PDA

View Full Version : أيّام من حياة زينب الغزالي ..



إحسان بنت محمّد
27-04-2007, 03:31 PM
أيام من حياة زينب الغزالي



د. محمد الشواف
6/7/1426
11/08/2005

محنة تحوّلت إلى منحة، عندما أراد الله لزينب الغزالي - رحمها الله- أن تغيّر مسيرة حياتها، وتتوجه إلى الله بكليّتها؛ وتدعو إليه على بصيرة لمدة ثلاثة وخمسين عاماً، فقد تعرضت لحادث حريق في منزلها، كادت تفقد حياتها بسببه، ونذرت -إن عافاها الله من الحروق- أن تعمل لدينه، وتسعى لما فيه خير المرأة المسلمة، وتترك الاتحاد النسائي، وتتوجه إلى الدعوة الإسلامية، وأكرمها الله بالشفاء، وبدأت مرحلة جديدة في مسيرتها الدعويّة.


إن من يتعمق بدراسة مراحل حياة الداعية زينب الغزالي، يدرك أنه أمام امرأة عظيمة، عمَر الإيمانُ قلبها، فقرّرت أن تسير في طريق الحق، دون الالتفات لزينة الحياة الدنيا، وبهرجها الخادع، رائدها الإخلاص، وأمنيتها أن تفوز برضا الله تعالى، وتطمع أن تحظى في الآخرة بجنّته.


كما أنه لايمكن لهذه الشخصية العظيمة أن تتشكل لولا عوامل تضافرت مجتمعة، فجعلتها نسيج وحدها؛ فهي بنت أسرة كريمة، اجتمع لها أصل عريق يمتد إلى الخليفة عمربن الخطاب رضي الله عنه، من جهة أبيها، وإلى الحسن بن علي - رضي الله عنهما- من جهة أمها.


وكان أبوها من علماء الأزهر، وأولاها من العناية وحسن التربية والتشجيع ما أسهم في تكوّن شخصيتها، فقد كانت تتمتع بشخصية متميزة، تتطلع دائماً لمعالي الأمور.


بعد قراءتي لكتابها (أيام من حياتي) كانت تتملكني الحيرة، ويأخذني العجب العجاب، وعشت صراعاً عنيفاً مع نفسي أقارن بين نظرتي لقصص أغرب من الخيال، عن سجون رئيس كانت جماهير الأمة العربية تتوهم أنه سيكون رائد الوحدة العربية، التي ستكون نواة الوحدة الإسلامية، وبين نبرة الصدق التي ألمسها في كل كلمة من كلمات الداعية الممتحنة زينب الغزالي في كتابها.


كانت أمنيتي أن أجتمع بمن يعرفها عن قرب لأستوثق من كثير مما جاء في الكتاب، ويشاء الله أن ألتلقي زينب ذاتها، خلال عملي في مكتب رابطة العالم الإسلامي في باكستان في الثمانينيات من القرن الماضي، وكنت لا أزال أحسّ أنني بحاجة إلى التعرّف أكثر على هذه المرأة العظيمة، التي صبرت على محنة السجن، وذاقت ويلاتها، وحاول السجّانون المساس بشرفها.


كانت زينب الغزالي قد جاءت للاطلاع على أحوال المهاجرين الأفغان، ومساعدتهم بما تستطيع، و طلب مني الشيخ عبد الله عزام -رحمه الله- مرافقته للقائها. كان لقاء مباركاً، ضم ثلاثة من قادة الجهاد الأفغاني ضدّ الاتحاد السوفييتي آنذاك، وتكلّمت زينب الغزالي بموضوعات مهمة ومختصرة، وأوصتهم بالاتحاد، ووحدة الصف، ونقلت إليهم أخبار تعاطف جماهير المسلمين معهم، ومع قضيتهم العادلة، ثم سلمت كل واحد منهم ظرفاً فيه تبرعات من الأخوات المسلمات في الدول العربية.


وفي تلك الزيارة لباكستان، قابلتْ زينب الغزالي الرئيس الباكستاني – آنذاك- ضياء الحق، وكان مقرراً للمقابلة حوالي عشرين دقيقة، ولدى الرئيس مواعيد مسبقة وبرنامج محدد، ولعله لأول مرة ينسف كل المواعيد، ويؤجلها، ليسمع حديثاً عجباً من زينب الغزالي عن معاناة المسلمين في بعض الدول العربية، وما تتعرض له المرأة المسلمة من السجن والتعذيب، مما يندى له الجبين، وضياء الحق يصغي إليها ويبكي، ويستمر اللقاء ساعتين ونصف.


تذكرت هذه الحادثة لما أصرّت أمريكا على التخلّص من ضياء الحق، مع التضحية بسفيرها؛ لأن المرحلة تطلّبت من هو أسوأ منه؛ فطواغيت الأرض الكبار، لا يرحبّون بمن يخدمهم على مضض، وكأنه يأكل الميتة، ولم يعد للمتأولين سوق لديهم، ولا يقبلون مَن يأكل الخنزير مضطراً، بل يريدون من يأكله متلذّذاً، ومعبّراً بكل حواسه عن ذلك السرور!!


مما يؤسف له أنني علمت أن ما نُشر في كتاب (أيام من حياتي) كان جزءًا من الحقيقة، ولم يكن الحقيقيةَ كاملةً؛ لأن الحقيقة كانت أسوأ وأعنف، وأدمى لقلب المؤمن، مما ذُكر في الكتاب.


كُرِّمت زينب الغزالي من الاتحاد الإسلامي الأوروبي، وكُرِّمت من نقابة أطباء الإسكندرية، وهي تكرم لأنها رائدة في هذا المجال، وصاحبة تاريخ طويل، وعريض في الدفاع عن الإسلام، وزارت كثيراً من الدول العربية والأجنبية.


كم نحن مقصرون بحق دعاتنا، وعظمائنا!! أليس من المحزن أن تعيش هذا العمر الطويل الحافل، في الدعوة، وخدمة الإسلام ثم لا تأخذ حقها من التكريم؟! نعم هي تطمع بما عند الله من الثواب، لكن هذا لا يعفينا من أداء واجبنا نحوها.


وأتمنى أن نرى قريباً دوراً لتحفيظ القرآن الكريم تحمل اسمها، وكذلك مؤسسات ثقافية، ومراكز دعوية نسائية.


كثير من الدروس والعبر نتعلمها من مسيرة حافلة بالعطاء لداعية عاشت (88) عاماً، أمضت أكثرها في الدعوة إلى الله سبحانه، وصبرت على المحن التي تعرّضت لها، ولعل من أشدها بعد حادثة السجن، أن يجبروا زوجها على طلاقها، ويحضروا لها وثيقة الطلاق إلى السجن!


رحم الله الداعية المجاهدة زينب الغزالي، وغفر لها، وأسكنها الفردوس الأعلى، إنه ولي ذلك والقادر عليه سبحانه، والحمد لله رب العالمين.

إحسان بنت محمّد
27-04-2007, 03:33 PM
أتمنى من الّذين حظيوا بشرف قراءة هذه النادرة ، أن يمتّعونا بالحديث عن ما شعروا به بُعيد انتهائهم منه .

وأتمنى من الجميع أن يشاركني هنا الحديث عن زينب الغزالي وفكرها العظيم :)

تحيتي ،

إحسان

إحسان بنت محمّد
27-04-2007, 03:37 PM
حين يخفت نضال الرجال.. تبرز أكثر قيمة نضال المرأة.. ويصبح دينا على كل من طالته ثمرات نضالها.. وساهم جهدها في إيصال الحق إليه.. أو دفع الأذى عنه أن يرد التحية بخير منها وزيادة.. وأن ينشر ملحمة جهادها إحقاقا للحق وتثبيتا للمجاهدين الجدد..

.... وإذا كانت الرموز النسائية المتعددة الاتجاهات الفكرية والسياسية قد حظيت بالشهرة والانتشار سيما في النصف الأخير من القرن المنصرم، فمن الملاحظ أن هذا لا ينسحب على الرموز النسائية الإسلامية اللاتي لم يحظين بالانتشار الذي لمثيلاتهن من التيارات الأخرى ويكاد ينحصر ذكرهن وتأثيرهن على ذوات الانتماء الإسلامي فقط.. بخلاف الرموز النسائية العلمانية التي استطاعت الدوائر الإعلامية العربية والغربية إبرازهن وتسليط الأضواء عليهن كرموز عامة ونماذج تمثل المرأة العربية.. والحقيقة أنهن نماذج للتبعية الغربية والانسلاخ عن الذات.. ومن صفحات ذلك السجل المنسي نستقرئ سيرة امرأة أكدت أن الجهاد قدر يلقى على أكتاف النساء كما الرجال.. امرأة تجاوز جهادها مسألة تحرير الأنثى إلى مسألة تحرير الإنسان.


نسبها ونشأتها:

زينب محمد الغزالي الجبيلي، عربية الأصل، ينتهي نسب والدها من أبيه إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وأما نسب أمها فينتهي إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما . وقد ولدت في ( كانون الثاني ) يناير 1917م ، ونشأت بين والدين ملتزمين بالإسلام ، وكان والدها - رحمه الله - من علماء الأزهر الشريف، وكان حريصا على تنشئتها تنشئة إسلامية متكاملة.

درست زينب الغزالي في المدارس الحكومية، ثم تلقت عـلوم الدين على مشايخ من رجال الأزهر الكبار في علوم التفسير والفقه . ومنهم الشيخ عبد المجيد اللبان _ وكيل الأزهر ، والشيخ محمد سليمان النجار _ رئيس قسم الوعظ والإرشاد بالأزهر الشريف ، والشيخ علي محفوظ مـن هيئة كبار العلماء بالأزهـر.

وبذلك فقد جمعت زينب الغزالي بين الطريقتين في العلوم : المدرسية الحديثة والتقليدية القائمة على أخذ العلم من شيوخه وأهله مباشرة.

أعمالها وكتاباتها:

كانت زينب الغزالي من المؤسسين للمركز العام للسيدات المسلمات، فقد أنشئ سنة 1356هـ الموافق1936 م ، وأدى واجبات كثيرة، فقد اختلف مع كل الأحزاب السياسية؛ لأنه كان يطالب بأن تحكم الشريعة الإسلامية في مصر ، وكان يطالب بعودة المسلمين كلهم إلى الكتاب والسنة ، وإلى إقامة الخلافة الإسلامية .

وكتبت زينب الغزالي مجموعة من المصنفات من بينها (( أيام من حياتي )) و (( نحو بعث جديد )) ، وكتابا آخر اسمه ((نظرات في كتاب الله )) ، ولقد فسرت فيه سورة البقرة ، وآل عمران ، والنساء وكتب أخرى منها :

- (( أسماء الله الحسنى ))

- (( ولغريزة المرأة )).

والناظر في كتب الداعية زينب الغزالي يجد فيها امرأة عالمة وفقيهة واعية لعصرها ولما يدور من حولها من أحداث ، ويبرز ذلك في كتاب نظرات في كتاب الله.

تقول زينب الغزالي" - بعد صدور كتابها "نظرات في كتاب الله" : "أنا أحببت القرآن حتى عشته ، فلما عشته أحببت أن أدندن به لمَن أحب ، فدندنت بعض دندنة المفسرين ، ولا أقول إني مفسرة ، ولكني أقول : إنني محبة للقرآن ، عاشقة له ، والعاشق يدندن لمن يحب ، والعاشق يحكي لمن يحب ، ويجالس من يحب ، ويعانق من يحب ، فعانقت القرآن ، وتحدثت به وله في جميع الملايين من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ، وعشت أدندن به في المساجد لأكثر من ستين عاماً ، أي عمر الدعوة التي أسستها في المساجد منذ 1937".

ويجد امرأة صاحبة قلم أدبي مؤثر ، وحس مرهف ، وذاكرة حاضرة في كتابها أيام من حياتي .

حياتها السياسية :

طلبها جمال عبد الناصر يوما لمقابلته فرفضت ، فكانت بداية العداوة بينهما ؛ لأنها قالت لرسول الرئيس : "أنا لا أصافح يدا تلوثت بدماء الشهيد عبد القادر عودة ". فدخلت السجن وتعرضت للتعذيب الشديد ، ولكنّ هذا لم يردعها عن مطالب حزبها الإسلامي بإعادة مبدأ الشورى في الحكم.

حياتها الدينية:

زارت المملكة العربية السعودية 60 مرة ، وأدت فريضة الحج 39 مرة ، واعتمرت 100 مرة، وزارت الكثير من الدول العربية والإسلامية لنشر الدعوة الإسلامية ، ولإلقاء المحاضرات الدينية في الدعوة إلى الله تعالى . وقد أمضت في حقل الدعوة 53 سنة - أكثر من نصف القرن - التقيت فيه بكل رجال الدعوة الكبار . وتأثرت بشخصيات كثيرة منهم : حسن البنــَّا ، هو الأكثر تأثيرا في نفسها وضميرها ، وحسن الهضيبى -رحمهم الله جميعا .

نظرتها المستقبلية:

لزينب الغزالي نظرة وأمل في مستقبل المرأة المسلمة ، وبأن القيادة النسائية ستكون للمرأة المسلمة في المستقبل شاء أعداء الإسلام أم أبوا ، فإن الذين يتقدمون مسيرة المرأة في العالم تحميهم المراكز الكبرى الحاكمة بغير ما أنزل الله سبحانه وتعالى .

تحليل ونقـــد لكتاب " أيام من حياتي :

أهمية الكتاب وفوائده وقيمته في الحركة الإسلامية

يعتبر الكتاب وثيقة هامة وسجلا تاريخيا لحقية تاريخيه مهمة للدعوة الإسلامية ، وفيه تفاصيل وأحداث حدثت في فترة ما بين 1964) إلى (1971 ووثق فيه أيضا أسماء بعض رواد الدعوة الإسلامية الذين أسهموا في بقاء بعض التشريعات الإسلامية التي ظلت غائبة حتى وقتنا الحاضر.

خصائص الأسلوب وطرائق العرض لكتاب [ أيام من حياتي] :

كانت الكاتبة حاضرة في عرضها لموضوع كتابها ، وهذا أمر طبيعي ؛وذلك لأنها تكتب في سيرة حياتها .

وقد أبرزت الكاتبة هدفهـــا في النص بصورة مباشرة في مقدمة الكتاب ، وفي الكتاب صور لمواقف الثبات على المبدأ والدين الإسلامي في حياة الدعاة المعاصرين . ويتراوح أسلوبها بين الحوار والسرد .

وكانت الكاتبة تستخدم القران الكريم والشعر العربي العمودي كشواهد وأدلة داعمة ، مما جعل الكتاب أكثر دقة وعلمية وبعدا عن الذاتية والأنا ، ويلاحظ عليها دقتها وحسن اختيارها للشعر لما يتضمنه من معان غزيرة وجميلة وعظيمة المغزى وحس أدبي مرهف .

إحسان بنت محمّد
27-04-2007, 03:53 PM
علي محمد الغريب (http://www.lahaonline.com/index.php?option=content&task=guest_display&id=139&sectionid=1)


زينب الغزالي رحمها الله تعالى امرأة ينطبق عليها قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم :"خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"، فقد كانت قبل التزامها بالدين الإسلامي شعلة متوقدة، ولساناً طليقاً ينطق بغير الحق ويدافع عنه، اعتقاداً منها أنَّه الحق، ثمَّ ما لبثت أن أبصرت النور، فأعطت في الالتزام أضعاف ما أعطت في غيره، وهي إلى اليوم من أركان العمل الإسلامي النسائي في الوطن الإسلامي الكبير، فقد أسست لهذا العمل وعملت له بكلّ إخلاص وتفان، ومازالت.


نسيبة بنت كعب


وُلدت زينب محمد الغزالي الجبيلي في 2 يناير1917م بإحدى قرى محافظة البحيرة بمصر، وقد كان والدها من علماء الأزهر الشريف، فأنشأها على حبّ الخير والفضيلة، ونمَّى فيها استعدادها الفطري للقيادة والجرأة في الحق، والصدق في الحديث، والوقوف ضدّ الظلم، وكان يسمِّيها "نسيبة" تيمناً بالصحابية الجليلة نسيبة بنت كعب المازنية الأنصارية، التي اشتهرت بالشجاعة، وتُعدُّ من أبطال المعارك، وقد أبلت بلاءً حسناً يوم أُحد، وجُرحت اثني عشر جرحاً بين طعنة وضربة سيف، وكانت ممَّن ثبتوا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين تراجع الناس.


عندما أراد والدها أن يُشبِّهها بهذه الصحابية الجليلة، إنَّما كان يرمي إلى تعويد ابنته الصغيرة على حبّ الجهاد، والذود عن الدين الإسلامي، وعن سيرة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وعن صحابته الكرام، فصنع لها سيفاً من الخشب وخطَّ لها دائرة على الأرض بالطباشير، وقال: قفي واضربي أعداء رسول الله، فكانت تقف في وسط الدائرة، تضرب يميناً وشمالاً، من الأمام ومن الخلف، وعندما يسألها والدها: كم قتلتِ من أعداء رسول الله وأعداء الإسلام؟ فتقول: واحداً، فيقول لها: اضربي ثانية، فتطعن الهواء وهي تقول: اثنان، ثلاثة، أربعة، وهكذا.


لم تدم طفولتها السعيدة بعد وفاة والدها وراعيها ومحفِّزها على الدفاع عن الدين وصيانته وهي في سنّ العاشرة، فأحسَّت بضياع أحلامها وآمالها، ثمّ انتقلت ووالدتها إلى القاهرة للعيش مع إخوتها الذين يدرسون ويعملون هناك. وعندما رغبت في إتمام دراستها اعترضها أخوها الأكبر محمَّد الذي قال لوالدته عندما حدثته في هذا الشأن: إنَّ زينب قد علَّمها والدها الجرأة، وعلَّمها ألاَّ تستمع إلاَّ لصوتها ولعقلها، ولذلك لا أوافق على إتمام تعليمها مادمت وليّها، ويكفي ما تعلّمته في مدارس القرية.


كان موقف محمّد أوَّل تغيير في حياتها بعد وفاة والدها، ولم تكن راضية عن هذا الموقف، وكانت والدتها تقول لها: عليك بإطاعة أوامره لأنَّه في مكان والدك.


في وسط هذه الحيرة المبكِّرة ساعدها أخوها علي، وهو الأخ الثاني، على الاستمرار على موقفها، وكانت قناعاته تتمثَّل في أنَّ تعليمها يقوِّم أفكارها، ويصوِّب رؤيتها للأشياء والناس، واقتنى لها العديد من الكُتب التي ملأت حياتها وآنستها في وحدتها، أهمها كتاب لعائشة التيمورية عن المرأة حفظت أكثر مقاطعه.


لم تكتف بالكتب والقراءة الحرّة، فخرجت ذات يوم من منزلها بحي شبرا وعمرها آنذاك اثنا عشر عاماً، وراحت تتجوَّل في الشوارع، فوقعت عيناها على مدرسة خاصة بالبنات، فطرقت بابها، وعندما سألها البوَّاب عن غرضها، قالت له: جئت لمقابلة مدير المدرسة. فسألها: لماذا؟ فقالت وهي واثقة من نفسها: أنا السيدة زينب الغزالي الشهيرة بنسيبة بنت كعب المازنية، ولديّ موعد معه. فأدخلها البوَّاب وهو يتعجَّب من طريقة هذه الفتاة الصغيرة.


دخلت مكتب المدير وبادرته قائلة في طريقة آلية: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أنا السيدة زينب الغزالي ولقبي نسيبة بنت كعب المازنية؛ فنظر إليها الرجل وتصوَّر أنَّ بها مسَّاً من الجن من طريقة إلقائها، ثمّ قال لها: ماذا تريدين يا سيدة زينب أو يا سيدة نسيبة؟ فقصّت عليه قصّتها وموقف شقيقها الأكبر من تعليمها، وطلبت منه أن يقبلها طالبة في مدرسته، وعندما سأل عن والدها وأخيها عرفها وعرف أسرتها، وعرف جدّها تاجر الأقطان المشهور، ووالدها الأزهري المعروف. أُعجب مدير المدرسة بذكاء الفتاة وجرأتها وأجرى لها اختباراً في بعض الأسئلة، فأجابته بكلّ ثقة، فطلب منها إحضار أخيها علي الذي يؤيِّد تعليمها ليسجِّلها في المدرسة. وبعد شهرين من انتظامها في الدراسة أجرى لها اختباراً ألحقها على إثره بالفصل التالي، ثمّ انتقلت بعده إلى الصف الأول الثانوي.


بعد حصولها على الثانوية طالعت في إحدى الصحف أنَّ الاتحاد النسائي الذي ترأسه هدى شعراوي ينظِّم بعثة إلى فرنسا، تتكوَّن من ثلاث طالبات، الأولى في زينة المرأة، والثانية في تربية الأطفال، والثالثة في الحقوق للدفاع عن حقوق المرأة. ذهبت من فورها إلى مقر الاتحاد النسائي والتقت هدى شعراوي، وقصَّت عليها قصّتها مع أبيها وأخيها المتعنِّت، فأظهرت هدى شعراوي الألم والرثاء لحالها، ثمَّ سجلتها ضمن الطالبات الثلاث على الفور وراحت تقدِّمها لروّاد الجمعية وتتحدَّث عنها أمامهن، وتدعوها للترحيب بهن، وكانت تطلب منها أن تخطب فيهن، فكانت تفعل، فهي خطيبة مفوَّهة، تلقّت فنون الإلقاء والخطابة عن والدها رحمه الله.


بعد ما تحدَّد موعد سفر أعضاء البعثة في غضون شهر من إعلانها رأت زينب والدها في منامها وهو يطلب منها عدم السفر إلى فرنسا ويقول لها: إنَّ الله سيعوِّضك في مصر خيراً ممَّا ستجنيه من البعثة، فقالت له: كيف؟ قال: سترين، ولكن لا تسافري لأنَّني لست راضياً عن سفرك. فوجئت هدى شعراوي بهذا القرار فقامت واحتضنت زينب وهي تبكي وتضغط على يديها وتقول: لماذا يازينب؟ لماذا يازينب؟.. أنت أمل من آمالي، وحلم من أحلامي، فقصَّت عليها قصَّة الرؤية فقالت: من الأحلام ما يتحقق ومنها ما لا يتحقق، لا تضيِّعي الفرصة من يديك. فقالت لها زينب الغزالي: ما دام والدي قد أمرني فلن أخالف أمره. ثمَّ راحت تعمل من خلال الاتحاد النسائي الذي كانت إحدي عضوات مجلس إدارته البارزات، برغم اعتراض بعض العضوات على أسلوبها الذي لا يخلو من النبرة الإسلامية، لكن هدى شعراوي تمسَّكت بها وكانت تعدَّها لتكون خليفتها، وترى فيها ما يمثِّل شيئاً ما بالنسبة لأحلامها وآمالها!


خاضت زينب الغزالي حروباً كثيرة ضد الأزهر الذي كان يكافح الاتحاد النسائي ويخشى من قناعات زينب بهدى شعراوي ومشروعها من منطلق إسلامي، وهو ما يمثِّل فخاً لكثير من الفتيات، فكان الأزهر الشريف أوَّل مؤسسة تنبَّهت لهذا الأمر ووقعت في تصادم حاد وعنيف مع الاتحاد النسائي، وأقام نتيجة لذلك العديد من اللقاءات والمنتديات الثقافية في بعض الكليات والمعاهد الأزهرية، ودعا فيها الاتحاد النسائي للمناظرة، فكان أن انتدبت هدى شعراوي ثلاث فتيات لتمثيل الاتحاد في هذه المنتديات هنَّ: زينب الغزالي، سيزا نبراوي، حواء إدريس ابنة خال هدى شعراوي.


وفي أحد هذه اللقاءات تحدَّث بعض شيوخ الأزهر عن دعوة هدى شعراوي، وراحوا يؤكدون أنَّها تريد الخروج بالمرأة المسلمة من محيط التعاليم الشرعية، فوقفت لهم زينب بالمرصاد مدافعة ومؤكدة أنَّ هدى شعراوي تريد الارتقاء بالمرأة المسلمة، وتنمية عقلها وفهمها، ورؤاها، والسعي من أجل الحصول على حقوقها.. إلى آخر هذه الشعارات الرنَّانة الزائفة، التي كانت تؤديها بكلّ صدق وإخلاص وانبهار حقيقي من وجهة نظرها آنذاك!


وقد حدث ذات يوم أنَّها تصدَّت لعشرة من مشايخ الأزهر، فهاجمتهم وانتصرت لأفكار هدى شعراوي، فما كان منهم إلا أن طلبوا من الشيخ عبد ربه مفتاح رئيس قسم الوعظ والإرشاد بالأزهر منعها عن الوعظ ، لكنّ الرجل كان ذا عقل راجح وعلم غزير، فقال لهم: لقد واجَهَتْ عشرة من علماء الأزهر ولم يستطيعوا إقناعها، ونحن إذا أوقفناها عن الوعظ أنبأ هذا عن فساد رأينا وصدق ما تدّعيه، لذلك أرى مواجهتها. فقال أحد العلماء واسمه الشيخ محمّد النجّار: أنا لها !


وحينما ذهبت في اليوم التالي بصحبة رفيقتيها سيزا وحواء وجلسن، جاء الشيخ وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والسلام عليكم أيتها الفتاة التي تناقش علماء الأزهر وتدافع عن السيدة الفاضلة هدى شعراوي وجمعيتها وأغراضها.


فوفقت زينب الغزالي وقالت له: بداية أنا زينب الغزالي الجبيلي، فعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ثمَّ بدأت تحاضر في الفتيات، فشدَّت انتباه الشيخ، فقال لها بعد فراغها من المحاضرة حين همَّت النساء بالخروج: هل تسمحين يا ابنتي أن أحدِّثك دقائق في مجال الدعوة الإسلامية؟


فقالت له: سمعاً وطاعة.. تفضَّل. جلس الشيخ ثمَّ رفع يديه إلى السماء، ودعا الله عزّ وجل قائلاً:

اللهم إنِّي أسألك بأسمائك الحسنى، وبكتابك الذي أنزلت وبسنّة نبيِّك الذي أرسلت، أن تجعلها للإسلام، إنَّك على كلّ شئ قدير، أسألك بالقرآن أن تجعلها للإسلام، وصلِّ اللهم على سيدنا محمّد. ثمَّ دمعت عيناه فتأثرت زينب بهذا الموقف ودمعت هي الأخرى وحاولت إخفاء دموعها عن الشيخ ثمَّ سألته: لماذا تعتقد أنَّني لست مع الله، وأنا أصلّي وأصوم وأقرأ القرآن وسأحجّ بيت الله حين تيسّر أموري بمشيئته، كما أتمني أن أستشهد في سبيل الله. فقال الشيخ النجَّار: أحسبك كذلك ، واستمرّ في دعائه ثمَّ قال لها: هل تعودين إلى هدى شعراوي بعد خروجك من هنا أم ستبقين مع الله ورسوله؟ فقالت: وأنا مع هدى شعراوي أعتبر نفسي مع الله ورسوله. فقال لها: هل تعاهديني على نصرة الحق؟ فعاهدته، واستمرّت علاقتها بالشيخ النجَّار الذي أوضح لها أموراً كثيرة في الدين كانت تجهلها، وكان لها رأي مخالف فيها قبل معرفتها بالشيخ، وتفتَّحت عيونها على قضايا كثيرة لم تكن تعلمها من قبل.
وفي أحد الأيام دخلت مطبخ أسرتها لمتابعة الطبّاخ أثناء إعداد الغداء، فانفجر موقد الغاز فيها، وقد طالت النار وجهها وكلّ جسدها، وحينما حضر الطبيب وقام بالإسعافات اللازمة، طلب منها عدم الحركة، والنوم في السرير، وأخبر أخوتها بضرورة سفرها إلى الخارج للعلاج، لكّنها اعترضت على السفر وتعرية جسدها أمام الأغراب، فكان الطبيب يأتي كلّ يوم لعلاج الجروح والحروق، لكنّ حالتها كانت تسوء كلّ يوم، وفقد الطبيب والأسرة الأمل في شفائها، وقال لأخيها: إنَّها ستموت ولن تخرج من محنتها هذه. فاتصل أخوها بأهلهم في القرية وأخبرهم بقول الطبيب، وعمَّ الحزن المنزل دون إخبارها بما قاله الطبيب، لكنّها سمعت صوت أخيها وهو يتحدَّث في الهاتف، برغم حرصه الشديد على عدم سماعها المحادثة، فكانت تتيمّم وتجتهد في العبادة استعداداً للموت، وقد دعت الله سبحانه وتعالى قائلة:" ياربّ إذا كان ما وقع لي عقاباً لانضمامي لجماعة هدى شعراوي، فإنّني قررت الاستقامة لوجهك الكريم، وإن كان غضبك عليَّ لأنني ارتديت القبعة، فسأنزعها وسأرتدي حجابي، وإنِّي أعاهدك وأبايعك ياربي إذا عاد جسمي كما كان عليه، سأقدِّم استقالتي من الاتحاد النسائي وأؤسس جماعة للسيدات المسلمات لنشر الدعوة الإسلامية ونعمل على عودة المرأة المسلمة إلى ما كانت عليه صحابيات رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأدعو لعودة الخلافة الإسلامية، وأعمل من أجلها وأجاهد في سبيل الله ما استطعت".


سبحان الله.. ما أروع الإخلاص في الدعاء، وصدق التوبة والأوبة إلى الله تعالى، والتيقُّن من قدرته سبحانه على ما يشاء. لم تكن زينب تتوقع استجابة دعائها بمثل هذه السرعة التي وصفتها بأنَّها كانت نتيجة مذهلة لا يمكن معها لقدرتنا العقلية المحدودة أن تعي المقدرة الإلهية التي تحوِّل الأشياء إلى نقائضها، فبمجرَّد أن جاء الطبيب في موعده المعتاد، ورفع اللفائف حتي ذُهل وذُهلت وذُهل جميع الحاضرين وقد سألها الطبيب من فرط دهشته: من أنت؟؟!


فرح جميع من بالبيت بشفائها وتوجّهوا إلى الله يلهجون بالشكر والحمد، وقد رفض الطبيب تقاضي أية أتعاب بعد ما رأي بأمّ عينيه هذا التحوُّل المفاجئ، وراح يردد: سبحان الله.. سبحان الله، إنَّ الله على كلّ شئ قدير.


عندما تعافت زينب وعاد جسدها كما كان قبل الحرق، أوَّل شئ فعلته كتبت خطاباً لهدى شعراوي، أعلنت فيه استقالتها من الاتحاد النسائي، ثمَّ تخلَّت عن جميع ملابسها الموجودة، وطلبت من أخيها جلباباً فضفاضاً، وخماراً وضعته على رأسها بدلاً من القبعة.


ورُبَّ ضارة نافعة، فقد كان في احتراقها كلّ الخير، وقد تحوَّلت هذا التحوُّل الكبير وغيَّرت أفكارها واتجهت بها إلى نصرة الدين الإسلامي والالتزام بالحجاب الإسلامي.


تلقَّى علماء الأزهر ـ خصوصاً الشيخ النجَّار ـ نبأ تحوُّلها بالبشر والفرح، ثمَّ توالت أنشطة زينب الغزالي من يومها، وقد بدأتها عام 1936م حين أسّست "جمعية السيدات المسلمات" تدعو إلى الله على بصيرة، وكانت محضناً خصباً ترعرعت فيه الكثيرات من الكوادر النسائية الإسلامية اللائي عملن للدعوة منذ نعومة أظفارهن دون مرورهن بالدهاليز التي سلكتها المربية الفاضلة زينب الغزالي بحثاً عن كوّة النور، التي هديت إليها بعد معاناة وإخلاص وجدّ في البحث، ثمَّ أهدت عصارة تجاربها للقادمات من بعدها، تحذِّرهن من الانخداع بمعسول الكلام وبريق الشعارات التي خاضت فيها يوماً وقد أنجاها الله بعد ما كادت تهلك!


كانت زينب الغزالي علامة بارزة من علامات فضح هذه الدعاوى الباطلة، وكانت بذرة صالحة وُلدت مع دعوة خبيثة رضعت لبانها فلم تستسغه وانقلبت عليه سالكة طريق الحقّ تكافح هذه الدعوة وتلاحقها، حتى شحب عودها واصفرّ لونها.


تحوَّلت زينب حينما ذاقت حلاوة الإيمان، بعد ما جرَّبت علقم الشعارات الرنَّانة، وبعد ما تأكدت من سعة الإسلام الصالح لكلّ زمان ومكان، وتأكَّدت من ضيق هذه الأباطيل وعجزها عن استيعاب الذين ما زالوا يروِّجون لها، ويدافعون عنها، وينفخون فيها لإحيائها، بعد ما انكشفت حقيقتها، وخبت نارها، ووهنت وشاخت أمام شرعة الإسلام المتدفقة بالحيوية والصلاحية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.


كانت هذه هي رحلة زينب الغزالي ـ الشاقة والمضنية ـ من القبعة إلى الحجاب، استدبرتها لتستقبل مرحلة أخرى أكثر معاناة، ويا لها من معاناة يزيل لفح هجيرها نسمة من نسمات المسلمات بقيادة زينب الغزالي، انهالت عليها الابتلاءات بالتضييق في الرزق تارة، وبالمعتقلات والملاحقة تارة أخرى، فكانت تستقبل هذه المحن بروح عالية مدركة أنَّ ذلك من سنن الدعوات الصالحة، من أجل تنقيتها من خبثها، فثبتت ـ يغفر الله لها ـ في وجه المحن جميعها، ثمَّ عادت بعد سنوات طويلة من الظلم والهوان حاملة دينها بين يديها، وقد أودعته قلبها حتى تسلّل إلى جميع خلاياها، ينهل منه ومن سيرتها العطرة محبُّوها من كلّ مكان إلى يومنا هذا. فاللهمّ اجزها خير الجزاء وتقبَّل عملها خالصاً لوجهك الكريم.

منسي.
28-04-2007, 03:09 PM
كأنك عرفتي أنني أبحث عنه
جزاك الله خيرا

جود الفرح.
29-04-2007, 08:46 AM
رحمها الله كانت مثالاً للتضحية في زمن قل فيه الأنقياء

زنزانة الفكر
28-10-2007, 05:19 PM
سؤاااااااااال ؟؟ والدها ...هو محمد الغزالي ..؟؟ المفكر الإسلامي .....؟؟

نعم أم لا

لي عووودة بعد الإجابة

**بسنت**
29-10-2007, 02:52 PM
إحسان..شكراً
جزيلاً ..جزيلاً

جنان تلمسان
02-07-2009, 02:34 AM
شكرا ..
اتذكر أني قرأت هذا الكتاب وأنا في 12 من عمري لأقرر بعدها مباشرة إرتداء الحجاب ..وستظل زينب الغزالي قدوتي واما روحية لي احبها في الله حبا عظييييييييييما وسعيدة جدا ان أجد اسمها العطر في الساخر
وما التأنيث لاسم الشمس عيب وما الت\كير فخر للهلال
وشمسنا زينب رحمها الله