PDA

View Full Version : ليل الغرباء .. غادة السمان



Ophelia
13-04-2007, 09:17 PM
غادة السمان

ليلُ الغرباء

دار الآداب - بيروت
الطبعة الأولى، حزيران 1966


الرسوم بريشة الفنان
فاروق البقيلي


الإهداء

إليك
يا من جعلتني أعي غربتي
لك، ولذكرى حكاية لم نعشها
غادة


هذا الكتاب.. مجموعة قصص ( فزاع طيور آخر.. المواء.. بقعة ضوء على مسرح.. ليلى والذئب .. يا دمشق.. أمسية باردة أخرى.. خيط الحى الحمر) يجمع أبطالها ليل الغربة ومعاناتها.. غربة المكان وغربة الزمان والغربة عن الآخر والغربة عن الذات..
أنقل لكم بعضها..




فزّاع طيور آخر

http://upthings.googlepages.com/ghada_cat.JPG


تمطر تمطر
تمطر برداً رمادياً وسأماً. تمطر منذ الصباح وعلى وتيرة واحدة.. على وتيرة واحدة..
تزرعني في قطار بطئ يخترق صحارى شاسعة ميتة , وركابه لا يعرف بعضهم بعضا , وكل منهم يتحدث لغة لا يعرفها الآخر، ولا أحد يدري إلى أين يمضي, أو من أين أتى..
تمطر ببلادة واستمرار..

والقطة لم تنقطع عن نواحها في الحديقة.. نواح خافت ملتاع .. أحسه نصلا حادا لسكين تنغرس ببطء واستمرار في بطني.لا أدري لماذا لا أجرؤ على التخلص منها,كما لا أدري لماذا قتلت أطفالها منذ أسابيع ..

( في الليل سمعت مواء فظيعاً.. كانت أول مرة أسمع قطتي المدللة تعول هكذا. تبعت الصوت. وجدتها في مرسمي، قرب النافذة، وعلى الوسادة خمس قطط صغيرة تتحرك، وتزقزق.. خمسة أطفال هكذا للقطة، ودفعة واحدة!...
لا أدري لماذا انتزعتها رغم أضافرها المنشبة في يدي، وفتحت النافذة، ورميت بالقطط الخمس منها، واحداً بعد الآخر.. كانت لا تزال تنوح، وكان في عينيها اتهام حاقد مخيف.. نظرة إنسانية كتلك التي قد تطل من عيني امرأة سحلوا أولادها أمام عينيها.. على جدران المرسم كانت عشرات اللوحات لعشرات الأطفال.. ووجوههم متشابهة كأنها وجه واحد لطفل لم يلد بعد، لكنني أعرف ملامحه جيداً.. حتى أجساد الرجال في لوحاتي كان لها وجه ذلك الطفل.. حتى أجساد الأزهار، حتى أجساد الأشياء كان لها وجه طفلي الذي لم يلد.. وأنا أغلق الباب على نواحها سمعت أن مئات الأطفال في لوحاتي يبكون بمرارة وشراسة)...

تمطر تمطر
تمطر أمسية جديدة كئيبة.. ليتها تنفجر رعدا ... تتمزق أحشاؤها برقاً، تهذي رياحها في شقوق النوافذ وتصفر، كي تخرس القطة , ويكف السأم عن السأم... أي شئ , أي شئ الا هذا الركود الميت الذي يصبغ أيامي في هذه الفيلا المخيفة.
وهو , رغم الصقيع مغروس على الشرفة منذ أكثر من ساعة بلا حراك....
وفزاع الطيور مغروس في آخر الحديقة بلا حراك أيضا..

( انه صامت دوما .....منذ زواجنا لم نتبادل الحديث الا نادرا.... تراه يتحدث إلى فزاعي الطيور وأشباح الحدائق) .. يخرج لفافة جديدة ( لماذا لا يقدم لفزاع الطيور سيجارة)
في أيام زواجنا الأولى كان ذلك الصمت البارد يتعسني .. يرمي بي في حديقة صفراء حلزونية يموت فيها حتى الصدى.. في أيام زواجنا الأولى كان لا يزال قادراً على اتعاسي.. طالما بحثت له عن أعذار بينما أنا أرسم وأرسم لوحات لأطفال، وأتمنى لو تصرخ لوحة يوماً، ويقفز منها طفل حي... عشرات الاعذار "انه قاض، وفي كل ما يدور ظلم لي.. ولكنه أيضاً رجل أعمال كبير.. ربما تسرب ذلك الجزء من شخصيته إلى علاقتنا.. عواطفه تخضع لقانون العرض والطلب.. ان تجهمت هش لي، وان صمت أغرقني بفصاحة مفاجئة.. ان بدوت راغبة به استخف بي، وان أعرضت عنه اشتعل وجداً"...
وتعلمت يومئذ كيف أحرق كلمات الحب الفائضة على شفتي كما يحرقون البن في البرازيل كي لا تتدنى أسعاره...

سئمت طعم الرماد.....
تمطر بين جلدي ولحمي ... تمطر داخل عظامي .. في حلقي.
فأعجز عن الاجابة على سؤاله الذي يصفع وجهي مع تيار البرد المندلق من الباب : هل اتصل الطبيب وبلغك النتيجة؟
ـ لا.. لم ...
ـ من؟ من اتصل اذن؟
ـ هم. ينتظرونك.
سمعت صوتي قاسيا جارحا.
ينتظرونك, قلتها كأنني أطلق عليه الرصاص .. لكنه لم يترنح ولم يسقط صريعا , وانما عاد يغلق باب الشرفة خلفه, ويخرج إلى فزاع طيوره . أسمعني أكرر: "هم" .. "هم" "ينتظرونك"..
أراهم هناك ينتظرونه ..
أراهم هناك متحفزين. يدخل الى الغرفة مجموعة من المتناقضات الناجحة ... عينان هرمتان وابتسامه طفولية .... الحركة الهادئة لقاض والمظهر الرياضي لرجل أعمال وسيم..
أراهم هناك يتأملونه ..ثم سيقولون شيئا كثيرا .سيتهمونه بشئ خطير...... سيتحدثون بشراهة, كما تاكل الغربان لحما من جرح مقيد لم يمت بعد....
ولن يجيب .أعرف انه لن يدافع عن نفسه .سيظل يواجههم بالبرود نفسه الذي طالما أحرقني..

ثم سيتحدونه .لديهم شاهد اثبات سيضحك باستخفاف. سيصرخ احدهم في وجهه :اننا واثقون من التهمة .انك لم تدرس قط اضبارة متهم واحد.. كنت تهمل كل شئ، المرافعات والادعاء، كل شيء.. كنت تدخل إلى المحكمة وفي جيبك مجموعة من الأوراق المطويه. وعلى كل ورقة كتبت كلمة: مذنب، أو برئ .. وكانت أصابعك العمياء تختار في عتمه جيبك ورقة ما .. ثم تفتحها، وتقرأ ما فيها.. مذنب.. بريء.. تبعاً للصدفة العشوائية.. هكذا بلا منطق ولا تبرير.. انه ظلم.

وستمعن ابتساماً وصمتاً...
ثم الضربه الاخيرة : وشاهد الاثبات هو زوجتك!..
ربما حينئذ سيسقط اللجام عن فمك, وربما تصرخ في وجوههم كما صرخت في وجهي تلك الليلة الرهيبة منذ عام...
.. (كانت أيضاً تمطر , ولكن بشراسة.
كنت لا أزال أحبك .أعجز عن النوم اذ لم أخف وجهي في صدرك.
كنت لا أزال أومن بأن قاع بحار صمتك كنوزا نادرة.
ضوء مكتبك كان ينزلق تحت بابها المغلق ..
عارية القدمين تسللت إليك ... قررت أن أعالجك بقبلة على عنقك من الخلف أجرك بها إلى السرير.
ببطء أخرس كنت أتحرك وراءك .. وقفت..وقبل أن أنحني بقبلتي، صعقني المشهد ..
فعلى المنضدة كانت هنالك عشرات من قصاصات الأوراق، وعلى كل منها لا شيء سوى كلمة "مذنب" أو كلمة "بريء".
أما المصنف الأسود الذي جئت به معك وقلت أنك سوف تدرسه فكان على الأرض، تحت قدميك!..
شهقت .. وحينما التفت إلي، ورأيت وجهك، وتعبيره المرعب فهمت كل شيء .. في ثانية، بسرعة إلتماع البرق أدركت كل شيء .. ظل وجهك متقلص الملامح ، يتفصد عرقاً .. إذن هذا ما يخفيه صمتك؟ ... لتقتل، ظللت محافظاً على منصبك كقاض، رغم نجاحك الكبير في البورصة، ومن خلف ستار.. اقتربت بوجهك مني، تذكرت الوجوه التي وصفها دانتي في جحيمه.. خفت.. أردت أن أهرب.. أمسكت بيدي وسمرتني.. عبثاً تملصت. أحسست أنني بطريقة ما محكوم علي بالموت، ولكنك لن تجرؤ على تنفيذ الحكم بنفسك..
- لن تجرؤ
- يا غبية
- لن تجرؤ.. هذه جريمة تخلف دماً وجثة..
- يا غبية
- وليست باسم العدالة
- يا غبية
- ولا تتقاضى لارتكابها راتباً.
- يا غبية.. الأمر أشد فظاعة.. أشد فظاعة..
- المفروض أنك تمثل عدالة الآلهة..
- انني أطبّقها على طريقتهم.. حاولي أن تفهمي
- هذا إلحاد. ما ذنب الالهة؟
- اني أقلدهم، باخلاص!
- وتسلم مصير الناس لعشوائية الصدفة؟..
- الصدفة إلَه العالم..
- أنت مجنون..
- وأنت غبية.. ما تزال اللعبة تنطلي عليك..

وأقنعت نفسي بأن اللعبة لم تعد تنطلي علي.. ان علي أن أصنع شيئاً أنقذ به مُثلي، وآلاف المتهمين الذين تقرر الصدفة مصيرهم.. لكنني حينما أمر بفزاع الطيور في الحديقة، كنت أدرك في ألم بالغ أنني ربما أفعل ذلك كله لأن زوجي لا يحدثني..
ولأن حياتي صارت صحراء خاوية من الصمت الميت، فإن جثة اندبها، خير من فرحة لن تجيء!..

الهاتف . ربما كان الطبيب، ربما يحمل إلي بشرى ما.. أظل جامدة.. لن أتحرك، أخشى أن يكونوا "هم" الذين "ينتظرونه".. الخادمة "تفاحة" تدفع بطنها المنتفخ أمامها متدحرجة في الردهة. ترفع السماعة. تتمتم. تتقدم نحوي وهي تحمل الهاتف بإحدى يديها. كم هي بشعة، بشعة، بهذا الوجه الميت الذي يعبر عن لا شيء، خطوات ثور حراثة.. وهذا البطن الذي ظللت أرقبه يكبر يوماً بعد يوم وينتفخ، كيف لا تتمزق عضلاته ويسقط إلى الأرض ويتحطم ما بداخله.. كيف استطاع أي رجل في العالم أن يضاجع بهيميتها؟ كم هم مقرفون.. أمقتها، يمزقني أن أتصور أن داخل الثياب الرثة المحيطة بترهلها طفل صغير!.. وهي تملكه، وأنا لا أستطيع بكل ما أمتلكه، وبكل الرجال الذين يتابعونني بجوع، لا أستطيع أن أمتلك شيئاً كهذا!..

دقائق، وأترك السماعة تسقط من يدي...
إذن لن يكون لي طفل أبداً!.. لن لن لن ..
هكذا بلغني الطبيب الآن ... حكماً قاطعاً غير قابل للتمييز أو النقض ..
لماذا؟ لا يدري.. لا أحد يدري ..
لماذا؟ ..
فوق غيمة مشدودة إلى أفق معتم أرى مئات الأوراق التي سبق ورأيتها على منضدة زوجي .. مذنب .. بريء .. عاقر .. تنجب .. مذنب .. بريء .. عاقر .. تنجب .. ثم أصابع شيطانية عابثة، تلتقط ورقة ما ... ثم يقول الطبيب : آسف .. عاقر ... وعلى الوسادة كانت القطة تضعهم دفعة واحدة، خمسة أطفال ..
عاقر ... ربما كان لفزاع الطيور أطفالٌ مثله ولكنهم يكرهون الصمت، لذا يرحلون مع أغاني طيور الحقول ..



يتبع..


المجموعة القصصية الكاملة
ليل الغرباء (http://www.4shared.com/file/26295626/d8d1387f/__1.html?dirPwdVerified=9635ac8b)1
ليل الغرباء 2 (http://www.alsakher.com/vb2/../books/1189726089.zip)

Ophelia
14-04-2007, 09:58 AM
.
.
تمطر أنيناً خافتاً يتعالى شيئاً فشيئاً... يتحد مع نواح القطة في الحديقة ... ونحن ثلاثة من فزاعي الطيور، كل منهم مغروس بعيداً عن الآخر بلا حوار ولا لقاء.. من يئن؟...
يدخل من الشرفة. لا يبدو عليه أنه يسمع أي صوت غير عادي.. يقول أنه ذاهب ولن يتأخر.
كعادته لا يسمع أي أنين. يمضي، وأرى أوراقاً ممزقة تتطاير تحت قدميه "مذنب" "بريء" "مذنب" "بريء"..
وحيدة في الدار...
الأنين يتعالى.. من أين؟ .. اني واهمة.. لا أحد في الفيلا المنعزلة سواي، والخادمة.. وبيروت لم تشتعل الليلة في ركن النافذة ضوءاً بعد الآخر.. حوت الضباب ابتلعها.. ربما كان فزاع الطيور ينتحب.. تراه يحزن؟ .. يغضب؟.. يكره، يثور؟ .. تراه يتحدث إلى زوجي "نجم"؟... يتسلل كل ليلة إلى المكتبة بساقيه القصبيتين فيجالسه ويمزقان الأوراق معاً ويكتبان "مذنب" "بريء"... لماذا لا يتزوج الرجال الصامتون من فزاعي الطيور؟... لماذا يحكم علي بلا مبرر أن أسقط في الصمت، ولن يملأ المكان طفل يصرخ محتجاً، يمزق القناع عن وجه نجم؟..
تمطر تمطر...
والأنين يستحيل صرخات متقطعة.. ربما كان أطفالي في اللوحات جياعاً.. حتى اليوم لم أجد الوسيلة التي أطعمهم بها.. ربما كانوا بحاجة إلى النزهة، وإلى اللعب.. أطفالي سجناء اللوحات، لماذا لا تطلق الآلهة سراحهم ليتدفقوا إلى العالم من جوفي، ومن بطني..
تمطر صراخاً...
من يصرخ هكذا؟... ربما كان الجسد في اللوحة التي لم أرسم وجهها بعد يحتج...
أركض إلى مرسمي. أضيء النور. لا شيء، لا أحد سوى أطفال العشرين مدقوقين إلى الجدران... واللوحة التي لما تنته بعد تنتظر وجهاً.. والنافذة مفتوحة.. والوسادة التي كانت القطة تضع أطفالها.. لا أجرؤ على الاقتراب من النافذة... يخيل إلي، أن خلفها في العتمة خمسة وجوه صغيرة لقطط أنيابها مدببة، ولو أطللت برأسي منها لغرستْ في وجهي أظافرها ومزقته..
أهرب..

لا تزال تمطر صراخاً .... الصوت ينبعث من هناك ... صوت يناديني أيضاً .. لست واهمة .. أكره ليلة الأحد حينما يذهب الخدم جميعاً .. ((تفاحة)) وحدها لم أعطها إجازة منذ رأيت بطنها يكبر .. أكرهها، وأحقد على صبرها في تحمل تعذيبي .. أريد أن تظل هنا، لا أدري لماذا أحب أن أرهقها، أرها تلهث تعباً، تمسح عرقها الكريه الرائحة، تتحرك كحيوان أبله، وعبثاً أقنع نفسي أن في بطنها ماعزاً أو جرواً أو فئراناً ..
المطبخ .. ليست في المطبخ ..
غرفتها الحقيرة .. ممددة على ظهرها فوق الفراش ... يداها فوق بطنها الكبير .. صامتة، وعضلات وجهها لا تزال متقلصة بتأثير ألم لم أراه قط يرتسم في ملامحها من قبل .. وجهها مؤثر ومهيب!

إلى جانبها السنارتان اللتان طالما شاهدتها تعمل بهما، وتنسج ثوباً بعد الآخر... وكنت أرى أيديَ غضة لأطفال صغار تخرج من ثقوبها التي لما تكتمل بعد، وتنمو يوماً بعد يوم مع الحياكة المستمرة.. أحس برغبة مجنونة في أن أغرس السنانير في بطنها، أغرسها حتى تمزّق أحشاءها وما فيها.. لماذا تصرخ؟ السنانبير ما زالت في موضعها. تفتح عينيها، لثانية، يلتمع فيهما انتصار انثوي مخيف.. انها تتحداني.. ثم تغرقان في عتمة ألم يرتسم في وجهها ممتزجاً بلذة عجيبة.. ألم راهبة تغتصب، ويعذبها استمتاعها بذلك!...
تتمتم متوسلة .. تريد طبيباً ..
لماذا؟ لماذا يحضر الطبيب من أجلها لا من أجلي... والطفل لها وليس لي؟..
شيء أسود يفور في اعماقي، يمتزج بانتحابها.. فقاعات سود تنعقد، تعلو، تتدفق من حلقي، من عيني، من مسامي، فقاعات سود من حامض كاوٍ تغرق كل شيء... كل شيء يهتريء يحترق، أريد أن أحتج، أن أتمرد، أن أغرق كل ما حولي بدمار حقيقي عابث... لماذا .. لماذا..؟ من .. من .. ؟ كيف..؟ متى..؟ من.. من أصدر هذا الحكم علي.؟ لماذا لن أحس داخل بطني بدبيب أقدام صغيرة، وجسد طفل يتقلب داخلي فأهب من نومي أتحسسه ريثما يملأ صراخه الدار...
أظل أرقبها بوجه ميت.. أرقب الفقاعات السود تتدفق من عيني وتغرقها.. لماذا ، من، من ، من يعبث بالأوراق ثم يبعثرها في الريح، وتحملها عشوائية الصدف "عاقر" "غير عاقر"؟ ما ذنب "نجم" ان كان قد فهم سريعاً؟.. ما ذنبه ان كان مؤمناً بإلحاده، مخلصا لفجيعته؟

يا أنا ..
تمطر تمطر خلف النافذة ... تراها تمطر أيضاً في بيروت؟
لماذا لا تمطر في كل مكان في وقت واحد؟
من يوزع المطر والأطفال؟.. من جعل الصدفة عدالة؟
تمطر تمطر
والخادمة تصرخ متوسلة ..منذ أسبوع وهي تتوسل من أجل إجازة.. إذن كانت تدري..
أظل متحجرة، أتفجر حقداً أسود.. بالفقاعات السود سوف أطمرها.. أهيلها عليها أتربة قبر تخنق صرخات الطفل داخلها.. ألمها يثير شيئاً يشبه الغيرة، شياً أشد مرارة وأكثر وخزاً وبؤساً.. تصمت.
تروح في شبه اغماءة. أحس بحاجة إلى ان أرسم طفلاً!.. فلتضع طفلها وحدها. لا دخل لي في الأمر.. سأذهب أنا أيضاً إلى مرسمي واَضع طفلا جديدا.. سأتم اللوحة. أمر بالهاتف وأتجنبه. من جديد يتعالى صراخها. يستحيل عويلاً...
فلتصرخ.. لن يسمعها أحد في دارنا النائية في "اليزرة".. فلتمت، وان استطاعت الولادة كما فعلت القطة، لن أجرؤ على أن أرمي به من النافذة.. لن أجرؤ، لأنني منذ تلك الليلة لم أعد أرى في وجوه أطفالي في اللوحات نظرات المحبة والالفة التي كانوا يغمروني بها. صاروا يتجهمون في وجهي ولا ينشدون في الليل.. صاروا يكرهونني ويخافونني.. سألد الآن طفلاً جديداً، أسكبه في لوحتي وأتخلص منهم جميعاً..
صراخها يثير في أعماقي عويلاً مشابها.. عويلا من الفقاعات السود، تياراً جياشاً من صخب أرعن متوتر كاو.. إني بحاحة لأن أرسم.. يدي تركض أمامي.. تجرني إلى المرسم.. أنا أسيرة يدي.. التيار الأسود يحرك يدي.. صراخها يثيره.. عاجزة عن السيطرة على أية عضلة في جسدي. يدي ترسم وحدها مجنونة هوجاء، في الخارج تمطر بوحشية، صراخها انتحاب ملاح مطروح على الشط تأكله "السلاطعين".. يدي ترسم وحدها، مجنونة هوجاء..
تمطر بوحشية.. الرعد حقل الغام في الأعلى تفجره أقدام شيطانية .. البرق.. خائفة .. تصرخ.. خائفة.. خائفة.. شيء ما يقبع فوق عنقي من الخلف.. أظافر قطط شرسة أحسها تمزق لحمي.. خائفة.. في الحقل ملايين من فزاعي الطيور يركضون وقد حملوا المشاعل في موكب احتفالي مخيف.. والرعد حقل الغام لا حصر لها.. والبرق يتناوب الالتهاب على أطفال الجدار ..أرسم.. أريد أن أرسم طفلا.. لا أدري ماذا أرسم.. وفراعي الطيور يتجهون نحو النافذة.. والتيار الكهربائي انقطع.. وأطفال لوحاتي يكبرون بسرعة والبرق يحصد الوجوه ذات العيون المفقوءة.. تتجمد وجوههم وتسقط أسنانهم على الأرض ويبيض شعرهم وينوحون ثم يستحيلون فزاعي طيور جدداً يقفزون من اللوحات ومن النافذة المفتوحة وينضمون إلى الجمع الهازح تحت النافذة.. الحركة المرعبة في صرخاتها النائحة الهازجة، والريح تضرب النافذة، أريد أن أهرب لا أستطيع. يدي تقيدني إلى اللوحة فأرسم وأرسم وأعجز عن الهرب.. التيار الكهربائي عاد يضيء. عاجزة عن الهرب. ثم فجأة،
صرخة واحدة تدوي عند باب الغرفة.
المرأة الأخرى، وخيط الدماء خلفها.
ويهدأ صراخ الموكب في الأسفل. أحس أن ملايين من فزاعي الطيور يتلصصون الآن من النوافذ بأعينهم المفقوءة صامتين في شيء من الخشوع الخجل.. المرأة الأخرى تتحامل على نفسها، تدخل وتسقط فوق المقعد، والوسادة نفسها التي وضعت عليها القطة الأخرى خمسة أطفال .. تراها هي أيضاً سوف تنجب خمسة أطفال...
أراها كبيرة كبيرة، عملاقة ضخمة، في عينيها تحد آمر، قوة خلق مذهلة لا تفسر، وألم جميل مشع مرير...
من جديد أعي الأشياء...
هدوء مفجع قاس يغمرني...
تريد طبيباً وإلا ماتت ..
وأنا الحاكم المطلق..
عبثاً أتذكر مُثلي، عبثاً أوقظ في نفسي عالمي الحلو القديم، عبثاً أبحث عن وجهي الذي كان...
في اللوحة التي رسمت دون أن أعي، أجد وجهاً غريباً... مزيجاً من وجهي ووجه نجم!... مزيجاً من القسوة والفجيعة حتى اللامبالاة... ثم يخيل إلي أن اللوحة مرآة .. ابتسم فيبتسم الوجه في اللوحة.. أحرك شفتي فيحرك الوجه شفيته...
تعود إلى الأنين الذي يستحيل صراخاً.. بماذا سأحكم؟
صقيع القسوة المفجعة يغمرني .... يتحجر داخلي .. الأصوات كلها تموت عند عتبة عالمي بهدوء حقيقي، أخرج إلى غرفة مكتبة زوجي .. أجلس حيث كان يجلس... أخرج ورقة بيضاء .. أقطعها بعناية إلى قسمين .. أكتب على الأولى "سأحضر الطبيب" .. وأكتب على الثانية "لن أحضر الطبيب" .. أطوي كل منهما .. أضعهما في جيبي وأخلطهما ...
ثم أسحب واحدة منها ..
أفتحها .. وأقرأ "لن أحضر الطبيب" .. حكم قاطع لا يرد ..
لا أسمع أي صوت وأنا أدخل إلى غرفتي ... بهدوء وعناية أرتدي ثيابي .. أحمل مفاتيح سيارتي .. ولا أنسى أن أترك لزوجي ورقة كتبت فيها "أنا عند نورا ونيللي .. سوف نلعب البريدج مع بقية الشلة".

تيماءالقحطاني
14-04-2007, 07:08 PM
مجهود تشكرين عليه، يعطيكي العافية <<< عبارة معلبة و جاهزة

(كيف شكلي و أنا أمارس هذا النوع من كرم المرور؟:er: )


غادة السمان جميلة ولا شك، عندما أقرأ لها ـ مع أني لم أفعل غير اليوم و لا تصدقي محاولتي للتمويه ـ أسأل نفسي، مالذي ينقص كاتبات النت و غير النت ليصبحن غادة السمان؟
هناك مواهب إبداعية لا تقل خيالاً و جمالاً و فكراً. ربما هن في حاجة إلى ورق، و كثير من الكفاح ، أليس كذلك؟

عموماً، الوطن العربي صار مشغولاً باستقبال روائيات كل عام، كان الله في عونه.
و هذا ليس شيئاً سيئاً، أنا على ثقة من أنه سعيد جداً بهذا الزخم.:y:






/

معي
16-04-2007, 10:46 AM
ـ أسأل نفسي، مالذي ينقص كاتبات النت و غير النت ليصبحن غادة السمان؟
هناك مواهب إبداعية لا تقل خيالاً و جمالاً و فكراً. ربما هن في حاجة إلى ورق، و كثير من الكفاح ، أليس كذلك؟

عموماً، الوطن العربي صار مشغولاً باستقبال روائيات كل عام، كان الله في عونه.
و هذا ليس شيئاً سيئاً، أنا على ثقة من أنه سعيد جداً بهذا الزخم.:y:
/
أتفق جـدًا مع هذين التعليقين


وفي انتظـار البقية ، على كل حال :)

ابو ميشال
16-04-2007, 01:33 PM
مرة نستقبل أمطار " غادة السمان "
عبر غيمتنا " اوفيليا "
أنا انتظر اقرب فرصة حتى التهم كلمات غادة السمان و اشرب من حبرها الموجع
صديقتي
شكرا لك
و نحن على احر من الجمر لكي تتابعي

Ophelia
17-04-2007, 11:42 AM
خيط الحصى الحمر


http://upthings.googlepages.com/ghada2.JPG

ربما انقضت ساعة كاملة ونحن أمام البطن المفتوح.
من يدي يتناول مقصاً آخر. المشرط. يغيب بهما في أحشاء المريض. يعيدهما. ملقط . مقص. قطن. روائح الأدوية نفاذة. كلماته صارمة. ربما ستنقضي ساعة أخرى قبل أن ننتهي. البطن ما يزال مفتوحاً. تحت ملاءة بيضاء تختفي بقية جثة مريض ولا يبدو ظاهراً سوى رأسه عند الناحية الأخرى من المنصة.

لا أستطيع أن أستوعب أن هذا الرأس يخص هذا الجسد. وأن هاتين الشفتين سوف تصرخان ألماً من أجل ذلك البطن المفتوح في الجهة الأخرى من المنصة.

هكذا الأشياء تبقى أبداً مفككة في عيني. يخيل إليّ أنني لو كشفت الملاءة البيضاء عنه لما وجدت تحتها شيئاً . مجرد رأس مقطوع مرمي على حافة المنصة، وبطن هو آلة قائمة بذاتها، تعلمنا كيف نعالجها بآلاتنا ما دام لكل شيء تسعيرته.

على أية حال، فالأمر لا يهمني إلى درجة تدفعني إلى التحقق منه. لا شيء يعنيني كثيراً..
مقص. ملقط. بسرعة. بسرعة. ممرضتان مساعدتان . تتأملاننا. نظراتهما تفيض إعجاباً بعبقرية الأخوين الطيبين، أنا وغازي، والنجاح السريع الذي استطعنا تحقيقه في "خدمة الانسانية المعذبة"...
بدأ يخيط الجرح. لماذا؟ لماذا تحب الاحشاء أن تتقنّع باللحم والجلد؟؟ لماذا يسارع الناس إلى ارتداء الأقنعة بحجة حفل "كرنفال ساهر"؟ لماذا صارت حفلات "الكرنفال" الدورية التي أقيمها حديث مجتمع هذه المدينة وموضع إعجابه؟ لماذا تتقنع لوحات صديقي الوحيد نادر بالجدران والباب المغلق أبداً؟ الواقع أنني أحب طرح الأسئلة على سبيل التسلية، فلا شيء يهمني إلى درجة تدفعني إلى استقصاء الجواب.
تلك اللامبالاة، لا أبالي كثيراً بالتخلص منها وإن كانت تحرمني أحياناً من أشياء ربما كانت ممتعة، كالمشاركة في البكاء في المآتم، والتحمس للقضايا السياسية في المقاهي، وجمع المعلومات عن آخر حادثة طلاق في المجتمع.. عن طلاق سعيد وسميحة مثلاً... أو اكتشاف سر مرسم نادر في تلك الليلة مثلاً!

( في تلك الليلة منذ أكثر من شهر...
كما في كل ليلة، جلسنا في مقهى التروبيكانا..
كما في كل ليلة ،قال لي: "أحبك" فضحكت لأنني لم أجد جواباً أكثر سخفاً أقوله!
كما في كل ليلة انطوى على ذاته وقد جرحه استخفافي وبدأ يجول بعينيه في المقهى بحثاً عن أي صديق يغرق معه في حديث سياسي عن بلده ، الذي غادره وزيراً متمرداً، مصمماً على العودة إليه وزيراً منتصراً.
ولكنه، عاماً بعد عام، أدرك أن مدينته التي غادرها لم تعد هناك. والرفاق بيع منهم من بيع، وتشتت من تشتت، وتبدل من تبدل..
لقد استطعت إدراك ذلك كله من أحاديثه مع رفاقه، ولكنني لم أشعر أبداً بأية رغبة في سؤاله عن التفاصيل، أو حتى عن اسم مدينته – كنت أعرف أنها لا بدّ من أن تكون، واحدة منهن، عربية!
عاد يكرر: أحبك...
ولكنه كان جالسا أمامي على مقعد مستقل، وكان على المنضدة فنجانا قهوة لا فنجان واحد، فعدت أسأله: ما معنى أنك تحبني؟
قال: معناه أنني أرغب في أن أكون وإياكِ شيئاً واحداً!
عدت أتأمل فنجاني القهوة المستقلين، بينما عاد يتمم حديثه، قال :
كلانا لاجئ، الحب وحده هو البديل، هو وحده يستطيع أن يسبغ على بيوتنا الميتة صفة الوطن، هل تفهمين؟ الحب وحده خيام سعادة لجيلنا الممزق ..
قلت: لا .. كيف يمكن أن أكون وإياكَ شيئاً واحد؟
قال: بأن أمنحك أعماقي – أسرار بيتي وأسرار عمري، بأن أعري أعماقي لكِ كماض، وأعري وجهي لعينيكِ كحاضر ومستقبل، فأبكي أمامك بلا خجل أو أشتم أو أغني كطفل .. وبأن تحدثني عن حياتك الحقيقة الداخلية.
قلت: انك تعرف كل شيء عني!
قال: أعرف ما يعرفه الناس. ذلك لا يعني شيئاً. أعرف أنك فلسطينية المولد، انك عشت حياة قاسية مع شقيقك في أحد المستشفيات النائية حيث استطاع ان يجمع مبلغاً كبيراً من المال بمعونتك، بعد أن كد وحيداً أعواماً لينفق على دراستك. وانكما الآن ثريان وناجحان، ومن نجوم مجتمع هذه المدينة. هذا كل ما أعرفه..
قلت: هذا كل ما أذكره أنا أيضاً!
قال: أريد أن أمنحك ذاتي دهليزاً بعد الآخر... سأبدأ بمرسمي... انه مكان لم يطأه انسان من قبل – فيه سر لم أبح به لمخلوق – انك منومة مغناطيسياً، وربما ينقذك الحب.
ولما كانت أنفاسي قد ضاقت فجأة، قبلت بالذهاب معه إلى مرسمه الذي يسميه بكهفه، وفرح لأنه ظنني راغبة بذلك.
في الشارع كان الليل دافئاً وفي الأعلى ذلك القرص الأبيض البليد – القمر!
قال: ما أجمل القمر.. طالما عايشت صورته الحلوة في نهر مدينتي، وسمعت الناس ينشدون له.
وتماسكت كي لا أقول له: لا يهمني أن أتذكر أي شيء.. وأعتقد أن القمر يشبه رأساً صلعاء مصابة بالبرص!
في ردهة مرسمه، وقف أمام باب آخر مغلق، وقال: الآن سأفتح لك باب كهفي!
وكنت أحمل بيدي فنجان قهوة أعدّهُ لي بيديه فور وصولنا فقد كانت القهوة الشيء الوحيد الذي يثير اهتمامي...
وبحركة مسرحية، فتح الباب وقال: ادخلي...
ورأيت خلال الباب المشقوق في الضوء المتسلل الشاحب، غرفة عارية تماماً من أي أثاث. وعلى جدرانها عدد من اللوحات المتساوية الحجم تماماً، والمصفوفة بانتظام تام، مما جعلني أتثاءب وأشعر بالنعاس. وأردت أن أترك فنجان القهوة على المنضدة لاسترخي فوق أول مقعد. ولعل يدي ارتجفت حينما سمعت صوته يدوي بوحشية صارخاً: ادخلي... اني أمنحك كنوزي، لنكون شيئاً واحداً!
وكانت القهوة الحارة تندلق من يدي وتلهبها، وهو يكرر لنكون شيئاً واحداً!
لا أدري لماذا وجدتني أصرخ مثله: لا أحد يستطيع أن يكون شيئاً واحداً مع آخر، القهوة اندلقت على يدي، فأحرقت يدي أنا ولم تحرق يدك، وآلمتني أنا لا أنت، وكنوزك لكَ ولا تهمني كثيراً لأنها لا تملك لي شيئاً ..
ورأيت مسامه تتعرق بأسلوب يذكر بالبكاء .... فلم أقل شيئاً، وسمعته في الحمام يفتح الماء بشدة، ثم عاد والماء ما يزال يقطر من وجهه. ولاحظت انه قد غسل أشياء كثيرة من ملامحه، إذ أن وجهه لم يعد يعبرّ عن أي انفعال، ولا أدري لماذا أحسست أنه صار يشبهني كثيراً برغم عينيه الخضراوين الكبيرتين..
أغلق باب الغرفة. قال بتهذيب محنط يشبه كثيراً لهجتي في الحديث: هل ترغبين في الخروج إلى العشاء؟ لا طعام لدي هنا..
ولما لم أكن جائعة، شكرته، وقلت له أنني سأذهب لزيارة سعيد وسميحة لأنني سمعت بأن طلاقهما قد تم البارحة.
وسألني باللامبالاة نفسها: هل سميحة هي التي كانت ترافقك أحياناً إلى مقهى "التروبيكانا"؟
قلت: أجل، هي زوجة المليونير سعيد وكانت ذات يوم بائعة في أحد المخازن الكبرى تطيع إشارات أيدي الزبائن حتى تم زواجها من سعيد!
وحينما خرجت من كهفه، عدت أشم في الشارع رائحة الوباء والأدوية. في كل مكان أشم رائحة وباء غامض، أنا متأكدة من أنه يجتاح المدينة وفي كل مكان، وانه لا بدّ وأن يستيقظ الناس ذات صباح وقد أدركوا هذه الحقيقة مثلي!
ولم أذهب إلى دار أهل سميحة المتواضعة، لأنه لم تكن لدي أية رغبة في اذلالها أو ايلامها، وكل ما كان يهمني من أمرها هو أن تظل قادرة على مرافقتي إلى "التروبيكانا" حينما أرغب في ذلك!

يسحب أخي غازي الغطاء الأبيض على البطن التي تمّت "خياطتها" وتعقيمها، وتلتمع عيناه ببريق مضيء وهو يقول: تمت العملية بنجاح والحمد لله..
يخلع قناعه . يخرج من الغرفة وهو يناديني: تعالي يا نادية لقد تأخرنا!..


***

يقولون أن غازي يقود سيارته بسرعة. لا ألحظ ذلك. ربما كان عدادها الذي يشير إلى المئة فما فوق أكثر ادراكاً مني لهذه الحقائق. الآلات أكثر صدقاً ودقة. أخي آلة نادرة، ولو لم أره منذ خمسة أعوام يبصق دماً في ذلك المستشفى القاحل في ذلك القطر البعيد. لما صدقت أن العطب يمكن أن يصيبه. أذكر أنني يومئذ كنت ما أزال قادرة على البكاء والألم والمحبة. لم أكن كما أنا الآن. أذكر أنني يومئذ...

(عدت إليه أحمل أشياء كثيرة أود لو أعرف كيف أقولها. كنت ما أزال يومئذ أتحدث عن المبادئ والمثل المتداولة في السوق العربية. ممتنة لما فعله من أجلي ومن أجل بقايا أسرتي التي ما زالت في بقايا القدس: جدتي العجوز، أبي الكسيح، أمي واخواتنا الصغار.. وأعينهم المسمّرة على الأسلاك الشائكة...
ولما شاهدت الشمس المحرقة، المناخ القاسي الوحشي، العمل، العمل، العمل ليلاً نهاراً، المرضى، يتساقطون في كل مكان، غرباء لاجئين جاءوا بحثاً عن الرزق إلى بلاد لم يألفوا قسوتها، جيوبهم خاوية وصدورهم خاوية إلا من المرض والذكرى، لما شاهدت هذا كله لم يدهي أن أرى أخي الطبيب يبصق دماً من وقت إلى آخر في منديله بعد أن يتلفت حوله ويتأكد من أن أحداً لا يراه.
وتظاهرت بأنني لم أره. ولكنني ليلتئذ بكيت للمرة الأخيرة في حياتي ثم اختلطت الأشياء. ثم صرت مثله: انه آلة تعمل بلا تفكير. ثم اكتشفت أنه ما زال يفكر، وانني لن أبصق دماً مثله، لأنني كففت تماماً عن المبالاة بأي شيء! حتى رائحة الوباء التي أشمها أينما تحركت، لم تعد تضايقني.)

في الساحة الحلوة أمام دارنا الكبيرة يوقف أخي السيارة. يسعل . أشيح بوجهي عنه كي أمنحه الفرصة ليدفن الدم في منديله بسلام.
كلانا اعتاد هذا الفاصل من السعال الدامي. نعيش كأنه غير موجود. كلانا يتجاوزه. وهو يطوي منديله قال: نادية هل كل شيء جاهز؟
- طبعا.. بعد ساعة ستكون الساحة مزدحمة بالسيارات.. والبيت بأقنعة الضيوف.
فأجاب: الضيوف والأقنعة لك.. كل ما يهمني أن يكون صوت الموسيقى عالياً عالياً، بحيث لا اسمع صوت مدافع العيد!
- لماذا؟
- لأنني لا أريد أن أسمع صوت مدافع العيد!..
ولا أدري لماذا تذكرت حديث نادر عن القمر والنهر في مدينته، وكدت أنفجر ضاحكة لو لم يسعل غازي من جديد!


***

الدار، حظيرة أصوات مختلفة تنبعث من تحت أقنعة مختلفة... شيء يشبه الضحك، والحوار، والموسيقى والترحيب والهمس..
وأنا وغازي اخترنا أقنعة القراصنة. ننتهي من تنكرنا قبل وصول ضيوفنا سادة المدينة..
ليس من الصعب علي أن أميزهم رغم أقنعتهم . فوجوههم لم تكن قط حقيقية كما هي اليوم. ها هو النائب الكبير السيد فوزي في قناع نعامة، زوجته في ثياب جارية تراقص سفيراً في قناع بهلوان. مشاهد ممتعة حقاً. السيد سعيد مع عشيقته الجديدة في زي لاعب كرة قدم ترافقه غجريته، وزوجته المطلقة سميحة في زي الارملة الطروب وقد أخفت وجهها تماما. ألحظ ان نادر لم يحضر. كنت أتوقع ذلك فقد صار يشبهني كثيرا بلا مبالاته!
سعال غازي: هل أنت بخير؟
- أجل.. ارفعي صوت الموسيقى، لا أريد أن أسمع صوت مدافع العيد!..
- ما زال الوقت مبكراً...
- من يدري.. ربما فاجأتنا !.. سوف أنسحب بعد أن يعلن العيد لأنام، لأن علينا أن نلحق بالطائرة غداً باكراً..
- انها المرة الأولى التي أزور فيها أهلنا والقدس منذ عشرة أعوام يا غازي...
- أما أنا، فلولا هاتف جدتي، تلك العجوز العجيبة، لولا صوتها لما ذهبت قط إلى هناك.. فهم بحاجة إلى نقودنا.. وأخشى لو ذهبت لما عدت..

يغرق في نوبة سعال حادة. أتركه إلى إحدى الحلقات التي كان أصحابها يتحدثون بحماسة كبيرة رغم الصخب.. زوجة وزير كانت أعز صديقة لسميحة هي التي تدير الحديث، وترشق الوقود من وقت إلى آخر كي لا يخمد. تقول: أنا، أعزّ صديقاتها، كانت تغار مني لو صافحته .. أليس كذلك يا سعيد بك؟
وتجدها متصابية، شعرها الاصطناعي جميل جداً. فتصرخ: وكانت إذا جاءت إلى الحلاق تطلب منه أن يترك الحاضرات كلهن ويمشطها لأنها حرم سعيد بك!
ويتدخل مستوزر : كنا لا نجرؤ على زيارة البيك...
وعرفت فيه المستوزر الذي كان معروفا بتعلقه بها..
وتتسارع الأصوات وتتشابك: "وكانت قذرة.. وتهمل أولادها، ولا تعرف كيف تتصرف في المجتمع الراقي...
ويتحرك شبح امرأة جاءت في ثياب الارملة الطروب منسلا من القاعة. الحق بها: سميحة.. إلى أين؟
أدرك انها تبكي رغم قناعها. تهمس بمرارة: كانوا جميعاً يتملقونني. ليس فيهم من لم يأكل على مائدتي.. والآن!
تخرج. بالنسبة إلي الأمر عادي جداً ومتوقع. . لماذا لا يدركون جميعاً أن الوباء قد سرى وانتهى الأمر، وليس هناك ما يدعو إلى الحزن أو الفرح ، أو حتى التمرد؟
الموسيقى ؟ فلتصرخ!
وقع أقدامهم على الأرض؟ فليصبح مسعوراً!
أحاديثهم؟ فلتعل، ولتعم الفوضى، كي لا يسمع غازي مدافع العيد ما دام لا يريد ذلك!
أنا وأخي آلة متضامنة وانصياعي لبعض رغباته آلي، لا دخل له بعواطفي الميتة أو رغباتي المحنطة..
فجأة، تنطفئ الأنوار كلها.. تصمت الموسيقى دفعة واحدة، ومعها تسكن أقدام الراقصين وتتوقف الأحاديث..
أصوات احتجاج مختلفة شبه هامسة.. ماذا حدث؟
انقطع التيار الكهربائي.. خطى تتسارع إلى النوافذ تزيح الستائر. الحي كله مطفأ. غازي يتجه نحو النافذة ليتأكد مما قيل. نسمع طلقة المدفع الأولى. أراه ينتفض كأنما تلقاها رصاصة في ظهره... تتوالى طلقات المدافع وتتساقط أضواء الشموع التي توزعها الخادمات في القاعة على وجوه ضيوفنا الباشّة، وعبارات التهنئة المتناثرة مع أصوات القبل: عيد سعيد..
ويجيب غازي بنوبة سعال، أما أنا فلا أفهم عن أي عيد يتحدثون!
لولا أن جدتي أيام كانت قادرة على السفر، كانت تلاحقني من مدرسة داخلية إلى أخرى من عيد إلى آخر، لما سمعت عن العيد إلا من الصحف.
بل إنني ظللت سنوات عديدة أظن العيد رجلاً متكبراً، لا يزور إلا الأطفال الذين لهم أم وأب، والبيوت الفخمة. أما الخيام، والضائعون، فالعيد يكرههم لسبب أجهله، ولا يمر ببابهم.
ذلك كله لا يعني أي شيء لدي.. وحينما أذكره، يغمرني ذلك الشعور باللامبالاة، الذي يرافق استعادتنا لفيلم عتيق نسيناه!..


***

الأنوار مطفأة . الشموع متعبة متماوتة. تزيد رعشاتها من اهتزاز الظلال في قسمات وجه غازي المتشنجة المتعبة. لقد ذهب الجميع...
لا أشعر برغبة في النوم. سأخرج قليلاً بسيارتي لأنني أحب أن أسمع صرير العجلات حينما أضغط على الكابح. يضايقني أن يستوقفني غازي لأنني لا أرغب الليلة في مزيد من النظر إلى وجهه. يهتف : نادية!
- ماذا بك؟.. لماذا لا تدعني وشأني وتحلق ذقنك الطويلة التي حرمتها من الموسى بحجة التنكر بزي قرصان؟
ضحكة مغتصبة. سعال. يهمهم كما يفعل الناس الذين يظنون أن لديهم شيئاً هاماً يتحدثون عنه ويستعدون لذلك.
لم يخطئ حدسي . يقول: هل أنت ذاهبة لرؤية نادر؟
- نادر؟ لم يخطر لي ذلك. ولكنها ليست فكرة سيئة!
- نادية.. تعرفين أنني لم أتدخل أبداً في حياتك.. ولكن، ألا تشعرين أننا كالطحالب وحياتنا بلا معنى ولا جدوى؟
- لا أشعر بشيء...
- ألا تشعرين بأننا نشتري كل شيء بالنقود التي نقبضها ثمناً لبيعنا المستمر لنفوسنا؟ اننا بحاجة لارتباط حقيقي...
- لا أشعر بشيء...
- علاقتنا بما حولنا مفتعلة وقائمة على الظرف الحالي لا على رابط انساني مشترك نلتف حوله أبداً...
- لا أشعر بشيء...
- وماذا بعد؟ سوف أظل أبداً هكذا.. أبداً هكذا.. اني متعب، وسئم، والقرف يقتلني!
- لماذا لا تحلق ذقنك؟ قد تتحسن حالتك، أو تنتحر مثلاً إذا كان الأمر كذلك، لماذا لا تنتحر؟؟
يدهشني أن أراه ينهض نحو الحمام، أتبعه وشمعة أخرى في يدي. يترك ذقنه وهو يتمتم:
- لم يعد لهذه الحياة المشردة معني.. تحولنا إلى آلات تتسول جنسية ومجتمعاً. في مثل هذه الليلة ، في مثل هذا العيد، اواه لا أجرؤ على الذهاب إلى هناك.. القدس. سوف أرقبهم جميعاً ولا أملك لهم شيئاً. لا أملك شيئاً لجرحهم المفتوح.
أتركه يدمدم. أخرج بسيارتي إلى الشوارع التي لما تفرغ بعد. ما زالت بعض المخازن مضاءة. غداً يحتفلون . لقد كبرتُ في أجواء علمتني إنه لم يبق لنا ما نحتفل به أو نحزن من أجله!
لم يبق هنالك ما يناقش أو يكافح. الوباء الغامض لا أعرف اسمه، أحسه في المدينة ينتقل بين الجميع، ويدهشني أن أحداً فيها لم يشاركني فرحتي يوم رأيت مفارز التلقيح الاجباري تجوب الشوارع.
إلى أين أذهب الآن؟
لا يهم ما الفرق؟ لا أذكر أنني سمعت من حديث غازي الأخير سوى اسم نادر، نادر، لا بأس، سأمر بكهفه المهجور قليلاً!


***

ضربة واحدة على الباب. صوت حركة غير عادية في الداخل الباب. لا يفتح وخطى راكضة في الداخل. الأمر لا يهمني. سأعود إلى سيارتي وأنا أهبط الدرجات الأولى بتكاسل، أراه يفتح الباب:
- نادر مرحباً!
- أهلاً.. تفضلي.. ما هذه المفاجأة؟
على وجهه لا يبدو أي أثر للمفاجأة.. وكلماته عادية لا لهفة فيها ولا تخوف. وعدت أصعد الدرجات القليلة لأنني أشعر برغبة في قدح من القهوة، وهو يتقن اعدادها..
ادخلي.. على أحد الكراسي قناع "الارملة الطروب" وقد علق بالباب الذي يفضي إلى الحمام جورب أسود، وتشويش الردهة، وكؤوس الويسكي شبه الفارغة.. وفهمت بسرعة!
المشهد عادي وسخيف ومكرر لا يثير أكثر من مللي!
نادر في المطبخ يعد القهوة. باب كهفه المقدس مفتوح. ربما في الداخل شيء آخر مثير يطرد مللي. أتثاءب وأنا أرى اللوحات إياها مرصوفة بالنظام نفسه. أضيء النور. ربما كان فيها ما يدفع النعاس!
أرى في الغرفة ذات الجدران الأربع 24 لوحة. ست لوحات لكل جدار. كلها نسخة واحدة لوجه انسان هو نادر. كلها متقن ورائع انه يرسم نفسه. لا يقدر إلا على رسم نفسه. فكرة حسنة، غداً أدفع عن نفسي الملل بها!
رائحة القهوة. نادر أمام الباب. يتحدث بهدوء تام كأن الأمر لا يعنيه: تفضلي قبل أن تبرد القهوة!
أعود إلى الردهة. أفكر بسميحة التي لا بد أنها ستصاب بالبرد في الحمام.
- نادر لماذا لا تسكب لها فنجاناً آخر وتناديها؟
- آه.. فعلا.. لقد نسيت انها في الداخل!
نضحك معاً. ينهض نحو باب الحمام ويفتحه قائلاً: تفضلي يا سميحة وشاركينا القهوة!
تخرج مشعثة الشعر ذليلة التعابير. فجأة تتنمر، تنشب أظافرها في وجه نادر وترميني بنظرات نارية صارخة: أيها الحقير.. وثقت بك وجئت وها أنت تستهر بي!
لا أستطيع أن أفهم سبب ثورتها. أحسها هاربة من مسرح ما وقد تَلَبسها دورها فهي تمارسه في كل مكان بمناسبة وبلا مناسبة . نادر أيضاً يبدو على وجهه أنه لا يستطيع أن يفهم، لكنه يحدثها بلغتها مهمهاً: لكنها صديقتك..
تصرخ في وجهينا كساحرة: كلاكما لاجئ حقير.. لاتفهمان ظروف أبناء المجتمع.. كلاكما لاجئ حقير.. حاقد، بلا ضمير!
ولما قلت لها، ان لا تنسى ارتداء جوربها، ظلت تردد: كلاكما لاجئ.. بلا ضمير!


***

أمام الدار، في الساحة الكبيرة التي عادت شبه فارغة، أترك سيارتي. أضغط زر الكهرباء، تسطع في الدرج. إذن أستطيع إعداد حقيبتي في الليل مادام غازي قد قرر أن نرحل غداً إلى القدس..
ماذا سأجد هناك؟ لا أتوقع أن أجد أي جديد في أي مكان، لذا لا شيء يثيرني.
أدخل إلى غرفتي وللمرة الأولى لا يرافقني سعال غازي.
جدتي يجب أن لا تلحظ أنه يبصق دماً. هذه المرأة وحدها تضرب في أعماقي وتراً مبهماً لما ينقطع بعد لكن أصداءه تنطفي لحظة بعد لحظة في داخلي...
سأذهب إلى غرفة غازي لأسخر قليلاً من ذقنه المحلوقة وأطلب منه أن يوقظني صباحاً!
أدخل إلى غرفته، وأضيء النور. الفراش لم يمس . اقترب من الحمام. وفي النور الساقط إلى الداخل، أرى غازي ممداً على الأرض يسبح في بركة من سائل أحمر. أضيء النور. أتقدم منه. وجهه مصلوب نحو السقف، نصف ذقنه محلوقة والموسى قد مزق بها شرايين يده بوحشية وشدة، والجسد كف عن النزف.
وحتى البالوعة شربت من الدم ما تستطيع امتصاصه..
لم يبق ما استطيع أن أقوم به...
وأنا أوقظ الخدم، كان حسد كبير يأكلني للمرة الأولى..
شعرت انني أغار من أخي. لا ريب في أنه كان قد أحب شيئاً كبيراً ورائعاً بما فيه الكفاية لأن يقطع شرايينه لما فقده...
وهم يخرجون بجثته من الدار عاودتني غيرة مريرة منه، فقد أدركت أنه بطريقة ما استطاع أن ينجو من الوباء.


***

القدس.
وبصوت مسرحي اعتاده سائق التاكسي الذي ينقل السياح من المطار إلى فنادقهم يقول : هذا الخط يفصل بين القدس المحتلة والقدس العربية ..
وتذكرت بكاء جدتي لأن دار عمي تقع خلف الخط، وتمنيت أن لا تكون في الدار كي أجد القدرة على أن أقول لهم أن غازي انتحر!
أجدني أغمغم : وإذا تصادف أن دار إنسان ما تقع خلف الخط واشتاقت عجوز إلى رؤيته ..
يقول وقد استحال فجأة إلى شخصية مأساوية تخرج من دفتي كتاب أخفيته طويلاً في أظلم ركن في ذاكرتي : يعودون به ورصاصة في صدره..
بالضبط لا أدري ما الذي يضرب على وتر منسي في أعماقي. ربما كان مشهد ذلك الفيلم الغريب الذي يلوح بين الغسيل المنشور، ربما كانت الأرصفة التي طالما تعثرت بأحجارها.. ربما كانت رائحة الملح والزيتون في الصخور!
لا أعتقد أن نبأ انتحار أخي قد بلغهم بعد، ومع ذلك أدخل الدار، ولا أدري لماذا أحس أنني ارتكبت جريمة بطريقة ما، ولا أتوقع من أحد أن يسارع إلى استقبالي، لذا لم يدهشني أن الوجوه كلها كانت حزينة وباكية، وان واحداً لم يفه بحرف واحد. كانوا يرفعون وجوههم إلي واحداً بعد الآخر.
بصمت دامع.. أسير في الغرفة محاطة بهذا الموكب المرعب.. لا أدري لماذا تقودني نظراته إلى الداخل .. أحس أن في الداخل مقصلة ويجب أن أدخل وأن أتركها تسقط على عنقي..
في الداخل كانت عجوز ممددة على الفراش ورصاصة في صدرها .. جدتي.
ولولا الابتسامة التي طالما رأيتها على شفتيها وهي تحمل إلي حلوى في أعياد غابرة لما سألت: لماذا؟ كيف؟ .. لمن كانت تحمل الحلوى هذه المرة؟
ربما كان صوت أبي: إلى دار عمك خلف الأسلاك الشائكة.. كل عيد، تغافلنا وتود الذهاب.. وتقول ان الرجال ماتوا والجيل الجديد "مفسود" ولم يبق إلا العجائز!
من النافذة استطيع أن أرى ذلك العلم الغريب بين الغسيل المنشور ، أنهم يتابعون حياتهم العادية بسلام ... ونحن .. نحن هناك جدار الرصاص ... ربما كان خيط رفيع من الدماء على التراب بين عتبة دارنا وذلك الجدار ..
وأذكر أسطورة من أساطير جدتي .. قالت أن أطفال الغابة لما ضلوا طريقهم، استطاعوا العودة مسترشدين بخيط من الحصى خلفته لهم جنية تحبهم ولا تنسى، وتعرف كل شيء ..
المشاهد كلها تغيم، وخيط الدم هذا أراه الآن بوضوح، خيط من الحصى الأرجوانية الثمينة في عتمة الغابة، ممدودة نحو تلك الأرض العتيقة ..

Ophelia
20-04-2007, 01:10 AM
http://upthings.googlepages.com/ghada3.JPG


لم أدرك كم أحببتك حتى فقدتك !


أجل! عرفته جيداً كما لم يعرفه أي إنسان. يا للفجيعة كم عرفته، حتى استعبدتني تلك الومضات المضيئة في اطلالته على الأشياء!


إن لم تكن رابطة الحب والحياة ، فمن أجل رابطة الموت


هجرت مدينتي .. هجرت شمسي .. هجرت سمائي الزرقاء !


وكان حازم يحب مدينتنا كما لم يحبها أي إنسان.
وكانت أصابعه تكاد تنغرس في ذراعي، وأنا أكاد أنغرس في صدره، والغروب يغرس حرابه في كل شارع وسطح وحقل ونحن نطل عليها من أحد المرتفعات.
كان يردد: أعبدها ! أعبدها !
- حازم .. أحس بأنني أملك العالم كله .. اني سعيدة !
- أحس بأنني جزء من العالم كله . ذلك ما يسعدني

إننا نفقد وجهنا حينما تتسخ مدينتنا، ونموت إذا تشوهت أو انتحرت، اننا ندافع عن أطفالنا حينما ندافع عن قيمنا .. اننا ندافع عن أنانيتنا حينما نفتديها..


إذا بقيت هنا ، سأكون مثله ، وسأرضى برجل مثله ، ولن أحلم برجال كحازم، ما زال في قلوبهم حرارة الصحراءة ونزقها وطهارتها.


دقيقة ، كانت لها أبعاد أعوام من الغزل المنتظم المخطط له.. أحسسته في تلك اللحظة غالياً حقاً ، لأنه هكذا ، لأننا هكذا ، مازالت لنا موجاتنا التي يبثها أحدنا ويلتقطها الآخر متجاوباً معها، ورغم أحلك الأنواء !
إذا بقيت هنا ...
ماذا يتبقى مني ؟ ماذا تبقى حتى الآن ؟


لن أصدق ! سيقتلني أن أصدق أن الحقيقة الكبرى فوضى من الوحل الذي يغرق العالم !


لماذا ، لماذا يحدث هذا دوماً في كل مكان؟
لماذا فجأة ، تختلط الأشياء والمفاهيم ، ويبدأ النزف المرير؟


- أنت حازم ؟ أنت ؟
- أجل ! أنا ، وكما لم أكن أبداً !
- وحازم الذي عرفت !
- كان غراً ، مثلك !

ليس في الحياة حقيقة تستحق أن يموت الإنسان لأجلها ..

الوطن هراء ... أية دار دافئة مريحة أملكها هي وطني !

والمبادئ ليحكم الأذكياء باسمها، ويموت الأغبياء من أجلها !

والشعب طفل غبي ، ينادي أي سارق يخطف أمه : عمي !

والتضحية مصير الخراف في أعياد الجلادين الجياع ...

والمدينة مومس بلا ذاكرة ولا قلب ، يمتلكها من يحتويها بين ساعديه !

- حازم .. وحبنا ؟
- إنه أحد أغطية الفراش التي نستر بها عن أعيننا حقيقة ما يدور بيننا !

المشاركة أسطورة .. الانانية له العالم . من أجل أنانية مثاليتك ، أما كنت تفضلين أن تسمعي بمقتلي عن أن تريني هكذا ، وتسمعي ما سمعت ؟






لقراءة القصة كاملة:
بقعة ضوء على مسرح .. غادة السمان
الجزء الأول (http://www.4shared.com/file/14397643/86a46692/____1.html)
الجزء الثاني (http://www.4shared.com/file/14398030/c02cd0b/____2.html)

الحـــالـــم.
20-04-2007, 01:26 AM
والله مجهودك ثمين

ادامك الله شمعه تنير صفحات الساخر.

@جميله@
20-04-2007, 01:32 PM
حظيت بمتعة قراءته ، وهو ككل كتابات غادة ، رائع رائع

Ophelia
21-04-2007, 07:54 PM
http://upthings.googlepages.com/ghada4.JPG



لم يحدث أن تعرفت على الموت من قبل في هذه الصورة العارية العزلاء.. نظرات زرق وملامح منتفخة ورائحة عفن بارد، وميتون بلا أسماء، بلا مراسيم، بلا وليمة، بلا قبور.. بلا شيء سوى الموت الحقير بلا أمجاد ولا تصعيد شاعري للموقف..


يبدو أننا نحب الموسيقى والعطور لأنها تعيد خلق أجواء سبق لنا أن عشناها.. انها كالفن، أسلوب نحارب به موت اللحظة، أسلوب لاعادتها إلى الحياة، لبعث ظلالها وأصدائها ولو لبرهة...


أين عيناك يا سوسن؟ صافيتان صريحتان بلا ضباب، كان يضايقني صفاؤهما ووضوحهما!!.. أين انضمامك الحاسم إلى كياني، تأكلين حينما أجوع، تئنين ألماً حينما أمسك بحبات "الأسبرو" وأتهيأ لابتلاعها وتهمسين : رأسك يؤمني يا حسان ..


وظلت يدك تتمسك بأصابعي بقسوة، بحنان لا حد لمرارته.. همست: أتساءل عن الليالي التي ستكون فيها هذه اليد لأخرى. وأتساءل هل يمكن أن أجد يدي ربما بعد أعوام في يد رجل آخر ونحن جالسان هذه الجلسة نفسها؟ .. وأنا أحمل له الصدق نفسه الذي أحمله لك الآن؟.. ان ذلك لا يطاق ، هذه الحرب بين صدقنا والزمن غير متكافئة ..


همست بحزن فجأة: أكره أن أرى النهايات ، أن أرى بقايا الأشياء الجميلة نشوهها كي نتلذذ بها ثم لا نملك إلا أن نتقزز منها..


لن أكون لك أبداً إلا إذا تأكدت من أنك تحبني.. لا أريد أن أجد نفسي ذات يوم ممدة على أريكتك زنخة ولزجة كهذه السمكة.. شيء واحد يجعلني أبداً شهية في طبقك، أبداً متجددة وعطرة.. الحب..


لن أفكر بك يا سوسن ، أغار عليك من أن أدنسك ...



القصة التالية:

دمشق .. غادة السمان (http://upthings.googlepages.com/zip)

رتوش..
23-04-2007, 04:31 AM
ممتعة هذه الغادة
وهي تفجر الحزن الأسود
وتتحدث بلغة كل التعساء
لم انقطعت


واصل

Ophelia
23-04-2007, 12:35 PM
http://upthings.googlepages.com/ghada5.JPG


خائفة يا فراس ، أين يدك؟ ) .. خائفة ، رائحة باردة ، الزرقة تملأ عيني بأبخرتها .. تتدفق من أشباح شجر الصنوبر خلف النافذة.. ربما كانت تتدفق من حديقة الجامعة الغابة، ربما كانت أنفاس المخلوقات السجينة في البناء الرابض في العتمة، المقابل لغرفتي في التل.. خائفة ( يافراس ، أين يدك ؟.. ربما لم تحمني من الخوف، ربما كانت تشاركني خوفي، لكنني أحببتها).


( الليلة ، بعد أن ينمن جميعاً سأظل وحيدة أنصت دون أن أجرؤ على غرس سيخ في أذني ليتوقف كل شيء ، ما دام همسك منذ الليلة لم يعد لي.. ربما يتوقف حينئذ كل شيء، آخر إلا تلك الشكوى المريرة الدامية.. ربما لم يسكن كل شيء إلا سيل الليالي الحزينة الباردة والتي عادت تتدفّق خائفة.. ( يا فراس.. أين يدك، فالليل بارد وحزين ؟..)


( يا فراس كيف تستطيع أن تنام الليلة.. الليلة وقد عدت ذئباً وحيداً، وخلفتني ليلى بلا جزار)..


خمسة عشر عاماً وأنا وحيدة ، أتسول يداً كبيرة دافئة كسقف دار. خمسة عشر عاماً من جحيم إلى جحيم، وانا دوماً النعجة السوداء الشاردة.. خمسة عشر عاماً وليلى في الغابة بحثاً عن الذئب كي يؤنس وحدتها.. خمسة عشر عاماً وأنا أينما حللت الشريرة الشرسة.


تمنيت أن أقول أنني لست آسفة على شيء ولست نادمة وانني أفيض امتناناً ومحبة.. وانني اذا رويت قصة ليلى والذئب لأولادي فسأخبرهم بأنه كان شاباً رقيقاً شفاف العينين، في احتضانه الشرس لليلى تخدير يشبه الحنان، يشبه اغتصاب موت عنيف كاليقظة وكالفرح.. وانه لم يعذب ليلى، وانه أراد أن يقبّلها، لكن أسنانه ركبت بطريقة جعلت من قبلته عضة مميتة.. وأنه حاول في البداية أن ينسيها خوفها بعناقه الدافئ المنعش، فلما ابتسمت بنشوة طفل فرغ للتو من امتصاص ثدي أمه، تمنى أن يمنحها كل ما يملك..


لماذا لم يغادروا المكان وكل شيء في أوجه؟.. لماذا نشوه الأشياء باصرارنا على استهلاكها حتى النهاية؟..
(ربما انتصرنا على البشاعة ولو لمرة يا فراس.. وليمتنا ما تزال في أولها.. نكاتنا لم نقلها بعد.. أسماكنا ما زالت حارة ومكسوة باللحم، لم نعر عظامها بعد، ولن تفوح منها قط رائحة زنخة.. وزهورنا لم نقطفها، وموسيقانا لم نرقص على ألحانها، ولم نبدأ استمتاعنا بها.. ربما لم تكن جريمة أن نفترق ، ربما كانت الجريمة هي أن لا نجرؤ على ارتكابها في الوقت المناسب..


الآن ، سيظل اسمك أبداً يأكلني حباً وشوقاً وحنيناً وجوعاً كلما ذكرته.. وسأظل أحلم بالساعات التي لن تصدأ لأنها لن تكون...




القصة التالية:

ليلى والذئب .. غادة السمان (http://www.4shared.com/file/14567850/58215faf/__online.html)

Ophelia
23-04-2007, 01:23 PM
تيماء القحطاني


مالذي ينقص كاتبات النت و غير النت ليصبحن غادة السمان؟

والله يا تيماء لم يعد ينقص أي أحد أي شيء ليكون كاتباً مبدعاً سوى قارئ واحد فقط !
أعتقد أنه سيأتي يوم لن نكون قادرين فيه على توزيع القراء على الأدباء لينال كل أديب قارئا واحداً على الأقل..

استمعي إلى غادة السمان في حديثها عن أزمة الأديب المعاصر:


أديب العصور الماضية كان يشكو من بطء اكتشاف العصر له، كان يقتله أحياناً اهمال معاصريه. الأديب المعاصر يشكو من استهلاك العصر له، وتجاوزه لنتاجه .. انه يتوهج ويشتهر وبعد عشر سنوات يغيبه النسيان لأنه لم يعد موضة في عصر الصرعات..

كلنا يعرف أن العصور الوسطى كانت تضطهد أديبها وتقتله أحياناً علناً ومبارة من أجل شيء قاله..
ولكن لعصرنا أسلوب فريد في القتل واضطهاد الأديب.. عصرنا يقتل الأديب أكثر من مرة بصورة غير مباشرة وبأساليب متعددة .. يقتله أحياناً حباً وثراء، ثم يقتله نهائياً لا من أجل شيء قاله ولكن من أجل شيء لم يقله!

عصرنا يفسد الأديب ويدمر كيانه، يقتل باستمرار قدرته على العطاء ثم يتجاوزه.. وليس انتحار بعض الأدباء سوى اعلانهم للناس نبأ وفاتهم، حينما يكتشفون أنه كان قد تم قتلهم نهائياً من قبل زمن بعيد...


هذا عن الأديب بشكل عام
فما بالك عن الأديبة بشكل خاص
هنا الحديث يطول ولنا وقفات معه إن شاء الله


منورة أيتها الشريرة :sd:



معي

يا أهلا وسهلا بك
أرجو أن تعجبك البقية


ابو ميشال

هل قرأت القصة الأولى من مجموعتها هذه؟
فزاع طيور آخر
بحق رائعة.. لم أقرأ بالمجموعة كلها بروعتها .. أعجبتني جدا
يا دمشق أيضاً رائعة
أهلا ومرحبا بك دائما



الحــالـــم

والله يا حالم هذا المجهود الثمين لا يعني شيئاً أبداً إن لم تقرأه
الله يديمك وشكرا لمرورك



@جميله@

هو كذلك بالفعل
شكرا لك



رتوش

لم أنقطع
وإن شاء الله سأكمله حتى النهاية
أهلا بك

Ophelia
05-05-2007, 05:24 PM
http://upthings.googlepages.com/almwae.JPG


أنا مثلك.. انسان متعب وممزق، طيب وشرير، قوي وضعيف، وفيّ وخائن كالبشر جميعاً.. انك تظلمينني بتأليهك لي.. تعذبينني بطقوسك وعبادتك. أخشى علينا من جوعك ليقين كبير..


كل ما أعرفه ، أنه كان لا مفر من أن نفترق، وأن شيئاً في داخلي قد انكسر بلا صوت، وأنني أبحر فيما وراء أصقاع الحزن أو الأمل.. وأن الأشياء في العالم الخارجي عادت تبدو غريبة ومرعبة، وانني زائغة، زائغة، قطرة زئبق على مقاهي الأرصفة..


ليس هنالك ما يهزني بما فيه الكفاية لأموت . لا أحب نفسي بما فيه الكفاية لأنقذها بالموت، ولا أكره شيئاً بما فيه الكفاية لأهرب منه بالموت..


لست حزينة بالضبط يا فاطمة، لكن الأشياء كلها امتزجت واختلطت وتشوهت.. أعصابي شبكة ممزقة، فيها آثار حريق قديم لم تعد تذكر في أي كهف شب، ولا كيف ومتى..
اسألي رف كتبك.
اليوت يصرخ من دفتي كتابه: أنا انسان الأرض البوار.
كامو يئن: أنا الغريب.
سارتر أنا الاله.
كافكا: أنا المحكوم سلفاً بلا جريمة، أنا الصرصار.


لماذا ترسمني؟ لتنتهي من اللوحة ثم تدمرها، كي لا يبقى من قصتنا سوى فرشاة محطمة، فوق أغطية فراش ملطخة بألوانك؟


هذا العالم المثقل بتراث من الأحزان، والمشاكل. ماذا سوى المواء يهربون إليه يذيبون في إلحاحه بؤس غربتهم. أما نحن هناك في مدننا الهادئة، ما الذي يشوهنا ، يطلقنا في دروب الليل بلا منارات ولا مرافئ؟



آخر قصتين من المجموعة:

المواء .. غادة السمان (http://www.4shared.com/file/15330139/5d6f2462/almwae.html)
أمسية أخرى باردة .. غادة السمان (http://www.4shared.com/file/15330470/46149b29/___online.html)

emana32
09-06-2007, 02:21 AM
دائما ابحث عن اسمك اوفيليا ...احترم اختياراتك و اقدرها ....شكراا لمجهودك ..و ذوقك الرفيع ..تقبلى تحياتى

ابو ميشال
02-08-2007, 02:10 PM
لقد قمت بنقل النص الكامل لقصــة " المواء "
في إهداء خاص لصديقتي أوفيليا



المـــواء



عاد المواء المتقطع . مواء مستمر مخنوق شاحب من هناك.
اقترب من النافذة و أطل على الهواء المظلمة : بئر من الجدران المكسوة بالهباب , تقطعها بعض النوافذ المضيئة , و أنابيب المياه و الغاز الأسود , و تبدو الأشياء بمجموعها كأحشاء بطن مفتوح .الجدار المقابل لنافذتي مقصوص من أعلاه , يطل خلفه شبح مرعب , اكتشفت في النهار انه شجرة ضخمة , و دهشت كيف يمكن لشجرة أن تعيش في وسط هذا الحي في لندن حيث يوحي كل ما حولي بالعقم !
عاد المواء مخنوقاً شاحباً , و عاد الاختناق الدامي إلى حلقي . أحسست شيئاً ما في رقبتي يموء, لاهثاً متململاً جريحاً , مرافقاً لذلك الصوت الكئيب . ابتلع لعابي و أحاول أن أبتلع حنجرتي أيضاً .
التفت إليك مستنجدة . كنت وحدي في الغرفة ... منذ عشرة أيام و أنا ألتفت إليك و لا أجدك . لعلك الآن هناك , بين جدران مرسمك العارية , تستلقي تحت صدر العتمة في شرفتك العالية , و في الركن لوحة ما لم تتم بعد . و لا فرق بين أن تتم أو لا تتم , لأنك ستحطمها حينما تنتهي , ككل لوحة رسمتها , ستظل جدران مرسمك عارية و تظل شرفتك تطل من علُ على المدينة كعيني نسر غامض !
ما زال المواء يختنق متقطعاً خافتاً لكنه مستمر , فيه تحفز حيواني دافئ . غنه يشيه أنين لذة امرأة مكتومة الفم , تغتصب عنوة.
أطل على الهوة . أعود لأتأمل النافذة العليا المواجهة لغرفتي , نورها يسقط على الستائر الحمر المتباعدة قليلاً في المنتصف , ريح لا أعرف من أين تهب و ارتجافها البطيء يتواتر مع المواء الخافت المتقطع الذي لم يهدأ منذ عشرة أيام . يداخلني – ككل ليلة – ذلك الخوف المعتوه .
على بئر الجدران المكسوة بالهباب تنزلق نظراتي . النافذة الملاصقة لنافذة غرفتي ما زالت مطفأة . إذن لم يعودا بعد ,و لم يسقط ظل عناقهما على الجدران و الأنابيب المعراة للشمس و الريح و الظلمة كأحشاء بطن مفتوح . و أنا التي ظللت أتسكع في الشوارع وحيدة , كي أعود , بعد أن ينهكهما الحب فيناما , لعلهما العاشقان الوحيدان في هذه القارة .
( أين أنت يا حازم الآن ؟ لعلك في بارك المفضل في شارع فينيقيا , تشرب و يافا تحترق في كأسك , أو في فراش امرأة ما , يذيبها حنان يديك بينما عيناك تفيضان مللاً و لا مبالاة , و وجوماً أقرب إلى غربة النسور المترفعة , منه إلى الحزن . ربما تناديها باسمي لأنك لم تسألها عن اسمها بعد , و قد لا تسألها)
بدأ المواء في الأعلى يشتد , يتلاحق كأنفاس سجين هائج , و النافذة قد انطفأت و الستائر الحمر اسودت كلون دم متخثر , لكنها ترتعش في بصيص من الضوء الخافت . شبح يتحرك خلف النافذة . إذن فقد أطفأت النور و عادت لتلتصق بالستائر و ترقبني . الستائر تخفق كقلب مجرم يتأهب صاحبه ليغرس سكينه في جسد يحبه , تتماوج بتلاحق بطيء متوتر , و المواء بدأ يتسارع و يعلو .
هذه الفتاة الغريبة الملتصقة بالستائر و الليل ماذا تريد مني ؟
يوم وصولي التقيت بها للمرة الأولى على الدرج و لم أكن أدري أنها تستأجر إحدى غرف هذا الجحر الكبير ... لفتت نظري بمظهرها الغريب : قامة طويلة نسبياً , بنطلون يضيق على ساقين نحيلتين , و ردف لا استدارة فيه كأرداف الرجال , و صدر أملس و وجه جميل التقاطيع غريبها , و شعر أشقر قصير يغطي عنقها من الخلف و يكاد يمس ياقه قميصها , ثم و جدتني أتأملها بدهشة و هي تكاد تأكلني بنظراتها , و أصابعها تتشنج و تضغط شيئاً فشيئاً على قطة سيامية سوداء تحملها , و نظراتها تخمش جلدي البني , و أصابعها الدقيقة تتشنج بوحشية على القطة السيامية التي بدأت تموء , و نظراتها تسقط في فتحة عنق ثوبي , و أظافرها تنغرس في جسد القطة التي يستحيل مواؤها شهقات محمومة هاربة من شق في جدار الجحيم . أحسست برغبة في أن أبصق .
إذن فهي ترقبني كعادتها , ترهف أذنيها لصوت إغلاق بابي حينما أخرج كي تقفز بسرعة على الدرج و تمر من جانبي كأن لقاءنا تم صدفة فتفوح منها رائحة عرق بارد كريه . أية موجة رمت بي في هذا العالم الرهيب ؟ و المواء , و أنت ,(ترى أين أنت الآن يا حازم؟) و عشرات العيون المستديرة لا أهداب لها و لا جنس كعدسات آلات التصوير ترقبني من خلف ستائر متوترة الارتجاف , تفيض بالسأم و الملل و العقم ...
المواء يستحيل صراخاً متلاحقاً مشبوباً و ستائر النافذة العليا تضطرب و تخفق , وريح مجنونة تعبث بها . أنا مغمورة في برميل مملوء بالأفاعي و العقارب الباردة (أين يدك يا حازم ؟) اهرع إلى نور غرفتي فأطفئه . استر هلعي بالظلام . أنا سلحفاة تأوي إلى صندوقها . لعلها الآن تهبط الدرج إلى بابي . صورتي مصلوبة في أحداقها الزرق : كيس نقود مدفون في حقيبة سفر , جرذ آخر في الجحر الأسود الكبير حيث لا يجمعنا سوى درج خشبي واحد لولبي كأدراج القلاع القديمة التي تسكنها الأشباح .
اسمع الدرجات الخشبية تئن لوقع أقدام عليها . صوتها صرير أغطية توابيت تفتح و تغلق . الساعة على الجدار أمامي تسعل . حشرة تلسعني على رقبتي . سائل بارد ينحدر إلى شفتي , ( أين صدرك يا حازم ؟ خبئني ! خبئني ! )
أنا وحيدة في جزيرة رعب : آلاف من الأجساد الرخوة تتسلق أحشاء البئر و تقترب من نافذتي و تموء , درجات الدرج تئن ....
المواء ينبعث من قاع اللهاث المتعب , يا أنا , قرع على الباب . أعض على حديد قفص ما , قرع على الباب , ( هل أفتح يا حازم ؟ وجهك مدفون في عنق طري أبيض و ابتسامتك الساخرة تنفث القبلات ) . اقترب من الباب , أضيء النور أهتف : " مين " , ثم أسأل بالانكليزية : من ؟
صوت ناعم : هذه أنا .... دزدرا ... هل كنت نائمة ؟
بارتياح حقيقي استنشق ما تبقى من الهواء في الحجرة . إذن فهي دزدرا . الجارة الصديقة ,و ليست فتاة النافذة العليا . افتح الباب . يصمت المواء , تهدأ الستائر في الأعلى , تدخل دزدرا . عادت بهالة سوداء حول عينيها .
تتأملني : ما هذا الاصفرار في وجهك ؟ هل أنت مريضة ؟
- لا .... متعبة قليلاً ...
- هذا طبيعي , حينما تسجني نفسك في غرفتك ... لم يخبرني أخوك قبل أن يرحل مع " تانيا " انك مجنونة , تعشقين الانفراد . قال لي إنك لعوب , و أنك ستلتهمين شباب لندن في وجبة واحدة !
إذن فتانيا اسم واحدة من اللواتي أتعثر بآثارهن في هذه الغرفة العجيبة . غرفة طالب شرقي في سلة شقراوات . الثياب الداخلية المنسية تحت المكتبة , تراها لها ؟ الفراش القذر الذي قضيت يوماً كاملاً في غسله , هل يحمل آثار حذائها ؟
و أخي الذي كان يتوضأ إذا لمحني في ثياب النوم !
دزدرا ما زالت تتحدث بسرعة , و تتحرك بسرعة . تتحدث كما يركض الناس في هذا الجحيم حينما يقطعون الشارع , حينما يحملون صينيات الطعام , حينما يرقصون , كأنهم شريط سينمائي يعرض على شاشات امامي بسرعة غير اعتيادية ....
تنهرني و تصرخ بي : ها ... أين أنت ؟ ماذا دهاك ؟
- لاشيء يا دزدرا .... كنت أستمع إلى الكونشرتو الثانية لتشايكوفسكي . إنها ترمي بي بين موجات النهر الصغير الطيب الذي اعتدت عليه . أنواء هذا المحيط الأهوج هنا تمزقني .
تنفجر ضاحكة : أيتها الشرقية المدللة ... لو أضعت وقتي في عالم تشايكوفسكي لمت جوعاً !
لو كان الرجال يتركون بصماتهم على الوجوه لكان وجه دزدرا مغطى بالجدري , و حلقتا السواد تحت عينيها . ارتاح إليها على أية حال , من خلال وجهها المتعب كسحابة خائرة أطل على هذا العالم العجيب بشيء من المشاركة . لماذا جئت إلى هنا ؟

ابو ميشال
02-08-2007, 02:16 PM
( ليلة رحيلي شددتني إلى صدرك ... و كنت أستنشقك بجوع قديسة على الرجل , أتخبط بنشوة في شباكك . أود أن لا أتحرر منها أبداً . همست : سوف أفتقدك ! و كان لصوتك رائحة أمسيات مبللة بالمطر . و وددت لو أبكي طويلاً لأستعيد طفولتي و أمني , لكنني ظللت صامدة جامدة كما أنا دائماً حينما أتمزق . هربت إلى الشرفة و كلماتك تصفعني : " ‘إنك لا تعرفين ماذا تريدين... لا تعرفين ماذا تريدين "
و قلت لك أنني على الأقل " أعرف ما لا أريد " و ضحكت : لماذا لا تخرجين قليلاً من صدفتك , و تبحرين في المحيط حولك ؟
ستكونين أكثر قدرة على الامتزاج بما حولك , و التعامل مع عالم الآخرين و يومئذ تقفين أمامي لأرسمك , مازلت عاجزاً عن رسمك ...
- لماذا ترسمني ؟ لتنتهي من اللوحة ثم تدمرها , كي لا يبقى من قصتنا سوى فرشاة محطمة , فوق أغطية فراش ملطخة بألوانك ؟ على أية حال سوف أرحل .)
القطة في أعماقي تموء . دزدرا تهزني : أين أنت؟
- هذا المواء يا دزدرا يثير جنوني !
قلت لها ذلك و كنت أتمنى أن تعلق على كلامي و توضح شيئاً من أمر فتاة النافذة العليا الغريبة و قطتها السيامية .
أجابت : إني أستأنس بصوتها ... إنه على أية حال أكثر عذوبة من صوت سقوط القنابل و صفارات الإنذار !
- لا ريب في أنك كنت صغيرة جداً يومئذ ...
- كنت كبيرة بما فيه الكفاية , لأفهم أننا كنا نجوع ليلة لا يشاركنا فراشنا الحقير شخص ثالث ...
- و أبوك ؟
- كان عليها أن تطعمه أيضاً , و بيدها , فقد عاد إلينا من الحرب مشلولاً .
هذا العالم المثقل بتراث من الأحزان , و المشاكل . ماذا سوى هذا المواء يهربون إليه يذيبون في إلحاحه بؤس غربتهم . أما نحن هناك في مدننا الهادئة , ما الذي يشوهنا , يطلقنا في دروب الليل بلا منارات و لا مرافئ ؟
( و كان وجهك متعباً , و يداك تزيحان صحناً فاخراً من الحلوى وضعه " الجرسون " للتو .
قلت لي : الريجيم ... أمرني طبيبي بمراعاة ريجيم خاص ... ثم ضحكت بمرارة : في القارب المعتم منذ سبعة عشر عاماً كنت أرتعد برداً و يافا عند الأفق تحترق , و كنت ارتعد جوعاًو لما بدأت أبكي لطمني أبي بيد واحدة و الأخرى تنزف سائلاً بارداً على كتفي . و تمنيت أن أخفيك في صدري حناناً , لكنني وجدتني أقول : يخيل إلي أنك ستظل تمزق كل ماترسمه حتى تعود إلى هناك و ترسم لوحتك الأولى التي تبقى !)
دزدرا تهتف : لا وقت للحزن يا عزيزتي . سيصل شارلز بعد نصف ساعة و عليّ أن أستعد . لماذا لا تأتي معنا إلى مقهى " ماكابر " ؟ إنه مكان ظريف يجب ألا تفوتك مشاهدته في لندن .
- و من هو شارلز هذا ؟ ظننتك تخرجين من داني , و لم ينقض على فراقكما يوم واحد . قد يتم الصلح بينكما , فلماذا الآخر ؟
- شارلز زميلي في العمل و أنا معجبة به منذ زمن بعيد , و قد دعوته اليوم إلى السهرة .
- أنت دعوته إلى السهرة ؟
- أجل , و ماذا في ذلك ؟
- هل تحبينه ؟ و هل يحبك ؟
- يحبني ؟ أنتنّ الشرقيات تتمسكن كثيراً بهذه المفاهيم التي تجاوزها عصرنا . الحب ؟ كيف ؟ ليس في غرفتي شرفة كشرفة جولييت أقف عليها في الليل . غنني أعمل ثماني ساعات و أتحمل قبلات رئيسي و رائحة أسنانه الاصطناعية كي أحصل على 10 باوند في الأسبوع . أدفع 6 باوند منها أجرة لغرفتي التي تطل نافذتها على هذا المنور الأسود . و إذا فرضنا انني استطعت الحصول على غرفة ذات شرفة و دفعت 15 باوند أجاراً لها , لما استطاع شارلز الوقوف تحت الشرفة و العزف على جيتاره , لأن السيارات المجنونة سوف تكنسه , و إذا وقف على الرصيف فسوف تطحنه أقدام المارة الراكضين خلف آخر " أوتوبيس " في الليل , لأنه إذا فاتهم سيكون عليهم أن يقطعوا المسافة ركضاً فيما لا يقل عن ساعات ثلاث , أو يدفعوا أجرة تاكسي و يجوعوا في اليومين التاليين ....
تتحدث بسرعة و عيناها تلتمعان بجذل فأر اعتاد قذارة جحره و تتابع :
- أنتنّ الشرقيات لا تعرفن معنى الحياة الحقيقية : الجوع و الرغبة و الشهوة و الملل و العقم ... كل ما يريده الرجل من امرأته هو أن تطبخ جيداً و تستحم جيداً ..... غنها نعمة على أية حال ترتعن فيها ....
عاد المواء طويلاً متقطعاً حزيناً , كأنه ينبعث من بناء آخر ناءٍ في الطرف الآخر من العالم ,
( ترى أين أنت الآن يا حازم ؟ أكثر من لحظة مضت أعرف معنى أن اختفي في صدرك و مع ذلك ما الفرق بين أن أرحل أو لا أرحل , ما دمنا في رحيل دائم احدنا عن الآخر ؟ و الحبل الذي يشدنا لا ينقطع فيرمينا , و لا نريد أن يقصر , فيوحد بيم كيانينا ).
دزدرا تخرج و هي تقول برقة : سأقرع بابك قبل ان أذهب و أرجو أن ترافقينا إلى " ماكابر " .
ما زلت حائرة . هل أرافقهما ام لا ؟ لا أدري ماذا أريد ( و أنت أيضاً يا حازم , هل تعرف ماذا تريد ؟ لم تجب يومئذ . و سمعت في صمتك صوت تكسر أشياء تتحطم . أنك سئمت كل شيء . لم تعد تبغي سوى أفيون تخدر به أيامك , أو ... أو انك أقنعت نفسك بأنك سئمت لما اكتشفت أن الخيبة في آخر كل طريق , و تسألني : ماذا بعد ؟... و تركض كفرس أصيلة في السباق , تقدمت كل من سواها لكنها تردد في سأم عند كل منعطف : و ماذا بعد ؟ و ماذا بعد ؟ هنالك خطأ ما في التخطيط لميدان السباق بأكمله ).
المواء لا يهدأ . لعلها عادت إلى نافذتها لترقبني . الساعة تكاد تشير إلى العاشرة و السماء لما تظلم بعد . هذا الليل المشوه كم اكرهه . هذا الليل المجهض , أين الليل الحقيقي في شواطئ بيروت ... و أنت ...
( و السيارة تشق صدر العتمة حتى وصلنا إلى الميناء و أشباح السفن في الليل تلتمع بأضوائها المتناثرة و تبدو البعيدة منها خيوطاً من نور .
قلت لي : هل رأيت الميناء في الليل ؟ و لم أجبك . لم أقل لك أنني رأيت كل شيء قبل أن ألتقي بك . لكن كل شيء يبدو الآن جديداً , كأن عالمك ما كان قط لسواك من قبل , و لن يبقى فيه سوى آثارك أنت من بعد . و مع ذلك صمت . كنت أعرف كم يمكن أن يضحكك مثل هذا الكلام , فتتهمني من جديد بالانتماء إلى قرن مضى . و أنت , إلى أي قرن ينتمي ؟ و حنانك الجارف الذي يشع من ومضات صغيرة , من أسلوبك في رعايتي , من اهتمامك و دفئك ؟)
ضحكات على الدرج ... المواء الطويل صار وحشي العنف . لقد عادا .
لقد عادا إلى غرفتهما المجاورة ... الرعب نفسه , الخوف نفسه . و المواء بدأ يتعالى في أعماقي حاراً مشبوباً , أغلق فمي كي لا اسمعه , لكنه يعلو و يعلو و يتدفق من مسامي , من رقبتي , من عينيّ شبه المغمضتين .
يغلقان باب غرفتهما . ضحكاتهما تستحيل إلى غمغمات ... ألتصق بالجدار الخشبي الذي يفصل بين غرفتينا كما أفعل كل ليلة منذ ليال عشر . أخشى أن يسمعا ضربات قلبي كما أسمع صوت اصطكاك عظامهما . حذاؤها يسقط على الأرض ثقيلاً . المواء يتلاحق بسرعة شرهاً مخنوقاً . اسمعهما يتنفسان كفحيح الحديد المحمى حينما يغمس في الماء البارد . المواء في داخلي يستحيل ندباً مريراً . صرخة طويلة , و يصمت المواء ....العرق البارد يتصبب على الجدار الخشبي . أنا قنفذ وقفت أشواكه . عليّ أن أنتمي إلى هذا العالم ما دمت عاجزة عن العودة إلى القرن التاسع عشر . " ليلى " سئمت من مضاجعة أشعار " قيس " طيلة قرون ...
في الطريق قالت لي دزدرا و هي تلتصق بشارلز : انتقي الليلة شاباً أشقر من شبان لندن حاولي أن تقضي معه وقتاً طيباً !
( وقتاً طيباً ؟ و لكني عاجزة عن التمتع بصداقات القطارات . لا أستطيع أن أنسجم مع رجل لا اعرفه , لا أستطيع أن امنح جنساً مقطراً معزولاً عن مشاعري , على أية حال سأحاول , و قد أعود إليك امرأة أخرى)
في شارع سوهو , مقهى " ماكابر ".
نهبط السلم الحجري إلى المقهى ... صفير شبان مراهقين يقفون حوله . ألفت الانظار بسمرتي . أوقظ المواء في غابة الرجال بين الرصيف و باب القبو ... ليتني , الليلة , أمزق الجدار الزجاجي , و انضم على العالم حولي , ( ليلة ضممتني للمرة الأولى خنقني بكاء اخرس , توسلت إلى آلهتي التي تتعرى أن تكون بلا جسد , كي يموت العري من العالم )
ندفع رسم الدخول . يمسك شاب بيدي , بينما يغمس ريشته في محلول ما و يمر بها على يدي . في النور البنفسجي يضيء موضع ريشته . غنها إشارة الدخول , شارة وطاويط المكان , و أحسني واحدة من يعاسب الحقول , مضيئة و خفيفة , و أحس برغبة في الانطلاق , في الخبث , في إثارة سرب من الجراد يلاحق نوري الخافت , و المواء بدا يترنح و يتناغم بهدهدة لذيذة في داخلي .
لا أكاد أدخل حتى أجدني في مقبرة ... مقبرة من نوع عجيب !
المقاعد توابيت سود عتيقة . الأضواء الحمر الخافتة تنسكب من خلال عظام هياكل عظمية و ظلال أضلاع القفص الصدري تقطع المكان بحديد قضبان لا محسوسة , و الكؤوس التي يشربون منها على التوابيت جماجم بشرية . و في الوسط ؟, تحت هيكلين عظميين متعانقين , علقا على السقف , ترقص مجموعة يصعب عليّ تمييز شبانها من فتياتها ....
( هذا الجيل الجديد في لندن يرعبني , لرجاله شعر طويل , و نظرات مخنثة لا تطاق ... ما زال الرجل في بلادي صلداً , يثير حنين فتاته إلى انسحاق كامل ... مازال يعاملها على أنه هو الرجل ... على أية حال لا مكان لمثل هذا في مدينة يموت من لا يعمل فيها ).
نجلس إلى تابوت غادره أصحابه للتو . الموسيقى دقات مطارق مسعورة ... العناق ... رائحة الخمر ... في الحلبة زحام ثيران يتدافعون في مصعد معطل .
دزدرا و شارلز وقفا يرقصان . الزحام لا يتيح لهما مكاناً للحركة ... المواء يتعالى من كل مكان , وحشياً طويلاً , مترنح النبرات كأن ينبوعه هنا في هذه المقبرة... مقبرة القرون الماضية و قيم الأيام الغابرة .
هنا مدينة الحب الجديد , الحب الطحلبي , من يتمرد يستحيل جمجمة يشربون بها ... المواء في داخلي يطغى على كل شيء زعيق مفاجئ للحن أوتاره مشدودة كعروق جبين متألم . امسح العرق عن جبيني . شاب يطأ على قدمي . ألمها عن الحلبة . دزدرا ترتمي فوق شارلز . يتكومان على تابوت مجاور , يزاحمان زوجاً بشرياً ينضح عرقاً و مواء . يتبادلان القبلات بنهم و استخفاف و بالمادية نفسها التي يلتهمان بها أية وجبة طعام
( حينما تقبلني أرفض أن أصدّق أنك تستعمل الفم نفسه للحب و للأكل , و أحسني أسقط في غيمة مضيئة كثيفة ومنعشة أستسلم لكهاربها , لبروقها و رعودها , أطفو عليها ثم اغرق إلى قاعها , أتمسك بك بتشنج غريق في نهر مقدس , و استسلم لك بلذة لحظة الموت ... لحظات لا تمنحها سوى شفتيك أنت ...أنت وحدك )
يستحيل المواء قهقهة . أعب من الكأس أمامي , أسكب نارها المر دفعة واحدة .
- هل تسمحين بهذه الرقصة ؟
بصعوبة أسمعه ...أتأمله ...شاب نحيل طويل السالفين , شفتاه منتفختان بجوع زنخ ..
في التابوت تحتي أنين امراة ما حنطت لأنها رفضت أن تعيش حياة ما فوق التابوت . لا مفر من الاختيار . ماذا يدعم غبائي في وادي المواء هذا , و ذاتي المشتتة على طول قرنين من الزمن ؟ فلأرقص .
انهض . يتعالى المواء بوحشية . اهتز بتراث امرأة شرقية عاشت قروناً من الحريم تتعلم كيف تثير حينما تتحرك . أمامي يقفز كشيطان في وليمة البدائيين . أضرب الأرض بقدمي , و النور ينسكب مترنحاً من الجماجم .
من مسامي يتفجر العرق و النحيب و المرارة , لكنني لن اهزم . لن انسحب إلى التابوت . أتلوى , أحاول أن أقطع قيوداً لا مرئية . ارقص , أحاول أن أحطم جداراً , أن اجتاز جسراً جئت من طرفه المغمور بالغمام , و اتجه إلى طرفه المغموس بالدم و المواء و قرع المطارق .
تنتهي الرقصة . أعود إلى التابوت و أجلس عليه , يخيل إليّ أن المرأة في داخله تقهقه , تثير جنون موائي ... و أحس بأنني أحقد عليها ..." جولييت " عصر الذرة ...
أراها خلال خشب التابوت . لها وجهي . لكنها تبكي و أنا هنا امرأة خرجت للتو من مصنع البشر الآليين , و جاءت إلى مخزن الحب لتشتري علبة معبأة بالجنس , تطهيها بسرعة و تلتهمها , ثم تمسح آثار المائدة , و تنسى ما كان في أقل من ليلة.
دزدرا تهزني : لماذا لا ترقصين ؟
- لم أعجب بأي شاب بعد لادعوه إلى الرقص !
الليلة , الآن , سأدعو شاباً ما إلى الرقص , ثم إلى العشاء و أذهب به إلى أفخر مطاعم المدينة . و إذا جاءت العجوز التي تبيع زهوراً للعشاق فسأبتاع له زهرة حمراء , يزين بها شعره الأشقر الطويل الناعم . و إذا أعجبني فسأرافقه إلى غرفته , و أبقى معه فترة ما , ثم أترك له على المنضدة قبل أن أمضي ورقة نقدية مناسبة . العلاقات الجديدة ليس فيها رجل و امرأة . فيها طرفان ... أي طرفين .
و فجاة أراها , فتاة النافذة العليا . المواء يتشنج , تراني و تقترب مني , رغم العتمة النسبية , تتبينني كأنها تعرفني من رائحتي كأي حيوانين في الظلمة ...
دون أية كلمة تجلس على التابوت إلى جانبي . المواء يستحيل ضربات طبول. إيقاعات أجساد عارية مشدودة تؤدي رقصة بدائية عتيقة في غابة تتعالى من أركانها المعتمة صوت المواء ...
ما الفرق بين هذه الفتاة و ذلك الشاب الذي طلبني للرقص منذ لحظات ؟
( ما الفرق و أنت يا حازم , أنت وحدك تثير في نفسي إحساسي بأنوثتي , و معك وحدك أستحيل امرأة ... أما الآن فلا جنس لي , لا جنس لي على الإطلاق )
صامتتان . نصعد الدرج الخشبي . لا نتوقف أمام باب غرفتي , نتجازوها ..أمام غرفتها نتريث برهة ريثما تفتح الباب.
في مواء القطة نشوة مكتومة . تضيء النور . غرفة حقيرة كل ما فيها جائع : الجدران جائعة للطلاء و المقاعد للكساء و على المنضدة في الزاوية بقايا خبز و جبن لوليمة كانت منذ البداية بقايا .
مواء القطة يتشنج و يعلو . الستائر ترتجف , الفتاة الرجل تسرح شعرها أمام مرآة فيها شرخ طولاني كبير يمزق وجهها إلى شطرين ... لا أحس بأي خوف .
صمت كامل مشحون بالترقب , حتى المواء في الداخل يصمت , منضدة خشبية إلى جانبي أستند عليها , ( لا ريب في أنهم يتركون لها النقود هنا كل فجر ) علبة سجائر تخرج منها واحدة لها و أخرى لي ... تضع لفافتها بين شفتيها المتهرئتين و تشعلها . تمسك بها في يدها و تقربها من الأخرى التي وضعتها في فمها لتشعلها . تلتحم السيجارتان عند طرفين متوهجين كالجمر . أجدني أتأملها . أهذا كل شيء ؟
و إذا رضيت بان اعيش في مدينة تحولنا إلى سجائر متشابهة فل أرضى بأن يكون هذا كل شيء . مجرد لقاء الجمر بالجمر , ريثما تنتهي السجائر في دقائق !
أحس برغبة في أن أصفع شيئاً ما , أكسر شيئاً ما , يدي في جيوبي أبحث عن نقود . اترك لها على المنضدة عدة أوراق و عدداً من القطع الفضية . افتح الباب و اخرج , و أغلقه خلفي بعناية و يلاحقني صدى المواء من جديد .


.....تمّت ....

Ophelia
09-08-2007, 11:34 PM
شكراً جزيلاً لك يا أبو ميشال
وشكراً لكل من مر هنا وقرأ

أرجو منك يا أبو ميشال أو ممكن حمل قصة ( يا دمشق ) لديه
أن يعيد رفعها لنا على أي موقع لأني فيما يبدو حذفتها دون أن أنتبه من الموقع الذي كانت مرفوعة عليه
ورغم بحثي عنها في كومة الملفات والأقراص إلا أني لم أجد أراضيها بعد :n:
أرجو ممن حملها أن يساعدنا برفعها مجدداً
وشكراً

seef
10-08-2007, 01:58 PM
الاخت اوفيليا اختيارك موفق أثريت الموضوع ..
اقدر جهودك الثقافيه العاليه ..
دمت بخير ..

ابو ميشال
12-08-2007, 08:43 AM
أهلا أوفيليا و لا شكر على واجب
هذا اقل ما نقدمه لعشاق القلم الصادق ( غادة السمان )
و بالنسبة لقصة ( يادمشق) سأحاول ان اكتبها لكم كما فعلت مع قصة( المواء)
لكن انتظروا قليلا لان الموضع بدو وقت

الولد السعيد
14-08-2007, 08:38 AM
أعمال غادة السمان لا تمل

هل لها جديد ؟

ممههاا
16-12-2007, 01:06 PM
ليل الغرباء مزيج من الكره المشبع بالحب ومن البعد والقرب وقلق الروح