PDA

View Full Version : نماذج قصصية لأديبات عربيات



Ophelia
05-05-2007, 09:19 AM
غادة السمان


هاربة من منبع الشمس


مازلت في أعماقي..
تمسح الطين عن جسدي بأهدابك !
مازلت في أعماقي...
النجوم تفور من منابت شعرك فوق الجبين الأسمر وتنهمر فوق صدرك وهديرها أبداً يناديني .. يهتف باسمي ذائباً ملهوفً ..
وأسرع في مشيتي، أشد كتبي إلى معطفي، وتظل أنت تتمطى في أعماقي، والشتاء يتأوه في قطرات المطر التي تلعق وجهي .. وتظل أنت تهتف باسمي، والريح تعول وتدور حول الأذرع الرمادية لأشجار متعبة تسندها ظلالها إلى جانبي الطريق .. والرعد يتدفق في أذني كصرخات دامية التمزق لامرأة ضائعة في صحاري شاسعة.
مازلت في أعماقي تتمطى!
وأنا أنزلق فوق ظلمة الشارع، ويخيل إليّ أن برك الماء المتجمدة قد ابتلعت أنوار الجامعة التي خرجت منها قبل قليل ..
وألتفت ورائي وكأنني أريد أن أتحقق من أنها فعلا هناك .. المكتبة، والمقاعد الخشبية في الحديقة، والنادي المزدحم حيث التقيت زرقة عينيك الضالتين أول مرة، يوم جئت تبحث عن أختك، زميلتي في الصف، وتطوعت أنا لأشاركك التفتيش عنها .. وأحسسنا بسعادة مبهمة ونحن ندور معاً من مدرج إلى مدرج ومن باحة على باحة فلا نجدها .. ونتبادل الحديث بعفوية لذيذة كأي صديقين قديمين ..
كم كانت أختك رائعة وكريمة ذلك اليوم! .. لقد اختفت .. لم نجدها بالرغم من الساعة التي قضيناها منقّبين، والتي انتقل البحث في دقائقها الأخيرة من القاعات إلى وجهينا ..
وشدتني إلى عينيك كآبة حنون، مغرية الدفء كلهيب موقد يلوح لضائع بين الثلوج من وراء زجاج نافذة .. تنهدت بارتياح لما لم نجدها، وعرضت عليّ تناول كأس من الليمون في النادي ريثما نستريح ونعاود البحث من جديد .. وجلست أمامك .. أشرب من ملامح وجهك وأخزنها في أعماقي بحرص بينما أنت تحدثني ببساطة وانطلاق عن رتابة ساعاتك .. عن جلستك البلهاء كل أمسية وراء زجاج المقهى وتشابه أيامك .. كيف أن السبت يمكن أن يكون ثلاثاء أو أربعاء بالنسبة إليك .. الأشياء التي فقدت طعمها ولونها والأيام التي أضاعت مدلولها ..
وظللت أعب من كأسي وفرحة جديدة تعربد فوق المنضدة وتنثر شعرها إشعاعات سعادة في كل ما حولنا .. حتى في نظرات زملائي المرتابة التي بدأت تنتقل من وجهي إلى وجهك بحدة وفضول ..
قلت لك ضاحكة لأخفي بعض ارتباكي: " إنهم يحدقون إلينا وكأننا .. حبيبان!! " والتقت نظراتنا بصورة غير عادية لما نطقت بكلمتي الأخيرة "حبيبان" .. لا أدري لماذا ارتعش صوتي مع انتفاضة أهدابك، بينما رددّت أنت عبارتي شبه حالم وكأن حجب الغيب قد انتهكت أمام عينيك : " كأننا حبيبان " . !
وظللت أتأملك مفتونة نشوى، وكأنني اكتشفت في أعماق عينيك مغارة مسحورة ياقوتية الجدران، تومض كنوزها المكدسة قوس قزح وديع الهدوء، يترسب في حواسي، ويغمرها بخدر لذيذ .. لا يعكره سوى همسات الزملاء الذين ركزوا اهتمامهم على التيارات اللامرئية الهادرة بين مقلتي وشفتيك .. لذا لم أتردد في للخروج معك حينما اقترحت عليّ بصوت مبهم النبرات أن نستمر في " البحث عن أختك " خارج الجامعة !
وارتمين شبه حالمة في زرقة سيارتك لنضيع معا في شوارع المدينة التي لم تبد كئيبة كعادتها .. وأدركت أنك بدأت تتسلل إلى أعماقي ..
ولما جئت مع مساء اليوم التالي، عرفت أنك لم تأت باحثاً عن أختك .. وأسندت وحشتي إلى سأمك وانطلقنا بهما إلى الغوطة حيث وأدناهما قرب خيمة ناطور أغرتنا نيرانه بالاقتراب منه وإلقاء التحية عليه .. وجلست ترقب رقصة الوميض على جانب وجهي، بينما أنا أعبّ القهوة العربية، والقمر يستند على جانب الخيمة حينا، وتختطفه أرجوحة الرياح الغمامية حينا آخر ...
مازلت في أعماقي !! .. تضحك زرقة عينيك لكآبتي . المنحنى قد غيّب الجامعة عن أنظاري .. والوحشة ترتّل أنات الفراق في دبي .. وأنا اسير إلى غرفتي الباردة وأهذي ..
أمواج المساء لم تعد تنحسر عن ضياء عينيك.
بحاري الكئيبة لم تترقب رنين مرساتك الذهبية في أبعادها السحيقة .. أسير .. وأتعثر وحيدة كطفل جائع في معبد مهجور، مازالت رائحة دم حار تسيح من جدرانه المرعبة .. وأنت .. مازلت في أعماقي ! تمسح الطين عن جسدي بأهدابك .. وصوتك الذائب، صوتك الملون مازال يعربد في عروقي مبتلا بالمطر .. مطر دافئ كان يغسل نوافذ سيارتك " الهائمة في غوطة دمشق " وتتمسك قطراته بالزجاج، وتحدق بفضول على الداخل .. إلى حيث الدفء .. إلى حيث أنا وأنت ذرّتا رمل جمعتهما العاصفة في شاطئ صخري .. وتظل حبات المطر تنزلق ببطء منصتة لهمساتنا ..
- اقتربي مني يا رندة .. اسكبي الألوان في الأشياء التي أضحت باهتة كالأشباح .. اضرمي النيران في وحشتي ففي نفسي جوع إلى النور .. ضمّي وحدتك وتشردك إلى لهفتي وفراغي ..
وأقترب منك .. ألتصق بذراعك الأيمن وأرمي بأثقال رأسي إلى كتفك :
- مذ حضرت من بلدتي الصغيرة وانتسبت إلى الجامعة ومدينتكم وحش يخيفني ..
- ماذا يخيفك فيها يا حلوتي ؟
- لكل شيء طابع لا إنساني هنا .. أسمع ضجيجا وعويلاً أرى مصدره .. تنبع من الزوايا المظلمة صرخات بلا شفاه .. تتفجر من شقوق أحجار الشارع دماء بلا جراح .. الزيف يلون كل شيء بكآبة باهتة صفراء ..
وفجأة توقف سيارتك وتلتفت إليّ وكأنما روّعتك حرقتي وأثارت حنانك .. وتتجمع قطرت المطر بفضول حول النوافذ كلها وتظل تنصت بينما أنا أهذي شبه باكية :
- كنت أخرج من الجامعة مساء، أدور في الشوارع وأبحث عبثاً عن ظلي . واكتشفت أن كل شيء في مدينتكم مزيف، حتى النور الأبيض الفاجر محروم من الظلال من الظلال التي تكسبه مسحة حزن إنساني مستكين ..
- يا غجريّتي الصغيرة الضائعة ..
- كنت أصرخ بوحشية كلما كفّنني صمت غرفتي لعلّي آنس بصدى .. ولكن الجدران بخيلة حتى بالصدى !! .. وأضربها بقبضتي .. أحاول أن أغرس أظافري في أحجارها الصلدة .. وأنشج .. وعبثاً أنتظر أي وتد حقيقي في عدمي المريع .. لا ظل .. لا صدى .. لا شيء .. لا شيء حتى وجدتك ..
وتزداد اقتراباً مني .. ويخيل غلّ أنك تريد أن تلتقط بشفتيك كلماتي المتعثرة فوق عنقي وذقني قبل أن تتناثر في فضاء السيارة الدافئ ..
- كنت أتشرد كل ليلة في دربي المقفر .. أحس بملايين الأيدي الخفية تضغط على عنقي .. تسمرني في الشوارع عارية تحت أسياخ المطر الباردة .. تحملني من شعري بقسوة وتدلي بي في البرك الموحلة .. وتظل تنقلني بين الآبار المتجمدة و أتخبط في الهواء، لا أقبض إلا على حزم الريح، لا أقبض على شيء !
لا شيء حتى وجدتك .. ولن أفقدك لأي سبب في العالم ..
وأشدد قبضتي على ذراعك بينما تتحسس يداك ظهري وتبعثان رعدة دافئة في جسدي المنهك .. وتهتف بي :
- أنت ترعبينني بهذه الأفكار ! ..
- بل إنها ترعبني أنا بالذات .. لم أجرؤ قط على الاعتراف بها لنفسي وأنا وحيدة .. أما الآن .. وأنا أمام صدرك ..
وقاطعتني هامسا بحرارة :
- بل أنت تغفين في صدري .. تتبعثرين في الدم الذي يتدفق في كل ذرة من كياني ..
ويسعدني دفء أهدابك التي تمسح الطين عم جسدي وأنا أهذي :
- كم تعثرت في برك الطين ولطختني الأوحال .. وأنا أحسن أن قطرات المطر مدببة الجوانب وخّازة الحواف .. تنغرس في خدي بينما بردها الكاوي يلهب عذابي ..
- والآن يا رندة ؟ ..
- تبزغ شمس في كل قطرة مطر ..
وأشدك إلى صدري بكل قواي .. أفتّتك ذرّات، وأسحقك ذرّات، وتنسلّ كل ذرة من إحدى مسامي إلى أعماقي .. إلى حيث ينضم بعضها إلى البعض الآخر من جديد .. وأحس أنك حي تعربد في الحنايا والضلوع .. وتهتف بنشوة :
- أيتها الغجرية الهاربة من منابع الشمس .. ألا ترين أن الصقيع أدماني ؟؟ ..
وأحدق إلى الشعيرات البيض التي تسلّلت إلى شعرك، ويخيّل إليّ أن ثلجاً لئيماً يتمسك بها .. وأحاول إذابته بشفتي الملتهبتين وأنا ألثمها شعرة إثر شعرة ...
وتبعدني عنك ضاحكا، وتمسك بوجهي بكلتا يديك، فتتألق حلقة ذهبية في بنصر يدك اليسرى طالما رأتها من قبل ..
وأسألك بكثير من اللامبالاة :
- منذ متى تزوجت ؟
- منذ سبع سنوات ..
ما يهمني سواء كنت متزوجا أم لا ؟ .. أنا وحيدة .. وحيدة .. يدي المتخبطة في فراغ الذعر لن تسأل اليد التي تعلق بها : كم عمرها ؟ لمن كانت من قبل .. حسبي أنها يد إنسان .. حسبي أنها يدك يا أغلى غال ..
ويخيّل إليّ أن ذرّات الظلام تتفجر حول شفتي، وأن قطرات المطر تقفز مذعورة عن النافذة وأنا أسألك :
- هل لك أولاد ؟؟
- صبي وبنت !!
حاولت أن أرسم في ظلمة السيارة صورة لصبي وبنت يتعلقان بثيابك كلما دخلت دارك .. وزوجة تكشف لك طبق الطعام على المائدة، ويتصاعد البخار فيغطي وجهها بينما تحوط يداك خصرها كأي زوج .. لم أستطع .. حاولت أن أخجل من نفسي أن أتذكر ما تعلمته في بلدتي المنعزلة .. لم أستطع .. خيّل إليّ أن جميع أطفال العالم قد ذهبوا في حلقات متماسكة الأيدي إلى كوكب سحيق البعد .. وأن الطعام بارد على منضدتك .. وأن زوجتك لا تغري بالتقبيل .. وأن يديك لم تخلقا إلا لتضماني هكذا .. هكذا ..
وتظل قطرات المطر تتمسح بزجاجنا منصتة .. وأبخرة الدفء تتكاثف في الداخل حتى لا تعود القطرات الفضولية ترى شيئا .. وحتى لا تعود تسمع شيئا بعد أن تخفت همساتنا، وتستحيل إلى قبل مكتومة .. فتهوي إلى التراب وتمتزج به في عناق وديع الاستسلام ..
وتنفض عن عشنا الأزرق ذرّات المطر ونحن ننطلق من جديد إلى أعماق الغوطة، إلى حيث تلوح خيمة الناطور ذي الوجه الباش والكلب الأبيض الودود .. وتوقف هدير المحرك وأنت تسألني ككل ليلة :
- ما رأيك بفنجان دافئ من القهوة ؟
ويتلوى شبابي طربا ً .. وأجيبك بفتح باب السيارة والقفز منها غير عابئة بالمطر .. وتركض يدي في يدك إلى الخيمة ونجلس أمام نيران الناطور طفلين في الغاب هربا من مذبح مرعب نذرا فيه قربانين لإله أحمر العينين .. وتتعانق نظراتنا بين أحضان اللهب الذي يزداد تأججاً .. والناطور يرقبنا ببهجة فطرية طالما افتقدتها في أعين العابرين من أهل المدينة . حتى إذا ما سرى في عروقنا دفء قهوته العربية، عدنا إلى عشنا الأزرق حيث تلتقط بشفتيك حبات المطر العالقة بأهدابي .. ويغيبنا المنحنى الرمادي .. لماذا أستعيد هذا كله الليلة مادمت قد مضيت ؟ ..
أنا أعرف أننا لن نعود نلمّ الحنين .. لن نشرب القهوة العربية عند خيمة القمر .. لن تلتقط بشفتيك حبات المطر عن أهدابي ..
مضيت .. دون أن نتشاجر مرة واحدة .. دون أن نختلف في رأي .. كان كل شيء على حاله يوم افتراقنا ..
الطريق ينزلق بهدوء تحت عجلات عشنا الأزرق .. والاطمئنان يسبل جفنيه النديين على قلبينا، وأنا أدفن قُبلي بين عنقك وياقة معطفك، وأغمغم ببساطة : لم تعد المدينة ترعبني منذ تمددت في زرقة عينيك .. ستكون لي أبداً، أنت والمطر، والقهوة عند خيمة القمر ..
- نكاد نصل يا رندة، ارتدي معطفك . لا أريد أن يصيبك البرد .
وأنهض على ركبتي، ووجهي متجه نحو المقعد الخلفي كي ألتقط معطفي الذي رميته هناك كعادتي كل ليلة .. وفجأة .. أراها هناك ! ..
فردة حذاء طفل تبسم في وجهي بسخرية ممزقة ! .. فردة حذاء طفل منسية سقطت من قدم ابنك بينما زوجتك تحمله وهي تهبط به من سيارتكما .. أجمد ! .. يغمرني خجل مذعور مفاجئ ..
وكعادتك تظل قابضاً على المقود بيدك اليسرى بينما تحوط خصري باليمني وتجذبني إلى صدرك ضاحكاً مداعباً .. لا أغمر وجهك بقبلي اللاهثة .. أظل زائغة التعبير مجمدة النظرات إلى الوراء، حيث ترمي ببصرك متسائلاً .. وتراها كما أرها .. لا شيء .. مجرد فدرة حذاء طفل تبسم بسخرية ممزقة !! ..
وأدرك أنك تفهمني تماماً .. لا حاجة بي إلى الكلام مادمت تسمع هذيان صمتي المحموم ..
توقف سيارتك ويخيل إليّ أن صوتك انبعث متعبا هدته الليالي وأنت تقول :
- لقد وصلنا .. هل أنتظرك غدا كالعادة ؟
وأجيبك ونظراتي مشدودة إلى فردة حذاء طفلك الساخرة :
- لا .. لم يعد ذلك ممكنا .. أليس كذلك ؟ ..
كان ذلك آخر نقاش دار بيني وبينك .. لكني أحسست ساعتئذ أن الرياح قد حطمت نوافذ عشنا إلى الأبد .. ونظرت على صدرك، إلى حيث تسحقني كل ليلة مودعا، وخيل إليّ أن جميع أطفال العالم عادوا منشدين من كهوفهم السحيقة، وتبعثروا على صدرك، بأطرافهم الشفافة وأجسادهم الهشة ورؤوسهم الدقيقة .. يكفي أن أحاول لمسهم حتى يتناثروا أشلاء بريئة بين أصابعي الدموية ومخالبي المرعبة .. وأردت أن تضمني مودعاً لكنني هربت .. هل كنت تريد أن نسحق صرخاتهم بين جسدينا ؟؟؟ .. أن نلطخ أكتافنا وأذرعنا بطفولتهم الشفافة الدقيقة ؟ أما يكفينا عذابنا ؟؟ ..
ومددت يدي أصافحك، وكان الصمت يهذي، وكانت أعيننا تنضح دموعها إلى الداخل .. إلى الأعماق .. وكانت ثورة شعري المبعثر تبكيك .. وكان عذابي ينشج بسكون ..
واختطفت معطفي وأنا أتحاشى النظر إلى فردة حذاء الطفل المنسية التي ظلت تبسم بوداعة دافئة حينما هبطت من العش الكسيح .. إلى الأبد ..
ولما ضمني برد غرفتي، رأيتك بين أشباح السقف تدخل دارك الدافئة .. أطفالك يتمسحون بثيابك وأنت تنحني إلى الأرض لتدخل في قدم ابنك فردة حذائه الضائعة بحنان دقيق .. وتُقبل زوجتك سمينة متدحرجة .. فتقبّل خديها اللذين تفوح منهما رائحة طعام شهي ..
ورأيتكم جميعا بوضوح .. وأدركت أنني لم أعد أستطيع انتزاعك من إطارك الحقيقي لأطير بك إلى مغاوري الفضية في جبال القمر .. لم أعد أستطيع .. ولكنك مازلت في أعماقي !
تتمطى وتحدثني وأنا أخرج من الجامعة كل ليلة .. يبتلعني بحر الظلام الكئيب وتحملني أمواجه إلى غرفتي الباردة . أدرس أحياناً، وأكتب الرسائل المطولة إلى أمي وأبي .. وأنت تنزلق بين الكلمات .. تستلقي على الحروف وتقفز فوق النقاط وتهمس بين السطور .. وأنت تتسلق الصفحات وتظل زرقة عينيك تبسم ..
مازلت في أعماقي .. تمسح الطين عن جسدي بأهدابك !
وأنا أسير وقد اختفت الجامعة تماماً .. البرق يلتمع ويضيء البقعة التي كنت تربض عندها بسيارتك منتظراً أن أصل إلى البوار ..
أسير بحذر وأشد كتبي إلى صدري والمطر يتسلل على جسدي .. وأنت مازلت في أعماقي تهمس " اقتربي يا رندة، في نفسي جوع إلى فجور النور " .. الدموع تتفجر في عيني وتضيع مع المطر المتدفق .. موضع عجلاتك الراحلة يهذي .. ينهش من قدمي وأنا أمر وأمزق الذكريات مع ضربات حذائي .. وتصرخ يدي .. تريد أن تمتد لتفتح الباب كما كانت تفعل .. وتصرخ قدماي .. تريدان الصعود على دفئك الملون .. ويصرخ جسدي حيث طحنتك ذرّات تسللت من مسامي إلى أعماقي وتتلوى نظراتي .. تحن إلى التمسح بالشلال الأزرق الهادر من العينين .. ويظل صوتك يهمس من أغوار سحيقة مرعبة : " غجريتي الهاربة من منبع النور، ألا ترين أن الصقيع أدماني ؟ " وأحسن أني ظمأى .. ظمأى لشفتيك تجمعان المطر عن أهدابي .. ظمأى لخيمة القمر وقدح القهوة الدافئ وضحكاتنا الغجرية في كبد الليالي .. أنا ظمأى إليك وأنت تتمطى في أعماقي ببساطة مرهقة !
غربان القدر تنهش عيني الناطور قرب خيمته الممزقة .. رياح الشتاء تذرو رماد نيرانه .. والأمطار تغسل الحمرة عن جمراته حيث تترسب ليالي العذاب سوداء فاحمة .. الرمال أفاع تزحف لتغطي كل شيء .. الكلب يعوي في الخواء منتحبا . وأنا هنا .. وقد عادت الأيادي الخفية تضغط على عنقي .. تسمّرني في الشارع عارية تحت أسياخ المطر .. تحملني من شعري بقسوة وتدلي بي في البرك الموحلة والآبار المتجمدة .. وأشد وشاحي إلى رأسي .. أشده .. وأظل أشعر أن الأيدي تجذبني من شعري .. وأمضي إلى غرفتي .. لا أحلم بأكثر من جدران لا تبخل على وحشتى بصدى ..
-----------------------------------------
- من المجموعة القصصية "عيناك قدري"

Ophelia
05-05-2007, 09:35 AM
غادة السمان



كوابيس بيروت



كابوس 2


حين غادرت سيارتي ذلك الصباح ، ودخلت الى البيت سالمة - حتى اشعار آخر - لم اكن ادري انها المرة الاخيرة التي ساغادر فيها بيتي بعد اعوام طويلة .. وانني منذ اللحظة التي اغلقت الباب خلفي ، اغلقته ايضاً بين وبين الحياة والامن ..وصرت سجينة كابوس سيطول ويطول..
وانني عدت واخي الى البيت لنلعب دور السجناء ..ولو علمنا لتزودنا بشيء من الطعام في درب العودة .. ولو علمنا ربما لما عدنا ..ولو .. ولو .. وزرعنا "لو" في حقول الندم ، فنبتت كلمة ياليت.


كابوس 3


لم نكن قد سمعنا الراديو بعد . فقط حينما عدت : تذكرت انني للمرة الاولى منذ شهر غادرت البيت دون ان استمع الى ارشادات المذيع شريف ، او اغسل وجهي على الاقل ..
وحين انصت اليه ، كان الاوان قد فات . كان المسلحون يحتلون فندق "هوليدي ان" المواجه لبيتنا الصغير العتيق والذي يطل فوق اعلى طوابقنا (الثالث) . كما يشرف جبل من الاسمنت والحديد فوق كوخ لفلاح مسالم في قعر الوادي ...
بعدها فقط استيقظت وادركت انني كاعزل محكوم بالاقامة الجبرية وسط ساحة معركة ! ...فاتصلت بالبقال لاطلب مؤونة من الطعام . لا جواب . تلفنت لدكاكين الحي كلها . لا احد يرد . تلفنت للجيران ، فرد ابنهم امين مدهوشاً ، اين تعيشين ؟ الا تعرفين ما يدور حولك ؟


كابوس 4


اين اعيش ؟
ردني سؤاله الى واقع مروع . اعيش في ساحة حرب ولا املك أي سلاح ولا اتقن استعمال أي شيء غير هذا النحيل الراكض على الورق بين اصابعي تاركاً سطوره المرتجفة كآثار دماء جريح يزحف فوق حقل مزروع بالقطن الابيض .
اين اعيش ؟ يبدو انني اسكن بيتاً من الشعر (بكسر الشين) . وسادتي محشوة بالاساطير ، وغطائي مجلدات فلسفية ، وكل ثوراتي وقتلاي تحدث في حقول الابجدية وقذائف اللغة.
اين تعيشين؟ ودوى انفجار .. وشعرت بوخزة : لماذا لم اتعلم المقاتلة بالسلاح - لا بالقلم وحده - من اجل ما اؤمن به ...؟ كم هو خافت صوت صرير قلمي على الورق حين يدوي صوت انفحار ما ..وقررت : ان الوقت ليس وقتاً لتقريع الذات على عادة الادباء الذين يقعون في ازمة ضمير كلما شب قتال ويشعرون بلا جدوى القلم ... المهم ان اعيش ، فالحياة هي وحدها الضمان لتصليح أي خطأ اذا اقتنعت فيما بعد انني على خطأ..والوقت ليس وقت مراجعة ذاتية او حوارات فلسفية .. كانت الانفجارات تتلاحق ، وقررت ان اواجه الواقع الملموس حالياً وان احدد موقعي من ساحة الحرب بطريقة عسكرية ، واحصائية !


كابوس 6


هدأ الرصاص قليلاً..
اقتربت من النافذة ... كذلك فعلت الام التي تقطن في الدور الثالث من البناء المقابل لبيتي . وكان البقال العجوز يضع لها بعض ارغفة الخبز في سلة مربوطة بحبل وقد وفقت هي خلف خشب النافذة وادلت اليه بالحبل دون ان تخرج حتى يدها .. اما هو فقد احتمى بمدخل البناء.
كان الهدوء شاملاً ، وتخيلت ان المقاتلين يغسلون وجوههم ويبردون اسلحتهم .. وقررت ان انادي البقال - المغامر وامارس الشيء ذاته .
وبدأت السيدة ترفع السلة المربوطة بالحبل ببطء شديد . وقررت : لابد ان يديها ترتعدان الان ! ... ولكن السلة كانت ترتفع باستمرار وكان حبلها دقيقاً حتى بدت مثل سلة تصعد في الفضاء نحو الخائفين ، حاملة رغيف السلام .. لاحظت ان عيون بقية الجيران المختبئين خلف النوافذ كانت ايضاً تتابع طيران سلة الخبز في الفضاء ، واحسست ان قلوبنا حيعاً مثل قلب واحد يصلي من اجلها ..كأن السلة صارت طفلاً .. طفل المحبة والامان والتواصل مع عالم البسطاء..
وظلت السلة تعلو حتى وصلت الى حدود الطابق الثاني ، والصمت المتوتر ما زال يسود ...
وفجأة انطلقت رصاصة .
لا ادري هل سمعنا صوتها اولاً ام شاهدنا السلة تهوي في الفراغ مثل رجل سقط من الشرفة .
وفهمنا جميعاً بومضة برق مدلول ما حدث : هنالك قناص ما اطلق رصاصة على الحبل الرفيع .
لقد عرض مهارته امام اهل الحي جميعاً . لقد قال لنا جميعاً : انني قادر على اصابة أي هدف مهما كان دقيقاً ونحيلاً. قلوبكم كلها تحت مرماي . شرايينكم كلها استطيع ان اثقبها شرياناً شرياناً . استطيع ان اصوب داخل بؤبؤ عيونكم دون خطأ . استطيع ان اصوب رصاصتي الى أي جزء يحلو لي من اجسادكم ؟
وحين هوت السلة ، شعرت بان الحي كله تحول الى قلب واحد يتنهد بغضة . وادركنا اننا جميعاً سجناء ذلك الغول الغامض المختبيء في مكان ما والذي يتحكم بدورتنا الدموية والعقلية والنفسية لمجرد انه يمتلك بندقية ذات منظار تدرب عليها بعض الوقت .. ولتذهب الى الجحيم كل الساعات التي قضيناها في الجامعات والمختبرات لنتعلم !
وحين سقطت السلة ، سقطت آمالنا معها وتكومت على الرضيف جثة تحتضر . حين سقطت السلة ، حزنا كما لو ان طفلاً سقط من على دولاب مدينة الملاهي وانطفأت الاضواء والضحكات كلها دفعة واحدة ..كان واضحاً اننا فهمنا جميعاً رسالة القناص . ومن ساعتها اغلق خشب نوافذ الحي كلها باحكام ..ولم تفتح!
وداعاً ايها الشمس !.


كابوس 10


هدأ الرصاص قليلاً...
لم يبق الا الليل والصمت ... صمت غامض متوتر .. خيل الي انني اسمع اصواتاً خافتة..أصوات استغاثة ..ظننتني واهمة ، ثم تذكرت دكان بائع الحيوانات الاليفة المجاور لنا ...لعل صاحبها يعمل قناصاً مثلاً ، وهو مشغول عن رعايتها واطعامها بصنع الدمار (ام تراه لا يستطيع الوصول اليها؟)
وتخيلتها داخل اقفاصها ..تشم رائحة البارود والنار ، وتلتقط كهارب الخطر ... لكنها عاجزة عن الهرب ، وعاجزة عن الدفاع عن نفسها ..اين صاحبها الذي اعتاش من الاتجار بهاوبيعها وشرائها؟..
الم يسجنها بأسم تامين العيش (الكريم) لها؟ ..ولماذا يغيب عنها مع غياب الزبائن والصفقات وقدوم الخطر؟... اين صاحب دكان الحيوانات الاليفة؟ تراه لملم ثروته التي جمعها من بيعها وهرب بها الى اوربا مع من هرب؟
(اتذكره . في وجهه قسوة لا يخفيها تهذيبه البروتوكيلي مع الزبائن . مرة رافقت زميلة الى دكانة . كانت ترغب في شراء قط سيامي تعرف مواصفاته جيداً: ازرق العينين. بني الاذنين . ابيض الجسد . بني الذيل . وعبثاً حاولت اقناعها بانها بحاجة الى انجاب طفل بدلاً من الهرب الى تبني قط . كانت ما تزال تعشق صديقها المتزوج الذي لن يطلق ام اولاده ولن يتزوجها . كان يغدق عليها النقود كتعويض (عطل وضرر) عن شبابها المهدور ، وكانت فيما يبدو راضية بالصفقة مع حبيبها الثري ، وقد قررت تتويج قصة الحب بتبني قط ، ما دام انجابه غير ممكن .
دخلنا الى الدكان ..الجزء الخاص بالغرباء-والقادمين من الخارج لاتمام صفقاتهم-نظيف وجميل ومرتب كانك في دكان سويسري ، وفيه كل ملاهي عصرنا الاستهلاكي كما في شارع الحمراء وطريق المطار وصالة الترانزيت والروشة والكازينو مثلاً ...وقفت صديقتي في هذا القسم النظيف العصري المفروش (بالستينلس ستيل) و (الموكيت) اما انا ، فتجاوزت اسوار الدكان السياحية الى الداخل ..وكان صوت صديقتي يتناهى الي وهي تعرض طلبها : اريد قطاً سيامياً - ابن عيلة - ازرق العينين اسود الشاربين نبي الذنب ابيض الجسد ..وكان صاحب الدكان يرد: كل طلباتك موجودة. والاسعار متهاودة..ساحضر لك ثلاثة قطط تختارين منها بنفسك ..قالت : اترك اختيار القط لذوقك ..ورن الهاتف وانشغل في حوار -صفقة حول كلاب للصيد وكنت اتسلل الى ماوراء السور الديكور الذي يحجب حقيقة وضع بضاعته ..
خلف السور ، كانت الاقفاص المختلفة الاحجام والاشكال مرصوصة ومتلاصقة كما في مقابر الفقراء ...الشمس لا تطالها ولا الرياح ولا الندى ولا السماء الزرقاء ..وداخل الاقفاص كانت هناك مجموعة كائنات حية تشبه البشر في تنوعها : كلاب مختلفة الانواع ..قطط رمادية وبلدية وشامية ..ارانب بيضاء جمر العيون ..فئران بيض . فئران ملونة ..اسماك ملونة صغيرة تسبح في "الاكواريوم" المضيء كانها فراشات مائية ..عصافير مكسورة الخاطر والجناح ..بلبل وحسون وببغاء وغيرها ...حيوانات من مختلف الالوان والاشكال والامزجة يجمعها القفص ، والسجن ، والبؤس ..كانت متعبة ، فلا القطط تموء تماماً ولا الكلاب تعوي جيداً ولا العصافير تغني ..وتسائلت : تراه يضع دواء مخدراً في اوعية الماء الخاصة بها ؟ ام انه لا يطعمها بما فيه الكفاية لتكون قوية فتثور وتضرب رأسها بالقفص وتعض يد السجان والزبون ، البائع والشاري ؟
كانت عيناي قد الفتا الظلمة النسبية بالداخل ، ورغم موسيقى الجرك العالية التي حرص صاحب الدكان على وضعها في (الجناح السياحي) من دكانه ، فقد استطعت ان اسمع الصوت الموحد الحزين لشعب الحيوانات الاليفة في الاقفاص ... كان يشبه صوتاً قادماً للمرضى والجرحى والمتعبين ، لكنه صوت تهديدي شرس الوعيد ... كان من الواضح ان البائع يطعمها بما فيه الكفاية لتبقى على قيد الحياة فقط ، كي يظل قادراً على بيعها ، يسقيها مياهاً نصف ملوثة ، ويخرجها الى النور حينما تكاد تحتضر ، وهمه الوحيد ابقاؤها حية كي لا تموت ويخسر تجارته . ولكن ، اية تجارة؟ هذا موضوع آخر لا يهمه . علاقتها مع الشمس والغابات والبحار والليل والقمر وافراح المواسم والحرية ، كل هذه امور لا تعنيه مطلقاً..
وفجأة وجدته خلفي . جاء ليحمل لصديقتي الحيوان المطلوب . فتح احد الاقفاص . اخرج منها قطاً حشر حشراً في مجال حيوي ضيق مع سبعة قطط أخرى من نوعه ، لاخظت ان بعضها جريح ، ولعلها في غمرة ضيقها بسجنها وبؤسها وسوء وضعها ، تقتتل فيما بينها ، ويعض بعضها بعضها ، وصاحب الدكان يرحب دونما شك بهذه الظاهرة حيث يعض البؤساء كل منهم صاحبه ، بدلاً من ان يهجموا جميعاً عليه هو مرة واحدة..هو العدو الحقيقي...
اخرج القط من القفص واغلقه بعناية . التقت نظرتنا . كان من الواضح انه فهم انني افهم ما يدور وان ذلك لم يعجبه ابداً . قال بصلف : ممنوع دخول الزبائن الى المخزن !
قلت : لست زبونة . انا من الفريق الاخر ...
وتمت الصفقة بين رفيقتي المدحورة عاطفياً المتلهية بهمومها الشخصية عن حقيقة ما يدور ..ودفعت ثمن القط ، وخرجت بعد ان زودها البائع باسم طبيب بيطري من المفروض ان تذهب اليه فوراً لتلقيح القط وقص اضافره! البائع اولاً ، ثم البيطري ، وربما بعده الصيدلي . وبعده لا ادري ماذا من حلقة مافيا المنتفعين .. وحين خرجت صديقتي بالقط لاخظت ان (راعي) الدكان تنهد الصعداء . كان سعيداً بخلاصه من فم اضافي يجب اطعامه. لم اشعر بأية عاطفة تربط بين صاحب الدكان وشعبه من الحيوانات الاليفة .. انه يخرجها من اقفاصها ويعيدها اليها دون ان يرف له قلب ! ...وحتى في السجون ، ثمة علاقة انسانية تنشأ بين السجان وسجينه (وكلاهما من طبقة مسحوقة واحدة ) ، اما صاحب الدكان ، فلم الحظ ان بينه وبين "رعيته" لمسة حنان واحدة ..لا جسر بينهما غير المصالح ...
وهو قادر على ترويضها جميعاً ، خانعها وشرسها ، بالتجويع والسجن والاذلال وشروط العيش الرديء بحيث لا تقوم لها قائمة في وجه طغيانه ولا مبالاته ...
وذهبنا الى عيادة الطبيب البيطري وكانت فخمة ونظيفة وخاصة بطبقة القطط المرفهة .. ولا ادري لماذا تذكرت مشهد امرأة كانت تضع طفلها تحت خيمة في عكار وقد تمسكت بغصن شجرة وهي تصرخ دون طبيب او معين او قطعة قطن واحدة ..كنت قد ذهبت يومها لكتابة تحقيق صحفي عن مجاهل عكار ، وشاهدت يومها كيف يولد الاطفال ليتعمدوا بالتراب فوراً ... فقد وضعت طفلها الذي تلقته منها ارض الحقل وامتزج دمه بالاشواك ، ثم امسكت بحجر وقطعت به حبل الخلاص ، بينما وقفت انا مذهولة امام وجهها المتجلد الصامد الشبيه بالصخرة التي كنت قد تحجرت قربها !
ودخلنا بالقط الى عيادة الطبيب، وبمساعدة الممرضة وصديقتي تم الامساك بالقط وقص اضافره ، وكان هو يضرخ بما تبقى له من قوة مناضلاً للابقاء على سلاحه الطبيعي بينما المجهول يحيط به من كل جانب ...
وبعد عملية قص الاظافر ، جاء الطبيب بابرة غرسها في فخذ القط ، وتذكرت انا بهلع ان طفل الفلاحة العكارية قد يكون قد مات الان لانه لم يجد من يلقحه ...وبعد ذلك قرر الطبيب ان من الضروري اعطاء القطة جرعات محدودة من الفاليوم كي لا تبحث عن قط تمارس معه ما تمارس ، وتحمل ، لانها ما رالت صغيرة السن!.. والحمل خطر على صحتها العزيزة .
وهنا جنت رفيقتي . قطة لا قط ؟ كانت تريد قطاً ذكراً . وصاحب الدكان باعها الاخ القط على انه ذكر لا انثى . تلقت النبأ بحزن شديد كأمرأة انجبت طفلتها لسابعة وقد حلف زوجها بالطلاق في حال عدم انجابها لذكر!
ثم قبلت ما هو "مكتوب عليها" وبدأت تشتم البائع الغشاش بينما البيطري يعطي جرعات فاليوم للقطة ، ثم بدأت تشتم الطبيب البيطري حين طالبتها الممرضة بالفاتورة.



كابوس 12


لم يتوقف شلال النار..
لاحظت انني جالسة على الارض ، مكومة تحت مستوى النافذة . قررت انني لا اعرف من اين ستاتي الرصاصة التي ستسقر في صدري ، وبالتالي لماذا لا اتمدد في فراشي واتعلم النوم رغم الرصاص؟
لقد عشت في ظروف لا حد لقسوتها ..واضطررت الى النوم في اماكن مسكونة بالبرد والغربة والاشباح الرمادية ، وعلمت نفسي التكيف مع ما حولي من عذاب ... بل انني روضت نفسي ذات مرة على النوم ، وقد سلطت على وجهي مصباحاً كهربائياً ساطعاً .
اليوم علي ان اتعلم النوم في ساحة حرب ... استجمعت ارادتي ، وكل ما اعرفه من اليوغا ، وبدأت افكك اعضاء جسدي عضواً بعد الاخر . كما لو كنت دمية عرض لواجهات المخازن . امرت ساقي اليمنى بالنوم ، ثم ساقي اليسرى . بدأت آمر اعضاء جسدي واحداً بعد الاخر بالسفر عن الزمان والمكان الى براري النوم... تاكدت ان التجربة ممكنة التحقيق ، لكنها تحتاج الى كثير من المران... فقد دوى انفجار شديد ، وانفرطت من يد دماغي جديلة الاعصاب التي كنت الملمها خيطاً بعد الاخر واسيطر بها على جسدي عضواً بعد الاخر .
وبعد فشلي هذا اصبت بنكسة . بدات اسمع الانفجارات اعلى مما كانت على حقيقتها (او هكذا خيل الي).
ثم حدث شيء غريب ، دخل جسم غريب الى الغرفة ، كائن ساخن الحيوية ، مروع النشاط ، سمعت صوته يضرب خشب الباب ثم المقعد فالسرير فالباب .. في البداية لم افهم ما حدث بالضبط ، كانت رائحة حريق خاصة تفوح من الغرفة ... كانت رصاصة ما او شظية قد اخترقت طرف باب الغرفة وفجرت ساق الكرسي ثم اصطدمت بالسرير وارتدت عنه الى الباب الاخر فخرقته ...ووقفت احدق مذهولة ..كانت شظايا الخشب تملأ ارض الغرفة والسرير وشعري وتغطي المجلات التناثرة على الارض ..وكنت اتامل موضعها بهلع ..فقد حفرت الخشب تماماً على عمق 10 سنتمترات على الاقل ، اما الكرسي الواطيء الذي اصابته فقد تناثر بين شظاياه بعض قطع المسامير التي صهرت وانكسرت تماماً كما لو ان مطرقة جهنمية ضربتها ...
شيء آخر روعني ... كنت اظن الرصاص (وهذه اول مواجهة عملية بيننا) ينطلق في خط مستقيم ثم يصيب هدفه ..اما هذه الرصاصة (ام الشظية؟) فقد تحركت في الغرفة كما لو كانت كرة بلياردو او قطاً مذعوراً ... ركضت في الاتجاهات كلها هادمة نظرياتي العسكرية كلها عن السلامة في البقاء على مستوى الارض او التمدد ، فالفظيع ان مستوى انفجار (الرصاصة او الشظية) كان على مستوى خفيض جداً لا يزيد ارتفاعه اكثر من 30 سم عن الارض ...وذهلت . من اين دخلت الرصاصة اياها؟ وكيف؟ وحيرني الامر حتى انساني خوفي، وخرجت الى الغرفة المجاورة من حيث بدأت الشظية (نزهتها) وخيل الى انها ربما كانت قد انطلقت من داخل المنزل ..على الجدار المقابل لاول باب ضربته ، فوجئت بندبة وقد سفط بعض الكلس والتراب عن الجدار الى الارض ... اذن من هنا مرت الرصاصة .. ولكن من اين دخلت والنوافذ كلها مغلقة بالخشب والزجاج غير مكسور .. وبدأت احدق جيداً في النوافذ حين دوى انفجار ، فقرررت وقف (تحقيقاتي العسكرية) ، واغلاق (ملف القضية) مؤقتاً والهرب الى الطرف الاخر من البيت.
هذه المرة كنت خائفة حقاً ..فقد وعيت للمرة الاولى ان الرصاص لا يمشي على الصراط المستقيم وانما قد يمشي في خط متعرج كجرذ يركض من جدار الى اخر.
ووعيت ايضاً ان الرصاص لا يمشي بالضرورة فوق مستوى النوافذ ، وان القضية اكثر تعقيداً بكثير من المعلومات السطحية التي كنت قد جمعتها من السينما البوليسية والروايات ، وادركت انني اواجه عدواً اجهله تماماً ، وبهذا الشعور البائس تمددت باستسلام على اريكة في الصالون .



من كابوس 13


تمددت على الاريكة في الصالون ، وكان الظلام دامساً وجميع الانوار مطفئة ... تعلقت نظراتي بشقوق النوافذ المحكمة الاغلاق المفتوحة الزجاج . كنت قد اغقلت خشبها وتركت النوافذ الزجاجية مفتوحة . هكذا قرأت في كتاب بوليسي انه من الافضل في حال الانفجارات ترك زجاج الغرف مفتوحاً كي لا يحوله الضغط الى سكاكين تتناثر في كل مكان وتنغرس في جسد الضحية . وارتعدت لهذا الخاطر . ظللت اتامل شقوق النوافذ ، (والقمريات) أي النوافذ الصغيرة المستديرة الملاصقة للسقف والتي لا خشب يغطيها وتوجد في اكثر البيوت الدمشقية والبيروتية القديمة . كان الغرض الاساسي منها ادخال مزيد من النور نهاراً الى الغرف الشاهقة الجدران، والسماح بدخول ضوء القمر اليها ليلاً ...
اما الان ، فقد بدت لي القمريات المزينة بالزجاج الملون مثل اسلحة فتاكة ...مثل عشرات الخناجر التي لا ادري متى يطلقها الانفجار من عقالها ..
هكذا تمددت وحيدة في قلب الظلام ، وخلف القمريات كان المنظر مذهلاً . فقد كانت الصواريخ والقنابل المتفجرة في الجو تضيء الليل كالبرق ، وتلتمع خلف القمريات مثل عاصفة برقية رعدية جهنمية لا تهدأ . احسست بخوف بالغ . ولكنني رغم كل شيء لم اتمالك نفسي من الاعجاب بجمال المشهد بينما القمريات بزجاجها الملون تسطع فجأة وتنطفيء ثم تسطع بتسارع "سيكاديلك" ساحر الالوان.
وقررت انني مثل رجل يهوي الى قاع شلالات نياجارا بينما هو ما يزال مسحوراً بجمال المشهد ... او مثل شخص يسقط من الطابق الخمسين ويعجب بزهور الشرفات التي يمر بها في دربه الى الموت.


كابوس 16


لم يطل السكون..بدأت الطلقات المتقطعة بايقاعها الخفيف ايذاناً بدخول العزف الاكثر شراسة وعنفاً..
مع الانفجار الكبير الاول لملمت نفسي من موضعي على الاريكة حيث قضيت الليلة السابقة..
حاولت السيطرة على اعصابي لقضاء يوم عادي قدر الامكان كي لا اصاب بالجنون! ..كان ذلك مستحيلاً. كنت فيما مضى ابدأ يومي بمطالعة الصحف ، ولم اجدها طبعاً خلف الباب ..(لا يمكن لهم توزيها على البيوت بالمصفحات مثلاً! وحتى لو ارتدى باعة الصحف ثياباً واقية من الرصاص لما استطاعوا الوصول الى بابي حيث مركز القتال) ...
ورغم معرفتي الاكيدة بان القطط نفسها لا تجرؤ على التجول في شارعنا ، لكني تلفنت الى دكاكين البقالة المجاورة ...وطبعاً لم يرد احد. اقتربت من النافذة وشققتها قليلاً . كان المشهد مروعاً. كانت النوافذ كلها مغلقة . كأن الحي فرغ تماماً من سكانه . كأنهم تسللوا جميعاً هاربين تحت جنح الظلام .
وحين يهدا الرصاص ، يسود سكون متوتر مخيف ، سكون كابوسي لا يصدق ، كالسكون داخل التوابيت المغلقة منذ قرون ، سكون يجعلك تحن الى سماع أي صوت ،حتى ولو كان طلقة رصاصة . قررت الاستماع الى الراديو ، وهو اداة لا اتعامل معها عادة الا مؤخراً وللاستماع الى المذيع شريف فقط ، الذي يخاطبنا بصدق مباشر دونما حذلقات خطابية سمجة ..فاخفض صوت المذياع . بحيث لا اميز الغناء او الموسيقى او الثرثرة ، ولكني اعرف نبرة صوت شريف، وحين اسمعها ارفع صوته ، وحين ينتهي الكلام اعود الى حشو القطن في فم المذياع ..وهكذا..
اليوم ، لشدة وحشتي ، ادرت زر الراديو ، وكان المذياع يقول: قضت العاصمة ليلة هادئة ما عدا طلقات متقطعة في منطقة القنطاري وحول فندق "الهوليدي ان".
وصرخت به : الا تخجل من هذه الكذبة؟
ولم يرد علي وانما تابع قراءة نشرة الاخبار وانتقل فوراً للحديث باسهاب عن الحرب الاهلية في ...البرتغال.
صرخت به : ولكني لا الومك .. انت مجرد حنجرة ، وهم يحشونها بالمعلومات الكاذبة ... انت مجرد اداة للجريمة.
لم يرد الذيع علي وانما تابع قراءة الاخبار عن انغولا .
وصرخت به: الا تخجل من هذه الكذبة ؟
ولم يرد علي وانما تابع نشرة الاخبار وانتقل فوراً للحديث باسهاب عن الحرب الاهلية في البرتغال .
وصرخت به : انت المسدس، وهم اليد والطلقة ..وحينما تقع جريمة ، يجب سجن القاتل لا المسدس.
ولم يرد المذيع علي وانما بدأ يتحدث باسهاب عن حالة الطقس.
وبدأت الانفجارات تتوالى ، وتتعالى متلاحقة ونهض اخي مذعوراً يبحث عني.
وقررت : نشرة الاخبار الحقيقية هي ما نسمعه من الريح ، لا من الراديو.


كابوس 23


الا يتعب الرجال ؟
الا تستريح اصابعهم المشدودة على الزناد؟ فترات الهدوء لا تكاد تذكر . وقررت : لابد ان استبدال المقاتلين يتم خلال لحظات الصمت المتوتر العابرة.
الان عاد ذلك الصمت المتوتر المروع .ارهفت السمع . سمعت صراخ بعض الرجال ، لكنني لم استطع تمييز كلامهم ، فقط اصوات نداءات سريعة وحادة كصراخ الخطر لدى طيور الغابة.
كانت مأساتي ان بيتي يقع في منتصف الطريق تماماً بين المتقاتلين، تماماً في الوسط . تذكرت الذي قال "خير الامور الوسط" وترحمت عليه . لو كان يسكن بيتنا ، لقال شيئاً آخر ربما. كنت اعرف ان المقاتلين في الشوارع خلفنا ، لابد انهم يتصلون بالناس ، وربما يتقاسمون ارغفة (المناقيش) معاً . اما موقع بيتنا في الوسط تماماً على تلة مكشوفة من كل الجهات ومحاطة بحدائق برية الاعشاب ، كل ذلك جعل الاقتراب منا امراً مستحيلاً للطرفين. وحتى للطرف الثالث من الغربان الذين احترفوا سرقة البيوت المنكوبة بالحرب.
كنا كسكان وادي الجذام ، لا احد يجرؤ على الاقتراب منا ، حتى اللصوص !! وحدها القذائف تجرؤ على زيارتنا وقرع ابوابنا وجدراننا.

Ophelia
05-05-2007, 09:36 AM
كابوس 35


كانت ابواب مغلقة في داخلي تتفتح باباً تلو الاخر ، ووجدتني احدق في الاشياء فارى الى ابعد منها .
في الممشى امامي على طول الجدار مكتبة تمتد من الارض الى السقف . ليس الممشى آمناً بقدر ما كنت اظن . ففي حال انفجار داخل البيت قد تنهار الكتب فوقي وتقتلني . اما البقية الباقية من الجدار فيغطيها ملصق (بوستر) فيه صورة خضراء كثيفة الاشجار . وكان بوسعي ان اخطو الى داخل اللوحة ، هاربة الى الغابة الاوربية من جحيم عالمي ، وكان بوسعي ان اتسلق الاشجار والتحف بالضباب وانام قليلاً. لكنني لم افعل . لقد علمتني الحياة ان الهرب من انتمائي الحقيقي لا يجدي . انا ابنة هذه الارض ، ابنة هذه المنطقة العربية المضطربة حتى الغليان . انا ابنة هذه الحرب ، هذا قدري. تعلقت عيني بالرف الذي يضم كتبي وعشرات من الكتب التي ترجمتها . ووجدتني اهمس : وانا ايضاً قد شاركت في صنع هذه الحرب. صحيح انني لم احمل سلاحاً قط ، صحيح انني مذعورة كاي جرذ في دكان بائع الحيوانات الاليفة ، ولكن كانت سطوري تحمل دائماً صرخة من اجل التبديل، صرخة من اجل مسح البشاعة عن وجه هذا الوطن وغسله بالعدالة والفرح والحرية والمساواة . وكل ما يفعله المقاتلون هو انهم ينفذون ذلك على طريقتهم . انها حروفي وقد خرجت من داخل الكتب لتتقمص بشراً ، يحملون السلاح ويقاتلون. اكنت حقاً اريد ثورة بدون دم ؟ اجل ، مثل كل الفنانين انا متناقضة ، اريد الثورة ولا اريد الدم . اريد الطوفان ولا اريد الغرقى.
ها قد عدت الى معزوفة تانيب الذات .
-ولكن هذه مجرد كوابيس لا ثورة .
-كل الثورات تولد هكذا معمدة بالدم . حتى ولادة طفل لا تتم الا معمدة بالدم.
-ولكن عدداً كبيراً من الابرياء والعزل يموت .
-لا احد بريء في مجتمع مجرم.
-ما زالت انفجارات القنابل تتعالى ، ما زلت جالسة في الدهليز احتمي بجدرانه شبه المتلاصقة كرحم حجري . لم اعد مذعورة كجرذ. الكتب تحدق بي من رفوفها . وانا احدق بالكتب ، ولا احد يملك للآخر شيئاً.. الكتب اغلفة فارغة والكلمات هربت من الصفحات لتصير رجالاً مقاتلين . اتناول كتاباً من تلك التي ترجمتها . افتحه . اجده كما حدست ، صفحات بيضاء . ان الحروف خرجت الى الشوارع لتمارس حياتها الخاصة . صارت مقاتلين يحولون الافكار الى سلوك . ما الذي يخيفني؟
ما زالت انفجارات مضيئة تتلاحق في اعماقي وابواب مغلقة في روحي تنفتح باباً تلو الآخر. ما زالت الاصوات تتعالى في ذاخلي ، وتتابع نقاشها داخل ذلك الصندوق الصغير المقفل جيداً المدعو دماغي .تتلاحق الصرخات ويخيل الى ان جدران الدهليز ورفوف المكتبة تردد اصداءها .
-ولكن عدداً كبيراً من الابرياء والعزل يموت .
-لا احد بريء في مجتمع مجرم.
-والوافقون على الحياد؟
-لا حياد في مجتمع بلا عدالة . لا حياد في مدينة العرى والفيزون . مدينة الجوع والتخمة . المحايدون هم المجرمون الاوائل . الاكثرية الصامتة هي الاكثرية المجرمة ، انها ترى الظلم وتعانيه ، لكنها تؤثر السلامة الرخيصة على الكفاح الخطر النبيل .
-بعض الناس غير مؤهلين نفسياً لرؤية الدم .
-حينما يحدقون جيداً في جرحهم الداخلي ودمهم النازف، لابد وان يتعلموا رؤية عدوهم ينزف تحت ضرباتهم هم.
-من ضربك على خدك الايمن ادر له الخد الايسر.
-بل العين بالعين والسن بالسن والباديء اظلم .
-ولكن، ما ذنب الاكثرية الصامتة الامنة المسالمة .
-ذنبها الصمت والمسالمة والعيش في وهم الامن . كل عملية حياد هي مشاركة في عملية قتل يقوم بها ظالم ما ضد مظلوم ما. الاكثرية الصامتة هي الاكثرية المجرمة . انها تشكل اغراء لا يقاوم لممارسة الظلم عليها . انها هي التي تثير غريزة الشر في نفوس الذئاب البشرية. المسالمة هي تحريض على القتل . وتلك جريمة . المسالمة هي شروع في الانتحار ، وتلك ايضاً جريمة.
-ولكنني لم اكن على الحياد. انني منحازة لطرف ضد آخر. انني منحازة للشمس والعدالة والحرية والفرح والمساواة. وقد قضيت عمري اخدم هذه القضايا بالسلاح الوحيد الذي اتقن استعماله .
-كان عليك ان تتقني استعمال اسلحة اخرى من اجل يوم كهذا .
-ولكن قلماً جيداً خير من رصاصة طائشة .
-ولكن ما جدوى القلم في دوامة النار الان؟
-انتظر ريثما يصمت الرصاص فيعود للقلم صوته .
-تعنين ان تجلسي في هذا الممشى المعتم كالجزذان . وحينما تنتهي الحرب تتابعين دورك السخيف : التصفيق او التصفير من خلف طاولة مكتبك. وحينما يدوي الانفجار تنزلين للاختباء تحت الطاولة.
-ولكن ما جدوى ان يقتل الادباء في الحرب مادامت طبيعة اكثرهم لا تؤهلهم ليكونوا مقاتلين جيدين . بايرون كان شاعراً عظيماً ومقاتلاً فاشلاً. وقد مات في الحرب الاهلية باليونان بعد ان كبد (فريقه) لا الفريق العدو خسائر كثيرة. لو عاش وكتب من اجل المثل التي يؤمن بها لافاد واستفاد بدلاً من ان يتعفن بعد ساعة من موته وتنطفيء يده التي هي مصباحه. من واجب الفنان ان يبقى على قيد الحياة كي يستمر في اداء رسالته : الكتابة!
-ولماذا تتمسكين بهذا المثال ؟ ماذا عن غيره من الفنانين المقاتلين؟
-همنغواي كان مقاتلاً سيئاً ايضاً. لقد استفاد ادبه من تجربة المعركة ، اما فريقه فلابد وانه دفع الثمن باهظاً من سوء استخدامه للسلاح ولفنون القتال. ولعل المرة الوحيدة التي اجاد فيها همنغواي استعمال سلاحه كانت لحظة انتحاره !
-ستجدين الان عشرات الامثلة لتبرير نفورك الفكري من مشهد الدم ، ومن العنف الجسدي.
-لا اريد ان اسقط فريسة شعور بالذنب لانني لا اقاتل . اعرف عشرات من المثقفين الفرنسيين الذين داهمهم هذا الشعور ايام الحرب الاهلية في اسبانيا وتطوعوا للقتال وكانت النتيجة انهم كانوا عبئاً على الثوار، واحداهن (كانت شاعرة كبيرة) لم تكن تصلح في ميدان الحرب حتى لطبخ الطعام للجنود . ان جر الفنان الى القتال هو كجر ماري كوري من مختبرها الى المطبخ بحجة ان البلاد تعاني نقصاً في الطباخين!
-اذن ترين ان مهمة الفنان هي ان يصب البنزين ويشعل النار ثم ينسحب من المدينة هارباً .
-تقريباً! هذا صحيح على نحو ما . مهمته ان يخلق الثورة لا ان يمارسها . لقد اعلن الرئيس جمال عبد الناصر ان كتاب "عودة الروح" لتوفيق الحكيم كان من العوامل الهامة التي ساهمت في تفجير ثورته والضباط الاحرار، واشعال شرارتها. الفنان شرارة الثورة ونبوئتها .
-ووقودها!
-ان موته كجرذ لا يفيد احداً . ولكن ما يحدث عادة هو ان الفنان نوع فريد من الثوار . انه يصنع الثورات ويجد نفسه بطريقة ما وقوداً لها لا محالة . انه يشعلها وهو يعرف انه اول من سيحترق بنارها . وحتى اذا لم يقتل الفنان اثناء الثورة فانه سيفقد ادوات عمله : مكتبته ومراجعه وكتبه وارشيفه وسلامه النفسي الداخلي النسبي الذي سيمزقه تماماً التشرد الجسدي ، هذا بالاضافة الى تشرده الروحي المستمر.
-ولماذا لا يقاتل الفنان حين تشب الحرب كاي فرد آخر في المجتمع؟ هنالك مقاتلون جيدون ومقاتلون سيئون ، فلماذا لا يكون مقاتلاً سيئاً ؟ ان ذلك سيحجبه على الاقل من الموت وحيداً ، ومن عذاب الاصوات المتناقضة في داخله .
-لان تركيبة الفنان النفسية التي تجعل منه فناناً جيداً هي نفسها التي تحول بينه وبين ان يكون مقاتلاً جيداً . لا استطيع ان اقتل أي انسان او اعذبه . سافكر بانه كان ذات يوم طفلاً بريئاً. سافكر بانه لم يصنع من نفسه الوحش الذي هو امامي وانما هي عوامل كثيرة خارجة عن ارادته ساهمت في صنع ذلك الوغد امامي . سافكر ايضاً بامه ، بحبيبته ، ساعجز عن تعذيبه ، ساتذكر كيف قد يبدو وجهه وهو يضحك وهو يصلي. ساحس بانه كوكب قائم بذاته ، وان قتله مجزرة كونية.
اصوات ، اصوات ، اصوات ، تتفجر داخل راسي وتتناقش بصوت عال ومع كل صوت اشعر بان امرأة جديدة خرجت من داخلي، ولم اعد امرأة واحدة في الدهليز ، بل تناسلت وتكاثرت وازدحم بنا الدهليز . ودوى انفجار رهيب وكنت واثقة انه داخل بيتي في مكان ما . وعدت امراة وحيدة . وحيدة في الدهليز على الخط الفاصل بين الموت والحياة، اواجه مكتبتي الكبيرة ، والمح عبارة "الثورة" في اكثر عناوينها . وصرخ صوت في داخلي: هذاكابوس لا ثورة. هذه "كوابيس سادية" لا "حرب تحريرية."
ورد صوت آخر : كل الثورات في التاريخ كانت تبدو من الداخل هكذا . المهم في الثورة هو الجيل الذي سيحصدها . لابد لكل ثورة من جيل ضحية.
سمعت جيدا صوت سقوط جدار ما ، اخمد انفجار الاصوات في رأسي . ركضت . للوهلة الاولى ، بدا لي دخاناً كثيفاً يتصاعد من غرفة جدتي. لم اكن ادري انني استطيع ان اكون شجاعة. دونما وعي حملت (طفاية الحريق) الصغيرة وسارعت الى الغرفة . كان السقف محفوراً والجدار مقابل للنافذة. في البداية ظننت قذيفة ما سقطت على السطح، وركضت نحو المطبخ اتسلق السلم الخشبي الى السطح ففوجئت بأن القرميد الذي يغطي بيتنا سليم ولا ثقب فيه . عدت الى الغرفة . كانت سحب الغبار قد استقرت على الارض والاثاث. وحين حدقت جيداً اكتشفت ان شيئاً ما قد اخترق زجاج النافذة وثقبه دون ان يكسره مصطدماً بالسقف ومرتداً الى الجدار وان ما توهمته دخاناً كان مجرد غبار تساقط من السقف والجدار المشروخين . وبحثت على الارض فوجدت ثلاث قطع معدنية ما تزال ساخنة ، واحدة منها مدببة ، وكانت بصورة عامة صغيرة واذهلني انها قادرة على احداث هذا الخراب كله.
حينئذ فقط لاحظت ان ركبتي ترتجفان كانهما فُصلتا تماماً عن جسدي ورغباتي . وركعت على الارض ودفنت وجهي بين يدي وبدات ابكي.


كابوس 60


ما زلت انتظر الغروب لازور جيراني ، مخلوقات بائع الحيوانات الاليفة ، اتابع قراءة الصحف العتيقة المكدسة في بيتنا . وتبدو لي التسلية الوحيدة الممكنة وفي الوقت ذاته تبدو لي تعذيباً . اقرأ واقرأ . من أول يوم سجنت فيه وانا اعيد قرائتها. اراها بعين جديدة. كل خبر صار له مغزى جديد ودلالة مختلفة .
قرأت الاعلان التالي : من مسلماني وسمير الى اهلهم في منطقة النبطية. نحن بخير فاطمئنوا !!
غمرني رعب لا حدود له . انها النهاية . لا اثر للحضارة بعد اليوم حولنا . الهاتف اختراع تم بعد العصر الحجري ونحن عدنا الى العصر الحجري. ولعلي اقرأ الصحف القديمة واتمسح بكتبي كي اؤكد لنفسي انني اعيش في هذا العصر المفروض انه عصر الفضاء. ربما كان هنالك مركبة فضائية تنطلق في هذه اللحظة من الارض الى كوكب ما لاكتشافه ومع ذلك ما يزال في كوكبنا من يحيا عذابات العصر الحجري! الصحف وحدها تجعلني اصدق لدقائق انني ما زلت في عصري نفسه ولم تختل عجلة الزمن ببيروت وتعيدها فجأة آلاف السنين الى الوراء. اية مأساة ان نعيش في وطن يصبح فيه بقاؤنا على قيد الحياة خبراً يستحق الاعلان عنه ؟ لو توقفت الصحف عن الصدور-كما سيحدث اذا تابعوا تدميرها - كيف سيتصل حسن وسمير ومحمد باسرهم ؟ وكيف سيوصلون نبأ نجاتهم من الوحوش الى اهلهم في الطرف الثاني من الغابة؟ أبالدخان على طريقة الهنود الحمر ؟ بقرع الطبول؟ بالحمام الزاجل؟
اقرأ: جاءنا مايلي : علي فادي يوسف من عرمتي وهو غير علي يوسف الذي عثر عليه مذبوحاً بأيدي (....) ، اعجبتني صيغة الاعلان . اذا نجوت فسأنشر اعلاناً اقول فيه: اعلن انني انا لست غير التي وجدت مذبوحة في مراحل مختلفة من حياتها والتي توفيت عدة مرات وقامت من رمادها ، واعلن انني ما زلت على قيد الحياة وقادرة على ان اذبح مرات عديدة ايضاً في المستقبل! هاهي الشمس وقد بدأت تلملم عباءتها الذهبية وعما قريب تلقي الطبيعة رداء الليل الاسود . حان وقت زيارتي لدكان بائع الحيوانات الاليفة .
انه الليل.
ليل المتفجرات والرعب. ليل الارواح الهائمة الغاضبة ، التي صارت صرخاتها مكتوبة بلغة الحديد والنار على وجه السماء.
وانا اتسلل خارجة من بيتي . اهبط درجات السلم. الحظ بأسي انني احنى قامتي ، ليس فقط عند النوافذ بل على طول السلم. حتى حينما اتحرك داخل البيت صرت احني قامتي . صحيح ان تجربة الرصاصة (البلياردو) علمتني ان الانحفاض تحت مستوى النوافذ لا يجدي مع الاسلحة الحديثة ، لكنني رغم كل شيء صرت احني هامتي الى ما تحت مستوى النوافذ . كانني انحني لا للرصاص وانما لمنطق الرصاص. كم هو مذل ان يتحرك الانسان اياماً واياماً وقد احنى قامته كالاحدب. حتى ولو عاد السلام الى هذه المدينة ، فانه سيجدنا قد نسينا المشي منتصبين ، وصارت مشيتنا اقرب الى مشية القردة .
انه الليل . ليل الوحشية والموت المختبيء حتى تحت اظافرك . انه ليل الدمار. وانا وصلت الى الحديقة وانعطفت الى خلف المنزل.
في البداية اخافني العراء. واخافني ان اسمع صوت الرصاص في العراء للمرة الاولى ، طوال الايام السابقة كنت اسمع صوت الرصاص وانا محتمية بالجدران او بالاثاث او ملتصقة بأي شيء . اما الان وانا اقف في الحديقة تحت السماء بجسدي الهش دونما أي نوع من الدروع والمظلات واسمع مطر الرصاص ، تعتريني رجفة مخيفة .
صوت الرصاص في العراء شيء مختلف. انه الموت وقد خلع قناعه وتقدم منك . انك انت تلك النملة في مملكة الليل الشاسعة . ركضت الى اقرب شجرة -وكانت نخلة، والتصقت بجذعها . دفنت نفسي في صدرها العاري وخيل الى انني اسمع دقات قلبها ، اسمع النسغ يركض في عروقها ، اسمع الخوف يدق طبوله داخل خشبها . ازداد التصاقاً بها. نصير شجرتين مذعورتين . نصير حياتين مذعورتين . ولكنها ستظل مكانها حتى تصيبها قنبلة او لا تصيبها . انها لا تستطيع مثلي ان تطلق ساقيها للريح. احسست بشيء من العزاء لانني انثى لا شجرة ولانني استطيع ان اركض.
آه صوت الوصاص في العراء وانا وحيدة. في البداية اخافني الى ابعد مدى . كانت كل رصاصة تستقر في جسدي انا شخصياً وكل قذيفة تنسفني انا شخصياً . ثم قررت: الرصاصة التي ستصيبني لن اسمع صوتها. والقنبلة التي ستطيح بي لن ترعبني لانني ساكون ممزقة قبل ان اجد وقتاً للرعب. فلم الخوف اذاً؟ كل ما اسمعه لا يمكن ان يؤذيني مادام كل ما سيؤذيني لا يمكن ان اسمعه . امدني هذا الخاطر ببعض القوة ، لكنني على الرغم مني ظللت ارتجف كلما دوى انفجار. سرت في الظلام باتجاه الجدار الخلفي لدكان بائع الحيوانات الاليفة. كنت اعرف جيداً مكان الاشجار والنباتات في الحديقةـ لكنني تعثرت اكثر من مرة رغم ان الظلام لم يكن دامساً تماماً. رفعت رأسي الى السماء. لا قمر. هنالك فقط بقايا مصابيح الشارع التي ما زال اكثرها يضيء. اصل الى النافذة. ضيقة وعلى مستوى الارض من ناحية الحديقة، لكنها قد تكون مرتفعة جداً بالنسبة لارض المخزن. فكيف اهبط منها؟ ربما كان علي ان آتي معي بحبل. لكنني لم اتسلق حبلاً من قبل. ترى هل الامر سهل كما في الافلام؟ كل ما يحدث لي هذه الايام سبق لي ان شاهدته في الافلام واكتشفت كم الحياة المعاشة تختلف عن تلك المغامرات التي تزيف الحياة على الشاشة. قد يكون تحت النافذة كرسي اهبط عليها. او صندوق. او احد اقفاص الحيوانات. ولكن لماذا استبق الاشياء؟ فلنحل المشكلة خطوة خطوة. المهم اولاً ان افتح النافذة قبل ان افكر بكيفية الهبوط منها.
تحسستها في الظلام. شعرت انها مكسوة بالاوساخ وبطين جاف. وان بعض الحشرات او الديدان الصغيرة تركض فوقها مذعورة لوقع اصابعي. كانت النافذة مغطاة بشريط من (المنخل) داخل اطار من الخشب. ترى هل خلفه قضبان ؟ سأعود الى البيت لاحضر مقصاً واقص به (شريط المنخل) الحديدي الذي يبدو من ملمسه المتعقر ان الصدأ قد اكله . اهز الاطار بيدي فيذهلني كم هو مخلخل، ويذهلني ان النافذة كلها قد خرجت في يدي. وخلفها لم تكن هنالك اية قضبان . أي سجن هو هذا؟ ولماذا لا يحتاط صاحب الدكان خوفاً من هرب رعاياه وعصيانهم؟ ام ان السجن ليس قفصاً فحسب بل هو اولاً رعايا اذلاء، ورعاياه من الببغاوات والقطط والفئران والكلاب والحساسين والطواويس لا يستحقون عناء كبيراً لسجنهم والاتجار بهم؟
مددت رأسي داخل المخزن عبر النافذة. كان الظلام دامساً ورائحة كريهة تفوح. والصمت التام مخيماً على المكان. تسائلت : هربوا جميعاً؟ ام ماتوا جميعاً؟ ام تراهم مثل باقي اهل الحي يقبعون في الظلام في مخابئهم مذعورين صامتين حائرين، خائري القوى؟؟ بعد قليل الفت عيناي الظلمة ، ولم اعد اشم الرائحة الكريهة كثيراً. لاحظت ان سقف المخزن ليس مرتفعاً بقدر ما كنت اتصور، وانني استطيع ان ادلي بجسدي من النافذة ثم اقفز على الارض بسهولة. ولماذا السقف المرتفع ، وهل تهم صاحب الدكان الشروط المعيشية الصحية الجيدة لحيواناته ، ام ان كل ما يعنيه هو ان يبقيهم على قيد الحياة كي يتابع اتجاره بهم ؟
انه الليل
وانا قد قفزت الى داخل الدكان. قفزتي اثارت همهمات واصواتاً غريبة . اذن لم يموتوا ولم يهربوا ، ولكنهم مثل بقية اهل الحي تماماً في حالة ذعر وخوف. هم يحسون بوجود جسم غريب داخل المكان ، ويحاولون عبر قلقهم وخوفهم الغريزي تحديد كنهه. هل هو حيوان من فصيلتهم (صديق) ام من فصيلة اخرى (عدو) ؟ وما نتيجة دخوله الى سجنهم؟ لعل كل حيوان منهم يفكر في، انا ذلك الكائن (الغريب) عن السيادة ، أي عن سيادته هو عليها وهي الان بحكم (ببغائية) ما حفظته تعلن بان دخولي الى الدكان تحد للسيادة(!). ولكن ، اية سيادة هذه؟ اية سيادة لمن يسكن قفصه ، ويقضي وجوده سلعة تباع وتشتري لاصحاب النزوات ولاثرياء من أي مكان جاءوا؟ اية سيادة لمن حياته سجن بلا نهاية؟
وصحيح ان بعضها الذي يعرض في الواجهة الخارجية يعيش في ظروف نموذجية تلفت انظار الزبائن، وتجعل الحيوانات في المزارع الاخرى المجاورة تشعر بالغيرة من ترف تلك القاطنة في شروط عصرية نموذجيةـ ولكن الاكثرية الساحقة من مخلوقات بائع الحيوانات الاليفة تعيش هنا خلف جدار التنك المرتفع الذي لونه رجل الديكور ، ورسم عليه مناظر طبيعية بديعة لشاطيء ساحر تعلوه الغابات المزروعة بالارز والقمم المتوجة بالثلوج ! اية سيادة هي هذه؟! كانت الببغاوات اول من واجه دخولي بشكل عدائي. كانت اصواتها غاضبة ومتحدية في البداية، ثم صارت خافتة. انها بحكم طبيعتها الببغائية لا تملك الا ان تكرر الاسطوانة التي حفظها اياها سيدها، لكنها يضاً بحكم بؤسها وارهاقها لا تملك الا ان تصمت او على الاقل تكف عن تكرارها بحماس . ببغاء واحد ظل يصيح : مرحباً ياضيف. انا نحبك . اشتريني. ويقول بعدها على التوالي: اطلع ياغريب . وكان الببغاء يكرر العبارتين كما لو كانتا وجهين لعملة واحدة.
ووسط هذا الليل المرعب وجدت صوت الببغاوات مضحكاً .وانفجرت اضحك بصوت عال. فانا لست من (جماعة الزبائن) اصحاب الثراء ولا اجد سبباً يدعوا لاعتباري (الغريب) غير المرغوب فيه. اليس بؤسنا واحداً؟ خوفنا واحداً؟ قلقنا وحيرتنا ومخاوفنا وبالتالي مصيرنا واحداً؟
سكتت الببغاوات. لم تبق عير همهمة جماعية كبقايا صوت مظاهرة مقهورة امام هراوات رجال الشرطة. مزيج عجيب من مواء وعواء و"هسيس". اجل لم تكن العصافير تغرد او تزقزق بل كان صوتها اشبه بغمغمات محتضر. كان الصوت رهيباً مخيفاً مليئاً بالهول. بل كان كالصوت البعيد القادم من قبيلة من الجرحى والمحتضرين الذين ادمتهم الحرب وحرقت اطراف ثيابهم واهدابهم واقدامهم.
وحينما عادت الانفجارات شعرت ببعض الراحة..فصوت العذاب الحيواني اشد ايلاماً لقلبي حتى من صوت الرصاص المصهور في فوهات البنادق .
هدأ الرصاص. عادت الهمهمات . وسمعت نفسي اقول لهم بصوت عال: شعبي الكريم! (سمعت صوتي وخفت منه وخيل الي انني بدأت اصاب بمس من الجنون). ولكنني تابعت: ياشعبي الكريم. بلاغ رقم واحد. جئت احمل لكم الخلاص . وردت علي الحيوانات بارتفاع همهمتها التي كانت تحمل كثيرا من الخوف. صرخت بهم: صفقوا لي، وانفجرت ابكي. شعرت انني ممثل صغير بائس مهزوم يمثل وحيداً على مسرح بائس مهزوم مثله.
كانت عيناي قد الفتا الظلام النسبي تماماً . تذكرت انني هنا لاحضر لهم الطعام والماء ولاتفقد حالهم ، لا لاصاب بجنون العظمة وانصب نفسي اميرة على مملكة البائسين. الاسياد لا ينقصونهم ولكن ينقصهم الماء والغذاء وكل شيء أخر ما عدا الزعماء.
فوجئت بالطعام في اقفاصهم وبالماء ايضاً. لم يكن قد نقص ولا زاد. كان في الاقفاص ما فيه الكفاية ليعيشوا اياماً. ترى هل غامر صاحب الدمان وجاء لاطعامهم؟ اشك في ذلك. كانت نوعية الطعام سيئة، والماء ايضاً كان ملوثاً ، ولكنه كان موجوداً على كل حال.
ودوى انفجار. وعلى ضوء التماع الصاروخ الذي اضاء كالبرق لوهلة، شاهدت كل شيء في نظرة واحدة شاملة انطبعت في ذاكرتي كوشم من جمر والى الابد. شاهدت ان بعض الحيوانات جريح، كانها تقضي نصف وقتها في الذعر ، والنصف الاخر في الشجار فيما بينها. هذا السجن المروع البؤس يشحنها بعدوانية تحتاج الى تفريغ، والتفريغ يحدث للاسف عن طريق الاقتتال فيما بينها بدلاً من الهجوم الموحد على صاحب الدكان، سجانها. وشاهدت احد الطواويس فارشاً ذيله، وخيل الي انه يتباهى على ما تبقى من حيوانات، وان الكلاب الكبيرة (تتمرجل) على الكلاب الصغيرة ، والقط الكبير يفرض (الخوة) على القط الصغير، خيل الي انهم مشغولون بسفاسف فروقهم البيولوجية دون ان يلحظوا انهم يشتركون في شيء واحد : هو انهم جميعاً عبيد وسجناء. آه الحمقى، الا يرون حقيقة الامر؟ بلى. ربما كانوا يرون ذلك، فقد لاحظت في عيونهم جميهاً نظرة واحدة. نظرة دامعة مليئة بالذل والنكسار والذعر ولمسة من الغضب القلق.
اتجول بين مخلوقات دكان بائع الحيوانات الاليفة ـ وضوء الشارع يرتجف مع كل انفجار، والليل الحزين يسيل من اقفاص الحيوانات السجينة المكسورة النظرات. اتجول بينها مثل ملك اسطوري مجنون في قرية خرافية جميع سكانها من الجرحى والمشوهين والبؤساء ، وهو اشد الجميع بؤساً.
اعاود مخاطبتهم : ياشعبي الكريم . قررنا منحكم اثمن ما في الوجود . الحرية.
وكأن صوتي يقلقهم اكثر مما يرعبني (يرعبني ان اكون مشرفة حقاً على الجنون). وخلف كل جملة اصرخ بها ، تعلو همهماتهم الموحدة ، العواء المتعب للكلاب ، عواء اقرب الى المواء، ومواء القطط الشبيه بالانين، وصوت العصافير الذي لا يشبه الزقزقة ، بل هو اقرب الى اصوات شخير شيوخ محتضرين ، وشهقات الارانب ونعيب الفئران الاقرب الى صوت البوم منه الى صوت العصافير . وأمتلات الماً لحال تلك المخلوقات السجينة البائسة وقررت : سوف اطلق سراحها . سوف امنحها الحرية والفرح. وغداً حين ياتي صاحب الدكان الذي يعتاش من بيعها ، لن يجدها . سأحررها من البؤس الذي تحياه .
لحظات وافتح ابواب الاقفاص كلها ، لحظات واسمع خفق اجنحة العصافير وهي تطير عبر النافذة وفوق الاشجار الى البحر الذي لابد وانها تفتقده في سجنها المعدني ، وتهرب من هذه المدينة المجنونة الى الغابات ، لحظات وافتح باب سجن كلاب الصيد لتنطلق مجنونة تشم رائحة الليل النقي هاربة من جحيم الاسر ، لحظات وتخرج القطط وهي تموء كما لو كانت تزعرد ، وقد تمشي على قائمتين بدلاً من اربع لشدة الفرح، لحظات وتنطلق الفئران البيض وتتسلق الاغصان وتنام ملتفة باوراق الاشجار ، لحظات وتتحول كآبة هذا السجن الى مهرجان حين تمسه يد الحرية، ولكن بمن ابدأ او أي الاقفاص افتح اولاً؟ خشيت ان افتح قفص الكلاب قبل القطط ، فتطارد الكلاب القطط وتؤذيها . كان من الممكن ايضاً اطلاق الطيور قبل الكلاب والقطط معاً لئلا تنشأ معركة جوية ارضية بينها.
قررت ان تتم عملية (تحرير) مخلوقات بائع الحيوانات الاليفة على الوجه التالي : اطلاق سراح الطيور اولاً ثم الفئران . فالطواويس . فالقطط . فالكلاب . كان لابد من (التخطيط المرحلي) للعملية ، وقد فوجئت بذلك ، والا لخططت له طوال النهار. يدي ترتعد وانا افتح اقفاص الطيور كلها من حساسين وبلابل وببغاوات . شيء رائع ان نصنع الحرية . كان الباب صدئاً ، لكنه لم يكن محكم الاغلاق . صرير حاد صدر عن مزلاجه ، وبدا لي ان الطيور اجفلت قليلاً كانما اخافها صوته . فتحت الباب على مصراعيه ، وفوجئت بانها لم تتجه اليه لتطير هاربة صوب الحرية والليل والرياح والسماوات ودروب المجرة ، وانما سارت تلقائياً نحو المكان المعد لطعامها كما لو كانت عمياء او منومة مغناطسياً . لقد اعتادت ان يتم فتح باب السجن لمجرد لاطعامها ، ولعلها تظن انه اعيد اغلاقه . فتحت ابواب اقفاص الطيور ، وهالني ان عصفور منها لم يطر. كأنها نسيت الحرية . كأن خيوطاً لا مرئية تربطها بجدران سجنها . جلست اراقبها مذهولة . لم تعد المتفجرات ترعبني . لم تعد اصوات الرصاص تخيفني. مشهد الطيور القابعة في سجنها رغم الباب المفتوح ملأني بذهول وخوف لم اعرف لهما مثيلاً طوال حياتي . دائماً تخيلت الطائر جائعاً للحرية، يقضي لياليه وهو يضرب جدران القفص بجناحيه وبابه برأسه . دوماً تخيلت انني ما اكاد افتح الباب للعصافير حتى تنطلق فوراً طائرة نحو شمس الحرية. ولكن ، في هذا للبل الذليل الطويل، تبدت لي صورة مروعة للطبيعة (الحيوانية). تقدمت منها ، وحملت في يدي بطائر ، واحسست بجسده ينبض داخل يدي دافئاً وربما خائفاً ، بل خيل الي انني احس بضربات قلبه ، حملته وقذفت به نحو النافذة . فرد جناحيه قليلاً، قليلاً جداً بما فيه الكفاية ليكون سقوطه على الارض متوازناً واقل ايلاماً . واستوى واقفاً على قدميه وعاد فمشى باتجاه قفصه وطار بجناحين مضطربين ليستقر في داخله ، ثم مشى الى داخله واختبا بين بقية زملائه السجناء. صعقني المشهد . فانطلقت كالمجنونة افتح ابواب الاقفاص جميعاً ، واصرخ بها جميعاً . فكانت تهرب من موقع الباب وتمعن هرباً الى ابعد بقعة داخل السجن وبعضهم يحتمي ببعض . كأن الحرية غول قابع بانتظارها . كانها نسيت كل شيء عن الطبيعة والسماء والركض والتحليق والسباحة ، نسيت كل شيء عن الحرية والفرح وتحضير رزقها ومتع الصيد في دروب الفصول الاربعة ، مكتفية بنصيب يقيم اودها بينما هي مختبئة داخل اوكارها مذعورة من الرصاص راضيه بهذا السجن الخامل مسلمة امرها الى الاقدار. والى سيدها صاجب الدكان . ذكرتني بحال اهل حينا ، حيث يهدأ القتال في اوائل كل شهر، فيذهب كل واحد لقبض واتبه او نصف راتبه او ربعه كما يشاء له رب عمله ، ويعود بعدها راكضاً الى بيته ، القفص ، حاملاً ما استطاع تخزينه من طعام ، قابعاً في عاصفة الريح والنار والجموم مكتفياً من حياته باحط انواع الوجود البيولوجي.
كانت ابواب سجون دكان بائع الحيوانات الاليفة كلها مفتوحة ، ولم يهرب احد عبر النافذة . بعض القطط مد برأسه من باب السجن دون ان يُخرج جسده منها . كلب خرج وتجول قليلاً في ارض الدكان - السجن- ثم عاد الى القفص المعد له بالذات . لم يفكر حتى بالدخول الى قفص آخر على الاقل . شعرت بان المشهد يثير جنوني . فتركت الدكان وانطلقت هاربة . تسلقت النافذة ، وخرجت منها كما دخلت ، واعدت اطارها الى مكانه ، ولم احكم اقفالها بحيث تستطيع الحيوانات الخروج منها فيما لو حاولت او رغبت حقاً بذلك . في الخارج كان الليل بانتظاري ، بارداً وكئيباً ، والرصاص لا يهدأ.
ركضت الى النخلة ، ودفنت وجههي في جذعها الرطب وفاحت في انفي رائحة الارض . وبكيت طويلاً طويلاً وقد الصقت صدري بصدرها . وخيل الي انها لم تعد خشباً ، وان جذعها رق لي ، وهززت الى بجذع النحلة ، وخيل الي ان شيئاً رطباً نقياً يتساقط على ، وشعرت ببعض السلام يغمر روحي الممزقة..

Ophelia
05-05-2007, 09:42 AM
كوليت خوري


قطرة الدم



الفكرة مستوحاة من الأساطير الهندية



لان يديك ألوف الأيادي
لان جراحك شعب ينادي
أنا الثأر والكبرياء
لأنك وحدك جيش وفادي
لأني احبك حب بلادي
ركعت احيي الفداء.


في القرية الكبيرة التي تشبه مدينتي كانت تعيش الحسناء .
فتاة بايعها الناس كلهم بالحسن على الرغم من انهم لم يجمعوا قبل على مبايعة أحد.
فقد كانت الجمال في بقعة يحنون فيها إلى الجمال المفقود.
كانت الصفاء في البلاد التي يذكرون فيها صفاء ولّى.
كانت الذكاء بين أناس يقدرون الذكاء لأنهم أدمنوه .
وتوجت أميرة في القرية التي لا تعرف الإمارة . في القرية الكبيرة التي تشبه مدينتي..
تقدم لخطبتها كل من ادعى العظمة وكل من رفعه الناس خطأ إلى العظمة فصدق الخطأ.
لكن أحدا من هؤلاء لم ينل إعجابها ، وظلت عزباء تعيش في الوحدة التي يفرضها الحسن عادة على المرهفين.
واحتج الناس .
إذ لا يجوز أن تغدو الحسناء عانسا. خيرة شبان البلد تقدموا لها إلا أن تختار.
ولما كانت الفتاة ذكية ، تعرف ان على حامل التاج واجبات تجاه الذين توجوه..
ولمل كانت لم تحب أحدا من الذين تقدموا إليها ، فقد قررت أن تختار من يحمل إليها اثمن جوهرة في العالم.
وزغردت القرية للقرار . وانطلق الشبان القادرون في أرجاء الأرض ، يبحثون عن جوهرة قد تحمل إليهم السعادة .
ومرت الأيام والشهور . وعاد الباحثون من رحلاتهم بعد سنوات . وتناقلت الشائعات أن الاختيار سيقع على واحد من ثلاثة عادوا يحملون اثمن جواهر العالم.
وسبحت القرية في الأخبار والتكهنات.
في حي فقير من القرية الكبيرة التي تشبه مدينتي كان يعيش شاعر يحب الحسناء .
كان يكتب لها قصائد الغزل الرائعة ، ولطالما حمل إليها وردة أو رمى عند قدميها نجمة أو ألقى على جيدها عقدا من دمعات.
لم يكن يطمع بالزواج منها، فقد كان لا يملك من الدنيا سوى حس مرهف وقلب كبير وأحزان . كان لا يملك إلا الأمور التي تدهورت قيمتها في القرية الكبيرة التي تشبه مدينتي.
وحين سمع بعودة العرسان، وحين رأى الناس يقدمون للحسناء هدايا العرس المنتظر، ترك القرية وراح يبحث عن رمز لحبه يرميه بين يدي العروس.
ووجد نفسه ذات يوم في سهل كبير احمر، وقدر من الدم الذي صبغ الأرض ومن الجثث المتناثرة أن معركة جرت في تلك البقعة.
وفجأة سمع أنينا فاقترب من مصدر الصوت ليرى شابا غارقا في دمائه وما يزال قابضا على سيفه.
وظن الشاب الشاعر من الأعداء فهم بالنهوض متحديا نزيف جراحه البالغة، لكن الشاعر سارع يخبره بأنه غريب يجول في العالم ويبحث في الأجواء عن أنشودة.
واطمأن الشاب فراح يشرح بصوت متقطع:
-هذه الأرض ارضي .. اغتصبها الأعداء .. قتلت كل هؤلاء .. سنسترد الأرض..
وحاول الشاعر إسعاف الجريح لكن الأخير حشرج :
-دع دمي يتدفق .. دعه يروي هذه الأرض فهي عطشى.. وحين سأله الشاعر من يكون، ابتسم الشاب في تعب وغمغم وهو يلفظ آخر أنفاسه: اسمي .. فدائيّ.
وأغمى عليه فبدا وكأنه قد مات.

وأحسّ الشاعر فجأة بالوطن يتجسد في شخصه، فمدّ ذراعيه ليحضن إلى صدره أغلى أبنائه.
ونسي في تلك اللحظة كل شيء . نسي الحسناء والعالم والدنيا ولم يتذكر إلا انه يضم بين ذراعيه أسمى معاني التضحية، فأحنى رأسه متأثرا خاشعا.
لكن الفدائي انتفض، وفتح عينيه، ونطق:
-ليعش وطني أبدا ولنا النصر...
ومع هذه العبارة لفظ آخر قطرة من دمه.
فمد الشاعر يده بسرعة ليلتقط قطرة الدم، ثم ضم الشهيد إلى صدره مودعا باكيا.
في القرية الكبيرة التي تشبه مدينتي، كانت الحسناء جالسة في الساحة، وكان العرسان يختالون متحلين بغرورهم، متبججين بهداياهم ، جاعلين من زواجهم مشكلة القرية الوحيدة.
وكان الأهالي يصفقون للأبطال الذين لم ينتصروا.
وأطلّ الشاعر على الجميع حزينا شاردا، ولم تلتفت إليه القرية الكبيرة التي تشبه مدينتي.
لكن الحسناء سألته عما به، فاقترب منها وراح يروي عليها ما جرى.
وحين أنهى قصته فتح يده ليقدم لها قطرة الدم، فمدت يدها متلهفة وهتفت والدمع في عينيها:
- هو ذا الذي اختار.. لأنه قد حمل إلي اثمن جوهرة في العالم




التهمة


قالت في ثقة:
سيزرون لإنسان الغد عينين إضافيتين.
ضحك :
-لماذا ؟ ألا تكفي عينان ؟
أجابت في هدوء:
-العينان اللتان نملك هما للبكاء .. يلزمنا يا صديقي عينان لنرى!
التهمة
الاول : انت متهمة .
الفتاة : بماذا ؟
الثاني : الاسئلة ممنوعة.
الثالث : تحدثي..
الفتاة : عمّ ؟
الثاني قلنا الأسئلة ممنوعة.
الثالث : تحدثي.
الفتاة : .....
الاول : هيا تحدثي.
الفتاة : ...
الثالث : تريدين ان تلزمي الصمت؟
الفتاة : لا.....
الثاني : كلمة " لا" ممنوعة.
الاول : انت متهمة.
الفتاة : ولكن ...
الثاني : الاعتراض ممنوع.
الثالث : تحدثي .
الفتاة : عم تريدون أن أتحدث ؟
الثاني : قلنا الأسئلة ممنوعة.
الفتاة : ......
الثالث : حسنا . الزمي الصمت.
الفتاة : بل سأتحدث.
الثالث : اصمتي.
الفتاة : لكني سأتحدث.
الأول : وقحة
الثاني : لا تتحدثي إلا إذا طلبنا إليك ذلك... فانت متهمة.
الفتاة : اعرف.
الثلاثة : تعرفين ؟
الفتاة : نعم.
الاول : انت تتحدين
الفتاة : انا اعترف.
الثالث : اعترفي من اخبرك
الفتاة : اخبرني فقط باني متهمة ولم يخبرني بالسبب
الاول : من ؟
الفتاة : رجل كان يسير في الشارع
الثالث : ما شكله ؟
الفتاة : اصلع عمره تسعون. وله شاربان بنيان طويلان طويلان كان يكنس بهما الارض.
الاول: كذب
الثالث : كذب
الثاني : الارض ظلت وسخة
الثالث : كيف ظلت وسخة ؟
الفتاة : كان شاربا الرجل مدهونين بالوحل .
الاول : لماذا ؟
الفتاة : يخاف من الشيب .
الثالث: وهل كان عابسا
الفتاة : كان يضحك ويقهقه وكان يحمل بيديه طفلا ميتا.
الاول : من قتل الطفل؟
الثالث : اعترفي ..
الفتاة : اخبرني الرجل بأنه هو القاتل.
الثالث: لماذا ؟
الفتاة : لان الطفل كان يتفرج على رجل يضاجع امرأة على الدرج
الأول : أي درج ؟
الفتاة : درج الخيمة
الثاني : الخيمة ليس لها أدراج.
الفتاة : بنى الأمير لخيمته أدراجا
الأول : الأمير مات
الثاني :الخيمة طارت
الفتاة : الأدراج بقيت.
الثالث : اصمتي
الاول : وقحة .
الثالث : ستنالين جزاءك
الفتاة : الأن الادراج بقيت ؟
الاول : ستنالين جزاءك
الفتاة : والرجل القاتل ؟
الثاني : الاسئلة ممنوعة.
الفتاة : الرجل كان يضحك
الاول : انت تنسين انك متهمة
الفتاة : كنت اظن الضحك ايضا تهمة
الثالث : اصمتي
الثاني : لاتتكلمي الا اذا سألناك
الاول : انت متهمة بان لك عينين
الفتاة : .....
الأول : إذن أنت تقرين ؟
الفتاة : لم تسألوني كي أجيب
الأول : لئيمة
الفتاة : اخبرني الرجل بذلك
الثالث : بأنك لئيمة
الفتاة : بل بان لي عينين
الأول : ماذا قال لك ؟
الفتاة : قال انك ترين رغم الدخان
الأول : أي دخان ؟
الفتاة : كان الدخان يتصاعد .. يغطي السماء
الثالث : من اين جاء الدخان ؟
الفتاة : احرق الرجل الطفل فامتد الحريق والتهم العشب الاخضر وشفاه النساء وعيون الرجال .
الاول : وبعد ؟
الفتاة: جفت المياه وتبخرت..
الثالث : ثم ماذا ؟
الفتاةك تصاعد الدخان ثم حجب السماء
الاول : ولماذا ؟
الفتاة : لاادري
الثاني : هذا التعبير ممنوع
الثالث : اعترفي
الفتاة : كي تكف عيوننا عن التعلق بالفضاء كي تبحث عن مكان لها على الارض ترتضي به
الاول: وهل وجدت العيون مكانا على الارض؟
الفتاة : لا
الثاني : كلمة "لا " ممنوعة
الفتاة : كل الأمكنة على الأرض مشغولة
الثالث : مشغولة ؟
الفتاة : ملأها رجال يضاجعون نساء .. ونساء يحرقن أطفالا
الأول : وأنت ؟
الثالث : ألم تقتلي طفلا ؟
الفتاة لم أجد طفلا !
الأول : ألم تضاجعي رجلا ؟
الفتاة : لم أجد رجلا
الثالث : كيف؟
الفتاة : الرجال الحقيقيون احرقوا وهم أطفال
الأول : أنت مغرورة
الفتاة : الدخان
الثاني لم نسألك عن الدخان
الفتاة : الدخان يمحي الغرور
الثالث: أنت مندفعة
الفتاة : الدخان يطفئ الحماسة
الأول : أنت ترين
الفتاة : الدخان يوجع العينين
الأول: لكنك رأيت كل شيء
الفتاة : رأيت كل شيء
الثالث : بالتفصيل اذكري ما رأيت
الثاني : كل ما رأيت
الأول: ماذا رأيت وأين كنت؟
الفتاة : كنت أسير في الشارع
الثاني : تابعي
الفتاة : رأيت جماعة تضحك وتبني من ضحكها قبرا
الثاني : تابعي
الفتاة: رأيت جماعة أخرى عابسة تشيد من عبوسها مرقصا
الثالث: وبعد ؟
الفتاة : رأيت صبية جميلة ترقص أمام جثة عفنة
الأول: ثم ؟
الفتاة : رايتهم يمسكون بالراقصة، يدخلونها إلى القبر ثم يحملون الجثة إلى المرقص
الأول : وبعد ؟
الثالث : وبعد ؟
الفتاة : الجنس
الثاني : لا دخل للجنس هنا.
الفتاة : الجنس طغى على كل المناظر
الأول : كيف؟
الفتاة : رأيت الناس يتجمعون حول القبر وحول المرقص .. رأيت الشهوة تنبثق من الموت، تتصاعد إلى الأذرع إلى الوجوه إلى الأهداب .. رأيت الجنس يتفجر من المرقص ومن القبر ، فيشل كل تفكير .. رأيت جميع الناس يتضاجعون على عرض الطريق وفوق القبر والمرقص.
الثالث : وبعد؟
الفتاة : احرق الرجل الطفل فتصاعد الدخان
الثاني : تابعي
الفتاة : انتشر الدخان وحجب كل شيء
الأول : لكنك رأيت كل شيء رغم الدخان
الثالث : اعترفي
الفتاة : رأيت كل شيء رغم الدخان
الأول: حكمنا عليك إذن
الثالث : حكمنا عليك بتهمة انك ترين
الفتاة : ولكن ...
الثاني : الاعتراض ممنوع
الثالث : حكمنا بان نقلع عيناك
الفتاة : تأخرتم . لم يعد لي عينان
الأول: كيف ؟
الفتاة : فقدت عيني منذ زمن
الثالث : كيف فقدت عينيك ؟
الفتاة : قال الرجل في الشارع أنني المرأة الوحيدة التي يريد أن يضاجع.
الأول : لماذا ؟
الفتاة : قال أنني أثيره لأنني أرى . لان لي عينين.
الثالث : وبعد ؟
الفتاة : الرجل قميء
الأول : وهل قبلت طلبه ؟
الفتاة : بل قلعت عينيّ .
الثالث : إذن ...
الفتاة : عيناي زجاجيتان
الأول : في هذه الحال
الثاني : في هذه الحال
الثالث : حكمنا عليك أيضا
الأول : حكمنا بان تزرع لك عينان
الفتاة : لا .. لا
الثاني : كلمة " لا" ممنوعة
الفتاة : لا..لا
حكمنا عليك بأن تري
الفتاة : لا..لا.. أرجوكم
الثلاثة : حكمنا عليك بأن تري
الفتاة : ويلي .. ويلي.. ويلي

Ophelia
05-05-2007, 09:46 AM
ألفة الأدلبي


المتبوعة


كانت الشمس لم تشرق بعد عندما صحا أبو الحسنين من نومه على نشيج زوجه المكبوت، فانقبضت نفسه وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله.‏
ثم قام عن سريره وجلس على حافة سريرها وراح يهدهدها بحنان.‏
قال وهي تبتلع دموعها:‏
ـ حلمت أنني أرضعه، فلما صحوت وجدت ثديي يدران لبناً وما وجدته...‏
وراحت تنشج بصوت عال.‏
تصنع أبو الحسنين الجلد، وراح يغالب الدمع وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.‏
ثم قام ووقف أمام النافذة ونظر إلى السماء الموشاة بشفق أحمر أصفر، وأشار إليها بيديه، وقال بنزق:‏
ـ سبحانك... لم ترزقنا الأولاد ثم تستردهم صغاراً...‏
ويصمت قليلاً وهو يكظم غيظه، ويروج يستغفر ويخزي الشيطان، ويتلو آيات من القرآن، فقد كان الرجل تقياً لا ينبغي له أن يعترض على حكم الله.‏
وتهدأ سورته قليلاً فيقول لزوجته برفق وحنان:‏
ـ اعقلي يا امرأة، واصبري على حكم ربك. هذه مشيئته ولا راد لمشيئته... لقد مضى أربعون يوماً على موته ولم ينقطع دمعك، وماذا يجديك البكاء والحزن إلا الهزال والمرض... تعالي نقرأ شيئاً من القرآن عسى الله ينزل على قلبينا السكينة والصبر.‏
سحبها من يدها فانصاعت إليه دون أن تعترض.‏
قالت أخت أبي الحسنين التي جاءت تزور أخاها في صباح ذلك اليوم الكئيب نفسه: كم أود أن أشرب فنجان قهوة من يد امرأة أخي، فما أحب مثل قوتها.‏
قامت أم الحسنين ممتعضة لتغلي القهوة، فقد أدركت فوراً أن بنت حميها تريد أن تختلي بزوجها لتسر إليه شيئاً أثناء غيابها.‏
غلت القهوة على عجل، ثم صبتها في ثلاثة فناجين وضعتها في صينية، ثم سارت على مهل وحذر كي لا يسمع صوت خطواتها، ووقفت خلف الباب تسترق السمع قبل أن تدخل. سمعت صوت أخت زوجها تقول:‏
ـ أؤكد لك يا أخي أن زوجتك امرأة متبوعة، لا يجوز أن تظل في عصمتك، مالك تنظر إليَّ هكذا؟.. ألا تفهم ما أقول لك؟...‏
بدت الدهشة في صوت أبي الحسنين وهو يسأل أخته:‏
ـ وما معنى امرأة متبوعة.. كفانا الله الشر...‏
ـ لا تتغابى... رجل مثلك لا يعرف ما معنى امرأة متبوعة؟؟...‏
ـ أنا والله لا أعرف...‏
ـ أنا إذن أعرفك... امرأة متبوعة يعني أن لها تابعة من الجن تقضي على أولادها قبل أن يكبروا.‏
ـ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ووقنا الله شر التابعة والمتبوعة.‏
ـ عدت تتغابى... ألم يخطف لك الموت ثلاثة أولاد دون سبب، كل ولد مثل فرحة القلب، وأنت صابر على بلواك لا تفعل شيئاً؟ طلقها يا أخي سأخطب لك امرأة أحلى منها. حرام أن تظل في عصمتك هذه المرأة المتبوعة تخلف لك الأولاد ليموتوا، ويتركوا في قلبك حرقة لا تنطفئ؟؟؟‏
قال أبو الحسنين وفي صوته شيء من الهلع ممزوج بسخرية:‏
ـ ولماذا امرأتي لها تابعة من الجن من دون غيرها من النساء؟؟..‏
ـ لأن بعض الجن تغار من الإنس.‏
ـ تقصدين أن زوجتي جميلة إلى حد تغار منها الجنيات؟...‏
ـ ربما لأنها محظوظة أكثر مما ينبغي لامرأة مثلها.‏
ـ يا لطيف من كيدكن يا نساء... استغفري ربك يا شيخة، كل شيء بأمر الله. وإن يكن حقاً ما تقولين فسأتحمل هذا المقدر من زوجتي، ولن أهجرها، ولن أتخلى عنها أبداً، فما شأنك أنت بنا؟...‏
اضطربت أم الحسنين فرحاً حين أيقنت أن زوجها يحبها، ولن يتخلى عنها، ولم يستمع لوسوسة أخته، فوقعت من يدها صينية القهوة وأحدثت ضجة.‏
خرج أبو الحسنين وأخته من المخدع ليريا ما حدث فإذا الفناجين المكسورة، والقهوة المسفوحة على الأرض، فراح أبو الحسنين يربت كتف زوجته ويقول لها وكأنه يندد بأخته:‏
ـ لا تبالي انكسر الشر إن شاء الله.‏
ولما همت أخته بالذهاب لم يطلب منها البقاء، فخرجت من عنده بائسة، وما كادت تغلق الباب خلفها حتى انفجرت أم الحسنين باكية وهي تقول لزوجها:‏
ـ أختك هذه اخترعت قصة التابعة لأنها تغار مني وتريدك أن تطلقني. يا ويلها من ربها... إني أعرف بنات الاحماء لا يحببن الكنة ذات البخت الأبيض.‏
ضحك أبو الحسنين وقال:‏
ـ الحمد لله... اعترفت أخيراً أن بختك مني أبيض، وهذا ليس بقليل.‏
قالت وهي تنظر إليه بحنان من خلال دموعها:‏
ـ ربنا لا يحرمني منك.‏
فراح الرجل يطريها ويداريها حتى مسحت دموعها وابتسمت له فاطمأن قلبه وغادر بيته إلى مقر عمله.‏
ما كاد يفرغ أبو الحسنين إلى نفسه حتى راحت تنتابه هواجس ووساوس فإذا هو ساهم يفكر بقصة التابعة فيخزي الشيطان ويحاول أن يطردها من ذهنه فلا يقوى على ذلك، يتناساها قليلاً ولكنها تعود بعدئذ أشد إلحاحاً من ذي قبل. ولما عاد إلى بيته كانت غلالة من كآبة تغلف وجهه الطلق المشرق، فلاحظت زوجه ذلك، وأدركت ما يدور في ذهنه فلم تجرؤ أن تسأله عما يهمه.‏
ولما أوى أبو الحسنين إلى فراشه جافاه النوم، وعاودته الهواجس والوساوس ولما غفا بعد جهد رأى في نومه جنية ذات وجه قبيح وشعر منفوش وأنياب بارزة تطل عليه من النافذة وتقهقه ضاحكة بصوت مؤذ ثم تختفي.‏
كان الحلم واضحاً كأنه يراه في تمام يقظته، فهب مذعوراً، وراح يتعوذ بالله من الشيطان. ولما نظر صوت زوجته وجدها هادئة في سريرها دون حراك فلم يدر أنائمة هي أم متناومة؟.‏
لم يشأ أن يوقظها، ظل صامتاً في سريره يسبح ويتلو أوراداً حتى اغتالته سنة من النوم. ولما استيقظ لم يكن نهاره خيراً من ليله.‏
وتمضي الأيام وتزداد مخاوف أبي الحسنين وهواجسه، والجنية تظهر له في الأحلام ويتخيلها في الظلام، وكان أكثر ما يغيظه منها قهقهتها الشامتة ذات الصوت المؤذي.‏
كان هذا كله يضفي على الرجل كآبة سوداء تسربت منه إلى زوجته، فعاش الزوجان في جو رهيب من الخوف، لا يجرؤ أحدهما أن يسأل الآخر، ويؤثر أن يتحاشاه.‏
ذات صباح نظر أبو الحسنين إلى زوجته نظرة فاحصة وقال لها:‏
ـ أذكر أنك قلت يوم كانت أختي عندنا أنك ربما كنت حاملاً فهل تأكدت من أمرك.‏
قالت المرأة بصوت خفيض:‏
ـ نعم تأكدت، وأنا الآن في شهري الثالث.‏
ـولم تكتمين عني ذلك؟‏
تنهدت المرأة بعمق وانصرفت من أمام زوجها دون أن تجيب.‏
فكر أبو الحسنين طويلاً ثم غادر بيته ولم يعد إلا في منتصف الليل على غير عادته.‏
ومنذ ذلك الحين راح يطول غيابه عن بيته في الليل والنهار، وتشعر الزوجة أنه يدبر أمراً يخفيه عنها فراحت تتسقط أخباره حتى بلغها عنه ما يريبها، فصممت على مفاتحته بالأمر بعد أن أعدت نفسها لأسوأ المفاجآت. قالت له ذات صباح:‏
ـ لماذا تخفي عني أمر هذا الرجل الغريب الذي تصادقه منذ زمن بعيد دون أن تأخذ رأيي.‏
ـ آخذ رأيك؟؟... وما شأنك أنت وأصدقائي؟ أصادق من أشاء ومتى أشاء.‏
ـ بلغني أنه ساحر.‏
ـ هو ذلك، ومن أجل ذلك صادقته.‏
ـ وما تجديك صداقته؟‏
ـ أتتغابين؟ صادقته ليعلمني السحر فأطرد تابعتك الجنية التي تهددنا ليل نهار.‏
شهقت المرأة وضربت بيدها على صدرها وقالت:‏
ـ إذن أنت مؤمن أنني امرأة متبوعة كما قالت لك أختك؟‏
ـ هذا واقع لا مفر منه، وأنا مؤمن به منذ زمن بعيد، إن شئت الحق من قبل أن تذكره لي أختي.‏
ـ لماذا إذن كنت تتعامى عنه؟ لماذا كنت تقنع نفسك بعدم وجوده حتى اغتالت لنا الجنية ثلاثة أولاد؟؟..‏
قال بصوت خفيض وهو يتحاشى النظر إليها:‏
ـ كان هذا قدراً من الله.‏
أجابته منددة قد علا صوتها على صوته:‏
ـ كيف تقول قدر من الله وتظل مكتوف اليدين؟؟‏
صرخ بها:‏
ـ أتحاسبينني على الماضي؟‏
ـ الماضي هو الذي أدى بنا إلى هذا الحاضر المخيف.‏
ـ أنا أعرف كيف أتلافى الأمر فلا تخشي شيئاً.‏
ضحكت مستهزئة وقالت:‏
ـ أنت الذي تخشى... أما أنا فما دمت امرأة ولوداً فلا أخشى شيئاً، لابد من أن ألد الولد الذي سينتصر على التابعة الجنية دون معونة أحد.‏
ـ يا له من منطق...‏
ـ منطق، أو لا منطق، أريد الآن أن أعرف ماذا يدور بينك وبين صديقك الساحر هذا.‏
ـ أنصحك بأن لا تتدخلي فيما لا يعنيك.‏
فحملقت به مدهوشة ثم قالت:‏
ـ ماذا تقول؟؟ أتدخل فيما لا يعنيني.. ألست أنا المتبوعة. ألست أم الأولاد المقتولين؟ من حقي إذن أن أعرف ما يدور بينك وبين هذا الساحر بشأني وبشأن أولادي.‏
ـ أنا وحدي صاحب السلطة في هذا البيت، أفعل ما أريد، ومتى أريد.. أفهمت؟؟..‏
ـ ما الذي غيَّرك يا رجل؟ كنت زوجاً تقياً حنوناً، ولو كنت أعرف أن مصيري معك سينتهي إلى ما انتهى إليه الآن لما تزوجتك.‏
ـ أما الآن وقد تزوجتيني فلا مفر لك مني.‏
ـ هذا غبن لا أرضى به.‏
ـ هيه... سترضين مرغمة، شئت أم أبيت.‏
ـ كيف... أتريد أن...‏
قاطعها قائلاً:‏
ـ يا لثرثرة النساء! أقول لك اصمتي يا امرأة. أوجعت رأسي.‏
ـ وإن لم أصمت، فماذا أنت فاعل؟‏
ـ إن لم تصمتي سأعرف كيف أخرسك... سأسلط عليك السحر الذي تعلمته من صديقي الساحر.‏
ـ أمجنون أنت؟ أتعلمت السحر لتسلطه عليَّ وتخرسني، أم لتطرد التابعة الجنية التي تغتال أولادك؟؟‏
ـ سأسلطه على كل من يخالفني. أنا صاحب السلطة في هذا البيت، أفعل ما يروق لي، وكفى.‏
بدا الهلع في عيني المرأة، لأنها وجدت الجد والتصميم في لهجة الرجل، فسكتت على مضض وهي تحدق إليه ذاهلة، فاغرة فمها كأنها صدمت، أما هو فلم يأبه لها، بل غادر البيت كعادته في أي وقت يشاء دون أن تعرف قصده.‏
صبرت المرأة على بلواها، فلم يعد أمامها إلا الصبر. وتظل تراقب زوجها دون أن تعرف عن دخائله شيئاً إلا بالظن والتخمين.‏
ويعود ذات يوم والإعياء باد عليه، فيقعد في الحديقة، ويسند ظهره إلى جذع شجرة ويتناول من الأرض عوداً ينبش به تراب الأرض مفكراً مهموماً.‏
وتجيء المرأة بعد تردد، وتجلس إلى جانبه، وتصمت برهة ثم تسأله برفق:‏
ـ ألا تشركني يا رجل في همومك؟ ألسنا زوجين لنا مصير واحد شئنا أم أبينا؟‏
فقال لها:‏
ـ أعترف لك أنني لا أعرف كيف أدبر أمري مع هذا الساحر الذي وثقت به، لقد بدأ يحاور ويداور.‏
ـ كيف؟؟ ألم يعدك أنه سيعطيك من السحر ما يكفي بقتل التابعة التي تهددنا؟‏
ـ بلى لقد وعد... ولكنه لم يفعل، ولا أخاله سيفعل...‏
شهقت المرأة وقالت:‏
ـ ما حجته في ذلك ما دمت تدفع له ما يطلب مهما تمادى في الطلب؟‏
ـ يدعي ألا قدرة له عليها، كلما أمدني بسحر أمدها أصدقاؤها السحرة بأدهى منه وأمر.‏
ـ لا تصدق ما يقوله... ربما تربطه بها أواصر مودة قديمة... لم لا تتعلم أنت صنع السحر وتطردها أنت بنفسك؟‏
ـ إن ما علمني من فنون السحر لا يكفي لطردها، وإنما يكفي فقط لصدها عن غزونا في عقر دارنا، وخطف أطفالنا.‏
فهزته من كتفه بعنف وقالت:‏
ـ كيف لم تدرك ذلك قبل أن تتورط معه؟‏
ـ هذا الذي حصل...‏
ـ أكاد أجن منك يا رجل، مرة تتعامى وتهرب من الواقع، مرة تقول قدر من الله، مرة تقول هذا الذي حصل، ماذا تنتظر الآن؟ قل لي... لقد غزتنا الجنية ثلاث مرات وقتلت لنا ثلاثة أولاد... أنظل هكذا طوال عمرنا في هلع وخوف؟ ندفع لساحرك تكاليف السحر حتى نكاد نجوع ونعرى، وتظل الجنية تحوم حولنا فلا نستطيع طردها، أو رد أذاها؟ قل لي بربك ما الفرق بين أن تقتل الجنية أولادنا، وبين أن يموتوا جوعاً وهلعاً. كلتاهما ميتة...‏
فنكس رأسه دون أن ينبس بكلمة وعاد ينبش الأرض بعوده اليابس وقد علت وجهه مسحة حزن عميق.‏
وتصمت المرأة عندما تشعر أن شيئاً يغلي في حلقها يمنعها عن الكلام ويكاد يمنعها عن التنفس... ثم تند منها صرخة ألم، فيرفع الرجل رأسه وينظر إليها فإذا أسارير وجهها منكمشة كمن يعاني ألماً شديداً فسألها ما بها، فتشير إلى بطنها المنفوخة وتقول:‏
ـ هذا الجنين... إنه لا يشبه غيره من الأجنة التي حبلت بها، كلما تحرك أشعر كأنه سيفزر بطني ويخرج قبل أوانه.‏
فتبرق عينا الرجل لحظة وهو يمد بصره إلى بعيد، ويتناول من الأرض عوداً لينبش به التراب، فإذا هو عود أخضر..

Ophelia
05-05-2007, 09:58 AM
ياسمينة صالح




سامحونا


نحن الذين سكتنا دهرا ً ونطقنا كفرا ..
نحن الذين عبرنا الكلمات كي لا نقول شيئا..
كي لا نقف في الصفوف الأمامية خوفا ً من موتٍ يرافق خطانا..
سامحونا ..
اليوم نستيقظ على دمكم الغزير، في غزة و بيت حانون، و الناصرة و جينين .. نستيقظ على وجهكم الذي نعرفه جيدا ً
نعرف كم خناه في مسيرتنا الطويلة نحو الوهم الذي أسميناه سلاما ً، لنغض أبصارنا عندما تقصف الصواريخ قباب أحلامنا، وعندما يصنع الحكام منا ناقة صالح على هذه الأرض التعيسة..سامحونا!
أيها الطالعون من الصمت ..
الصارخون بالشهادة ..الغاضبون.. الثائرون.. الصابرون/ الصابرون
كيف استطعتم زلزلة تاريخنا المكتظ بالغموض وبالصواعق ؟
كيف استبدلتم فراغاتنا باليقين؟
كيف استطعتم استدراجنا إلى هذا المدى المفتوح على دمكم
لنعرف حدود خياناتنا الطويلة، وما اقترفناه في حقكم من الذنوب، ومن الآثام ؟
سامحونا!
الآن بإمكاننا الإعلان للقبيلة والعشيرة أن الجبناء و القتلة يحكموننا باسم السلام المبجل، وأننا لن ننتمي إلى هذه الأرض كما ينتمون إليها
لأن الدم وصل إلى الركبتين
ولأن المدن التي لا تناهضكم هي التي وقفت ضدكم مرتين
مرة لأجل دمكم ومرة لأجل تاريخيكم
سامحونا!
لن يكفي الدهر كله ليغسل خطايانا
لينسى الحاضر شكلنا البائس/ صمتنا البائس/ وجودنا البائس
لن تكفينا اللغة لنعتذر لكم واحدا ً واحدا ً يا أحبابنا الموتى/الأحياء
لندفنكم كما يليق دفن الشهداء
فسامحونا!
سامحونا لنموت أقل فجيعة
لتــعبركم أحلامنا البريئة التي صدقت طوق الحمامة والنجاة واستسلمت لغيلان الحضارة والتجارة و الدعارة!
سترقص نانسي عجرم في دبي لترفع من معنويات الشعوب الصامتة و الميتة. ستغني نجوى كرم عن الأسمر الذي "أخطأته" القذيفة و ظل يحبها نكاية في الحرب السادسة التي كادت ترمي إسرائيل في البحر، و كادت تقتل الزعماء العرب بالجلطة!
.سامحونا
هـــا عجزنا عن العودة إلى النقطة الصفر عندما اكتشفنا أننا كنا الصفر المكرر في معادلة أنتم أبطالها
يا جيل الصبر الطويل و الليل الطويل.. و الحزن الطويل..
سامحونا .. سامحونا .. سامحونا




نخسر لأننا نحب!!!



يمكنني إعلامك بملء الفم أنني نجحت. لم أفشل حين توقعت مني ذلك. ولم أسد ثغراتك المفتوحة للحزن والضجر والكلام. لكني نجحت. نجحت حين خسرتك. ألا يستحق ذلك احتفاء جديرا بنا يا عزيزي؟ قل أي شيء يخرجك من ركام الوقت الضائع بيني وبينك، ومن ثقوب الكلام الذي لم يعد يجدي في شيء. خسرتني حين قررت أن تفوز بي، وخسرتك حين فكرت أنني قادرة على تعويضك في نفسك، وحين فكرت أنني قابلة للفرح على حدود هذا الهباء الشاسع، والكارثة اليومية. تصور كيف ستكون حياتنا لو لم أخسرك ولو فزت بي؟ كنا سنجلس كل مساء قبالة التلفاز نعد القتلى في العراق، ونتحسس كيس الذرة أمامنا لنتسلى به ببلاهة يومية. ستسألني على مضض: هل ثمة فيلم جميل للسهرة؟ وسأرد عليك بضجر: سنشاهد "الاتجاه المعاكس" في قناة الجزيرة. وسنقضي العمر نلم أشلاء غيرنا في التلفاز وندفنها في الرؤى. ربما تظن أن الحياة ستكون مختلفة عن هذا الوصف التراجيدي الذي ذكرته الآن، كأن نعيش بعيدا عن ذاكرة المكان والتفاصيل المزمنة التي كان أجدادنا يتشبثون بها عن رغبة أو عن إجبار، وعن خسارات لم يكونوا يعترفون بها ليخلفوها لنا في تراكمات الراهن المحبط.

***

ها أنت تعود من الشغل متعبا ومتذمرا من رئيسك الذي سحب الترقية عنك وأعطاها لشخص أقل كفاءة منك. ستتذمر طوال السهرة من الكلام الذي سيبدو لك غبيا ومثيرا للأعصاب. وستغير في المحطات التي لن تهديك أكثر من جثث العراقيين ودم الفلسطينيين على نخب قنوات آر تي وروتانا، التي سترقص طوال العمر على أحزاننا الفقيرة وعلى وجهنا البائس والجاهز لتهمة الإرهاب والتشدد والتطرف. أليس هذا ما قاله لك مديرك حين غضبت من قرار منعك من الترقية؟ قال: إنه يشم فيك رائحة التطرف. قلتها لي وأنا أتلمس كيس الذرة لأتسلى بها في سهرة الكلام اليومي. قلتها لي وأنت تنتظر تعليقا، وحين لم أعلق، غضبت، وفضلت السكوت إلى أن ذهبنا للنوم خاليين من الفرح. وقد تكون هذه صورة غير متلائمة مع فكرتك أيضا، فأنت تريد أن تفوز بي من حيث خسرت فيه العالم، وأنا... ماذا أنا؟

***

فكرت في الخطاب الذي ألقاه الرئيس في نشرة الثامنة. قال مستعينا بنبرته الشعبية "التاريخية": إن أمريكا لن تنجح في استعبادنا وإن محاولة الغرب الدخول من جهة النساء مفاده أن النساء ضلع أعوج. ووجدتني أبتسم بيني وبين نفسي. لعلها الحقيقة. ليس في اعوجاج الضلع النسوي، بل في أن الرئيس متطرف أيضا، ولو كان للرئيس ابن لترك البلاد له بقانون دستوري يصوت عليه الأموات أيضا. ألم نسمع بتصويت الموتى؟ حدث ذلك. فقد سمعت مرة أن أحد المواطنين احتج مستغربا كيف يدرج اسم والده في قائمة الناخبين؟ والده الذي مات منذ عشرة أعوام. فقال له أحد موظفي البلدية بسخرية: "وين المشكلة؟ أليس للميت حق في هذا الوطن حتى بعد موته!" أنت من حكى لي هذه "النكتة" الواقعية، يومها لم أجد سببا أضحك لأجله، فقد ضحكت أنت مستغربا هذه البلاد التي ينتخب فيها الموتى لأجل سحب الحياة من الأحياء. وليكن، أليست هذه خساراتنا الجماعية؟ فأن تخسر وطنا فقد خسرت كل شيء كما يقول" جون جوكتو"، ومع ذلك، مثلك أتشبث بشيء يبدو لي أحيانا حتميا ومدهشا، وأحيانا أخرى يبدو لي كقشة مناسبة للخروج من المأزق الجماعي. تصور الحياة في هذا البورتيريه الكئيب.

***

فكرت أن أسمع منك كلمة لا أتوقعها. كأن تقول لي: هل خف صداعك قليلا؟ هل نخرج لنتمشى في طريق كنا نعرفه، ولم يعد يعرفنا؟ كنت سأرفع عيني إليك دون أن أخفي دهشتي، أو ربما كنت سأضحك لأول مرة منذ ألف عام. مدهش أننا لم نضحك منذ زمن بعيد يا عزيزي. حتى أمام النكات تنتابنا رغبة في البكاء فجأة. لم نعد نضحك على الأشياء التي كانت قبل الآن تبدو لنا مسلية، وأحيانا ممتعة، وقد أضحكت غيرنا أيضا. قبلا كنت أضحك حين أشاهد تشارلي شابلن. كنت أضحك حين أنظر إلى وجه نجيب الريحاني، وإلى ملامح عادل إمام. كنت أضحك بعفوية أصاب بالدهشة حين أتذكرها، ها نحن فقدنا الضحك. صرنا نعي جغرافيتنا الجاهزة للتغيير. كنا أمة منهارة قبل اليوم، نقتات من فتات البترول، ونجلس على أرصفة الفقر الشعبي الذي يسميه الساسة "شرف الوقوف" ليضحكوا به علينا، لنبقى واقفين وعراة وجياعا ومعزولين ومهمشين، وليظلوا جالسين مكانهم متباهين بكروشهم المنتفخة قبالة الأسئلة الساذجة في استثنائياتنا كمن يجلس على أرض زلزالية تبعث الطمأنينة إلى النفس.

***

وها أنت تعود اليوم مكتئبا وصامتا أيضا. متأبطا جرائدك اليومية الغارقة في الفظاعة. بكلمات مقتضبة تنهي الحوار بيننا. أجلس وحيدة لأتأمل التلفاز. يشد انتباهي خبر عاجل في قناة الجزيرة. قصف إسرائيلي على مدن غزة. عوائل بأسرها تحت الأنقاض. أغير القناة بسرعة إلى محطة أخرى تبث صور ما خلفته سيارة ملغمة انفجرت في سوق شعبي ببغداد. أغير القناة من جديد. أتخيل وجهك الكئيب الذي تعودت عليه. ستخرج من غرفتك بعد قليل كطفل مجروح لتجلس إلى جانبي. وككل مرة أحترم فيها حزنك أنتظر أن تكلمني: عن مديرك الذي يطاردك باستفزازاته وبتحرشاته الكلامية. ستقول: إنك ستبحث عن عمل آخر، وستستقيل من تلك الشركة البائسة، وإن لا شيء يمكن احتماله حين تبدو الكرامة مهددة. أعيد انتباهي إلى التلفاز. أهرب من جثث الأطفال وأتوقف عند محطة فضائية تختصر كل مآسينا التاريخية في شعارها "الحياة غنوة" لأجدني أصغي صامتة إلى المطربة وهي تردد "أطبطب وأدلع." أزيد من صوت التلفاز أكثر وأكثر وأكثر، وأنا أفكر في الكلمة التي سأقولها بمجرد أن تخرج من الغرفة نحوي: "طز فينا."



تساؤلات مواطن متعهم بالإرهاب



قف !
يسرقه الزحام والكلام اليومي عن الحرب والخبز.. يترجّل أحلامه المتسارعة باتجاه الشتات، هو الذي سكن حكايات المدينة ، وأوهم العشاق أن الحب سينتصر في نهاية الرواية .. هو .. الذي لم يعد شيئا منذ اكتشف أن الحب لا يعيش طويلا.. وأن العشق قد يتعرض للحوادث ككل الناس، لأن البدايات فقدت نكهتها وانهالت عليها اللعنة!!
قف !
يدفعه الحنين إلى الجنون .. يتسلق جدران المستحيلات كي يرى أمه .. كي يحتضن حبيبة فارقها منذ عشرين عاما.. أيام كان قلبه غضا .. وعواطفه تقضم تفاحة الشعر .. لكنه كبر .. شاخت عواطفه وتقاعد قلبه .. وانهار .. !

* * *

عشرون عاما ..
يجوب الشوارع متنكرا في زي شحاذ كي يراقب أهله .. يتسلّل إلى رؤاهم في السّر..
وفي السّر يسرّب إليهم ما تبقى من نبض ما زال يشتعل في دمه .. نسيته المدينة .. لكن البوليس لم ينسه.. منذ عشرين عاما يلصقون صورته على الجدران، ليطالبوا به حيا أو ميتا .. لم يفهم أحد أن السنوات تغيّر من شكل العشاق أيضا .. وأن الحب سرعان ما يصير عادة سيئة !
قف !
يلتفت يمينا وشمالا ..
وجهه الحزين يثير القرف والازدراء معا .. في عينيه تبرق الحقيقة الوحيدة التي جاءت به إلى هنا .. كي يرى أمه للمرّة الأخيرة !
يتسلّل رويدا رويداً .. يتسلّق جدار الحديقة .. يتفادى نباح الكلاب .. يتفادى الخطوات المقبلة ويدخل إلى الدار ..
داره التي لم تعد له .. صارت لإخوة تنكروا له، وأدانوه من أول العمر..
يلمح والدته في وسط الدار ....
كأنه الموت الذي يجرّه دوما من تلابيبه كي يلتقي بمن يحب وبمن يكره أيضا .. في البدء كان يجيء متخفيا كي يرمق أعداءه القدامى محمّلين نحو مثواهم الأخير ..
لكن الموت مختلف هذه المرة.. ها هي أمه التي لم يرها كثيرا ،على مدى عمر قضاه هاربا ومتسللا.. أمه التي لم تحتضنه كما كان يجب أن تحتضنه.. هي التي كانت تجلس القرفصاء في زمن الرّحيل إلى اللاشيء .. ترقب الباب علّه يأتي .. من آخر العمر .. أو من أوله.. آه لو يأتي.. !
هــــــــا يكتشف أنه يتيم الآن.. وأن الحكاية لن تعنيه، والسجون، والرفاق الذين تظاهروا أمس للمطالبة بالخبز والحرية وليهتفوا بحياته في زمن المجاعة والديكتاتورية.. لا شيء صار يعنيه وقد صار وجها لوجه مع أمه التي لن تسمع صوته ولا نحيبه ولا صياح الوجع فيه ..
قف !
ولا يتوقف .. يصيح الصوت ثانية .. ولا يأبه.. تدوي طلقات النار .. شيء يصيب ظهره .. يترنح .. هل هو الموت ؟ يترنح أكثر ويسقط .. يشم رائحة الأرض المبللة بمطر الربيع ويتذّكر أمه ثانية .. يتذكر إخوته الذين نسوا شكله ،وحبيبة تزوجت من جندي طارده منذ عشرين عاما ..
تذكر أنه مطالب بالحياة كي يمشي نحو نهايته باسما .. لكن .. شيء يخزه الآن .. أهو الموت حقا .. يقترب العساكر منه .. يشعر بحذاء ثقيل يحط على رأسه، ويهزّه .. فلا يتحرك .. يسمع أصوات تتباهى بدمه .. تتصافح محتفلة بالنهاية ، فيعرف بحاسته أن الجرائد ستكتب عنه غدا .. هو الذي لم يكن محاربا ولا سياسيا .. كان مواطنا طالب بالخبز فطاردته الشرطة .. طالب بالحرية فطارده العسكر .. طالب بالحياة فطارده "أمن الدولة".. هو الذي لن يجد من يبكيه غير قبر يضاف إلى قبور يتكئ عليها الناس ليستريحوا من عبء الأشياء الجاهزة سلفا لأجلهم ..
فالحكاية بدأت للتو ولن تنتهي !!!


أتعلم الحب في غيابك

إن من يبدأ بالشك في التفاصيل الصغيرة، يتوصل في نهاية المطاف لأن يشك في الحياة بحد ذاتها.

الكاتب التشيكي، ميلان كونديرا



تنام أيامنا على أرض جاهزة للرحيل. ينام الكلام حين يداهمنا الخوف فجأة. حين تصطادنا الشكوك الصغيرة التي تصنع منا أقل صلابة مما تعودنا، مما ادعينا أو تداعينا. و يحضرني وجهك الذي كدت أنسى فيه تلك الخانة الجلية أعلى الخد، على يمين الدهشة التي حين تستقر في عينيك أفقد لساني. أتساءل: كيف يمكن لشخصين أن يبدوا غريبين أكثر مما أبدو أمامك وتبدو أمامي؟ كيف يمكن لشخصين أن يتكلما كما لو أن الكلام لم ينته؟ كما لو أن التفاصيل الصغيرة لم تنته؟ كما لو أن الدهشة العابرة للمستحيلات لم تنته؟ أقول لك: اعتني بنفسك. كما تقول أم لطفلها وهي تعدّل في كم معطفه، وتمسح غبارا وهميا على ياقته بضمير لا يعرف التخاذل: إن شاء الله. تقولها وتمضي. و أمضي أنا إلى اللاشئ.

***

هل ستعرف يوما كم نحن غريبان؟ كل امرأة قبالة رجل غريبة. و كل رجل يتغزل بامرأة لأجل غاية في نفس يعقوب غريب. كل كلمة تقال على شرف الحب تقتل الحب. و كل ما يقال على صحة الفراغ حقيقة لا نعرف كم سنستغرق من العمر لنجلس مواجهتها فارغين من العطاء، كمن لا حاجة له لقول ما ليس له رغبة في قوله. كمن يلجأ إلى الصمت لأجل التعويض، كي لا يتورط في لغة تقتل آخر الأفكار لديه. غريب وغريبة في مدينة تتكسر كما يتكسر الزجاج، كما يتكسر الحجر المكتظ بكلس السنين، كما تتكسر الأشياء التي لم تجمع لصهيل الجهات ما يكفي من يقين. من يضمن صلابة المدن؟ لا شيء، ولا أحد. كل المدن الجديدة بنيت على التفاصيل المعدلة في آخر لحظة. على الجمل التي تقال بعناية لأجل مسح حذاء ما يظل يلمع إلى آخر العرض. لا شيء يبنى بدقة، ولا حتى العلاقات الحميمة. ولا حتى المصافحات التي تصير باردة حين يفقد الشخص أهميته. حين تسقط بقعة العتمة على الذي لن يجلس كما جلس أمس، و لن يتعالى على وحدة ستسكنه إلى الأبد. ما الذي يكتمل ها هنا؟ حتى الحب يولد متأخرا ليكتشف العشاق أن مشاعرهم أقل ضراوة من الحب، و أن كلامهم في الحب صار مصابا بشلل الأطفال.

***

لكم تغير الحب! في زمن آخر كان للحب رائحة وكلام لا يقال مرتين. كان للحب رسائل تحمل الريح خيوطها وتغزلها في اليدين. كان للحب أرض وجذور وهوية. لم يكن للحب حاكما جشعا يقتات من أحلام الرعية. ولا سجّانا يختم يومه على جسد الضحية. لكن الحب تغير، وتغيرت المصطلحات، وألفاظ الحب أصبحت سوقية. أصبحت تقال على عجل. تقال برسائل الجوال، رسالة مستعجلة لا وقت لها لتحكي تفاصيل الكلمة أو تأريخها الضارب في الأرض التي تغيرت. كم تغيرت! أصبحت أقل تمسكا بالحب وبنا. لهذا لم يعد العشاق يقولون: أحبك. يقولون: "جوتيم" أو "آي لف يو". يقولونها عبر الإنترنت في مواقع الدردشة التي يكتظ فيها مجرمو الحب الآلي والذين يقتلون الحب بسكوت.

"آي لف يو." هل باستطاعتي قولها لك حين تعود؟ "آي لف يو" قالها بوش للشعب العراقي في رأس السنة، حين تمنى لهم عمرا قصفت عمره "الديمقراطية" المحاطة بتبريكات البابا المستاء من تطرفنا، ومن لا إنسانيتنا التي اكتشفها في كتاب بيزنطي نسي كاتبه أن يتذكر أننا أول من أرّخ للحب، وأول من أسسه في ضمير الكائنات الحية قبل آلاف السنين.

****

أحبك. الآن في شتات العمر. في كلام نستدعيه للضرورة. في آخر جملة نقولها قبل النوم. فقد أخطأنا الفرح الذي كان يزور الفقراء في المناسبات ويزور الأغنياء كل يوم.

أحبك. حتى عندما تأتي الآن خاليا من المعاني، وعندما تتربص بأخطائي الصغيرة لتختلق الشجار.

أحبك. كما تحب المساءات عادة التأمل. كما يستهويك القمر البعيد الذي تظل تنظر إليه، وأكاد أصرخ فيك: لا تصدق كلام النجوم التي كذبت على العشاق قبلك. كذبت على العشاق قلبك. كم أحبك!

داليا الهواري
08-05-2007, 04:19 AM
تابعي
فنحن نتابع أيضا
مودتي