PDA

View Full Version : هنا الخرطوم .. او ما قاله اعظم ادباء السودان ...



مريود
17-05-2007, 04:50 PM
حمي الدريس

للقاص بروفسور / علي الملك

تامل كيف أذعن النيل الأزرق للأبيض أخيه فيما أسموه المقرن؟ وباعوا لكما ولكل من لهم آذان وعيون، أسمعوهم بالراديو وأروهم بالتلفزيون، وزينوا لهم أن أعذب الشعر الذي هو دونما ريب أكذبه – ما كان نظم لحظات زمان والآن ينظم،وسينظم فيما يأتي من الزمان في صفة هذا المكان:المقرن،هذا الذي أفقد النيل الأزرق لونه،وعليه هزم. صه ‍! أنت مسرف في حب هذا النهر ..

وتلك هي (وفاء) تقول لها:

- من الذي اخترع اللبن الزبادي ؟.

- أهل منغوليا .. قالوا بل قرات مرة ..

- كذباً كاذب.

- من إذن ؟ .

تنظراليها تفحص وجهها تحس انها تترقب اجابة ترد علي سؤال اللبن الزبادي :

- اهل منغوليا ؟ لا .. بائع لبن حليب كسدت بضاعته !

تضحك هي . وأنت تضحك.

في الطريق إلى بقعتكما المفضلة ، في فجوات الفراغ الصامت التي يثقب الهواء فراغها الصامت، حين يمر داخل السيارة ..الفجوات القصيرات بمقدار الزمان الذي يمضي، الفجوات اللائي لايخشوهن الكلام الثرثار.. فيهن تنشغل مرات بتأمل يزيدهن فراغاًعلي فراغ ، الثرثار الكلام،ذاك فراغ علي فراغ .. انظرعلي الجسر تمر شاحنات وسيارات وحافلات، ومساكين .. وما حكاية اهل القماير؟شاحنة تصران تتجاوزك، جهاز التنبيه فيه ضعيف الصوت، كانه كان ، ثم وهن .. مثل رجل بدين جداً ، سماعك صوته الخافت، دون رؤيته لا ينبئ عن ضخامة جسده.لحظة فيك فارغة تضحك ها. ها . تمرالشاحنة تتجاوز سيارتك تحمل ورق طباعة .. ثقيل حملهاربما كان ثقل ما تحمله تنوء به، سبب العجز في صوت جهازالتنبيه..الليلة يزف الورق الابيض للالات، تزول صفته البياض بحبراسودوحروف ، بكل ما فيها – الحروف – من اخطاء الطابع والمحررين، واخطاء اخري لا يمكن ان تنسب لمصحح او محرر،ورق يزف الي الالات الهدارات كماتساق الخراف الي المذابح، كانك تري الغرب ماثلاً لعينيك، يوم تبصر بالورق الابيض تفرش عليه كلمات صاحبناالدكتور نصر الدين ، موضوعها واحد كشخص ماء يوماً يلبس جلابية وتارة قفطاناً ، وطوراً بنطلوناً وقميصاً والروح هي ذاتها ، هي اياها ، هي هي .. يا حفيظ ..السامة ، السامة ، السامة.

هذا صاحبكم المرح يقول في النادي : أدعو اي فرد منكم للعشاء ولوانه اكمل قراءة مقالة الدكتورنصر .. ها .. ضحكتم كنتم جماعة ، منكم الفاسق بالتصريح ، والذي يريد ان يكون لصاً ويشيد بيتاً من سبعة طوابق ، ليكون مقر سفارة او سفيرلدولة ذات منعة ومال ، ومال لا تاكله النيران .. فاي حلم ؟وفينا من يحرص علي الخمس صلوات ويعتدل للبيرة المثلجة بعد العشاء يقول يحارب بهاالصيف الحار . وذاك الذي امتص دمه حب يائس ، وثلاثة منا جربوا اقلامهم علي رؤوس اليتامي كاتبين في الصحف باختصار : كنا بضعة عشر .. قال احد الكاتبين، كانوا ثلاثة: - اقبل التحدي وامري لله ..عشاء بالمجان ؟امر يطمح اليه كل انسان في هذا الزمان الصعب.

قال صاحب الاقتراح :

لثقتي فيما اقول ، عشاء زجاجة بيرة طمع صاحبنا الكاتب في الزيادة قال: - عرض سخي .. قل زجاجتين .. ردد البعض : - الطمع ودر ما جمع .. الطمع ودر .. قال صاحب الاقتراح : - ماشي ، دكتور نصر الدين ممل .. ممل .. وساكسب انا الرهان ! هذا الذي يجول في ذهنك ياخذ من عمر الزمان طرفاً جد يسير ، ولكنه يسحب علي الراس فيغطيه ، هو ما تسميه حشو الدماغ حين يكف الكلام الثرثار . ولتعلم ان اهل السيارت والشاحنات والحافلات ادمغة وفيها فراغ وكلام ثرثار فيها ، وهم انت ، صة ! انشغلوا عنك، ماهمهم من الامر شي سوي هذه التحفة الجميلة (وفاء)يقولون عنها،بعضهم علي الاقل، ماتقول انت ربما عن ورق الطباعةوالخراف، ولكن ايكما الذبيح ؟ واين السلخانة . الرهان ؟ وما شانك بالقماير ؟ وهل اكملت قراءة اي مقالة للدكتور نصر الدين ؟.

صير كتاب الحكايات – كل العصور – المصادفة قاعدة .. اما الاستثناء ؟ يقولون انه بينما كان يعبر الطريق بصربها نظراليها، اليه نظرت حين نظرت الي عيني وفاء اول مرة كانت حمي الدريس كما تعرفها انت عن نفسك ، تفور في وجهها ، ما وصف احدعيوناً تغشاها حمرة ، هي حمرة، الدماء .. كان كتاب الحكايات ، يتحدثون عن المصادفة كما اعتاد الشعراء نبش العصافير في قبورها .. كل عصفور وصفوا عصفور ميت .. هل رايت الاحمرار في عينيها ، اذاك شي جميل؟ فيوصف اصمت صه ..تذكر صديقاً اذن دعني اقص عليك هذه .. نعم .. ذاك الصديق كان قد عشق امراة يغشاها (دم التاير) كثيراً في الصيف ، تحك جسدها ، يكاد يدمي .. قال ان مرضها ينبئ .. يتلمظ .. يقول ما يعني ان ذاك الهياج انما هو اعلان عن رغبتها فيه ، قلتم له : مسكين .. مريض انت لا هي..

تعود الي امر المصادفة عند كتاب الحكايات ، صدق اولئك ، كذبت انت عيادة طبيب ، ايام كانت ادواء الحساسية تأخذك كل جانب ، العام جله، تارة كله..حكة تبدأ علي الاذن اليسري تقول تعالجها بظفر اذ يبلغ مقامها ناب تستكين وتغفو،تظن انك قضيت علي ثورتها ، احتويت حدتها ، هذه لغة السياسة كما تعلم ..يقولون الاحتواء واء .. واء .. انصرعن هذا العبث الساذج .. قل كلامك .. " حاضر طيب " .. قلنا تهبط الثورة من الاذن اليسري الي الساق اليمني .. طريق معقد كما تراه ، ولها معبد اذهي تسلكه غير هيابه سبيلها مجري الدم في لمحو اوبعض لمحة تنحدر يدك تتبعها بظفر،وقد تبلغ مكانها بناب،اوانت اعسر تكون اليد اليسري،او ايمن فباليمني .. بديهي ايها الثرثار .. تقول حين تبلغ ساقك اليمني بظفر من اصبع في اليد اليسري، ام هي اليمني ؟ انت معقد.. لا ريب لانك اعسر ، تسمع كثيراً من يذكر الشيطان في اليد اليسري ، والاعسر يخالطه الشيطان . صه يصعد الدم الفوار الي الكتفين والي الظفر نفسه الذي به نستعين . هذا يدعو ان تعض مكانه باسنانك كلها ، ثم تصبر او ان يزهر النيم الي احمرار في العينين يفيض ، وفيض من العطس انت تعلم اصرارها ذكران الدكتورسعيد طبه ناجح يده لاحقة باختصار رجل مبروك ومختص في مثل ما كنت منه تشكووتتعذب ، ولتضف لهذا ذاك الصوت الصفيري يجعل الصدر جحيماً ، قيل الريوذاك وجمعوا هذا كله فاسموها الحساسية ...

شجرة النيم التي في البيت غرست يوم مولدك ان اجتثت تموت انت وان جفت عروقها قضيت ايضاً. ولله العجب! فلها انوثة طاغية تزهر قبل الاوان وتؤذيك .. وما الصوت الصفيري ؟ وما حكاية الناس في القمائر ؟ والنزلات المعوية ؟ .

حسنا سافر الي بلاد ليس بها نيم ، كثيرة بلاد الله التي لم يدخل اليها اللورد كتشنر شجرته الاثيرة .. ذكروا هذا وصدقنا في عيادة الدكتور سعيد تلفزيون ملون، ومصلي .. والناس المرضي مؤمن وغير مؤمن جلس الي جانبها في العيادة– مصادفة اتفاقاً كان صوته الصفيري يسمع، وسعاله متصل يلتفت اليك المرضي من الناس من يعرف بصوت سعاله سيقولون هوذاك هو ذاك وليس لديك نظارة فتخفي وراءها العينين الحمراوين كل اولئك قد لحظوا امرعينيك تكون كارثةلوتبع هذا اولئك مااولئك سوي حك الاذن اليسري فالساق اليمني وبعد ذلك الانف والسرة وهلم جرا.

اول مانزلت ارض مصر راك احد معارفك من الطلاب السودانيين تحك كل مكان تارة تحك فيما يشبه العنف اللذيذ، كالمحموم يلذ له الجلوس اوالوقوف تحت الشمس والشمس تصليه .. كنت انت .. قال صديقك الطالب في مصر "" تغير الهواء "" ، كان المفروض ان تاكل بصلة ساعة وصولك اليها ! مسكي طالب وبائس ما عرف من خيرات ام الدنيا شئياً سوي بصلها.

المصادفة، الاستثناء وصار قاعدة تلتقيان بعدها .. قبلها قلت ان ذلك كله من بعض ما يسمي امراض الحساسية منها حمى الدريس (هي فيفر) نطقتها نطقاً سليماً ، آه يا زمان فورية ، تظنين ان لغة اهله الفرنسية هينة ناعمة ، موسيقي ولحون ، الا انه كان يلتزم خشونة في الصوت حين يتكلم الانكليزية . لات ساعة مندم آه ولي عهد فورية، ومابقي منه الا الاطياف والا الصور .. وقال قدم الى لورنس كانساس يزور اخته اولاً ويعالج لغته الانكليزية من بعد ، ويتحرى اصول البلوز .. لحظت انك اندهشت .. قالت : نطقي في الانكليزية لا باس به اليس كذلك لا تظن انني مثل بعض مذيعي راديو امدرمان لا يعرفون الفرق بين امريكا وام ريكا !! ضحكتما.. انقضى أوان حمى الدريس وشهور حمى الدريس انقضين وسفر الصيف ,تأخذكما النشوة , أو مثلها, لتلك البقعة كأنما هى من صنع افكارك,لاأرض فيها , لاحقيقة لاسماء تظلها, كالتى تحلم أن تشيد فترى .. بقعة على النيل الأزرق قبل اتحاده مع الابيض, بالمناسبة لماذا لاتؤيد هذا الأتحاد ؟ أمر بسيط , حد الازرق من اندفاعه فيما يسمى المقرن , و أستسلم للابيض , ذكر الشعراء أن النهرين تعانقا هراء ما ذاك عناق , أذعن الازرق للأبيض ..لايملك هذه البقعة فيما يبدو أحد, المهم ليس عليها قصر و لازرع ,يريد صاحبها أن يجعل منها شيئاً هو نفسه لا يعلم ما هو .. شيئاً ما .. أقام عليها خفيراً عم حسين عجوز .. ومن غير العجائز يرضى بواد غير ذى زرع ؟ يغمض عنكما جفنه , يحب السجائر أشد حب , علبة ربما علبتين يقنع بهما ليغمض الجفن عنكما , (أنا مكلف بالصوص فقط ) يقول هو وتقول أنت : و ما يسرق اللصوص ؟هذا الفضاء ظ ام ماذا ؟ ويستطرد عم حسين " كلاب الحراسة نفسها لا تقاوم الرشوة ، تصور قطعة لحم ، احياناً انثي ها .. ها "

لم يكن زوج وفاء ثرياء ليس مهماً مهما كان وظيفة سمينة في ميزانية الجامعة ، غسل الامل الامل عقلها بل محاه محوا حين تقدم لها نظرت لكل شئ يعيني امها، تراجع نفسها الان بل هي تسترجع طرفا من اطراف" قدرت فيه العلم ساعتها" تقول آه انك تتحدثين كانك دولة .. تسرف في الحديث عن تكريم العلم والعلماء والمبدعين تقول لها : هنالك علم فوق الثري ودنيا ارحب تحته ليس هنالك فائدة طالما ان المتنبئ وانيشتاين ولوركما وكرومة تحت الثري ..

عرفت الان ابطالك الاثيرين ! كان معيداً في الكلية ، رجل معمل انابيب اختبار مساحيق ، في الوطن كما في الغربة ، الفته المناضد والمكتبات عذب الورق عذاباً اليماً سمكة في بحر الجامعة الاجاج .. تصور كل هذه المنعة في الماء حتي اذا خرج الي اليابسة مات اختنق ومات ، اختنق ومات، (الست بعض اليابسة ؟ بل انت كلها )ومنك السؤال والاجابـة تقول لها : اسميك اذن انبوبة الاختبار.. ماشي تعرف عصمت رجل منظم جداً حتي الان يحلق راسه عند حلاق واحد اعتاد عليه منذ كان تلميذا صغيرا .. امس كان يحدثني عن المرايا حين كانت تجلب من اوروبا قال عند هذا الحلاق كانت المرايا بلجيكية ولكنها استبدلت الان، ربما تهشمت.

ربما قصد تشيكوسلوفاكيا .. قال بلجيكيا لانه لا يحب كان واخواتها .. ومن هن ؟ تشيكوسلوفاكيا واخواتها اهلات الشرق .. اذن فالجهات الاصلية عنده ثلاث ضحكت وهي ترد : والفرعية ايضاً ! غرب وغرب وغرب ، وغرب ، وغرب وهلم جرا !.

نعود للمرايا ، قال انه علي ايام المرايا البلجيكية كان شعر الراس يظهر عليها شعر راس .. والانف الافطس تظهره انفاً افطس والفك فكاً والشارب شارباً و..

يعني تقول المرايا – ايام صباه للأعور : انت اعور. طبعاً كان شئ زمان ! الا تري اليوم ان العيون في المدينة اسمال عيون ! قال ايضا يصنعون المرايا اليوم في المنطقة الصناعية في الخرطوم بحري ..

نقطة نظام ابن عمتي عنده مصنع في امدرمان وصار ثريا بما غنم من بيع المرايا. طبيعي كل انسان يريد ان يري نفسه ، والمرايا تحقق له هذا ! المهم قال ان مرايا اليوم تظهر الانف الافطس انفاً غير افطس ‍! والفك فكين، والشارب ثلاثة شوارب وعسل العيون يظهر علي المراة كزيت البذرة !. هذا نادر الم اقل انه عالم بدون شك .. ومحدث لبق ثم تعود له سخرية حارقة كلما تطرقا لموضوع زوجها يقول: اليسوا هم اهل الاختراع ؟ انت غبي .. هم الذين اوجدوا الحاجة ! ينذره تعليقها يستدرك قائلاً: ابدا سمعت ان عبقريا لم يدخل الجامعة قط قد اصطنع جنساً من النمل الالكتروني .. نمل ابو ريش،ولكن ليس له ريش ! ولدغته لاتؤلم غير غيرانها تصيب الرجل بالعجز تقعدهم عن الجنس ، وتدفعهم لطلب المعالجة واللهث الحثيث وتمنح النساء خصوبة مطلقة ، اني ارشحه لجائزة نوبل.

نوبل لا ينالها الا من اسعفه الحظ فطرد من بلاده ليصل الي امريكا بتذكرة سياحية ! ومثل عصمت لا يطرد من اي بلد لانه لا يري مايراه الناس .. والاكم عنده دائماً صالح ، اني اعرف هذا النوع تماماً .

اسلم النيل الازرق روحه حين صالح الابيض صلحاً افقده لونه وعنفوانه لهذا كانت تلك البقعة علي النيل الازرق المستقل مكاناً فريد الحسن اذ هي تقع قريباً من مكان خسر النهـر حريته فيه . تحس ان الحياة فيما يعلو الجروف شئياً ، الصغير ياكل الكبير، من المنتصر من الخاسر ؟ علاقة غريقة بين الشط والنهر يظن الاهلون ان الشط يمنع عنهم غضبه النهر ، وواقع الامر ان هذه الامور وضعت باتفاق ازلي والاهلون لا يعلمون فالنهر يعلو بقدر ماتحتاج الشواطي من خصوبة وحياة ، وهو دائماً يخشي ان تنساب مياهه علي الصحاري فتعود تلك تبادله غزوة بغزوة، فهو حين يضمن للشطآن مايكفي حياتهاالخضراء يكون ضمن حياته ايضاًاذان خضرتها دفاع مستميت عن وجوده العذب، وقد تفقد الشطئان طرفا من ارضها تقدمه كعذاري وفاء للنيل،هذا بعض ضريبة البقاء بل هو بعض ادخار اذ حين ينحسر يعيد للشط ماكان شطاً ليكون شطاً وعليه طمي وملح وشباب يتجدد هنا وهناك ، اخذ وعطاء الصحراء فكلا الف كلا ، لها الريح والشمس والقمر .. تمنحها الشمس والقمر الضوء والنظر الممل والحريق ، وتنشر الريح رسالتها الرملية ذرات اخذ وعطاء هل انت سعيد ؟ وهل اعطيت لتأخذ ، ام هل اخذت لتعطي ، وهل تفعل ما تفعل لانك تجد راحة لا تجدها في بيتك ! افضل الا تتحدث عن بيتك ! وانت حين زوجت رجلاً ما كان حين تقدم اليك في نظر امك الا وظيفة سمينة " وانت بحمد الله في سن الزواج " كان عمرك ساعتئذ ثلاثاً وعشرين سنة .. حديثة التخرج في الجامعة " معليش لا نريد ان تذوق من رزقك الان بحمد الله ابوك يعمل والحال ميسور " تريد ان تزوجك سريعاً " وهو شاب مركزه ممتاز ، استاذ .. الجامعة" النحلة الطنانة صوت امك " من اسرة يهني عريقة "اي مذهب للعراقة يعتنق اهل المدينة اليوم؟ زمان كانوا ادق اختباراً، يتبعون اصول الاسر الي العباس عم النبئ ، كل عائلة ويتصل نسبها بالعباس او تنحدر من الشريف فلان والسيد علان تتذكرين ، وكان بالمدينة سادة ونقيض هولاء ، النقيض هذا من بعض ما رايت انت من اهل ذلك الحي مشابهاً ، وبعض هذه الانحاء صارت تقنع بفقرها لا تريد ان تتمرد عليه ، كالنيل الازرق ذاك الجميل الذي اذعن ..قنعت تلك الاحياء بتاريخها، كقول سراة القوم " ياسلام امدرمان القديمة "وهل اتي اعجابهم هذا باللبن للاطفال؟ وهل اكل اهلوها السمك والفراخ ؟ او كقول بعض الخواجات " اه انا نحب امدرمان جداً لا نها اصلية .. اما الخرطوم فانها مثل اي مدينة اخري ، بالمناسبة هل تعرف بيتاً للايجار هنالك يعني في الملازمين مثلاً او علي الشاطئ !" وهل تسر المدينة لمثل هذا الكلام ؟ ام هل امكن للرجال التعساء ان يفدوا اولادهم بذبائح في العيد الكبير ؟ صـه !.

رحلة وطويلة قطعتها بالمثابرة والشوك والعذاب وغير هذا ، زمان وانقضي ، تذكر ذلك التحول المذهل في حياتك يا ابن المامور .. تذكر كيف جاءك يوم لبست فيه عيونك عدسات الحقيقة لم تعد تفهم بعده – كابناء الافندية – ذاك الهيكل الوظيفي الذي تسير عليه البيوت ، رب البيت ، ربة الدارالابناء والخادم خادم، ياتي للبيت او ان الفجر يكدح يمسح ينظف لحين ان يهبط المساء يعود ادراجه لكن الي اين ؟ من اولئك من كان يطمح للتعليم ، يدرس في المساء مثل هذا ترغبون عنه لانه ينصرف للدرس قبل حلول المساء ، اما المـدرسة واما العمل ، من يريد عملاً فعليه ان يقنع بجهالته ، مرة ما جاء الخادم في الموعد المعلوم ، اذهب فتش عنه ، اعمل حسابك انه يسكن حياً ليس كحيكم .. اليوم يوم الغسيل والبيت مترب يحتاج نظافة ، والبيت كله اشتعل غباراً ، وناس سالم افندي معزومين عشا عندنا .. ذهبت غير مقتنع، سالت . سالت فأرشدت هاهي امامك اشباه بيوت اقزام بيوت، ليس فيها من مقام فتسميه بيتاً ، نصق سقف هنا ، وهنا طرف جدار ، معزات هزيلات ، دجاج نحيل ، اطفال يمشون يا الله الله مثلما هم نيام وهزال ، وسالت وسالت فارشدت لقيته خادمكم مريض وقد كان نشاطه في العمل ينبئ انه سيظل علي حاله ذاك الي ما شاء الله واليوم ليس كما عهدت ، هذا نوع من البشر ان طرح جسده علي مرقد فارقته العافية ، ما كان اسمه ؟ لا تذكر الزمن طال لكنه لم يعد الي بيتكم ابداً ربما مات او تمرد او التحق بمدرسة ليلية .. ربما .. ربما.

تسالها

اي السحاب الممطر ؟

ترد :

الذي يحمل في طياته الماء !!

هذه هي اللعبة التي ترتاح اليها ، تسالها فتجيب اسئلة تتسم بالغرابة والفجاءة.

- من هو طاغيتك الاثير؟.

- جنكيز خان

- عصره بعيد هذا اعني طاغية مودرن !

- مسلم ام نصراني ؟.

- ليس مهما كل طاغية كافر اذ كل دين هو الانسان .

تفكـــر قليلاً ترد:

- فاجاتني تماماً ، علي كل انتخب شاه ايران وسوموزا.

- فيك الخير.



- كفي الليل لا يحتمل اكثر من اثنين !!.

- فيك الخير.

- اذن الثالث النيل الابيض لانه ابتلع الازرق اخاه.

- شاه ايران وسوموزا.

- الشاه وتعرف امراة اما سوموزا فلانه ثقيل.!!

زوجك طاغية العصر ، لان حزبه واحد هو نفسه ، وهو الصمت والاستغراق فيما لا ينفعك انت جمع حوله قداسة العلم ان شئت الصراحة الدقيقة عزلة العلم الوحشة عبقري قالوا تذكره انت ايضاً كان يسبقك بسنين في الجامعة ، تذكر صورته ، من ذلك النوع الذي تتحمس الجامعة لتبتلعه في جوفها البارد صيد تؤهله الطبيعة لها، مثلما الغزلان في الغاب تعدلاجواف الاسودواقوياء الحيوان .. فصيلة هو منها من صنوف اسماكها ، فيها صغير وكبير بلطي وخريش وكبروس ، وفيها القرش الكاسر ونظام بديع ، بديع حقاً لاننا نقبله.

كنت تحلم ان تلتقي وفاء في موعد ليس يقاس بزمان ، في مكان ليس يتسم الا بانه لا به في خارطة ، لا يوجد في القارات الخمس اللائي جعلن للجغرافيا اساتذة زائرين.. وقاعات درس.

- وماذا لو عثروا علي السادسة الضائعة ام هي الغارقة في ماء الزمان ؟ .

- ليس مهما سيكون فيها عين ما في الاخريات ! نساء حائرات وسلطان جائر !

تقول لها وترسم صور لما تريد ، اذ صارت وفاء قسماً من متعة اليوم وعذابه معاً اليك تعود افكار الخيال اليائس الرهيف .. ينتقل اليها مثلما هي تقرا ما انتن فيه تقول باسمة وقد قرات افكارك :

- هل انت علي وعدك في انشاء دولة الملح؟

- تقفز من التامل تصيح :

- قطعاً لن يدخلها مرضي ضغط الدم العالي ..

- ضحكت واستانست بلهو الحوار وترد:

- وانا انشئ دولة السكر ..

- تقول

- ونجتمع انت وانا بحق الجوار .

الناظر
17-05-2007, 08:49 PM
رائع أيها الضيف الجديد

ما زلت أقرأ

مريود
18-05-2007, 02:10 PM
أمدرمان .. مدينة السراب والحنين
بقلم : معاوية محمد نور

يدخلها الإنسان عن طريق القنطرة الجديدة المقامة على النيل الأبيض بعد أن ينهب الترام سهول الخرطوم الخضراء الواسعة ، فيلقي نظرة على ملتقى النيلين في شبه حلم ، ويعجب لهذا الإلتقاء الهاديء الطبيعي ، وذلك التصافح العجيب من غير إثارة ضجة ولا صوت ، فكأنما النيلان إفترقا في البدء على علم منهما وهنا يتلاقيان كما يتلاقى الحبيبان ويندمجان نيلا واحدا ، فما ندري أنهما كانا نيلين من قبل ولا ترى في موضع الإلتقاء ما يشير إلى شيء من المزاحمة أو عدم الإستقرار مما يلاحظ عادة في إلتقاء ما بين جهتين مختلفتين ، وإنما هناك عناق هادئ لين ، وإنبساط ساكن حزين . فإذا فرغ المشاهد من هذا المنظر الذي لا بد أنه آخذ بنظره مرغمة على التأمل ، إنتقل إلى الضفة الأخرى من النيل الأبيض فرأى البيوت الصغيرة مثبتة في الصحراء ، ورأى السراب يلمع ويتماوج بعيدا ورأى بعض العربان وراء جمالهم المحملة حطبا تمشي في إتئاد وفتور ، ومن ورائها سراب ومن أمامها سراب ، فكأنما هي تخوض في ماء شفاف . ورأى إلى شماله بعض ثكنات الجنود السودانيين منبثة هي الأخرى في أماكن متقاربة ، ثم سمع صوت البوري يرن حزينا شجيا وسط ذلك السكون الصامت وفي أجواز ذلك الفضاء اللامع وتلك الشمس المحرقة فيحس بشيئ من الحنين البعيد والحزن الفاتر المنبسط ويعجب لذلك المكان ما شأنه وشأن الترام الكهربائي والقنطرة والأتومبيل الذي يخطف كالبرق بين كل آونة وأخرى في ذلك الفضاء السحيق . وإذا سار به الترام قليلا في إتجاه الليل رأى أول المدينة المعروف بالموردة ورأى السفن البخارية الآتية من أعالي النيل واقفة على الشاطئ محملة ببضائع تلك الأماكن الجنوبية كما رأى بائعي الذرة أمام حبوبهم المرصوصة في شكل أهرامات صغيرة وهم يبيعون للمشترين وينطقون العدد في نغمة إيقاعية موسيقية فيها شيء من الملال والترديد الحزين ، وفي مثل ذلك المكان كانت تباع الجواري ويباع العبيد في أسواق علنية مفتوحة في عهود مضت ، وكان البائعون يتفننون في عرض تلك الجواري بما يلبسوهن من الحلى والزينات . فإذا سار الترام قليلا وجد المشاهد نفسه أمام قبة المهدي ذلك الرجل الذي كان له الشأن الكبير في تاريخ تلك البلاد وراى تلك القبة مهدمة مهدودة كما رأى الجامع الواسع الكبير الذي بناه الخليفة عبد الله لكي يصلي فيه المصلون أيام الجمع والأعياد فوقف هنيهة يذكر عهدا مضى بخيره وشره وخالجه شيء من إحساس الزمان الذي لا يبقي على شيء إلا مسخه وتركه باهتا شائخا بعد أن كان كله رونق وشباب !.

وهنا يذكر الإنسان قصة ويذكر تاريخا ويذكر حروبا أقامت عهد المهدية وتخللته وقضت عليه أخيرا .

وربما يرى في الشارع القائم بين ذلك الجامع وبين طريق الترام صبيا واضعا رجلا على رجل في حماره القصير وهو يمشي في طريق معاكس للترام ساهم النظر مفتوح الفم ، ينظر إلى بعيد من الآفاق ويغمغم بنغمة حزينة ملؤها الشجو والفتور ناسيا نفسه ناظرا فيما حوله نظرة الحالم الناسي .

ذلك مشهد لن تخطئه قط في شوارع أمدرمان . حركة خفيفة ساهية وغناء كئيب حزين كأنما يستعيد قصة مضت ، ويحكي رواية مجد وبطولة عفى عليها الزمان ودالت عليها الحوادث كما تدول على كل عزيز على النفس حبيب إلى الفؤاد ، ولم تبق على شيء سوى الغناء والسهوم الكئيب .

وفي ذلك المنظر يتجسم تاريخ أمة ونفسية شعب رمت به الطبيعة وسط ذلك الجو المحرق ، وتركت له صفات الصدق والبساطة في عالم لا بساطة فيه ولا صدق ! هو شعب من بقية أمم مجيدة طيبة الأرومة ، إضطره الكسب والمعاش أن يهاجر إلى تلك البلاد ذات السهول الواسعة والصحراء المحرقة ، فكان تاريخه مأساة تتبع مأساة ، وماضيه كله الجرم والإثم ، وهؤلاء المهاجرون من أذاقوا السكان الأصليين الألم وساموهم الخسف والعذاب ، كرت عليهم النوبة من أمم أخرى فكان نصيبهم الألم والتعب والخوف . وإذا كل السكان سواسية أمام عوامل الجو ودواعي الملال والسأم ، ومغريات الشعر والذكر وويلات الفقر ، وإذا بكل تلك العوامل المختلفة تترك طابعا خاصا على نفوسهم وسمات خلقهم وسحنات وجوههم لا يخطئها الناظر العارف ، ولا تقل في الدلالة والشاعرية والحزن الكظيم عن تلك الخصائص التي يراها الإنسان على وجه الرجل الروسي الحزين ! .

وأبلغ ما يدل على تلك النفسية وذلك الخلق الأغاني الشعبية التي يرددها الكل ، من أكبر كبير إلى الأطفال في الطرقات والشوارع ، بل إنني لا أعرف شعبا فتن بأغانيه وأعجب بها فتنة السوداني وإعجابه بها . فأنت تجد الموظف في مكتبه والتاجر في حانوته ، والطالب في مدرسته ، والشحاذ والحمّار والعامل والمزارع والطفل الذي لم يتجاوز الثالثة ومن إليهم كلهم يغنونها ويرددونها في كل ساعة وكل مكان ، ويأخذون من نغمها وإيقاعها معينا لهم يعينهم على العمل ويلهب إحساسهم بدواعي النشاط والتيقظ الشاعر . بل بلغ إفتتانهم بها أن الرجل الذي يشتري (الأسطوانة) الغنائية بعشرين قرشا وهو لا يملك قوت يومه ، وقل أن يمر الإنسان بأي شارع من شوارع أم درمان إلا ويعثر على إنسان أو جماعة تدمدم بتلك الأغاني في شبه غيبوبة حالمة وصوت باك حزين !

والأغاني لا يمكن أن تذيع في أمة مثل هذا الذيوع وتحظى بمثل هذا الإنتشار إذا هي لم تعبر عن نفسية تلك الأمة أتم تعبير .

وأغرب من ذلك وأدعى إلى الدهشة أنهم يرقصون على تلك الأغاني الحزينة الكئيبة ولا يرون فيها حزنا ولا كآبة لإعتيادهم سماعها وارتباطها الوثيق بحياتهم . فإذا غنى المغني قائلا (( يا حبيبي خائف تجفاني )) وكان هذا المقطع الأخير الذي يرددونه مثل الكورس المسرحي وغناها المغني بصوت عال وترديد شجي ناعم طرب الكل واشتد الرقص وأشتعل النظارة حماسا ، ونسي كل نفسه في موجة طرب راقص ، فيعرف المشاهد أن هذا الشعب قد وطد نفسه على قبول الحياة كما هي في غير ما ثورة وكان له في آلامه الدفينة البعيدة القرار نعم السلوى عن الحاضر ، ونعم العزاء عن الآلام والمتاعب . وتلك هي نعمة الإستسلام والحنين ومظهر الإستهتار بألم طال وتأصل فأنقلب فرحا ونعيماً .

ونفوس السودانيين واضحة واسعة وضوح الصحراء وسعتها ، وخلقهم لين صاف لين ماء النيل وصفائه ، وفيهم رجولة تكاد تقرب من درجة الوحشية ، وهم في ساعات الذكرى والعاطفة يجيش الشعور على نبرات كلماتهم وسيماء وجوههم حتى تحسبهم النساء والأطفال ، وتلك ميزات لا مكان لها في حساب العصر الحاضر ، وإن كان لها أكبر الحساب في نفوس الأفراد الشاعرين وفي تقدير الفن والشعر والحضارة .

المصدر : جريدة مصر - العدد 10303 - 17 أكتوبر سنة 1931 م

مريود
19-05-2007, 02:20 PM
دومة ود حامد . رائعة الطيب صالح

لو جئت بلدنا سائحا فأغلب الظن يا بني أنك لن تمكث فيها طويلا . تجيئنا شتاء ، وقت لقاح النخيل ، فترى سحابة داكنة ربضت على البلدة ، ليس هذا يا بني غبارا ، ولا هو بالضباب الذي يثور بعد وقوع المطر ، هذا سرب واحد من أسراب " النمتة " التي تربط على الداخلين إلينا أفواه الطرق . لعلك رأيت هذه الآفة من قبل . لكن هذا النوع منها أحلف أنك ما رأيته قط . هاك يا بني هذه الشبكة من التل فضعها على رأسك وإنها لن تقيك هذه الشياطين ، ولكنها تقويك على احتمالهم . أذكر صاحبا لابني يزامله في المدرسة ، استضافه عندنا قبل عام ، في مثل هذا الوقت ، أهله من البندر. بات عندنا ليلة وأصبح متورم الوجه محموما مزكوما وحلف لا يبيت ليلة أخرى عندنا .


وتجيئنا صيفا فتجد عندنا ذباب البقر ، ذباب كحملان الخريف ، كما نقول بلهجتنا . وهذا البلاء أهون عليك " النمتة " ألف مرة . إنه يا بني ذباب متمرس يعض ويلسع ويطن ويزن ، وعنده حب عظيم لبني آدم ، إذا شم رائحتهم لازمهم ملازمة. هش عنك يابني – قاتل الله " النمتة " .


وتجيئنا في وقت ليس صيفا ولا شتاء فلا تجد شيئا . أنت ولا شك يا بني تقرأ الجرائد كل يوم ، وتسمع الإذاعات وتزور السنما مرة أو مرتين في الأسبوع ، وإذا مرضت فمن حقك أن تعالج في المستشفى وإذا كان لك ابن فمن حقه أن يتعلم في المدرسة . أنا أعرف يا بني أنك تكره الطرقات المظلمة وتحب أن ترى ضوء الكهرباء يتوهج ليلا. وأنت لست شغوفا بالمشي ، وركوب الحمير يحدث ندوبا في مقعدك .


يا ليت يا بني يا ليت .. الطرقات المرصوفة في المدن ، المواصلات الحديثة ، العربات الجميلة المريحة .. ليس عندنا من كل هذا شيء .. نحن قوم نعيش على الستر .

سترحل عن بلدنا غدا ، وأنا واثق من ذلك ، وحسنا تفعل ، مالك ولهذا العناء .. نحن قوم جلودنا ثخينة ، ليست كجلود الناس . لقد اعتدنا هذه الحياة الخشنة ، بل نحن في الواقع نحبها ، لكننا لا نطلب من أحد أن يجشم نفسه مشقة الحياة عندنا .. سترحل في غد يا بني .. إنني أعلم ذلك . ولكن قبل أن ترحل دعني أريك شيئا واحدا .. قل إننا نعتز به .. عندكم في المدن المتاحف .. أماكن تحفظ تاريخ القطر والأجيال السالفة . هذا الذي أحب أن أريكه .. قل إنه متحف نصر أن يراه زوارنا .

مرة جاءنا واعظ أرسلته إلينا الحكومة ليقيم عندنا شهرا . وحل علينا في موسم لم ير ذباب البقر اسمن منه في ذلك الموسم . تورم وجه الرجل في اليوم الأول ، وتصبر وصلى بنا صلاة العشاء في الليلة الثانية ، وحدثنا بعد الصلاة عن مباهج الحياة في الفطرة . وفي اليوم الثالث أصابته حمى الملاريا ، وأصابته الدسنتاريا وانسدت عيناه تماما . زرته في عصر ذلك اليوم فوجدته طريح الفراش . يقف على رأسه غلام يهش الذباب ، قلت له (( يا شيخ ، ليس في بلدنا شئ نريكه ، ولكنني أحب أن ترى دومة ود حامد )) . لم يسألني ما دومة ودحامد ، وإن كنت أرجح أنه سمع بأمرها . فمن ذا الذي لم يسمع بها ؟ ولكنه رفع إلي وجهه كأنه رئة بقرة ذبيح ، وكانت عيناه كما قلت لك مغلقتين ، ولكنني كنت اعلم أن وراء اهدابهما مرارة ، وقال لي :
(( والله لو كانت دومتكم هذه دومة الجندل ، وكنتم المسلمين تقاتلون مع علي ومعاوية ، وكنت أنا حكما بينكم في يدي هاتين مصائركم ما تحركت من مكاني هذا شبر )) .
وبصق على الأرض كأنه يشتمني وأشاح عني بوجهه . وسمعنا بعدها أن الشيخ أرسل برقية إلى مرسليه يقول لهم فيها :
(( ذباب البقر أكل رقبتي ، والملاريا خرقت جلدي ، والدسنتاريا غرست أسنانها في أحشائي . أقيلوا عثرتي يرحمكم الله .. هؤلاء قوم لا حاجة لهم بي ولا بوعظ غيري )) .

ورحل الرجل ولم ترسل لنا الحكومة واعظا بعده . لكن قريتنا يا بني شهدت والله رجالا كبارا ذوي حول وطول وأسماء في البلد مثل الطبول ، وما ظننا يوما مجرد ظن أنهم سيأتون إلى هنا – جاءوا والله أفواجا أفواجا .


ها قد وصلنا .. تصبر يا بني – ما هي إلا ساعة وتهب نسمة العصر فتخفف من تكالب هذه الآفة على وجهك .
ها هي ذي دومة ودحامد .. أنظر إليها شامخة برأسها إلى السماء .. أنظر إليها ضاربة بعروقها في الأرض .. أنظر إلى جذعها المكتنز الممتلئ كقامة المرأة البدينة ، وإلى الجريد في أعلاها كأنه عرف المهرة الجامحة . حين تميل الشمس وقت العصر ، ترسل الدومة ظلها في هذه الربوة العالية عبر النهر ، ويستظل به الجالس على الضفة الأخرى . وحين تصعد الشمس وقت الضحى ، يمتد ظل الدومة فوق الأرض المزروعة والبيوت حتى يصل إلى المقبرة . أتراها عقابا خرافيا باسطا على البلد بكل ما فيها ؟ قررت الحكومة مرة قطعها عندما أرادوا أن ينظموا مشروعا زراعيا ، وقالوا إن موضع الدومة هذا هو خير موضع لإقامة مكنة الماء . أهل بلدنا كم تراعم منصرفون كل إلى هم يومه ، ولا أذكر أنهم ثاروا على شيء قط ، ولكنهم لما سمعوا بأمر قطع الدومة ، هبوا على آخرهم هبة رجل ، وسدوا على مفتش المركز السبل . كان ذلك في عهد الحكم الأجنبي . أعانهم الذباب أيضا ذباب البقر . وعلا اللقط من حول الرجل يقولون له إذا قطعتم الدومة فإننا سنحارب الحكومة حتى نموت عن آخرنا . وفعل الذباب فعله في وجه الرجل . فتشت أوراقه في الماء وسمعناه يصيح (( خلاص .. في دومة مافيش مشروع )) . ولم تأت مكنة ماء ولم يأت مشروع . ولكن بقيت لنا دومتنا .
هيا يا بني إلى البيت فليس هذا وقت الحديث خارج البيوت .. هذا الوقت قبل المغيب بقليل ،، وقت يتسع فيه نشاط جيش " النمتة " قبل أن ينام . وفي هذا الوقت لايقوى على لسعه إلا من عاشره عشرة طويلة وثخن جلده مثلنا . أنظر إليها يا بني – إلى الدومة – شامخة آنفة متكبرة ، كأنها صنم قديم . أينما كنت في هذه البلدة تراها .. بل أنك لتراها وأنت راجع بلدنا من هنا.


سترحل عن بلدنا غدا ، ما في ذلك شك .. هذي آثار الجولة الصغيرة التي قمنا بها بادية على وجهك ورقبتك ويديك أيضا . لكن قبل أن ترحل سأتم لك قصة الدومة ، دومة ود حامد تفضل يا بني .. البيت بيتك ..
تقول من زرع الدومة ؟


ما من أحد زرعها يا بني .. وهل الأرض التي نبتت فيها أرض زراعية ؟ ألم تر أنها حجرية مسطحة مرتفعة إرتفاعا بينا على ضفة النهر ، كأنها قاعدة تمثال ، والنهر يتلوى تحتها كأنه ثعبان مقدس من آلهة المصريين القديمة .. لا يا بني ، ما من أحد زرعها .. اشرب الشاي يا بني .. فأنت محتاج إليه بعد المحنة التي تعرضت لها .. أغلب الظن أنها نمت وحدها .. ولكن ما من أحد يذكر أنه رآها على غير حالتها .. التي رأيتها عليها الآن . أبناؤنا فتحوا أعينهم فوجدوها تشرف علي البلد . ونحن حين ترتد بنا ذكريات الطفولة إلى الوراء ، إلى ذلك الحد الفاصل الذي لا نذكر بعده شيئا ، نجد دومة عملاقة تقف على شط عقولنا ، كل ما بعده طلاسم ، فكأنها الحد بين الليل والنهار. كأنها ذلك الضوء الباهت الذي ليس بالفجر ولكنه يسبق طلوع الفجر . أتراك يا بني تتابع ما أقول ؟ هل تلمس هذا الشعور الذي أحسه في ذهني ولا أقوى على التعبير عنه ؟ كل جيل يجد الدومة كأنها ولدت مع مولده ونمت معه – أجلس إلى أهل هذه البلد واستمع إليهم يقصون أحلامهم ، يصحو الرجل من نومه فيقص على جاره أنه رأى نفسه في أرض رملية واسعة رملها أبيض كلجين الفضة .. مشى فيها فكانت رجلاه تغوصان فيقتلعهما بصعوبة . ومشى ومشى حتى لحقه الظمأ وبلغ منه الجوع ، والرمل لا ينتهي عند حد . ثم صعد تلا ، فلما بلغ قمته رأى غابة كثة من الدوم في وسطها دومة – دومة طويلة ، بقية الدوم بالنسبة إليها كقطيع الماعز بينهن بعير . وانحدر الرجل من التل وبعدها وجد كأن الأرض تطوى به . فما هي إلا خطوة وخطوة وخطوة ، حتى وجد نفسه تحت دومة ودحامد .. ووجد إنا فيه لبن رغوته معقودة عليه كأنه حلب لساعته ، فشرب منه حتى ارتوى ولم ينقص منه شيء . فيقول له (( أبشر بالفرج بعد الشدة )).
وتسمع المرأة منهن تحكي لصاحبتها (( كأنني في موكب سائر في مضيق في البحر ، فإذا مددت يدي مسست الشاطئ من كلا الجانبين .. وكنت أرى نفسي على قمة موجة هوجاء تحملني حتى أكاد أمس السحاب ، ثم تهوي بي في قاع سحيق مظلم ، فخفت وأخذت أصرخ وكأن صوتي قد أنحبس في حلقي . وفجاة وجدت مجرى النيل يتسع قليلا .. ونظرت فإذا على الشاطئين شجر أسود خال من الورق له شوك ذو رؤوس كأنها رؤوس الصقور . ورأيت الشاطئين ينسدان علي وهذا الشجر كأنه يمشي نحوي ، فتملكني الذعر ، وصحت بأعلى صوتي (( يا ود حامد )) ونظت فإذا رجل صبوح الوجه له لحية بيضاء غزيرة قد غطت صدره ، رداؤه أبيض ناصع ، وفي يده سبحة من الكهرمان . فوضع يده على جبهتي قائلا (( لا تخافي )) فهدأ روعي . ونظرت فإذا الشاطئ متسع والماء يسيل هادئا ونظرت إلى يميني ، فإذا حقول قمح ناضجة ، وسواقٍ دائرة وبقر ترعى ، ورأيت على الشاطئ دومة ود حامد . ووقف القارب تحت الدومة . وخرج منه الرجل قبلي .. فربط القارب ومد لي يده فأخرجني .. ثم ضربني برفق على كتفي والتقط من الأرض دومة وضعها في يدي ، والتفت إليه فلم أجده ، وتقول لها صاحبتها (( هذا ود حامد .. تمرضين مرضا تشرفين منه على الموت ، لكنك تشفين منه . تلزمك الكرامة لود حامد تحت الدومة )) .


وهكذا يا بني .. ما من رجل أو إمرأة ، طفل أو شيخ ، يحلم في ليلة إلا ويرى دومة ود حامد في موضع من حلمه .
تسألني لم سميت بدومة ود حامد ؟ صبرا يا بني .. هاك كوبا آخر من الشاي .


في أول العهد الوطني جاءنا موظف في الحكومة وقال لنا إن الحكومة تنوي أن تنشئ محطة تقف عندها الباخرة . وقال لنا إن الحكومة الوطنية تحب أن تساعدنا وتطورنا ، وكان متحمسا يتحدث ووجهه متهلل . ونظر فإذا الوجوه التي حوله لا تستجيب لشيء مما يقول – نحن يا بني لا نسافر كثيرا . ولكننا إذا أردنا السفر لأمر هام – كتسجيل أرض ، أو النظر في قضية طلاق ، فإننا نركب حميرنا ضحى كاملة .. ثم نأخذ الباخرة من المحطة في البلدة المجاورة .. لقد اعتدنا يا بني على ذلك ، بل نحن من أجل هذا نريد الحمير . فلا غرو أن الموظف لم يجد على وجوه القوم ما يدل أنهم سعدوا للنبأ . وفتر حماس الموظف واسقط في يده ، وتلعثم في كلامه . وبعد فترة من الصمت سأله أحدهم : (( أين تكون المحطة ؟ )) وقال الموظف : إنه لا يوجد غير مكان واحد يصلح للمحطة – عند الدومة – ولو أنك في تلك اللحظة جئت بإمرأة وأوقفتها عارية كما ولدتها أمها وسط أولئك الرجال ، لما أثرت دهشتهم أكثر مما فعلت تلك الجملة – سارع أحدهم وقال للموظف : الباخرة تمر عادة هنا يوم الأربعاء . فإذا عملتم محطة هنا فإنها ستقف عندنا عصر الأربعاء ، فقال الموظف إن الموعد الذي سيحدد لوقوف الباخرة في محطتهم سيكون في الرابعة بعد الظهر من يوم الأربعاء - فرد عليه الرجل : (( لكن هذا هو الوقت الذي نزور فيه ضريح ود حامد عند الدومة . ونأخذ نساءنا وأطفالنا ، ونذبح نذورنا ، نفعل ذلك كل أسبوع )) .
فرد الموظف ضاحكا : (( إذا غيروا يوم الزيارة )) . ولو أن ذلك الموظف قال لأولئك الرجال في تلك اللحظة إن كلا منهم ابن حرام لما أغضبهم كما أغضبتهم عبارته تلك . فهبوا لتوهم هبة رجل واحد ، وعصفوا بالرجل وكادوا يفتكون به ، لولا أني تدخلت فانتزعته من براثنهم ، وأركبته حمارا وقلت له انج بنفسك . وهكذا ظلت الباخرة لا تقف عندنا . وما نزال إذ اضطرنا الأمر وأردنا السفر ، نركب حميرنا ضحى كاملا ونأخذ الباخرة من البلد المجاوة ، لكن حسبنا أننا نزور ضريح ود حامد ومعنا نساؤنا وأطفالنا ، نذبح نذورنا كل يوم أربعاء ، كما فعل آباؤنا وآباء آبائنا من قبل .


أمهلني يا بني ريثما أصلي صلاة المغرب .. يقولون أن المغرب غريب إذا لم تدركه في وقته فاتك .. (( عباد الله الصالحين .. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .. السلام عليكم ورحمة الله .. السلام عليكم ورحمة الله )).
وي .وي . هذا الظهر يوجعني منذ أسبوع . ماذا تظنه يا بني ؟ ولكنني أعرف أنه الكبر .. ألا ليت الشباب .. كنت في شبابي آكل نصف الخروف في إفطاري ، وأتعشى بلبن خمسة بقرات ، وأرفع كيس البلح بيد واحدة ، وكذاب من قال إنه صارعني فصرعني ، كانوا يسمونني التمساح مرة عمت النيل أدفع بصدري مركبا موسوقة قمحا إلى الشاطئ الآخر .. ليلا .. وكان على الشاطئ الآخر رجال على سواقيهم . فلما رأوني أدفع المركب نحوهم ألقوا ثيابهم وفزعوا وفروا . فناديتهم ))يا قوم مالكم فيحكم الله ؟ ألا تعرفونني ؟ أنا التمساح .. أنتم والله الشياطين من خلقتكم القبيحة )) .


هل قلت لي يا بني ماذا نفعل حين نمرض ؟
إنني أضحك لأنني أعلم ما يدور في رأسك .. أنتم في البنادر تسارعون إلى المستشفيات لأدنى سبب . إذا جرح إصبع واحد منكم هرع به إلى الحكيم فلفه له في عصابة وعلقه على رقبته أياما ، وهو مع هذا لا يطيب . مرة كنت أعمل في حقلي فعض شيء إصبعي ، هذا الإصبع الخنصر . فانتصبت قائما وتلفت ابحث عن العشب .. فإذا ثعبان لابد . أحلف لك أنه في طول ذراعي هذا . فمسكته من رأسه وسحقته بين إصبعي . ثم عضضت إصبعي الملدوغ ومصصت منه الدم وأخذت حفنة من التراب فدلكته بها ، بيد أن مثل هذا الأمر طفيف . ماذا نفعل في الملمات ؟

جارتنا هذه .. ذات مرة تورم حلقها فأقعدها طريحة الفراش شهرين . وذات ليلة تكاثرت عليها الحمى ، فنهضت من فراشها سحرا وتحاملت على نفسها حتى أتت .. أجل يا بني .. أتت دومة ود حامد . وتروي المرأة ما حدث فتقول : (( وقفت تحت الدومة وأنا لا أكاد أقوى على الوقوف . وناديت بأعلى صوتي : يا ود حامد جيتك مستجيرة وبك لائذة . سأرقد هنا عند ضريحك ، وتحت دومتك ، فإما أمتني وإما أحييتني ، ولن أبرح مكاني هذا إلا على إحدى الحالتين )) .

وتستمر المرأة في قصتها فتقول : (( وتقلصت على نفسي وأنا أستشعر الخوف ، وسرعان ما أخذتني النومة. وبينما أنا بين النائمة واليقظة ، إذ أصوات ترتل القرآن ، وإذا نور حاد كأنه شفرة السكين قد سطع حتى عقد بين الشاطئين فرأيت الدومة وقد خرت ساجدة . وهلع قلبي ووجب وجيبا ظننته سيخرج من فمي . ورأيت شيخا مهيبا أبيض اللحية ناصع الرداء ، يتقدم نحوي على وجهه ابتسامة . وضربني بسبحته على رأسي وانتهرني قائلا " قومي " . وقسما أنني قمت وما أدري " أنني قمت " وجئت إلى بيتي ولا أعلم كيف جئت .. ووصلت عند الفجر فأيقظت زوجي وولدي وبناتي . وقلت لزوجي أوقد النار وضع عليها وعاء الشاي . وقلت لبناتي زغردن . فانكبت علينا البلد . وقسما ما خفت بعدها ، ولا مرضت بعدها )) .


نعم يا بني ، نحن قوم لا نعرف دروب المستشفيات . في الأمور الصغيرة كلدغات العقارب والحمى والفكك والكسر ، نلزم الأسرة حتى نشفى ، وفي المعضلات الكبيرة نذهب إلى الدومة .

هل أقص عليك يا بني قصة ود حامد ؟ أو أنك تريد أن تنام ؟ أهل البندر لا ينامون إلا في أخريات الليل – ذلك أعلمه عنهم . أما نحن فننام في حين يسكن الطير ، ويمتنع الذباب عن مشاكسة البقر ، وتستقر أوراق الشجر على حال واحد ، وتضم الدجاج أجنحتها على صغارها ، وترقد الماعز على جنوبها تجتر ما جمعته في يومها من علف . نحن وحيواناتنا سواء بسواء ، نصحو حين تصحو ، وننام حين تنام ، وأنفاسنا جميعا تصاعد بتدبير واحد .

حدثني أبي نقلا عن جدي قال : (( كان ود حامد في الزمن السالف مملوكا لرجل فاسق ، وكان من أولياء الله الصالحين . يتكتم إيمانه ولا يجرؤ على الصلاة جهارا حتى لا يفتك به سيده الفاسق . ولما ضاق ذرعا بحياته مع ذلك الكافر ، دعا الله أن ينقذه منه . فهتف به هاتف أن أفرش مصلاتك على الماء ، فإذا وقفت بك على الشاطئ فانزل . وقفت به المصلاة عند موضع الدومة الآن، وكان ذلك مكانا خرابا . فأقام الرجل وحده يصلي نهاره ، فإذا جاء الليل أتاه أمرئ ما بصحاف الطعام ، فيأكل ويواصل العبادة حتى يطلع عليه الفجر . كان هذا قبل أن تعمر البلد . وكأن ما هذه البلدة بأهلها وسواقيها وعمارها قد انشقت عنها الأرض . كذاب من يقول لك إنه يعرف تاريخ نشأتها . البلاد الأخرى تبدأ صغيرة ثم تكبر . إنه يعرف تاريخ نشأتها . ولكن بلدنا هذا قام دفعة واحدة . أهله لا يزيد عددهم ولا ينقص ، وهيأته لا تتغير . ومنذ كانت بلدتنا . كانت دومة ود حامد .. كما أن أحدا لا يذكر كيف قامت ونمت ، كذلك لا يذكر أحد كيف قامت الدومة في أرض حجرية ترتفع على الشاطئ ، وتقوم فوقه كالديدبان)) .

حين أخذتك لزيارتها ، هل تذكر يا بني السور الحديدي حولها ؟ وهل تذكر اللوح الرخامي القائم على نصب من الحجر ، وقد كتب عليها " دومة ود حامد " ؟ وهل تذكر القبة ذات الأهلة المذهبة فوق الضريح ؟ هذا هو الشيء الوحيد الذي جد على بلدنا منذ أن أنبتها الله . وقصة ذلك كله أقصها عليك الآن .


حين ترحل عنا غدا – وأنت لا شك راحل ، متورم الوجه ، متوهج العينين ، فأحرى بك يابني ألا تلعننا ، بل ظن بنا خيرا وفكر فيما قصصته عليك الليلة ، فلعلك واجد أن زيارتك لنا لم تكن شرا كلها.
أنت تذكر أنه كان لنا قبل أعوام نواب وأحزاب وضوضاء كبيرة ، وما كنا نعرف أولها من آخرها . كانت الدروب تسوق إلينا أحيانا غرباء تلقيهم على أبوابنا ، كما يلقي موج البحر بالحشائش الغريبة . ما منهم من أحد زاد على ليلة واحدة عندنا ، ولكنهم كانوا ينقلون إلينا أنباء الضجة الكبيرة في العاصمة . حدثونا يومها أن الحكومة التي طردت الاستعمار قد أستبدلت بحكومة أخرى أكثر ضجة ونواباً . وكنا نسألهم : من الذي غيرها ؟ فلا يردون علينا جوابا . ونحن منذ أبينا أن تقوم المحطة عند الدومة ، لم يعد يعكر علينا صفونا أحد ، وانقضى عامان ونحن لا نعرف شكل الحكومة ، سوداء هي أو بيضاء ، ورسلها يمرون ببلدنا ولا يقفون فيه ، ونحن نحمد الله أن كفانا مؤونة استقبالهم .حتى كان قبل أربعة أعوام ، حين حلت حكومة جديدة محل الحكومة الأولى ، وكأن هذه السلطة الجديدة شاءت أن تشعرنا بوجودها . صحونا ذات يوم فإذا بموظف ذو قبعة ضخمة ورأس صغير ، ومعه جنديان وهم عند الدومة يقيسون ويحسبون . سألناهم ما الخبر ؟ فقالوا : إن الحكومة تريد أن تبني محطة تقف عندها الباخرة تحت الدومة .. قلنا لهم : ولكننا رددنا عليكم ذلك من قبل فماذا تظنون أننا سنقبله اليوم ؟.

قالوا : الحكومة التي سكتت عنكم كانت حكومة ضعيفة ، ولكن الحال قد تغير الآن . ولا أطيل عليك ، فقد أخذنا بنواصيهم وألقيناهم في الماء ، وانصرفنا إلى أعمالنا . وماهو إلا أسبوع حتى أتتنا كوكبة من الجند ، وعلى رأسهم ذلك الموظف الصغير الرأس ذو القبعة الكبيرة . فنادى بهم أن خذوا هذا وخذوا هذا وخذوا هذا ، حتى أخذوا عشرين رجلا منا كنت أنا بينهم . وحملونا إلى السجن . ومضى علينا شهر وذات يوم جاء الجند أنفسهم الذين سجنونا ففتحوا علينا الأبواب . وسألناهم ما الخبر ؟ فلم يكلمنا أحد . ولكننا وجدنا حشدا كبيرا خارج السجن – أول ما رأونا هتفوا ونادونا وعانقنا أناس نظيفوا الثياب ، تلمع على معاصمهم ساعات مذهبة وتفوح نواصيهم برائحة العطر . وحملونا في موكب كبير إلى أن أتينا أهلنا . فوجدنا خلقا كبيرا لا أول له ولا آخر . وعربات واقفة وخيولا وجمالا . وقال بعضنا لبعض : (( إن ضوضاء العاصمة قد وصلت عندنا )) وأوقفونا نحن الرجال العشرين صفا يمر علينا الناس يصافحون أيدينا . . رئيس الوزراء .. رئيس مجلس النواب .. رئيس مجلس الشيوخ .. نائب دائرة كذا .. ونظر بعضنا إلى بعض دون أن نفهم ما يدور حولنا ، إلا أن سواعدنا كلت من طول ما صافحت من أولئك الرؤساء والنواب ، ثم أخذونا في حشد عظيم إلى حيث الدومة والضريح .. ووضع رئيس الوزراء الحجر الأساسي للنصب الذي رأيته ، والقبة التي رأيتها والسور الذي رأيته . وكما يهب الأعصار برهة ثم يذهب ، إختفى ذلك الحشد كما جاء فلم يبت ليلة عندنا .. وأحسبه ذباب البقر . فقد كان عامها سمينا بدينا يطن ويزن كالعام الذي جاءنا فيه الواعظ .


وقد روى لنا أحد هؤلاء الغرباء الذين تلقيهم الدروب عندنا قصة تلك الضجة فيما بعد فقال )) لم يكن الناس راضين عن تلك الحكومة منذ أن جاءت ، وهم يعلمون أنها لم تأت إلا بشراء عدد من النواب . وظلوا يتربصون بها الفرص . كانت المعارضة تبحث عن شرارة توقد بها النار . فلما حدث حادث الدومة معكم أخذوكم وألقوا بكم في السجن ، نشرت الصحف النبأ ، وخطب رئيس الحكومة المقالة في البرلمان خطبة داوية قال فيها )) لقد بلغ من طغيان هذه الحكومة المقالة أنها أصبحت تتدخل في معتقدات الناس )) (( في أقدس الأشياء المقدسة )) وحمل الناس الصيحة ، واستجابت أفئدة الناس في سائر القطر لحادث الدومة ، كما لم تستجب لحادث من قبل ، لعل السبب في كل بلد من بلدان هذا القطر علما كدومة ود حامد يراه الناس في أحلامهم . وبعد شهر من الضوضاء والصراخ والشعور الملتهب ، اضطر خمسون من نواب الحكومة أن يسحبوا تأييدهم منها. فقد أنذرتهم دوائرهم أنهم إما أن يعلنوا ذلك ، وإلا فهذه الدوائر التي انتخبتهم تنفض أيديها منهم .


وهكذا سقطت الحكومة وعادت الحكومة الأولى إلى الحكم . وكتبت الصحيفة الأولى في القطر تقول ( إن دومة ود حامد أصبحت رمزا ليقظة الشعب ) .


ومن يومها ونحن لا نحس للحكومة الجديدة وجودا ، من يومها لم يزرنا أحد من القوم العمالقة الذين زارونا وحمدنا الله أنه كفانا مشقة مصافحتهم . عادت حياتنا إلى سيرتها الأولى ، لا مكنة ماء ، ولا مشروع زراعة ، ولا محطة باخرة ، وبقيت لنا دومتنا تلقي ظلها على الشاطئ القبلي عصرا ، ويمتد ظلها وقت الضحى فوق الحقول والبيوت حتى يصل إلى المقبرة . والنهر يجري تحتها كأنه أفعى مقدسة من أفاعي الأساطير . بيد أن بلدنا قد زاد نصبا رخاميا وسورا حديديا وقبة ذات أهلة مذهبة .


ولما فرغ الرجل من كلامه ، نظر إلي وعلى وجهه إبتسامة غامضة ترفرف على جانبي فمه كضوء المصباح الخافت . فقلت له : (( ومتى تقيمون طلمبة الماء والمشروع الزراعي ومحطة الباخرة ؟ )) فأطرق برهة ثم أجابني : (( حين ينام الناس فلا يرون الدومة في أحلامهم )) . قلت له : ومتى يكون هذا ؟ فقال : (( ذكرت لك أن ابني في البندر يدرس في مدرسة ، إنني لم ألحقه بها . ولكنه هرب . سعى إليها بنفسه ، إنني أدعو أن يبقى حيث هو فلا يعود . حين يتخرج ابن ابني من المدرسة ويكثر بيننا الفتيان الغرباء الروح . فلعلنا حينئذٍ نقيم مكنة الماء والمشروع الزراعي .. ولعل الباخرة حينئذٍ تقف عندنا .. تحت دومة ود حامد )).


فقلت له : (( وهل تظن أن الدومة ستقطع يوما ؟ )) فنظر إلي مليا ، وكأنه يريد أن ينقل إلى خلال عينيه المتعبتين الباهتتين ما لا تقوى على نقله الكلمات (( لن تكون ثمة ضرورة لقطع الدومة . ليس ثمة داع لإزالة الضريح . الأمر الذي فات على هؤلاء الناس جميعا أن المكان يتسع لكل هذه الأشياء .. يتسع للدومة والضريح ومكنة الماء ومحطة الباخرة )) .
وبعد أن صمت برهة نظر إلي نظرة لا أدري كيف أصفها ، ولكنها أثارت في نفسي شعورا بالحزن – الحزن على أمر مبهم لا أستطيع تحديده . ثم قال : (( أنت لا شك راحل عنا غدا . فإذا وصلت إلى حيث تقصد ، فاذكرنا بالخير ولا تقس في حكمك علينا )) .

داليا الهواري
21-05-2007, 12:25 AM
جميل أن تنقلنا إلى الأدب السوداني.. و الأجمل أن تعرفنا بأسماء أدبية سوف نكتشفها عبرك لأول مرة
لك التقدير على جهدك الجميل

مريود
21-05-2007, 02:56 PM
مجموعة قصص قصيرة للدكتور : بشرى الفاضل


(1)
جاذبية

خرج جدى الصير النابه "عبيد ود نقد"، رأسه مشغول بهموم الناس والأرض، غرق حتى أذنيه فى مفصل التفاصيل، حط قاربه فى فيئ الدومة واستظل بوارف ظلها، خمس دومات سقطن فوق رأسه، لم يمت جدى بفعل الدومات ولم يكتشف قانون الجاذبية
كدمة ظاهرة بقيت لعدة ايام فى مقدمة رأسه.

(2)
حيوان

هبطت نجمة من أعاليها فى السماء
أنفها قبالة موطنها الأول، وأرجلها لا ترضى بأن تلامس أرض بلادنا
بعض عقلاء الجهلة هللوا لها
"نجمة نجمة"
ويرى صاحبى أنها نجمة حقا
"لكن لها ضنب"

(3)
إنذار

انخفضت ضفة النيل اليسرى بينما اليمنى حافظت على مستواها
الناظر للنيل يرى ضفتيه ككتفى معتوه يتعجب مائلا بشدة وهو يقول
يعنى مياهه لو نطقت صاحت
"يا سودان هل تفلح الأرض أم أنكفئ لأدلق مياهى"

(4)
شكوى التماسيح

الضفتان بما فيهما تضيقان
والمياه والسمك مضجران، والقيظ أعلى بثلاث درجات من اعلان النشرة الجوية
خرجت التماسيح وصاحت فاغرات الأفواه
"آه ما أفظع قهر الضفاف.

(5)
أبشِر

عاد الشاب "المختلج" الأطراف لأهله بعد طول مكث، محملا بالثياب والعباب.
سعى بين أهله مفصحا عن رغبته فى الإقتران، خطبت له أمه نادية، فتاة تشتهى، أهلها قالوا عنه مناسب، جيرانهم قالوا كنز، ثيابه لا غبار عليها، ماله لا يشتكى نقص فيه
هرج، مرج، المارة عرفوا أن ثمة عرس ما يقام بالناحية
تصاعد الغناء ودخلت العروس حلبة الرقص وهى تخطو بإيقاع وخيلاء
قال الفنان يا ...، ففاجأها ضحك ينبعث من ناحية الفتيان، التفتت لترى بعلها المرتقب مثل بعير غاضب، يده فى السماء ورجله اليسرى فى عيذاب واليمنى فى البقعة
صاحت الفتيات الخجلات الشامتات
اشتر
أشت
أش
جرت العروس للداخل، جمد الفتى فى مكانه
"طالق"
فى سره طلق عروسه كأسرع طلاق فى تاريخ العرس السودانى
وجمد كل شئ
ثم علا صوت الصفقة المشيرة لأغنية جديدة
العروس عادت لمكانها من جديد ومن جديد عاد الغناء وصاح أهل العريس
أبشر .. أبشر

(6)
نملية العشق

قرب مدينة "نمولى" عاشت قبيلة من النمل
ملكات وحمالات وحمالون
أمينات وأمناء مخازن
عشقت صبية النمل نايلة نمول الفتى، هو روميو وهى تاجوج
ربط قيس يده الحبلية فى دلو عبلة وخرجا نحو قصر الملكة
قال الفتى جميل
أحبك يا جولييت
فأجابت الصبية ليلى
أموت فيك يا المهلب
فى الطريق صادفها الوزير المتنمل الأطراف قال
ما خطبكما؟
قالا
فى طريقنا للملكة لنعجن عصارة العشق جميعا
نلتقى، نفرح اذ تبارك الملكة زواجنا
سارا مائة وخمسون سنتميترا بأكملها ولاحت فى الأفق الملكة تعتلى نملية العرش، قالت
احسبك ايتها النمولة اللطيفة قد جئت فى موعدك، لكن أين خطيبك؟
قال نمول، هانذا
التفتت الملكة لترى حبيبا يوسفيا لونه كأبهى ما يكون السودا، فمه واسع يقوى على حمل حبة من الذرة الشامى
تحرك سائل الحسد فى دماغ الملكة نحو الخلايا العادلة فى الدماغ.
عقدت قرانهما ثم وزعتهما للعمل فى الحقول لجمع الحبوب
صارت النملة نايلة تخرج فى السادسة صباحا الى الخلاء، تدخل جحرا، تأخذ حبة وتخرج، وهكذا
وحين تعود لبيت الزوجية فى المساء، تصادف زوجها فى قارعة الطريق، تلوح له بمنديلها المبلل بالدموع النملية الباردة الصامتة
كان الفتى يعزق
يجد حبو وإن لم يجدها صنعها ثم أخذها وخرج
دخل أخذ حبة وخرج
هكذا ظلا يتناوبان الورديات وعدم اللقيا
حتى قضيا نحبهما

مريود
30-05-2007, 12:46 PM
أساليب الدراسة الجامعية ومذاهبها .... البروفسور / عبدالله الطيب

أورد لكم في هذا البوست إحدى خطابات البروفيسير عبالله الطيب رحمه الله إلى المرحوم الدكتور بشير ابراهيم بشير عميد كلية الآداب وقتئذٍ بتاريخ 19/8/1990 حول أساليب الدراسة الجامعية ومذاهبها نأمل أن يستفيد منها القراء الأفاضل وتفتح باباً للنقاش والحوار حول هذه الأساليب وحال التعليم الجامعي اليوم والله الموفق.
نص الرسالة..............
" ... عزيزي دكتور/ بشير إبراهيم
تحية طيبة..
وأشير إلى حديثك معي صباح الخميس 2/8/1990 في شأن أساليب الدراسة الجامعية ومذاهبها بعدما طرأ على كليتنا من توسع في الأقسام واعداد الطلبة وما يتبع ذلك وجوه تصنيف أنواع المعرفة وتحصيلها وهلم جرا.
أذكر أننا في سنة 1962 عقدنا جلية معاينة لتعيين عدد من الأساتذة الجدد بلندن. وكان آنئذٍ بيننا وبين جامعة Reading بانجلترا نوع من اتفاق في أمر توظيف أساتذة جدد على نظام انتداب يبدأون فيه العمل معنا ويكونون في نفس الوقت منتدبين من جامعة Reading . أذكر من بين الوظائف وظيفة محاضر أو محاضر أول في علم الجغرافيا وتقدم لها أحد الأجانب بشهادة الدكتوراه من جامعة برنستون وتزكية من ممتحنيه الخمسة ذكروا فيها أن عمله في الدكتوراه جيد ويمكن تمثيله بمستوى شهادة B.A Hon. من لندن... الخ. واضح أن القصد إلى التنبيه على جانب لتخصص كما هو أيضاً تنبيه على نوع المستوى.
ذكرت هذه المقدمة توطئة لما سأذكره من بعد من اعتقادي ضرورة المحافظة على النظام اللندني الأصل الذي ورثناه من قديم صلتنا بجامعة لندن عندما كنا كلية جامعية تابعة لها. ذلك بأن ذلك النظام له جذور قديمة في طريقة تعلمنا من عند المدارس الأولية إلى المراحل المؤدية إلى دخول الجامعة- مع أن هذه المراحل قد جعلت تسيطر عليها في الأيام الأخيرة عقلية الامتحان- مازالت في جملتها محتفظة بطريقة التحصيل المباشر لمواد الدرس المتصلة اتصالاً وثيقاً بعضها ببعض في موضوعات كل مادة ومقرراتها.
في سنة 1980 دعيت لكتابة تقرير عن مناهج اللغة العربية في جامعة الكويت وكان المنهج الامريكي قد أدخل على المناهج، ولم يختلف الأساتذة الذين لقيتهم وجلهم كانوا من المصريين في أن المنهج المقسم إلى وحدات غير مناسب. ذلك بأن الطالب لا يستوعب مادة متماسكة ولكن يأخذ نتفا وينتهي آخر الأمر بغير تحصيل جامع ونافع. واتفق الأساتذة في أمر مهم وهو أن علوم اللسان العربي كلها ضرورية لمن يريد تخصصاً كاملاً أو درساً عمومياً نفيداً لمادة اللغة العربية وأخذ نتف نتف من علوم اللسان لا يبلغ الطالب مبلغاً علمياً مفيداً محترماً.
وينبغي أن ينظر في أصول الطريقة الأمريكية في خلفية الحياة الأمريكية لما كان الطالب يحتاج إلى أن يغيب ليكسب معاشه أو ليشارك في قتال أو تعمير إقليمي. فدفع ذلك متخصص نظم التعليم إلى تقسيمه إلى وحدات واعتبار تحصيل عدد من الوحدات كافياً للتأهيل الأولي الجامعي ثم يزاد في الوحدات بحسب نوع التحصيل الذي يراد للطالب والتكلفة التي يبذلها من أجله.
وجلي أن مستوى التحصيل في جامعات الولايات لا يدرك مستوى التحصيل في جامعة أوهافارد أو برنستون – وهذا باب واسع.
نحن في كلية الآداب في حاجة إلى أساس قوي يبنى عليه تحصيل الطلبة والطريقة الاسكتلندية الأصل الهرمية التي بدأنا بها هي في رأيي الوجه الصائب لأن قوة التحصيل بها تظهر بمجرد مجاوزة السلك الأول أي – السنة الثانية – فقط ينقصنا الاهتمام بالكتابة. وهذا مرده إلى قلة الأساتذة الذين يمكن أن يعهد إليهم بالإشراف المباشر على كل طالب. ونظامنا يقتضي زيادة في هذا المجال.
ولا يخفى أن نظام الوحدات الأمريكي يحتاج إلى مزيد من الوظائف الإدارية ومزيد من الكتب والأساتذة والجانب العلمي حتى هو يحتاج إلى مزيد من الكتب.
هذه مجرد أفكار وعجالة عسى أن تصلح لأن تكون مبدأ للمناقشة في هذا الموضوع. مع ملاحظة أن هذه العجالة لم تتناول كثرة المواد والعلوم في كليتنا وواضح أن هذه الكثرة تجعل اسلوب الوحدات غير صالح إلا إذا قسمنا العلوم إلى مجموعات وعلى هذا إسلوبنا القديم أجود.
مع خالص التقدير والسلام
بروفسير عبدالله الطيب..."

مريود
06-06-2007, 01:51 PM
معزوفة لدوريش متجول

محمد مفتاح الفيتورى



شحبت روحي, صارت شفقا
شعت غيما و سنا
كالدرويش المتعلق في قدمي مولاه أنا
أتمرغ في شجني
أتوهج في بدني
غيري أعمى , مهما أصغى , لن يبصرني
فأنا جسد ...... حجر
شيء عبر الشارع
جزر غرقى في قاع البحر....
حريق في الزمن الضائع
قنديل زيتي مبهوت
في اقصى بيت , في بيروت
أتالق حينا. ثم أرنق ثم أموت

***

و يحي...و أنا أتلعثم نحوك يا مولاي
أجسد أحزاني ....
أتجرد فيك
هل انت أنا؟
يدك الممدودة أم يدي المدودة؟
صوتك أم صوتي؟
تبكني أم ابكيك؟

***

في حضرة من أهوى
عبثت بي الأشواق
حدقت بلا وجه
و رقصت بلا ساق
و زحمت براياتي
و طبولي في الآفاق
عشقي يفنى عشقي
و فنائي استغراق
مملوكك.... لكنـي
سلطان العشاق

مريود
06-06-2007, 01:55 PM
ياقوت العرش




محمد مفتاح الفيتورى



دنيا لا يملكُها من يملكُها

أغنى أهليها سادتُها الفقراءْ

الخاسرُ من لم ياخذ منها

ما تعطيه على استحياء

والغافل من ظنَّ الأشياءَ

هى الأشياء !

تاجُ السلطانِ الغاشمِ تفاحهْ

تتأرجح أعلى سارية ِ الساحهْ

تاجُ الصوفى يُضىْ

على سِجادة قَشْ

صدقنى يا ياقوت العرشْ

أن الموتى ليسوا همْ

هاتيكَ الموتى

والراحة ليستْ

هاتيك الراحة

***

عن أى بحار العالمِ تسألنى يا محبوبى

عن حوت

قدماه من صخرٍ

عيناه من ياقوت

عن سُحُبٍ من نيران

وجزائر من مُرْجانْ

عن مَيْتٍ يحمل جثته

ويهرول حيث يموت

لا تعجب يا ياقوتْ

الأعظم ُ من قدرِ الإنسان هو الإنسان

القاضى يغزل شاربه لمغنيه الحانه

وحكيم ُ القرية مشنوقْ

والقَرَدَةُ تلهو فى الشوقْ

يا محبوبى ..

ذهبُ المضطِّر نُحاسْ

قاضيكم مشدود’’ فى مقْعده المسرقْ

يقضى ما بين الناسْ

ويجُرُّ عباءته كِبْراً فى الجبانه

***

لن تُبْصرْنا بمآقٍ غير مآقينا

لن تَعْرِفْنا

ما لم نجذبك فَتَعْرِفَنا

وتكاشفنَا

أدنى ما فينا قد يعلُونا يا ياقوتْ

فكن الأدنى

تكن الأعلى فينا

***

وتَجفُ مِيَاهُ البحرْ

وتقطعُ هجرتها أسرابُ الطيرْ

الغربال المثقوب على كتفيك

وَحُزنْكَ فى عينيكْ

جبالْ

ومقاديرُ

وأجيالْ

يا محبوبى

لا تبكينى

يكفيك ويكفينى

فالحزنُ الأكبرُ ليس يُقال