PDA

View Full Version : بـاقـات مـن حـدائـق مـيّ



Ophelia
28-04-2007, 11:09 PM
http://upthings.googlepages.com/bakat.JPG

باقات من حدائق مي

فاروق سعد

سيرة مي زيادة
مع مقتطفات من تراثها

منشورات زهير بعلبكي
بيروت



أتمنى أن يأتي بعد موتي
من ينصفني، ويستخرج من كتاباتي
الصغيرة المتواضعة ما فيها من
روح الإخلاص والصدق والحمية
والتحمس لكل شيء حسن وصالح
وجميل، لأنه كذلك، لا
عن رغبة في الانتفاع به..



"ميّ"
من رسالة لمي زيادة إلى الدكتور
يعقوب صرّوف في شباط 1919




ألا تصغى إلى همس خفيّ وراء الاسم ؟!

شجية ، كنار ، عائدة ، إيزيس كوبيا ، السندبادة البحرية الأولى ، مداموزيل صهباء ، خالد رأفت ، الآنسة مي .. جميعها أسماء لمسمّاة واحدة هي ماري زيادة !.

" ألا تصغي إلى همس خفي وراء الإسم والكنية عند سماعها للمرة الأولى كأن لها ذاتاً خفية وراء المعنى الظاهر" و "أي شيء في الاسم؟ تناجي جولييت حبيبها روميو في الفصل الثاني من مسرحية شكسبير "إن ما نسميه وردة سينشر عرفه ذكياً لو تسمى باسم آخر".

ولو لم تتسم ماري زيادة بتلك الأسماء، أم بواحدة منها ، لما حال ذلك دون كونها تلك الآنسة التي عظمت مكانتها في الأفئدة واستفاض ذكرها على الألسنة، لما وهبته من شاعرية فذة ، وذكاء نادر وفصاحة فريدة، ولما بلغته من غاية الفكر والفن والأدب، ولما أبدعته من تراث أمدّ الفكر الإنساني عامة والفكر العربي خاصة بعطاء رائع خالد.




صحيح أنك لم تهتدي بعد إلى صورتي؟!

"صحيح أنك لم تهتدي بعد إلى صورتي فهاكها: استحضري فتاة سمراء كالبن أو كالتمر هندي، كما يقول الشعراء أو كالمسك كما يقول ميتم العامرية، وضيفي إليها طابعاً سديمياً – فلسمح لي البلاغيون بهذا التعبير المتناقض – من وجد وشوق، وذهول ، وجوع فكري لا يكتفي وعطش روحي لا يرتوي ، يرافق أولك جميعاً استعداد كبير للطرب والسرور واستعداد أكبر للشجن والألم – وهذا هو الغالب دوماً – وأطلقي على هذا المجموع اسم مي تري من يساجلك الساعة قلمها".

تلك هي اللوحة التي رسمتها مي لصورتها في رسالة من رسائلها إلى صديقتها السيدة جوليا طعمة دمشقية فبدت صورة ذاتية دافقة بالإنطباعية في ألوان خلابة تملك المشاعر وخطوط مرهفة تستأثر بالألباب.




ولدت في بلد ، وأبي من بلد ،
وأمي من بلد ، وسكني في بلد

" ولدت في بلد ، وأبي من بلد ، وأمي من بلد ، وسكني في بلد وأشباح نفسي تنتقل من بلد إلى بلد .. فلأي هذه البلدان أنتمي وعن أي هذه البلدان أدافع".

هكذا بعبارات سلسلة تعبر مي ببساطة عن تساؤلات تطارحت في مخيلتها يوم انتقلت إلى القاهرة مع والديها سنة 1908 .. ثم تتالت الأحداث في حياتها تحمل الإجابات على هذه التساؤلات.

ولدت في بلد!.. كانت ولاة مي في بلدة الناصرة بفلسطين.
وأبي من بلد !.. وكان والد مي الياس زخور زيادة من حتول احدى قرى قضاء كسروان في جبل لبنان.
وأمي من بلد!.. وكانت نزهة معمر والدة مي فلسطينية من الجليل.
وسكني في بلد!.. ورأى الياس زيادة أن ينتقل مع أسرته إلى القاهرة لعله يحظى بمدخول أوفر من راتبه الذي يدره له التعليم في مدرسة الأرض المقدسة في الناصرة.. يمكنه ممارسة الصحافة إلى جانب التعليم.. وهكذا انتقل الياس زخور زيادة وزوجته نزهة معمر ووحيدتها مي إلى القاهرة ليمارس التدريس والصحافة ثم لينصرف إلى الصحافة في جريدة "المحروسة".





أزاهير حلم Fleurs de Reve

".. بأي اللهجات أتفاهم والناس، وبأي الروابط أرتبط؟ أأتقيد بلغة جماعتي وهي، من زعمهم ليست لي، ولم توجد لأمثالي أم أكتفي بلغة الغرباء وأنا في نظرهم متهجمة عليها".

كان لا بد لمي من طرح هذا السؤال وهي تنر مؤلفها الأول "أزاهير حلم" بلغة ليست لغة جماعتها ، هي اللغة الفرنسية..

ولكن هل كانت مي فعلاً متهجمة على لغة الغرباء؟...

لنباشر من البداية ولندع مي تتحدث عن أزاهير حلم:

" – في مشاهد لبنان الجميلة، حيث الجنائن المزدانة بمحاسن الطبيعة الضاحكة والجبال المشرفة بجلالها على البحر المنبسط عند هاتيك الأكمام الوادعة – كنت أسرح الطرف بين عشية وضحاها وأنا طفلة صغيرة بمدرسة عينطورة، فكانت توحي إلى نفسي معاني الجمال، فتفيض بها شعراً في أوقات الفراغ وأثناء الدرس التي كنت أشغل عنها بنظم الشعر وتدوينه حتى اجتمع لي منه مجموعة باللغة الفرنسية سميتها "أزاهير حلم" ونشرتها بإمضاء إيزيس كوبيا سنة 1911 بعد أن نزلت مصر مع والدي وكانت هذه المجموعة أول كتاب صدر لي في عالم التأليف".

وهكذا يصدر للآنسة اللبنانية التي كانت تعطي دروساً خصوصية باللغة الفرنسية لبنات الوجيه القاهري إدريس راغب ديوان شعر بالفرنسية تحت عنوان Fleurs de Reve لمؤلفته إيزيس كوبيا Isis Copiaa !

وتلفت هذه المجموعة الشعرية نظر كل من انطوان الجميل وخليل مطران فيخصها الأول بكلمة في جريدة المحروسة ويكتب عنها الثاني مقالاً في جريدة الأخبار.

يقول انطوان الجميل واصفاً الكتاب إنه يراه "مجموعة أزهار عطرية نبتت في رياض الأحلام الجميلة وهي مهداة إلى لامرتين شاعر القلوب الحزينة، وهذه الروح المتألمة ترف على كل صفحة من صفحاته وتجعل الكاتبة تقول في قصيدة، "هل هي شاعرة" معناها البكاء والرأفة والحب والألم.. هذه هي صفات الشاعر"

أما خليل مطران فإنه بعد مطالعته "أزاهير حلم" تمثل لديه "قفص من الذهب يتحرك في داخله وينتقل بين أسلاكه اللامعة عصفور صغير ملوّن الريش مرح كل المرح، كأنه يضرب بأجنحته الصغيرة جوانب هذا القفص الذهبي ليفلت من قيود أسلاكه وينطلق فيه إلى الجو الفسيح لأنه لا يطيق الاحتباس ولا يقدر أن يكون سجيناً في مكان ضائق بأمانيه في الحياة".





يتبع..

Ophelia
29-04-2007, 08:10 PM
.
.
تعبق أزاهير حلم بشذى يضاهي ذلك الأريج الذي فاحت به قصائد الرومنطيقيين الأوروبيين في القرن التاسع عشر.

أن أول ما يطالعنا في شعر مي حضور شخصيتها بل كينونتها. وحضور شخصية مي لا يتمثل في وجودها الحسي فيها فحسب بل في انعكاسات ذاتيتها على مدى أبعاد ، فحضور مي "مع لورد بايرن في غابات لبنان" لا يقف عند قولها:


" نحن الآن في منتصف الساعة الحادية عشرة صباحاً. وأنا
وحدي في الغابة منذ ساعتين. وحدي مع بايرن شاعر العنف
والعذوبة والذي يضعه الإنجليز في المرتبة الرابعة من شعرائهم
مع أنه يستحق أن يكون الأول بعد شكسبير.

بينما كنت أقرأ كان دفتري على مقربة مني. والآن وقد
أنشأت أكتب فإن شايلد هولد ملقى عند قدمي".

ويتعدى حضور شخصية قول مي هذا إلى أعماق وجودها النفسي في تفاعله مع رؤى الطبيعة:


" يا هذه البرية ! يا هذا الخلاء في لبنان!
إني لألقي على كل صخر من صخورك، تحت كل شجرة من
أشجارك ، في كل مذهب من مذاهب أوديتك، نثرات من
كياني: أنثر الإبتسامات ، والزفرات ، والأحلام ، والأغاني
والآمال ، والإعجاب والتأمل...


يلوح لي أحياناً أني طرحت عليك كل ما في حولي وكل ما
في وسعي، وأني ألقيت إليك بنهاية منتهى اقتداري.


ولكني كلما أحببتك زدت نمواً واقتداراً.
كلما دفقت عليك، يا قمم جبالي، عواطفي وذهولي تجدد
فيّ الحب وذكى الحماسة، فإذا بي مثلك باقية.
أحبك ، وسأحبك على الدوام".


ويأتي الألم بكل ما يحمل من صبر وعزة وطهارة ليقف إلى جانب الكآبة في "أزاهير حلم":


" ما أشرفك أيتها الأنفس التي تجردت من الثروة؟ وأنت أيتها الأنفس
الجبارة التي لا تحطمها أحداث الدهر!
وما أسمى شموخ الأنف الذي لا يذله الفقر!
وما أنبل القلوب الشهمة التي تثقلها الآلام ولا تخنع..

الفرح يهملك بعد ابتسامه الطويل، والأخطار تحيق بك من كل صوب.
والشدائد تمزقك والدموع السخينة التي تذرفينها في وحدتك تقرح عينيك وتضرم
قلبك. غير أنك ستبقين كبيرة فالشرف مقرون بعذابك النبيل، والسعادة
تفوق الادراك والوصف".


وها هي تهتف في أزاهير حلم:


" دعوني في هذا الملجأ الساحر.
دعوني وحيدة أحيا مطمئنة
بعيدة عن ضوضاء المدن،
دعوا لأنظاري تلك الرؤى العذبة
دعوا لأفكار أحلامها الرخية
دعوني أنعم بالرقاد
دعوني أياماً فإني لا أود أن أسمع
إلا الحفيف ، الخفيف، الموسيقي الحنون
الذي تتنفس به هذه الجبال
ألا أبعدوا عني، ولو حيناً، أصوات البشر
التي تتبطن الحسد والحقد والغل
هنا يطيب لنا الحب...
أجل يطيب لنا الحب: بين الأشجار المنعزلة؛
والخرائب البائدة، وما حملت من أخبار الزمان
وهذه الصخرة الكئيبة..
كل ما في هذه الربوع يجذبني ويسحرني
الأوراق التي أحسها تنبض، والعصافير التي ترد
كلما رأتني أدنو".



ورغم أن "أزاهير حلم" نشرت باللغة الفرنسية إلا أنها كانت تتقن اللغة العربية كما تتقن اللغة الفرنسية.. وكما تتقن اللغة الألمانية.. وكما تتقن اللغة الانجليزية.. وغيرها وغيرها.. إنها (عبقرية اللغات) تلك التي تتمتع بها هذه الفتاة...

ولكن من أين لمي تلك البراعة باللغة العربية وثقافتها الأساسية فرنسية!...
الجواب لمي نفسها

" – لذلك حكاية طريفة. لما صدر كتابي الفرنسي، قامت والدتي تحتج عليّ وتقول لي: ما في أحلى من اللغة العربة.. أما اللغة العربية فقد تعلمتها من القرآن على لطفي السيد بك وكان كلما زارنا مرة، انزويت وإياه والدكتور شميل في ركن من بهو الإستقبال، وراح يقرأ عليّ القرآن ويفسره ويشرح العويص من كلامه ثم أهدى إلي أول كتب عربية طالعتها: "النسائيات" لباحثة البادية، "مجموعة الأشعار" للبارودي، "تحرير المرأة" لقاسم أمين".

"... وكان والدي قد أصدر في هذا العهد جريدة "المحروسة" فأخذت أقرأ بعناية كل ما يكتبه فيها كبار الكتّاب، حتى تكونت لي ملكة عربية شجعتني على ترجمة رواية فرنسية بعنوان "رجوع الموجة".

وكانت أول كتاب نشرته باللغة العربية.

وفي هذا الحين كنت أتابع دروسي باللغة الألمانية والانجليزية والفرنسية فترجمة رواية "هجرة الفرنسيين إلى أمريكا" – عن الانجليزية – بعنوان "الحب في العذاب". وتوضح مي: "رجوع الموجة نقلته عن الفرنسية للكاتب برادا ونشر ذيلاً بجريدة المحروسة أو رفرفاً كما كان يسمي Feuilleton أحمد زكي باشا".

وعندما عدت إلى مصر آخر الصيف نشرت "الحب الألماني" ذيلاً في المحروسة فلم يعجب عنوانه والدي فسألني عن موضوعه فلخصته له بكلمات فاقترح عليّ تسميته "ابتسامات ودموع".




يتبع..

عمر بك
29-04-2007, 09:20 PM
متابع ..

رملاوية
29-04-2007, 11:39 PM
أسجل حضوري هنا ..

بانتظار المزيد

Ophelia
30-04-2007, 10:24 PM
ابتسامات ودموع

http://upthings.googlepages.com/bakat2.JPG

" الفكر!.. ما أجذب الفكر إذا هو مزج بطلاوة العاطفة وخيمت عليه أوشحة الخيال! عشت السنوات الأولى من حياتي دون تفكير، وها قد غدا الجناح الملون بألوان قوس السحاب يضرب جبهتي ليفسح له فيها وكراً فصار كل موضوع، وكل مشهد طبيعي ينحني بتأملات زرقاء، وردية، ذهبية،فضية، رمادية تحول حولي تارة، وطوراً تجثم فيّ متعاونة مع ما في الكتاب على إيصالي إلى روح الإنسانية. فإذا أسمع دقات قلبها ومدى أنينها فأدرك أنها شقية بجهلها واضطرابها وهمومها، وأنه قدر على المختارين من بنيها أن يتألموا أضعافاً لأنهم السابقون إلى مقاتلة المجهول وكجميع الطلائع يتلقون ضربات المصادرة والمقاومة فلا تضعف عزائمهم، ولا تكل أقدامهم، ويثابرون على تلمس السبيل في حالك الظلمات، ويسيرون إلى الأمام حاملين غنيمة الجهود الإنسانية والثقة بتحقيق الآمال".

"كان ذلك في صيف عام 1911 وبي تيقظ الفتاة الأولى، واستفسارها الصامت إزاء المسائل الكونية والعمرانية والروحية، المتنبه المتحفز للاهتمام والتحمس. وبي كذلك خجلها وحيرتها وترددها..."

"... كنت شرعت أدرس الألمانية في القاهرة ابان الشتاء ولم ينلني منها سوى عشرين درساً أو أكثر قليلاً. ولما تزودت بالكتب قبيل الرحيل أضفت إلى حقيبتي كتاباً ألمانياً لا غير، هو "الحب الألماني" هذا. وقد وقع عليه اختياري لأن السيدة البروسية التي تتلمذت لها ذكرته ممتدحة أسلوب مكس مولر المشبع فكراً ومعرفة، على سهولته ورشاقته. ونسبت هذه الرشاقة وتلك السهولة إلى كون المؤلف شاعراً بفطرته ووراثته رغم اشتهاره بالعلم والبحث، وإلى كونه إنجليزياً بوالدته كما صار بعدئذ انجليزيا بزوجته وباستيطانه إنجلترا أعواماً طوالاً. فكان له من إجادة اللغة الإنجليزية ومعالجتها والتأليف منها ساعد قوي في تجريد جملته الألمانية من التطويل والصعوبة والابهام الملازم لها غالبا عند كتاب الألمان، لا سيما العلماء والفلاسفة.

"أنشأت أتصفح الكتاب في عزلة "الكوخ الأخضر" ولم أخرج من الفصل الأول حتى تملكتني روحه الشعرية الفلسفية وأرهفت ذهني فتمكنت من الإحاطة بالمعنى العام وإن فاتني من معنى المفردات الكثير. وما أتيت عليه إلا وعدت أراجع قراءته مرات حتى ابتهجت بمحاسنه نفسي المنفردة وعلى قصر باعي بالعربية التي كنت نشرت فيها مقالات ابتدائية قلائل ، ومع إني لم يكن لدي معجم ألماني، استعنت بالقلم والقرطاس لأرسم بلغتي تلك الخطوط البديعة، ولو كان لي مقدرة مكس مولر الفكرية والانشائية لما أفصحت عن حركات النفس بسواها. وقد قال لي أحد الأدباء عندما نشرت "ابتسامات ودموع" في ذيل المحروسة في الشتاء التالي، قال "أسائل ذاتي ساعة أقرأ ذيل المحروسة أأنت ناقلة مكس مولر إلى العربية أم هو ناقلك إلى الألمانية؟".؟ في هذه الكلمة التي تخال تماماً للوهلة الأولى حقيقة أولية هي كل قوة الكاتب الوجداني الذي إنما نحكم له بالتفوق لأنه أحسن التعبير ليس عما يشعر به هو الكاتب بل ما نشعر به نحن القراء. وكيف لا نحكم له بذلك وهو الغريب الجاهل أسرار قلوبنا قد اطلع على خفايانا وبسطها لنا وللعالمين. وكتاب "ابتسامات ودموع" من هذا القبيل آية سحر وبراعة. لا يقصر على الوصف بل هو مهبط وحي للنفوس الحساسة".

"الحب الألماني! كلا. ليس هذا الكتاب حباً ألمانياً فقط بل هو خلاصة بسمات الإنسان وعبراته. فسميته "ابتسامات ودموع". فإن كان ذلك تزييفاً لفكرة المؤلف الواجب احترامها على كل مترجم، فهو صادق من حيث اقتناعي الخاص، أمين للصورة التي ارتسمت منه في نفسي".

هذا ما أوردته مي في مقدمتها لكتابها "ابتسامات ودموع" الذي نقلته إلى العربية من الألمانية عن قصة الكاتب مكس مولر الذي تعرّفنا مي به وبأعماله تلو مقدمتها للكتاب.


http://upthings.googlepages.com/bakat3.JPG

كتاب "ابتسامات ودموع" قصة مؤلفة من ثمانية فصول أو بالأحرى من ثمانية ذكريات ضمتها صفحات من رسائل نجت من الحريق على حد زعم المؤلف في المقدمة: "كذلك يقرأ الصديق الأسيف صحائف لم تقع عليها عين غير تلك التي أطبقت إلى الأبد. وإذ يتثبت من خلوها مما يعبأ به العالم يحملها بيد مرتجفة ويلقيها في النار، فيضم اللهيب وديعته هنيهة ولا يطول حتى ينفلت وإياها رماداً.. لقد نجت الصفحات التالية من مثل هذا المقدور..."...

في الذكرى الأولى أسرار الطفولة..
وفي الذكرى الثانية لقاء مع الأميرة...
وفي الذكرى الثالثة خاتم الاميرة..
أما الذكرى الرابعة فهي عودة إلى قصر الأميرة.
وفي الذكرى الخامسة تتفتح براعم الحب.
وفي الذكرى السادسة تهيئة السفر.
أما الذكرى السابعة فهي رحلة طويلة .. في القصر .. مع الكونتس..

كلمات في صور ملونة تترى نلمح بينها هيلانه جوته وهايدي بيرون، ورؤى وعبارات شللر و وردذورث وروسو، وخطوط ترنر، وتنبعث منها ألحان سيمفونيات بتهوفن حتى إذا أتت الذكرى الأخيرة كان الماضي يتمثل في الذاكرة...


يتبع..

محمود الحسن
01-05-2007, 05:32 PM
جميل ولو عندك شي الكتروني لكوليت الخوري يا ريت تنزليه هنا طبعا عدا رواية ( ليالي معه ) :gh:

Ophelia
03-05-2007, 02:22 PM
السانحة الأولى

نحن الفتيات أسيرات الأزياء،و عبدات التبرُّج ، ولُعَب الأهواء، أنكتب نحن فتيات اليوم؟

نعم، صرنا نكتب ليس بمعنى تسويد الصحائف فحسبُ بلبمعنى الانتباه للشعور قبل التحبير ، لقد خبرنا الاختلاء بذواتنا فأقبلنا على تفهممعاني الحياة نتفرس في المشاهد بأبصارٍ جديدة، ونصغي إلى الأصوات بمسامع منتبهة ،ونتوق إلى الحرية والاستقلال بقلوبٍ طروبة، ونعبِّر عن النزعات بأقلامٍ يشفعالإخلاصُ في تردّدها. إن الأمر لكذلك. وجرأتنا هذه لم تبدُ من اللائي سبقننا،وإقدامنا لم يألفه الرجل من سوانا ، والجمهور يرقبنا بنظرةٍ خاصة تائقاً إلىتصفُّحِ نفس المرأة في ما تصِفُ به ذاتهاو ليس في ما يرويه عنهاالكاتبون.

وما الغرض من ذلك؟

يزعم الجمهور إن رغبته في تذوُّق إنشاءِالمرأة لا تُعربُ عن إكبارهِ لذلك الإنشاء ، أو عن إقراره بصدق الفراسة منها. وإنما لأن في كتاباتها مظهراً من مظاهر الذات النسائية العامة.

خطوةٌ صالحةنحو تكريم الأدب النسائي ، إلا أن فيها من الظلم و غمط الحقوق ما فيها. نحن نحبُّ الحلم ، و نطلب التساهل ، و نريد أن يستعان في الحكم علينا "بالظروف المخففة"كما يقول سادتنا الحقوقيون.

نريد ذلك لأننا مبتدئات. نريده لأننا مبتدئات ولأننا بنات يوم تشرق علينا شمسه نخلق أنفسنا بأيدينا ، و نكتشف الطرق غي غابات مهجورة ، ونمهد السبُلَ بين الصخور و الأدغال لنا و للآتيات بعدنا.

إفساح المجال علينا عسير. فنشكرُ للحليم تغاضيه عن القصور في عملنا و انتباهه لضآلةوراثتنا في عالم القلم- كما نشكر للناقد الكيّس ما يُبيّنه لنا من أغلاطٍ ناتجةٍ عن ضعف الفتاة و قلة اختبارها. و لكنهُ لا يجوز في شرع العدل و الحقيقة أن تُرمى جميع أعمالنا بالضعف النسائي و أن يطلق عليها الحكم بلا بحثٍ و مقارنةٍ.

لقدغالى بعض المفكرين، لا سيما بعض الذين أقنعوا نفوسهم بأنهم مفكرون؛ لقد غالى هؤلاء فيفصل المرأة عن النوع الإنساني الذي كادوا يحصرونه في الرجل. و الواقع أن كل حميّةتهزُّ المرأة إنما تنطلق من النفس الإنسانية الشاملة، و كلّ نقص يشوبها إنما يرجعُ إلى العجز البشري الشائع ، و كلُّ أئرٍ من آثار ذكائها إنما هو وجهٌ من وجوه الفكرالإنساني العام.



ويقرأ ولي الدين يكن السانحة الأولى، التي نشرتها مي ويتابع سوانحها الواحدة تلو الأخرى.. كان يعرف صاحبة هذه السوانح .. وكان على اطلاع على ما أنتجه يراعها... كان يعرف صاحبة هذه السوانح.. وكان على اطلاع على ما أنتجه يراعها.. وذات يوم.. ويبدو أنه كان للتوّقد فرغ من قراءة سانحة من سوانح مي.. ويبدو أن إعجابه قد وصل إلى حد حمله إلى الكتابة لمي معبراً عن رأيه فيها.. وكتب:

"سيدتي.
وددت لو ألهمت من الكلام ما يسمو حتى ينتهي إليك في أوجك العالي – أنا حيران – أنظر فأرى فلاً باهراً وتصبو نفسي إلى تلك المحاسن. ثم يستوقفها عرفاني بعجزي. يا بيت القصيد في بدائع القدرة، ليهنأ بك العصر ولتفخر بك بنت إيزيس واوزريس.

لا أدري ما أصف : مجلسك الطيب أم صوتك الرخيم أم كلامك العذب أم فكرك المنير. أقل ما في هذه الملاحات يدق عن فهمي ويعيي عن الاحاطة به ادراكي.

كانت لي في دولة الشعر مكانة، واليوم أشهد الله إني أكاد أهوي من عليائها. أنت كالطبيعة في كل بدائعها ولكنها متقلبة وأنت ثابتة ولا أقرنك إلى من سلفك من سيدات الشرق ولا من جاوزتهن من سيدات الغرب ولا أقول أنت حمامة الدوح فتلك عجماء وأنت معربة ولكني أقول أنك بلبل الشعر الصادح في روض الحياة.

فصولك الغضة تعلو بالمدارك وتنير جوانب النفوس فلا تدعيها كالاوراق التي تحضر في الربيع وتذوي في الشتاء .. جمعيها جنية غضة وكللي بها رؤوس هذه الأعوام – الناس في حاجة إلى هذه الأنام الإلهية...


"ولي الدين يكن"



كان ذلك في 23 نيسان سنة 1912 ... وبعد عشر سنوات عملت مي باقتراح ولي الدين يكن فجمعت هذه الفصول ونشرتها لها دار الهلال سنة 1922 تحت عنوان "سوانح فتاة".


وهنا سوانح مي لمن يرغب بقراءتها


سوانح فتاة .. مي زيادة (http://www.4shared.com/file/9753465/58199107/____.html)

Ophelia
03-05-2007, 02:39 PM
من مي إلى جبران : 29 آذار سنة 1912
25 أيار سنة 1912


".. أمضي مي بالعربية وهو اختصار إسمي، ومكون من من الحرفين الأول والأخير من اسمي الحقيقي الذي هو ماري. الخ.. "

إنها مي تكتب رسالتها الأولى إلى جبران خليل جبران... "وكان أول ما طالعت منه مقاله "في مثل هذا اليوم ولدتني أمي" فاستذوقت نهجه. وطالعت سواه واستزادت. لقد لقيت لدى الرجل صوتاً حاد النبرة، شاسع الإيحاء ، يخدش الآذان الشرقية، الآلفة الوتيرة الواحدة، ويبعث فيها الثقة بقدرة الإنسان . ولقيت لديه أيضاً غصة ألم وضراوة وحشة وفورة جموح طالما تنازعتها هي فأورثتها القلق الذي لا يهادن.

ولم تكتف مي بمطالعة جبران وقد رأت فيه شخصية فذة بارزة السمات، بل راحت تستوضح سيرته وأوضاعه باهتمام جدي، كأنما هي أرادت أن تكتشف الينبوع الأصيل الذي فجر ذلك النتاج.. فعلمت أنه لبناني بائس هجر قريته بشري وأمه وإخوانه إلى بوسطن. وهنالك في حي موبوء قذر، جعل يدرس الإنكليزية ويرسم، عرض أن يساعد ذويه في تجارة "الخرضوات"، وعلمت أنه فقد أخاه وأمه وأخته صغيراً، فعاد إلى بيروت ودرس العربية فيها ثم قصد باريس وتلقى على يد رودان أصول الرسم الحديث لينتهي إلى بوسطن من جديد ويعيش من إبرة أخته في بيئة تعاسة وحرمان.

لم تكن هذه الوقائع التي بلغتها عن الشاعر إلا لتؤجج شوقها إلى التعمق في معرفته. إنه فريد جذاب ، كانت تقول في نفسها، ولكن كيف الوصول إليه؟

وبينما هي ذات مساء تطالع في غرفتها الموحشة قصته "مرتا البانية" إذ بها تتوقف بغتة فتطرق ذاهلة وتتأمل. لقد خطر لها أن تكتب إلى المؤلف مبدية إعجابها بنهجه".

وتلقى جبران رسالة مي في بوسطن "فتلمّس خلالها نفساً كئيبة حائرة تشكو غربتها هي الأخرى في عالم الناس وكان يومها يكتب "الأجنحة المتكسرة".

... وكتب جبران يجيب على رسالة مي:

"أما أنا فقد ورثت عن أمي تسعين بالمئة من أخلاقي وميولي، ولا أعني بذلك أنني أشابهها بالحلاوة والوداعة وكبر القلب..

"أذكر قولها لي مرة، وقد كنت في العشرين، لو دخلت الدير لكان ذلك أفضل لي وللناس.
فقلت نعم، ولكن قد اتخذتك أماً قبل أن أجيء إلى هذا العالم. فقالت: لو لم تجيء لبقيت ملاكاً في السماء. فقلت: ولم أزل ملاكاً. فتبسمت وقالت : أين أجنحتك؟ فوضعت يدها على كتفي قائلاً: هنا. فقالت: متكسرة.. وبعد هذا الحديث ذهبت أمي إلى ما وراء الأفق الأزرق. أما "متكسرة" فظلت تتمايل في مسمعي. ومن هذه الكلمة غزلت ونسجت "الأجنحة المتكسرة".

وتلقت مي جواب جبران!... وكتابه "الأجنحة المتكسرة"...

وكان يوم الثاني عشر من أيار سنة 1912 عندما جلست مي تكتب لجبران جوابها على رسالته وتعليقها على كتابه...

"إننا لا نتفق في موضوع الزواج يا جبران. أنا أحترم أفكارك وأجل مبادئك، لأنني أعرفك صادقاً في تعزيزها، مخلصاً في الدفاع عنها وكأنها ترمي إلى مقاصد شريفة، وأشاركك ايضاً في المبدأ الأساسي القائل بحرية المرأة. كالرجل يجب أن تكون المرأة مطلقة الحرية بانتخاب زوجها من بين الشبان، تابعة في ذلك أمالها وإلهاماتها الشخصية لا مكيفة مع القالب الذي اختاره لها الجيران والمعارف، حتى إذا ما انتخبت شريكاً لها تقيدت بواجبات تلك الشركة العمرانية تقيداً تاماً. أنت تسمي هذه سلاسل ثقيلة حبكتها الأجيال، وأنا أقول إنها سلاسل ثقيلة . نعم، ولكن حبكتها الطبيعة التي جعلت المرأة ما هي... لم لا تستطيع المرأة الاجتماع بحبيبها على غير علم من زوجها؟ لأن باجتماعها هذا السري – مهما كان طاهراً – تخون زوجها وتخون الإسم الذي قبلته بملء إرادتها. وتخون الهيئة الاجتماعية التي هي عضو عامل فيها...

ولكن إذا جوزنا لسلمى، ولكل واحدة تماثل سلمي عواطف وسموا وذكاء، الاجتماع بصديق شريف النفس عزيزها، فهل يصح لكل امرأة لم تجد في الزواج السعادة التي حلمت بها وهي فتاة أن تختار صديقاً غير زوجها، وأن تجتمع بذلك على غير معرفة من هذا؟ حتى وإن كان القصد من إجتماعها الصلاة عند فتى الأجيال المصلوب؟

واندلعت نار الحرب العالمية وأصبحت المواصلات والمراسلات مكرسة للحرب.. فتوقفت المراسلات بين مي وجبران.. وانصرفت مي إلى الكتابة وإلى صالونها الأسبوعي!..



http://upthings.googlepages.com/gubran.JPG

Ophelia
03-05-2007, 05:26 PM
إن لم أمتعه بمي ناظري غداً

أنكرت صبحك يا يوم الثلاثاء

وتفتح مي أبواب غرفة الاستقبال في منزل والديها رقم 28 شارع المغربي (شارع عدلي اليوم) في القاهرة.

"مساء كل ثلاثاء – على ما يصف سليم سركيس – يتحول منزل الياس أفندي زيادة، صاحب جريدة "المحروسة" إلى منزل فخم في باريس وتتحول الفتاة التي لا تزال في أواخر العقد الثاني من عمرها إلى مدام دي ستايل، ومدام ريكاميه، وعائشة الباعونية، وولادة بنت المستكفي ووردة اليازجي، في شخص ومدارك الآنسة مي ويتحول مجلسها إلى فرع من سوق عكاظ والأكاديمي، وتروج المباحث العلمية والفلسفية والأدبية في مجلس يحضره اسماعيل صبري ولطفي السيد وشبلي شميل وخليل مطران وأحمد زكي باشا، هؤلاء جميعاً يهزّون بأحاديثهم ومناقشاتهم أغصان شجرة ذات ثمر ويحركون وردة ذات أريج، والآنسة مي بينهم تناقش هذا وتدفع حجة ذاك".

كان هذا الصالون مما دار فيه من الأحاديث، وما عولج فيه من المسائل وما روي فيه من الشعر، وما نوقش فيه من مسائل العلم والأدب وما بدا فيه من المشارب والميول، وما ظهر فيه من النفوس والعقول.. يصور لنا ناحية جميلة ممتعة من تاريخ الأدب في العصر الحديث". وعدّت هذه الندوة السمحة ظاهرة كبيرة في مطالع أدبنا الحديث، فإن رواد هذا الأدب في التطور والتجديد كانوا من زوارها وأصدقائها لا تفوتهم الثلاثاء من كل أسبوع. فإذا تعذرت الزيارة بقي روح المتغيب للضرورة كظامئ الطير حواماً على الماء، كما قال الشاعر اسماعيل صبري في رسالة لمي وقد اضطر للغياب:


http://upthings.googlepages.com/isma3eel_sabree.JPG


روحي على بعض دور الحي حائمة ... كظامئ الطير حواماً على الماء

إن لم أمتِّع بميّ ناظريّ غداً ... أنكرت صبحك يا يوم الثلاثاء

ويعرض أحمد حسن الزيات في كتاب "من وحي الرسالة" لوحة حية لمي في صالونها: "تشارك في كل علم وتفيض في كل حديث، وتختصر للجليس سعادة العمر كله في لفتة أو لمحة أو ابتسامة، كأن فيها أفضل ما في الرجل وخير ما في المرأة فمن كان يسمعها خطيبة أو يشهدها محدثة كان يحسبها – وقد استدارت على رأسها الأنيق هالة من السحر والفتنة – قليوب إحدى بنات جوبتير التسع، وإلهة الفنون التسعة، قد سرقت من أخواتها أسرار فنونهن ثم هبطت من فوق جبل البيرناس إلى ضفاف النيل".



وكان بين الحضور فتى كفيف... و "لم يرض الفتى عن شيء مما سمع إلا صوتاً واحداً سمعه. كان الصوت نحيلاً ضئيلاً وكان عذباً رائعاً. وكان لا يبلغ السمع حتى ينفذ إلى القلب". هذا الصوت كان صوت مي. أما الفتى فكان طه حسين!..
http://upthings.googlepages.com/taha_husain.JPG


وإن لم يكن صالون مي بدعة في تاريخ الفكر العربي قديمه وحديثه فإن أي من الندوات أو الصالون التي سبقته لم تكن بمستوى صالونها سواء من حيث تنوع مواضيع ما يبحث فيه أم من حيث مستوى البحث والباحثين وأثره. وقد تنبه الدكتور طه حسين إلى هذا الأمر إذ يقول في حديث له نشر في مجلة المقتطف: "فأما صالون مي فقد كان ديمقراطياً أو قل إنه كان مفتوحاً لا يرد عنه الذين لم يبلغوا المقام الممتاز في الحياة المصرية، وربما كانوا يدعون ليه وربما كانوا يستدرجون إليه استدراجاً فيلقون الناس ويتعرضون إلى أصحاب المنزلة الممتازة، ويكون لهذا أثره في تثقيفهم وتنمية عقولهم وترقيق أذواقهم. وأنا أذكر أني اتصلت بصالون مي على هذا النحو بعد أن نوقشت رسالتي في أبي العلاء وشهدت مي هذه المناقشة وشهدت فيما يظن بعض الحفلات التي أقامها لي الزملاء حينئذ وطلبت إلى أستاذها وأستاذي لطفي السيد أن يظهرني في صالونها، وكذلك عرفتها في هذا الصالون وترددت عليها في أيام الثلاثاء إلى أن سافرت إلى أوروبا.. وقد رجعت إلى مصر بعد سنة فأقمت فيها أشهراً ولاقيت فيها مياً في أيام الثلاثاء كما كنت ألقاها قبل السفر. وكان الذين يختلفون إلى هذا الصالون متفاوتين تفاوتاً شديداً فكان بينهم المصريون على تفاوت طبقاتهم ومنازلهم الإجتماعية وعلى تفاوت أسئلتهم أيضاً. وكان منهم السوريون وكان منهم الأوروبيون على اختلاف شعوبهم وكان منهم الرجال والنساء وكانوا يتحدثون في كل شيء ويتحدثون بلغات مختلفة وبالعربية والفرنسية والإنكليزية خاصة. وربما استمعوا لقصيدة تنشد أو مقالة تقرأ أو قطعة موسيقية تعزف أو أغنية تنفذ إلى القلوب".


أما الأمير مصطفى الشهابي فلم يتردد في محاضرة له من القول عن الأثر الذي تركه في نفسه حضور صالون مي: "وكأنني كنت في هيكل الأدب الأسمى وقدس النبوغ والعبقرية وإذا بأحاديثها تنم على أدق ما تلمسه مشاعر الإنسان وقد خيل إليّ أنني في حضرة إحدى سيدات الملأ الأعلى اللواتي كنت أقرأ عنهن في كتب كبار الأدباء الفرنسيين، وما كدنا نودعها ونخرج حتى ابتدرني الصديق العلامة أمين المعلوف قائلاً: "أنها مخيفة. فقلت: صدقت، وماذا أخافك منها؟ قال: حدة ذكائها ووفرة معلوماتها الأدبية، قلت: أما أنا ففرط إحساسها لدقائق الحديث حتى كدت أرى نفسي غير قادر على مجاراتها فيه".

وذاك أمير الشعراء أحمد شوقي – ولطالما زار صالون مي وجلس صامتاً مأخوذاً – يترجم انطباعاته عن مي بقصيدة يقول فيها:

http://upthings.googlepages.com/a7mad_shawqi.JPG


أسائل خاطري عما سباني ... أحسن الخلق أم حسن البيان ؟

رأيت تنافس الحسنين فيها ... كأنهما لمية عاشقان

إذا نطقت صبا عقلي إليها ... وإن بسمت إليّ صبا جناني

وما أدري أتبسم عن حنين ... إليّ بقلبها أم عن حنان

أم أن شبابها راث لشيبي ... وما أوهى زماني من كياني

ويصف عباس محمود العقاد إدارة مي لندوة صالونها فيقول: "كان ما تتحدث به مي ممتعاً كالذي تكتب بعد روية وتحضير، فقد وهبت ملكة الحديث في طلاوة ورشاقة وجلاء، ووهبت ما هو أدل على القدرة من ملكة الحديث وهي ملكة التوجيه وإدارة الحديث بين مجلس المختلفين في الرأي والمزاج والثقافة والمقال.

فإذا دار الحديث بينهم جعلته مي على نسبة المساواة والكرامة وأفسحت المجال للرأي القائل وللرأي الذي ينقضه أو يهدمه وانتظم هذا برفق ومودة ولباقة ولم يشعر أحد بتوجيه الكلام منها وكأنها تتوجه من غير موجه أو تنتقل بغير ناقل وتلك غاية البراعة في هذا المقام".

وبعد مرور نصف قرن تقريباً على تلك الأيام يستعيد عباس محمود العقاد ذكراها في مقال له بعنوان "رجال حول مي" يستعيد فيه ذكرياته عن صالون مي ورواده والمتراسلين معها فيقول:

"كم كان زوار تلك الندوة العالية؟ وكم كان كتاب الرسائل منها وإليها؟ إني أعد ممن رأيتهم فيها غير مرة نحو الثلاثين أذكرهم كما ترد أسماؤهم على القلم في هذه الساعة: لطفي السيد، عبد العزيز فهمي، شبلي شميل، سليمان البستاني، أحمد شوقي، خليل مطران، أنطون الجميل، داود بركات، نجيب هواويني، توفيق حبيب، توفيق اسكاروس، أمين واصف، مصطفى عبد الرزاق، مصطفى صادق الرافعي، هدى شعراوي، إحسان القوصي، إدجار جلاد، سليم سركيس، يعقوب صروف، حافظ إبراهيم، اسماعيل صبري، ادريس راغب، فؤاد صروف، عبد القادر حمزة، منصور فهمي، طه حسين، ملك حفني ناصف، مجد الدين حفني ناصف، عبد الستار الباسل، ونخبة من هذا الطراز على اختلاف التشكيل، ومع حفظ المقام، كما يقال في هذا المقام. وكل زائر من هذه النخبة كان حقاً له أن يزور الندوة في موعدها في أصيل يوم الثلاثاء، وكان يرى من حقه ، أو واجبه، أن يعتذر لفوات موعده منها بعض الأيام. بل كان من حقه أن يكتب رسائل الاعتذار أو رسائل السؤال والتحية، وإن لم يكن من مطمعه دائماً أن يتلقى الجواب. أكل هؤلاء عشاق ؟


http://upthings.googlepages.com/lutfi_alsayed.JPG http://upthings.googlepages.com/ya3qoop_saroof.JPG

وعلى كل من هؤلاء ينبغي لمي، إذا أجابت، أن تجيب جواب المحبوبة التي تتقبل العشق ممن يدعيه؟ هذا هو الخاطر العاجل الذي يسبق إلى الوهم كلما ذكرت تحيات الرسائل، أو القصائد أحياناً، من غير واحد في هذه الزمرة المختارة، وهذا هو الخاطر الذي تصححه لمحة سريعة أيضاً، إلى طبيعة الندوة وطبيعة التحية "العرفية" التي تناسبها، بل تستوجبها بقانون الشعر والفن، إن لم نقل بقانون الجنتلمانية والفروسية، فتاة جميلة أديبة، يزورها أدباء وشعراء وكتاب قصة وأصحاب ذوق في جمال العصمة وجمال الطلعة. إن فات أحداً من هؤلاء واجب التحية المناسبة للمقام، فما هو بزائر صالح لمثل هذه الزيارة، ولو لم تكن زيارة عشق ومناجاة، وإن فات مياً أن تتقبل هذه التحيات ، أو وجب عليها – كما قد يخطر على بال الاقدمين – أن تصدها بالعبوس والغضب فليست هي زيارة ندوة إذن.. ولكنها زيارة واحدة قد تنتهي كما تبتدئ عند باب الدار. وهذا هو تأويل الرسائل على أسلوب الفن العاطفي ، أو العاطفة الفنية، بين صاحبة الندوة وأكثر من زائر من نخبة هؤلاء الزوار. ولكل منهم أسلوبه في تعبيره داخل هذا الإطار من التحية. لطفي السيد وأسلوب الجنتلمان وعبد العزيز فهمي واسلوب الصمت والخجل وكأنه الصبي في مجلس الفتيات القريبات. وأنطون الجميل وأسلوب بائع الجواهر في معرض الهوانم. وشبلي الشميل وأسلوب المصارع في حلبة الفكر والشعور. وخليل مطران وأسلوب موليير على غير مسرح التمثيل. وسليم سركيس وأسلوب الدعاية للبيوت في صالون من أشهر صالونات البيوت. ومصطفى صادق الرافعي وأسلوب المفاجأة بالكتابة، التي يغني الاطلاع عليها عن السماع. وإسماعيل صبري وأسلوب الشاعر الذي يعلم أن حق الغزل الصريح أولى بالرعاية من حق الكتابة والتصحيح.. وأحمد شوقي وأسلوب الإيحاء من بعيد، وعليه تعليق الفيلسوف المعجب بالطرفين..."

ويختم العقاد مقاله:

"وقد كنت – كلما ازددت معرفي بمي وبحياتها في ندوتها وفي بيتها – أشعر بحنان هؤلاء الأفاضل الأبويين نحوها. فإنهم ولا ريب كانوا يقصدون التسرية عنها ويدركون من بواكير صباها أن فرط التزمت في طويتها التي جنت عليها في أخريات أيامها، وأنها تغالب شجناً كميناً لانطوائها الشديد على ذاتها، نميل إلى أنه مزيج من الصدمة العاطفية وشعور التبتل العميق في سليقتها الدينية"


http://upthings.googlepages.com/3abas_al3qad.JPG

Ophelia
17-05-2007, 11:11 AM
باحثة البادية

" ولما توفيت "باحثة البادية" ملك حفني ناصيف، وأبّنتها بمقال في جريدة المحروسة كان الناس يقرأونه والفقيدة العزيزة محمولة على الأعناق، فنقلها الدكتور يعقوب صروف إلى المقتطف، وطلب مني أن أكتب للمقتطف بحثاً عما كانت تنادي به الفقيدة الراحلة. فكتبت عدة مقالات جمعتها في كتاب "باحثة البادية"..

من هي باحثة البادية تلك التي تكتب عنها مي:

" إن في بعض الناس قوة لا تكفيها النعوت. ليست هي الذكاء وإن كان الذكاء بدونها بلادة، ولا الجمال وإن عدم الجمال ميزة التأثير بفقدانها. ولا هي توازن تراكيب الجسم وتناسب الأعضاء ونضارة الصحة وكل هذه تافهة إذا حرمت منها لأنها العنصر الخفي المحيي الذي ينفعل به الأقوام ويخضعون لسطوته مريدين كانوا أم غير مريدين. لقد دعي ذلك العنصر مغنطيساً، وكهرباء، وجاذبية، ولطفاً، وخفة دم، وخفة روح، و"نفاشة" ، ولكن جميع هذه المعاني ليست إلا أجزاء منه وتشترك معها في تأليفه معانٍ أخرى شتى.

إنها لقوة عجيبة قد تحوّل ما هو في عرف البشر قباحة إلى جمال فتّان:فهي بروق الذكاء المتألقة في العيون، وسيال اللطف المتدفق في الابتسام، وأغنية الروح المتماوجة في نغمة الصوت. هي سحر الحركة. وهي وسم الامتياز، وهي جلال الهيبة، وهي قداسة السكوت. هي المقياس السري الذي يكيف الاشارة ويوقع الخطى، والشرارة التي تضرم نار الفكر، والنور الذي يجعل كثافة المادة شفافة. هي اليد العلوية التي إذا حلت لسان المتكلم كان بليغاً وإذا أشارت إلى الناظر بدت نظرته عميقة، وإذا قادت قلم الكاتب كانت كلماته شائقة فعّالة يبقى صداها داوياً في أعماق النفوس.
وكل من عرف باحثة البادية شخصيا أي معرفة الجسد أو معنوياً أي معرفة القلم، علم أنها كانت حائزة لهذه القوة التي حارت في تعريفها الأسماء...

... إن مؤلفة "النسائيات" قانعة بالغرفة التي تسكنها، والحي الذي تسير بين منازله، والبيئة التي هي جزء منها. وحيثما تعثر على ما لا يرضيها – وما أقل ما يرضيها ! – تضرب بمؤلفات الباحثين وشروح العلماء عرض الحائط غير معتمدة إلا على ما تختبره بالمشاهدة. وسرعان ما تقابل بين ما تراه عند الغير وما يشبهه مما طرأ عليها أو قد يكون مهدداً حياتها، هي عين ترى ما هو كائن فتذكر ما يجب أن يكون. على أن هذه العين لا تنسى لحظة أنها عين امرأة، فما تكاد تلمح خيال اللوعة حتى يحترق القلب منها لهفاً وتذوب ذراته وجعاً.

http://upthings.googlepages.com/ba7ethet_albadya.JPG

... نعم إنها التاعت وتألمت . أقول ذلك ون لم أرها يوماً إلا بين مظاهر السعادة والهناءة. بل لم أقابلها مرة إلا وهي صبيحة الوجه، طليقة المحيا، براقة العينين، والبسمة تلعب على شفتيها. لكن هذه كلها ستائر تنسدل على حركات الحياة الحقيقية حاجبة عن النواظر معانيها العميقة. وهل في وسع من ذاق مرارة الفكر وحلاوته أن يكون سعيداً بالمعنى الذي يقصده البشر؟ وإذا فرضنا أنه حاز السعادة على ذلك القياس المألوف أتكفي هذه السعادة الاصطلاحية لحمايته من لهيب الألم النفسي؟

ولكن لا ننقمن على الألم فهو مغذي الذكاء ومهذب الشعور ومنبه الادارك إلى معان جمّة وأساليب فكرية كثيرة. إنما صاحب العواطف القوية شقيّ إذا ما ذكرنا أن هذه العواطف تعذبه في كل حين وتظلّ هامسة له بالشكوى حتى في أعذب ما يناله من لحظات السعادة النادرة. لكن هذا العذاب بعينه هو ممزق غشاء الجهل والأنانية عن بصر فريسته، وهو مستنزل الوحي على فؤاده نهشته براثنه حتى أدمته. هو مفجر ينابيع النهي. هو يعطي القلم قوة تبتدع من الكلام سيوفاً وبروقاً، ويحبو اللسان بلاغة تمتلك القلب لأنها تخابره مباشرة بلا وسيط. وماذا عسى ينفع الحديث إن لم يكن مصدره القلب؟ وما هي قيمة الإصلاح إن لم يكن ناشئاً عن إدراك تكوّن ليس في العقل وحده بل في العواطف المسحوقة وما تنبّه إليه من احتياج كثير؟ ونظرة الكاتب إن لم يطل فيها خيال القلب المتوجّع ليس إلا بالنظرة الباردة القاصرة التي لا تنفذ إلى ما وراء قشرة الظواهر ويظلّ باب النفس، باب الحقيقة، أمامها مغلقاً مجهولاً!

إن مزاج باحثة البادية العصبي الصفراوي، وجنسها النسائي، وقوة عواطفها وحدّة ذكائها – كل ذلك كان مشتركا في تكوين طبيعتها السريعة الانفعال، وواضعاً فيها قابلية شديدة للألم واستعداداً كبيراً لمشاهدة الأشياء والحوادث من وراء غشاء قاتم. اقرأ كل ما كتبته تجد أنيناً متواصلاً يخترقه من أوله إلى آخره. وذلك الأنين الذي يكاد يكون ركزاً ينقلب ساعة الوجع الشديد زئيراً وعويلاً."

هذا بعض ما كتبته مي عن باحثة البادية!...

"... وغداً عندما يطرح الزمن ما يكتبه الكتاب وينظمه الشعراء في هوة النسيان، يظل كتاب باحثة البادية موضع اعجاب الباحثين والمفكرين المستيقظين. أنت يا مي صوت صارخ في البرية، وأنت صوت رباني، الأصوات الربانية تبقى متموجة في الغلاف الأبدي حتى نهاية الزمن".

إنه جبران يعلق على كتابها باحثة البادية.. ولعله أول من أعطى رأيه في كتاب مي.

كانت مي تكتب عن باحثة البادية وكأنها تكتب عن نفسها.. "هي تكتب كما تتكلم بنظرتها البسيطة النسائية فتنتقد وتنكت وتتألم وتشفق، وترتقي منبراً خيالياً تخطب بالاصلاح ثم تضحك وتبكي وتأتي بجميع الأقوال والحركات التي تجعل المرأة محبوبة كالطفل، بليغة كالشاعر، خلابة كالسحار..."

وفي مقال لفؤاد افرام البستاني نشره عن كتاب مي تحت عنوان "باحثة الباحثة، أثر المرأة في النقد الأدبي الحديث" يبدي أن مي في كتابها هذا قد بلغت من التحليل العقلي أعمقه، ومن تصوير العواطف أقصاه، كاشفة لنا بفضل الشخصية المركبة، نواحي من باحثة البادية لم يكن يسهل كشفها إلا لامرأة مثقفة ثقافة الرجال. وما قولنا في اطلاعها على ذلك "السلاح النسائي المحض" وهو الضحك وما يتقدمه من نظرات لطيفات المعاني، وما ينتج عنه من ارضاء الجميع دون إغضاب أحد، والتخلص من المواقف المحرجة بمهارة وبساطة هذا الضحك البلوري الرنين، الساذج المظهر، العميق الغور، الذي لو أدرك سره بشار المفتح الأذنين لاستبدل به الصمت في عبدته وصاح:


... ....
خرجت "بالضحك" عن لا ونعم.

emana32
26-05-2007, 11:45 AM
الموضوع اكثر من رائع مع جزيل الشكر على كم الاستمتاع الذى شعرته عند متابعة الموضوع ...شكرا

نيــــرفانا
06-06-2007, 12:46 PM
سائلـوا النخبـة من رهط النـدى
أين ((مي)) هل علمتـم أين ((مي))؟


كلما تذكرت مي تذكرت معها مرثية العقاد لها أعلاه.

أحب هذه المرأة كثيرا ربما لدرجة التحيز!

وغالبا ما يأخذني الشوق للقراءة لها وعنها فأتسلى مابين الابتسامة والمعاناة!

مازال ينقصني الكثير عنها..كل ما أملك غير ماهو في الإنترنت هو المجموعة الكاملة الجزء الثاني لسلمى حفار الكزبري التي-وبمناسبة الحديث عن من أحبوا مي- وافتها المنية قبل شهور.

شكرا جدا وجدا كثيرا للموضوع، بالنسبة لي وعنها، إذا سألوني هل امتلأتي سأقول هل من مزيد! :)

Ophelia
10-06-2007, 08:39 PM
من رسائل مي
"مختارات ومقتطفات"


من مي إلى باحثة البادية



سنة 1912


ترنمت باسمك قبل أن أعرفك، واتخذت ذكرك عنواناً لنهضة المرأة المصرية قبل أن أطالع مقالاتك لأن أصوات الجمهور قد اتفقت في الثناء على فضلك. غير أني عثرت بالأمس على مجموعة كتاباتك النفيسة فانحنيت عليها ساعات طويلات فيها خيل لي أني أقلب صفحات نفسك المفكرة المتوجعة.
ثلاث سنوات مضين، وتلك المجموعة محفوظة بين دفات المكاتب أو مبعثرة بين الأوراق والأسفار المتراكمة يوماً بعد يوم. لكن سرها ما زال مترقباً يداً تلمه، مستعداً لمناجاة نفس تتلمسه.
سنوات ثلاث فيها مشت البشرية خطواتها المعدودات متعثرة بالعظام والجماجم، منشدة أهازيج النصر الكاذب وتهاليل الفخر الباطل، وقواها الغالية تسيل على شفار السيوف، ودماء حياتها تجري أنهاراً في سهول قد أخفت نجمها الجميل وثمراتها الممتعة خوفاً من وحشية الانسان.
سنوات ثلاث فيها شعرنا بارتداد صدمات السياسة والاقصاد والأطماع المتزايدة . فيها ارتفعت دويلات جادة مجتهدة وتهشمت أعضاء تركيا العظيمة بتاريخها، الضعيفة بإهمالها وتهاونها. وقد جاش لذلك كل ما في صدر الاسلام من النخوة القديمة وبكت له قلوب الغيورين على مصالح بني عثمان.

كل ذلك ومصر، مصر بكآبتها وانعطافها واندفاعها. كل ذلك ونحن هائمون على وجهنا في صحراء الفوضى. صخور التقاليد تدمي أقدامنا الجديدة وأشواك الاصطلاحات تجرح أيدينا الممتدة للمس أشياء نظنها موصلة إلى حياة نريدها عظيمة. والسراب الجميل اللامع في صدور المستقبل غير المحدود يستدعينا آمراً كأنه نظرة عين فتانة ، فنجري في الصحراء ولا ندري إلى أين المصير!

سنوات ثلاث مررن على يوم فيه ارتفع صوتك مرشداً. عائلتنا لا تزال على ما كانت عليه، وأفكارنا لم تتغير إلا قليلاً، وعواطفنا ما برحت حائرة بين تيارات متعاكسة دائمة الاضطراب بين ما ندعي اننا نعلم وما نجهل أننا لا نعلم! غير أن الأصداء الخفية ما زالت ترجع همس ذلك الصوت الرخيم.

بالأمس لمست نفسك وقرأت أفكارك فعثرت على جراح بليغة وددت تقبيلها بشفتي روحي، وما أطبقت الكتاب إلا وأنا ألثم بناني على غير هدى. ولم يكن ذلك إلا إجلالاً لصفحات قلبتها وحباً لنفس استجوبتها فعرفتها.

فيا من "ارتفع قلبها إلى فكرها وانحنى فكرها على قلبها"، أيتها الباحثة الحكيمة، لماذا تصمتين؟

تتوالى الأيام ونحن في ضلال مبين. الرجل يجاهد في حرب الاقتصاد الدائمة. الرجل تائه في مهامه الأشغال فإذا كتب بحث في العموميات، وإذا جال قلمه في الخصوصيات فهو لا يستطيع البلوغ إلى نور الوجدان النسائي لأنه يكتب بفكره، بأنانيته ، بقساوته. والمرأة تحيا بقلبها، بعواطفها، بحبها.

علاتنا مستعصية لا يشفيها إلا طبيب يعرفها. والمرأة بعلة جنسها أدرى فهي تستطيع معالجتها. ولا تطلب هذه الخدمة الشريفة من فتيات لا يعرفن من الحياة إلا ما يصوره لهن الخيال المخيم بطلانه على منابت العواطف المخصبة. هذا اعتراف ساذج صادق: الفتيات لا يداعبن القلم إلا لينثرن الدموع أو ليصورن الابتسامات. وما تجاوز ذلك علامات استفهام متتالية وإن لم يرَ فيها من الاستفهام شيئاً.

لكن الزوجة والأم التي أعطيت ذكاء وفطنة وعلماً وشعوراً قوياً تدرك بواسطته كل ما في الحياة من حلاوة ومرارة، تلك تستطيع وضع المرأة في مركزها السامي، وتلك تقدر أن تعمل في مزج نصفي الشخصية المتألمة، شخصية المرأة وشخصية الرجل.

فيا سيدتي

لدينا قلوب تحترق ولا ندري أي نار تحرقها، وتلتهب بما لا تعرف ماهيته، فعلمينا أنت التي كنت فتاة قبل أن تكوني أماً كيف نرشدها وإلى أين نوجهها!

لدينا نفوس عزيزة تنحو فيها ميول مبهمة ورغبات حارة فأرشدينا أي الأعشاب فاسد فنقتلعه وأيها الصالح فنسقيه ماء الرعاية والحنان.

قولي يا سيدتي تكلمي!

ضمي يدك البارة إلى الأيدي التي تحاول بتعليمها واجباتها. أن صوتاً خارجاً من أعماق القلب، بل من أعماق الجراح كصوتك، قد يفعل في النفوس مالا تفعله أصوات الأفكار.

لا يهمنا أن تخفي تلك اليد النحيفة وراء جدوان خدرك وان تحجبي هيئتك الشرقية وراء نقابك الشعري، مادمنا نسمع صوتك في صرير قلمك ونعرف منك الروح العالية.

فهنيئاً لوطن يضم بين أبنائه مثيلاتك، وهنيئاً لصغار يستقون وعود الهناء من ابتساماتك ويسكبون حياتهم في قالب حياتك.


"مي"

Ophelia
10-06-2007, 08:45 PM
من كلمات مي





"منتخبات"




عجبي لهذه الإنسانية ما فتئت تعالج نفسها بالاصلاح منذ فجر التاريخ.



اسكتي الليلة يا آلات الطرب إن ما بي من طرب هادئ لا يحتمل ضوضاءك.



الحب الذي يجعل العالم هيكلاً حيث تتخشع النفوس فتجثو للعبادة والصلاة والاتحاد الروحي مع جميع قوى الكون – هو الذي نعنيه عندما نتكلم عن الحب، ونعظم عواطف الحب.



الأفعى الزاحفة على الأرض كيف تستطيع أن تفهم النسر المحلق في الفضاء.



لعقول والنفوس كما للأجساد مناخ. ألا ترى كثيرين يمرضون في الأمكنة المرتفعة أو على السواحل ولا يستريحون إلا في الأمكنة المعتدلة الهواء؟



مرعاةً لصحتهم يغادر ذوو الحول والصول المرتفعات فتظلّ كما كانت من قبل: مسرحاً للغزلان، ونزهة للأسود، وموطئاً للنسور، وعروشاً للتجلي.



فجرٌ جديد يرسل أشعته وألوانه. ولا بد للجيل الجديد أن يترجم فيه عن الوحي الجديد.



الكلمة التي لا تموت تختبئ في قلوبنا. وكلما حاولنا أن نلفظها تبدلت أصواتنا كأن الهواء لم يتم استعداده لتلقي نبراتها.



النقد من أخص خواص عصرنا. في السياسة، والإدارة، والقانون والتاريخ، والآداب، والاجتماع، ترى النقد شائعاً بمختلف اللهجات والأساليب حتى الاكتشافات العلمية وانقياد عناصر الطبيعة لخدمة الإنسان جاءت عن طريق النقد.



الثورة ككل جرأة: في وقتها ومكانها عبقرية وانتصار، وفي غير ذلك حماقة واندحار.

وراء الشرقيين إرث عظيم: إرث الأديان والنبوات. لذلك يتصور بعضهم أن الكاتب لا يكتب، وأن الخطيب لا يخطب إلا ليعلم ويهذب.



للأسلوب التهذيبي وقته ومكانه. وهو لا يؤدي رسالته سواه، وان كره دعاة "الفن للفن" وأنصار "الحياة للحياة". على أن القول الذي يرفع النفوس إلى باريها في محافل الصلاة من الواعظ الديني، ويرغّب في حميد الأخلاق من الخطيب المدني، يتغير معناه ويفقد قوته يوم يصمم امرؤٌ على أن لا يكتب إلا ليرسله، وأن لا يخطب إلا ليؤيده.



من أفعل أساليب التهذيب والإصلاح الأساليب غير المباشرة. لأن القيود ألذّ ما تكون للبشر عندما يوثقون بها وهم مقتنعون بأنهم لم يصلوا يوماً إلى مثل هذه الحرية.



ما أنت في بعض الاجتماعات إلا بعض الناس. أما في عزلتك فجميع الناس.



لئن كانت الجنة تحت أقدام الأمهات فإن الجحيم بين أيديهنّ، ولهنّ أن يكنّ لذويهنّ ولوطنهن نعيماً وجحيماً، عظمة وهواناً.



لا أعرف شيئاً أجمل وأسمى من الصلاة في أي دين من الأديان... "هي محاولة للدنو من روح الحياة الكبرى"



يحزنني الربيع، يحزنني أن أرى مواكبه الجميلة تسير في الفضاء فلا يراها البشر إلا من كوى ضيقة نُقبت في الجدران الحديدية.



كل ما يحيط بنا في الحياة سر ولغز، لكن حواسنا المثقلة بأحمال المادة تحجب عنا الأنوار، فلا نرى للأشياء وجوداً ولا ندرك لها حقيقة إلا بقدر ما تتفق فيها مع أطماعنا وشواغلنا.



إن قطرة حزن في عمقها توازي بحر سرور في اتساعه. إن الشقاء حقيقة والسعادة خيال.



في بعض ساعات الألم تشعر بأن للزمان كهفاً تحفزه الضواري وأنت وحدك فيه سجين والناس فوقك شامتون يرقصون ويمرحون.

Ophelia
10-06-2007, 08:50 PM
من شعر مي
"مختارات"


كآبة



كتبت في اليوم الثاني من شهر نوفمبر، وهو كما
لا يخفى يوم الموتى عند الغربيين



حزينة اليوم روحي وحزنها القاتم مؤلمي. فعلام الاكتئاب.
أترى الأوراق المتناثرة عن غصونها تدري لأي غرض تقلبها الريح وتتلاعب بها في تطايرها؟

إنها لتتناثر تلك الوريقات المسكينة وتتهاوى أكواماً. هي التي كان يمضّها أسر الالتصاق بشجرة أنالتها الحياة، هي التي نزعت إلى الانعتاق والتحرر، ها هي في نهاية الأمر فائزة بحريتها.

كم تخال مغتبطة هذه الوريقات المصفرّة، الذابلة، المتجعدة، المتغضنة، المنقبضة كبشرة هرمى العجائز! كم هي مغتبطة بهذا الانفصال وكم تختال في تلويها! إنها لتتململ فتعلو وتهبط، وتتدانى وتتباعد، وتتلاقى وتتجانب. وتدور مرفرفة حول نفسها، منتهزة هفوف أرق الأنسام لتبتعد قليلاً عن الثرى، كأنما هي تفقه بسر غريزتها ما هي صائرة إليه على هذه الأرض النكداء. فتطلب الانتشار في الجو، وتؤثر المكوث في مهب الريح، وتزعم أنها سعيدة لأنها هناك أقل بعداً عن السماء!

لقد أبصرتك تتولدين، يا وريقاتي العزيزة، ورقبتك تنبتين. وكنت صغيرة... تنمين في حلة خضراء ناضرة...

هلا حدثتني – كم من همس عذب طار إليك، وكم من قبلة طاهرة شهدت وأنت على الأفنان؟ أما كفاك العناق فيما بينك كلما هبّ عليك النسيم مداعباً؟ أيتها الحسودات الصغيرات، من علٍ رأيت السرور يمرُّ فطلبتِه ظناً منك أن السعادة على الأرض. لكن لا ! لا سعادة عندنا لأن الإنسان يرسم أمانيه ثم يعجز دون تحقيقها.

وأنت، أيتها الوريقات الساذجة، التي بذلت أقصى الجهود للتخلص من ربقة العبودية، إنك لن تظفري بما شاقك من مظهر الحرية. لن تظفري حتى ولا بالانهواء والمثوى عند قدم عزيزة تدوسك حيث تذوقين لذة الجور والإذلال ممن تحبين. إنما التقلب في التراب والتمرغ في الأوحال هو كل ما تنالين حتى التحلل والاضمحلال.

وأنا حزينة إذ أراك تتناثرين، وترفرفين، وتتهافتين نحو مثواك القاسي، وحزني هذا جداً مؤلمي.

أيها الإله!
لماذا وضعت في عيني الإنسان هذه العبرات وقضيت بألا تجف ولا تنضب؟
لماذا؟
أي مسرة أنت ملاق في النكال والإيلام؟ إنك القادر ونحن ضعاف. إنك العظيم ونحن بائسون. نحن أشرار وأنت كل الصلاح. أما كان الغفران أجدر بمعظمتك؟ أو ما كانت ملاشاتنا أوفق لرحيب قدرتك؟ ولكنك لم تفعل هذا ولا ذاك، ونحن نشقى ونتعذب.

نفسي اليوم حزينة وحزنها قاتم. أفكر في الأوراق المتناثرة، وفي الأحياء الذين يضحكون، وفي الموتى الذين مضوا كأنهم لم يكونوا.


ايزيس كوبيا (مي)

Ophelia
10-06-2007, 09:09 PM
K.S.A

يا أهلين وسهلين
شكرا على المتابعة


رملاوية

مية السلامة
البيت بيتك



محمود الحسن

أهلا وسهلا
تكرم على راسي وعيني


emana32

العفو يا أهلين وسهلين ومرحبيتن
والروعة تكتمل بحضورك
شكراً على متابعتك



نيــــرفانا

أهلاً نيرفانا
ولأجلك أضيف المزيد
شكراً لك وجدا وجزيلا

نائية
12-06-2007, 09:59 PM
نفسي اليوم حزينة وحزنها قاتم. أفكر في الأوراق المتناثرة، وفي الأحياء الذين يضحكون، وفي الموتى الذين مضوا كأنهم لم يكونوا.

تتخثَّر الكلماتُ هذهِ . .. لا أدري كيفَ ، و أينْ !!
و ينسابُ بعضها و يراقُ في جنبات الرّوح ،،
و أنا واللهِ حزينة يا ميّ !!


شكراً أوفيليا ، أيُّتها الرَّقيقة ، الجميــلة ،، الأنيقَة ... : )
أحبُّكِ لو تعرفينْ !!!

اندريه غاندي
09-09-2007, 03:52 PM
رحمة الله على مي خصالا

رحمة الله على مي فعالا

رحمة الله على مي جمالا

رحمة الله على مي سجالا

كلما سجل في الطرس كتاب

مي كما رثاها العقاد

مي التي قدمت الكثير ولم تأخذ سوى الجنون والموت

ستبقى مي خالدة في ذاكرتنا

شكرا لهذا السرد الرائع

خالد بن طوبال
10-09-2007, 01:10 PM
شكراً بحجم السماء يا أوفيليا ..
يوماً بعد يوم يزداد إحترمي لهذه الأديبة .. خصوصاً بعد قرائتي لأسطورة الحب والنبوغ وسوانح فتاة.
و علمت من أحد علماء الإجتماع أن أحد رواد ناديها الأدبي رثاها بحرقة بعد فاجعتها بابيها وعشيقها وأمها، وفجيعتها الكبرى بلبنان .. وطلب أن لا ينشر رثاؤه هذا لأن "هذه الأمة لا تستحق مي زيادة" على حد تعبيره.
أظ أنه يوجد هنا الكثير ممن يجلون قدرها ، فسأعمل على توفير النسخة ونشرها في أقرب وقت .

Ophelia
15-09-2007, 02:22 AM
نائية

أخجلتني لو تعلمين
شكراً لك أيتها الأجمل الأرق الألطف :rose:


اندريه غاندي

الشكر لك
أهلاً ومرحباً بك


خالد بن طوبال

بعد قراءة أسطورة الحب والنبوغ تتأكد فعلا أنها أمة لا تستحق مي
شكرا جزيلاً لك وبانتظار ما ستنشره عنها



وبمناسبة إعادة رفع الموضوع ولأننا في شهر الفلسفة رأيت أن أنقل هذا المقال من حدائق مي
وهو عن الفيلسوف هنري برغسون ونشر في مجلة المقتطف سنة 1918

Ophelia
15-09-2007, 02:27 AM
هنري برغسون
أشهر فلاسفة العصر

هل هو ثوروي:

اقترح بعضهم انشاء سياسة ديموقراطية برغسنية وتأليف أحزاب ثوروية تستخرج مبادئها من مذهب برغسن فقالوا:
ان غاية الديموقراطية تخويل الفرد ما أمكن الحقوق وتعليم الجميع احترام حقوق الانسان الطبيعية. وكل فلسفة تهتم بالفرد (مثل مذهبي روسو وكنت) إنما هي مساعدة الديموقراطية في تحقيق غايتها. ولما كان برغسن مظهراً من الفرد أعظم قيمة ظهرت حتى الآن بكشفه عن أهمية الأنا الأساسية ومثبتاً أن الحياة الفردية مستودع قوى ثمينة تغطيها حياة الاجتماع برداء الاصطلاحات ومعلناً أن الدرجة التي يستطيع المرء الوصول إليها يجب أن تقاس بقيمته الشخصية وبخبرته الداخلية لا بما هو عليه من ثروة مادية ومركز قومي - مما رفع أهمية الفرد إلى هذه الدرجة العالية – كان مؤيداً بنظريته سياسة الفردية ومعززاً المثل الديموقراطي الأعلى.

ما أسهل أن يكون المرء محقاً اذا تكلم بهذه اللهجة! وقد صدق القائل أن أكثر الناس أذى لامرئ أكثرهم شغفاً وإعجاباً به.
الديموقراطية روح هذا العصر وفرنسا وطن الديموقراطية في العالم القديم كما أن امريكا مدرسة الحرية الديموقراطية في العالمين. وبرغسن أعظم فيلسوف فرنساوي في هذا العصر فلا عجب إذا حاول الديموقراطيون الاتكاء على مذهبه، لكنهم في تقديرهم مخطئون.

إذا كانت غاية الديموقراطية تعظيم قيمة الفرد العددية والاجتماعية فهي لا تعبأ بقيمته النفسية والاجتماعية فهي لا تعبأ بقيمته النفسية والاخلاقية وهي التي اهتم بها برغسن فدعاها الأنا الأساسية تلك الأنا التي لا تتزلف للعروش ولا تكبلها القيود والأصفاد ولا تسلبها حريتها وشرفها غيابات السجون. وهي لا غرض لها في الدفاع عن الديموقراطية والتذمر من الارستوقراطية لأنها فوقهما بمراحل.

رأيه في المكون:

فطر الانسان على تكبر وطغيان يدفعانه إلى تحديد كل شيء بالألفاظ حتى الله جل جلاله. فما ذكرنا فيلسوفاً إلا ذكرنا معه رأيه في علة الكون لأنه كما قال نتلشب إن ما نسميه الله هو أعلى وأشرف وأجمل مثل ترسمه مداركنا السامية ومطامحنا الراقية. مثل مطلق نجعل فيه أعظم ما نحب ونعبد في الأشخاص وأرفع ما نعجب به ونتهيبه في الطبيعة. كائن أزلي سرمدي بلا شريك ولا منازع.

تعليل العالم سهل لولا عنصر الشر فيه. فما وقف مفكر امام جلال الطبيعة مدركاً عظمة الكون إلا انتبه بعد حين إلى الشرور المنسابة في سبل البشر والألم الكامن في جميع الموجودات. في الكائنات الضعيفة المجاهدة ضد الكائنات القوية. في الأنواع الطامعة في حفظ نفسها وارتقائها. في النبات الذي يشق وجه الأرض ليبحث عن النور والحرارة. في ايذاء الانسان للانسان مرغماً أو مختاراً لتنازع البقاء. إن في أعماق الآفاق الهادئة لناراً تحرق أحشاء الكواكب وقوى طبيعية تعصف بالأكوان فتحطمها ويتساقط فتيتها مخترقاً جونا بشكل النيازك. تحت كل جمال ألم هائل ووراء كل سكون وجع وجهاد كأن الألم ناموس الحياة الأوحد. فيصعب على المفكر تفسير الشر إذ لا يجري شيء في الخليقة دون ارادة الله اله الرفق والصلاح وسماحه. وقد كان عنصر الشر حجر عثرة في سبيل كل مذهب فلسفي وجعلته الأديان عقاباً على اقتراف الآثام.

يتجنب برغسن هذا الموضوع ما استطاع بانزاله الغريزة الحيوانية منزلة الغاية العقلية في قلب الأشياء فيقول في كتابه "النشوء الابداعي" "ليس الارتقاء حركة اندفاع إلى الأمام فحسب بل كثيراً ما يكون لحظات جمود ظاهري وقد يكون انحرافاً والتواءً وتقهقراً إلى الوراء. ويجب أن يكون الأمر كذلك".
يعترف بإله حر مبدع الحياة والمادة وقوة ابداعه متواصلة نحو وجهة حيوية بترقية الأنواع وتنظيم الشخصيات البشرية. وهو أكثر من قوة كامنة في الطبيعة لأنه متحدٌ بها اتحاداً كلياً وهو الأصل الذي تصدر منه جميع الأمور حسنة كانت أو غير حسنة.

احتجاج برغسن على القدرية والجبرية شديد. وعنده أننا إذا رسمنا لنفسنا خطة قيدنا حريتنا وحددنا ارتقاءنا. ولئن كانت نظريته في الألوهية غير متينة ولا نهائية فإنه يصفها بعبارات سامية جليلة ومعان فخمة بديعة لم يستعملها قبله أحد كقوله أن الله البحر الذي نسبح فيه وتغمرنا أمواجه من كل صوب. هو الحياة التي نحيا بها ونتحرك فيها ويخفق قلبنا الكبير وتكون ذواتنا من غمر أنعامها. هو الفيض الشامل الذي لا ينقطع تدفقه والحقيقة الواحدة التي تتغذى أرواحنا بتشععها الخالد. وبينا هو يعظم الله بهذه العبارات إذ هو يظهر العلاقة الضيقة الشديدة بينه وبين الانسان بين منهل الروح الأسمى وقطرة الشخصية البشرية.

الحياة والمادة:

لقد كان مشهد الشر في كل مكان باعثاً على تأليف مذاهب الثنوية القائلة بقوتين قوة الخير وقوة الشر عنصر النور وعنصر الظلام . واذا كانت نظرية الالوهية عند برغسن غير مرتبة تمام الترتيب فإن فكرة الاثينية واضحة كل الوضوح بل مقررة ثابتة وهي عنده النزعة الحيوية والمادة.

ما هي نسبة الحياة إلى المادة؟ على النسبة المميزة بينهما أقام برغسن نظريته في الزمن وحرية الإرادة . فالحياة أو النزعة الحيوية حرية والمادة ضرورة أو اقتضاء. النزعة الحيوية ديمومة والمادة جمود. وكل ما يقيد العالم الهيولي من نظام آلي وتحديد يتفلت منه العنصر الحيوي. فالعقل المادي من طبعه والذي قد اعتاد أساليب المادة جعل الحياة آلية وحدد الحرية بالمادة لأنه لا يدرك إلا المحسوس. ولكن لنطرحن عنا الصور العقلية محاولين ادراك الحياة بالبداهة نجد أن ماهية الحياة هي الحرية بعينها.

تسعى النزعة الحيوية إلى التغلب على تصلب القوى المادية وتحتاج للفوز بغايتها إلى مساعد لا يمكنها ابداعه فتستعمل مكانه نفس القوة الكامنة في المادة. ولولا المادة ما استطاعت الحياة القيام بوظيفتها ولا هي تظهر في الأنواع والأفراد إلا بمقاومة تلقاها من المادة التي بدونها لا اقتدار للحركة على الانطلاق. فالمادة إذاً التي تعترض دون تدفق الحياة هي هي الشرط اللازم لبروزها وهي ميدان ارتقائها.

أبداً تبحث النزعة الحيوية عن منفذ تبدو منه وأسلوب مألوف في النظام الهيولي تفصح به عن مرادها وأبداً تعترضها المادة بما فيها من قوة الجمود والتصلب. وكل خطوة أمامية للنشوء والارتقاء انتصار تتغلب به الحياة على المادة. كأن جوهر هذا المذهب هو أن العنصر الأولى المحرك هو الحياة يقابلها عنصر أولي محرك هو المادة.

النشوء والارتقاء:

لم يفكر أحد قبل برغسن في تطبيق مذهب النشوء والارتقاء على عالم الروح ولم يكن يظن جارياً في غير عالم المحسوسات. المادة هي الشيء الوحيد الممكن تحديده بالألفاظ العلمية كما أنها الصورة التي تحل فيها الحقيقة الملائمة لادراكنا. والعقل الذي ننظم به حياتنا نتيجة النشوء المبدع وصيغة من صيغ الاندفاع الحيوي المعبر عن نفسه بتتابع الابداع.

بدأ برغسن بنقض مذاهب الجبريين والآليين وأنكر مذهب العقليين الذي ينسب للادراك البشري قوة ليست فيه ثم فسر الحياة والارتقاء بالنزعة الحيوية. فقال أن مجرى الحياة الذي تولد في حين ما يخترق الأجسام التي نظمها بالتعاقب ماراً من ذرية إلى أخرى. يخترقها لا ككرة محشوة يقذف بها المدفع فيكون اتجاهها واحداً بل كقنبلة انفجرت منها الشظايا فانطلقت كل شظية في سبيلها غير المعين لتتوزع على الأنواع وتتبعثر فيها. واذا عثرت على موانع في طريقها فلا تفقد من قوتها شيئاً بل تتحول بها إلى جهة أخرى. فما الارتقاء إلا نمو القوة السرية التي سماها "النزعة الحيوية" أو "النزعة الأصلية" وعنده أن النشوء لا يسير طبق خطة مرسومة بل هو ابداع حر متواصل التجدد يظل به المستقبل وما يضمره من الممكنات مفتوحاً أمامنا.

رأيه في الحرب:

...
لم ير عصر قبل عصرنا ما شهدناه من تفوق الفكر في كبح قوى العناصر حتى صارت طوع يدنا وأصبحت عجائب الأمس مبتذل اليوم. لكن لا سرور بتلك الاختراعات ولا فخر لأنها مصوبة جميعاً ضد الحياة التي اكسبتها الحياة. وما الكابوس الضاغط على الأفكار في هذه الأعوام ناتج عن فظائع الحرب أو عن الاثبات المحزن بأنها أشد بطشاً وأسرع فتكاً من حب المخالب والبراثن لأنها حرب العقل والعلم إذ لا بد أن تنتهي هذه الحرب يوماً فتكون الغلبة في جانب أحد الفريقين أو يكون الكلل والضنى عند كليهما. إنما الكابوس هو حكم الفلسفة المنبثة بأن كل ذلك ضرورة بيولوجية وناموس ارتقاء لا تفلت منه.

خطب برغسن سنة 1915 في موضوع الحرب ففسرها بالنظرية التي هي دعامة مذهبه. الحياة والمادة في حرب مستمرة فإذا نفذنا بفطنتنا إلى ما وراء ما نشر من الأسرار في هذه المفجعة الشعواء وراء المواقع الكبرى وحرب الخنادق اليومية وجدنا الحرب الدائمة التي لا ينقطع اتصالها لأنها عنصر الحياة بعينه. ويقول أن فلاسفة الالمان اقنعوا ابناء وطنهم بتلك المبادئ فانتخبت المانيا العسكرية لنفسها دور المادة ضاربة صفحاً عن القوة الحيوية. دور المادة التي تكافح الحياة وتود تحطيمها بدلاً من أن تكون لها مساعداً على البروز والتعبير عن نفسها.

ويرى أن الفوز النهائي للحلفاء إذ يقول : "في امكان الحياة ابداع قوى حديثة تقمع بها الآلات الفتاكة والحلفاء محاطون بنظام آلي عنيد مدبر باتقان والغرض منه كسرهم والتغلب عليهم. وذلك عمل المادة ساعة تعترض النزعة الحيوية في اندفاعها. لكن الاعداء لا ينالون مراميهم لأن لدى الحلفاء القوة المبدعة قوة الحياة التي تنازع المادة طويلاً فتكون لها الغلبة دائماً. نعم ان عند الأعداء مثل هذه القوة لكنهم أنكروها بالقائهم الرجاء والاتكال على نظامهم العسكري وما يعضده من آلات وسوامّ فهم يحاربون للسيادة والاستعباد بينا الحلفاء يحاربون لتحرير انفسهم وتحرير غيرهم. وذلك شأن الحياة في حربها مع المادة. وما هذه الحرب الدولية الكبرى إلا مظهر ضئيل من أهم شرط من شروط الوجود وهو حرب الحياة والمادة الخالدة".

العقل والبداهة:

دعي برغسن "فيلسوف البداهة" وهذه أهم نقطة من مذهبه، إنما شرف كنت الالماني قائم باثباته قصر العقل البشري وعجزه عن الوصول إلى الحقيقة في ذاتها فلا يدركها إلا نسبية حسب اقتداره الضعيف. لكن برغسن ذهب إلى أبعد من ذلك فزاد في تضييق تلك الدائرة دائرة النسبة التي رضي بها كنت فأنكر على العقل حتى امكان معرفة الشيء معرفة نسبية حقيقية.

أصل هذه النظرية هي التميز بين الزمن المكاني والديمومة السيكولوجية فيقول إن وقت التأمل الهادئ لا يشبه وقتاً يعجله الانفعال أو يطيله الألم. أما زمن الساعات زمن التسوية والتعديل فلا يقاس به زمن عواطفنا المتغيرة إلا بحكم العادة والاتفاق وحركته الآلية المصطنعة لا تشبه حركة أفكارنا وإحساساتنا التي نحياها ونكاد نلمسها في داخل ضميرنا إلا بالاسم.

يعتبر العقل أثمن قوة حصل عليها الانسان إلى الآن لأن به تفوقه الحقيقي الحاضر غير أن خبرات العقل وإدراكاته تعجز عن القبض على أصول الحياة لأنها من غير نوعها فهي لا ترى شيئاً من الحركات الجاريات في أعماق النفس المظلمة. العقل يدرك الماضي المنقضي لأنه صار بحدوثه مادياً من نوعه فيمكنه تقريره بالكلام والتثبت منه بأدلة الحواس لكنه يجهل الصيرورة التي تدفعنا إلى الأمام وهي من محفوظات البداهة. فلا نتوصل إلى لمس الحقيقة إلا بسيرنا مع السيل الحيوي وبالبداهة والشعور والانعطاف والحماسة.

يرى في طريق العقل عقبات تهشمه وحواجز يرتد عنها كليلاً وفي وسع البداهة التغلب عليها اذا استعان بها. اذ ذاك يستطيع العقل تعيين ادراكات البداهة. بالكلام موطداً النظريات والمقاصد التي تتفرد هي باكتشافها. وهذا يذكرنا برأي برغسني سبق تلخيصه في هذه النظرة السريعة في مذهبه. أعني رأيه في العلم والفلسفة. يرى أن تسبق الفلسفة العلم إلى حيث يتبعها العلم بعد حين. كذلك يقدم البداهة على العقل مشيراً عليه بتتبع خطاها. وما البداهة إلا الغريزة إذا ارتقت في الانسان.

نراه يبدد النظرية الافلاطونية القائلة أن المحسوسات ليست إلا انعكاس الفكرات الضئيل وينكر على المنطق دعواه في السيطرة على الفكر محتقراً ما يأتي منه من أمر ونهي فيما يتعلق بالحياة الداخلية. ويأبى الرضى بالعقل حكماً لتقرير ما يجب وما لا يجب أن يكون لأن المنطق العقلي لا يقوم مقام الخبرة الشخصية الداخلية الاكيدة ولا يقوى على اسكات صوت البداهة. ومن أقرب الشواهد على ذلك أن جميع الاثباتات الجدلية والبراهين العقلية والمقاييس المنطقية لا تكفي لنقض الاعتقادات الدينية مهما امتزجت بها الخرافات امتزاج الذهب بالرمل والصلصال.

ويكفي النظر إلى وظيفة العقل وتقدير نتائج عمله لنعلم أنه مناف للغريزة أو البداهة . فهو يهتم بتكييف الهيولى ومعالجة الجوامد واستنباط الآلات وما هو على هواه إلا أمام الأشياء الميتة التي يخلق لها وجوداً آلياً. غير أن الغريزة تفصح عن نفسها بوجودها الآلي ولو عرفنا أن نسألها واستطاعت الجواب لأفضت الينا بأعظم أسرار الحياة وأغربها. ولما كان اتجاه البداهة نحو الحياة واتجاه العقل نحو المادة كان تعاون الاثنين ضرورياً للسعي إلى ادراك سر الحياة والتعبير عنه.فعلى البشرية أن تنقلب عائدة إلى ملتقى السبل الذي افترقت فيه القوتان فيعضد العقل البداهة بدلاً من أن يحتقرها. وها تاريخ الفن والأدب والعلم نفسه شاهد على دور مجهول مثلته البداهة يوم أفسح لها المجال فكانت مساعدة العقل لا عدوته.

ما الانسانية الكاملة إلا الانسانية وصل منها البداهة والعقل إلى اعلى درجة ممكنة من النمو. وما الانسانية اليوم عند هذه الخطوة الصعبة من سبيلها إلا لأن سراج البداهة خبا تحت أثقال الدهور. فإذا شع فجأة الوقت بعد الوقت فهو لا يضيء إلا لمحات قليلات ولا يقوى على اثارة غير جزء صغير من ظلمات المادة .

الكلمة الأخيرة لم تقل بعد:

جوهر هذا المذهب محصور في مؤلفات برغسن الكبرى الثلاثة وتفسيره مبعثر في مئات المحاضرات والمقالات. يرى فيه الناقدون تناقضاً كثيراً لكن الآراء العلمية العصرية لا تنقض نظريته في اندفاع النزعة الحيوية التي هي قاعدة هذا المذهب. ولئن شغل كثيراً بما وراء المحسوس فله كذلك اهتمام بالحياة العملية ولا يستطيع نبذ ذلك الاهتمام في مصلحة المذهب ذاته وهذا سبب فوزه الشامل.

يقول برغسن ان هذا المذهب يرمي إلى استيعاب العقل في البداهة لحذف نقط الصعوبات العقلية من جهة وزيادة الرغبة في العمل وتقوية الحب للحياة من جهة أخرى. لكن أين العالم الاجتماعي الذي يقتحم المجازفة بكل ما لدى البشر من الخبرات العقلية والنتائج الآلية لتطبيق الارتقاء والسعادة على قواعد المذاهب البرغسني المهيب بجلاله النظري وجماله التركيبي لكن القاصر دون حماية مطالب الحياة العملية وشؤونها.

على أن هناك أمراً لا جدال فيه وهو أن العقل وحده لا يستطيع ايصالنا إلى السعادة وصرنا بفضل برغسون مدركين قيمة هذه الالاهة (البداهة) الكامنة فينا شاعرين بعذوبة بسمتها في أعماق النفوس معترفين بفائدة اشتراكها مع العقل في تدبير شؤون الحياة والسعادة.

جميع نظريات برغسن لم تطبع بالطابع النهائي ولم يقل بعد في مذهبه الكلمة الأخيرة لأنه ما فتئ شاباً في زهرة شبابه الفكري.

نيــــرفانا
01-11-2007, 11:18 PM
مو عارفة فين أحطها فقلت أخليها على ظهر أوفيليا هي توديها أو تخليها المهم الموضوع ارتفع :D

هنا تجدون مؤلفات أو بعض مؤلفات مي زيادة...ممكن نترك قصتها مع جبران عـ جنب حبتين :)

إابتسامات و دموع, أو, الحب الالماني / رواية لمكس مولر ترجمة مي زيادة
http://www.al-mostafa.info/data/arabic/depot2/gap.php?file=010059.pdf

كلمات وإشارات ج1
http://www.al-mostafa.info/data/arabic/depot2/gap.php?file=017936.pdf

كلمات وإشارات ج2
http://www.al-mostafa.info/data/arabic/depot2/gap.php?file=000132.pdf


وردة اليازجي

http://al-mostafa.info/data/arabic/depot2/gap.php?file=013026.pdf

باحثة البادية:دراسة نقدية
http://www.al-mostafa.info/data/arabic/depot2/gap.php?file=002529.pdf

رجوع الموجة / رواية
http://al-mostafa.info/data/arabic/depot2/gap.php?file=013666.pdf

سوانح فتاة

http://www.al-mostafa.info/data/arabic/depot2/gap.php?file=008446.pdf

عائشة تيمو : شاعرة الطليعة

http://www.al-mostafa.info/data/arabic/depot2/gap.php?file=013273.pdf

الأعمال المجهولة لمي زيادة
http://www.al-mostafa.info/data/arabic/depot2/gap.php?file=018909.pdf


على فكرة "ظلمات وأشعة" ببســاطة راااااااااااااائع يكفي فيها "أنت أيها الغريب" :)
و

أين وطني

والذكرى الجديدة

والكثير.

إستمتاعا طيبــا مع رفيقتي :)