PDA

View Full Version : عرض الختام



فايربيرد
13-04-2007, 05:46 PM
عَرْضُُ الختامْ


تلقَّفَهُ النهرُ تلطُمهُ صفحتُهْ
يغوصُ قليلاً ويصعدُ للسطحِ
يغرِفُ بعضَ الهواءْ
تراوِدُه سُبحةُ الذكرياتِ
تنخّلَ بعضَ الخيالاتِ منها
فيهفو إلى ابنتيهِ وزوجِهْ
يستجلبُ الدفءَ من نورِهنَّ
ليسقينَ نبعاً من الحُبِّ كالحُلمِ
كادَ يغيضْ
. . . .
تهاجرُ من روحِهِ القَسَمَاتُ
ويقفزُ في الماءِِ وجهٌ كريهٌ
لذاكَ العقيدْ
فيغتالُ فَجْراً تجلّى لعينِ الطريدْ
وقد قُلِبَ الوجهُ حينَ أطلا
بثلاجةِ القسمِ(1) حيثُ تدلّى
ورجلاهُ مربوطتانِ لأعلى
وقد غُلَّ بالعُنُق ثُقْلٌ يُشدُّ
فينقصمُ الظهرُ حين يُمَدُّ
ويهوي إلى الأرضِ
تقفزُ أحذيةُ الجندِ فوقَهْ
تهشِّمُ منهُ الضلوعْ
فيصرخُ يصرخُ لا من سميعْ
. . . .
يجاهدُ أن يثقلَ الجسمَ كيما يَحُطُّ
إلى القاعِ يجرعُ بعضَ المياهْ
يفكرّ في أمّهِ، زوجِهِ
وكيف هو الحالُ من دونهِ
وكيف لها أنْ تسيرَ الحياةْ؟
هُتافُ ابنتيه: أبي لا تغيبْ
يودُّ يجيبُ
فيصعدُ، يُفرِغُ ما قد تجرّعَ
يشهقُ
ينشِجُ في نوبةٍ من نحيبْ
تُردّدُ أنّاتِهِ الأشرعةْ
يعاينُ هذي الضفافَ وذاكَ المَحَلا
لقد زارها قبلُ كانتْ معهْ
عروسُهُ حينَ استقلاَ
بُعيدَ الزفافِ من الشطِّ
إحدى المراكبِ ليلا
وتَرْعِشُ أضواؤها الباهرةْ
فترقصُ طفلةْ
تصاحبُها ضرباتُ الأكفِّ
صفيرُ الشبابِ وإيقاعِ طبلَةْ
تميلُ وتقفزُ يقتادُُها الجمعُ،
يَجزَعُ حينَ يراها
على حافةِ الزورق المائلةْ
يرومُ الفِرارَ إلى الضِفَّةِ الماثلةْ
من الصَخَبِ والضجّةِ الهائلةْ
. . . .
هي الآنَ ملفوفةٌ بالضبابْ
وتخلو سوى من كلابٍ تطاردُ ظلاَّ
وأشجارُ نبقٍ دنا للقطافْ
يجاهدُ إذ يزمعُ الاقترابْ
ويفركُ عينيه يجلوهُما
ليشهدَ فوقَ المياهِ
خليطاً من المُهْمَلاتِ، الزجاجاتِ
والعُلبِ الفارغةْ
بألوانها الزاهياتِ
حطامٌ وأشلاءُ طيرٍ
حذاءٌ، بقايا ثيابٍ
تُرى حلَّ صاحبُها مثلُهُ
نزيلاً بإحدى المخافرْ؟
. . . .
تخورُ ذراعاهُ يُلقي برأسِهْ
إلى الخلفِ يستنهضُ الخاصِرةْ
يعوّمُ رجلاهُ
يرقدُ فوقَ المياهِ وعيناهُ
صوبَ السماءْ
طيورٌ تحلِّقُ يتبعُها والجَناحْ
يَرُوضُ الرياحَ
يبادلُ أفُقاً بأفقٍ قديمْ
ويهجرُ ذاكَ الزمانَ السقيمْ
. . . .
تبادرُهُ قَطَراتُ المطرْ
لتغسلَ أحزانَه الغائرةْ
(كما اعتادَ طفلاً)
وتفرشُ أنحاءَهُ بالورودِ
تُراهُ الخريفُ أحبُّ الفصولْ
يثيرُ لديه شجونَ الرحيلْ
يراودُ شهوته للكتابةِ
يحلُم بالقادمِ المستحيلِ
. . . .
يفكّرُ تنخَسُهُ ركبتاه
يفيقُ على ذلكَ الوجهِ
ترقدُ في كفَّه خُصيتاه
ليفرُكْهُما كيفَ شاءْ
فيصّاعدُ الألمُ المستطيرُ
يعلَّقُ أرجَلَه في الهواءِ
بمِرْوَحةِ السقفِ
ثمّ تدورُ، تدورُ
وينهالُ سيلٌ من اللكماتِ
وركلِ الحذاءْ
كعوبُ البنادقِ تسحقُ رأسَهْ
وتهوي على ركبتيهِ
فتنسحبُ الروحُ يسقطُ
تُحشى الجروحُ
بملحٍ يبولُ الجنودُ
عليهِ فيشتعلُ الجُرحُ
تغلي دماهُ، يسيلُ الصديدْ
يخورُ كثورٍ ذبيحْ
. . . .
يهتزّ عند التذكُّرِ
يهرُبُ للقاع لا من مفرْ
تعود المياهُ إلى جوفهِ
وبعضُ الحشائشِ
طميٌ يغطّي الخياشيمَ لا يتنفسُ
يغطَسْ
يلوحُ لهُ وجهُها في المياهِ
عراهُ الذبولْ
بعينينِ مُتعبتينِِ تقولْ:
أنا في انتظاركَ
(قد عاهدَ الأمَّ ألاّ يغيبَ ولا ينكسرْ)
ينيخُ فيمنحُها الارتواءْ
برغمِ المشيخِ، تجاهدُ من أجلهِ للبقاءْ
يئوبُ إلى حِجرِها في المغيبْ
تمسّدُ شعرَهْ
وتحزنُ إذ يعتريه المشيبْ
. . . .
فيصعدُ، يصعدُ، ينشُقُ بعضَ الهواءْ
يكادُ يعومُ إلى البرِّ
يضربُ في الماءِ كلتا يديهِ
فيدميه نزعُ الأظافرِ
يُعشيه دفنُ السجائرِ في مَحْجَريهِ
ويسمعُ صوتَ ارتطامٍ رهيفٍ
وبعضُ الرذَاذِ يدغدغُ وجهَهْ
فيلفتُ رأسَهْ
لتبرُقَ فِضَّةْ
ويمرُقُ جسمٌ صغيرٌ
إلى الماءِ، تعلوهُ بعضُ الدوائرِ
يقطَعُها الموجٌ حين يلوحُ
على البعدِ ماخِرْ
. . . .
يسرّحُ عينيه كي يستميلَ
مُحيّا الحبيبةِ حينَ يهِلُّ
تُطلُّ، يرِقُّ، تُخالطُ رُوحَهْ
فيبكي ويختلطُ الدمعُ بالماءِ
يغمضُ عينيهِ يعصِرْهُما
ليحضِنَ صورتَها الهائمةْ
ويبلعُ ريقَه
يحسُّ الملوحةَ تدمي فمَهْ
مكانَ القروحِ التي خلّفتها
دوائرُ سلكٍ أحاطَ اللسانَ
وبالأنفِ، أُدْخِلَ أسفلَ بطنِهْ
لتصطكَ أسنانُهُ تتهشَّمُ
تُرْعِدُهُ هِزّةُ صاعقةْ
ومن خلفِه الثاقبُ الكهربي
يديرُ القضيبَ، يحطِّمُ آخرَ حِصنٍ لديهِ
فيصرخُ، يصرخُ، يصرخُ
. . . .
مازالَ هذا الصراخُ
يرنُّ صداهُ، يزلزلُ نفسَهْ
فيدفنُ رأسَهْ
يحيطُ بها قبضتيهِ ليثقلُ، يثقلُ
يغوصُ وقد أنهكتهُ الصورْ
تخورُ قواهُ، يعِبُّ من الماءِِ
حتى يَغَصُّ
ويشرِقُ حَلقومُهُ بالدماء
(كما دفعوا رأسَه ذاتَ يومٍ
بحوضٍ من البوْلِ حتى اختنقْ)
يفكِّرُ هل ما تزالُ الهوّيةُ
تسكنُ جيبَهْ
لكي يعرفوهُ ولا يتأخرُ زفُّ النبأْ
فينزلُ، ينزلُ، يدفعُ جسمَه
وتدهَمَهُ الظلمةُ الغامرة
وينسرِبُ الضوءُ من ناظريهِ
يشِفُُّ البياضُ رويداً رويداً
يلُفُّ المكانَ، فيَبْطُءُ نبضُهْ
وتجحَظُ عينيهِ
ينبثقُ الدمُ من أذنيهِ ومن مَنْخِرِيهِ
ويسكنُُ جَسَدُهْ
فينسابُ للقاعِ، تُرخَى اليدانْ
وتصعدُ للسطح فُقَّاعتان
مارس 2007


شعر: أسامة فرحات


إشارات:
(1) هكذا يسمون غرفة التعذيب بأقسام الشرطة في مصر

محمد مصطفى
14-04-2007, 12:40 AM
واقع مرير يعيشه 300 مليون مواطن عربي من ما يقارب 22 عربي !

تحياتي لك سيدي

فايربيرد
14-04-2007, 03:03 AM
أخي أيهذا النيزك الملتهب
لن يرتاح بال الجلادين طالما امتلكنا ذاكرة تجتر ما فعلوه بنا ولساناً يدينهم وقلباً يلعنهم وأخيراً سلاحاً يقطع رأس الحية
أحييك وأشد على يديك
ودمت بخير