذاك للقصة الومضة لأنه ملمحا ووصفا للشكل الخارجي مع إهمال المحتوى.وبالتالي نرى من الأليق تسميتها بالقصة الومضة لأنها تركز في ذات الآن على المحتوى كما الشكل ..علما أن الايماض خاصية تحيل على الإشراق المكثف في الزمان والمكان. إن قصر هذا الجنس الأدبي ليس خاصية كمية بقدر ما هو خاصية جمالية.بمعنى أن اعتماده على التكثيف والحذف يجعله يترك وحدة الانطباع من جهة،ومن جهة ثانية يعوض قصره بامتدادات المعنى وتداعيات الدلالة من خلال جعل القارئ في قلب تشكيل دلالة النص وملأ بياضه وفراغه..لكن هذا يستدعي من القاص كذلك دقة انتقاء اللحظة القصصية واعتماد النهاية غير المتوقعة والمفاجئة..وبالتالي نهجه لكتابة مجازية تحيل ولا تصرح،ترمز ولا تقرر.نسق قصصي تجريبي يحرر المتلقي من سلطة النموذج لأنه يتخلص من الحدث إلى اللاحدث ويتخلى عن نمطية الشخصية ويخلخل زمن الحكي ..لكن هل يعني هذا أن القصة الومضة كفن سردي حديث يمثل مخرجا لأزمة الشكل المتصلب والنموذج القصصي الثابت؟وهل حقا أنها ليست جنسا لقيطا مادامت تمتلك جذور ومشروعية نظرية وإبداعية في القص العربي القديم..بحيث مافتئ النقد الأدبي القديم يردد مقولة ’’البلاغة في الإيجاز’’فضلا عن اعتبارها من طرف بعض النقاد المعاصرين تطويرا لفن الخبر ومواقف الضر فاء التي تجمع بين السخرية والمفارقة. وبأي معنى يمكننا الزعم أن القصة الومضة تؤسس لذائقة قصصية جديدة.هل لأنها تكثيف التكثيف؟أم لاعتمادها الرمز وجوبا لا اختيارا؟أم لركونها للغة شعرية تنهض على العلاقة المتوترة دلاليا بين المفردات؟أم لانزياح معنى مقولها المركز والذي لا يتأسس على دلالة غجرية وطيفية لا تلبث تغير محطتها مع كل قراءة جديدة؟إن اعتماد القصة الومضة لغة رشيقة يجعلها تحتكم للكلمة لا الجملة..والكلمة المشعة والشفافة تحديدا.ولهذا فهي تشبه قطعة الفسيفساء التي يمكننا |أن نرى من خلالها الزخرف كاملا .لكن شريطة امتلاك المتلقي القدر الكافي من الإدراك لجمالية الحذف والتكثيف فضلا عن مراس القاص في صوغ عوالم قصصية قادرة على الإيحاء والتلميح..صحيح أن الأصل في القص الحكائي هو الاستطراد والتوسع لكن القصة الومضة تبني رهانها الجمالي على أن الكتابة هي فن الحذف لا فن الإضافة. 2-بصدد بنية القصة الومضة: نشدد بداية على أن الشكل نفسه موقفا فنيا، رؤية ومضمونا جمالي يراهن على حساسية تلقي خاصة ونمط تفكير معين وليد زمن فني حديث..علما أن شكل القصة الومضة حكائيا يرمي بنا خارج البناء الأرسطي للدراما:أقصد: بداية قمة فسقوط.. لسبب بسيط جدا هو أن القصة الومضة بدون بدايات في الغالب فهي تركز على النهاية ومن ثمة تشبيهها بالرصاصة والتي ينحصر هدفها الأساس في إصابة الهدف بكل طاقاتها الانفجارية.لكن هل يعني هذا أن الحجم في الفن كلما تكثف وقصر صار صنو العمق والثراء بالضرورة؟وهل في مقدور الجزء أن يعبر عن الكل؟أقصد هل تتوفق القصة الومضة في جعل الجزء المقتطع من صيرورة الحياة ينوب عنها؟علما أن كل قاص له كله الخاص:أي تصوره للذات والعالم والعلاقة بينهما.لكن التحدي المطروح على كاتب القصة الومضة هو :كيف يجعلني أصدق وأستشعر هذا الكل من خلال جزئية المحكي سيما والقصة الومضة تخلصت من أشكال القص التقليدية كبنية القص المتسلسل والمتناوب وما شابه وباتت تراهن على بنية التضمين واللغة الإيمائية وصار فعل القص لديها فعلا لازما وغير معني بمتى ولماذا وقع ما وقع.ومن ثمة ركونها للغة متأهبة يقضة فياضة بالمعاني والإيحاءات القادرة على خلق تيارات من الإشعاعات الدلالية.وبالتالي احتكامها للكتابة الشذرية المؤسسة على التقطيع السردي للحمة الحكي إلى وحدات مستقلة..تخلخل العلائق المنطقية بين الأشياء والوقائع..لنخلص إلى الاستنتاج التالي:القصة الومضة ليست شكلا ولا مساحة لغوية بقدر ما هي تقنية سردية رهانها الترميز لا التصريح والإبراق لا التقرير سندها في ذالك لغة تلغرافية.وعلى هامش هذا التوصيف لا تنفك أسئلة جديدة تلاحقنا مثل:ما هي دلالة تغير بنية وحجم القص؟هل هو تغير يحيل رأسا على تغير في شكل الحياة؟أقصد أن إيقاع الوجود الراهن الموسوم بالسرعة فرض على الحكي التكثيف والقصر؟ أم أن الأمر اختيار جمالي أملته شروط أخرى؟وإذا كان الأمر كذلك فهل هذا يعني أن النص الأدبي مجرد ذيل للواقع ولا يرقى لمستوى تبادل التأثير والتأثر بين هذين المكونين؟ نترك هذه الأسئلة مفتوحة تماما كما هي نهايات القصة الومضة. 3-بصد د محتوى القصة الومضة: إذا سلما مبدئيا بالتفاعل الجدلي بين الشكل الفني والواقع المادي في إطار جدلية الأدب والواقع.فان الهزات العنيفة التي مست المجتمع وجدت صداها في مرايا القصة الومضة .ونقصد بذلك أولا انهيار الأنظمة الشمولية وتنامي التطرف وتشتت المجتمع إلى بنيات أكثر انغلاقا!في ذات الآن الذي فرض علينا الزمن الرقمي نزعة فردا نية قاتلة إذ كل بهاتفه الخلوي الخاص وحاسوبه الشخصي وما شابه..فهذه التحولات المتلاحقة دفعت بهموم الذات إلى واجهة الحكي موازاة وتراجع القضايا القومية!وإجمالا يمكننا رصد أهم موضوعات/تيمات القصة الومضة لدى الجيل الجديد من كتابها بالمغرب’’ 1’’في:القلق، الغربة،العجز،العنف، التطرف،القمع ،الجنس ،الفقر...تيمات تعييد استثمار المداخل الوجودية للأدب كالضجر والعزلة والموت.مع التركيز على باطن الذات وتمزقاتها مما يجعلهم يعوضون توظيف العين كجهاز لاقط بالذاكرة كعين باطنية..فقط يجب التشديد على أن تفاعل النص بالواقع لا ينبغي اختزاله في الانعكاس الآلي الفج بقدر ما هو تأثير وتأثر مركب. فالتحولات التي تلحق بالواقع تستقر بالوعي الجمالي للمبدع ولا تلبث تجد لها شكلا فنيا.كما أن واقعنا المأزوم جراء الهزائم الحضارية والعسكرية المتتالية وتخلفنا موازاة و تقدم الآخر لا تعكس بشكل تقريري في تجاويف القصة الومضة فضلا عن واقع التهميش والإقصاء الذي مس مرافق الحياة جعل من المبدع يعلق آماله على دمقرطة الشأن العام ويمكن أن نجد لهذا معادل جمالي في مرايا النص المومضة: تعدد الأصوات وتنويع ضمائر الحكي للقول بأننا جميعا معنيين بالتحول والتلقي وبناء المعنى..كما أن الفردانية والعزلة والاستلاب الذي فرضه الزمن الافتراضي علينا يعكس بشكل فني في الشخصية القصصية التي تبدو و كأنها بلا إرادة في مواجهة هذا السيل العارم من المعارف التي تبدو أحيانا عاجزة عن التخلص من التبعية واسترداد وضعها الإنساني.وأعود في نهاية هذه الورقة لأختمها بتساؤلات مربكة كما بدأتها: -ما حدود وطبيعة المتعة التواصلية التي تحققها هذه الكبسولة القصصية؟ -وهل يسعف حجمها المتناهي في الصغر على استيعاب القضايا الإشكالية الكبرى؟ -وهل تستطيع القصة الومضة خلق حساسية وذائقة تلقي جديدة بتعايشها مع باقي أشكال القص أم بالتمرد عليها؟ تلكم كانت جملة من الانشغالات النظرية والجمالية التي أردنا تأملنا جماعيا قصد البحث لها عن أجوبة والتي ستبقى بالضرورة نسبية..

نص المداخلة التي تقدم بها الباحث في الصالون الأدبي بالدار البيضاء: محور القصة القصيرة جدا بالمغرب14/4/2007 1-الجيل الجديد من كتاب القصة الومضة بالمغرب يقصد به سعيد منتسب جزيرة زرقاء/.عبد الله المتقي الكرسي الأزرق/لحسن برطال أبراج/حب على طريقة الكبار عز الدين الماعزي/ مصطفى لغتيري مظلة في قبر...

بنان
01-08-2007, 01:14 PM
مجموعة من القصص القصيرة جدا بقلم الكاتب السوري "عمران عزالدين أحمد"


الوصية

جدي أوصى أبي قبل وفاته ببندقيته، وأبي أوصاني بها قبل وفاته وأنا أوصيت ابني بها، ولكن الذئاب أجهزت على آخر خروف في قطيعنا دون أن يستعمل أحدنا تلك البندقية.

الوطن

سأل الطفل أمه: ماذا يعني الوطن..؟
ردت عليه أمه ساهمة وهي تهرش شعره: بيت أكبر من بيتنا...

أحلام صغيرة

تأملت ندى هطول المطر من نافذتها الصغيرة.. كان نسيم الهواء يداعب خصلات شعرها الجميل.. استدارت ندى وألقت نظرة للوراء.. كان والداها منشغلين بمتابعة التلفاز.. المذيع يتلو خبراً عاجلاً عن قصفٍ مركزٍ ما في مكانٍ ما وسقوط آلاف الضحايا والجرحى. في ذلك اليوم نامت ندى فحلمت بأمطارٍ غزيرةٍ تقصف آلاف الطائرات وتبعث الروح في آلاف الأموات

السيرة الذاتية للقمةٍ فارة..!

كانت المائدة حافلة بالكثير من أنواع الأطعمة, وكعادته أتى عليها كلها، باستثناء لقمة صغيرة فرت من إحدى صحونه اللماعة إلى الشارع. واستقرت في معدة شحاذٍ عجوزٍ كان يفترش رصيفاً قذراً من زاوية منسية في مكان مهجور.
ومنذ ذلك اليوم وجميع الفقراء يفترشون الأرصفة القذرة !
شكى صاحب المائدة العامرة اللقمة الفارة إلى أمير البلاد, فأصدر الأخير فرماناً يقضي بعودة اللقمة الضالة المذنبة إلى صاحبها. وبعد بحثٍ وتحقيقٍ طويلين أقر العجوز بذنبه، فانتزعوا اللقمة من أحشائه انتزاعاً وأنبوها تأنيباً عنيفاً.
ومنذ ذلك اليوم بنوا جداراً عازلاً بين الفقراء والأغنياء منعاً لفرار الفتات.!
عندما علمت اللقيمات الأخرى ما فعله الزبانية باللقمة المسكينة، أعلنوها ثورة عنيفة في بطون الأغنياء.
ومنذ ذلك اليوم وهم يتقيأون ويمرضون.

استئجار حمير

لإنهاء العمل بالسرعة القصوى قرر أحد الأثرياء أن يستأجر مائة حمار لنقل مواد بناء عمارته الجديدة، ولكن مالك الحمير طلب منه أجراً باهظاً. وبعد تفكير عميق عدل الثري عن فكرته الخائبة، وأستأجر خمسين عاملاً وبنصف تلك الأجرة!

صباح جديد

تناقل أهالي قريتنا صباح هذا اليوم خبراً مفاده : أن أرضاً كانت تقطنها الحشرات والديدان، قد اتخذت منها الحيوانات المفترسة وطناً لها..!

عدالة

في الوقت الذي تقيأ ما في أحشائه للمرة السابعة في هذا اليوم لأنه( دسّم ) سبع مرات، أصيب جاره بتشنج في أمعائه ، لأنه لم يأكل منذ سبعة أيام.\

حقيقة

قال الشتاء لبائع المطر : أسعارك الغالية دمرت الزرع .
بكى المطر رذاذاً خفيفاً بعد هذه الحقيقة ..!

حذاقة


عرف بين أصدقائه في المدرسة عندما كان صغيراً ” بالحذاقة ” ، فكان إذا تغيّب أحدهم عن المدرسة اختلق عذراً ، وأقنع المدير ، وإذا لم يكتب أحدهم الوظيفة أو يحفظ درسه تطوع بتمرير كذبة يذهل بها الأستاذ ، وإذا طالبته الإدارة بإحضار ولي أمره كان يحضر أول رجل يصادفه في الشارع بعد سنوات حين تم تعييني في تلك المدرسة بالذات فوجئت بذلك الصديق مديراً لتلك المدرسة.

لصوص يحتمون بالمخافر

اللص الذي اتخذ من سطح المخفر مخبئاً له .. عثر عليه أخيراً

.. وهو الآن مختبئ تحت السطح تماماً ، يجلس فوق كرسي وثير وأمامه طاولة كبيرة


نفاق

تبارى صفوة من الشعراء في بلاط حاكم البلاد للظفر بلقب (شاعر الحاكم ) ، حقق أحدهم نصراً ساحقاً ،وفي يومٍ ما طلب أحد العوام من الشاعر الفائز أن يكتب له شعراً في حبيبته فشكاه الأخير إلى الحاكم الذي أمر بالقبض عليه وزجه في السجن عقاباً له وأصدر أمراً يمنع تكرار ذلك .

ومنذ ذلك اليوم شاع أدب المديح فقط في تلك المملكة .



قضايا أدبية
في برنامجه التلفزيوني"قضايا أدبية"استضاف المعد شاعراً متميزاً ووجه له الأسئلة التالية:
_هل شاهدت ضحايا زلزال تسو نامي..؟
_نعم..
_هل تعتقد بأننا قادرون على تحطيم ترسانة العدو والنصر عليه..؟
_لا أدري ..!
_من هي الممثلة التي ترشحها لجائزة الأوسكار هذه السنة..؟
_.......!
_هل تتوقع أن تحتفظ البرازيل بلقبها لكأس العالم..؟
_.......!
_كيف تنظر إلى مستقبل الشعر..؟
_إن الشعر هو
_المعد مقاطعاً الشاعر منهياً برنامجه:
"شكراً لكم أعزاؤنا المشاهدون على حسن المتابعة، وقد لاحظتم إن أجوبة شاعرنا الكبير بدت مقتضبة جداً

فهذا حال الشعراء عندما تكون الأسئلة شعرية بحتة.!"

الطمووح
10-08-2007, 10:21 PM
لإثراء الموضوع حول القصة القصيرة .



فنّ القصة القصيرة وإشكالية البناء

بقلم: أ.د. خليل أبو ذياب


يعدّ فن القصة القصيرة من أحدث الفنون الأدبية الإبداعية حيث لا يجاوز ميلادها قرنا ونصف قرن من الزمان، حتى ان الدارسين والنقاد يعتبرونه مولود هذا القرن(1)؛ بل أن مصطلح "القصة القصيرة" لم يتحدد كمفهوم أدبى إلا عام 1933 فى قاموس أكسفورد.

وقد كان من أبرز المبدعين لهذا الفن الحادث "ادجار ألان بو الأمريكى" و "جودى موباسان الفرنسى" و "جوجول الروسى" الذى يعدّه النقاد أبا القصة الحديثة بكل تقنياتها ومظاهرها وفيه يقول مكسيم جوركى: "لقد خرجنا من تحت معطف جوجول"(2).

ومن هنا فالقصة القصيرة بتقنياتها الحديثة وأسسها الجمالية وخصائصها الإبداعية المميزة وسماتها الفنية لم يكن لها فى مطلع القرن العشرين شأن يذكر على الإطلاق(3).

وقد كان وراء انتشار هذا الفن الجديد وشيوعه عالميا وعربيا طائفة من الدوافع والعوامل من أبرزها " انتشار التعليم وانتشار الديموقراطية وتحرير عبيد الأرض من سلطان الإقطاع وثورة الطبقة الوسطى وطبقة الـعمال والفلاحين، كذلك بروز دور المرأة فى المجتمع واسهامها فى مجالات الحياة والميادين الاجتماعية والسياسية والفكرية والفنية، وما شهد العصر من تـطور علمى وفكرى وحضارى وصناعى كما لعبت الصحافة دورا مهما فى رواج هذا الفن ونشره، كما لا يخفى دور المطبعة وانتشار الطباعة فى ازدهارها..ونتيجة لكل ذلك "أصبحت القصة القصيرة من مـستلزمات العصر الحديث لا يضيق بها، بل يتطلب رواجها بانتشارها وكثرة المشتغلين بتأليفها لأنها تناسب قلقه وحياته المتعجلة وتعبر عن آلامه وآماله وتجاربه ولحظاته وتأملاته"(4).

وهكذا بدأ فن القصة القصيرة فى الظهور والانتشار فى الأقطار العربية على ما بينها من تفاوت ما بين خمسينات هذا القرن وستيناته نتيجة لمجموعة من العوامل الحضارية التى شهدتها المنطقة بعد التغير الجتماعى الواسع فى أنماط الوجود بها وتبدّل طبيعة الحياة الاجتماعية فيها عقب اكتشاف النفط خاصة وبعد دخول المطبعة وظهور الصحيفة وتغير طبيعة النظام التعليمى وظهور جمهور جديد من القراء ذى احتياجات ثقافية جديدة، وغير ذلك من العوامل التى ساهمت فى ميلاد القصة القصيرة فى المشرق العربى"(5) مما أشرنا إليه آنفا.

وقد كان للنقد موقف خاص متميز من القصة القصيرة ربما كان وراء تأخر انتشارها وشيوعها فى الحياة الأدبية، وهذا الموقف صنعه موقف الناس من القصة والقاصّ على حد سواء، حيث كانوا يعدون القصة عامة، والقصة القصيرة خاصة شيئا يتلهى به الإنسان فى أوقات الفراغ كما كانوا يعدونّ كاتب القصة متطفلاً على موائد الأدب لا يستحق اكثر من الإهـمال والاحتقار"(6) مما جعل كتّابها ينشرونها فى الصحف والمجلات تحت عنوان "فكاهات"، كما دفع هذا الموقف بعض القصّاص إلى عدم ذكر أسـمائهم على رواياتهم التى يبدعونها على نحو ما صنع "محمد حسين هيكل" فى رواية "زينب" عندما مهرها بـ "فلاح مصرى". وطبيعى أن يكون لمثل هذا الموقف من القصة والقصة القصيرة خاصة أثر بالغ فى انحسار تيارها وتأخر انتشارها فى الحياة الأدبية العربية لتحل المترجمات التى أخذت تشيع آنذاك محل المبدعات، حيث "كان أكثر ما يقدم لجمهور القراء منذ أواخر القرن الماضى حتى أواخر الثلث الأول من القرن الحاضر هو من قبيل الترجمة والاقتباس، حتى جمع أمين دار الكتب فى بيروت لها معجما أثبت فيه نحو عشرة آلاف قصة مترجمة من مختلف اللغات(7)؛ وهذا يؤكد أن ظهور الـقصة القصيرة وفن القصص عامة والمسرحيات أنما كان عن طريق معرفة الآداب الغربية فى أعقاب الاحتكاك الثقافى والفكرى والأدبى الذى حققته النهضة الحديثة التى اجتاحت العالم العربى فى هذا العصر الحديث.

وعلى الرغم من قصر عمر القصة القصيرة/ هذا اللون الأدبى المبدع فإن شهرتها وشدة اعتناء الأدباء والنقاد بها وحرصهم على إبداعها جعلها بصورة من الصور تزاحم وتنافس الشعر الذى يعدّ أهمّ الأنماط الأدبية الإبداعية على طول تاريخها الفسيح لتحقّق لها شعبية واسعة.

وتكمن أهمية القصة القصيرة فى أنها شكل أدبى فنى قادر على طرح أعقد الرؤى وأخصب القضايا والقراءات(8) ذاتية وغيرية ونفسية واجتماعية، وبصورة دقيقة واعية من خلال علاقة الحدث بالواقع وما ينجم عنه من صراع وما تمتاز به من تركيز وتكثيف فى استخدام الدلالات اللغوية المناسبة لطبيعة الحدث وأحوال الشخصية وخصائص القص وحركية الحوار والسرد ومظاهر الخيال والحقيقة وغير ذلك من القضايا التى تتوغل هذا الفن الأدبى المتميز.

ومما يلفت النظر فى ما تطالعنا به المطابع مما يطلق عليه مصطلح/ أسم القصة القصيرة أنه ليس من القصة القصيرة فى شئ فيما وراء محدودية الكلمات والصفحات؛ وكأن هذا المظهر هو أهم ما ينبغى أن يحافظ عليه الكتّاب ليعدّ نتاجهم من فن القصة القصيرة..

ومن غير شك فإن النقاد أسهموا فى تمييع مصطلح القصة القصيرة وانصهار تقنياتها الفنية بسبب عدم التزامهم بتلك المقاييس التى طرحناها وتسامحهم فى تقويم ذلك النتاج ويتغاضون عن مخالفاته الواسعة وتجاوزاته لتقنيات هذا الفن الأدبى وكأنهم يقومون إنتاجا واقعا مفروضا عليه مصطلح القصة القصيرة ولا يقومون القصة القصيرة عندهم من خلال التقنيات الفنية والـمعطيات الجمالية المرصودة لها فى إطار التعريف المناسب لها، وهذا هو سرّ الخلط والاضطراب الذى ساد هذا اللون الأدبى الممتع. وفى الحقيقة أن تـسرّع المبدعين لهذا الفن وغفلة نقادهم أو تسامحهم عن متابعة تـقصيرهم والتنبيه المستمر عليه هو الذى شوّه تقنيات القصة القصيرة وأحدث فيها كل ذلك الاختلاط والاضطراب وليس كما زعم بعضهم من أن "حداثتها جعلتها غير قادرة على خلق تقاليد أدبية خاصة بها"(9) وربما كان هذا الموقف وراء الأزمة التى تعانى منه القصة القصيرة، وفى الحق أن القصة القصيرة قادرة على تحقيق مكانة أدبية سامقة فى سلّم الأنماط الأدبية الإبداعية عندما يحرص مبدعوها، ومن ورائهم نقادها، على التزام الطرائق الفنية الصحيحة فى إبداعها غير خالطين لها بغيرها من ألوان الإبداع الأدبى، وهذه الطرائق أو الخصائص تقوم على مظهرين: مظهر القصّ وعناصره المتعددة: الحدث والشخصية والحبكة والحوار والسرد والعقدة والحل والزمان والمكان، ثم المظهر الانطباعى/ وحدة الانطباع الذى تحققه القصة القصيرة فى العادة لعدم تعدد الأحداث وتنوع الشخوص فيها ولتركيزها على أزمة واحدة.

ومن هنا نجدنا ملزمين بتحديد أهم المقومات الفنية والجمالية للقصة القصيرة التى ينبغى أن يلتزمها مبدعوها ونقادها على السواء لتتحدد لها هويتها المستقلة عن سائر الأنماط الأدبية المشابهة.

تعريف القصة القصيرة:

لعلنا لا نجاوز الحقيقة عندما نزعم أن عدم وجود تعريف محدد لمصطلح "القصة القصيرة" هو أهم الأسباب التى أوجدت الاختلاط بين القصة الـقصيرة وغيرها من الأنماط الأدبية مما يدفعنا إلى ضرورة تحديد مفهومها، أو تعريفها تعريفا محددا يجعلها فنّا أدبيا خاصا متميزا عن غيره من فنون الأدب وبرغم ما يلقانا من تعريفات النقاد والدارسين للقصة القصيرة فـإننا نود أن نختار منها ما يذهب الو أن القصة القصيرة المحكمة هى سلسلة مـن المشاهد الموصوفة تنشأ خلالها حالة مسبّبة تتطلّب شخصية حاسمة ذات صفة مسيطرة تحاول أن تحلّ نوعا من المشكلة من خلال بعض الأحداث التى تتعرض لبعض العوائق والتصعيدات/ العقدة، حتى تصل إلى نتيجة قرار تلك الشخصية النهائى فيما يعرف بلحظة التنوير أو الحل فى أسلوب يمتاز بالتركيز والتكثيف الدلالى دون أن يكون للبعد الكمّى فيها كبير شأن(10).

وواضح أن هذا التعريف يحدد الحدث الجزئى الذى تقوم عليه القصة القصيرة وما يتصل به من تطور وتنام تقوم به الشخصية الحاسمة وربما الوحيدْ فيها عبر إطار محدد من الزمان والمكان؛ وكلما كانت هذه العناصر محددة وضيقة كانت أدنى إلى حقيقة القصة القصيرة ومفهومها الفنى/ تقنياتها..وهكذا تتولد القصة القصيرة من رحم الحدث كما يتولد الحلم، ويتنامى كما تتنامى الشرنقة أو اللؤلؤة فى قلب المحارة..

بيد أن النقاد ومبدعى هذا الفن لم يحرصوا على التزام هاتيك الـخصائص الفنية مما جعلها تختلف اختلافا واسعا بغيرها من الأنواع الأدبية فضاعت معالمها وفقدت خصائصها الفنية واصيبت بدرجة كبيرة واسعة من التميّع والانصهار..فقد اختلطت القصة القصيرة بكثير من الأنماط الأدبية سواء منها ما يرتبط بها ببعض الوشائج المتمثلة فى خصائصها الأسلوبية وعناصرها الفنية، وما لا يرتبط بشئ من ذلك ألبتّة؛ فقد خلط بعض النقاد بين القصة القصيرة وبين الرواية القصيرة عندما نظروا إليها من زاوية الطول والحجم بعيدا عن التقنيات الفنية والخصائص المميزة متناسين أو ناسين أن قضية الطول والحجم فى القصة القصيرة ى ينبغى أن ينظر إليها إلاّ من خلال ما تقتضيه الأحداث والحبكة والشخصيات دون تحديد كمّىّ كما ذهب إليه كثير من النقاد.

وقد بلغ ذلك الخلط حدّا جعل بعض النقاد لا يولى قضية الحبكة فى القصة القصيرة أى اهتمام، حتى أنه لا يشترطها فيها. ومثل هذا الأمر يفضى إلـى تميع هذا الفن وعدم تحديد ضوابطه وقواعده وأصوله للفنية، كما يفضى بالتالى إلى إهماله وعدم العناية به، أو على الأقل التخلص من مصطلحه الفنى. ولعلنا لا نعدو الحقيقة إذا زعمنا أن انحطاط مستوى هذا الفن الممتع يرجع إلى عدم تحديد أبعاد مصطلحه الفنى تحديدا ينفى عنه التعدد والتنوع والتميع، ولو اتخذت القصة القصيرة لها مصطلحذا منهج محدد من حيث الشكل والبناء والحدث والشخصية وتطورها وأبعادها والحبكة والسرد والـحوار لحظيت باهتمام أكبر وتقدير أعظم، ولحققت من الإبداع والمكانة مـا تصبو إليه. ومن هنا ينبغى أن يحكم على القصة القصيرة وينظر إليها من هذه الزاوية، وبمقدار توافر هذه التقنيات الفنية بحيث ينفى عنها كل ما يخالفها من ألوان الإبداع الأدبى.

كذلك الاعتماد على تعريف "أرسطو" للقصة واشتراطه أن يكون لها بـداية ووسط ونهاية دون تحديد للحدث والشخصية والزمان والمكان أدى إلى اختلاطها بالرواية القصيرة والرواية الطويلة وغيرهما من فنون القصّ أو الحكى.

وقد وفق د/ أحمد يوسف عندما وصّف القصة القصيرة بأنها أقرب الفنون إلى الشعر لاعتمادها على تصوير لمحة دالّة فى الزمان والمكان، ومن شأن هذا التصوير التركيز فى البناء والتكثيف فى الدلالة، وهما سمتان جوهريتان فى العمل الشعرى؛ ومن هنا لا ننتظر من كاتب القصة القصيرة أن يقدم الشخصية بأبعادها المعروفة فى الفن الدرامى، بل ننتظر منه دائما أن يقدمها متفاعلة مع زمانها ومكانها، صانعة حدثا يحمل طابع الدلالة الشعرية، وهو طابع قابل لتعدد المستويات، ومن ثم التأويلات، وبالطبع لا تجسّد ذلك كله إلاّ من خلال لغة تعتمد الصورة وسلتها الأولى والأخيرة".

ومن هنا فكثيرا ما يغفل متعاطو فن القصة القصيرة عن أبرز مواصفاتها أو شروطها الفنية فيما يتعلق بالحدث والشخصية والحبكة والزمان والمكان، وهى أهم العناصر الرئيسة المكونة لفن القصّ عموما ويخيل للـكثيرين منهم أن شرط القصة القصيره/ الأقصوصة - الرئيس هو محدودية الحجم أو الطول محدودية الكلمات أو الأوراق مهما تعددت الأحداث وتنوعت الشخوص وتبدلت الأزمنة والأمكنة..

وبعبارة أخرى يمكن فى نظر هؤلاء أن تكون القصة القصيرة تلخيصا موجزا لأحـداث رواية طويلة أو حتى مسلسلة بالغة الطول مما تطلع به علينا أجهزة البث الفضائى فى هذه الأيام، ما دامت تسكب فى بضع أوراق وتصاغ من بضعة مئات من الكلمات، مما يدفعنا دفعا إلى أن ننبّه مرة أخرى إلى أن أبرز مـقومات القصة القصيرة الفنية أنها تتناول حدثا محدودا جدا، أو لمحة خاطفة ذات دلاله فكرية أو نفسية وقعت فى إطار محدود كذلك من الزمان والمكان يرصدها القاصّ رصدا تتطور فيه الأبعاد وتتمحور فى داخل الشخصية الحاسمة لتبلغ ما يعرف بالعقدة، ثم تأتى لحظة التنوير أو الحل لإشكالية الصراع أو تطور الحدث فيها. ومن هنا كان فن القصة القصيرة فى نظرنا من أشقّ الفنون الأدبية وأصعبها لما تتطلبه من مهارة واقتدار وسيطرة عـلى كافة الخيوط التى تشكلها. وقد لا يشركها فى هذه الصعوبة بشكل متميز غير القصيدة الشعرية.

ومن كل هذا بان من الضرورى فى بحث القصة القصيرة/ الأقصوصة وتقنياتها الفنية وجمالياتها تحديد مفهومات الأنماط الأدبية الإبداعية المرتبطة بواشجة قويه بفن القصة القصيرة فى محاولة جادة لتضييق شقة الخلاف وتقريب وجهات النظر المتباينة فيها.

أما أهم الفنون الأدبية المرتبطة بالقصة القصيرة/ الأقصوصة ارتباطا وثيقا فهى الحكاية والمقامة والخبر والرواية القصيرة والرواية الطويلة والمسرحية والملحمة. وهذه الأنماط يربط بينها الأشتراك العام فى البناء الحدثى والشخوصى والحبكة والحوار والسرد والعقدة والحل/ لحظة التنوير والزمان والمكان. وربما هذا الاشتراك الواسع والعميق بين هاتيك الألوان الأدبية الإبداعية هو سرّ التداخل الكبير فيما بينما وما ينجم عنه من اختلاط كان مدعاة لهذه التوطئة التفريقية التى تهدف إلى تحقيق الفصل أوفكّ الارتباط بينها على هذا النحو الآتى:

أما القصة القصيرة/ الأقصوصة فهما مصطلحان لنوع أدبى واحد ينبغى أن يقوم على أقل ما يمكن من الأحداث/ حدث واحد يتنامى عبر شخصيات محدودة أو شخصية واحدة حاسمة، وفى إطار محدود جداً من الزمان والمكان حتى يبلى الصراع ذروته عند تأزم الموقف وتعقيده لتأتى من ثمّ لحظة التنوير المناسبة معزولة عن المصادفة والافتعال دون اشتراط الحجم أو الطول الذى ينبغى أن يكون محدوداً بطبيعة الحال. ووفق هذا التحديد التعريفى يمكن أن تكون "المقامة" أقرب الأنماط الأدبية التى تعتمد على القصّ أو الـحكى إلى القصة القصيرة/ الأقصوصة لاعتمادها على حدث محدد مـتنام وشخصية واحدة حاسمة/ البطل أو الراوى، وحبكة دقيقة وزمان ومكان محددين، وأن خلت من التركيز والتكثيف لتبنّيها نمطا خاصا فى البناء يقوم على البديع والشعر وفقا لطبيعة البيئة والظروف التى ولدت فيها بكل معطياتها الثقافية والفنية المتميزة، بصرف النظر عن نمطيه الحدث والشخصية والحبكة المتكررة فيها تبعا للغايات المتعددة التى أنشئت من أجلها المقامات كما هو معروف(11).

أما الحكاية أو الحدّوتة فهى تختلف عن القصة القصيرة فى تعدد الأحداث وتنوع الشخوص وتبادين الأزمنة والأمكنة واتساعها اتساعا يخرجها عن إطار الأقصوصة وإن اتفقت معها فى تقنياتها الفنية المتعددة: الحبكة والسرد والحوار والعقدة والحل، دون أن تكون الخرافة والأسطورة عاملا رئيسا فى التفرقة بينهما. ولعل أهم ما يميز هذا النمط الأدبى الإبداعى أنه تسوده روح الشعب، وتشيع فيه أحلامه وآماله وطموحاته وآلامه وثقافاته، حتى يمكن أن يعدّ النمط الأدبى المعبر عن وجدان الشعب وروح الجماعة.

أما الخبر فهو ضرب أدبى يقوم على القص والسرد للأحداث المتعددة دون عـناية بتصوير الأبعاد الفنية والاجتماعية وغيرها للشخصيات الفاعلة أو المحركة لها، وذلك لأن العناية منصبة على تطور الأحد فى المقام الأول دون اهتمام فنّى كذلك بالزمان والمكان وتحديد مقوماتها الشخصية، على نحو ما نجد فى خبر "داحس والغبراء" و "البسوس" و "غزوات الرسول (ص) وغيرها، والتى اتخذت صبغة الخبر التاريخى/ الحدث التاريخى.

أما الرواية القصيرة فتقع فى منزله وسط بين منزلتى القصة القصيرة والرواية الطويلة من حيث محدودية الأحداث والشخوص والأزمنة والأمكنة بصورة أكبر من نظائرها فى الأقصوصة وأقل مما فى الرواية الطويلة؛ ولعلها بذلك الأختصار والتركيز تدنو كثيرا من الحكاية/ الحدوتة أو الأقصوصة/ الفانتازيا..

وهنا نصل إلى الرواية الطويلة التى تقوم أساسا على تعدد الفصول والأحداث والشخوص والأزمنة والأمكنة التى تتضافر جميعها لتحقيق غايات فنية ومضامين اجتماعية وفكرية خاصة سعى إليها القاصّ أو الروائى بعناية بالغة. وقد شهدت الرواية الطويلة تطورا فنيّا واسعا زواكب تطور أجهزة البثّ المرئى خاصة عبر المسلسلات المحدودة وغير المحدودة أو المفتوحة (لـيالى الحلمية، مسلسلات شعوب أمريكا الوسطى واللاتينية وغيرها..) وهى روايات مفتوحة بلا نهاية، ولكنها قابلة للتحول إلى روايات طويلة محدودة واضحة النهاية.

والمسرحية تشرك الرواية الطويلة فى أهم خصائصها الفنية فيما عدا الحوار الذى تقوم عليه المسرحية أساسا..أما الملحمة فهى إطار فنّى قصصى يستغل لسرد أحداث متعددة وشخوص متنوعة فى أطر متنوعة وفسيحة من الزمان والمكان، ويتدخل فيها الخيال وتشيع فيها الخرافة والأسطوره، وتقوم على الشعر عند الأمم الأخرى كما فى "الياذة" و "أوديسة" هوميروس الأغريقى و "انياد" فرجيل الرومانى اللاتينى، و "مهابهاراتا" و "رامايانا" الهنود و "شاهنامة" الفردوسى الفارسى، و "كوميديا" دانتى الإيطالى و "الفردوس الـضائعة" لملتون الأنجليزى وغيرها، فى حين يقوم النوع الذى عرفه العرب منها على المزاوجة بين الشعر والنثر أو على النثر وحده كما فى ملاحم "عنترة" و "الزير سالم" و "سيف بن ذى يزن" و "حمزة البهلوان" و "الأميرة ذات الهمة" و "الظاهر بيبرس" و "تغريبة بنى هلال" وغيرها، على ما بين الملحمة العربية والملحمة الأممية من اختلاف واسع غير محدود فى التقنيات الفنية والمضامين الفكرية كما هو معروف.

ومن كل هذا تتبين لنا الخصائص الفنية للقصة القصيرة التى تتميز بها عن سائر الأنمانط الأدبية الأبداعية المشابهة، وكلما دققنا وشددنا فى تحديد تلك الخصائص والسمات الفنية أمكننا التفريق بينها ونفى الأنماط الأدبية المتداخلة معها سواء منها ما يقوم على القص والحبكة والحدث والشخوص والزمان والمكان، وما لا يقوم على شئ من ذلك مثل "العجالة" والخاطرة" و "المقال" وغيرها مما لا ينبغى أن يعدّ منها ألبتّة؛ وإذا ما التزمنا، وألزمنا الآخرين بهذه المقاييس الفنية استطعنا أن نتبين أولا صعوبة هذا الفن الأدبى الإبداعى، وثانيا قلة نماذجه وندرة مبدعيه، وبذلك تظل السيطرة والشيوع للقصيدة الشعرية بكل إبداعياتها وتقنياتها وجمالياتها..

ولعل "المقال" كان من أبرز الفنون الأدبية التى اختلطت بالقصة القصيرة على ما بينهما من تباين واسع؛ وربما كان ذلك لمواكبته اياها فى النشأة، ولشيوع النزعة الاصلاحية فيهما وشدة اهتماتم الكتاب فى تلك المرحلة المبكرة بها فيهما/ المقال والقصة القصيرة، مما جعل كثيرا من مـقالات الكتّاب تتداخل مع القصة القصيرة وتتحول إليها تحولاّ أفسد مـفهومها وخصائصها الفنية المتميزة افسادا كبيرا، ونحن لا نستطيع أن نعفى الصحافة من مسؤولياتها ودورها البالغ الخطير فى هذا الاختلاط والتداخل. وقد أشار إلى هذه الظاهرة كثير من الباحثين فى القصة القصيرة خاصة، ولو مضينا نتقصّى أقوالهم وآراءهم فى هذا الصدد لطال بنا الأمر واتسع المجال مما يجعلنا نكتفى بإشارات سريعة إلى بعضها من مثل الرأى الـذى طرحه الناقد الحداثى السعودى "سعيد السريحى" وهو يبحث نشأة القصة الـقصيرة وتحولها من فن شفاهى إلى فن مكتوب مما أدى إلى تلبسها بأدبيات الكتابة وانفصالها عن أدبيات الفن الشفاهى؛ ولما كان "المقال" هو الفن الكتابى السائد والذى تمت المصادقة على مشروعيته فى تلك المرحلة، فقد كان طبيعيا أن تجئ البدايات القصصية امتدادا له"(12).

وعلى هذه الشاكلة تبينت لنا الأبعاد الفنية للقصة القصيرة/ الأقصوصة، ذلك الفن الأدبى الإبداعى الرائع الذى يجدر بمبدعيه، ومن ورائهم نقاده، أن يحرصوا عليها حرصا شديدا لينتجوا فنّا جديرا بالإعجاب والتقدير.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع

(1)، (2) النساج: تطور القصة القصيرة فى مصر ص 35 هامش 8،9/ مكتبة غريب 1990.

(3) نفسه 41.

(4) نفسه 40 - 41.

(5) صبرى حافظ: جدول الرؤى المتغايرة 341، الهيئة المصرية 1993.

(6) تطور القصة القصيرة 31 - 32.

(7) انيس المقدسى: الإتجاهات الأدبية 2/ 143.

(8) جدل الرؤى المتغايرة 123.

(9) نفسه 343.

(10) يمكن مراجعه كثير من الدراسات التى تناولت تقنيات القصة القصيرة من مثل: فن القصة القصيرة رشاد رشدى، القصة القصيرة: يوسف الشارونى، القصة القصيرة: الطاهر مكى، فن كتابة القصة: حسين القبانى، مجلة "فصول" العدد الخاص بالقصة القصيرة/1982….الخ

(11) راجع مثلا: المقامة: شوقى ضيف، أصول المقامات: إبراهيم السعافين، رأى فى المقامات: عبد الرحمن ياغى،….الخ.

(12) جدل الرؤى المتغايرة 343، وانظر: تطور القصة القصيرة 49….، الاتجاهات الفنية للقصة القصيرة فى المملكة 13.