PDA

View Full Version : أقلام و أصوات نسائية عربية



داليا الهواري
07-05-2007, 11:20 AM
تعتبر الدكتورة ماجدة حمود ـ الناقدة السورية المعروفة ـ أن ثمة فعلا أدب نسائي، و لا يمكن الشعور بالخجل من قول ذلك، على العكس لأن خاصية الأدب النسائي لا يمكن أن تخرج عن الأدب العربي عموما، و لا يمكن أيضا طرح الاشكالية من منظور " فيزيولوجي" بل من منظور أدبي يجب أن نعيد من خلاله ما تكتبه المرأة إلى الواجهة من حيث جودة العديد من الأقلام النسائية العربية من المحيط إلى الخليج.. أعتقد أن الجميع يتفق معي أنه من السذاجة تصنيف الأدب كرجالي و نسائي و طفولي، بالصورة الضيقة التي لا تخدم الأدب عموما، و لكنه من الطبيعي ان نعترف بخصوصية الأدب النسائي بمعطياته الإبداعية على وجه الخصوص، لأن ما تكتبه المراة و ما يكتبه الرجل يدخل ضمنيا في إطار الأدب العربي سواء كان قصة أو شعرا أو رواية أو .... أو .... أو...
و من هنا سوف يكون هذا المتصفح لدمج المواضيع التي وضعتها أنا، و التي تخص أسماء أدبية نسائية مختلفة..
تقديري



http://www.alazmina.info/issue261/images/art3a_image.jpg


بقلم: جمال حمدان

تمهيـــــد:
تعتبر سيرة فدوى طوقان" الرحلة الأصعب" خير نص أدبي وثائقي يعكس ماعرفته الأمة العربية بصفة عامة وفلسطين بصفة خاصة من نكسات متكررة ونكبات تراجيدية في ظل الانتداب البريطاني والاحتلال الصهيوني. كما يعتبر هذا النص أيضا أقرب وثيقة إلى الصدق الموضوعي في تحديد ملابسات بعض الكتابات النثرية والقصائد الشعرية التي كتبنها فدوى طوقان؛ لأنه يبرز لنا السياقات والحيثيات المرجعية والتاريخية التي كانت وراء إبداعها وسجالها السياسي والأدبي والفكري . علاوة على كون هذه السيرة النصية تسعفنا كثيرا في فهم دواوين فدوى طوقان وتفسيرها على ضوء بواعثها ومقصدياتها التداولية. إذاً، ماهي خصائص فن السيرة كما يجسدها النص الذي بين أيدينا " الرحلة الأصعب" بناء ودلالة ووظيفة؟ وما هي أبعاد هذه السيرة المرجعية وقيمتها الأدبية والفنية؟
1- المستـــــــــــــوى المناصــــي:
ولدت فدوى طوقان الكاتبة الفلسطينية المشهورة في مدينة نابلس سنة 1917م. وهي من أسرة مثقفة وغنية لها حظوة كبيرة في المجتمع الفلسطيني ومكانة محترمة لدى القيادات السياسية والعسكرية في الحكومة المحتلة. أشرف أخوها الشاعر المقاوم إبراهيم طوقان على تعليمها وتثقيفها وتوجيهها لتستكمل بعد وفاته دراساتها لمدة سنتين في أكسفورد ببريطانيا. وقد امتزج في مذكراتها كثير من صور التشريد والطرد والنفي والرعب والمجازر التي ارتكبت في حق الشعب الفلسطيني. وعايشت الشاعرة مجموعة من النكسات والنكبات والحروب والهزائم كنكبة 1948م، ونكسة 1967م وحرب أكتوبر 1973م ومعاهدة الصلح لسنة 1978م وانتفاضة الشعب الفلسطيني وثورة أطفال الحجارة وانبثاق حركة فتح لتحرير فلسطين. وقد جمعت فدوى طوقان في شعرها بين المنزع الرومانسي والتحدي الثوري الملتزم بالقضية و الدفاع عن الإنسان الفلسطيني على غرار الشواعر الفلسطينيات الأخريات كسلمى خضراء الجيوسي ودعد الكيالي وسميرة أبو غزالة وأسمى طوبى. وتوفيت المبدعة الشاعرة سنة 2003م بعد تكريمها في كثير من الملتقيات الأدبية والشعرية داخل الوطن المحتل وخارجه. وصدرت لفدوى طوقان دواوين عدة منها:" وحدي مع الأيام" سنة 1952م، وديوان " وجدتها " سنة 1959م، وديوان" اعطنا حبا" سنة 1961 م، وديوان "الليل والفرسان" سنة 1969م ، و ديوان "على قمة الدنيا وحيدا "، وديوان " تموز والشيء الآخر"، وديوان" اللحن الأخير" الذي صدر سنة 2000 م. وكتبت سيرتين ذاتيتين وهما: ( رحلة صعبة- رحلة جبلية)، و( الرحلة الأصعب) سنة 1993م.
وعليه، فقد صدرت سيرة فدوى طوقان (الرحلة الأصعب) في طبعتها الأولى سنة 1993م عن دار الشروق للنشر والتوزيع بعمان الأردنية، ويندرج هذا العمل ضمن السيرة الذاتية التي تجمع بين التوثيق التاريخي والكتابة الأدبية ذات الطابعين: الإبداعي والنقدي.
وتحيل صورة الغلاف الخارجي على المرأة الفلسطينية التي تحب السلم والأمان والتعايش مع الآخر، وفي نفس الوقت هي قادرة على النضال والمقاومة والاستشهاد في سبيل الوطن بالنفس والنفيس. وتحضر الأم في الصورة الأيقونية رمزا للوطن والهوية القومية الفلسطينية. أما صورة الغلاف الخارجي الخلفي فتشير إلى صورة فدوى طوقان المبدعة الشابة سنة 1967م بصورتها الهادئة المعبرة عن البركان الذاتي الداخلي الذي يمكن أن ينفجر في أي وقت تحتك فيه المبدعة بالعدو الصهيوني الحاقد. وتدل كلمات الغلاف الخلفي على رفض الشاعرة فكرة الهروب والفرار خارج الأرض المحتلة وإصرارها على التحدي والصمود والنضال والتمسك بأهداب الأرض وجذورها إلى آخر نفس من أنفاس صيرورة حياتها.
2- المستــــوى الدلالــــــــــي:
ترصد فدوى طوقان في سيرتها" الرحلة الأصعب" معاناة الشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال الإسرائيلي والغطرسة الصهيونية منذ نكبة 1948 م مرورا بمجموعة من المآسي والنكسات ومن أسوئها هزيمة حزيران 1967م التي أثرت سلبا على الأمة العربية بصفة عامة وفلسطين بصفة خاصة.
وتبدأ السيرة بتصوير ذلك اليوم المشؤوم الذي ستعلن فيه حرب ستة أيام التي حققت فيها إسرائيل انتصارا كبيرا على مصر بقيادة جمال عبد الناصر، إذ استولى جيش العدو على منطقة سيناء، وضم كثيرا من الأراضي الفلسطينية، وانتزع الجولان من سوريا، وتوسع في كثير من أراضي البلدان المجاورة. وكانت لهذه الحرب آثار وخيمة على نفسية فدوى طوقان وأسرتها الصغيرة والكبيرة . وأشارت الكاتبة في مظان سيرتها الروائية إلى ما كانت تستوجبه هذه الحرب الحزيرانية من إعداد مسبق وتموين مدعم وما تفرضه من قسوة المعايشة والبقاء والاضطرار إلى الهجرة والهروب والارتحال أوالصمود والمقاومة ضد العدو المتغطرس.
وتستحضر الكاتبة في بداية سيرتها صديقها الغريب الذي أخبرها بالاستعداد للحرب عن طريق التموين والهروب، ولكن فدوى اختارت الصمود والبقاء في أرضها وخاصة في مدينتها العتيدة نابلس مع رجالها ونسائها وأطفالها. وفي هذه الفترة كتبت قصيدتها " إلى الصديق الغريب" وتمنت لو كتبتها تحت عنوان" لو". وفي تلك الفترة تضاربت الأنباء حول نتائج الحرب، ومن الظافر فيها؟! وأذيعت أخبار عسكرية عربية مبالغ فيها لتنكشف الهزيمة في اليوم الأخير، وتظهر خيانة المشير عبد الحكيم عامر الصديق المقرب إلى جمال عبد الناصر ورئيس القوات الحربية المصرية.
وبعد ذلك ، شد الصهاينة الخناق على جميع المدن الفلسطينية وحوصرت الجبهات والحدود والممرات، وكان من الصعب الانتقال داخل الأرض المحتلة من مدينة إلى أخرى بدون مراقبة ومحاسبة وإذلال وتفتيش مخافة من رد الفعل العربي والفلسطيني. وعقب الهزيمة، ساد فلسطين السليبة حزن داخلي عميق وتآكل ذاتي وحالة هستيرية جنائزية وتمزق مأساوي فظيع، ترتب عن ذلك مباشرة احتلال الضفة الغربية والمدن الأخرى قصد تهجير اليهود للاستيطان فيها مع طرد سكانها الأصليين خارج الأرض المحتلة نحو الملاجئ ونفيهم خارج الحدود.
وقد نشرت إسرائيل الهلع بين السكان وعاثت في الأرض فسادا وأثارت الرعب وارتكبت المجازر وقنبلت المنازل وجوبهت المقاومة بعنف وقتل وإرهاب شديد للقضاء على كل شرارات الانتفاضة ورموزالصمود في كل أراضي فلسطين المحتلة. وعلى الرغم من هذا الحصار السياسي والعسكري الإسرائيلي، استطاعت فدوى طوقان أن تقيم نوعا من التواصل وترسي حبال المودة والصداقة مع مجموعة من الكتاب الفلسطينيين قصد إثراء حركة الشعر والأدب كما هو الحال مع القاص توفيق فياض والشاعرين محمود درويش وسميح القاسم. وقد أعجبت الشاعرة برموز المقاومة والهوية الفلسطينية وروح التضحية والاستبسال كما عند سالم جبران وتوفيق زياد. ومن ثم، أصبحت حرب حزيران شعلة لتوهج الشعر الفلسطيني وانطلاق شرارة أدب الكفاح والمقاومة الذي كان يدعو القارئ إلى التشبث بالأرض وعدم التفريط فها ولو في شبر واحد مع اختيار سبيل المقاومة والنضال قصد تحرير فلسطين من قبضة العدو الصهيوني المستبد. وبدأت الصحف التقدمية في الانتشار والذيوع ولاسيما في الضفة الغربية والقطاع. وعادت جريدة "الاتحاد" ومجلتي "الجديد" و"الغد" إلى الصدور على الرغم من الحظر المضروب على هذه المطبوعات الصحفية . و تعرفت فدوى طوقان عبر صفحاتها مجموعة من الأدباء والمفكرين الفلسطينيين الذين يكتبون في مختلف الأجناس الأدبية كإميل حبيبي والدكتور إميل توما والأستاذ صليبا خميس والأستاذ علي عاشور وسواهم كثير…
وفي هذه الفترة بالذات، نشرت فدوى طوقان خمس قصائد ثورية في جريدة "الاتحاد" وهي: مدينتي الحزينة، والطاعون، وإلى صديق غريب، والطوفان والشجرة، وحي أبدا، و حررت هذه القصائد في هذه الجريدة بتاريخ22 أيلول 1967م. وتعرضت الشاعرة بعد ذلك أثناء تنقلاتها داخل الأرض المحتلة لكثير من المضايقات والمراقبة الشديدة والمحاسبة الصارمة، وأحست من جراء تلك المعاملة اللاإنسانية القاسية بالاغتراب الذاتي والمكاني والشجا الدامي. وفي هذا الموقف العصيب أبدعت قريحتها قصيدة" لن أبكي" للتعبير عن صبرها وصمودها وتمسكها بجذور وطنها و عزمها على مقاومة العدو المحتل. كما نظمت الشاعرة قصيدتها"الفدائي والأرض" على إثر استشهاد البطل الفلسطيني مازن أبو غزالة في معركة طوباس، تلك المعركة التي قامت بين رجال المقاومة والجيش الإسرائيلي بعد مرور شهور قليلة على الاحتلال الصهيوني للوطن. وقد توطدت علاقة الشاعرة بشعراء الرفض وتكررت زياراتها لشعراء الهوية القومية كسميح القاسم ومحمود درويش على الرغم من المراقبة الشديدة والتسجيل يوميا لدى مركز البوليس.
ولقد كان هذا التواصل بداية " التفاعل الحيوي المثمر الذي ظل محافظا على استمراريته من جراء التحام كتاب الضفة والقطاع بالكتاب والشعراء الفلسطينيين المقيمين في الجزء المحتل من فلسطين منذ العام 1948، بالرغم من حرص السلطات العسكرية على إقامة حواجز المنع وعرقلة نشوء أي تفاعل أدبي أو تلاحم فكري بين أبناء الشعب الواحد الذي شطرته المأساة سنة 1948. فكم من مرة، حين أدعى- تقول فدوى طوقان- إلى المشاركة في مناسبة أدبية وطنية في الناصرة أو القدس مثلا، كانت ولا تزال- توجه إلي الأوامر العسكرية بعدم مغادرة نابلس في ذلك اليوم بالذات".( ص:23 من الكتاب)
وقد ساهم الاحتلال مدة سنتين بعد الهزيمة في خلق فراغ ثقافي في الساحة الأدبية والنقدية في الضفة والقطاع بسبب الإرهاب الصهيوني العسكري وغياب الصحافة الوطنية والمجلات الصادرة عن البلاد العربية، ناهيك عن غياب المؤسسات الوطنية والكوادر الثقافية. وفي هذه الفترة ستنشر الشاعرة سيرتها الأولى" رحلة صعبة- رحلة جبلية " في شكل حلقات متسلسلة في مجلة "الجديد" ما بين العامين1977و 1978 م حين كان يرأس تحريرها الشاعرالقديروالمتميز سميح القاسم. و كانت فدوى قد نشرتها سابقا في باب صفحات من مفكرة في مجلة "الجديد" الذي أصبح رئيس تحريرها الجديد الشاعر الكبير محمود درويش.
هذا، وقد عانى المثقفون الفلسطينيون من الحصار الثقافي منذ عام 1948م إذ كانت السلطات العسكرية تمارس مصادرة الكتب من المكتبات الخاصة والعامة مهما كانت طبيعة هذه الكتب. ومن هنا، صار الكتاب بمثابة عملة نادرة يصعب الحصول عليه أو استعارته أو رده إلى صاحبه. و توصلت فدوى طوقان إلى الحصول على مجلتي "الآداب" التي كان سهيل إدريس رئيس تحريرها، ومجلة " مواقف" التي كان يشرف عليها الشاعر أدونيس، بمشقة الأنفس وبمساعدة واحد من جماعة الكويكرز الأمريكيين أثناء زيارته للشاعرة في نابلس حيث وعدها بأن يزودها بما تحتاجها من الكتب والمجلات والصحف بعد أن اشتكت إليه بما يمارسه المحتل من ضغوطات ومضايقات على المثقفين الفلسطينيين وحرمانهم من الاطلاع على إنتاجات الآخرين وإبداعات المفكرين العرب.
وقامت الشاعرة بزيارات إلى مصر حيث التقت برئيسها جمال عبد الناصر في القاهرة وصورت له معاناة الفلسطينيين ومايكابده المثقفون والمبدعون من ويلات الظلم والقهر من جراء الاحتلال الغاشم. وأثناء عودتها إلى وطنها، دافعت كثيرا عن محمود درويش الذي اتهم بمهادنته لإسرائيل وخيانته لمبادئ وطنه كما جسدت ذلك رسالتها التي كتبتها إلى غسان كنفاني الذي نشر ذلك الهراء في جريدته "الأنوار" في بيروت دون أن يطلع على فحواها الإخباري.
وقد صورت فدوى في سيرتها الأطبيوغرافية الذاتية الأيام الكالحة بعد الهزيمة التي انتهت بتهويد القدس وضمها إلى الكيان الصهيوني ومعاقبة الوطنيين وتتبع المقاومين الشرفاء والضغط على المثقفين وطرد العناصر الوطنية وإلقائهم وراء النهر إلى الضفة الشرقية ومصادرة الأراضي والإكثار من المعتقلات والتحقيق والتعذيب الرهيب والزج بالمناضلين والأبرياء في الزنازين المخيفة ونسف البيوت وهدمها على أصحابها. وكانت فدوى تتدخل مرارا وتكرارا لدى القيادة الإسرائيلية لإيقاف النسف أو الهدم أو إطلاق الأسرى والمعتقلين والمعتقلات الموجودين في سجون الاحتلال نظرا لمكانة الشاعرة لدى السلطات العليا و موقعها الثقافي في المجتمع الفلسطيني وتأثيرها الكبير على إثارة مشاعر الانتفاض والمقاومة.
وشاركت الشاعرة في لقات شعرية سرية وعلنية في كثير من المدن الفلسطينية كالقدس ورام الله والبيرة وبيت لحم وغزة وبيت جالا؛ مما أهلها للاندماج بكل سرعة في المجتمع والاحتكاك بالجماهير الشعبية. كما كانت للشاعرة لقاءات مع موشي دايان وزير الدفاع الإسرائيلي في عهد گولدا مايير حول أوضاع فلسطين ونابلس وحاجيات المثقفين وسبب كراهيتهم للإسرائيليين وكيفية البحث عن أحسن السبل للسلام الدائم بين الشعبين. كما التقت الشاعرة أثناء نزولها في القاهرة بأنوار السادات وقد صورت له معاناة الشعب الفلسطيني وما يعانيه في ظل الاحتلال مع التطرق إلى حلول التفاوض وإقامة السلام العادل.
وأصبحت فدوى سفيرة مفوضة بدون حقيبة بين الرؤساء والقيادات العليا وممثلي الشعب ومنتخبي السكان من أجل إيجاد صيغ التفاهم والتعايش والتوسط لإيجاد الحلول لكل المشاكل الفردية والجماعية ، و البحث عن المخرج الحقيقي لتحقيق الحياة الكريمة والاستقلال المشرف للشعب الفلسطيني. وكم كانت فدوى حزينة لما سمعت بموت الكاتبة الفلسطينية المرموقة سميرة عزام أثناء انتقالها من عمان عبر دمشق مسرعة إلى مدينتها عكا لمعانقة الوطن السليب بعد غربة طويلة مشحونة بالشوق والحنين! وقد أثارت قصيدة فدوى " آهات أمام شباك التصاريح" ضجة كبيرة في إسرائيل وتناقلتها وسائل الإعلام والصحافة ؛ لأن تلك القصيدة الثائرة تدعو إلى كراهية إسرائيل ومقاومتها بشراسة وحشية. بيد أن هذه القصيدة كتبتها فدوى أثناء الحصار المفروض على ممرات والحدود الفاصلة بين المدن الفلسطينية، والتي تظهر الإنسان الفلسطيني كأنه أجنبي مغترب في أرضه مجسدة إياه في صورة مذلولة مشوهة يسود فيها الانتظار الطويل لما يأتي ولا يأتي، والعذاب المحترق الذي يعيشه الإنسان الفلسطيني وهو مصطف مع إخوانه من أبناء فلسطين في طوابير تنتظر الإفراج والإذن بالمغادرة لرؤية أحبابهم وأسرهم وأهاليهم. ولم تكن الشاعرة بمعزل عن هذا العذاب السيزيفي القاهر، وهذا ما دفعها لتكتب هذه القصيدة الشعرية التي تحرض فيها على الرفض والمقاومة والنضال ومقاتلة الأعداء الصهاينة . وعقدت الحكومة الإسرائيلية والصحافة الصهيونية لقاءات مع فدوى لمعرفة أسباب هذه الكراهية و مبررات الحقد العربي للإنسان الإسرائيلي، وقدمت فدوى كل الإجابات المنطقية المقنعة التي دفعتها للكتابة، وحملت الصهاينة المسؤولية في توليد هذا الحقد الدفين وإشعاله من فينة إلى أخرى. وربما يعود هذا الحقد الإسرائيلي الدفين إلى عهود مضت خاصة أن كثيرا من الشعراء الصهاينة كانوا يدعون شعوبهم إلى مقاتلة أعدائهم وأكل لحومهم كما فعل الشاعر اليهودي الحاقد مناحيم بيالك في قصيدته" أناشيد باركوخبا" الذي يدعو فيها اليهود إلى أن يكونوا حيوانات مفترسة للانقضاض على أعدائهم الأشرار.
و كانت لفدوى أيضا لقاءات واتصالات عن طريق المكاتبة والمراسلة مع مجموعة من اليهود الحاقدين أو المعتدلين لشرح وجهة نظرها وموقفها الرافض لكل احتلال لأرضها ورغبتها في التعايش الحميمي مع اليهود كما كان ذلك في السابق. وعايشت فدوى عن كثب كثيرا من المشاهد الدامية والجرائم المروعة في الجبل كنسف بيوت المناضلين ونفي المجاهدين وقتل الوطنيين ومداهمة المنازل لتفتيشها، ولم ينج حتى بيت فدوى طوقان من هذه المداهمة للتأكد من وجود الأسلحة داخل بيتها. وعلى الرغم من انتصار أكتوبر 1973 م الذي أعاد نوعا من التوازن العسكري في المنطقة العربية، كما أعاد الاعتبار للإنسان العربي، وأعاد نوعا من التفاؤل للأمة العربية، فمازالت إسرائيل تنشر الرعب وتعمل على الفتك بالأرواح ونفوس الضحايا وسفك دماء الفلسطينيين الأبرياء. وعاشت فدوى قبل حرب رمضان فترات مريرة يشوبها الحزن اليائس والبكاء الصاخب بعد وفاة جمال عبد الناصر واغتيال وائل عادل زعيتر ممثل حركة التحرير الفلسطينية في روما، تلك الحركة التي قررت خوض النضال العسكري ضد العدو المحتل بقيادة ياسر عرفات، وكانت لها مناوشات كثيرة مع العدو على مشارف الحدود وقد أقضت مضجع القادة الصهاينة بضرباتها المفاجئة ومباغتاتها المتكررة. وكانت الحركة ترفض أي تصالح مع العدو وأي تفاوض حول السلام على الرغم من محاولات فدوى لإخبار عرفات برسالة موشي ديان ونواياه في إقامة السلم وتوفير الأمن والاستقرار. وقد كتبت فدوى قصيدة لرثاء وائل زعيتر وتبيان صموده وتكذيب ادعاءات الصهاينة الذين اغتالوه ظلما وافتراء للتخلص منه ومن منظمة التحرير الفلسطينية. وقد اكتسبت القضية الفلسطينية بعد اغتيال وائل زعيتر من قبل مخابرات إسرائيل كثيرا من المؤيدين والمتعاونين والمتعاطفين مع الشعب الفلسطيني المناضل، ومن هؤلاء المتعاطفين مثقفو إيطاليا وخاصة الروائي الكبير ألبرتو مورافيا . كما ساهمت زيارة الفيلسوف الأمريكي الكبير هربرت ماركوز لفدوى طوقان في تعزيز القضية الفلسطينية وتأكيد مشروعية هذه القضية ودعم الفلسطينيين في المطالبة بحقهم العادل والصائب. وانتهت الزيارة بمراسلات ثنائية بين الشاعرة وماركوز، وبين الشاعرة وزوجته حول حيثيات الصراع الفلسطيني /الإسرائيلي. وتستحضر فدوى طوقان في سيرتها كذلك مساهمة المرأة الفلسطينية في حركة المقاومة والنضال والكفاح من أحل الحرية منذ انطلاق هذه الحركة بعد سنة 1967م مع استشهاد الشاعرة شادية أبو غزالة وصمود رندة النابلسي التي دفعت الشاعرة إلى نظم قصيدة شعرية في حقها.
وقد حصلت فدوى طوقان على جائزة "الزيتونة الفضية " التي كانت تمنحها اللجنة الثقافية الإيطالية لعدد من الشعراء والكتاب من إيطاليا ومن بلدان البحر الأبيض المتوسط. ومن المثقفين العرب الذين حصلوا على هذه الحائزة توفيق الحكيم ونزار قباني وعيسى الناعوري وفدوى طوقان على أساس ( شاعرة لها قضية). وبعد ما أن تدوول مفهوم الأرض في كتابات المبدعين والمثقفين الفلسطينيين، تدخل كلمة الانتفاضة إلى القاموس الثقافي الفلسطيني لتشير إلى المقاومة والثورة الشعبية، بعد أن تغطرست إسرائيل كثيرا وعاثت في البلد فسادا ونشرت الرعب والهلع بطائراتها ودباباتها المصفحة واستخدام قوتها المتجبرة الظالمة. ولكن الحكومة المعتدية لم تنجح في إسكات الانتفاضة التي دامت سنوات عدة والتي أعطت كثيرا من الشهداء والأبرياء، وهذا مادفع فدوى طوقان لتنظم كثيرا من القصائد في رثاء الشهداء وتحريض الشعب الفلسطيني على المقاومة والنضال المستميت حتى الحصول على الحرية وطرد المستعمر الغاشم.
هذا، وينتهي مؤتمر مدريد بخيبة الأمل وتمادي العدو في الاحتلال، ويقدم المفكر اليهودي الإنساني ديفيد كروسمان في كتابه "الهواء الأصفر" الحل الإنساني اعتمادا على آراء فيلسوف الوجودية المبدع ألبير كامو.
وفي الأخير، كانت لفدوى مجموعة من اللقاءات مع أسماء ذائعة الصيت في مجال الفكر والثقافة والنضال السياسي كالشاعر الكبير محمود درويش الذي أقام مهرجانات شعرية كثيرة في الدول العربية للتعريف بمعاناة الإنسان الفلسطيني والتعريف بالقضية الفلسطينية والدعوة إلى مقاومة العدو الغاشم كما في قصيدته المشهورة "عابرون في كلام عابر"،والكاتبة الفلسطينية المناضلة باسمة حلاوة التي اهتمت كثيرا بالقضايا الوطنية والسياسية والاجتماعية ، وقضت حياتها في القاهرة تناضل وتكافح فخرجت بعمل فكري وأدبي وجدت صعوبة كبرى في طبعه ونشره إلى أن توفيت وأعيدت إلى بلدها لتدفن في مدينتها نابلس . و كان للشاعرة لقاء آخر مع داليا ربيكوفيتش التي كتبت كثيرا عن مسار حياة فدوى طوقان في مجال الأدب والنضال السياسي مشيدة بعلاقتها معها باعتبارها شاعرة فلسطينية محبوبة في العالم العربي تسكن مدينة نابلس وهي من أسرة مثقفة محترمة غادرت مدينتها للدراسة بأكسفورد لمدة سنتين لتعود إلى وطنها لمتابعة الكفاح ضد الاحتلال عبر كتابة الشعر والتحريض السياسي.
ويتبين لنا من خلال هذه المفكرة أن فدوى كانت تؤرخ للمقاومة الفلسطينية وحركية النضال والمواجهة منذ 1948م إلى غاية 1978م مشيرة إلى عواقب النكبات والنكسات والحروب العربية الإسرائيلية وخاصة حرب حزيران 1967م وحرب أكتوبر 1973م وما تبعهما من انتفضات جماهيرية ومظاهرات شعبية ومقاومات وطنية وعسكرية وخاصة مقاومة منظمة التحرير الفلسطينية و تضحيات شهداء فلسطين ومثقفيها المناضلين الأشاوس الغيورين على البلاد.
وتعتبر سيرة فدوى طوقان خير وثيقة مرجعية نعود إليها لمعرفة تاريخ نضال المرأة الفلسطينية وانطلاق الحركة الثقافية والإبداعية في الساحة الفلسطينية ولاسيما بعد هزيمة 1967م، وطبيعة هذه الحركة وإسهاماتها الفكرية وذكر أنشطتها ومساهماتها في إثراء الساحة الثقافية والنقدية. كما أن هذه السيرة تؤرخ لرجال الفكر وتوثق قصائد فدوى طوقان وسياقاتها وخلفياتها الظرفية لفهمها جيدا في أبعادها المناصية و التاريخية والإحالية. ومن هنا، يمكن القول: إن سيرة فدوى طوقان سيرة الأدب والشعر والمقاومة والصمود والكفاح في وجه العدو المحتل للأراضي الفلسطينية.
3- الخطـــاب الســردي:
تندرج " الرحلة الأصعب" لفدوى طوقان ضمن جنس السيرة الذاتية الذهنية؛ لأنها ترصد حياتها الإبداعية و الثقافية والفكرية ومسارها الحيوي في المقاومة والكفاح والنضال المستميت من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل. وتعتمد فدوى طوقان على الذاكرة لاسترجاع الأحداث مع العلم أن زمن الكتابة والطبع و النشر هو 1993م وهو يشكل حاضر الكاتبة وواقعها الراهن. ومن ثم تعود الكاتبة بذاكرتها إلى الماضي لاستقراء سنوات الهزيمة ومأساة حزيران 1967م وآثارها على الإنسان العربي بصفة عامة والإنسان الفلسطيني بصفة خاصة. ومن هنا، فالزمن هابط في استقراء الذاكرة واستنطاقها القصصي والسردي، وإن كان الزمن داخل المتن تعاقبيا كرونولوجيا يخضع للترتيب والتداخل ويبدأ من فترة 1967م إلى سنة 1978م مع الرجوع إلى فترة 1948 لاستحضارها كنقطة لبداية المأساة والاقتتال الدموي بين الفلسطينيين والإسرائيليين حول الأرض والقدس الموعودة.
ويتميز الإيقاع السردي بالسرعة في إيراد الأحداث والقفز على مجموعة من الحوليات والسنوات داخل عقد الستين والسبعين نظرا لعدم أهميتها لدى الكاتبة أو ربما لفراغها ثقافيا وأدبيا وخمودها نضاليا بسبب الرعب الصهيوني وعمله على إسكات المناضلين والمثقفين الغيورين على بلدهم الحبيب.
ويستند المنظور السردي إلى المنظور الداخلي الذاتي والرؤية "مع" في نقل الأحداث وروايتها، وبذلك تتداخل الساردة مع الكاتبة فدوى طوقان في المعرفة المتساوية وتذويت المسرود. ويمتزج في السيرة الجانبان : التاريخي والأدبي، أو الجانب السياسي والجانب الإبداعي. وتحصر وظائف الساردة في التوثيق والتأريخ والتصوير والتعبير والتنبيه وتبليغ أطروحة المقاومة والنضال ضد الأجنبي الصهيوني المحتل. ويحضر ضمير المتكلم باعتباره ضميرا بؤريا أساسيا يتحكم في الضمائر الأخرى التفاتا وإرصادا وإضاءة وتوجيها.
وتتسم كتابة فدوى طوقان بالمزج بين السرد والحوار واستخدام الأسلوب التقريري المباشر في نقل الأحداث التاريخية والصحفية وتوثيقها وتشغيل الأسلوب الأدبي البياني الشاعري أثناء عرض النصوص الشعرية. كما يحضر الأسلوب الوصفي الموضوعي العلمي أثناء ذكر مناسبات القصائد وسياقاتها الحدثية والمرجعية وممارسة النقد تحليلا وتقويما وتوجيها. أي إن الكاتبة تجمع بين الوظيفة المرجعية أثناء التوثيق التاريخي والوظيفة الشعرية أثناء استعراض النصوص الشعرية وتذوقها ، والوظيفة الوصفية أثناء قراءة النصوص الإبداعية ونقد كتابات المبدعين وتقويمها دلالة وصياغة ووظيفة.
وقد ضمنت الكاتبة في سيرتها مجموعة من الأجناس الفرعية والخطابات التناصية كالقصة والرسالة والحوار الصحفي والشعر والكتابة النثرية والكتابة النقدية والتقرير الصحفي والأطبيوغرافيا… ويعني هذا أن سيرة فدوى طوقان عبارة عن نص مفتوح على الخطابات الفوقية والواقع المرجعي. وتتخلل هذا الكتاب نوعان من السيرة: السيرة الذاتية الإخبارية العادية التي تقوم على اليوميات والمذكرات واللوحات الحياتية المستقلة والسيرة الذهنية الثقافية التي تشير إلى المرجع الأدبي والثقافي للشاعرة.
وتعتمد الكاتبة في وصفها الأطبيوغرافي على تصوير لوحات سوداء ومشاهد مثيرة ولاسيما لقطات النسف لمنازل الشهداء هدما وتخريبا ولوحات الحصار والمضايقات إبان لحظات تفتيش البيوت بحثا عن الرصاص علاوة على لقطات وصفية لبعض الشخصيات كلوحة فدوى طوقان مثلا.
وقد وصفت الأماكن بطريقة موجزة وموحية مبنية على التكثيف والتلخيص دون استعمال الإطناب والتوسيع والاستطراد الذي نراه عند طه حسين مثلا في سيرتيه "الأيام" و"أديب". وهذه الفضاءات التي رصدتها الكاتبة هي فضاءات مرتبطة كلها بالوطن والأرض في تقابلها مع فضاء الاحتلال مصورة بذلك ثنائية الاسترقاق والرغبة في الحرية، وثنائية الألم والأمل دون أن ننسى رصد الكاتبة لفضاءات مصر بالتصوير عبر مجموعة من النعوت والأحوال والأوصاف الموجزة والدقيقة في التعبير والإيحاء.
استنتاج تركيبي:
نستنتج مما سبق ذكره أن نص فدوى طوقان " الرحلة الأصعب" هي سيرة ذاتية ذهنية يختلط فيها التاريخ بالأدب، والتوثيق المرجعي بالمعطى الأدبي والنقدي. كما أن هذه السيرة هي سيرة المقاومة والصمود والنضال والتوثيق للكتابة الأدبية بفلسطين المحتلة بعد نكسة حزيران 1967م. وتسعفنا هذه السيرة الأوطوبيوغرافية الثرية المنفتحة تناصيا وأجناسيا وإحاليا على تبين سياقات مجموعة من قصائد الشاعرة فدوى طوقان وتفسير كتاباتها الإبداعية والنقدية ، والتعرف كذلك على حيثيات النضال والمقاومة و جدلية الصراع العربي الإسرائيلي، والاطلاع على الوضعية المزرية المأساوية التي كان يتخبط فيها المثقفون الفلسطينيون ويعيشها أدباء الأرض المحتلة.

منسي.
15-05-2007, 03:12 PM
شاعرة رائدة استمدت عظمتها من عظمة القضية التي عاشت من أجلها

داليا الهواري
17-05-2007, 03:18 AM
http://www.elrayyesbooks.com/CatalogueImages/Biography/S-2A.GIF


نازك الملائكة.. من لا يعرفها.. بل من يعرفها؟ هي التي وصفت بكل نخيل العراق الشامخ.. امرأة القصيدة.. و قصيدة المراة.. هي التي كتبت عن الأرض و الإنسان و الطفل و الحياة.. هي التي حين تكتب عن الله تخشع الكلمات في أسلوبها الغزير.. تنحي لهامات الوجود بكل ما فيه من معجزات الخالق التي يبدو ان الإنسان اليوم يكفر بها بشكل ما..
نازك الملائكة الجميلة و البريئة و الأصيلة، ترقد اليوم في مستشفى بالعاصمة المصرية القاهرة. ترقد مريضة جدا، و قد ترحل عنا في أي وقت، و هو قانون الحياة بين المجيء و الرحيل.. لكن الذي يبدو مؤلما أن هذه الشاعرة الأصيلة تعرضت لكل أنواع التهميش في السنوات الأخيرة، و ها هي اليوم ترحل قليلا.. قليلا.. أمام صمت الذين لم يفكروا بمجرد لفت انتباه جيل الشباب الذي اعتقد قبل اليوم أن نازك الملائكة ماتت و شبعت موت...
في خبر نشر على موقع الجزيرة جاء فيه أن ( نازك الملائمة على فراش الموت.. )
وهو صمت المكان أمام صخب هذا الزمن الأرعن الذي يصوب فيه الأخ رصاصه نحو صدر أخيه في هذه الأرض المحاطة بهباء الإنسان الذي لا يشيع من التسلط أبدا
لنازك الملائكة وردة و قصيدة و ماء.. لها اعتراف القصيدة بظفيرة المرأة الجميلة، و بما قاله القلب للبحر أيام كانت الكتابة تعني كل الشعر...
داليا الهواري..

داليا الهواري
17-05-2007, 03:23 AM
نازك الملائكة شاعرة عراقية تمثل أحد أبرز الأوجه المعاصرة للشعر العربي الحديث، الذي يكشف عن ثقافة عميقة الجذور بالتراث والوطن والإنسان.
ولدت نازك الملائكة في بغداد عام 1923 وتخرجت في دار المعلمين عام 1944، وفي عام 1949 تخرجت في معهد الفنون الجميلة "فرع العود"، لم تتوقف في دراستها الأدبية والفنية إلى هذا الحد إذ درست اللغة اللاتينية في جامعة برستن في الولايات المتحدة الأمريكية، كذلك درست اللغة الفرنسية والإنكليزية وأتقنت الأخيرة وترجمت بعض الأعمال الأدبية عنها، وفي عام 1959 عادت إلى بغداد بعد أن قضت عدة سنوات في أمريكا لتتجه إلى انشغالاتها الأدبية في مجالي الشعر والنقد، والتحقت عام 1954 بالبعثة العراقية إلى جامعة وسكونسن لدراسة الأدب المقارن، وقد ساعدتها دراستها هذه المرة للاطلاع على اخصب الآداب العالمية، فإضافة لتمرسها بالآداب الإنكليزية والفرنسية فقد اطلعت على الأدب الألماني والإيطالي والروسي والصيني والهندي.
اشتغلت بالتدريس في كلية التربية ببغداد عام 1957، وخلال عامي 59 و1960 تركت العراق لتقيم في بيروت وهناك أخذت بنشر نتاجاتها الشعرية والنقدية، ثم عادت إلى العراق لتدرس اللغة العربية وآدابها في جامعة البصرة
تكاد تكون نازك الملائكة رائدة للشعر الحديث، بالرغم من إن مسألة السبق في "الريادة" لم تحسم بعد بينها وبين بدر شاكر السياب، ولكن نازك نفسها تؤكد على تقدمها في هذا المجال عندما تذكر في كتابها "قضايا الشعر المعاصر" بأنها أول من قال قصيدة الشعر الحر، وهي قصيدة "الكوليرا" عام 1947. أما الثاني -في رأيها- فهو بدر شاكر السياب في ديوانه "أزهار ذابلة" الذي نشر في كانون الأول من السنة نفسها.
لنازك الملائكة العديد من المجاميع الشعرية والدراسات النقدية منها ما ضمها كتاب ومنها ما نشر في المجلات والصحف الأدبية، أما مجاميعها الشعرية فهي على التوالي:
عاشقة الليل 1947، شظايا ورماد‍ 1949، قرار الموجة 1957، شجرة القمر1968، مأساة الحياة وأغنية الإنسان "ملحمة شعرية" 1970، يغير ألوانه البحر1977، وللصلاة والثورة 1978.
ونازك الملائكة ليست شاعرة مبدعة حسب، بل ناقدة مبدعة أيضاً، فآثارها النقدية: (قضايا الشعر المعاصر1962)، (الصومعة والشرفة الحمراء1965) و(سيكولوجية الشعر 1993) تدل على إنها جمعت بين نوعين من النقد، نقد النقاد ونقد الشعراء أو النقد الذي يكتبه الشعراء، فهي تمارس النقد بصفتها ناقدة متخصصة. فهي الأستاذة الجامعية التي يعرفها الدرس الأكاديمي حق معرفة، وتمارسه بصفتها مبدعة منطلقة من موقع إبداعي لأنها شاعرة ترى الشعر بعداً فنياً حراً لا يعرف الحدود أو القيود. لذلك فنازك الناقدة، ومن خلال آثارها النقدية تستبطن النص الشعري وتستنطقه وتعيش في أجوائه ناقدة وشاعرة على حد سواء بحثاً عن أصول فنية أو تجسيداً لمقولة نقدية أو تحديداً لخصائص شعرية مشتركة.

داليا الهواري
17-05-2007, 03:45 AM
قصيدة: شجرة القمر
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=420


خمس أغان للألم (http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=421)
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=421

أغنية حب للكلمات (http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=422)
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=422

النهر العاشق (http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=423)
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=423

إلى الشعر (http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=424)
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=424


مرثية يوم تافه (http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=437)
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=437

أغنية الهاوية (http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=443)
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=443

الكوليرا (http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=444)
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=444

في جبال الشمال (http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=445)
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=445

إلى العام الجديد (http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=446)
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=446

مرثية إمرأة (http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=447)
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=447

صلاة الأشباح (http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=448)
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=448

دكان القرائين الصغيرة (http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=449)
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=449

غرباء (http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=450)
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=450

أنا (http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=451)
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=451

داليا الهواري
21-05-2007, 12:12 AM
أجل شاعرة رائدة بكل المعاني
تقديري الصادق لك

داليا الهواري
24-05-2007, 03:11 PM
http://www.drmosad.com/index214.htm

داليا الهواري
24-05-2007, 03:54 PM
http://www3.0zz0.com/2007/05/24/12/99934200.jpg




مواليد البحرين عام 1946
• عملت في حقل التدريس في البحرين.
• تعيش حالياً في الامارات العربية المتحدة وتعمل في حقل الصحافة

الإصدارات :
اعتذار للطفولة ، عن دار الغد / البحرين 1978م
الترانيم ، عن دار الفاربي / بيروت 1985م
مسارات ، دار الحوار / سوريا 1993م
أضداد ، عن الإتحاد العام للأدباء والكتاب / عمان 1994م
عزلة الرمان ، عن دار الكنوز / بيروت 1999م
مس من الماء ، اتحاد كتاب وأدباء الإمارات 2000

اعتذار للطفولة
يا عُمق براءة أطفال العالم
جلدي أغطية الدفءِ لكم
معذرةً ..
كلماتي راعشةُ الصوت ..
لأن السيف القائم
يسقطُ فوق رؤوس الكلمات
ولأن الزنزانة فاغرةُ الأشداق
يُرعبني .. يُرعبني
يا أطفال العالم
يا أطفال بلادي
يا طفلي
أن يسقط صوتُ الحبّ على الدرب
فلا يُدفئكم
أن يأكل شفتي سوطُ الجلاد
فلا تُسمعكم
أغنية الأمطار إذا هطلت
ونشيد الشمس
معذرة ..
هل يكفي أمنحكم قلبي
وأشيّد هذا الجسد الفاني
جسراً للوقت؟!

حمدة خميس
تكور الصلصال والنعناع في عزلة الرمان
نضال حمارنة (كاتبة من فلسطين)

(سر الكتابة
انها حرة
تعصى اذا الححت
وتابى اذا اقسرت
وتناى اذا اشركت)
من- محيطات- عزلة الرمان-
"عزلة الرمان" جديد توهجات الشاعرة البحرينية حمدة خميس. المجموعة الشعرية تبدا بالسرائر وتنتهي بالافتنان.. بين طياتها يتنافس قلق اشكالي مشروع ، يعكس واقع تسعينات القرن العشرين الذى تسارعت فيه الاحداث، المفارقات، الفواجع، دون ان تعطى فرصة لالتقاط الانفاس.
(هذة الكابة
لا ينوء
بثقل وطاتها
بلد!!
زبد.. زبد!)
تقدم لنا حمدة خميس في "عزلة الرمان" رؤى غير تقريرية تنتهي بتساؤلات متشابكة، باحتمالات متعددة، تبدا بالصوت الواحد حتى تصلنا معها بالصوت الجمعي- نا- الذي يمثلنا جميعا متجاوزة- نون النسوة- كعادتها وراغبة في الحوار الديمقراطي الهادئ مع الاخر.. وان اختلفت وجهات النظر.
(ناتلف
قلت لي
ناتلف
قلت لكننا
في مسالكنا للهوى
نختلف!)
تبدا اغلب القصائد في تنغيمها المنخفض او المستوى- بالجمل الاثباتية- ثم يتصاعد هذا التنغيم رويدا رويدا ليتصاعد معه الايقاع، واحيانا تضع بعض الفقرات التنفسية في اوسط واغلب الاحيان تختم هذا التصعيد دون حسم تضميني مضيفة اليه (اشارات التعجب) تاركة المتلقي امام احتمالات قد لا يجد حلا لها ايضا، هكذا تحض المتلقي على التامل وتثري التوتر الدلالي للنص:
(لتبق السلاسل
مشنوقة
على الجدار
والميزان متارجحا
بين العدالة
والغياب!!)
استثني من المجموعة قصيدة (احبك كل هذا الحب) واخص نصفها الثاني فقد طغى التنغيم المنخفض والتكرار لبعض المقاطع- اجل امي.. نعم امي..احبك كل هذا الحب. ربما ارادت الشاعرة بتكرارها التاكيد على موقف لن تتراجع عنه. لكن التضمين الاثباتي والتكرار عادة ما يؤديان الى خفوت التوتر الدلالي ويخففان من تامل المتلقي.
لم تكتب حمدة خميس الحنين المحايد، بل بخصوصية شديدة كتبت تجليات- الانسان البحريني المنفي- كانها صقر يكابد ويعاند هذا- المنفى- الفعل المفروض عليها، والخيار الذي لا بديل عنه.
هذا التناقض بدا واضحا في النص الشعري. الوجع المسطور على الورق والمشطور في داخلها في ان معا. في قصيدة (اسئلة الكمد) تطرح تساؤلا مرا وجريئا:
(ما الذي يجعل الاوطان
على نكرانها
اغلى
ويجعل اهلنا فيها
على جفوتهم
احلى.....)
ثم تطرح تساؤلا صراعيا ذاتيا مؤلما، رغم خصوصيته يحمل بعدا انسانيا يزيد غنى التوتر في النص:
(لماذا كلما عدنا الى الاوطان
ينازع روحنا فيها
حنين جارف كالسيل
للهجرات؟)
في نهاية القصيدة تستكمل عمق الصراع الداخلي في ظل وحدة المحور الواحد لتصل بنا الى تعارض حتمي ينتصر فيه (الواقع المفروض) المؤسي والمحزن حتى غدونا نهلل لخسائرنا؟
(ونهتف من غربة تشتد
ومن غربة تمتد
ومن هول ما يثقل الارواح
اذ تصبو الى الاسمى
نهتف من فدائحنا
الله!
ما اجمل المنفى ؟!)
تميزت (اسئلة الكمد) عن باقي قصائد المجموعة من بدايتها الى نهايتا بتنغيم صاعد، وصدق عميق مؤثر، وصل الينا صوت الشاعرة قويا جسورا. نجحت في اخراج تعب الصراع الجواني الممتد في داخلها.
تجلى تناص المجموعة مع الطبيعة في الخليج العربي البحر باعماقه بشطوطه وسماواته، النباتات الصحراوية، النخيل، الطيور، الزهور.. وتماهي الشاعرة معها في كثير من الاحيان، مما اضفى على تضمين النصوص بعدا رومانسيا رقيقا سار بتواز مع ادواتها الفنية المستخدمة فهي تتحدث الى زهرات الفل في ساعات الوحشة.. والواحدة.. بعدها تبلغنا في
(ياس الندى):
(هذي انا
وليس يبلغ
منتهاي
سوى ما شادت الروح
من ياس شفيف
كالندى
واستانسته!)
الا ان القصائد رغم شفافيتها ورومانسيتها مليئة بروح الرفض، بالتساؤلات الحارقة، بالهم الخاص المرتبط بالهم العام.. بهذا التيه الزمكاني والروحاني للمبدع العربي الحر:
(وانت
الى اي ارض تؤوبين
اذا لاح ظل الهجير
على تيهك المر:
وضاقت عليك الحدود
وضاق
بخفق الجناح الفضاء ؟!)
استطاعت حمدة خميس كمبدعة ان تعكس همومنا.. مواجعنا بوعي جمالي اخاذ، استخدمت لغة بسيطة غير مراوغة تقترب من تكوين اللغة العادية لكنها تقبل الاحتمالات وتبتعد عن الالتباس المترف. حتى الترادف نادر، ورد بوضوح في قصيدة (ميلودي الى ملوكي) المكتوبة في امريكا.
(وهواء مدينتهم
الطف من خطو صبايانا
اذ يثقل كاهلها الغض
ما تحمل من طلسمنا الفظ:
حاء
راء
الف
ميم
ثمة حرف اخر في روح الطلسم
حينا يصبح ياسا
وحينا تاء للتحريم!)
بدات هذه القصيدة من خلال دراما وصفية للمدينة الامريكية وهالتها الحضارية، طرحت حمدة خميس من خلالها ومن موقع الندية مفهوما انسانيا عميقا نابعا عن وعي اجتماعي وسياسي لمفهوم الاستغلال ولفكرة الخوف: الخوف هنا سيد هذي المدن الحرة!
(حيث يرابط في الطرقات
وفي الشرفات
وعند رتاج الابواب
خوف القتل
وخوف النهب
وخوفالفض.)
ثم تستكمل فكرتها رابطة ببراعة بين خوفنا وخوفهم، مدننا ومدنهم لتؤكد وان تعددت المخاوف فالمسبب واحد:
(الخوف تصنعه المدن الشاهرة الانياب
وتصدره
عبر البحر وعبر الجو
وعبر البر
الى مدن اتراعها الخوف
فقفت ترقب لقمتها
مثل صغار الهرة!)
لتصل الى نتيجة ان تلك الحرية صنف من اصناف التطويع
(ليس لك في مدن الحرية
الا وهما يتهاوى
وصدى يرتد اليك:
ا..ا..ا..ا..ه)
احيانا يشوب الجملة الشعرية اصطبار الياس المؤقت، العزلة الاسى، لكن التمرد بائن في حروف السواد، دون عنف ظاهر كانه نزف داخلي كانه صرخات في عتم الليل.
(... واكور الصصال والنعناع
بين الليل والغبش الشفيف
وارى استدارات
النهار!)
هكذا بروح الامل من جديد.. عن طريق الفن والابداع تستعاد.. ترى العالم.. الواقع.. الحياة.. مفعمة بحرارة الرفض لكل ما هو موحش ومحزن.
(فتبتل وحشتنا بالندى
كان لم يمر
علينا القتام.)
فنراها لا تكتفي بالندى رغم الام الواقع ورغم الصعوبات، فهي تمتلك وعي الضرورة:
(ها حبة حب
تشهق في تربتها،)
من "عزلة الرومان" من حبر الروح! تملك قوتها:
(في مجرى التيه هي
في البحر المائج
في الوقت الصعب
في السعفات
وفي....
حضرتها!)

داليا الهواري
24-05-2007, 04:05 PM
ولدت في مدينة حلب شمال سورية . عاشت منذ سنوات طفولتها المبكرة في الكويت حيث انتقلت العائلة مع رب الاسرة .
تلقت مراحلها التعليمية منذ الابتدائية حتي الجامعية في الكويت، وتخرجت من كلية الحقوق والشريعة. عملت في الصحافة بعد تخرجها واشتغلت محررة في صحيفة "الوطن" الكويتية منذ عام 1979 حتى آب 1990 حين غادرت الكويت.
نشرت الحوارات والتحقيقات الصحفية والنقد السينمائي في مجموعة من الصحف والمجلات العربية . وبالاضافة للعمل الصحفي تكتب المقالة، وقد نشرلها في صحف " الحياة" و"الشرق الاوسط" و "الزمان".
تقيم في العاصمة البريطانية منذ العام 1994 وانتسبت لمجموعة من الدورات في: النقد السينمائي، فن الرواية، السينما الوثائقية، والادب الانجليزي.
لها مجموعة قصصية بعنوان "حالنا وحال هذا العبد" صدرت في دمشق عام 1992. ورواية "صباح إمرأة" صدرت عن المركز الثقافي العربي في بيروت


فنجان شاي مع مسز روبنسون

رسمت السيناريو في ذهني، وكنت استرجع المشهد المتخيل مرات عدة. كيف ستفتح لي الباب فأرتمي في حضنك، وقد تنفلت الحرقة من مقدرتي على التحكم بها فأشهق، ثم سأحكي لك عن الحادثة. او ربما في سيناريو بديل، يجب ان اتماسك وأسرد تفاصيل الحادثة اولاً، ثم أبكي ذلك البكاء المؤجل في حلقي، منذ اكثر من ساعة.
كان يجب ان اتخيل التفاصيل المقبلة للقائنا، لأنها هي التي سندتني من السقوط في الطريق العام. حبست دمعتي لئلا استثير شفقة المارة في الطريق، او ألفت انتباه ركاب الحافلة بعد الصدمة التي تلقيتها.
تخيلت كيف سأدخل الى البيت بعد ان اضغط على زر الجرس، لن افتح بالمفتاح قلت لنفسي، سأدق، ولن اضغط طويلاً على زر الجرس، لئلا اثير فزعك. وعندما تفتح ستراني اغطي خدي الايمن بكفي وسأبدأ في قص الحكاية التي جرحت كبريائي مساء اليوم. سأقول لك بعد ان اهدأ انني ما كنت قادرة على ترك نصف وجهي المصاب مكشوفاً للعيان، مثل عورة. صحيح انني كنت ضحية للعنف، لكنك تعرفني جيداً وتعرف كم اكره التصرف بسيكولوجية الضحية.
تذكر عندما لجأنا الى هذا البلد هرباً من قمعين: ارهاب السلطة وارهاب الاصوليين؟ وتذكر اليوم الذي قدمنا فيه اللجوء هنا، يومها تحدثت بقوة مع الموظف البريطاني المكلف ملفنا، قلت له: "أنا وزوجي وابنتي لن نبقى هنا بعد زوال الاسباب التي تهدد حياتنا بالخطر. نحن لا نحلم ببلادكم كجنة بديلة، بل كملجأ يمنحنا الحياة الآمنة الى حين. لم يبد عليك الارتياح من ردودي وانتقدتني بعد ان خرجنا، انني خاطبت الموظف البريطاني كما لو ان وجودنا في بلاده منّة، لا طلباً للأمان". "كان يجب ان تكون نبرة صوتك اخف حدة وأنت تتحدثين اليه". قلت من دون ان تنظر في وجهي ونحن نسير باتجاه محطة القطار القريبة من وزارة الداخلية في منطقة كرويدن.
أزعجت من الهواء البارد ومن تحاملك عليّ، ورددت بنبرتي اياها التي لم تعجبك: "لكن موظف دائرة الهجرة استجوبنا استجواب المجرمين المتسللين الى حدود بلاده". تصمت عندما لا يروق لك كلامي، تتركني احكي وأنفعل، وتلتزم انت الصمت، تكبّراً. يغضبني صمتك في لحظة مفتوحة على الحوار، فأبدو في حضرة تجاهلك إمرأة ثرثارة. على اي حال سيناريو اليوم باحتمالاته المتعددة لم ينجح، فعندما ضغطت على جرس الباب، كان قلبي يدق توجساً من اللحظة التالية التي ستصدمك وتجعلك تشاركني الحال المؤجلة. كيف حدث ما لم نتوقعه، هذا الذي هربنا منه في بلاد قست علينا كثيراً في السنوات الاخيرة؟ حدث سيجعلنا نعيد التفكير بفكرة المنفى والامان، ان هو تكرر معنا. الا انك عندما واجهتني كنت تحمل بكلتا يديك كأساً وسيجارة. انشغلت الكفان عن اي فعل آخر، كأن تحتضنني مطمئناً وماسحاً على رأسي. لم تكن انت الذي فتحت لي الباب. دخلت انا بمفتاحي، لأنك لم تسمع رنين الجرس. كنت وصديقاك، تتناقشون بصوت عال في القضية الوطنية، جلوساً في شرفة الشقة المطلة على منحدر جميل في حي هامستيد. لا بد من انك لمحت طيفي ينسحب بسرعة من الصالة، فلحقت بي. لم تسألني عن سرّ خدي الايمن الذي استرخت عليه كفي "ما بك؟" وأردفت بسؤال آخر: "لم اتمكن من احضار البنت، انشغلت بضيوفي، هل تذهبين انت؟".
هكذا اذاً رششت الملح على الألم ليستعر اكثر، كنت لحظتها اجلس على حافة السرير واجمة من صفعة الاسئلة الباردة، على كلا الخدين هذه المرة. خمنت متسائلاً: "هل هو ضرسك؟".
"لا. تعرضت للعنف في الشارع".
لا تزال يداك منشغلتين بما تحمل، وطالت مساحة الرماد المحروق من السيجارة فتحركت صوب النافذة ونفضتها في الهواء الخارجي. كأنك لم تستوعب الحدث، ام انك استوعبته وكنت تحلله منطقياً يا استاذ الفلسفة، عندما سرحت قليلاً!
سألتني عن مواصفات المرأة المعتدية وإن كانت معروفة لديّ. تحولت الى محقق شرطة وكنت لحظتها احتاج الى صدر حبيب. جهامتك وشعرك الذي غزاه شيب مبكر، يطلان عليّ مثل تمثال مهيب، فاشعر بقزامتي فوق حافة السرير. كائن قزم ينتظر لفتة من الشفقة والحنوّ. تنظر الي من عل وتدقق عن بعد في آثار ارتطام خدي بالجدار، الذي لولا انني حميته بكفي... و...
باخت الحكاية وانفلش السيناريو الذي كان سيخفف عني وقع الصدمة/ الاهانة. قبل ساعة واثناء سيري في شارع مزدحم اقتربت مني امرأة ضخمة الجثة، لاحظت توجهها السريع نحوي قبل وصولها بأمتار عدة، خانني ذكائي واستبعدت اي نية سيئة، لكنها فاجأتني بدفعة من كتفها الممتلئة، ورمت بجسدي النحيل يميناً. فعلت ذلك وهي تصرخ بهستيرية: "اذهبي الى الجحيم". ولولا انني حميت وجهي بكفي لتعرض رأسي لما هو اخطر.
لم اروِ لك الحادثة كما اشتهيت ان تروى، حوّلت انت التفاصيل الى مجرد اجابات عن اسئلة: كيف ومتى، ولماذا تعتقدين انه موقف عنصري؟ لم تكن في جلسة حوار فكري ايها السياسي اللاجئ، كنت في غرفة النوم مع امرأتك التي لم تصحُ بعد من هول الصدمة!
ان لم تتعمد المرأة المعتدية ما فعلته، كانت توقفت بعد شهقة الالم وبعد ان تجمع المارة حولي. لكنها اكملت السير منتصرة. لماذا انا؟... هذا ما اردت ان تقوله لي. حسناً لا بد من ان الاعتداء كان رد فعل سريعاً على احداث العنف التي شهدتها مدينة مانشستر قبل اسابيع بين آسيويين وإنكليز. ربما ان بشرتي السمراء استفزت تلك المرأة، وهنا يصنفون الافراد بحسب لون بشرتهم: ابيض اوروبي، ابيض غير اوروبي، وأبيض من اصول اخرى (حدد). اسود افريقي، اسود كاريبي، او اسود من اصول اخرى (حدد). هكذا تتكرر الاسئلة في الاستمارات لتطاول كل الالوان، فإلى اي الالوان انتمي انا في الشارع؟ الى سمرة شمال افريقية، الى سمرة عربية، ام ان علي ان اكون اكثر تحديداً؟ هل تراه كان عنفاً مجانياً من النوع الذي يحدث كل يوم: عجوز يضرب في بيته من مراهقين، وعجوز اخرى تسرق في الطريق بعد ان رماها احدهم ارضاً ليسرق منها مبلغ تقاعدها الرسمي بعد ان تسلمته للتو من مركز البريد. ربما ان المرأة المعتدية عصابية، وكنت انا ضحيتها، ربما ان هناك دوافع اخرى. لم تكن اللحظة مفتوحة للاحتمالات. كانت لحظة لا تحتمل اكثر من التعاطف.
برد الغضب في داخلي ولم يهدأ. وأنت، يداك مشغولتان بسيجارة وكأس. والصديقان ينتظران على الشرفة في ليلة صيفية لطيفة قلّ ان تحدث في ليالي مدينة لندن. هل هي غلطتي انني تعرضت للأذى في الوقت الخطأ، هل كنت ستتصرف بحساسية اكبر لو كنت وحيداً في البيت، او لو لم يكن الجو صحواً!
بدأ المطر بالنث، فمنح زجاج الحافلة انعكاس المرايا. تتداخل المشاهد المضيئة من داخل الباص وخارجه مع مشاهد من عمري: الحب، الزواج، النشاط السياسي لكلينا، الملاحقة، قرار مغادرة البلاد بعد تهديدات الاغتيال التي وصلتنا، الانتقال الى هنا. متابعتي دراسة الهندسة الالكترونية، ابنتي التي اتركها عند جليسة اطفال حين يكون ابوها خارج البيت. عملي في اوقات الفراغ في المقاهي وتوزيع المنشورات الدعائية الخاصة بمطاعم البيتزا والسوبر ماركت، في مقابل اجر زهيد يدعم مصاريفنا. كم دارت معي ابنتنا نادية ولم تكن تجاوزت الرابعة من عمرها، تسابقني لتضع اوراق الاعلانات الملونة في فتحات الابواب المخصصة للبريد. اننا نحوّل التعب الى لعب ونضحك، فيخف تأنيب الضمير بداخلي لأنني اشغل طفلتي معي في تحصيل لقمة العيش.
تمر المشاهد امامي مسرعة وأنا احدق الى يميني، الى زجاج النافذة المغبش قليلاً برطوبة مطر انهى صحو يوم صيفي في لندن، ام تراها غبشة عينيّ وقد تسربت رطوبة دمع جهدت ان اتحكم فيه!... لا اريد شفقة عامة من حولي، من اشخاص منهكين بعد يوم عمل طويل وتفاصيل حياة مرهقة.
لكن لماذا لا اتذكر اللحظات السعيدة؟ نجاحي في الجامعة البريطانية الذي جلب لي عرضين للعمل بشروط ممتازة. لماذا لم تبد مبتهجاً مثلي عندما قرأت عليك رسالة شركة الهواتف، تلك التي ابدت حماسة للبحث الذي قدمته في الماجستير عن تكنولوجيا الاتصالات، الرسالة التي عرضت علي العمل بامتيازات لا تقاوم؟
"مبروك"... قلت على مضض. كأنك استكثرت تفوقي في البلد الغريب، كأنك غضبت من رفيقة درب لم تخفف عنك وحدتك وتمنح نفسها خالصة للمنفى. هل هذا هو سرّ وجومك قبل قليل؟ ارتحت لصفعة اعادت التوازن الى صورتي في ذهنك، زوجة سياسي منفي، غريبة في بلد غريب، وليست لاجئة تتمتع بحق النجاح والثناء، منفردة؟ رفيقة ليس بالضرورة ان يحمل تقديرها درجات PLUS. ولم لا تحمل تقديرMINUS في نشاطها، درجات سلبية في مواصفاتها، كي تتوازن شخصيتها مع واقع وجودها في المنفى!
عندما فتحت الباب ونزلت، لحقت بي وصحت من اعلى السلَّم: الى اين انت ذاهبة؟ عرضت ان تذهب بنفسك لاحضار الطفلة، لم اجبك، خرجت من المبنى وأنا افكر بمسز روبنسون، السيدة الانكليزية التي نترك عندها صغيرتنا نادية حين يكون كلانا خارج البيت. قبل ساعات عدت انت لتلحق بموعدك مع الصديقين، وتجاهلت حقيقة ان هذه السيدة دقيقة في مواعيدها وترفض ان يترك الاطفال عندها الى ما بعد الساعة السادسة. امرأة انكليزية بامتياز، وموسوسة بالانضباط. سأضطر لمواجهة تقريعها الذي تصدره بصوتها الرفيع وهي تفتح لي الباب، زامة شفتيها الرفيعتين فتنكشف خطوط التجاعيد التي بدأت تكثر حولهما.
لكن احزر ماذا حصل؟ صرخت عندما رأتني: "يا إلهي من فعل بك هذا؟". انفرطت دموعي، فنست مسز روبنسون تأنيبي لأن الطفلة غفت في الداخل، وأمسكت بكفي طويلاً بين يديها وهي تربت عليهما، بعد ان اجلستني على اريكة كانت فاخرة يوماً وبهت لونها مع الزمن. راحت تواسيني وأنا احدق في وجهها محاولة اكتشافها من جديد، أهي ذاتها المرأة التي كنا نشبّهها بالمسز ثاتشر محيلين الى تسريحة شعرها، وحزمها؟...
احضرت من الداخل كمّادة مبلولة بمياه باردة، وضعتها فوق خدي المتورم. قالت: "يجب ان نسجل محضراً عند الشرطة غداً. الوقت تأخر الآن. لا يمكن ان يمر فعل تلك المرأة الشريرة من دون عقاب. اما الآن يا عزيزتي، استرخي قليلاً، وسأعد لكa nice cup of tea
الشاي سيعيد الدفء الى كفيّك الباردتين".

داليا الهواري
24-05-2007, 04:19 PM
http://www.adabwafan.com/content/thumbnails/1/Book%20Images%20101.jpg


بثينة وائل العيسى
مواليد 3 سبتمبر 1982
حاصلة على شهادة البكالريوس من كلية العلوم الإدارية، تخصص تمويل و منشآت مالية - جامعة الكويت .. عضو في منتدى الإثنين التابع لرابطة الأدباء الكويتية

تقول عن نفسها بنفسها:
قارئي، يا شبيهي، يا أخي * هذا النص لك! أترى – يا أخي – كم نحن دجالون، بوسع أي عاقل أو غير عاقل، بمجرد أن يرى هذا النص، أن يستنتج بديهيا أن ثمة شخص وجد الوقت الكافي لكي يكتبه، ويبدأ برسم صورة له منكبا على مكتبه، يرتشف قهوة مركزة، يضغط رأسه بكفيه ويحك قفاه، ويمزق الأوراق أحياناً ..
يا للدجل ! إنهم لا يريدون لذلك أن يظهر على النص ، لأننا ما اعتدنا أن نكون واقعيين بما يكفي ، هل تتخيلني الآن ؟ منكفئة على مكتبي و أعبئ السطور ؟ هكذا تجيء خيالاتنا عادة ، وإن لم تكن هذه الصورة قريبة مما في ذهنك فهي غلطة وسائل الإعلام ( أليس رائعاً أنه بوسعنا أن نلوم الإعلام على كل شيء ؟! ) ، ولكن إذا أردنا الحقيقة ، أنا لا أجلس في غرفة هادئة ، لأن أشقائي حولي الآن و يحدثون إزعاجاً فظيعاً ، عوضاً عن ذلك .. فأنا لا أكتب على الورق ، بل أرتجل ما أريد قوله على الكمبيوتر ، و أدعو لبيل غيتس بالعمر المديد ، و العمل الصالح الرشيد ، لنقل بأنني لا أشبه كاتباً في شيء .. بوسعك أن تضحك ، يا قارئي يا شبيهي يا أخي ، لأنني حديثة التفتح في الكتابة ، و أحفظ مصطلحات قليلة أنوي استعراضها لأوهمك بثقافتي ، مثال : صوت الراوي ، و لكنني غير متأكدة إن كان فهمي للمصلح دقيقاً ، كما أنني أحاول أن أوهمك بأنني أعرف بودلير بما يكفي لكي أقتبس منه نصاً ، ولكن الحقيقة أنني لا أعرف عنه إلا مطلع هذه القصيدة لأنني عرفت شاعرا يقتبس هذا المقطع ** ! ها أنتم ترون كم أنا " لا كاتبة " و " لا مثقفة " ، و لعلي من أشد مناصري الجهل ، الجهل العميق ، لا الجهل الساذج ، الجهل غير المقولب ، الجهل الحر الذي يصنع الحقائق ، الجهل الذي يسمونه " الفطرة " ، جهل صنع الأسئلة ..
ما أحاولُ فعله هنا هو رسم صورة واقعية لي ، بكل ما يمكن أن يتمخض عنه الواقع من إحباط ، و هذا بذاته نرجسية ! إذا أردنا أن نكون عادلين ، ولا أنوي نفي هذا الاتهام ، لأن عندي ما يكفي من الحقائق التي أحاول إلغاءها ، إذاً .. وعلى سبيل ما يمكنُ حصره : فأنا مفلسة من الأوسمة ، مورقة بالعادات السيئة .. بدءا من قضم الأظافر و انتهاءً بقلة الذوق ، أحب الأطفال و القطط و السلاحف ، و أشعر بأن هذا العالم كله مسئوليتي ، و أن عليّ أن أحسن تربيته ، أحاولُ أن أجيء حقيقية ، أن أعض على كبد الكلمة لتتكشف غواياتها بين يديّ ، عندي أحلامٌ كثيرة بصدد الكتابة : أحدها كان هذا الموقع !
بدت فكرة تدشين هذا المكان مثل أمر مسلم به بالنسبة لتجربتي ( الحديثة بالمناسبة ) ، أولاً لأنني تصعلكت في أورقة المنتديات الإلكترونية بما يكفي ، ثانياً لأن عندي نصوصاً أحلم أن يخبرني أحدهم بأنها " تزيد سعة الأرض " فعلا ، و لذا أجازفُ بنشرها ، و ثالثاً لأنني متهورة بما يكفي لكي أقدم على خطوة النشر الورقي ، و روايتي الأولى " ارتطامٌ .. لم ُيسمع له دوي " على وشك صدورها من دار المدى ، بسبب هذا كله ( أوف ! أبدو الآن مثل عجوز ثرثارة ، مهترئة و مملة ) .. كان لابدّ من علي المبهر ! لأن ليس ثمة من يقرأني مثله ! لقد راهنتُ عليه منذ البداية ، و شعرتُ بدغدغة الانتصار و أنا أتحسس المكان لأول مرة منذ تدشينه و أبسمل ، لقد جاء علي بنصه الخاص ليتداخل مع نصي بعفوية الماء ، و كان لا بدّ من شكرهِ ..
إنني في النهاية مجرد مشروع، و كل ما أحاولُ فعله أن أكسب تعاطفاً ما ، لأن أمامي مشواراً لأقطعه ، و أنا فعلاً .. أحتاج أن أحس بوجودكم ..

أمي ملعقة الشاي
( كانديدا )
مؤلم .. أن تكون حياتك فارغة مما يستحق الذكر ، و الأشد إيلاماً.. أن يكون عندك الكثير لتقوله.. عن حياة فارغة !
أن تكون من مواليد الأول من إبريل يعني أن يلازمك ظلُّ كونك كذبة ، أو ربما .. مزحة تسللت خِلسة إلى عالمٍ حزين، أضغاث خطيئة قديمة ، ذنبٌ مقطوع لحيوان منقرض ، شعورٌ لا يفسره إلا الأشياء الزائدة عن الحاجة .
( كانديدا )
مؤلم .. أن تكون حياتك فارغة مما يستحق الذكر ، و الأشد إيلاماً.. أن يكون عندك الكثير لتقوله.. عن حياة فارغة !
أن تكون من مواليد الأول من إبريل يعني أن يلازمك ظلُّ كونك كذبة ، أو ربما .. مزحة تسللت خِلسة إلى عالمٍ حزين، أضغاث خطيئة قديمة ، ذنبٌ مقطوع لحيوان منقرض ، شعورٌ لا يفسره إلا الأشياء الزائدة عن الحاجة .
الثلاثاء .. يومٌ يليق بولادتي ، أشعر بأنه ملغيّ من خارطة الزمن ، يفتقر إلى التطرف و التوسط ، وجوده مجاملة للتافهين الذين يحضرون إلى الحياة لتكثير السواد ، الثلاثاء .. يومٌ يشبهني، صامتٌ أكثر مما ينبغي ، لأن أيمن يكون قد شرعَ في قراءة كتاب جديد ، و هذا يعني أن تُفرغ ثلاث علب سجائر مارلبورو برفقة رجلٍ يحدق في الصفحات و يتأوه !
- حياةٌ واحدة .. لا تكفي لقراءة كل هذه الكتب !
هذا المجنون يلهث ، و كأنه يهرول منذ ساعات ، يقرأ و كأن قدر عليه أن يقطع أطول شوطٍ على الورق ، يخوض منافسة مع نفسه ، عمرٌ واحد لا يكفي لتجربة كل شيء ، لذا .. هو يفعل ذلك في الكتب ، يذنب ، و يستغفر ، و يستبدل ملابسه ، و يحبس أنفاسه ، و يعرق ، و يجوع ، و يغني ، و يضاجع ، و يثمل ، يخاف أن يدركه الموت قبل أن يدلقَ في روحه كل الكتب ، ثم يتجشأ ما قرأه في أذنيّ .. ليضاعف غثياني!
الثلاثاء .. يومٌ مثاليٌّ للشخبطة على رزنامة تقويم ، لرسم خطٍ عريضٍ على ملامح التواريخ ، رثاءً للأيام الرخيصة المنصرمة ، أبالغ أحيانا لأرسم خطوطا على أيام السنة القادمة و أنا أقسم أنها لن تكون مختلفة في شيء ، هواية أخلص لها أكثر من زوجتي ، تشبه قضم الأظافر ، تشبه رسم الشوارب على صور الحسناوات كأقسى انتقام أعبر به عن بغضي لهن ، لمجرد أنهم جميلات و أبعد من قدرتي على الالتقاط !
أقلِب الورقة بقرف ، أتسلى برسم شيءٍ في طرف الورقة ، أزعم بأنها شجرة ، ربما صبارة ضخمة ، ربما غوريلا ، يلقي عليها أيمن نظرة من خلف نظارتيه ، يتساءل دونما اكتراث يذكر ، و كأنما يلقي الأسئلة لمجرد التساؤل ، حتى يحافظ على قدرٍ أدنى من اليقظة في لوحة مشبعة بالخمول .
- ما هذه ؟
- شجرة !
- تبدو مثل التنين ذو الرؤوس التسعة !
لا أحتاج إلى أسباب فشلٍ جديـد ، أنا لا أمارس الرسم إلا إذا تآكلت كل أظافري ، ولا أستطيع حتى أن أكتب على السطر !
كتلة خواء متحركة ، هكذا تجعلني أشعر .. هذه المدينة التي تزداد خبالاً ، و تبالغ في العتمة ، أحدنا غائبٌ عن الآخر حتماً، أنا.. أو هذا العالم ، و طالما أن العالم كبيرٌ كفاية، سيكون إجحافاً بعظمته أن أتهمه بالغياب، لكنني لا أشعر به، و أنا أجزمُ يقيناً بأنه لا يشعر بي ..
كلانا في نظر الآخر ، كذبة !!
* * * *
- أنت لم ترضع كما يجب !
هذا ما يقول أيمن في كل مرة يقرأ لي نصاً ، و على شفته شبح ابتسامة طافحة بالمغازي .
- هل أصبحت تقرأ لفرويد ؟!
اتسعت الابتسامة ، الأرجح دون أن يشعر ، أو دون أن يرغب بها ، لكنها تتمدد بحجم اللمعان الخبيث في عينيه ، يضيف :
- و لم تمص إصبعك أيضاً !
- تباً ..
أولئك الذين لم يرضعوا كما يجب – و أنا منهم ، و أيمن ليس منهم – يكبرون و في أفواههم حروفٌ كثيرة ، " العدوان اللفظي " كما يسميه ، و السؤال الصعلوك إياه : ماذا يعني.. أن تكون رضيعاً بفم ملوث بالفطريات ؟!
" الكانديدا "..
هذا ما قالوه لأمي ، فمٌ مليء بالفطريات، و طفلٌ يمصّ شفة الموت، و أمٌ تبكي من آلام ثدييها، تعصر صدرها في بالوعة المغسلة.. الصغير يزداد هزالاً، و البلاعة تزداد جمالاً !
أصواتهم تصطخب في الذاكرة رغم أني لم أسمعها يوماً :
" يا إلهي ! الكانديدا ! "
" سيموت ! كيف لرضيع أن يعيش دون ثدي ؟!"
تقتات عليّ .. الكائنات الصغيرة ، تدمر جهازي الهضمي ، آثارها تظهر سافرة حتى في ما يطرده جسدي من فضلات ، و فمٌ ينزف بألم . مع كل محاولة عابثةٍ لإرضاعي كانت تخرج ثديها و عليه آثار دماء امتزجت باللعاب ، صارت بعدها ترضعني بملعقة الشاي ، هي التي أدين لها بحياتي.. أعني، أمي معلقة الشاي !
تلك الفطريات التي لوثت فمي لم تكن إلا حروفاً ، أتقيؤها كل يومٍ – في أذني أيمن - دون أن أزداد امتلاءً .. أو أقلّ خواءً !<
أنخل الحيّ من ذاكرة معطوبة، على أمل أن تلفظ آخر صورة مقبورة في ما نسميه.. النسيان : المنفى الاختياري لكل آلامنا المؤجلة.
أدفن وجهي في ساعدي إمعاناً في الأسود ، ثلاث ساعات متتالية.. يلوكني الغياب ، أيّ حياةٍ هذه التي تستحق كل هذا الوقت من التمعن ؟! لا شيءَ جديرٌ بالذكر، عدا أن الثلاثاء يبدو ملائما لمزيد من التعرية .. أتطلع فيه إلى مغادرة المقهى أكثر خفة مما كنت عليه ، محاولاتي تخفق تباعاً .. في كل مرة أعثر في تلك المنطقة النائية المظلمة ، صورة تمارس ابتزازاً رخيصاً تجاهي ..
يعلق أيمن، بعد أن قطع شوط أربعين صفحة من كتابٍ جديد ، و أنا واثقٌ بأنه لا يحدث إلا نفسه..
- يبدو جيداً !
- كيف تقيم الجودة ؟!
- الكتاب الجيد.. هو الكتاب الذي عندما تفرغ منه.. ينتابك شعورٌ بأنك قد خرجت من الحمام..
هكذا يتخلص صاحبي .. من (المغص الفكري !) ، يخلع نظارتيه.. يمسحها بطرف كمه.. ثم يضيف ..
- الكتاب الجيد هو الذي تقرأه عندما تكون إشارة المرور أمامك حمراء !
لم أفعل ذلك في حياتي ، إلا مع كتب الفيزياء ، و قبل الاختبار !
* * * *
ذاكرتي تفضحني أمامي ، و كأنني أراه بسرواله البني الواسع و بقع الماء تحت إبطيه ، رجلٌ بصلعة ضخمة و زبدٍ في زوايا شفتيه، و عصا تتلوى بين يديه من فـرط الألم، و أنا في آخر الصف، في سلة القمامة، كلما التفت أحد الطلبة ليراني.. أمد له لساني و أتوعده بركل مؤخرته بمجرد انتهاء الحصة ، أصواتهم جميعاً تصطخب في رأسي :
- فرق بين ؟
- مربعين !
- حدودية ؟
- ثلاثية !
- مجموع ؟
- مكعبين !
مكعبات، و مربعات، و دوائر، و أشكال هندسية كثيرة ، توقظ اشمئزازي.. وسط غثاء القطيع الذي يتقيأ ما حفظ في أذني الأستاذ، و تحت قدميّ تماماً علبة عصير كوكتيل لزجة، و بقع شوكولاتة تلطخ بنطلوني .
أذهب إلى المدرسة حاملاً حقيبة فارغة و رأساً فارغة، أحفظ عن ظهر قلب الطريقة المتفردة لكل مدرس في معاقبتي، أكثر مما أحفظ ذلك التهريج الهندسي الأجوف .
مدرس الرياضيات يعاقب الطلبة بإيقافهم داخل سلال القمامة، مدرس العلوم، و طابورٌ طويلٌ من العاجزين عن حفظ النظريات وقوفاً أمام السبورة بأنوف ملتصقة ببقعة طباشير ، علامة الغباء الفارقة.. تلك التي لم يكن يسمح لنا بإزالتها عن أنوفنا حتى نهاية الدوام الدراسي ، لا شيءَ مثل أن تقضي حصة دراسية كاملة بأنف موسوم ببقعة بيضاء.. مثل مهرج حزين .
أستاذ اللغة العربية ، يجعلنا نقف وراء الباب و يمارس فتحه و غلقه بقوة حتى ترتطم الرؤوس البليدة الصغيرة بالجدار علّها تعمل ! طفولةٌ كهذه ، تفسر – إلى حدٍّ ما – أنني لا أحب الأصدقاء ، لكنني لا أفهم هذا التوائم مع أيمن، الشيءُ الوحيدُ الأكيد، أن هذا الوغد قد رضع بشكلٍ جيد، و ربما ما زال يمص أصبعه أثناء النوم ، و ما زال يمص سيجاره كما لو أنه يرضع ، هو مثل رجلٍ يقبل امرأة قبيحة لمجرد أنها امرأة .
* * * *
لم أكن في تمام وعيي ، لكنني قلتُ بحماسٍ فائض :
- أرضعيه .. لا أريد له أن يصبح كاتباً !
عانقت في وجهه الهارب من ملامح طفولتي، ربما الأنف ، ربما الحواجب ، لم تكن الصورة مكتملة ، مؤلمٌ أن تعيش بجيوبٍ فارغة من صور الطفولة .. إلا من تلك بالأبيض و الأسود ، بشفاه مزمومة كخطيئة و نظرات مقطبة ، لا زلت ألعن المصور الذي لم يطلب مني أن أبتسم في الصورة الوحيدة التي أملكها عن طفولتي ، لأول جوازِ سفرٍ اتخذته في حياتي ، لست وسيماً بدرجة مشجعة على الاحتفاظ بالصور ، وجدتُ بعضها بين أشياء أمي بعد وفاتها ، مع زجاجة دهن عود فارغة و مشطٍ و سواكٌ منفوش الشعر ، لم أعد أحتفظ بها ، خلتني أفعل الشيء الصحيح عندما قررت أن أمشي في هذه المدينة عارياً مني.. لكن الحقيقة أن هذا الوهج الغافي في أعماق كلٍ منا ، التوق الملحّ إلى اقتحام الماضي بصفته يحمل الأجوبة الوافية عن كل التساؤلات الحزينة ، لم يرحمني يوماً !
الماضي الآن ، يغفو بين يديّ مثل قطة برأسٍ محلوقة ، أقسم بأنني رأيت وجهه من قبل ، ربما في المرآة ، و ربما في اللا مكان ، ملامحه المطموسة لا تجيد الاختباء من ذاكرةٍ شرهة أملكها ، أو تملكني ولا أملكها!
رأيت – مذعوراً - صورته منكفئاً على نفسه في المقهى يعبئ صدره بالدخان و يطرده من منخريه مثل تنين ضخم ، يرسم أشكالاً غريبة على ورقة رزنامة ميتة ، و رأيت بقعة طباشير بيضاء تلطخ أرنبة أنفه، أعدته إلى حجرها و علامات استفهام كثيرة تتأرجح بين عينيها بقلق ، لم يكن ما قلته توضيحا شافيا لكنه كان مقنعا بالنسبة لي :
- أرضعيه .. الرضاعة الطبيعة تحل كل مشاكل العالم !
ألملم مشاعرَ متناقضة من رؤية أول ولدٍ أرزق به للمرة الأولى ، أغادرها ناسياً أن أترك على جبينها قبلة ، فُتنت بما قلت ، رددته بيني و بيني مراراً و الإعجاب يفتك بي ، لو وجد كل المجرمون في هذا العالم أثداءً ممتلئة في طفولتهم لعاشوا أسوياء، لكن علينا أن نبتكر علاجاً حقيقياً للكانديدا !
و أيمن .. يحاول إيقاظي :
- سيصبحُ ساذجاً.. و متفائلاً..
قالها ، و هو يطلق فلول الدخان من أنفه لتتطارح في الهواء ..
- عظيم !
- هذا إن صدق فرويد !
- سيرضع.. أريد لهذا الصبيّ أن يرضع..
يقرأ خوفي المعقود بين عينيّ، يبتسم ابتسامة انتصار أخرى، لأنه- الوغد !- يعرف كيف يقرأني، و يعرف بأنني لا أريد لابني أن يكبر صورةً عن رجلٍ يشبه الظلال .
* * *
أرتعش رهبة في كل مرة يعادُ عليّ المشهد، أقرفص أمامها طويلاً، خائفاً من الاقتراب بقدر ما لا أرغب بالابتعاد، أقبع بصمت في منطقة حياد منطفئة، ينتابني إحساس بعظمة الموقف ، أنا، بفمي الملوث، أبقى صامتاً، و كأن أي حرفٍ سأتلفظ به يمكن أن يلطخ قداسة الصورة ، حتى هي ، لم أكن أسمح لها بأن تتكلم ، الأمر صار غريبا كصلاة ، و مألوفاً كصلاة ..
تدس حلمة متوردة في فمه، صياحه يخمد على الفور، يصدر همهمات جوعٍ متقطعة.. ثم ما يلبث أن يصمت تجاوباً مع الهدوء من حوله، وينام..
كانت الصورة من أغرب من رأيت، أغرب حتى من رضيع يشرب الحليب بملعقة الشاي..

داليا الهواري
25-05-2007, 02:38 AM
http://www4.0zz0.com/thumps/2007/05/24/23/18421739.jpg


عنها:
من مواليد الصفر.. لتاريخ الشطب والمحو والتماهي.. فـي شهر اجترار الخيبة.. من يوم الشؤم الـمتكرر. وهي أنثى لزمن غادر، بنت التجربة الـمستحيلة، عاشقة لـمستقبل زائل، واهمة كبيرة لحلم صغير، تتحايل على الـموات الدائم بالكتابة العقيمة، ريثما تستعيد الجدوى دورتها الناقصة، تستنهض بالحرف قامتها الحبيسة، تعلي رأسها بالكلمة أمام أمّة أدمنت تنكيس الرؤوس منذ نصف قرن ويزيد. غادا هذيان متكرر لـمتلقّ ناء، مجنونة ودودة لراهن أحمق، طائشة نقيّة لسواد محتـّم، واصلت دراستها بعبثية أوصلتها السنة الثالثة فـي الأدب الفرنسي فـي جامعة دمشق كلية الآداب انتهت بعدة تقارير وملاحقات ترويضية لم تجد نفعا أسفرت عن انسحاب صامت، لتلتحق بفرع العلوم السياسية في مدينة بيروت. متوقفة عند عتبة السنة الثانية بعد أن استفحلت لديها أعراض الحمى الكتابيّة. أصدرت فـي العام 1989 مجموعتها الأولـى فـي دمشق بعنوان "وهكذا أتكلّم أنا"، فـي العام 1991 أصدرت المجموعة الثانية فـي دمشق أيضا بعنوان "الترياق"، وفـي العام 1995 صدر لها "بعض التفاصيل" فـي مدينة بيروت، وفـي العام 2001 صدر لها عن "دار الهادي" البيروتية كتاب نقدي بعنوان "إسرائيليات بأقلام عربية: الدس الصهيوني"، أحدث دويـًّا هائلاً فـي الأوساط الثقافيّة والسياسية معـًا، محقـّقـًا الـمبيعات الأولـى فـي معرض بيروت الدولـيّ العربيّ للكتاب للعام 2001، متصدّرًا العناوين العريضة فـي معظم الصـّحف اللـّبنانيـّة والعربيـّة. صدرت لها الطبعة الثانية من الكتاب الـمذكور أواخر العام 2002. تكتب في الصحافة العربية منذ العام 1993، وقد أشغلت في بيروت منصب سكرتير تحرير القسم الثقافـي لجريدتي "الديار" و "اللواء" منذ العام 1993 وحتى العام 1996. نشرت زاوية أسبوعيّة ثابتة في صحيفة "الكفاح العربي" اللبنانيّة بين عامي 1997و 1998. تابعت النشر الأسبوعي فـي كل من صحيفتيّ "النهار" و "السفير" اللبنانيتين ، بين عامي 1988 و 2000. واصلت النشر فـي صحيفة "الحياة" اللندنيّة لتتوقّف عن النشر عنوة فـي العديد من الصحف اللبنانية فـي العام 2001 بعد إصدار كتابها النقدي الأخير. لها حضور إعلامي مميز فـي الـمشهد الثقافـي يزيد عن 52 ساعة تلفزيونية بين مقابلة وندوة فـي معظم الفضائيات العربية واللبنانية والسورية، أ كثر من ثلاثين ساعة إذاعية أيضـًا موزعة بين إذاعات عربية ولبنانية وسورية، ومقابلات مقروءة فـي معظم الصحف والمجلات والدوريات. كتب عن أدبها أهم الأقلام العربية التي ستجمع قريبـًا في كتاب قيد الإعداد والتنسيق. وتحت الطبع مجموعة شعرية بعنوان "ما قبل القيامة". غنت من كلمات غادا فؤاد السمان السيدة ماجدة الرومي أ كثر من قصيدة. عضو "اتحاد الكتاب العرب: جمعية الشعر". شاركت فـي مهرجان الشعر العربي فـي دمشق العام 1997، ومهرجان الشعر العالـمي فـي مدينة حمص العام 1995، ومهرجان الشاعرات فـي مدينة جبيل ـ لبنان العام 1996، ومهرجان الربيع فـي ليبيا العام 1998، ومهرجان البجراوية للشاعرات العربيات فـي الخرطوم العام 2002. وشاركت فـي التظاهرة الثقافية على هامش معرض الكتاب الدولـي العربي في بيروت العام 2000. كرّمت في ملتقى الشعراء فـي مدينة صفاقس التونسيّة بدرع الصنف الأول، وبدرع وزارة الثقافة التونسية على هامش معرض كتاب الطفل في مدينة صفاقس أيضـًا العام 2001. قلّدت العديد من الدروع والشهادات التقديريّة فـي عدة أمسيات وندوات نقدية وشعرية مختلفة. عضو فـي لجنة التحكيم لجائزة سعاد الصبّاح الشعرية عام 1998 و 2000. عضو مؤسس فـي حركة الشباب العربي فـي الـمركزيّة اللبنانية عام 2003. تعالج داء البطالة حاليـًّا بفائض من القروض الـمستحقـّة، على أمل تحرّك لجنة حقوق الإنسان لدعم الـمثقف بعيدًا عن الوقوع فـي مطبّ التبعية والاستزلام. تواصل النشر فـي مجلـّتي "الشاهد" و "الفردوس" اللبنانيتين و "نزوى" العـُمانيّة. مؤسـّسة "صالون التواصل للأدب والثقافة"، بيروت 2002



وهـكـذا أتـكـلـّم أنـا

اعتذار
لغتي
لا تصلح
للهذر
أو
العشق
أو
المغنى
لغتي
قنبلة موقوتة
...
أغلقوا النوافذ
عقلي يحوم
في الغرفة

أمي
أمي الحبيبة
في عيدك الستين
سأهديك خنجر
...
تحت أقدام
الريح
تتكسّر
هامات القصب
...
ثمّة رصاصة
في أنبوبة الدواء
ستبتلعها
صباحا
مسـاء
لا فـرق
المهم
أنّه
قد
حرر
تقريرك
الطبيّ
...
حملوه
على نقالة (الأنظمة)
أخضعوه
لعملية اختيارية
استأصلوا
ضميره
وكبرياءه
والزائدة
الوطنية
...
أخرسوا الكلاب
ثمّة أفّـاق.. ينبح
بين
هيئة
الأمم
ضاعت
هيبة
الأمـّة
...
تدّعي دائماً
أنّك الفاعل
متى تعي
أنّك
المفعول بــــــه
...
شقائق
النعمان
تتصارع
والإمبريالية
تزغرد
خلف
الأسوار

وهكذا أيضا
أجلّ
الحمار
حين ينهق
وليس عندما يفكّر !
في ملعب الساســـة
تكبر
الأهداف
وتصغر
العقول
...
ينام الراعي
تصحو الكلاب
والخرفان
حالمة
لا تبالي
...
لافرق
بين الأمـَةِ والأمّة
غير الشدّة والضمّة
...
فتـّتوا
الوطن
ليرشقوا العدو
...
مؤتمر
ينتظر
المؤامرة
القمّة
كالعادة
تلملم
الفضائح
ومضــــــــات

صورة
في كل شرفة
وجه معلّق
وذكريــات تحتضر

عجز
للحبّ
كما
للثورة
طعم
النار
التي
لا يستسيغها
أحد

نصيحة
دعك
من
الشفافية
الرصاصة
لا تطهّر
الجرح .. قبل أن تخترقـــــه .

شاعر
أنشد
ملحمته
لهزّ
الكيان العربي
فكان الإجماع
بنقل الكيان
إلى (الخصور)
وتعميم القرار
على نساء الأمـّة

منفى ؟
يهددني
ببعثة
إلى الجحيم
ماذا يسمّي إذا
بقائي هنا ؟

رجاء
إذا لم يكن نسلك
من سلالة النسور
فلسنا بحاجة
لمزيد من النعاج

وعد
عندما أتجرّع
حتى الثمالة
مراراتي
وأعلن جهارا
جنوني
وأجد حبل مشنقة
يليق
بكلمتي
سأقولها

مسيرة
حزنت
لأجلك
حبيبي
حين
رفستك
شعارات التقدّم
إلى الوراء .

تشاؤم
ثمّة قلقٌ ملحٌّ ، يدعوني للخوف
أن ترتطم نهاية المطاف حروفي
بعقول فجّـــــــــــــــــــــــــــــــة

جرأة
للحقيقة
والزنزانة
باب
واحد

ثورة
في الدهر البعيد
كما للدهر القادم تماما
ثمّة ليل ، ومشنقة ، ووجه قمر
يستبدّ الليل
تستطيل المشنقة
ويسطع القمر .

دعوة
الورقة لم تعد بيضاء
القلم لم يعد جافّا
عليّ أيّها الصديق
بغدرك
طعنــــة
اثنتـان
أريــــــد
إتمام القصيدة .

نهاية
حذار
القلم
طافح
بالدم
الصفحة
ملطّخة
بالقصية
الصديق
يرفع
بصماته
عني

أمنيــــة
آه
كم أشتهي
عنقود عنب
وحوارا معتّقا
في ذهن بلا براغيث .

هامش
إصرار
يتنازعه
ثلاثة
أنا .. أنت .. الإله
أنا أحبّك
أنتَ تتمادى
الإله
مكتوف الأيدي
يبتسـم.

مشهديـّة الغبار
سيد الحلم الفارغ
ملاح ماهر
عبير الجزر الموحشة
يشاكس الليل الفاجر
بالظلام
يضاجع الوحدة
ينهشها بنهم
ثم ينام
سيد الحلم الفارح
أحبّني..
أو هكذا ، قال
ركلني
داخل مملكته
المملوءة بالفزع
صاد رني
حرفا ، حرفا
جمجمتي
نمط يروقه
أفرغ محتواها
قريبا
من هياكل الشعراء
ثم
رماني

منطق
يقولون
لسـتٍ
بشاعرة
كيف أكون ؟ !
الشعر
ترف
ونحن
فقراء
فقراء
للحكمـــــــــــــة .

وتمّ الحبر على أكمل نزف
غادا