PDA

View Full Version : الست عنبرة سلام الخالدي



من سكان الرصيف
28-04-2007, 08:58 PM
مقابلة مع السيدة عنبرة سلام الخالدي،
أجريت في 13. آذار سنة 1970.



س_ سيدة عنبرة هل من الممكن أن تحدّثينا عن نشأتك والأوضاع الإجتماعية والسّياسية التي مررت بها؟
ج_ بكل سرور بس بخاف تكون هيذي مسألة طويلة كثير إلّي بدّي إحكيلكم عنها. أنا نشأت في بيئة محافظة مثل كل البيئات الّي كانت على أيامنا،كانت كلها محافظة ما كان في شي غير محافظ، ونشأت بعيلة كبيرة كانت، نحن 8 صبيان و3 بنات ،بس أبوي ، الله يرحمه،كان متفتّح وكان سياسياً متقدّم وإجتماعياً متقدّم .وأمّي بقدر قول انها كانت متعلٌّمة بالنسبة لبنات جيلها، مثلاً تقرأ، تقرأ كتب تاريخية وتقرأ دين، تقرأ، ولكن عدا عن هذا تقرأ كتب تاريخ، تقرأ مجلاّت ،يعني كانت متعلّمة لأنها كمان هي نشأت من عائلة متعلّمة حتّى ستّها كانت تقرأ وتكتب. أنا بطبيعة الحال تعلّمت بمدارس أهلية ومدارس أجنبية. دخلت الـ مار يوسف مثلاً سنتان زمان وبعدين تعلّمت بمدارس أهلية، كانت أستاذتي بالمدرسة الأهلية السيّدة جوليا طعمة دمشقية ، ما بعرف إذا بتسمعوا فيها أنتوا جيل اليوم. هي للحقيقة كانت ستّ متقدّمة عقلياً وإجتماعياً متفتّحة ، فتّحتنا على العالم أنا وبنات صفّي وفهّمتنا شو الدنيا أكثر من المحيط الّي نحن عمّ نتعلّم فيها ،وكان أبوي متفتّج بالنسبة لجيله وكان رئيس الجمعية التي كانت فيها. بعد منها إجت الحرب العالمية الأولى .

س_ أي سنة ولدت؟
ج_ هذا سؤال محرج، يعني بدّك تقولي بأوائل القرن العشرين.

لمّا إجت الحرب الكبرى انقطعت المدارس عن العمل، صار أبوي يجبلي معلّمين للبيت، مع إنّي بنت بين عشر ولاد، صاروا يجيبولي معلّمين على البيت، أستاذ للعلوم العربية كان المعلّم عبد اللّه البستاني الّي هو صاحب قاموس البستان. أنا يمكن كان يشوف إنّي الي ميل للعلم منشان هيك كان يعتني فيّي شوي زيادة وأخوي الكبير كان بعثه لإنكلترا قبل الحرب الكبرى يكمّل علومه بإنكلترا بعد ما أخذ ال B.A. من الجامعة من هون، بعثه لإنكلترا يكمّل علومه بالجامعات بإنكلترا، هيذي بس عم اذكرها بس لـ دلّك قدّيش أبوي كان متفتّح بهذيك الأيام.



بدّي قلّكم أنا كنت متحجّبة حجاب شديد، أنا وبنت عشر سنين لبست الحجاب ، ما كان حجاب بس انه نغطّي وجهنا ، كنا منفصلين عن العالم الخارجي بالمرّة ، يعني ما نشوف الناس الّي يجوا يزوروا البيت ويزوروا أبوي أبداً. النساء الهم هيئة خاصّة والرجال الهم مجتمع خاص ، مع إنّه أبوي ، مثل ما قلتلّك ، كان منفتح، لكن لم يكن طالع عن محيطه لهل درجة، بس منرجع منقول لمّا أنا جابولي المعلّمين على البيت كنت قابلهم بدون حجاب اكيد. كان المعلّم عبد اللّه البستاني يعلّمني علوم اللّغة، كنت حطٌّ غطاء على رأسي بس، يعني اكتفي بالغطاء، وكان في الأب من أحد الآباء اليسوعيين يعلّمني العلوم ومعلّمة فرنساوية تجي تعطيني دروس فرنساوي حتّى انه بتتعجّبوا انّه إذا قلتلّكم انّه كان في معلّمة كانت تعلّمني الرقص ومعلّمة تعلّمني بيانو حتى نكمّل الصورة. بس كانوا ستّات يجتمعوا مع بعضهم بس، وكانت كل ست بالهيئة الإجتماعية الها يوم إستقبال. أمّي مثلاً كان يوم استقبالها الخميس. كل خميس لازم نجتمع نحن العيلة كلّها ونستقبل كل ستّات العيلة ويحكوا ويتسايروا، والصبايا يقوموا يقدّموا القهوة يقدمواالشاي ويقدّموا اللّيموناضة بس ما الهم دخل بالحديث أبداً بس بيستمعوا هذا من علايم اللّياقة انه ما لازم يتدخّلوا بالحديث ،حتّى انّه لدرجة الحجاب كان لمّا بدّي اظهر أنا زور رفيقة من رفيقاتي كان لازم تكون معي خادمة أو خادم حتّى ما روح وما اجي لحالي، مع هذا وكلّه كنّا ثائرين على هل وضع .


بآخر إيّام الحرب الكبرى حوالي سنة الـ 17، كنٌّا بعدنا أوّل طلعتنا وأوّل ما عمّ نتفتّح على الدّنيا، الأتراك أقاموا ملاجىء ومصانع للفقراء وللّي كانوا عم يموتموا على الطرقات، الجوعانين الّي يجوا من الجبال وإلّي من أهل بيروت إلّي خفّ عليهم الغذاء وما عاد عندهم غذاء، فتحوا ملاجىء وصاروا يطلبوا من بنات العائلات ليديروا هـ الملاجىء ، معنا كان ستّات كبار يترأسوا الجمعيّات ولكن الشغل علينا نحن. تركنا دروسنا ساعتها مع انّه كنّا عم ندرس ببيوتنا ، كم بنت من بنات العائلات، وانصرفنا لخدمة الملاجىء. بهـ الأثناء صدرت فكرة انّه لازم نعمل شي إجتماعي إلنا لهـ البنات إلي طالعين جديد ، صاحب الفكرة كان أحمد مختار بيهم. أبوه لأمين بيهم.



ألّفنا جمعيّة اسمها "جمعيّة الأعمال الخيرية للفتيات المسلمات"،كانت تقوم بأعمال خيريّة ، من جملتها فتحت مدرسة للأولاد ومن جهة ثانية كنّا نقيم حفلات شعريّة بنادي ، استأجرنا بيت الشّيخ بشارة الخوري ، إلّي على المصيطبة ، هذا البيت إلّي إله القناطر ، استأجرناه وصرنا نعمل إجتماعات فيه يوميّاً، نحن البنات مع بعضنا نقرأ ندرٌّس إلّي بدّها تاخذ دروس قراءة ، كان عندنا مكتبة ، شويّة رياضة، وبعدين كل شهر نعمل إجتماع كنّا ندعي إله رجال وستّات ، لكن الرجال بجهة والستّات بجهة ثانية ولكن بمكان واحد، ونحن بعدنا محجّبات. مع هذا وكلّه كنّا نخطب، نخطب من وراء حجاب نقوم نخطب ونحكي متحجّبات. قامت القيامة علينا وقتها وأنّه شو هـ التطرّف شو هـ التصرّف شو هـ القلّة الدّين، ، لكن ما كانت قويّة كثير لأنه كانت أيّام حرب والناس منّها واعية لهل مسائل هيذا منّهم واعيين يعملوا مقالات. وكنت أنا انتُخبت رئيسة النادي بوقتها كان معنا من العائلات إبتهاج قدّورة، عادلة بيهم، بنات بيهم، بنات الغندور، بنات الداعوق، كان في عدد من بنات العائلات .

بعد الحرب بمدّة صارت الأحوال عم تتقدّم من بعد ما يتقبّلوا الناس انّه يقام نادي للفتيات المسلمات في بيروت صارت الناس تتقبّل رقي الفتيات شوي شوي. بعد الحرب بمدّة كان بعده هـ النادي ماشي عاد توقّف بعد وفاة المرحوم أحمد مختار بيهم وتوزّعنا كل واحدة راحت لجهة، هيذي تزوّجت ، توزّعت مثل كل أحوالنا تضعضعت. بتضعضع مؤسّسينها قوام بتروح.

بعد الحرب دخلت أنا بجمعيّة اسمها جمعيّة النهضة النسائيّة ، كانت غايتها تشجيع الأعمال، المنسوجات والأشغال الوطنية وكانت رئيستها مدام فيليب ثابت أمّه لجورج ثابت والحركة فيها كانت سلمى صايغ - ألله يرحمها - الكاتبة المشهورة وكان في معنا نجلاء الكفوري ، إمرأة الأستاذ جورج الكفوري، كان في معنا إبتهاج قدّورة، وكان في معنا ستّات كثير من البلد وإفلين بسترس إلّي بعدها لليوم موجودة، كانت غايتها تشجيع الأشغال الوطنية غايتها الأولى، اشتغلنا فيها كثير وعملنا معارض وكلّه من وراء حجاب.

بعدها بهل أثناء رحت أنا إلى إنكلترا، رحت سنة ال25، رحت آخذ دروس انكليزي لأني ما كنت أعرف انكليزي أبداً. كان أبوي هناك بأشغال خصوصيّة بإنكلترا، اغتنمت هـ الفرصة ورحت أنا على انكلترا. بروحتي على انكلترا قعدت أنا بإنكلترا سنتين درست انكليزي ، كنت آخذ دروس خصوصيّة بالإنكليزي ، كان صائب ومحمّد معنا، صائب أصغر منّي ومحمّد أكبر منّي وكانت معنا رشا الصغيرة. قعدنا بإنكلترا سنتين، درست بأثنائها اللّغة الأنكليزية وتفتّحت على العالم وبوقتها قمت الحجاب لكن ضلّيت متمسّكة فيه. بتستغربي لمّا طلعت بالبابور هون طبعاً كشفت عن وجهي لكن بقيت لابسة الحبرة مستحيّة كيف بدّي اشلح كأني مظلّطة* (عارية)، لمّا وصلت للإسكندرية وصل البابور للإسكندرية ضلّيت لابستها وصلنا لمارسيليا اضطرّيت انٌّي إشلحها والبس برنيطة لأنه ما كان في ستّ تقوم بدون برنيطة بهذيك الأيام ، عيب الواحد يقوم رأسه مكشوف حتّى ستّات اوروبا ما كانوا يقوموا بدون برنيطة، بس بالحقيقة بقلّك انّه أوّل مرّة ظهرت على الطريق نزلت من البابور وفتنا على مطعم تروّقنا وظهرنا وأوّل مرّة ظهرت على الطريق حسّيت كأني بالظلط بالفعل، مع أني أنا من هل نوع هذا أُعدٌّ ثائرة، قاري كتب قاسم أمين وقاري "دعوا إلى رفع الحجاب" بس الشعور شي ثاني. بإنكلترا صرت حسّ بهل ظلم الّي نحن واقعين فيه انّه بجوز من الله هل بنت الإنكليزية تبرطع* (تتحرك) على كيفها مثل ما بتريد تعمل ونحن ملزومين حتّى وجهنا لازم نغطّيه حتّى بتذكّر انّه الملك فيصل الكبير كان عندنا زائر اجا زارنا مطرح ما كنّا ساكنين وظاهرين عاملين مشوار نحن ويّاه ، بقلّي شو رأيك بالبنت الإنكليزية؟ قلتلّه: أوّل شعور بشعر فيه انّه شو عاملة هي لربّها حتّى يعطيها الحريّة وأنا شو ذنبي لأخلق بهذيك البلاد وكون تحت هل ظلم الّي أنا عايشة فيه؟ التفت لأبوي وقلّه : "يا أبو علي اعطي بالك بنتك ثائرة".



رجعت من إنكلترا أكيد بروح جديدة مع انٌه الروح كانت موجودة بالأوٌل ، روح الثورة لكن رجعت بروح جديدة . بعد رجوعي من إنكلترا دُعيت لإلقاء خطاب تكريم لمعلّم عبد اللّه البستاني بمناسبة مرور 50 سنة على التعليم وكنت أنا تلميذته الوحيدة ما اله تلاميذ انا لحقته بآخر ايّامه، لأنك بدّك تتصوّري انّه علّم الأمير شكيب أرسلان هو علّمني أنا الّي كان بآخر أيّامه.قمت حكيت كلمة وحكيتها من وراء حجاب وكانت بمدرسة الحكمة وصرت اسمع حكي : آي طيّب اكشفي وجهك، طيّب فهمنا شو واقفة على منبر وحفل كبير طويل عريض ومغطاية وجهك. بس أنا ليش مغطاية وجهي يعني بس مراعاة للمحيط والثورة بقلبيبس مراعاة للمحيط.

بعد منها ب12 يوم كنت مدعوٌّة لحفلة احكيلهم فيها من قبل جمعيّتي احكي فيها شو انطباعاتي عن زيارتي لإنكلترا. سمعت انّه بدهم يعملولي ايّاها وانا موجودة وبعض الشباب انّه بدّهم يعملوا شي انّه شو معناها بدّك تخطبي ومغطّاية على وجهك بمساعدة أخوي صائب وأبوي الله يرحمه، لمّا سمعنا هيك أنا جيت لأبوي وحكيتلّه قلتلّه شو رأيك عم يجوا يقولوا انّه لازم احكي وأنا كاشفة عن وجهي ؟ قلّي: "الّي بتشوفيه مناسب".


رحنا كان الحكي مختلط مثل العادة ستّات ورجال. طلعت على المنبر كاشفة عن وجهي لابسة الحبرة لكن كاشفة عن وجهي وبقيت احكي ساعتين، بعد منها قامت قيامة البلد، ما مثل أيّام الحرب سنة ال17، هيذي وقتها سنة ال28 بعد عشر سنين، الناس فاضية، قامت قيامة الدنيا: جايي تفسّدلنا ولادنا، الّي يخفّف يخفّف كثير الوطأة يقول: "عم بتفتّش على عريس، عم تكشف عن وجهها حتّّى تفتّش على عريس وإلّي يوصفنا بالفسق والفساد وكذا، والمناشير على باب بيتنا والمناشير لأبوي والجرايد بعدين بالطريق صاروا يمسكوا الستّات حتّى متحجّبات لكن مش مثل ما هنّ بدّهم ، يمسكوا الشفرة ويخزّقولها ملايتها يرموا عليها ميّة الفضّة. للحقيقة حطّونا ببيوتنا، لمدّة من الزمن حطّونا ببيوتنا، ما بدنا نتعرّض لهـ الإهانات حطّونا ببيوتنا لكن بوقتها أنا صرت اجتمع بالرجال الّي بيجوا على البيت أو عند ستّ جوليا أو عند سلمى صايغ مثل خليل سركيس مثل أمين الريحاني مثل هل أدباء إلّي منحبّ نشوفهم كنت آخذ إذن من أبوي اجتمع فيهم. أمّي عدم رضى، معها خبر لكن عدم رضى، هي متعصّبة دينياً، كانت تعتقد ان الحجاب مسألة دينية لكن بآخر ايّامها صارت هي تستقبل وتستقبل المطران صليبي وتستقبل الرجال الّي يجوا على البيت عند ابنها صائب ، كانت تستقبلهم ما عليها شي، بس بأوّلها كانت بعدها متشدّدة بالحجاب حقيقة صعبة كثير من جدودها وأيام طويلة.

سنة 29 أنا تزوّجت رحت على القدس.

س_ تعرّفتِ عليه قبل الزواج؟
ج_ آ معلوم أنا بقبل انّي آخذ رجل ما أتعرّف عليه؟ كانت الّي عرّفتني عليه أستاذتي السيّدة جوليا لأنّها بتعرف هي انّي مش ممكن انّي آخذ واحد من غير ما أتعرّف عليه. دعيتني ودعيته على غداء وقتها وتعرّفنا على بعضنا وحكينا بدون أدنى كلفة بعدين كمان اجتماع ثاني تعرّفنا على بعضنا بعدين تكاتبنا وكمان أبوي عرف، انّه عنده مانع انّه نتكاتب؟ قال :"أبداً"، وتكاتبنا وتمّت الخطبة . تمّت الخطبة ورحت على فلسطين. للحقيقة لمّا رحت على فلسطين انسجمت كثير مع فلسطين ومع أهل فلسطين وكثير حبّيتهم وهنّي حبّوني كثير.

س_ في فرق كثير بطريقة المعيشة؟
ج_ ما كثير صدّقي. بفلسطين في تحرّر أكثر. لا. ولا ببيروت الّي يعدّوا حالهم انّه ببيروت يعني الّي من رفيقاتي كثير منهم الّي ألمحوا انّه شو رايحة تعملي بالقدس أنت بنت بيروت. لا لمّا رحت أنا لهونيك ما شفت في فرق أبداً لا اجتماعياً ولا عقلياً.

س_ هل كنتِ تخرجي سافرة هناك؟
ج_ لا مش سفور عام لا، سفور متحفّظ بدّك تقولي. مثلاً ببيتي كنت قابل الرجال الّي أصحاب زوجي، كنت قابلهم ما قابل كل الناس قابل أصحاب زوجي ، الأصحاب الخصوصيين الّي نحب نتعرّف عليهم لكن بالطريق كنت أتحجّب لأني كنت بمحيط إسلامي صرف، صعب انّك تجابه المحيط كل المجابهة خصوصاً لمّا كنت انزل على البلد القديمة، بعدين بعد كم سنة كشفت أنا، على الطريق صرت اظهر بدون شي، لكن لمّا أدخل البلد القديمة كنت اتحجّب. أنا من الناس الّي يحبّوا المحافظة على شعور الغير،يعني منّي ثائرة بالمعنى الحقيقي، ثائرة لكن متحفّظة بعدم المساس بشعور الغير مع أني أنا ما بهمّني الّي بقولوه يقولوه وما بدّي اوضع زوجي بمركز حرج مثلاً ولا كنت احب أوضع أبوي بمركز حرج ببيروت، مع أنّه هو ترك لي الحريّة لكن ما بدّي اوضعه بمركز حرج.

هناك زوجي كان بمحيط علمي ، مدير الكليٌّة العربية الّي كانت هي أكبر معهد بفلسطين. بأثنائها مؤكّد توسّعت آفاقي أنا وانسجمت أنا وإيّاه وعشنا للحقيقة حياة من أسعد ما يكون.

س_ في فرق كثير بالعمر؟

ج_ لا أبداً بالعكس أظن سنة أو سنتين بيني وبينه. وستّات فلسطين حبّيتهم كثير ولاقيتهم للحقيقة في نواحي متفتّحات أكثر من ستّات بيروت، كيف مثلاً كل واحدة منهم بتعرف ابنها درجة تعليمه بأي صف هو ، من هذيك الإيام سنة الـ29 بدّك تقولي ، وبأي موضوع قوي وبأي موضوع ضعيف والقضية الفلسطينية بيعرفوها على أشكالها والمواعيد الّي عاطيتها إنكلترا ومعاهدات سايكس بيكو وغيرها وغيراتها كلّّه مطّلعين عليها للطبقة الراقية الّي بدّك تقابليها ببيروت، حتّى الطبقة الّي منقول الطبقة العاملة كانت تعرف عن أولادها، الغسّالة الّي تجي لعندك بتعرف أبنها بأي صف وبتعرف شو ضعفه وشو قوّته وبتعرف وين موصّل ولوين بدّه يوصّل. أنا هيذي كثير كثير عجبتني لمّا رحت على فلسطين وشفت هـ التفتّح هذا.

هناك ما اشتركت بجمعيّات لأنه ما بدّي حزبيّات بس كنت ساعد بكل شيء :إذا في مظاهرات اطلع بالمظاهرات، إذا في اجتماعات فيها خطب اخطب، إذا في إجتماعات إجتماعية مثلاً كمان اوقف فيها، إذا اجا شي عالم مثلاً عملوله حفلة وطلبوني للخطابة اخطب، مثل مثلاً منصور فهمي مرّة اجا غيره غيراته اجوا يعملولهم حفلات اخطب فيهم .

بيتنا كان كل يوم تقريباً في اجتماع كل يوم من أجانب ومن عرب كل الوفود الّي تجي من بلاد برّة، أحمد سامح الخالدي فاتح بيته لإستقبالهم حتّى في البعض يقولوا منيح الّي في أحمد سامح الخالدي بفلسطين قايم عن النوادي الّي بتقوم بتكريم هـ الوفود الّي بتجي. والأجانب ومكاتبي الجرايد للإطّلاع على القضيّة الفلسطينية وهلّق بتشوفي كثير من الكتب الّي اطلعوها، هوذي هـ المكاتبين، فيها ذكر لبيتنا ولأحمد شو قال وشو عطاهم معلومات وشو حكي حتّى Mrs. Dorothy Thompson ،بتذكّر اجت واجتمعنا فيها ببيتنا واجتمعت فيها بعد مدّة هون. بعد ما هاجرنا وجينا لهون اجتمعت فيها بعد مدّة عند نجلا صعب وقتها بتقلّي: It is in your house that I was converted to understand the Arab Case.

ومع هذا كان عنده عمل خيري عظيم، كان للأيتام، أيتام الشهداء. كان في ثورات بفلسطين، قامت أوّل ثورة وقامت ثاني ثورة وراح شهداء، وتركوا أولاد وتركوا أطفال، أحمد الّف جمعية اسمها جمعيّة اليتيم العربيّة أظن أو جمعية أولاد الشهداء، ما سمّاها ميتم ولا لبّسهم مثلاً كلّهم مثل بعضهم، كان يجبلهم الثياب ويجيب كل واحد ينقّي الطقم الّي بريد يلبسه وعلّمهم أشياء عمليّة مثلاً: هذا بدّه يتعلّم طبيخ يتعلّم طبيخ، مع العلم علّمهم قراءة وكتابة وحساب ومبادئ العلوم، مع هذا وكلّه في أشياء عمليّة: نجارة، حدادة، خياطة، طبيخ، حتّى يطلع الولد من بعد ما يصير عمره 16 سنة، يطلع من هـ المعهد يكون يستلم شغل، وظلّ يجمع بالـshilling، يعني الحفلات الّي عملها ما بعرف من وين يخترع هـ الأفكار، انّه يعمل حفلة ويجمع فيها فلوس حتّى كان يسمّي حاله:" أنا أكبر شحّاذ بفلسطين". حتّى بنى 18 بناية بين صغير وكبير منها بنايات كبيرة للنوم ومنها بنايات صغيرة، لتقولي آخر شيء تربية النحل، حرث الأرض، الزراعة، كل شغلة ممكن انّه يستفيد منها الولد كان يعلّمهم إيّاها.

هيذي راحت سنة ال48، راحت مع اليهود، وهذا الّي أثّر كثير كثير على زوجي ذهاب هـ المشروع هذا والكليّة العربية من جهة ثانية، هوذي ولاد عمره بدّك تقولي ما كان يسأل عن ولاده مثل ما كان يسأل عن ولاد الشّهداء هوذي للحقيقة يعرف مثلاً هـ الولد أيمتى عيده ويعملّه عيد وكعكة ومدري ايش إذا عرف أيمتى عيده، وأولاده ما يعرف أيمتى عيد ميلادهم، واللّه ولا يعرف شو لازمهم بالبيت لكن للأولاد هوذيك ياخذلهم كنادرهم* (أحذيتهم) الّي يجيبهم حتّى يرقّعوهم ويصلّحوهم ويقطّبوهم وياخذهم بإيده وياخذهم على دير عامر، وأولاده ما بيعرف لا شو عايزين ولا شو لازمهم. كثير كثير كان مكرّس حياته لهـ المشروع، بعتقد انّه هذا كثير اثّر عليه والكليّة العربية من جهة ثانية، هو بناها وهو حاطط كلّ قلبه فيها وطلع منها أحسن شبّان بفلسطين، يعني هلّق وين ما رحتِ بالبلاد العربية بتلاقيهم عم يشتغلوا وبقولولك نحن تلاميذ أحمد سامح الخالدي. هيذي أثّرت عليه وبعتقد بعد ما جينا لهون أثّرت على قلبه وما ضاين كثير، نحن جينا سنة ال48 وتوفي سنة ال51، هو من جهة انصدم بهذا وأنا من جهة انصدمت بفقده وبفقد فلسطين وراحت بيته الواحد. كنت ساعده أنا بالميتم الّي عمله، كنت ساعده بالجهة النسائية الّي بقدر عليها وكان في ستّات كمان يساعدوه معنا.

س _ كم ولد ضمّت؟
ج _ مئة وشوي فوق الميّة ولد كان فيها.

وكنّا مع هذا وكلّه كان اله هو جهود علميّة وأدبيّة تاريخيّة مثل ابنه طريف، كان ميّال للأشياء التاريخيّة، اشتغل بتواريخ كثيره وعنده مؤلّفات كثيرة، ترك أكثر من 20 مؤلّف أحمد، من الجملة كان عم يشتغل مثلاً: علاقة مصر العلمية بفلسطين، علاقة البلاد العربية بفلسطين، كل شيء بخصّ فلسطين، أو البلاد العربية أو القداسة الّي الها فلسطين بنظر الدّين الإسلامي أو أشياء كثيرة من هـ الأنواع هيذي كان يشتغل عليها في منها شي تركه كان واصل الها، المدارس الإسلامية من أوّل العصر الإسلامي لليوم، المدارس والمعاهد الإسلامية، الّي طلع ببغداد والّي طلع بالشام والّي بالأندلس وبالشرق الأوسط، كلّه اشتغل عليها كثير هيذي، بقى هو كان يقعد يشتغل على شغله وأنا اقعد اشتغل على شغلي.

للحقيقة أنا اخترت التّرجمات، تأليف ما ألّفت، كنت أعمل خطب بالإذاعة أوقات وبالحفلات الخاصّة.

س _ جمعتيهم كلّهم؟
ج _ لا، واللّه ما في شي مجموع. ابداً. ما أظن لاقيهم هون وهون لا ما أظن تبعول فلسطين ما أظن لأنه تركنا كل شي بفلسطين وجينا وأوراقنا أغلبها راحت.

وبعدين أنا بحبّ الأساطير من صغري كثير بحبّ الأساطير. وقريت ترجمة البستاني للإلياذة وانبسطت فيها كثير للحقيقة فيها هي وبالحواشي الّي حاطتها البستاني عليها، الحواشي وحدها بتطلع تاريخ. كثير كثير مهمّة. بس أنا قدّرت انّه مش ممكن حدا يستفيد منها الإلياذة على هوى ما ترجمها البستاني، لأنّها طويلة كثير، 15 ألف بيت والأسماء الأجنبية فيها الأسماء اليونانية فيها بتثقل على الشعر العربي، هو ترجمها شعراً وبتثقل على الشعر العربي، أنا جيت أخذت كتاب اسمه Church المؤلّف جايب عاملها، ما عاملها شعر، عاملها نثر، لكن مختصرة بسّ ما مضيّع منها شي أبداً. كنت دايماً قابل بينها وبين ترجمة البستاني، شوف انّه ما مضيّع شي منها أبداً، بقى اعتمدت انّي ترجمتها للعربي وعملّي المقدّمة طه حسين. بتعرفي طه حسين بهمّه كثير الآداب اليونانية بس أنا ترجمتها عن الإنكليزي لأني ما بعرف يوناني، عدت ترجمت الأوديسّة من Church ذاته، وهوذي انطبعوا بفلسطين وكانوا يُدرّسوا بمدارس فلسطين أخذوهم مدارس فلسطين ودرّسوهم، بعدين ترجمت الإنياد، قلت هيذي سلسلة خلّينا نكمّلها. الإنياد بعدها مطبوعة، جينا لهون والإنياد كانت عم تتّرجم كمّلت ترجمتها وأنا هون موجودة وما حدا أخذها طبعها، وانشغلنا واللّه ضربنا هـ الضربة بفلسطين وما عادت انطبعت. إذا بتريدوا تسألوني شي ثاني؟

من سكان الرصيف
28-04-2007, 08:59 PM
س _ ست عنبرة، فينا بالقليلة ناخذ الفترة الّي انتقلتِ فيها إلى القدس، خبّرينا بهذيك الفترة في أوّلاً الوضع التربوي إذا في مثلاً فعلاً أي معاكسات من قبل الإنكليز بهذيك الحقبة، مثلاً عدم تدريس اللّغة العربية أو الإتّجاه العربي، كما انّه بهمّنا نعرف الوضع السياسي في هذيك الحقبة ونشاط الحجّ أمين الحسيني إذا كان عندكم أي اتّصال او معرفة وهل قضايا؟
ج _ باعتقادي أنا انه كان في أحزاب بفلسطين وكان في كل حزب ينتمي إلى جهة من الجهات مثلاً حزب الحج أمين الحسيني وحزب الخالدية اللي أنا كنت واحدة منهم، لكن ما كان في، ما بقدر قول انّه كان في فرق بيناتهم لخدمة قضيتهم مهما اختلفت الآراء، كانوا يتّفقوا على خدمة قضية فلسطين. بس هوذي كانوا يسمّوا حالهم الإنتليجانسيا: الخالدية والنشاشيبية والدجّانية، وهوذيك المحافظين آل الحسيني والّي حواليهم. بس ما بعتقد انه حدا منهم كان مختلف بمسألة مثلاً عدم الهجرة اليهوديّة لفلسطين ورفض التقسيم ورفض الهجرة بكلّ واسطة ممكنة ومطالبة الإنكليز بإنصاف العرب مثل ما عمّ قلّكم انا، مثل ما قلت هذيك الساعة، انّه كل يوم نحن كان عندنا مراسلين أجانب منشان يتفهّموا القضية الفلسطينية ويتفهّموها على أصولها، ومن جهة ثانية مأكّد كان الحجّ أمين كان يجيه جماعة الّي يسألوه وياخذوا آراؤه. أظن كان في فرق بالعقليّة وفرق بطريقة معالجة الأمور، لكن ما كان في فرق بالمبدأ ما بعتقد انّه كان في فرق بالمبادىء وما كان في قلّة حماسة من جهة من الجهات. أنا بعرف من الّي حواليّ، ما بعرف الحزب كلّه والأحزاب كلّها شو كانت، أنا بعرف عائلتي انّه مبادئهم كانت متحمّسة جدّاً لمسألة القضيّة الفلسطينيّة ولمسألة مطالبة حقوق العرب بفلسطين، ما كانوا يسكتوا عنها. وبعتقد لحدّ هلّق زوجي اللي مسك المسألة التربوية مع انّه كان يشتغل سياسيّاً ما يقصّر، المسألة التربوية بتقدري تشوفي هلّق من تلاميذه كيف كلّهم متحمّسين وكلّهم وطنيّين. بس كان اله طرق خاصّة علميّة مثلاً ما كان غوغائيّة كان ضدّ الغوغائيّة.

س _ بعد تقسيم فلسطين هـ الإضراب الّي صار 6 أشهر وقت منرجع نتطلّع انّه اليهود صاروا يشتغلوا 24 ساعة بهذه الفترة والعرب أضربوا 6 أشهر على الطريقة السلبية.
ج _ لا طلع منهم مقاتلين ومحاربين للجبال، العرب ما كانوا ساكتين وطلع منهم محاربين للجبال وطلع منهم اجتماعات يعملوا ومظاهرات قولي كانت الحكومة الإنكليزية تشدّد عليها وياما ايّام كانوا يجوا يفيّقونا من نومنا يظهّرونا برّات بيوتنا ويحطّونا بالطرقات بمطرح بالطريق، أنا عندي ولد صغير كان يظهّرونا نساء ورجال من بيوتنا حتّى يجوا ينبّشوا البيوت، نترك البيوت مثل ما هي ونجي نلاقيها مسروقة من قبل العسكر الإنكليزي. سارقين أشياء صغيرة يلاقوها بدربهم، هيذي شقفة ذهب هيذي ساعة هيذي قلام حبرزيظهّرونا ويحطّونا بالشمس ساعات حتّى يفتّشوا بيوت المنطقة، والعرب ما كانوا ساكتين بوقتها.

كان في ظلم فوق رأسهم في قوّة عسكرية فوق رأس العرب، كانوا يمنعوا العرب يتسلّحوا بعصاية بالوقت الّي كانوا يعطوا اليهود الأسلحة ويسمحولهم يتسلّحوا ومهما عملوا فيهم اليهود يرجعوا يرضوا عنهم ويتّفقوا هنّي وإيّاهم مثلاً نسف الـKing David، قليلة؟ لمّا نسفوه اليهود وأعلنوا انّه هنّ الّي نسفوه ،مع هذا وكله شو عملولهم، قطعوا الطريق على المندوب السامي وقوّسوا عليه وهو جاي من بانياس صوب القدس، شوعملولهم؟ شنقوا ضباط انكليز بالشجر شنقوهم ، شو عملولهم مقابيلها؟ لكن عرب إذا تنفّسوا كانوا يهجموا على قراهم ضرب وقتل وتهديم، قلب مطابخهم قلب المفروشات تبعولهم وكانوا يأخذوهم يخلّوهم يكنّسوا طرقات ياخذوا ناس من أحسن العائلات يجبروهم انّه يكنّسوا الطرقات إذا كان مثلاً رميوا شي بالطرقات، هنّ كانوا يرموا أوقات مسامير أو قزاز منشان يضرّوا الإنكليز ويضرّوا الحركات العسكرية تبعهم يجبروهم يخلّوهم غصب عنهم يكنّسوا الطرقات. لمّا يشكّوا مثلاً انّه سكّة الحديد ملغومة يحطّوا عرب قدّامها، قدّام السكّة يحطّوهم بحافلة خصوصية حتى إذا طلع اللّغم يطلع فيهم. الّي عملوه بالعرب شي مش معقول، لكن انّه سكتوا العرب؟ لا، كانوا يعملوا كل شي بيقدروا ويتمكّنوا انه يعملوه وإلاّ ما مكّنوهم من شيء. ما كانوا يخلّوهم يعملوا شي.

س _ بهل حديث ستّ عنبرة، شو بتعرفي عن قضيّة دير ياسين؟
ج _ للحقيقة نحن كنّا بعدنا هناك وقت دير ياسين ، اجوا الناس هايجين يجوا يخبّرونا شو صار بدير ياسين، لكن التفاصيل كلّها انذكرت ما بقى بقدر زيد عليها شي، بس عندي انا انه بيتنا انضرب مراراً كان كل يوم ينضرب بيتنا ونحن هناك يعني بقلولك ليش تركتوا؟ نحن بيتنا كان جنب الكليّة العربية، كان بضواحي البلد وكانت قريبة منا مزرعة لبنات اليهود يتعلّموا فيها الزراعة بنات اليهود، عندها حرّاس، كان كل يوم في حرّاس يضربوا علينا حتّى صرنا إذا بدنا نظهر بين بيتنا والكليّة العربية، بدنا نبقى ماشيين زحف ونحن عندنا حرّاس كمان نجاوبهم، ما بقلّك انّه نسكت عنهم، لكن لهلّق أظن بتروحي لو بتشوفي بيتنا بتلاقيه مقوّر من الضرب الّي يجي عليه، وكنّا نسمع نسمع دايماً انّه بيت الفلاني انتسف بالمحل الفلانية، حتّى بعرف ستّ من أصحابنا ليلتها شفتها بالطريق وبتقلّي انّه أيمتى راح تجوا لعندنا خلص بيتنا، معمّرين بيت جديد وعاملين كل شي وفرشوه فرش جديد قالتلي ما بقى في الاّ تعليق البردايات كلّه حاضر، وأيمتى راح تجوا لعندنا؟ قلتلّها لتخلّصوا ان شاء اللّه منجي. ليلتها بالذات سمعت انّه انتسف بيتها وراح عن أساسه هو وفرشه وكل شي. كان كثير يعملوا، يجوا ينسفوا. مقابيلها نحن ما عملنا هيك. ما النا، ما معنا الامكانيات ومع هذا وكلّه كانوا يعملوا ما يقصّروا. كان يجينا تهديد بالإذاعات عندهم إذاعة كانوا عاملين إذاعة كان يجينا تهديد دائماً لمّا العرب تبعولنا اعتدوا على رئيس قسم أظن بالجامعة العبرية، أعلنت الإذاعة اليهودية يومها انه نحن ما راح نطال الاّ أكبر راس بالعرب المسؤول عن التعليم العربي بفلسطين، لدرجة صرنا خايفين، والحكومة ما عم تحرسنا، نحن بدنا نحرس حالنا، لدرجة انه بيتنا في طبقتين، والمكتبة بالطابق الأوّل صرت خايفة يجوا لزوجي يقتلوه من الطاقة اليهود، لأنه مثل ما قلتلّك، جيراننا، صرت اقعد اعمل Manœuvre اقعد أنا ضدّ الطّاقة حتّى إذا كان اجا حدن من الطاقة ما يقدر ينال زوجي بدون ما قلّه، اقعد حتى ما يجوا من الطاقة يغدروا فينا ويضربوا، لأنه غدروا بكم عربي وقتها ما قصّروا من الجملة الدكتور معلوف قتلوه وهو رايح على بيته. يعني كانوا على كيفهم عايشين. للحقيقة القوّة ما كانت لليهود، القوة كانت للإنكليز الّي كانوا عمّ يعطوهم القوّة، ونحن يمنعونا. أنا بعرف جماعة من الّي كانوا جيراننا يبيع حماره حتّى يشتري بارودة تطلع البارودة فاسدة يخّبيها تحت سابع ارض حتى يقدر يستعملها، كثير كنا قوّة ضعيفة بالنسبة الهم من وراء الإنكليز الّي كانوا عم بشجّعوهم الهم ومع هذا وكله عملوا، راحوا نسفوا الوكالة اليهودية بنصف الحراسة اليهودية، راحوا العرب ونسفوا الوكالة اليهودية راحوا نسفوا المحلات الّي بنصف الشوارع اليهودية، يعني كانوا يجاوبوا على التعدّي الّي يتعدّوه علينا اليهود، كانوا يجاوبوا بقدر امكانهم، ما قدّ ما بريدوا، لكن بقدر امكانهم كانوا يجاوبوا، يعني أظهروا بطولة ما سكتوا، لكن السلاح الّي كان يسلّم الهم ويجي من برّه ويعطوهم ايّاه ويتفضّلوا عليهم فيه الدول العربية، كان أغلبه فاسد، يجي الواحد منهم يحمل البارودة حتّى يقوّس فيها تفرط بين ايديه.

الدول العربية لو تركتنا من وقتها لنفسنا كان أحسنلنا والا: قعدوا قعدوا انتوا ونحن بدنا ندافع عنكم، شفنا كيف دافعوا عنا، هلّق لما تركونا لحالنا، الحمد للّه، عم نعمل بإيدينا وبصابيعنا وبظافيرنا وبسناننا عم نشتغل.


س _ ستّ عنبرة، النظام التربوي بهذيك الحقبة، هل واجه صعوبات من قبل الإنكليز؟
ج _ لا لا، حتى كان التعليم كله بالعربي. أنا بعرف بالكليّة العربية لحدّ التعليم العالي تعليم الكيمياء كان بالعربي، تعليم الرياضيات العليا كان بالعربي. لا ما واجهوا صعوبات. لأنه كان في وراه ناس الّي عم تطالب فيه الّي ما تسكت عنه، كان في بإدارة المعارف كم شخص الّي كانوا واقفين مفتّحين عينيهم وواقفين لهل مسألة هيذي. لآ. مع هذا وكله يدرسوا الّلّغة الإنكليزية كلغة، بجوز ما يقدروا يحكوها مثل ما لازم، لكن اتقانهم الها كان اتقان تامّ، لمّا يجوا لهون ليدخلوا الجامعة الأميركية، يقولوا انّه أحسن تلاميذ بيجونا الّي بيجوا من الكليّة العربيّة.

س _ ست عنبرة فينا نرجع شوي لتاريخ الحرب العالمية الأولى سنوات العشرين خبرينا بعض ذكرياتك في تلك الحقبة من الوضع الإجتماعي العام مع شويّت إسهاب الى الحركة النسائية، وهل رجعتِ ظهرتِ أكثر من مرّة على المنابر وشو الحدث؟
ج _ ما هذا الّي قلتلّك ايّاه انه لمّا اجت الحرب الأولى وانقطعنا عن الدراسة، صرت انا ادرس ببيتنا وبعدين لما اشتدّت الحالة تركنا دروسنا نحن هل كم بنت الصبايا الصغار، تركنا دروسنا وأخذونا للملاجىء. ألّفوا لجان وهل لجان وضعوا عليها على كل ملجأ عملوا لجان متعدّدة بالأحياء الشرقية وبالأحياء الغربية، كل لجنة وضعوا عليها ست من العائلات الكبيرة وصبايا صغار يشتغلوا تحت ايدها، نحن كنا نشتغل تحت ايد ستّات الكبار.

س _ شو كنتوا تعملوا شو تفاصيل الشغل؟
ج _ تفاصيل الشغل يجيبولنا هل اولاد يجمعولنا ايّاهم من الطرقات يجيبوهم، الّي ورمان بطنه والّي شعر راسه واقف، يعني الشّوفات الّي شفناها بهذيك الإيام ما بنساها، نحن كان معنا في راهبات الّي قايمين فعليّاً للملاجىء أو معلّمات، في ملاجىء فيها راهبات وفي ملاجىء فيها معلّمات الّي يشتغلوا، ونحن الإدارة. مثلاً الستاّت الكبار نحن نمسكلهم الحسابات نحن نمسك تعليم الأولاد، نتطلّع على تعليمهم. شو تعليمهم، ابتدائي خالص، ألف باء تقريباً. نحن نتطلّع على النظافة إذا في لزوم انه نشتغل مع الراهبات بالنظافة نتناظف عليهم. نجمعهم مثل ما قلتلّك عن الطرقات، ونلمّ من البيوت نروح نلمّ من البيوت ثياب وفرش ولحف حتى ننيّمهم فيهم والأكل تبعثلنا ايّاهم الإعاشة الحكومة التركية تبعث إعاشة للتلاميذ ونحن نشرف على طريقة الطبخ وطريقة التغذية قدّيش عم يتغذّوا هل ولاد وعلى نظافتهم.

س _ هل اولاد الهم أهل كان؟
ج _ أغلبهم بلا أهل، نلمّهم عن الطرقات أغلبهم نلمّهم عن الطرقات أو القليل منهم الي تجي الأم تقول: دخيلكم خذوهم أنا ما بقى فيّ، ناخذهم. أوّل شي يحلقولهم راسهم يفوّتوهم وياما يجوا جربانين ياما يجوا مرضى ويموت منهم ناس، الّي يجوا على آخر رمق يموتوا لكن منهم يعيشوا.

بتذكّر بعدين اجا جمال باشا وقتها وأنور باشا وزاروا الملاجىء وشافوا ووعدوا انّه بدّهم يبعثوا تغذية أكثر وبدّهم يعتنوا فيهم أكثر، وقمت أنا حكيت كمان من وراء حجاب عملت خطاب لما اجوا وصلوا لملجأنا. بهذه المناسبة بدّي قلّكم عن جمال باشا، جمعنا مرّة هو اوّل ما بدنا نأسّس جمعية الفتيات المسلمات، كان الوالي ببيروت عزمي بك اسمه، وكان هو مشجّع اننا نعمل جمعية خيرية نسمّيها الفتيات المسلمات منها اجتماعية مثل ما قلتلّكم نعمل نادي نجمع فيها البنات الصبايا، ومنها خيرية نعمل مدرسة. فتحنا مدرسة هيذيك نعلّم فيها نحن نروح كل يوم من وقتنا وناخذ هل ولاد العائلات، مش المرضى والي عن الطرقات، لا، ولاد العائلات الّي حطّ فيهم الدهر ناخذهم نعلّمهم ونعطيهم وقعة غداء ويروحوا على بيوتهم.

أوّل اجتماع اجتمعناه اجا حضرة جمال باشا كان في هون هنّ فاتحين مدرسة بالناصرة استولت عليها الحكومة التركية وجابت الها رئيسة خالدة أديب. الكاتبة التركية الشهيرة، أظن بعدها طيّبة لليوم اسمها خالدة أديب. لمّا اجتمعنا وقتها دعيونا لإجتماع ببيت الداعوق، بيت عمر الداعوق، والاّ ياخذونا وأنا ما بدّي شوف جمال باشا كان عامل اعماله المشانيق وما المشانيق وأبوي دخل مرّتين على الدّيوان العرفي، يعني كرهانينه كره العمى، أنّه أنا ما بروح بشوف جمال باشا. اجا قنّعني مختار بيهم، اللّه يرحمه، هذا مع كل صحبتنا اله مختار بيهم ومع كل صحبته لأبوي مثل أخ لأبوي، كان هو واياه، كنت غطّي كمان وجهي قدّامه بهذيك الإيام بايام الحرب: "انّه انتِ شو راح تقوليله"؟ بدهم ياني اني اخطب بالحفلة الّي بدّه يكون فيها، انتِ شو راح تقوليله؟ بجوز تقوليله شي يكون حربة اله ليش لحتّى انتِ تتمنّعي خلّيه يشوف انه في عندنا، قايمنلنا الدنيا بخالدة أديب خلّيه يشوف انّه نحن عندنا بنات كمان الي بيقدروا يحكوا، يعني وقفتك وحدها بتكفّي انّه تفهّمه انه بالعرب في عندنا بنات يحكوا. طيّب، قنعت ورحت. لما رحت لهونيك بعد الخطاب اجا شكرني جمال باشا كمان من وراء الحجاب وقلّي: "بتعرفي تركي؟" قلتلّه:"لا ما بعرف تركي". قلّي :"في عندنا هون خالدة أديب بتوعديني انّك تروحي تتعلّمي عندها تركي وانتِ بتعلّميها عربي، شو قولك؟". وضعني بموقف حرج وأبوي كانت العين حمرة عليه وبخاف اني احكيلي شي كلمة مثلاً تعمل ردّة فعل على أبوي. قلتلّه: "نحن هلّق بايّام حرب وكلّ جهودنا مكرّسة لخدمة نتائج هذه الحرب وبعد خلاص الحرب منشوف ومننتبه للتعليم ساعتها". ما قلتلّه لا اتعلّم تركي ولا اتعلّم عربي، قلتلّه: :نحن هلّق موقفين تعليمنا والأيام حرب ومكرّسين كل جهودنا لخدمة نتائج الحرب وبعد انتهاء الحرب انشاء اللّه مننتبه للتعليم".

س _ منحبّ نعرف بعض ذكرياتك بحوالي العشرين سنة 1920 وقت أُعلن لبنان الكبير، ولا شكّ انه عندك ذكريات شخصيّة وذكريات عن الوالد بتلك الحقبة لأنه صار نشاطات كثير وصار في ردّات فعل اسلامية، ممكن توصفيلنا اياها مفصّلاً؟
ج _ بدّي قلّك انه أبوي كان من الحركة الإستقلالية من ايام الأتراك، بالأوّل ما كانوا ضدّ الحكم التركي كحكم، كانوا ضدّ غمط حقوق العرب بالمملكة العثمانية وكان أبوي من الّي عم يطالبوا فيها منشان هيك أُخذ للديوان العرفي مرّتين وكان تحت المشنقة المرّتين ، لو ما في كان والي ببيروت اسمه عظمي بك، خاف من قيام ثورة المسلمين ببيروت وضواحيها وما خلاّهم ينفّذوا حكم الإعدام بأبوي ومنها ثاني ما أخذوا عليه شي انّه تأسيس دولة او شي، كانوا بعدهم بالدرجات الأولى، كانوا عم يطالبوا بحقوق العرب بفلسطين، وكان أبوي من أعضاء المؤتمر الّي صار بباريس سنة الـ13. صار مؤتمر بباريس وكان أبوي من أعضائه، من المطالبين بحقوق العرب. لمّا جينا لهون وخلصنا من الحكم التركي وكنّا بهذيك الإيام كلّنا صرنا بدنا ايش ونخلص من الحكم التركي ومن مظالمهم، حتى صار الـ"slogan" تبع البلد انه تجي القرود ويحكمونا ونخلص من الأتراك بس ما بدنا، بدنا استقلال، ما بدنا حكم أجنبي. أبي من أوّل إعلان الإنتداب الفرنساوي كان ضدّه، ضدّ الإنتداب الفرنساوي، حتّى كانوا انه إذا لا بدّ من الإنتداب، كان كثير أملهم كبير بأميركا وقتها، انّه هيذي مش دولة مستعمرة، إذا كان لا بدّ من كم سنة انتداب انّه تجي اميركا تدرّبنا وإذا ما اميركا تجي انجلترا تدرّبنا، أما فرنسا، فرنسا دولة مستعمرة أبداً أبداً ما منقبل، بس نحن الإستقلال قبل كل شي. حتّى لمّا أجت هيذي اللّجنة تبع Crane هيك كان اعلانها. وقتها اخذونا، نحن وفد من السيّدات وأعلنّا شو رغباتنا وشو الّي بدنا إيّاه، انّه قبل كل شي نحن بدنا استقلالنا.

مأكّد الفرنساويين أخذوها عليه نقطة سودا لأبوي وحزازة، حطّوا بقلبهم حزازة، شو بدّهم كيف بدّهم يمسكوه ما كيف بدهم يمسكوه وقتها انه اجتماعات عم تصير عنده، انّه الخطب عم تصير عنده. قتل وقتها واحد اسمه خورشيد كان اله شي بالدولة، بدهم يلبّسوه ايّاها انّه صارت الإجتماعات عند ابوي، وهو أبوي كان صاحبه خورشيد وما اله فيها ولا أصحابه الهم فيها، كانت حزازات شخصيّة أو ما بعرف أنا كيف قتل هذاك الشرطي، لكن حاصل لأسباب سياسية، مسكوه ونفيوه لـ" دوما" هو وحسن القادر وصلاح بيهم والّي عم يلفّوا عليه. بالأوّل أخذوهم حبسوه بالقلعة، بعدين أخذوهم ونفوهم على "دوما". ونحن رحنا وقتها قعدنا ب"دوما" مدّة من الزمن وأنا تأثرت كثير كثير كثير لأني أنا كنت كثير متولّعة بأبوي ومتعلّقة فيه وكتبت مقالة وقتها بتذكّر عن "دوما"، قلت: "منفى أبي" وشكرت بدوما كثير لأنه للحقيقة الحفاوة الّي لاقونا فيها ولاقوا أبوي وفتحوا بيوتهم الهم كانت حفاوة مدهشة.

س _ دوما لبنان؟
ج _ نعم دوما لبنان . بعد ما قعد أظن 6-7 اشهر ب"دوما" لقيوا انه عبث انّه يظلّوا حابسينهم وانه ما في شي وما قدروا يثبّتوا عليهم شي رجّعوهم، لكن ظلّوا يجتمعوا اجتماعات ويسمّوه مؤتمر الساحل، كانوا يجتمعوا ودائماً مطالبين بإستقلال البلاد بإستقلال الساحل. أظن انّه في شي من قرارات مؤتمر الساحل، موجودة قرارات مؤتمر الساحل ما في لزوم عيدها. كانت كل الإجتماعات تصير عنده. وبعدين لمّا صاروا بدّهم يعملوا مجلس نواب حاربوه حرب كبيرة، حتى هو ما نزل هو نزّل رياض الصلح عن الشلّة تبعتهم، عن الكتلة تبعيتهم، نزّل رياض الصلح. وما طلع رياض الصلح وقتها لأنه كانت الحكومة الفرنساويّة عم تحاربه، أكثر من هيك شو بدّي احكيلك عن هذيك الفترة ما في شي بس انه كانوا بكلّ وسيلة من الوسائل يحاربوه لأبوي.

س _ بتعرفي شي ست عنبرة عن دستور 1926؟
ج _ لا صدّق ما بعرف، هذا صائب أظنّ بيعرف أكثر مني.

من سكان الرصيف
28-04-2007, 09:10 PM
عنبرة سلام الخالدي/ بقلم اميلي نصرالله :

أحتاج كي أرسم شخصيتها إلى ريشة من بلور وألوان أثيرية ومدى لا يحد من النور والشفافية. ذلك أن السيدة اللطيفة كنسمات العشايا الصيفية والخفيفة الظل كطيف خطر ، والناضجة، الممتلئة نكهة وعذوبة كثمرة استوائية، والمشعة بأنوار ترفعك فورا من كيانك الترابي لتضعك على مشارف الكون.

هذه السيدة التي توحي بالجلال والهيبة، ويتدفق الحنان والمحبة من عينيها، يشدك إليها فيض من السحر، فتشعر بأنه يصعب عليك وأنت تحاول الكتابة عنها أن تظل بعيدا عن لمسات سحرها، وتبقى على الحياد فلا تنضم إلى "حزب" محبيها.

وأنا من هذا الحزب، الذي يقدر فيها شخصيتها المتميزة بالبساطة والانفتاح والرقة والحزم، إلى كونها تمثل جيل الرائدات اللاواتي كنا نتطلع إليهم بشوق ونتابع حكاياتهن بشغف، وكأننا نفتح ابوابا سرية أو ندخل عوالم الأساطير.

لقد الكتب الكثير عن السيدة عنبرة سلام الخالدي. شعرت وأنا اتابع أحاديث ولقاءات وندوات عقدت معها، بأن الكتاب أو الكاتبات في الصحافة أو الإذاعة أو التلفزيون كانوا يشعرون بأن مهمتهم يجب ان تبدأ من باب دارها، وعلى كلماتها يشحذون أقلامهم.

يقصدونها ليسمعوا شهادات صادقة عن الزمان والإنسان فيه. عن مراحل سبقت المرحلة الحاضرة ومهدت لها. عن صراع الرائدات من أجل تحطيم قيود فرضت عليهن، لا لسبب، إلا لكونهن من جنس آخر... لأنهن نساء.

باكرا جدا وعت عنبرة سلام، تأثير القيود على شخصيتها وفي محيطها، فراحت تتلمس الطريق كي تتصدى لكل قيد وتتغلب عليه. وكان يساعدها في نهضتها محيط عائلي متميز بالوعي الوطني والحضاري: فأبوها سليم علي سلام أو أبو علي سلام زعيم قومه، رجل كبير النفس، ينطوي صدره على حكمة، ورحابة قلما عرفت لدى معاصريه.

وأمها، سليلة اسرة البربير العريقة، كانت متعلمة وهذا من النوادر في زمانها، ومع أن الست عنبرة تعطي لوالدها الفضل الأول في دفعها نحو التقدم الشجاع في العلم والانعتاق إلا أنها لا تتجاهل دور الوالدة، السيدة كلثوم في تفتيح وعيها، وشحذ طموحها.

.../ يتبع

من سكان الرصيف
29-04-2007, 06:11 PM
صغيرة جدا كانت الفتاة الشقراء اللون، ذات العينين الزرقاوين الدائمتي البحث والتقصي، حين وضعت قدمها في بداية طريق الإستقلال.
هي واحدة من أحد عشر مولودا تتألف منهم عائلة ابو علي سلام، ثمانية بنين وثلاث بنات، عنبرة من الحبات التي تتوسط العقد. وقد رسمت صورا معبرة وإن مختصرة لأفراد عائلتها في كتابها "جولة في الذكريات بين لبنان وفلسطين". ومن خلاله، يطلع القارئ لا على سيرة آل سلام وحسب، وإنما على نمط من الحياة السائدة في بيروت، بل في لبنان في حينه.
يقول المؤرخ كمال صليبي في تقديمه للكتاب: " من الآن فصاعدا لن يكتب تاريخ بيروت في العصور الحديثة دون الرجوع إلى مذكرات الست عنبرة. ولن يكتب تاريخ النهضة النسائية في العالم العربي الحديث دون الاعتماد على هذه المذكرات بالذات" .
حقا، لن يكتب تاريخ، ما لم تدرج شهادات شهود، بل أبطال عاشوا الحياة وخبروها وواجهوا الواقع فقبلوا منه ما استساغوه ورفضوا ما يعارض مبادئهم.
ولن يكتب التاريخ دون أن يبرز اسم المرأة، والمرأة من وزن سيدتنا الكريمة، والتي بدأت نضالها في الحياة مع انبثاق أول خيوط الوعي.

عاشت النضال السياسي من خلال والدها، وذلك في مرحلة تفتحها الباكر وحين كان الحكم العثماني يتربص بالوطنيين، يطاردهم ويقض مضاجع عائلاتهم.
وعاشت صراعا آخر مع مجتمع محافظ بل متشدد بالضغط على تحرك الفتاة.
وكان منزل آل سلام في قلب المصيطبة، أي في قلب البيئة البيروتية المحافظة. وعندما ولدت عنبرة في شهر آب سنة 1897، كانت المرأة لا تزال متوارية خلف الحجب، تعيش في عزلة عن مجتمعها، بعيدة عما يدور في العالم الخارجي، أي عالم الرجل.
تلقت مبادئ الدراسة عند "الشيخة" وختمت القرآن الكريم في السن العاشرة، وأقيمت لها حفلة خاصة للمناسبة، وتابعت دراستها في مدرسة تنتمي إلى جمعية "ثمرة الإحسان" .
وكان هناك شخص يحث الفتيات على التعلم. هو أحمد مختار بيهم، ويدعم القول بالفعل، إذ دأب على تقديم ساعة ذهبية للمتفوقات من الفتيات، وكانت الساعة من نصيب عنبرة في إحدى المرات.
وأحمد بيهم لم يكتف بهذه الوسيلة لدفع الفتيان والفتيات إلى التعلم، بل كتب ووزع شعارات منها: "تعلم يا فتى، فالجهل عار". أو "إلى العلم .. إلى العلم...".

.../يتبع

من سكان الرصيف
29-04-2007, 06:37 PM
كانت طفلتنا في حدود العاشرة من عمرها، حين بدأت تتسرب إلى سمعها كلمات تهديد وملاحظات قاسية من نساء يصادفنها في الشارع ولا يرضين عن انطلاقتها.
وكتبت في مذكراتها تقول: "دخلت السور الحديدي وأنا في العاشرة من عمري، أتعثر في مشيتي ضمن إزاري، وانضممت إلى أمي وجداتي اللواتي سبقنني إليه". وكان أكثر ما يضايقها من انضمامها إلى مجتمع النساء باكرا أنها منعت من مجاراة أخوتها في اللعب والقفز في الحديقة، أو تسلق الأشجار وجني ثمارها.

وتابعت الصغيرة الطموحة دراستها، من سنة 1908 وحتى 1914 في مدرسة "مار يوسف" للبنات ثم في "المقاصد" وذلك بعدما تسلمت إدارتها، وخلافا للتقليد، جوليا طعمة. وكان والدها قد لاحظ شغفها بالعلم والمطالعة، فلم يشأ أن توقف دروسها، بل استدعى كبار الأساتذة كي يشرفوا على تدريسها في البيت، منهم: الشيخ عبدالله البستاني، لتعليم آداب اللغة العربية وقواعدها.
وقد رضي أن يقوم بالمهمة، وهو في حدود السبعين من عمره، كرمى لصداقته مع والدها. وكانت هناك استاذة للغة الفرنسية، والأب يوسف الزهار للعلوم، كما دعيت آنستان لتعليمها الموسيقى.
هذه الخلفية الثقافية، مضافة إلى خبرة الصبية من خلال رحلات إلى الخارج، ثم تشجيع معلمتها وصديقتها جوليا طعمة، لتقرأ، وتتفتح على انعتاق المرأة، بدأت تفعل في تكوين شخصيتها المميزة.
وكانت الست جوليا تمدها بالكتب الممنوعة في حينه، مثل كتاب قاسم أمين: المرأة الجديدة.


وتروي السيدة عنبرة في مذكراتها حكاية طريقة عن دعوة تلقتها من صديقتها جوليا لتحضر إلى نادي الأحد وتستمع إلى محاضرة لها. وتواعدتا أن تعرج عليها عنبرة لتصحبها في عربتها، وحين بلغتا باب النادي وهمت بالترجل ، سمعت أحدهم يقول لرفيقه: "إلى هنا وصل الاستهتار؟.. قيد يا أخي، البنات.. يذهبن إلى النوادي، وهذه ابنة أبو علي سلام تحضر النوادي المختلطة".
ولم يكن في يد الابنة الطيبة، والتي لم تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها، إلا أن تعتذر من صديقتها، وتطلب من السائق أن يعيدها إلى البيت.
ولم يتوقف تدخل تلك الفئة المتعصبة عند هذا الحد، ففي اليوم التالي ظهرت جريدة لهم، واسمها "أبابيل" تحمل المانشيت التالي: البنات في النوادي..." وهنا تضيف السيدة عنبرة: تلك كانت من أشد العوامل التي جعلتني أرفض هذه العقلية، واسعى إلى تطويرها.

وكانت تستلهم عناصر وعيها الباكر، من كلمات قاسم أمين، الذي تعتبره القائد الأول للحركة النسائية في العالم العربي. وقد سمعته يخطب خلال زيارتها إلى القاهرة بعدما قرأت كتبه المحرضة في بيروت وكانت ترى فيه "صورة الرجل الذي فقدناه في بيروت" وتعني أحمد بيهم.
أما المرأة الملهمة في هذه المرحلة فقد تمثلت في سيدتين هما: هدى شعراوي في مصر، وجوليا طعمة في بيروت.

.../يتبع

من سكان الرصيف
30-04-2007, 06:09 PM
تابعت عنبرة بناء شخصيتها على خطين: المطالعة، والدراسة على أساتذة كبار، ثم المشاركة في الحياة العامة ومنذ سنوات المراهقة.
وتتساءل اليوم: "كيف كانوا ينشرون رسائلي ومقالاتي وانا ابنة ست عشرة سنة؟ أتراه شوق المفكرين والقراء إلى سماع صوت المرأة؟"
وهذه المرحلة بالذات، تلقت دعوة لإنشاء جمعية نسائية تهتم بالتربية، ورعاية والمتفوقات. وكانت الدعوة من آنسات سمين أنفسهن "سبطات (أي حفيدات) الأمير عبدالقادر الجزائري".
وهكذا ولدت جمعية "يقظة الفتاة العربية" على أيدي صبايا لم تجاوز كبراهن الثامنة عشرة من العمر. وقد لجأن في حينه إلى السيدة نجلاء بيهم ورجونها أن ترأس الجمعية كي تصدر الإجازة بإسمها.
وتتابع السيدة عنبرة: وكانت أول جمعية لفتيات مسلمات في العالم العربي. تأسست في شهر آب من سنة 1914 ـ أي مع بداية الحرب العالمية الأولى ـ وهذا ما اضطرها لأن توقف نشاطها بسبب هجرة الناس من بيروت.
كذلك ساهمت الصبية عنبرة في تأسيس "النادي الاجتماعي للفتيات المسلمات". وهو الأول من نوعه في البلاد العربية. كما اشتركت مع الأديبة سلمى صايغ في تأسيس جمعية النهضة النسائية لتشجيع المصنوعات الوطنية.

وتمر عنبرة الكاتبة بكثير من الرهافة، على حدث هام ترك عميق الأثر في حياتها خلال تلك الفترة، وهو تعرفها على شاب كان موضع إعجاب الجيل الجديد هو الصحافي عبدالغني العريسي، الذي كان يقف في الصف المتقدم لمناهضة الحكم العثماني، من خلال جريدته "المفيد".
وقد تم التعارف بين الصبية وفتى الأحلام في دار إحدى الصديقات وقد رغبت عنبرة في ذلك إذ كانت ترفض أن تربط مصيرها بمصير شاب تجهله.
وهذه خطوة جريئة بالنسبة إلى زمانها، وتصفها تقول: "ذهبت إلى الاجتماع وجلة خائفة من إقدامي على خطوة كانت في منتهى الجرأة، بل في منتهى الوقاحة حسب تقدير المجتمع آنذاك".
ولم يخيب الشاب أملها، فكان اللقاء موفقا والاعجاب متبادلا واتفقا على المراسلة، ثم تقدم بطلب يدها من أهلها الذين تمهلوا في الجواب.
وهنا، تدخل القدر، إذ وقعت الحرب، فهاجرت عائلة سلام إلى إحدى قرى الزبداني في سوريا. وعبدالغني لجأ مع جريدته إلى دمشق. وحين التقت به هناك، أفهمها بأن مخاطر جمة تحيط به وبرفاقه إنما عليها أن تتشجع.
وكانت غاية في الشجاعة حين صمدت أمام النبأ الفاجع الذي جاءها مع صباح السادس من أيار سنة 1916. لقد أعدموا خطيبها وكان من شهداء الدفعة الثانية، إذ شنقوا شهداء الدفعة الأولى في آب سنة 1915.


.../يتبع

من سكان الرصيف
30-04-2007, 06:19 PM
هذه الصدمة تركت في نفس الصبية الرقيقة جرحا بليغا حاولت أن تدمله بالعمل الاجتماعي والثقافي. وكانت قد عرفت ألما مشابها في تجربة سابقة ، حين فقدت أخاها محي الدين وهو في العشرين من عمره.
هذا الحزن العميق والذي يتغلغل حتى أعماق الجذور، تحول في شخصية عنبرة إلى رادف شحذ منها الفكر وأنار العقل، وزادها رهافة حس بالقضايا الوطنية والانسانية.
لقد انسحبت من ذاتها وحاولت أن تدفن "أناها" في عطاء متواصل لكل من حولها. المساعدة لأمها، العاطفة لأخوتها، الدعم والصداقة لرفيقاتها المناضلات.
وهذا ما جعلها ترفض طلبات زواج راحت تنهال عليها من كل صوب، لما لعائلتها من مكانة، ثم لجدارة شخصية بكرت في إثباتها. وقد تجاوزت ذلك كله، وتابعت خط الطموح، وغايتها هذه المرة الدراسة في انجلترا، حيث سبقها أخوها. لكن والدتها وضعت عليها شرطا وهو أن تصحب شقيقتها الصغرى رشا والتي كانت لها بمثابة ابنة روحية.
وقبلت بالشرط، وسافرت في النصف الأخير من سنة 1925.

بقيت في انجلترا سنتين، درست خلالها اللغة الإنجليزية والأدب وأسلوب المعيشة والنظام. وحين رجعت من هذه الرحلة دعتها جمعيتها لتلقي محاضرة حول انطباعاتها الشخصية.
وكان الجمهور مختلطا والمحاضرة مفصلة تستغرق الساعتين، مما دفعها لتستشير والدها في أمر سفورها، فكان جوابه: تصرفي بحسب ما ترينه مناسبا... ووجدتها فرصتها الذهبية للانعتاق. وانطلقت بعد ذلك تخطب في المؤتمرات النسائية المنعقدة في لبنان أو في الخارج.
هذا التألق الثقافي والاجتماعي كان من الطبيعي أن يلفت الأنظار إلى الصبية العاصية على الزواج. وكان هناك شاب يرصد تحركاتها المميزة بصمت.
ثم لم يلبث أن خرج عن صمته، حين كتب لأخوتها يطلب خطبتها. وجاءه رد الأخوة سلبا. وهنا لجأ إلى صديقتها جوليا طعمة دمشقية، التي دعتها إلى الغداء، وحضر أحمد سامح الخالدي خصيصا من القدس إلى بيروت كي يلبي تلك الدعوة ويتعرف إلى الأديبة المتألقة.
وكان أحمد شابا وسيما واسع العلم والمعرفة، واثقا من نفسه ويشغل منصب مدير الكلية العربية في القدس، والمسؤول الأول عن التعليم العربي في فلسطين.
وكانت مصارحة بين الإثنين خلال لقاء ثان وثالث، إلى أن عقد القران في القدس بتاريخ 9 آب سنة 1929 بحضور الأهل ، وبحسب التقاليد المتعارفة بأن يكون العقد في مقر العريس.

.../يتبع

من سكان الرصيف
30-04-2007, 06:32 PM
وندخل مرحلة هامة في حياة السيدة عنبرة هي مرحلة النضج الأدبي وجني ثمار العلم والمعرفة والتي اعدت لها خلال السنوات المنصرمة. كما نبدأ مع مسيرتها كأم مثالية أقبلت بشغف على حضن طفلي أحمد ـ سلافة ووليد ـ بكل ما في صدرها من مخزون العاطفة والأمومة التي تقول فيها:
"... وأنا أعتقد انني أم قبل أي صفة أخرى، ولهذا فقد انسجمت مع طفلي هذين كل الانسجام، وكانا سببا في اضفاء البهجة على البيت، وإضفاء مسؤولية على عاتقي، محببة إلى نفسي".
كذلك رافقت نضال زوجها السياسي والثقافي، إذ دخلت القدس وهي تشتعل. وفي عام 1936 تشردت مع عائلتها مرتين. وشهدت الانتفاضات الوطنية، وكانت مع زوجها من تلك الحركة في موقع القلب النابض.
وقد دفعت الضريبة عدة مرات، إحداها سنة 1938 حين استدعين إلى بيروت، بسبب مرض والدها، ثم وفاته. ولما عادت إلى منزلها في القدس وجدته خاليا. كما أجبر زوجها على إخلاء الكلية العربية.

لم تتخل عن نشاطها الأدبي، فانصرفت إلى ترجمة "الإلياذة" و"الأوذيسة" عن الانجليزية، وكتب لها المقدمة الدكتور طه حسين، ثم أتبعتها بترجمة "الإنياذة". وكانت أول سيدة تلقي حديثا نسائيا من إذاعة القدس، حين تسلم إدارتها الشاعر ابراهيم طوقان. وتذكر أنها كتبت للمناسبة بحثا عن سكينة بنت الحسين التي تعتبرها رائدة الوعي النسائي والأدب الرفيع.

وظلت تساند زوجها في نشاطاته التربوية والثقافية خصوصا بعدما ألف "لجنة اليتيم العربي" و"معهد دير عمرو" المهني إلى جانب إدارته للكلية العربية، وتقول:
"إن اضطرار أحمد إلى التخلي عن مشاريعه هذه، أصابت منه القلب. وحين اضطر إلى الرحيل، مع العائلة، إلى لبنان في نيسان عام 1948، نقل بعضا من نشاطه معه، فأنشأ مدرسة في قرية "الحنية" في الجنوب، من أجل أبناء المهاجرين الفلسطينيين تضم مدرسة ومستوصفا. وكان يخطط لبناء مدرسة في الشمال قبل أن يوافيه الأجل وهو في الخامسة والخمسين من عمره".

ذكرت الست عنبرة لمحة عن مشاعر الأمومة في صدرها، لكن الأولاد والأحفاد، وحدهم، يمكنهم أن يعرفوا قدرها أما وجدة سعيدة. فقد رزقت من زواجها بأحمد الخالدي أربعة أولاد هم: أسامة، ورندة وطريف، وكرمه الصغرى التي توفيت في الأشهر الأولى من حياتها.

بلغ أولادها جميعا مراتب سامية في العلم، ويشغلون مناصب رفيعة في مجالات منوعة يضيق المجال عن تفصيلها. وحين تتحدث عنهم تقول:
"أشعر الآن أنه علي أن أذكر شيئا مفصلا عن الأولاد، تحدثا بنعمة الله، وقد عاهدت نفسي أن أذكر ما لهم من الحسنات والسيئات، بكل تجرد، ولكنني حينما بدأت أكتب عنهم، ضحكت من هذا التجرد المدعي، لأنني لا أقدر أن أجد لهم شيئا من السيئات، وهل هذه شأن كل أم فخورة بأبنائها، يا ترى؟..."

وقد كتبت مفصلا عن كل منهم في سياق ذكرياتها. أما الأحفاد، الذين أهدتهم كتابها القيم، فالجدة عنبرة تحقق في علاقتها بهم المثل الشعبي القائل: "ما أعز من الولد إلا ولد الولد" ولها منهم عشر بركات، تخبر عنها الأجيال الطالعة. وتشهد كم أنه باستطاعة الإنسان أن يكون مغروسا في بيئته مثل حبة البركة .

...........