PDA

View Full Version : "نجلاء مِحرم" ..



أدهووم الأمير
04-05-2007, 02:06 PM
http://www.syrianstory.com/images/moharm.jpg



*مواطنة عربية مصرية.

• ولدت فى الثانى من شهر أغسطس عام ألف وتسعمائة وستين ، فى واحدة من محافظات دلتا النيل الخضراء ، وفى مدينة صغيرة جميلة اسمها "ميت غمر".

• درست إدارة الأعمال وتخرجت من كلية التجارة عام 1982.

• استهواها الأدب واستهوتها حياة الأدباء وعالمهم ، وعاشت معهم منذ طفولتها على صفحات الكتب ، وكان لها فى مكتبة والدها عالم سحرى فيه تشكلت ككاتبة بعد أن أتيحت لها فرصة غير محدودة للقراءة النهمة فى شتى المجالات وفى مرحلة مبكرة جدا.

• بدأت بكتابة الخاطرة والقصة القصيرة منذ منتصف السبعينيات.

• حصلت على العديد من الجوائز فى كتابة القصة القصيرة على المستويين العربى والمحلى.

• مهمومة بقضايا العرب ويظهر ذلك جليا فى جميع كتبها ، وتطمح إلى التواصل الفعال مع جميع المبدعين على مستوى العالم العربى من الخليج للمحيط.

• كتبت الرواية إلى جانب القصة القصيرة، كما كتبت الرواية التاريخية.

• شعرت بعد الانفلات من عنق الزجاجة والولوج إلى عالم الأدب أن دور الأديب إذا اقتصر فقط على الإبداع يصبح دورا منقوصا أعرج ، وأدركت تماما أن مسئوليتها تتخطى تقديم مؤلفاتها الخاصة وانتظار الاستحسان ، وأن عليها المساهمة بدور إيجابى فعال يساهم فى لملمة الشتات الثقافى الذى يعانيه عالمنا العربى.

• نظمت مسابقة "نجلاء محمود مِحْرم" فى القصة القصيرة منذ عام 2001 وحتى الآن.

• أصدرت سلسلة كتاب "الفائزون" الأدبية، بهدف التوثيق للأعمال الفائزة فى المسابقة ولأصحابها من كتاب القصة، وذلك عن طريق نشر هذه الأعمال فى كتاب يضمها كما يضم بعض الأعمال المتميزة التى شاركت ولم تفز، وتقارير لجان الحكيم.

• أصدرت مجلة أدبية بعنوان "تواصل" تهدف إلى متابعة مسيرة الأدباء الذين قدمتهم المسابقة من خلال دوراتها المختلفة، لكى لا تنتهى علاقة المسابقة بالمتسابقين بانتهاء حفل تسليم الجوائز، بل تظل موصولة وحميمية ولا تتحول إلى بند تذكارى تاريخى فى سيرة هؤلاء المبدعين.

• أنشأت موقعا أدبيا على شبكة الإنترنت بهدف دعم أنشطتها الأدبية والثقافية، ودعم الأسماء التى تقدمها مسابقتها سنويا، فى محاولة لتوسيع دائرة التواصل بينها وبين كافة المثقفين العرب أيا كانت مواقعهم.

• عضو اتحاد كتاب مصر ـ عضو نادى القصة بالقاهرة.

• من أعمالها الأدبية:

مجموعات قصصية:

ـ استيقظ

ـ تعظيم سلام

ـ لأنكِ لم تعرفى زمن افتقادك

روايات:

ـ شرشبيل (رحلة الشاطر مهاود )

ـ البئر

ـ الغزو.. عشقا

@@@@@@@@@@@

أدهووم الأمير
04-05-2007, 02:07 PM
استيقظ

قفز الثعلب مختبئا فى الزراعات..
كان واقفا على حافة الطريق حين لمح الصغيرة وأباها قادمين.. ثبت عينيه البراقتين عليهما.. إضواء السيارات المارة تجعل من عينيه بؤرتين تشعان نورا مبهرا.. فهم الثعلب أنهما قادمان باتجاهه فقفز متواريا.. لمحته الصغيرة وهو يقفز فيسبح ذيله فى الهواء فى انسياب جميل.. صاحت بسعادة:
قط يا أبى
فردَّ بتوجس:
"بل ثعلب يا صغيرتى"
التقط حجرا ورمى به مخبأ الثعلب.. انتفض جسمه الصغير فى مخبئه ولم يتحرك خطوة.. وظل يراقب الساريين..

فى الصباح خرجت الصغيرة ككل يوم تلهو فى طرقات قريتها الوادعة.. رفاق اللعب بالعشرات.. لكن لا لعب اليوم.. فقط هناك حكايات.."سأحكى لهم عن الثعلب".. تحلق الرفاق حول الصغيرة وهى تحكى.. عيونهم ثابتة.. وجوههم مأخوذة.. قلوبهم خفاقة.. ليت حكاية الثعلب أطول قليلا.. ليس فيها ما يثير.. كان لا بد أن أطارد الثعلب لتكون لحكايتى قيمة! خرج من وسط الصمت صوت
يا كاذبة.. ليس فى قريتنا ثعالب
هوت من علياء فخارها إلى حضيض الاتهام! تلاحقت الأصوات:

نعم.. ليس عندنا ثعالب

كان لابد من حسم الأمر.. لابد أن تخرسهم جميعا.. لكن كيف؟
" سآتى لكم بالثعلب! "
ضحك الأطفال حتى تقطعت أنفاسهم.. وهبوا جميعا يبحثون عن الثعلب!
انتهى اليوم ولا أثر..
فى المساء سأل الأطفال آباءهم:
" هل عندنا ثعالب فى القرية؟ "
ابتسم الاباء من جهل صغارهم!

استمر البحث.. نسى الأطفال أنهم كذبوا رواية الصغيرة وجَدُّوا فى بحثهم وكأنهم رأوا الثعلب معها! الأمل.. كل الأملِ.. أن يوقعوا بالماكر ذى العينين الواسعتين.
صيف الإجازة طويل.. والبحث عن الثعلب المكار أحسن ملهاة يقطعون بها الوقت..
ألا نقدر على ثعلب حقير ونحن عصبة؟
إذا كان مكارا فنحن أذكياء
ولكنه يعرف كيف يختبئ وأين
هل يقدر الحيوان علينا؟

عند غرب الشمس فى أحد الأيام.. هاجم الثعلب دجاجات سمينات أمام أحد الدور.. شاهده الأطفال.. صرخوا.. قذفوه بالطوب.. جذبوا عيدان الحطب لمواجهته.. لكن أين هو؟ فر مسرعا حاملا الدجاجة الدامية فى فمه.. قابضا عليها بأنيابه.. ودماؤها تقطر على تراب الحارة الضيقة..
"لم يعد هناك شك.. رأيناه بأنفسنا"
فى المساء قال الأبناء لآبائهم:
" رأينا ثعلبا يفترس الدجاجات اليوم "
ابتسم الآباء من جهل الأبناء!

الثعلب يرعى فى القرية.. والعقول الصغيرة تكاد تقفز من داخل جماجمها لتطارده.. لكن كيف؟
الكمين.. نعم الكمين
نغريه بفريسه..
ومن أين نأتى بها؟
الحارات مبذورة بالدجاج والبط والاوز..
كيف نأخذ منها؟
كما يأخذ الثعلب!
تطوع أحدهم وأتى من داره ببطة مبحوحة الصوت لتسهل سرقتها.. لا تقولوا سرقة.. إنها التضحية فى سبيل الهدف النبيل..
الأعين الصغيرة خلف تلال السباخ وأكوام الحطب.. تراقب البطة المربوطة.. الوقت يمر.. واللئيم لا يخرج.. لكن من أين يخرج؟
ربما هو فى وسط هذا الحطب
أو فى جحر تحت هذا السباخ
غابت الشمس.. أوشك الليل أن يطبق تماما..
علينا أن نعود بالبطة
هيا يا صاحب البطة هاتِ بطتك
تراجع الآخرون..
من يدرينا أنه لن يهاجمنا ونحن نحل البطة من الوتد؟
تركوا البطة وفروا عائدين.. وفى الصباح كانت البطة قد افتُرِسَتْ!

ينطلق الأطفال كل صباح فى أرجاء القرية يبحثون عن الثعلب.. فوق الأسطح.. فى الحظائر.. فى الأجران.. يفتشزن الأرض بحثا عن جحر.. يدعون الله أن يوقع به لهم! أصبحوا يصلون الجمعة خصيصا ليدعوا الله أن يوفقهم فى جهادهم!
صاحت الصغيرة:
" ها هو "
فزع الآخرون إليها
" أين؟ أين؟ "
" لا.. ليس هو.. وإنما مخبؤه.. "

داهم الأطفال المخبأ.. فتشوه.. بقايا عظام الفرائس فى كل مكان.. الحظيرة المهجورة مخبأ خبيث للحيوان الخبيث..
جرَوْا لآبائهم..
" عرفنا أين يختبئ.. فى الحظيرة المهجورة بطرف البلد.. "
ابتسم الآباء من جهل الأبناء!

الصغيرة رأته.. هاجم الطيور والحيوانات.. نحن رأيناه.. عرفنا مخبأه..
لماذا لا يثقون؟
أين أبوك يا صغيرة؟ ألم يره معكِ؟
لماذا لا يقنعهم أن هناك ثعلبا؟
هل لابد أن يأتى الثعلب إلى داره ويقضم أذنه ليحدث بما رأى؟
خجلت الصغيرة.. أحرجها أبوها..
جرت إليه لتعاتبه..
الظلام خيم
لمعت العينان البراقتان
تقدم الثعلب..
صار ضخما.. قويا.. جريئا..
سألته:
" من أنت؟ "
" أنا الثعلب! "
افترسها وهى تصيح:
"أبى.. أبى.. الثعلب يأكل قلبك.. ألا تستيقظ؟"

أدهووم الأمير
04-05-2007, 02:08 PM
تحولات

سمعوه فى هدأة الليل
يفح صوته..
يتسرب إلى خلاياهم..
"أيها النائمون.. لم يكتمل النصاب"
تقلب النائمون فى فراشهم..
فُتِحَتْ العيون وبحلقت..
تمتمت ألسن تستعيذ من الشيطان..
بحثت أرجل عن مداساتها..
تسربوا فرادى وجماعات خارج الدور..
كلٌ يسأل الباقين :
_ هل أديتم ما أنتم به مكلفون؟
_ لماذا لم يكتمل النصاب؟

منذ أن ارتفع البناء الصارم فى وسط البلدة.. سمعوا فحيح صوته الكريه مرتين.. هذه هى المرة الثانية..

المرة الأولى
فى هدأة الليل سمعوه..
يفح صوته..
يتسرب إلى خلاياهم..
"أيها النائمون انهضوا..
سَكَنْتُ اليوم بلدتكم..
ولى تقربون القرابين..
فاحذروا لعنتى إن لم تتم القرابين نصابها"
لما أشرق الصباح.. كانت العيون مرهقة.. والوجوه شاحبة..
ولما بدأت الألسن تتناول سيرة الهاتف المجهول.. اختلفت الآراء.. وتُبودِلَت الاتهامات..
ثار شجار عام..
ارتفعت أذرع وهوت أكف ورفست أرجل..
سالت دماء وتفتتت عظام..
وأُغْلِقَت الأبواب على أحقاد لم يكن لها بالأمس مكان..
***

أشرقت شموس واكتملت أقمار.. ولم يُسْم_عْ الفحيح المجهول..
ظل البناء الملعون قائما فى قلب البلدة..
وظلت الأحقاد كامنة فى السرائر..
وهاهم الليلة بعد طول سكون.. يسمعونه..
سألوا أنفسهم :
_ أى نصاب هذا الذى لم يتم؟
اقتربت الخطوات خائفة من مقره المُصْمَت..
صاح صائح :
_ ماذا تريد منا؟
أطبق الصمت فى انتظار رد..
_ يا ساكن الدار اخرج وحدثنا
قصرت فترة الصمت..
_ مع من تتحدثون؟ إنها جدران صمّاء!
ألجمتهم جرأة العبارة..
_ صه! لا تستفزه!
_ جبناء
_ بل أنت الأرعن
_ تلتمسون الرحمة من الأحجار يا أغبياء؟
الجميع اتجه نحوه..
ارتفعت أكف وهَوَت..
سقط جسد وسالت دماء..
وأشرق صباح ثقيل.. وقد ازداد ارتفاع البناء الأسود!
تغيرت مشاعر البشر.. وشاهت ملامحهم..
صارو أكثر قدرة على ملاحظة ما يكرهونه فى بعضهم البعض!
اختنق جو البلدة.. توقف هواؤها عن الحركة.. وأصبحت له رائحة تضيق بها الصدور..
حتى نَبْتات الأرض.. أخذت أشكالا مستفزة.. ألوانها حمراء وصفراء.. صارت بقعا مثيرة كريهة..
***

فوجئ الناس بالشاب يعلن أنه لن يتزوج مثل من سبقوه.. وحلف برحمة أبيه أن يقيم فرحا تحييه الغوازى!
_ فرح تحييه الغوازى؟
_ هنا فى تلك البلدة المشئومة؟
صاح بهم :
_ أى شؤم يا أهل العقل؟
فرح.. وسهر.. وطبل.. وزمر!!
يالها من فكرة!

تَحَلَّقَ الناس حول البساط الذى فُرِشَ لتتراقص فوقه الغوازى.. كل الناس جاءوا.. لم يبق بالبيوت أحد.. جلسوا بدون تحية.. كل ينظر أمامه ويحاول ألا تنحرف عيناه يمنة ولا يسرة.. دقت الطبول ورنت الصاجات.. وخطت الغازية فوق البساط تترجرج.. نهض العريس يرقص أمامها.. تجرَّأت بعض الأكف وصفقت.. التفتت أعناق.. ابتسمت شفاه.. تمتمت ألسن :"عقبال عندكم".. علت أصوات تهنئ العريس.. تسربت حياة إلى قلوب أماتها حزن مشئوم.. شقت زغرودة طويلة قلب الليل.. وغرق الناس فى فرحهم..

سمعوه فى صخب الليل!
يفحّ صوته فى قلب قلوبهم..
"لم يكتمل النصاب"
انتفضوا.. اختطفت الأمهات صغارهن وطوقنهم بأذرعهن.. رقعت الغازية بالصوت.. البناء الأسود بدا كعفريت يطل عليهم.. الأقدام تجرى نحو دورها.. جرَّ الأب ابنته العروس فى يده..
_ طلاق ثلاثة ماأزوجها لك!
= ماذا تقول؟
_ ماسمعته!
= لماذا؟
_ لماذا؟ كان قدمك أغبر!
= ولكنى كتبت عليها
_ طلاق ثلاثة ماتاخذها!
= أهو لعب عيال؟
_ ليلتك سوداء! لن تأ خذها!
= سآخذها!
_ لن يحدث!

تشرب رماد الأرض دماء سالت..
وأغلقت الأبواب على كره قد بلغ مداه..
ولما أشرق الصباح كان البناء المشئوم قد ارتفع حتى اختفت قمته بين السحب..

***
لكن فحيح الصوت لم يعد يفزعهم!
لم يعودوا يسمعونه؟
صاروا يدّعون كذبا أنهم لايسمعونه؟
تَشَرّبُوه فى خلاياهم؟
صار كالدم يجرى فى أجسادهم؟

***
وياله من يوم كان.. هذا الذى دكّت فيه صاعقةٌ البناء الأسود الصارم.. فتكوم مثيرا عواصف الغبار التى خنقت الكثيرين من أهل البلدة.. والتى حجبت النور عنها أياما وأياما..

الغريب حقا.. أن أنقاض البناء تحولت إلى رماد أسود ناعم.. تطاير وغطى مساحة واسعة فى قلب البلدة.. وأن أهل البلدة صاروا يتبركون بهذا الرماد التماسا للشفاء والسعادة والذرية!!

أدهووم الأمير
04-05-2007, 02:09 PM
غداً

كنتُ سعيدا جدا..

وكنتَ تستطيع.. حين تنظر فى عينى.. أن تسعد أنت أيضا..

كل صباح.. أخرج وإخوتى مع أمنا.. تهرول.. ونحن وراءها نهرول بسيقاننا الصغيرة فلا نستطيع اللحاق بها.. لكنها تتوقف بين الحين والحين ناظرة لبعيد.. رافعة رأسها.. إلى أن تستشعر اقترابنا فتبدأ فى الهرولة من جديد..

تتوقف أحيانا لتشمشم فى كومة من "كل الأشياء".. نَطْرَبُ نحن للتوقف.. ننقض على الكومة فى حماس وسرور.. نشمشم لترانا أمنا ونحن نشمشم! لكننا لا نستطيع كثيرا تمييز الأشياء مثلها.. وقارها واتزانها يجعلنا أكثر طيشا!

تستخرج لنا من الكومة خبزا وعظما ولحما طريا! نكف عن الصخب بينما تقف هى إلى جوارنا شامخة ترقب بعينيها العسليتين ما حولنا..

لما ألقى لنا الكائن الذى يطل علينا من أحد الصناديق الكبيرة المرصوصة على جانبى الطريق قطعا عديدة من العظام.. أكلناها.. وصارت أمنا تأخذنا كل يوم إلى جوار الصندوق الكبير الذى يطل منه.. ونقضى وقتا طويلا أمامه إلى أن تتساقط علينا قطع الخبز والعظم.. نحدث صخبا عظيما لننادى من يكون منا بعيدا هناك..

وحين نزل ساكن الصندوق الكبير.. حاملا إلينا الطعام بنفسه.. توجست أمنا.. أمرتنا بنظراتها أن نبقى بعيدين.. وسمعنا صوت هريرها المخيف يتردد محذرا.. لكننا سمعنا نداءه: " كش كش كش ".. فعَدَوْنَا بسوقنا الصغيرة المفتوحة ونحن نجاوبه: " هوْ هوْ هوْ "! حتى وجدنا أنفسنا أمامه.. وأمنا وراءنا!

بَدَرَ الطعام أمامنا فدُرنا وهمهمنا وهززنا ذيولنا وأكلنا.. وقف هو يتابعنا بينما أمنا ترمقه ولا تحيد بنظراتها عن عينيه.. ولما اختفى داخل صندوقه دَسَّتْ أمنا "بوزها" فى فرونا تتشممنا بقلق..

لكنها فى اليوم التالى.. اقتربت معنا من الطعام المبدور وتناولت بعضًا منه.. وهى تنظر للواقف بجوارنا.. ويتخذ جسمها وضعا متحفزا..

صرنا نأكل ببطء.. واطمئنان.. ونطرب لِكَفِّ مطعمنا حين تتحسس فرونا.. وصارت أمنا تسمح لنا بالابتعاد عنها والاقتراب منه!

وحين حملنى.. وقربنى من صدره.. استخفنى الطرب.. وضربت بذيلى.. ومنحته " لحسات " كثيرة بلسانى اللاهث سعادة.. لكنه وضعنى ثانية على الأرض.. فدُرْتُ حول نفسى مفتقدا سعادتى التى كانت.. والتف حولى إخوتى يهنئوننى على ما نلته من شرف.. بينما ظلت أمى تدس أنفها فى فروى وتتشممنى بعمق..

صار يحملنى.. ويحمل إخوتى.. وصارت أمى تتمدد وتغمض عينيها بعد الوجبات.. بينما نلعب نحن مع مطعمنا ونصخب وننبح بمرح.. بل صرنا ندخل وراءه داخل صندوقه الكبير.. وندور حوله لنمنعه من تركنا..

لست أدرى لماذا كَفَّ عن حملى وتقبيلى.. بعد أن وضع فى عنقى هذا الطوق اللعين.. وربطنى فى مدخل صندوقه الكبير.. وأغلق الباب بينى وبين أمى وإخوتى؟

ولست أدرى لماذا كَفَّ عن إطعام أمى وإخوتى وصار يطعمنى وحدى؟

وحين يسمع بكائى وعويلى ونباح أمى وأنينها.. ينزل وعيناه مملوءتان بالكره.. فيرفسنى ويقذف أمى التى لا تفارق الصندوق بطوب موجع..

ولست أدرى أيضا.. لماذا صرت لا أحب قربه.. وأنتظر بفروغ صبر أن أكبر.. وتشتد أنيابى.. لأعقره؟

أدهووم الأمير
04-05-2007, 02:10 PM
لقاء

في الشارع الضيق المتعرج.. وبين برك صغيرة موحلة.. وفي مهب رائحة الفقر العطنـة.. وقفت السـيارة السـوداء الفارهة في تأفف.. برز منها سـائق يرتدى الزى الرمـادى ذا الصـفين من الأزرار..
حين فتح الباب هبت رائحة عطريـة كدرت تناغم مفردات الشارع المســكين..
انحني السائق مـاداً رأسه الي داخل السـيارة:
" لن أتأخر ياسـيدى.. وأرجوك لا تفتح النافـذة.. أرجوك ياسيدى "
أومأ الصغير بعدم اكتراث وعيناه مشغولتان باستطلاع أشكال البيوت الغريبـة.. المائلـة
والبارزة والمشـقوقة.. يخفض رأسـه ويثني جذعه حتى يتمكن من رؤية سطح أحـد البيـوت..
أدهشته الدجاجات الواقفات على بقايا سوره المتداعي..
وصله رغم الزجاج المغلق صوت امرأة تصرخ وتزمجر متنقلة علي أوتـار صوتهـا كأمهـر
العازفين.. مهددة امرأة أخرى تطل من شرفة خشـبية.. تعاطف مع امرأة الشـرفة الطيبـة..
وصفق بيديه صائحا في ظفر لما ألبست ذات الصوت المهدد إناء مليئـا بالقمامة والماء
القـذر في رأسها!
عينان سـوداوان هيـّابتان ترقبانه عبر الزجـاج..
وكفـان صغيرتان قذرتـان تلتصقان بزجاج السـيارة اللامع..
ارتعد لما رأى المتلصص الصغير..
الأعين البريئة تتعامل.. تركز وتفحص.. وبعد برهة أرسـلت أولي إشارات التفاهم: بسـمة
بريئة من الوجه القذر الملتصق بزجاج السيارة..
مدَّ طفـل السيارة كفيه.. وضعهما على الجهة الداخلية من الزجاج ليقابلا الكفين
الصغيرتين.. اتسعت البسمتان..
التصق رأس ذو شعر مصفف بالزجاج.. فنطح الزجاج رأس ذو شعر مغبر مشـعث..
وانبعـث للبسـمات صوت..
امتدت شفتان حمراوان ترسلان قبلة عبر الزجاج.. فتلقتها شفتان سمراوان أحدثتا تلوثـا فى الزجاج..
وعَلَت الضحكات..
انفتح الزجاج قليلا..
ـ اسمى محمد
= واسمى أيضا محمد!
ازداد نزول زجاج السيارة..
ـ هل تلعب يا محمد؟
= ألعب ماذا ؟
ـ عندى حصان!
جرى الصغيـر إلى باب متكسر وأحضر عصا طويلة مربوط بها مزق من القمــاش..
ـ هذا حصانى!
= رائع.. شعره طويل وجميل!
ركب الحصان.. وقفز.. وقفز.. وهو يحدث بصوته صهيلا.. ودبيبا..
= هل أركب معك ؟
ـ إنزل..
ونزل
وركب الحصان.. وتعالت صيحاته وهو يشعر بأنه يخلق الحياة للعبة الصمـاء.. راح وجاء
خائضا فى وحل الشارع.. شعر بنفسه فارسا يتحكم فى حصانه.. لايخاف السـقوط.. ولا تقصر
رجلاه عن متكأيهمـا..
= مـاذا عندك أيضا من اللعب ؟
ـ هل تلعب السيجة ؟
= نعم.. علمني..
ـ هيـا اجمـع الحصى..
اليـدان القذرتـان تجمعان في نشاط ودربة.. واليدان البضتان الناعمتان تقلدان..
جلس فى تلقائية على الأرض فجلس رفيقه.. امتد أصبع أســمر مدبب نحو التراب يخطط ويقسم
الملعب الصغير..
* * * *

صرخ السائق:
- إمش ياشوارعى يامتشـرد
قفز المحمدان..
ارتفـع الكـف القـاسى وهـوى على خـد أحدهما..
بكى وتسـاقطت دموعه تغسل وجهه الملوث..
ودلف الآخر إلى محبسه المتحـرك..
وجرت السيارة

الكف الصغير بداخلها يلوح..
والوجه البائس فى الخارج تغسله الدموع !

أدهووم الأمير
04-05-2007, 02:11 PM
انسحاب

سـألَتْ الشـقراء فى شـقاوة :

ـ القلب أهم أم المخ؟ دارت الكاميرا لتواجه الطبيب الذى أجاب

ـ القلب طبعا.. أكد جالينوس ذلك منذ القدم..

أَكْمَلْتُ ارتداء ملابسى ولم أَقْـوَ على تجهيز إفطار.. السـرير "منكوش"..

"البيجامة" قطعـة منهـا على السـرير والثانيـة على الأرض.. الصحف ملقـاة فى كل مكــان.. لم أجد المشـط.. عثرت على مفتاح الشـقة خلف مصراع الباب.. نزلت درجات السلم متثاقلة . تذكرت جهاز التليفزيون المفتوح.. صارعت خشونة المفاصل وصعدت ما نزلته.. فتحت باب

الشـقة.. الطبيب ما زال يؤكد قول جالينوس.. وأنا أضغط زر الإطفاء كان قد انتقل إلى قول الرسـول: "فى الجسـد مضغة إذا صلحت صلح الجسـد كله"

بعد عدة أمتار شعرت بإرهاق.. توقفت لالتقاط الأنفاس.. فَسَدَتْ "المضغة".. اسـتوقفت سـيارة أجرة.. البنك مزدحم.. هكذا دائما فى أيام صرف المعاشات.. صدمنى شـاب بمنكبه..التقطنى آخر قبل أن أسـقط.. انسـحبَ مطأطئاً وهو يعتذر.. موظف الشـباك شـاب هادئ وديع النظرة يحاول أن يحتمل سخافاتنا.. على الشباك المجاور له سيدة جميلة تدخل في الطابورالواقف أمامها بنظرة من عينيها وتفيض على الأوراق التى بين يديها بالنظرات.. سألت نفسى:

"الشـباب أهم أم الشـيوخ؟"

سـندنى الشـاب ذو المنكب القوى قبل أن أسـقط ثانيـة.. أجلسنى على مقعـد برتقالى فاقـع..أمر لى بكوب شـاى.. اعتذرت عن قبوله

ـ فَسَـَدَتْ المضغة يا بنى

جلس إلى جوارى لافّـاً ذراعه حول كتفى..

ـ كوب ماء يكفى يا ولدى.. لاتقلق

أوصلنى إلى السـيارة الأجرة.. أوصى السـائقَ الشـابَ بى..

ـ إصعد معه حتى باب الشـقة

أنزلنى السائق قبل البيت بعدة أمتار لكى لايضطر للدوران من آخر الشارع.. تمكنت من الوصول للشـقة بسـلام.. ببدلتى تمددت على الفراش.. بحثت عن طرف اللِّحـاف فلم أجده فوضعتـه فوقى مبروماً.. رحمة الله عليها.. كانت تخلع عنى ملابسى وتفرد فوقى الغطاء..

فى جنازتها سقطتُ للمرة الأولى.. تسربت الساعات وأنا ملقى فى فراشى.. خيم الظلام..

اسـتطاع الليل أن يفرد لحافه على الدنيا بإحكام.. قلّت ضوضاء الشـارع.. النهار بدأ

سـاعات احتضاره.. ثقيلة وطويلة.. الدخول فى النهاية ليس جميلا.. سـألت نفسى:

"النهـار أهم أم الليـل؟"

دق جرس الباب فى الصباح الوليـد.. كيس الخبز والجريدة وكيس اللبن معلقة الآن على مقبض ؛ البـاب الخارجى.. إذا نهضتُ من فراشى سأدخلها.. ماذا سيحدث لها و هي معلقة هناك ؟

تذكرت أننى لم آكل شـيئاً بالأمس.. علب الدواء ذكرتنى بالطعام.. رحمة الله عليها.. الطعام من

يديها كان هنيئاً.. اهترأت بدلتى التى نمت بها.. فتحت الباب.. القطط بقرت كيس اللبن

فانسـكب على الخبز والجريدة.. غمَسْـتُ البقسماط فى الشاى بدون لبن.. فتحت علبة الدواء.. فارغة هى..

ـ يا سعدون

صعد البواب محييا..

ـ علبة الدواء فارغة يا سعدون

هبط السلم قابضا على الجنيهات العشرين التى سيضع منها أكثر من ثلاثة جنيهات فى جيبه..

علبة الدواء الجديدة زاهية متماسكة.. العلبة القديمة باهتة متآكلة.. اشترتها زوجتى قبل وفاتها المفاجئة بيوم.. ربما ماتزال تحمل بعضا من عبيرها.. مثل كل مرة وضعت شـرائط الحبوب الجديدة فى العلبة القديمة.. لكن إلى متى تتحمل العلبة القديمة الاسـتعمال

والفتح والقفـل؟ سـألت نفسى:

"القديـم أهم أم الجديـد؟"

على صوت عبد الوهاب.. أخذت أتحرك فى الشـقة.. أُلملم الصحف المبعثرة وأجمع الملابس المسـتعملة.. انتظم شـكل البيت.. أدرت قرص التليفون.. لما جاءنى صوت زوجته تذكرت أن "حسـين" صديقى مات فى العام الماضى.. بدأت أبحث فى دفتر التليفون.. حسين مات.. نظمى

مات.. شـاكر؟ نعم شـاكر.. على الطرف الآخر جاءنى الصوت متهدجاً:

ـ أبى فى الرعايـة المركزة منذ أربعـة أيـام..

ثقلت السـماعة فى يدى.. شاكر يصغرنى بعامين.. موفور الصحة.. وخزٌ فى المضغة..

قابلت ولده..

ـ البقاء لله يا ولدى ..

المشـيعون كثيرون.. جميعهم زملاء أولاد شـاكر وأصدقاؤهم.. لا أحد من زملائى أنا وشـاكر.. وخزٌ فى المضغة.. كان شـاكر مرحا.. يتهادى إلىَّ صوته من الماضى..

ـ خذ من عيالى واحدا لتعرف أن الله مَنَّ عليك بعدم الإنجاب!

الأولاد ومعارفهم يثلجون صدر شاكر الميت.. أنـا أعرف هـذا.. كان يحب أن يُحتفى به.. أنا الوحيد فى الجنازة الذى جاء لشاكر.. الكل جـاء لأولاده.. سـألت نفسى:

"الحى أهم أم الميت؟"

تمددت فى فراشى.. التليفزيون يسـكب صورا وأخبارا.. تناولت قرصا آخر جديدا من العلبة القديمة..

هل سـمعتُ نقراً على الباب؟ فتحت الباب.. لفحتنى برودة ليل الشتاء.. عدت لأتابع التليفزيون.. مكوك الفضاء الأمريكى يرسـل صورا من المريخ.. العلماء يؤكدون أن الحياة على المريـخ كانت موجودة يوماً ما.. هناك مجرى نهر جاف.. نهر عريض.. له فروع.. و وادٍ عظيم.. ووجود الماء يعنى وجود الحيـاة.. قال العلماء أن هذه قاعدة لا اسـتثناء منها..

لكن النهر الآن جاف.. لامياه فيه..

مجرد أُخدود عميق محفور فى الصخور..

و الظلام البارد يملأ مجراه..

وضعتُ اللحاف المتكـور على جسـدى.. وأغمضتُ عينىَّ فى استسـلام .

أدهووم الأمير
04-05-2007, 02:11 PM
تَسَـلُّل..



تسَـلَّلَ إلى غرفتى ونام على البساط بجوار السرير.. واغرورقت عيناه حين هممت بطرده.. وتساءل بذلة :

ـ أين أنام إذن يا سيدى؟

مد يده إلى طعامى وألقى بعضه فى فمه.. وعندما رمقته بغضب ابتسم.. وقال لى :

ـ أنت سيدى!

صرت آكل نصف ما كنت آكله.. وصار هو ينتقى الأطيب من الطعام.. ورغم أنه يدعى عدم تعمده الانتقاء إلا أننى أصبحت آكل يابس الطعام وهو يأكل سمينه.. ويقول مبتسما :

ـ نحن شركاء

قفز إلى فراشى والتحف بغطائى.. وقال لى :

ـ نَمْ أنت على البساط مرة!

وتكررت المرات وصرت لا أحسب عددها..

لم يعد يرفع بقايا " طعامه " .. ولا يرتب " فراشه ".. ولا ينظف " حجرته ".. وصرت أنا أقوم بالأعباء وحدى.. وأخاف نظرة الخبث فى عينيه.. وأرتاح حين يمتدح نشاطى!

أسرع لاستقبال ضيوفه وتحيتهم.. كانوا يظنوننى ضيفه ويظنونه صاحب المكان.. وكان هو يقول لى : ـ لا بأس.. أنا وأنت واحد!

صار لا ينتظرنى لنتناول الطعام.. وأحيانا يأكله كله.. وصار يغلق باب الحجرة على نفسه وأنام أنا خارجها.. وصار يأمرنى بتنظيف المكان وترتيبه.. ويدعونى أمام أصدقائه : مساعده! ويقول عنى أننى مساعد لا بأس به لولا أننى حرون!

فوجئت به يوما يهوى بكفه على قفاى! التفت ثائرا رافعا كفى فإذا به يقبض على معصمى ويقول :

ـ مزحة! ألا تحب المزاح؟

تكرر مزاحه فى رواحه وغُدُوِّه..

وتحوصل الغم بداخلى..

وازداد حنينى للماضى الكريم..

قال لى :

ـ أريد أن نعقد اتفاقا.. يكون من حقك بمقتضاه أن تنام فى الردهة ويكون من حقى كل صباح أن أبصق على وجهك! لأننى بصراحة لا أحب أن أبصق على أرضية " حجرتى " وألوثها!

قلت له :

= أنام فى الردهة؟ أنا أنام على الأريكة.. بجوار باب " حجرتك " التى كانت فى الأصل حجـ.....

قاطعنى بنظرة متوعدة ولوح بسبابته..

قلت : أنا أنام على الأريكة..

ابتسم وقال :

ـ إذن سأتنازل لك.. وتنام على الأريكة.. ونبرم الاتفاق!

وصار يستغل الحق الذى يمنحه له الاتفاق كل صباح.. فى مقابل نومى على الأريكة!

تضخم بداخلى الاستياء من نفسى..

وحين جمع أصدقاءه ليشكو لهم ارتفاع شخيرى أثناء الليل بصورة تؤرقه.. وأصر على طردى من البيت.. رجاه أصدقاؤه وألحوا عليه أن يسمح لى بالنوم فى الردهة فى مقابل تنظيفى لحذائه كل يوم أمام الدار وهو واضع فيه قدميه!

المرارة تحتل كل خلاياى.. هذا بيتى.. أأتركه وأهج؟

أنا الآن نائم أمام سور الحديقة.. وهو يطلب منى أن نبرم اتفاقا ليسمح لى بالاستمرار فى النوم أمام سور " حديقته " فى مقابل تقبيلى لقدمه ـ راكعًا ـ كل صباح!

خرجت الـ : " لا " من فمى ثائرة صاخبة..

رمقنى بغيظ ودهشة.. نظرت إلى بيتى فإذا به بعيد بعيد.. وإذا أصدقاؤه متناثرون فى الطريق إليه

وفى طريق الآلام الطويل قررت أن أعود!



-----------------

أبريل 2002

أدهووم الأمير
04-05-2007, 02:12 PM
بوابات الموت

طفلنا شعره أسود.. مثل كل أطفالنا..
عيناه سوداوان.. مثل كل أطفالنا..
قدماه صغيرتان.. صوته مصوْصِوٌ.. مثل كل الأطفال..
طفلنا ليس ككل الأطفال..
طفلنا جائع.. يأكله المرض..
طفلنا الذى لايجد القوت.. غنى!
لكنه حين يحاول شراء الخبز من التاجرة.. ترفض كنوزه.. تقول له :
ـ افتح لى بيديك الصغيرتين بوابات القصر الكبير.. لأعطيك ما تريد
يرتمى طفلنا فى فراشه منتظرا..
والغاشمة تحمل فى يدها قنبلة.. لاتضعها أمام بوابات القصر الكبير.. لكنها تعبس فى وجه طفلنا.. وتُلوِّحُ له بها..
العيون الكثيرة ترقب طفلنا..
عيون زرقاء وخضراء.. أما العيون السوداء كعينيه.. فهى تبكيه..
حين يموت الطفل.. قد تجف دموع العيون السوداء.. وقد تنهار بوابات القصر الكبير بفعل فاعل أو من تلقاء نفسها.. وقد يجد أطفال آخرون هنا أو هناك من يرفض عذابهم..
لكنى سأظل أذكر أن التاجرة تلذذت بموت طفلى.. وسيزداد كرهى لثوبها المخطط بالأبيض والأحمر كل يوم!

أدهووم الأمير
04-05-2007, 02:13 PM
جدي وأنا


زأر أبى يوما وحكى لى الحكاية..
قال : إن جدنا البعيد البعيد كان يتبختر فى الغابات وفوق التلال!
سألته : ألم يكن يعيش فى قفص يا أبى؟
تحشرج زئير لائم فى حلقه :
ـ من ذا الذى كان يجرؤ على حبسه فى قفص؟

كنت أعرف مواعيد حكايات أبى.. فأجرى إليه.. أربض بجواره ساكنا.. وبعد أن يستريح وتهدأ نفسه المعذبة يبدأ فى الحكى :
ـ كان جدك حاكما.. له تخضع الرعية.. ولرهبته يسود النظام.. ولعدله تحل الطاعة..
نظرتُ إلى الكرباج الملقى هناك.. خارج القفص واندهشتُ!
ـ ألم يكن هناك من يضرب جدى بالكرباج؟
غضب أبى غضبا شديدا.. هز رأسه بحدة فاهتزت لبدته.. أطلق زئيرا مرعبا جعلنى أتراجع إلى أقصى ركن من القفص!

بعد كل عرض أعرف أن موعد الحكى قد حان.. فأُسْرِعُ إلى جوار أبى العطشان للذكرى الحبيبة..
ـ كان جدك أول من تسيد الأرض.. وعلم الآخرين النظام..

بدأت أفهم أن أبى يتداوى بالذكريات.. وكنت أرى عينيه العسليتين ترقان وتهدآن للحكى.. وتعلمت ألا أغضبه بأسئلتى الجارحة..
ـ مملكة جدك كانت حراما على الآخرين.. لا يجرؤ أحد على المساس بطرف من أطرافها.. وإذا حدث وتجرأ طائش من الطائشين.. لا يحل المساء إلا ويكون قد استقر فى معدة جدك!
بدأت تنتابنى نفس النشوة التى تنتاب أبى.. كنت أنظر لزملائى ذوى الأجنحة والحوافر وأنفخ صدرى قائلا لنفسى : " أنا حفيد جدى ".. وأخطر بكبر إلى أن يفْجَأَنى صوت المدرب فأعود " أنا " من جديد!

ـ كل يوم يخرج جدك للصيد.. يترصد الأسمن والأضخم لتشبع رعيته.. يأكل من الفريسة ما يشاء ثم يبتعد ليتقاطر الباقون فينالون نصيبهم من اللحم الطازج الشهى..
الحمير المريضة والنافقة هى طعامنا.. قال لى أبى : إن جدى كان يفضل لحم الغزال.. واندهشت للكلمة : " يفضل "! يالها من كلمة غريبة!

لما نبتت لى لبدة.. وغلظ صوتى.. كنت قد تعلمت التراجع والخضوع والطاعة.. وأصبحت جاهزا لأداء دورى.. وصرت أقفز خلال حلقات النار وأجلس كالقط فوق كرسى صغير وأنام على الأرض وأتمرغ.. وصرت أكثر احتياجا لسماع حكايات جدى.. أجرى بعد كل عرض إلى أبى العجوز فيحكى ويحكى.. وأتداوى بالماضى..
صرت نجما.. وصرت أفهم تصفيق المتفرجين وأنتشى له.. وأنتظر الوجبة الاستثنائية من لحوم الحمير التى أنالها كلما زادت حرارة التصفيق..
واستمر فخرى واعتزازى بعراقة أصولى! حتى وأنا أقفز من خلال النار وأزدرد لحم الحمير الميتة.. كنت أشعر بعراقة أصولى! لكن أحيانا ينتابنى شىْء من الخجل!
ماذا لو رآنى جدى وأنا أُضَرُب بالكرباج؟
ماذا سيفعل لو رآنى أدخل القفص بأقدامى دون اعتراض؟
أجرى نحو أبى.. يرمقنى بعينيه الكسيرتين.. يدرك وقوعى فى فخ الطعام والخوف.. يكف عن الحكى..
ـ احْكِ لى يا أبى عن جدى
= لا فائدة يا بنى.. لا فائدة.. ربما يكون أبناؤك....
ويصمت أبى فى تشكك..
وأخرج للعرض.. أتأخر فى تأدية الحركات.. يكثر زئيرى ورفعى لكفى مشهرا مخالبى.. كل شىْْء يثيرنى.. هذا الكرباج.. وهذه النار.. وهذا المدرب.. وقبل كل شىْء هذا الخوف الذى يحتل كيانى..
ماذا لو رفضت القفز؟
وأقفز!
ماذا لو رفضت الجلوس؟
وأجلس!
ماذا لو رفضت المرور نحو القفص؟
وأمر.. وأثناء مرورى.. والغضب يتفجر داخلى.. ونظرة أبى تقتلنى.. وتاريخ جدى يسحقنى.. اعترضنى شىْء.. أطبقت عليه فكىّ.. قضمته.. فتته.. أكلته.. فى ثورة غضبى اجتاحتنى الأمنيات.. سأكون حفيد جدى.. لكننى بعد لحظات رأيته.. ما زال واقفا هناك.. بساقيه الاثنتين كاملتين.. وفى يده الكرباج!

أدهووم الأمير
04-05-2007, 02:13 PM
لأنك لم تعرفى زمن افتقـادك!


" وفيما هو يقترب نظر إلى المدينة وبكى عليها قائلا : إنك لو علمت أنت أيضا حتى فى يومك هذا ما هو لسلامك . ولكن الآن قد أُخفى عن عينيك . فإنه ستأتى أيام ويحيط بك أعداؤك بمترسة ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة . ويهدمونك وبنوك فيك ولا يتركون فيك حجرا على حجر لأنك لم تعرفى زمن افتقادك ." (1)

قال الشيخ :

ـ كنت شابا.. قويا.. عفيا.. حين رأيت أبى مطروحا.. مبقور البطن.. نازف الأنف.. اشتعلت نارا.. أمسك بى من لم أرَ ملامحهم.. قالوا : لو ذهبت للانتقام الآن ستكون من الخاسرين.. لابد من التهيؤ والاستعداد.. ليكون فى هبَّتِنَا الخلاص..

صَمَتَ الشيخ.. سرحَ فيما لم يجرؤ يوما على البوح به..

كل شىء كان قد ضاع بالفعل..

خلف جثة أبيه كانت الدار مهدومة.. وحولها أشجار الزيتون مشتعلة.. وهناك كان الحقل مبقور البطن كأبيه.. مهروسة نبتاته فى ترابه.. وألسنة النار ترتفع من المسجد.. وقارع الأجراس مقتول فى برج الكنيسة العتيقة.. وبجوار جسد أبيه النازف جلست أمه تولول.. تخبط فخذيها بكفيها وتنوح.. ترفع يديها للسماء وتستغيث..

" مكتوب بيتى بيت الصلاة يُدعى.. وأنتم جعلتموه مغارة لصوص"(2)

طالعتنى فوهات بنادقهم..

لكثرة ما سمعت فحيح تهديدها تعلمت لغتها.. بادلتها الفحيح :

" إذا فعلتِ فعلتُ "!

ظلت ترمقنى بعيونها الكارهة.. وأرمقها بعينىَّ الواثقتين.. أسمع لهاث توترها.. أشْـتَمُّ رائحة بُغْضِها.. أروح وأجىء أمامها.. تتابعنى.. أشعر بها ترمقنى فى ظهرى.. اُبرق لها بنفس الرسـالة :

" إن فعلتِ فعلتُ "!

على أحجار المسجد تستند فوهاتها السوداء.. بينما تختفى أجساد حامليها خلف الأسوار.. تنتهز فرصة سجودى.. ينطلق زعيقها.. تخترق حروفها الحارقة ظهرى.. أنكفئ.. وقبل أن أموت أبعث لها بآخر رسالة.. وأستقبل صراخها الملتاث..

" الحق الحق أقول لكم : إن واحدا منكم سيسلمنى " (3)

أتى الربيع جالبا معه نفس الهدية..

رائحة زهوره.. هواؤه.. همسات الصيف التى تتخلله.. تحمل ذات الهم الذى يتربص بنا دوما.. هُوَ هُوَ.. نفس الهم الربيعى الدامى.. نفس الخيانة..

منذ عانقه يهوذا فى الربيع.. ثم التقط القلم ووقع.. وأخذ الثلاثين من الفضة.. وترك كنوز المجد الأعظم.. وصار يعد ثروته ويحصيها.. ويقول :

" مالى به؟ أتعبنى وأتعبنا جميعا "

وعندما أدرك جرمه ألقى فضته فالتقطوها.. واشتروا بها حقل الدم (4).. وصاروا يدفنون فيه كل ساعة شهيدا!

" إنى مستعد أن أمضى معك حتى إلى السجن وإلى الموت! فقال أقول لك يا بطرس : لا يصيح الديك اليوم قبل أن تنكر ثلاث مرات أنك تعرفنى " (5)

لم تفارقه ابتسامته..

تماما مثلما لم يفارقه شاله المنقوش بالمربعات البيضاء والسوداء..

كان يعرف حدود هؤلاء الذين حوله.. يعرف حدود قدرتهم.. وحينما يلمح وجوه أصدقائه تطالعه من طاقات حصون أعدائه.. لا يندهش.. لكن يوَسِّعُ ابتسامته!

هو التاريخ.. لايملُّ تكرار نفسه.. ونادر من يتذكره منا..

وهاهو " بيلاطس " (6) يغسل يديه متبرئا..

صار الجميع " بيلاطس "!

ولم تفارقه ابتسامته..

فالجثث الملقاة على المداخل.. والبيوت المهدومة.. والشيطان المنشب حربته فى بطون الصامدين.. كل هذا قد يفرق القرناء.. قد يطمس الأُخُوَّة.. لكنه أبدا لايغتال الحق!

مادام "هو" : لا يزال يبتسم!

" ياربُّ.. كم مرة يخطئ إلىّ أخى وأنا أغفر له؟ هل إلى سبع مرات؟ قال له يسوع : لا أقول إلى سبع مرات . بل إلى سبعين سبع مرات " (7)

سبعون سبع مرات.. هل تكفى؟

الأمهات مازلن يلدن إخوة..

وما زلتَ أيها الشقيق وحيدا..

وأمام الدار يقطع الجلاد أخشابه.. صانعا الصليب.. وعيناه اللامعتان تتوقان لرؤية دمائك..

ترى.. هل تكفى سبعون سبع مرات من الخطأ لتنفد أخطاؤنا ونكسر الصليب؟

ولأن نساءنا مازلن يلدن.. فقد امتلأت أرضنا إخوة..

وظللت تسامح.. ولا تحصى الأخطاء.. فسبعون سبع مرات من الخطإ ما عادت تكفيهم!

" فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم . وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس . وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به . وهأنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر " (8)

فوق الصليب مدقوقة يداك وقدماك..

و" باراباس " (9) أطلق ليحتفل بالعيد!

ودماؤك تقطر فتختزنها ذاكرة التراب لتُجَرِّعها للناس ندما وعذابا..

شالك المنقوش بالأبيض والأسود فوق رأسك إكليل.. وفوق رؤوسنا عار.. أنت منا..

أسلمناك.. وأنكرناك.. واخترنا " باراباس " ليرتع فى الأرض دونك.. ثم جئنا نبكيك مصلوبا!

ما عدنا نحزن..

ما عاد " الحزن " تعبيرًا شافيًا.. فلننحت من مآقينا تعبيرا يناسب المشهد..

نظيفة يدى " بيلاطس ".. سعيد " باراباس " بالعيد.. طروبة نسمات الفصح.. نحن فقط الشائهون.. جرثومة الجبن رعيناها حتى انطلقت وباء يقتل كل خلية تهم بالفعل!

لا نستطيع مسح دموع المجدلية.. ما زالت تبكى.. وما زلنا ندير وجوهنا كى لا ترى العجز فى أعيننا!

سنموت نحن.. وتقوم أنت.. وتظل قائما.. وتتجدد الأجيال من حولك.. حتى يأتى الجيل الذى لا يسلمك ولا ينكرك.. وعندئذ تكون القيامة قد حانت!



* * * *

أبريل 2002

أيمن ابراهيم
05-05-2007, 01:25 AM
أخيرا وجد أبوميشال من ينافسه إعجابا بأميرة أخرى

مع خالص احترامى لك وللمبدعة نجلاء محرم إلا أن العنوان به مبالغة كبيرة أخى أدهوم

رزان+
05-05-2007, 02:47 PM
مع احترامي هذه هي المرة الأولى التي اسمع فيها بهذه الأديبة ، والذي أعرفه أن زعيمة الأديبات العربيات هي بدون منازع غادة السمان

أدهووم الأمير
05-05-2007, 11:47 PM
العزيز أيمن إبراهيم ..
لا أعتقد في مبالغة عنواني هذا .. فاسم نجلاء محرم يستحقه بالفعل .. وهي من أروع الأقلام الأنثوية التي قرأت لها على الإطلاق ..

عزيزتي رزان .. أشاركك عشق غادة السمان فأنا أذوب في هوى عباراتها ، وأحس صدق شعرها حتى لقد تملكني ..
لكني كذلك لا أرى أن الأديبة : نجلاء محرم لا تقل عنها موهبة ..

لكم أطيب التحايا ..

أحمد