PDA

View Full Version : صيف شديد اللهجة .. !!*



إبراهيم سنان
05-06-2007, 06:17 AM
* العنوان من اقتراح العضو / رندا المكاوية

مقدمة غير ضرورية :

الفراغ يحيط بي لأني لا أريد استغلال الوقت في أنشطة لا تمت للمستقبل بصلة ، تعودنا أن نبقي النشاط مقترنا بما يوصلنا إلى حيث نريد ، ندرس لننجح ، نشتغل لنستلم الرواتب ونعيش ، وفي هذه العطلة ، أجد الكسل أعز صديق يمكنني الاقتران به ، ولكن العقل يأبى أن يظل ساكنا ويا ليت له مفتاح أطفئه ، هذه ليست مشكلة بحد ذاتها لو أن العقل يأخذ كهربائيته من عداد الكهرباء ، فلن يكون ما تصرفه الأمة العربية كبيرا بقدر ما يصرف على أجهزة التكييف .

وجدت أن لدي كمية كبيرة من الثرثرة منعها من الخروج مشاغل كثيرة منها ممارسة الإشراف والتلذذ نوعا ما بدور المتحكم والذي خلق في داخلي مخلوقا عنيفا يريد أن يسير الأمور كما يريد لوجود فرصة إمكانيات وخيارات لا يملكها الآخرين مثل النقل والنسخ والحذف والتعديل ، ومن ذلك أنك تفعل شيئا لا يستطيع أي شخص آخر فعله هو تميز يستحق منك أن تمارسه بمتعة لها نكهة الشماتة بمن حولك :) ._ ولا تلوموا لماذا ؟ فكلنا نصبح لماذا ؟ بعد حين _ ،

لذلك اسمحوا لي أن انفث كل ما لدي من ثرثرة بطريقة سرد لا أدري إن كان مقدرا له أن تكون قصة طويلة جدا جدا أو رواية قصيرة جدا ، فأنا الآن انطلق نحو الكتابة دون هدف ودون ترتيب ودون معرفة للنهاية ، وهذا يجعلكم مشاركين معي في خلق كل السيناريوهات التي تمر بكم حالما تجدون فرصة لذلك وليس لمجرد المشاركة.
ومن ذلك أيضا أنني لن اكتب عنوانا للموضوع حتى أجد له نهاية أو على أقل تقدير معنى حقيقي يمكن تعميمه على كمية الكلام التي أريد قولها هنا .

وبسم الله نبدأ :

مقدمة للثرثرة :

الأحداث في هذه الرواية _ كما اتوقع _ حقيقية وليست حقيقية ، وكل شخوصها من الواقع وليسوا من الواقع ، وأقول ذلك كممارسة أدبية نقرأها دائما في مقدمات الكتب ، كتملص يدعيه الكاتب من ذنوبه التي يرتبكها في نصوصه ، وأنا هنا سأعترف مقدما بكل ما أريد كتابته حتى وإن كنت أجهله مقدما . هذا الشيء الذي اهم بكتابته لا يحكي فترة طويلة هي ربما ثلاثة أيام قد تزيد أو تقل ، ولكن سأمططها وأمددها حتى تشعروا بأنها رواية ، وهذا ما يفعله الروائيون يذكرون كل شيء تافه أو غير تافه كي تصبح الجمل أطول والصفحات أكثر .

الإهداء :

طبعا لا بد من إهداء ، واخاف أن اهديه لأحدهم فيستغرب أن شلفنطح مخلص جدا لهذه الدرجة على عكس ما تعوده منه ، لذلك اهدي هذا الشيء إلى شيء آخر لا يستطيع التفكير بي كصديق مخلص لأنني دائم الخيانة له ، وهو كل صيف يمر بي دون عمل أو شغل يشغلني ، وبالأخص صيف هذا العام ، ولكنه خالي حتى الآن وليس لديه ما يملأني ثرثرة ، لذلك استأذنه بأن اهديه لأخوه السابق صيف العام الماضي 2005 - 2006. ولكل شخوصه وأحداثه الروتينية والمملة التي ما تركت لي مجالا للهدوء ولم يكن ضجيجها ذو مغزى أو فائدة ، فقط ليل ونهار وشمس وقمر وأكل وشرب وحديث وكلام في كلام ، لا أتذكر منه شيئا ، ولكنني أستطيع اختلاقه دون أن أدان بالكذب لكثرة تكراره في كل وقت مثل ذلك الوقت .


الشيء وثرثرتي :


الساعة السابعة صباحا .

وصدف أن نظرت للساعة لأنني كنت بحاجة لتناول دوائي ، ورغم فهمي للحركة الدوائية في الجسم بحكم التخصص ، وأنه يمكنني تجاهل هذا الموعد ، إلا أنني أحببت تنظيم الوقت على حساب حبة الدواء تلك ، فهو أمر صغير يشعرني بأن لدي شيء مهم اهتم به ويعني شيئا على عقارب الساعة . لم أنم منذ البارحة والليل كان شريكا معي في استدراج أحلام اليقظة ، والغريب أن سواد الليل يمنعني من التفكير بتفائل مشرق ، ويحكم لونه على كل أفكاري ، فأجدها تدور في محور الخروج والتصرف بعهر وعربدة ، فهنا لا أحد يعرفني ولا أحد يستطيع محاكمتي ، ولكني لا افعل ذلك ، وليس لأنني ملتزم جدا أو أخاف ارتكاب الذنوب _ عسى الله أن يهديني ويثبتني _، ولكن لأنني لا أجد قيمة مقنعة في تلك التصرفات ولأنني أجدها لذة تستهلك النقود بكثافة وتجعلني أقف على البلاط في نهاية الشهر . فكنت أتجاهل نداءات النجوم البراقة ، واتعوذ من إبليس الذي لا أدري لماذا نتهمه بأفكار تتكرر في أنفسنا منذ اللحظة الأولى للمراهقة ، وكأننا نؤمن بأن الشيطان ممل جدا وليس لديه أفكار جديدة في كل مرحلة من مراحل نمونا . ومر ذلك الليل حتى وصل بي إلى تلك الساعة وأنا استلقي على ظهري وأقلب نظري في سقف الغرفة ، واكتشفت أن السقف مائل ولذلك كان رأسي دائما معتدل بعكس ما يقوله عني أحد الأصدقاء حين يصف طريقة نومي . هممت أن انقل إليه الخبر عبر الأثير ، أمسكت بهاتفي المحمول واتصلت برقمه المميز ، أحب الأرقام المميزة لأنها سهلة الحفظ لذلك لا ابحث عنها لنفسي كي يصبح رقمي صعب الحفظ على الآخرين ، يرن الهاتف في تواتر مقلق ، أبعده عن أّذني واضع خاصية السماعات الخارجية ، إنه لا يرد ، ومازلت انتظر رغم معرفتي بأن الوقت متأخر بالنسبة لي مبكر بالنسبة له وكلاهما يقعان في تصنيف الاوقات المزعجة ، ولكن لماذا أفكر بغيري في حين أنني لم أفكر بنفسي ، إن كنت سأزعجهم ، فأنا أزعج نفسي منذ وقت متأخر لهذا اليوم ومازلت سهرانا انفخ في دخان السجائر وادعي أنها دوائر وأشكال جميلة ، واتخيل نفسي كبيتر حين يستلقي بجانب هايدي على قمة الجبل وينظرون إلى السحاب كيف يتشكل في صور مختلفة . ولا شيء غير الدخان ولا شيء غير السقف المائل _ ولاحظوا أنني قلت لا شيء مع أن الدخان والسقف أشياء _ .

صديقي لم يرد والهاتف أصبح محط نظري واهتمامي للحظات ، استغرب صراحةً لماذا لم يرن طوال فترة سهري حتى هذه الساعة ، ولا أخفيكم أن حتى الحبيبات لم يتصلن ، هذا ما لاحظته ولم أكن لألاحظه لولا أنني استخدمت الهاتف ، أنا لا اتحدث لهن لأنني احب أو أهوى ، ولست مهتما بهن بما يجعلني أنتظر مكالماتهن ، وكل ما في الأمر أنها عادة تشبه السجائر لا أكثرولا أقل ، وحين لا تتوفر فالكسل يمنعني من البحث عن علبة السجائر أو حتى من الذهاب لشراءها وهكذا الأمر معهن . الغريب أن الهاتف المحمول لا استخدمه كثيرا مع أصدقائي أو عائلتي ، فالمكالمات المهمة لا تأخذ وقتا طويلا ولا تتكرر كثيرا ، ولكن الأحاديث التافهة تستمر لأوقات طويلة وتستهلك اهتماما مبالغا ونتائجها صفرية دائما ، والنساء قادرات جدا على خلق لذة غريبة وإثارة شديدة من أي موقف بسيط ، لذلك تكون قصصهن ممتعة لحظة الاستماع إليها سريعة النسيان حال اختفاء أصواتهن ، ولعل الحكمة في الصوت ، لم أفكر بأن اتصل بأي منهن ولن افكر فالرجل لا بد أن يمارس طبيعته التي خلقت في أحاديث المجالس وليس لأنه كذلك ، الرجل هو العقل المفكر والذي يحسب قيمة الأفعال ونتائجها قبل ممارستها ، لا نولد كذلك ولكنهم يلقنونا هذا الأمر عبر مراحل نمونا ، وربما يساهم في ذلك الأمهات أحيانا ، واتذكر أمي تقول لي عندما أكثر من الثرثرة : لقد غلبت النساء في احاديثك .
لذلك وجدت في الكتابة مخرجا من هذا المأزق ، ومنطلقا جديدا ابتعد فيه عن الانتقادات ، ولو أن أمي تقرأ لي في المنتديات لوجدت أنني بدأت اتفوق على النساء حتى هنا . ولكن لنعد حيث كنت أمتدح الرجل واذم المرأة ، واميز بين العقول لأدعي أن عقلي كان يرفض استخدام الهاتف لأن الكلمات تستهلك كمية من المال استطيع صرفها على أمور أخرى مثل الجلوس في القهوة والتنفيخ في الأرجيلة أو شراء السجائر أو تعبئة السيارة بالبنزين لصرفه في الدوران عبر الشوارع دون وجهة أو هدف ، ويظل في الأمر حكمة وعقل كبير يختلف عن تلك المرأة التي لا تمارس ما أمارسه وتصرف ما أصرفه في المكالمات الهاتفية :) .


الساعة الثامنة :
ملاحظة : وهذا يعني أن هذه الثرثرة ستكون بعدد ساعات الأيام التي أريد التحدث عنها_ أعانكم الله على ذلك _ ولكن لا بأس فهذا مؤشر جيد على أنها ستكون رواية طويلة جدا . ولاحظوا أن كل تلك الأفكار والأحداث التي لا تظهر للعيان استهلكت ساعة وكانت مليئة بالضجيج رغم هدوء حالتي المستلقية على الأرض حتى تلك اللحظة .


وطبعا عرفت الوقت هنا أيضا لأنني كنت أثناء التفكير أمسك بالهاتف المحمول واتابع الدقائق وهي تتحرك ، وهكذا نفعل دائما أمام الساعات ، نهتم بحركة عقاربها وبعد حين تنتقل تلك الحركة إلى ذواتنا فتحرك معها كل ما يعتمل في أنفسنا فنتماهى مع العقارب وتصبح الساعة هي من يتابعنا لنجدها بعد حين قد وصلت بنا حيث تريد ولم نلاحظ ذلك .

يرن الهاتف ويقطع كل تلك الأفكار ، وأجد نفسي أستيقظ من عتمة العقل المسيطر على أجواء هذا الصبح ، مع العلم أنني عرفت أنه صبح لأنني سهرت منذ البارحة والساعة تشير إلى ذلك ، ولم أشاهد النور ولم تدخل أشعة الشمس لتخبرني بإشراقها لأن نافذتي لبست كل أنواع القصدير واللواصق كي تمنع النور من ازعاجي خلال نومي ، وكأنني انام فعلا . ولكن لا نوم ولا نور .

الصوت على الطرف الآخر متشنج قليلا وهذه عادة تبشرك بأن هناك خبرا مهما سيملأ نهارك بالأحداث ، لذلك فرحت به ومارست معه نفس الوتيرة من التشنج :
- خير احمد عسى ما شر لماذا تتصل في مثل هذه الساعة .
- اتمنى أن لا أكون قد ازعجتك في هذا الوقت المبكر ، ولكن الأمر ضروري .
- لا عليك لقد استيقظت مبكرا ، أخبرني ما الأمر الضروري .

هناك لحظات صمت تعتبر مقدمات تهون الصدمات ، وبالنسبة لي هي عرف قديم ممل يزيد من الانتظار ويقلل حجم المفاجئة التي أصبح حدوثها مهم لكسر روتين النفس المستسلم للخمول . لذلك اشجعه واستحثه في الحديث ، وهو في حقيقة الأمر ينتظر ذلك مني ليقول الأمر بطريقة سريعة استجابة لطلبي لكي يشعر بأنه غير مذنب في صدمتي .
- أريد منك الذهاب معي للمستشفى لاستلام جثة علي .
- ماذا ، ماذا ؟
في حقيقة الأمر أن كلمة الجثة هي من جعلني استنفر مشاعري ، ولم يكن الاسم يعني لي شيئا لذلك استرجعت برودتي المعتادة ووقاحتي البليدة للحظات :
- من علي ؟
- علي صديقنا الذي جلس كان يحضر الماجستير في تقنيات التعليم في جامعتك .
وهنا اعتبار دائم التحقق بين مجتمع الشباب ، وهو أن من تلتقي به مرة واحدة وتضحك معه لعدة ساعات وتتبادل معه الأحاديث يكون صديقا لك بغض النظر عن مفاهيم الصداقة . لذلك كنت صادقا في نسيانه .
- لا أعرفه ولكن متى توفي ؟
- البارحة على الطريق القادم من الحدود إلى المدينة ، واتصلوا بي لأن اسمي أول رقم على هاتفه المحمول .
- هل عرف أهله ؟
- أنا من أخبرتهم ولم أفلح في نقل الخبر كما يجب .
ومن منا يستطيع نقل خبر الموت بطريقة لائقة ، لم أجد أي معنى في أن يتم نقل مثل هذا الخبر بمقدمات طويلة لن تنفع في منع الشعور بالحزن والأسى على الميت . واتذكر أن أحد خوالي مات في حضوري وكنت أنا المخول بنقل الخبر لوالدتي ، استرجع الحدث وكأنني في تلك اللحظة ، خرجت من منزل جدي صوب كابينة الهاتف العمومية ، وكان الأمر قبل عشر سنوات ولم تكن الهواتف المحمولة متوفرة كما هو حاليا ، في الطريق جلست أفكر كثيرا كيف انقل الخبر ، واحور وابدل في الكلمات وامثل الموقف مع نفسي وكأنني أمسك بسماعة الهاتف وبعد كل هذا عندما وصلت وطلبت الرقم ولسوء الحظ كانت الوالدة على الطرف الآخر مما اربكني كثيرا ، والمشكلة أن الإمهات لديهن قدرة على استشعار المصائب ، ومع ذلك يتجاهلن استشعار حاجة ابنائهن لمزيد من المال في الغربة ، ويتصرفن بغباء وكأنهن لا يفهمن ذلك . في تلك اللحظة وهي تلح علي لاتحدث سريعا ، فلم يستغرق مني الأمر سوى ثواني معدودة .
- خالي مات ، مع السلامة .
وأقفلت الهاتف .

بالنسبة لصديقي كان الموقف أكثر مأساة مما حدث معي فأنا أنهيت الحديث ولم استقبل ردة الفعل ، أما هو فلقد عانى تنقل الهاتف بين أطراف أسرة ذلك الشاب الواحد تلو الآخر وكأن الخبر سيتغير لو سمعه الأب أو الأخ أو الأخت أو الأم . يحدثني عن ذلك وأنا افكر بالجثة ، وبكثافة الأجراءات التي أوقع صديقي نفسه فيها لمجرد أن اسمه كان ( أحمد ) .
- يعني ألم يكن الأفضل لك لو كان اسمك يحيى .
- لماذا .؟
- لكان اسمك الأخير على قائمة علي .
- يا أخي لست في مزاج لمزاحك .

يعتقد أنني أمزح وكل ما في الأمر أنني فكرت منطقيا لمصيبة تحملنا مشكلة هذه الجثة ، العمل الإنساني يصبح مهما فيما لو كان ذو صلة مباشرة بي ، ولكنه يصبح مشاركة إضافية لم أتطوع لها ، وحتى لو قمت بها على أكمل وجه سأظل أحاسب نفسي على عدم استحقاقي لعرفان أولئك الأشخاص ،
- ما المطلوب مني الآن .
- ليس لدي خبرة في مثل هذه الأمور . وأريد مساعدتك ومساعدة تلك العائلة المسكينة .
- ومن قال أن لدي خبرة في ذلك ، هل أخبرك أحدهم أنني حانوتي .
- ألست في كلية الطب ، إن جثته في المستشفى الجامعي حيث تدرس .
- الجثث الوحيدة التي تعاملت معها تلك التي شرحتها في سنين مضت .
- أنت تعرف المستشفى وبعض العاملين فيه ، ربما يسهل علينا المهمة .
- حسنا احضر لي بعد ساعة من الآن .

أقوم لكي أجهز نفسي ، ورغم أنني سأمارس دور الحانوتي ، ولكنني مازلت أريد الظهور بشكل لائق أثناء أداء ذلك ، وربما يمارسه الجميع حتى في حضورهم للعزاء ، فتجد الرجال يلبسون أفضل الملابس ويتقنون مظاهر الحزن وطرق التحدث ومواساة أهل الفقيد .
بدأت اتخير في الملابس والأفضل لها في مثل هذه الحالات ، فأنا مقبل على التعامل مع عدد لا ينتهي من الموظفين يبدأون في المستشفى ولا ينتهون حتى المطار مرورا بالقنصلية والسفارة ، وهذا يستلزم مظهرا يدل على فخامة الحضور ويعطي انطباعا بأن الميت شخص مهم ، رغم أن ألموت يجعل الجميع متساوين جدا . ولعل من السخرية أن تحتاج الجثث مثل هذه المراسم ، بل من السخيف أن تكون لها كل تلك الإجراءات ، في حين لو أن نفس الشخص كان حيا لما استغرق نقله من مكان إلى مكان سوى تذكرة وختم . النهايات تأتي بشكل معقد رغم أن الحياة سهلة في مرورها ، لعل الدنيا تعاقبنا بطريقة الانتقام ، فهي تستغل عدم قدرتنا حين نموت وكيف أننا فقدنا القدرة على التنقل بسرعة في أرجائها والعبور من مكان إلى مكان وكأنها أصبحت أصغر مما كانت عليه . هي تريد إثبات نفسها من خلال جثثنا التي تستغرق مثل هذه التجهيزات والمراحل حتى تبتلعنا لتثبت أنها ما زالت أكبر واعقد مما نتصور . هكذا أفكر ولعله ضرب من الجنون الذي ينتابني خلال فترات الصيف ولكنه أمر جدير بالممارسة حيث لا شيء آخر يستحق الاهتمام .

...............



يتبع في ساعات قادمة

وكما قلت يمكن للقراء المشاركة في تكهن الأحداث أو حتى المشاركة في اختيار العنوان الآن .

نجاة
05-06-2007, 06:38 AM
سردك جميل...

موفق

رندا المكّاوية
05-06-2007, 06:56 AM
صيف شديد اللهجة .. !!
كعنوان .
.
.
جنون جميل !

إبراهيم سنان
05-06-2007, 08:08 AM
شكرا نجاة
شكرا رندا ولقد أعجبني عنوانك المقترح ولكن لننتظر حتى نرى ما قد يقدمه الغير .

الحنين
05-06-2007, 09:42 AM
منذ زمـن بعيد لم أقرأ موضوعا طويلا لأسباب شتى..!!ولكن لفت نظري العنوان المنقط وشدتني رائحة الموت.


لا أدري لماذا يتصادف استقبال خبر الموتى مع أرَقي ان كنت زائرة أو مقيمة في بيتي، ويكون علي واجب إبلاغ الخبر اليقين المؤلم خاصة في منتصف الليل لا أدري لماذا يختار الموت السكون ليلا كي يعلم به البشر؟هل التسلل ليلا أحد صفاته؟ أم هو رهبة الموت بحاجة إلى موعد خاص؟ ارحمنا ووالدينا يا الله.
أشد موقفا حينما رن هاتف المنزل في منتصف الليل ونزلت من الطابق العلوي مسرعة مهرولة مرتعبة من هاتف الليل هذا رغم بعد المسافة بين الأعلى والأسفل، وإذا بصوت عمتي تخبرني بوفاة عمي الصغير الذي يحبه جدا والدي!!لم أستطع ان أوقظه لهذا الخبر المفجع،،دخلت غرفته بهدوء تام وجلست على الأرض اتأمل قسمات وجه والدي واحزنني تخيل وجهه الحزين، فخرجت مسرعة لأرجيء هذا الخبر للصباح،، ولكن معاودة اتصال عمتي الملح لاخباري والدي هو من أجبرني على ذلك فتسللت مرة ثانية لغرفته وجلست على حافة سريره بهدوء وإذا به يفتح عينيه فجأة مستغربا وجودي في هذه الساعة، فمسحت على يده وقبلتها وسميت بالرحمن وقلت له جاء تلفون من عمتي وتقول أن عمي .. قد توفى ...
فزَ مرتعدا من الحزن دون حرف وهَمَ بالاتصال للتأكد،،بعدها عشت موقفا لم اتخيله في حياتى قط، فقد بكى والدي بشدة على عمي كطفل بريء، وبكيت بحرقة وأنا أقبل يديه ليكف عن ذلك لكن ليس على عمي (الذي أعزه) _ربما أنانية مني ولكن هي الحقيقة_ولكن على حزن ابي الجبل الشامخ الذي انقلب بسحر ساحر إلى طفل ممكن أن يحزن لفراق حبيب....!!! لذلك أدعو الله دوما أن لا أكون المستقبِل لمثل هذه الاخبار المأساوية رغم انهمارها علينا في الوقت الحالي كالمطر.
ثرثرت..أي نعم،، هي ثرثرة امرأة ،،ان سكتت خرست وان نطقت اطلقت العنان لحزنها.



ممكن أن يكون عنوان القصة "متطوع إجباري" أو "حانوتي تحت الطلب".

مع التقدير اخي الكريم:nn

إبراهيم سنان
07-06-2007, 02:01 AM
اعتذر يا أم عبدالله لك لأنني لأن أحاول مواساتك بأي قول ولن يكون في هذا الموضوع أي حزن أو ألم يبجل الموت وكيف يخطف الناس من بيننا ، إن الموت لا يوفر أحدا ، لذلك لن يجد لدي شيئا من الشعور كي يخطفه مع من ذهب بهم .

وما اقترحتيه من أسامي أجدها قاسية قليلا بالنسبة لموضوعي ، لذلك لا أرجحها واتمنى منك العودة للمتابعة والمشاركة بما يستجد إليك والمحاولة مرة أخرى بعناوين أفضل .


نعود إلى حيث كنا وهذه المرة سأحاول أن اختصر الساعات عليكم واصرفها بالجملة . حسيت ان شغلة ساعة ساعة كثيرة علي ، معنى ذلك أنه ليس حبا فيكم )k

ساعة تائهة :

من الصعب النهوض من حالة الاستلقاء بعد ساعات طويلة على نفس الحالة، يجعلك تشعر بأن كل الجهد الذي يتطلبه عمل ما سوف ينتهي بمجرد النهوض ، الكسل والخمول يتسلل إلى أجسدانا ونعتقده حالة نفسية فقط وهو ينتشر تدريجيا ليصيب كل العضلات وأعصابها ، لدرجة أن الانتباه المفاجيء يصيبك بتشنجات ليست إلا عذاب يعاقبنا به الكسل لأننا نريد نفيه خارج إقامته التي تربع فيها واطمأن لها خلال ساعات ، لكن لا بد أن انهض وهناك مشوار آخر أكثر جهدا ، نحو الحمام ، يالصعوبة الموقف ، أكره الماء الذي ينعش صباحا لا يستحق الانتعاش ، هل أرش على وجهي ماءا من أجل مقابلة جثة ، أو الدخول إلى مشارح أو مكاتب مسئولين تبدو على وجوههم كل ملامح الشقاء والانزعاج ، لا بأس لعل السماء في الخارج تحتاج من يرأف بها من منظر وجوهونا المتقنعة بأشكال تشكل نمطا إجتماعيا وهميا ، نحن نعيش في الماتريكس ، بدأت أصدق هذا :)

المرأة هي أكثر من يلبس الأقنعة ، وأكثر من يقف أمام المرآة ، هكذا يعتقد الرجال ، ومع الوقت نصبح شيئا مما نكره .
ها أنا أتجهز أمام تلك الزجاجة المصقولة وأعذبها بما في وجهي من تفاصيل مزعجة ، كيف لهذا النقاء أن يتحمل كل ذلك ، ما كنت سأقبل بأن أكون مرآة لأي شخص ، فهي تكشف التجاعيد والأمور الدقيقة وكأنها تذكرنا بحقائقنا التي نخفيها بالألبسة والمكياجات ، أقف أمامها وأنا ابتسم في شماتة واتخيل نفسي تلك الشريرة التي تسأل مرآتها من أجمل إمرأة في العالم ، لتفاجأ بأن هناك غيرها ، الحقيقة صعبة والمرآيا تنطق بالحقائق ، تلك القصة حين تذكرتها شكرت كاتبها لأنه استطاع أن يقدم شيئا واقعيا يستمر كحكمة نظل نقرأها كقصة ولا نكتشفها إلا بعد حين ، أتخيل المرآة نطقت ، لقد ذكرت اسما نسيته منذ زمن ، " دحروج " ما أجمل هذا الاسم وما أجمل ذلك الكائن الذي كان يحمله ويجري بلا أي شقاء أو مسئولية أو عناء يمرح في أرجاء المنزل وفي شوارع الحارة ، لقد كان بالفعل يتدحرج قبل أن تتيبس أطرافه ويصبح ماهو عليه اليوم أمام مرآة يتحدث إلى نفسه ، اتمنى قتله لأنه ذكرى تجعلني اتمنى العودة إلى الوراء ، وأنا بدأت اقتنع باننا كل ما تقدمت بنا الأعمار اقتربنا إلى النهايات ، ولا يهم أي نوع من النهايات ، يكفي انها نهاية وحسب ، كلمة لها انطباع الراحة والاستقرار مهما كانت الطريقة ومهما كانت النتائج ، استرسل في الخيال واجدني أسمم لدحروج تفاحة أو بالأصح ( سمبوسة ) _ فهو يعشقها حتى في غير رمضان_ لينام كالميت أبدا طويلا ينتظر من يقبله كي يستيقظ ، من سيقبله يا ترى ، افكر في صديقي عبدالله القرني ، يبدو أن شتفاه استرجعت لونيهما الوردي بعد أن قطع عادة التدخين ، وأشمئز للحظة وانا أتخيل مراد أو موسى ، أولئك أشخاص لا أحب أكون بالقرب من أفواههما وهما يتحدثان حديثا عاديا ، فكيف يقبلاني . انتهيت تقريبا والمرآة بدأ صفائها يتلاشى ، لقد ملت مني وتريد مني المغادرة ، اكمل التجهز ، البس كل تلك الملحقات الصغيرة التي تبقيني على اتصال بالعالم حولي ، ساعة وهاتف محمول .

نعم الساعة اتذكر أنني تأخرت كثيرا ، ولكن أحمد لم يحضر بعد ، اتصل به ليخبرني أنه على بعد دقائق ويطلب مني النزول .



الساعة العاشرة :

ها أنا أبدأ مغامرة الزحف عبر ممرات المبنى وانتظر أمام المصعد ، تعودت أن انظر إلى الأرض واتابع خطواتي وأعد كل البلاط الذي ادوس عليه ، عادة تكونت لدي مع الزمن ، أتابع الأمور الصغيرة حين أسير، الاحظ كل شيء لا يلاحظه الناس ، كنت قد بدأت هذه العادة عندما كان الجميع يحدثني عن أولئك الذين يسألون عن أمور غريبة ويقدمون جوائر هائلة لمن يعرف الإجابة ، قال أحدهم أن أميرا دخل إلى مجمع تجاري وقال من لديه هللة .؟ فلم يجد أي من الحاضرين شيئا في جيبه ، من كان يتوقع مثل هذا الأمر ، وفاز الرجل الوحيد صاحب الهللة بسيارة فارهة جدا ، وآخرين سألوا عن عدد ذلك أو هذا ، فأصبحت احمل الهلل وأعد كل شيء ، وانتظر من يسأل عن أي شيء منها كي أفوز بشيء جدير بإنهاء وجوده كحلم ضمن خطط المستقبل ، سيارة ، فيلا ، يخت ، مكوك فضائي .

لقد وصلت إلى الشارع.!
قبل قليل كنت في الدور الرابع اتوجه للمصعد ..!
أرأيتم ؟
تلك العادة أصبحت شيئا جميلا بعكس غايتها المادية ، لقد ملأت العالم من حولي وجعلتني أخذل الوقت في ترقبه لانتظاري ، كما انها اراحتني من مشاهدة وجوه الناس المارين بي ، كل لا أحسد ضحكاتهم ولا اتشمت بامتعاضاتهم ، لم أعد وحيدا بنظري إلى صغائر الأمور تلك التي لا يهتم لها الناس ، إنها ملكي وحدي ، وما اكثرها في هذا العالم ، اعتقد أنني أصبحت ملك العالم لأنني املك مالا يملكه الملوك . أشياء لا يريدونها ولا يحتاجونها ، بلاط ، أعمدة ، إشارات مرورية ، ينثرونها في الشوارع للناس . والناس تمر بها متجاهلة وأنا اعدها واحفظها في عقلي . أنا ملك الخردة "king of junk" :)

- لقد تأخرت .
قلت له ذلك حالما ركبت السيارة ، لاأريده أن يكرر علي سمفونية بطيء نزولي وابرر له بمساحة جسدي وما يحتاجه من وقت للفه بكل تلك الملابس ، أو ثقل خطواتي التي تتمنى أن أوظف معها قدمين إضافيتين ولكن الميزانية لا تسمح :)
يشير لي بيده وهو يحمل في الأخرى جواله المحمول . اسمعه يتمتم بتعاسة ويحوقل ويخبر المتحدث ان ذلك المتوفي كان عزيزا عليه جدا .
لا اذكر ذلك ، فهو مثلي لم يره سوى مرة أو مرتين ، والحرف الأول من اسمه جعله مسئولا عن كل هذه الأحداث ولا علاقة للأمر بالمعزة او الصداقة ، ينهي المحادثة بكلمات الحب والاشتياق ...
اها .!
لقد فهمت ...!
- إن الطريق مزدحم ، وكنت مشغول بالحديث على الهاتف لذلك تعرضت لمخالفة مرورية
- لأجل عين تكرم مدينة .
وابتسم ...
- لماذا أنت سعيد في حال مثل هذا .
- ولماذا انت تمارس الحب في حضور الموت .
- لا تتحدث عن الموضوع ، فهو مازال أمرا لا يخصك .
- وسيظل ، ولكن أخبرني هل كان علي صديقك فعلا
يتجاهل سؤالي وينطلق بالسيارة .

صديقي كأي شاب آخر يستغل المآسي كي يستجدي عاطفة فتاته ، ولو أن الورقة جرحته لظل يأن على الهاتف يوميا كي يناله المزيد من الطبطبة والاهتمام التي تعلم الفتاة أنها سخيفة أثناء تقديمها له ، ولكن حبيبها يريد ذلك ، ولعل هناك من هو أشد سخافة من صديقي هذا ، اتذكر أحدهم كيف استغل وجوده في إحدى المستشفيات ليقيم علاقة حب خيالية مع إحدى الممرضات ، لقد كان مسكين جدا ، مصاب بورم سرطاني في مرئيه وكان لا بد من استئصاله ، ورغم هذا لم يمنعه ذلك من ممارسة ذكوريته ، إنه يحب ،ولا بد أن يحب ، وظل يتناول الايس كريم على حساب تلك الحبيبة يوميا ، بالفعل مسكين المرض ، فقد أهميته التي خلق من أجلها ، كان يعتقد أنه سيجعل من الإنسان غير قادر على ممارسة أي مشاعر تجاه من حوله ، ليجد نفسه سببا في المزيد من المشاعر الجياشة . وعجبي :)

نصل إلى المستشفى الجامعي .
انزل من السيارة واتجه نحو الحارس اسلم عليه واضحك معه كعادتي ، واحمد مازال يكشر وجهه ويمارس الوجل والكآبة لأنه في حضور الموت ، موت لا يعنيه ولكنه يدعي شيئا من ذلك كي يجعل نفسه محترما .
- لماذا تضحك ونحن في هذه الظروف
- ولماذا احزن ، إنني لم أحزن على موت الكثير ممن اهتم لهم ، فكيف بشخص لا أعرفه .
- الموت له حضور يجب أن نحترمه .
- وهل يحترم الموت حضورك .؟
- مكتوب على الجميع .
- إذن فاجئه بأن تجعله مكتوب يسعدك ، ألم تكن تذوب حبا قبل قليل ، للموت فضل في هذا أليس كذلك ، وابتسم كصورتي الخضراء في الأعلى أمام يوزري .
- قلت لك هذه منطقة محظورة فحاول تجنبها .
- حسنا لقد وصلنا لمنطقة محظورة أخرى ولكن الدخول أسهل إليها من علاقتك تلك .
أشير له باتجاه المشرحة . نتقدم إلى المسئول الجالس على مكتبه ووجهه أصبح يشبه لحد كبير تلك الجثث المتراكمة في الداخل ، لا أعرفه ولكن سبق أن رأيته في مشرحة الكلية حيث كنت دائما . اقترب منه واحدثه بخصوص الموضوع . لا يرفع رأسه ويظل يتحدث إلي وهو يقرأ في مجلة فنية ويقلب في صور الفنانات ، كنت أريد أن أشير لصاحبي أن الموت لا يمنع الشهوات ، وحضوره حين نتعود عليه يصبح كالحذاء حين ننتعله دون أن ننظر إليه ، حركات تلقائية ننسى كيف بدأناها .
- ما اسمه
يقفز أحمد ليخبره ، يعلم أنني لا اعرف اسم علي الكامل .
- حسنا متى احضروه إلى هنا .
وكأن الاسم لم يكن كافيا ، وكأن هناك عدة أشخاص بنفس الاسم الرباعي ، وربما هذا صحيح .! من يعلم ..؟
- اعتقد أنه في ليلة الأمس أو قبل ذلك .
- وكيف مات
- حادث سير
- على أي طريق
- الطريق الحدودي .
- حسنا دقائق .
يرفع السماعة ويتصل بشخص أخر ويطلب منه الحضور ، شعرت بأنه اتصل على الميت كي يخرج لنا ، كان الكسل المسيطر على ذلك الموظف يوحي لي بتلك الفكرة ، أنه وجد طريقة تريحه يتصل بها على الجثث لتحضر شخصيا ، وبدأت أتخيل ذلك واقلبه في ذهني وكيف سنتعامل معه ولا أخفيكم كونت فيلما ساخرا أبقاني بعيدا عن أجواء المكان لعدة دقائق .
يقطع الفيلم علي شخص لحذاءه طرق شديد في الممر ، وكغلاظة خطواته كان جسده ووجهه ، يقترب مني وهو يقلب رأسه ويزم شفتيه بطريقة التساؤل .
- ألم أرك هنا قبل هذه المرة .
- نعم أنا طالب في كلية الطب ، ولسوء الحظ أتيت مع صديقي هذا اليوم لنستلم جثة صديق آخر وافاه الأجل ليلة البارحة ( إلى القراء : تأكدوا من الأعلى هل السيناريو ما زال متطابق ) .
- اها، حسنا لعلنا نقدم لك خدمة خاصة بما أنك منا وفينا ، ويبتسم لي .
يطلب الأوراق التي تخولنا لاستلام الجثة .
يتفاجأ احمد بهذا الأمر .
- ماذا ألم تكن تعلم .؟ يجب أن يكون لديك ورقة تخولك باستلام الجثة ، نحن لا نعطي الجثث لأي شخص بدون التأكد من قرابته وصلته بالميت .
اتدخل في الحوار .
- وهل هناك من يسرق الجثث .
- لا أحد يعلم ماذا يمكن أن يحدث ، الجثث في هذه الأيام تسبب مشاكل أكبر مما يسببه الأحياء . ألا تذكر حادثة ذلك الشاب الذي احرق جثة ووضع فيها بطاقته كي يتمكن من الهرب إلى مكان لا يعرفه أهله .
- نعم نعم ، صحيح تذكرتها .
كنت أكذب بالطبع فلم اسمع بمثل هذه القصة أبدا ، وكل ما في الأمر أن الادعاء بذلك يعطي هذا المسئول شعور أنه اقنعني بقصته التي ربما تكون مختلقة ، وربما يعلم هو أنني كاذب لمجرد تصديق قصته الخيالية ، ولكن هذا أيضا سيعطيه شعور بأنني أحاول التملق له ، وبهذا مكسب على جميع الأحوال ، ولكن للأسف يرد رغم ما بذلته من كذب .
- كان بودي أن أساعدكم ولكن لابد من الورقة .
في هذه الأثناء الذي كنا نقف متقابلين داخل المرر ، مرت بنا عربة تحمل جثة ودخلت للمشرحة ، لاحظت أن صديقي يسترق النظر للداخل ، ماذا يفعل الغبي ، هل يعتقد أن علي سيلوح له من هناك ليقول له : ها أنا . لعلها حركة طبيعية عندما يبحث أحدهم عن آخر في المستشفى . لا أدري ، ولكن العربة حين مرت كان الغطاء ينكشف عن يد الجثة ، صغيرة وناعمة ، من الواضح أنها لطفل وطول الغطاء المنتفخ يشير إلى أن الجثة قصيرة ، هو طفل بالتأكيد ، ولعلها فتاة ، فتلك اليد رقيقة وأصابعها زهرية اللون . ظلت عيني تلاحق العربة حتى اختفت وراء الباب المتحرك .
- حسنا ، كيف نحصل على تلك الورقة .
خرجت الكلمات ومازالت عيني تلاحق الفتاة ، ينتبه لي الموظف المسئول ويجدها فرصة للتحدث عن آخر انجازاته ، هو عمله الذي ينتعش بالموت ، ولو انقطع الموت لانقطعت وظيفته التي يسترزق منها ، وكيف يحيا مع عائلته ، وهكذا هي الدنيا يحيا أشخاص من خلال موت آخرين .
- تلك الفتاة حضرت للتو .
احدث نفسي ، أعلم أيها المغفل ، فمازالت رائحة الدماء لم تجف بعد . ويكمل حديثه .
- لقد دهسها باص المدرسة عندما تحرك وهي تهم بالنزول .
ماذا اقول له .؟
هل اشكره على هذه المعلومة التي تشير إلى أن الدراسة أصبحت كالحروب لها ضحايا ؟
تجاهلته وكررت طلبي في معرفة كيفية الحصول على تلك الورقة . أخبرنا بعد أن حرك يديه كثيرا وتحدث كأنه مسئول مهم ، وكيف أنه من الصعب الحصول عليها وكيف أن الإجراءات معقدة ، وما إلى ذلك من الأقوال التي تجعل أي مهمة مستحيلة ، لمجرد أن يعطي عمله قيمة أكبر . واعلم في قرارة نفسي أن كل تلك المبالغات يتم اختزال ثلاثة أرباعها .
- شكرا لك ، وسنعود لك بعد قليل .
يهم أحمد بالتحدث وهو الذي ظل يكتف يديه طوال هذه الفترة وينظر إلى الأرض ، لعله يستمع لكل تلك الإجراءات ويفكر كيف يمكن له انجازها . فكل الدوائر الحكومية بيروقراطية ومثل احاديث هذا الموظف ، من أجل ورقة واحدة تخص جثة ، سنمر على عدد غير منتهي من المكاتب . ولكنه يفاجئني حين تحدث وعينيه مازالت على الأرض .
- هل يمكن لنا أن نرى علي .
- تقصد الجثة .
بالطبع أيها الأحمق ، ما أشد صوت الكلمات في نفسي ، ولكن الابتسامة تظل تحبسها وراء شفتي ، مازال اسم تلك الجثة علي ، وسيظل علي والكل سيدعو له بهذا الاسم . لا ادري لماذا شعرت بالاشمئزاز . ولكن من يعلم ..!
الحكمة تفاجئك بالظهور حيث لا تتوقع .
- عفوا ، ولكن صدقوني الأرواح هي من تحمل أسمائنا .
لقد نطق هذا الشخص بشيء جعلني أغير نظرتي عنه ، لقد رأيته بشكل مختلف تماما ، هالة من الضوء أحاطت برأسه وجعلته يبدو أكثر إنسانية مما بدا عليه طوال فترة حديثنا . احدثه بألفة غريبة لم اتوقعها من نفسي ، أحاول تهدئة أحمد الذي يبدو أنه بدا متأثرا بهذه الأجواء .
- هل يمكن لنا النظر إليه .
يتمتم قليلا ويزم شفتيه ومن ثم يتحدث مع الموظف الآخر على المكتب والذي لا يتواجد إلا عندما يتحدث من تحت رأسه الغارق في المجلة ، يهز رأسه نفيا ، ويقترب الموظف منه وكأنه تعاطف معنا .
- اتركهم للحظات ينظرون إلى صديقهم .
- ارغب في ذلك ، ولكن صدقني هم لا يريدون رؤية ذلك المنظر .
يرتعد جسدي للحظات واستغرب هذا النفور الذي انتشر في أوصالي ، مثل هذه الكلمات تدل على شيء بشع ، وأحمد يجحظ عينيه ويمسك بيدي وكأنه أحس بنفس الشعور اقترب من الموظف على المكتب .
- لماذا . ما وضع الجثة .
هنا يرفع عينيه المنطفئة ، وكأن فيها رعب حقيقي يحاول إخفاءه عن الناس بالتحدث لهم وهو ينزل رأسه للأسفل . عيناه المخيفة جعلت أحمد يبتعد خطوة للوراء .
- هل أنتم مصممين .؟
- نعم نحن كذلك .
متأكد من نفسي ولكن لا اعلم عن أحمد ، تعودت رؤية الجثث ، ولكن هو يتقزز من كل أمر يخص دراستي للتشريح . وهو من طلب ذلك . التفت إليه وكأنني مازلت أخيره ، ويهز رأسه مرة أخرى مؤكدا على طلبه .
- حسنا ، الحقوا بي .
يفتح الباب واتجه ورائه والموظف المسئول عن تسليم الجثة ورائي ، واحمد متأخرا عنا وكأنه يريد رؤية ردة الفعل علينا . ولكنه مازال بعيدا في الممر . الباب المتحرك ينغلق تلقائيا ورائنا وأحمد يدفعه بحذر وخوف ويخطو قليلا للأمام ، مازلت اتابعه ، واحاول أن اكون قريبا منه .
- من هنا .
ينادي موظف المشرحة .

....



يتبع ...............

Ophelia
07-06-2007, 11:10 PM
أعتقد أنه من المستحيل أن نقترح عنواناً لرواية لم تظهر بعد معالمها وشخصياتها بشكل واضح
فالعنوان فيما أعتقد هو آخر ما يوضع
وإلا سيكون لديك عنوان على نمط المرآة المنعكسة :rolleyes:
هذا أولاً
أما الثانياً فأتمنى أن تتوقف عن وضع هذه الابتسامات المثيرة للأعصاب لسبب لا أدري سببه :)
فكما تركت لنا حرية اختيار العنوان أظن من حقنا أيضاً كقراء أن تترك لنا حرية الإنطباع واختيار السمايلز المناسب لما تسرده هنا

وبانتظار ما يتبع

رندا المكّاوية
08-06-2007, 12:39 AM
كاني انا اللي حشوف اياها .. !!
.
.
اوكى
لساتي مصممة ع العنوان الاول
حاول الاحداث ماتكون بشعة الله يخليك المرة الجية S : !

الحنين
08-06-2007, 01:26 AM
اعتذر يا أم عبدالله لك لأنني لأن أحاول مواساتك بأي قول ولن يكون في هذا الموضوع أي حزن أو ألم يبجل الموت وكيف يخطف الناس من بيننا ، إن الموت لا يوفر أحدا ، لذلك لن يجد لدي شيئا من الشعور كي يخطفه مع من ذهب بهم .
وما اقترحتيه من أسامي أجدها قاسية قليلا بالنسبة لموضوعي ، لذلك لا أرجحها واتمنى منك العودة للمتابعة والمشاركة بما يستجد إليك والمحاولة مرة أخرى بعناوين أفضل .



ومن قال يا أخي أنتظر مواساتك لي،،لكن هي عفوية بعيد عنك "مقيتة"، أحاول التخلص منها عند تشابه بعض القراءات مع مواقف سابقة،،والموت برأيي أصدق حقيقة على سطح الأرض رغم ما يشوبها بعض الحزن.
سأتابع لكن لن أجد "ألطف" من هذا العنوان،ربما سيكون عنوان أقسى ،،لننتظر ربما سيكون الميت (ليس هو) غلطان بالنمرة،،ربما!!:)





على فكرة:

تعودت أن انظر إلى الأرض واتابع خطواتي وأعد كل البلاط الذي ادوس عليه ، عادة تكونت لدي مع الزمن ، أتابع الأمور الصغيرة حين أسير، الاحظ كل شيء لا يلاحظه الناس
برأيك هل هذه العادة مضرة بالانسان أم أنها طبيعية؟


دمت بأمن

ابن الارض
08-06-2007, 08:48 PM
شوف يا عم إبراهيم أنا قررت أنام هنا... في موضوعك، واللي يحصل يحصل!
طيب...
(دحروج)... مقترح مبدئي لعنوان الرواية!

ثم انه (اللهم طولك يا روح)... مُقترح آخر ينفع يكون عنوان!
كمل يا عم، كلنا ضحاياك.

نائية
08-06-2007, 10:52 PM
أنتظر أنْ ، أقرأها كاملة دفعةً واحدة !!
لذلك ، سأعود \ أعرف ذلك !! : )

بالنسبة للعنوان ، سأفكّر ، و قد أخبرك بما سأفكّر فيه !! << ؟!!
.
.
رجفة ، فاغتيالْ !*

قدرة قادر
11-06-2007, 11:48 PM
فالك التوفيق يا أوفيليا إن شاء الله ..:)



**

إبراهيم ..
سلام يا حبيب ..
..
كنت في نقاش مع أحدهم -ممن أعتقد أنّك لا تطيقهم إلا قليلاً:biggrin5: - ، وقال لي أنت -يعنيني أنا - ضعيف في السرد ، ودخولك في السرد يشبه خربشات المراهقين .. ، غضبت على نفسي طبعاً ، و مما زادني غضباً أنّهُ قال لي: " شدّ حيلك ويمكن تطلع مثل فلانه " .. :biggrin5:
وفلانة هذه لأنها أنثى فلن تكون هي تشارلز ديكنز،ولا ليفي ، ولا نجيب محفوظ ، (اللي مسوي ذكي بيقول هاه مستغانمي:biggrin5: ؟! ) ..

بطبيعة الحال إحدى العضوات في هذا المنتدى ، والتي هي في نظري لا تحسن السرد بقدر ما تحسنْ تغييب حسّ السرد على حساب الانسياب الذهني للأفكار ..، طبعاً لا أعتقد أنها سوف تخطر على بالك لأنها فعلاً أبعد ما تكون عن السرد الذي تحسنه أنت جيداً ..، هي تحسن الاسترسال الانثوي (الممل بالنسبة لي ) .

يعني جاني إحباط .. لأني مره مغرور بالقصص القصيرة اللي أكتبها وأحرقها مع الجرايد أحياناً .. :r:

المهمّ قلت له كلام دَشّ ..-وأتمنى أنه يقرأ كلامي الآنْ ياربّ لأني بأزود له معلومات - :
لا أدري ما هو السرد من منظورك ، أهو أن تكسب القارئ ، وتجره من تلابيبه، وتنشف ريقه، ثمّ يخرج في النهاية بأحداث عادية جداً تحدث له كلّ يوم ، أمْ أنّك تفعل العنصر الوقائعي ، لخدمة الأفكار في النهاية ، وهو برأيي مايصيب الهدف بقوة لدرجة قتله أحياناً !

مربط الفرس في الموضوع إني قلت له :
إذا تبي السرد صحيح ، شوف عندك إبراهيم سنانْ ، هذا روائي حرّيف ، وظهير أيسر ،وحكم رابع ،وكله ..:biggrin5:
وقلت له إبراهيم روائي محترف ،و أستغرب ليس له أيّ روايه !

قال لي : لا ! ، عنده روايتين بس يقول انها في دار النشر ..

طبعاً أنا توقفت معه في الحديث هنا .. فتكهناتي مشت ميه ميه ..يعني إنت نفسك طويل ..
وباقي الحديث ممكن يكون مع إبراهيم نفسه شخصياً (تخيل ؟ )
..

بس يعني با إبراهيم ماكان ودي أضرب بك الأرض بعدما طيرتك السماء ، ولكنْ أنا ملاحظ من خلال سردك عيوب تعكر صفو استمتاعي به ..طبعاً أضفها إلى إلى العيب الأساسي الذي سأذكره في الأخير ..

1. قتل علاقة التزامن بين الحدث واللغة ، يعني فجأة كذا وبدون مقدمات كل بعد سطرين نجدك توقف السير ، لتذكر حقيقة عن أحد الشخوص .. وكأنّك تستدرك أو أنّك -بشكل مكشوف- أجريت نوعاً من التغيير على ذات الانسان الموجود في السرد ..(الشخص ) ..
يعني لولا بعد الزخرف اللفظي وطغيان الفلسفة ، لأصبح الوضع أشبه بالفانتازيا ..

2. وقفات التأمل في السرد تشكل لديك هوّة فظيعة ..في الانتقال بين أحداث الترابط بينها شديد جداً .. كأنها حواشي من الدرجة الثانية ،والتي لا تليق في أيّ حالة ..
يعني تخيل واحد يدق جوال ،وبعدين يقلك ابدأ تكلم وأول ما تنطق كلميتين يجي يقلك :
- ألو ..
-هلا أبو فلان ..
وما يعبرك بالمرة ..
إحباط !
<<---------------- ماكلها كثير ..:biggrin5:


3.سلامتك ، البقية ترجع لذوقي، حتى اللي فوق ترجع لذوقي بحكم إن ذوقي معتبر كناقد أكاديمي وشاعر محترفْ ..:g:


العيب الأساسي هو عدم التطور .. ، يعني أنت نمطك واحد ، لك من كم سنة وأنت تكتب على نفس المنوال ... ونفس الطريقة في السرد (لم أحلل هيكلها بعد ، لكني أكاد أجزم بذلك ) .. وليس لديك حقل معجمي واضح حتى يكون التغيير مرناً (وعدم وجود حقل معجمي في الرواية دليل في صالح قوة السرد ،واحترافيته ) ..



..
وبعدين أنا مسنتر هنا وراح أشوف وش هي ، يمكن نوصل معاك لنتيجه مرضية ..ونشوف واحد يكسر أسطورة نجيب محفوظ (مسكت من الإيد اللي توجعك )k ) ..




ثرثر الله يحفظك يا إبراهيم ، :nn




-------
محمد..

Ophelia
12-06-2007, 12:31 AM
فالك التوفيق يا أوفيليا إن شاء الله ..:)
.

والقايل إنشالله :):):)

لي
12-06-2007, 01:26 AM
السرد /
"دمل" يكاد أن ينفجر !
لتكن /
"يتزينون"!

ISSAM
17-06-2007, 02:48 AM
الحياة هي في مكان آخر.
عند الإبراهيم سنان اليامي.
صديقي.. أن تكتب، تصنع أحداثا، شخوصا، قوى فاعلة ومصائر، فلابد أن فيك شيئا من الآلهة.
قلها إذن.
قلها كن.... فتكون..
الرواية.

.!! فهــد !!.
17-06-2007, 11:26 AM
الحياة هي في مكان آخر.
عند الإبراهيم سنان اليامي.
صديقي.. أن تكتب، تصنع أحداثا، شخوصا، قوى فاعلة ومصائر، فلابد أن فيك شيئا من الآلهة.
قلها إذن.
قلها كن.... فتكون..
الرواية.

لا تعليق ..!!:er:

ربيع قرطبة
17-06-2007, 03:04 PM
:cwm11: أعتقد بأن النهاية سوف تكون مثل نهاية فلم الحاسة السادسة ...
ولكن , لا يمكن هذا .. فمن المستحيل أن روحا تحسب حركيه دوائها .. وكيفيه استقلابه بداخلها .. ( باقي حساب ال cl و الهاف لايف )

Silent Soul
18-06-2007, 05:40 AM
أعتقد أن جثة علي ذات رائحة وابتسامة جميلة :)
متابع

wroood
18-06-2007, 10:53 PM
لا تعليق ولا أي شيء..
فقط تسجيل حضور حتى النهاية..

إبراهيم سنان
19-06-2007, 05:58 AM
wroood

شكرا لحضورك ، وكويس لحقتي سجلتي قبل ارفع الغياب .

Silent Soul

ايش رايك تكتب الرواية بدالي
خلك متابع بس ولا تقترح أشياء تخرب الفيلم .


ربيع قرطبة

أنا بس اللي استعرض اني طالب طب سابق . :p
وما اعرف فلم الحاسة الساسة ، ولذلك اتوقع الفيلم نهايته مثل روايتي وليس العكس .

.!! فهــد !!.

لا تعليق بحد ذاتها تعتبر تعليق .
ومع أني مشرف لكن لا أخفيك أنه طاب لي ما ذكره في حقي صديقي عصام ، ولذلك مازلت انتظر أحد المراقبين يغيره بدلا عني ، كي لا اعتبر إنسان قليل ذوق .

ISSAM

اهلا وسهلا بصاحب المقولة القديمة : " ....................." والتي لا تبتعد كثيرا عن ردك ، ولكنها أقل إثما بالنسبة لك وأكثرها بالنسبة لمن حولك ، لا يوجد هنا رواية ، هنا فقط أحاديث ستجدها ملقاة على كل رصيف تمر به . الفرق أنني أجيد الثرثرة والمبالغة .


لي

اعتقد السرد : علبة بيبسي مخضوضة تنتظر من يفتحها .
ابتعدي بوجهك قليلا .
والعنوان الذي ذكرتيه ليس له داعي ولكن تحسب لك درجة المشاركة .
عودي مرة اخرى بعنوان أفضل .

قدرة قادر

لم ادعي أني اكتب رواية ، وحتى تلك التي اخبروك عنها في دار النشر هي أحاديث تخصني أكثر من كونها شيء أريد مشاركته مع الآخرين ، بمعنى أنني أحيانا اكتب لأنني أريد أن اكتب فقط ، وصدف أن يكون فيما اكتبه شيء ينفع تعلق عليه بالكلام الكبيرة اللي قلته عني ومنهجية وما منهجية وعدم ترابط وهوامش .
وبصراحة اعتقد أن كل روائي ما يبدأ يحس إنه روائي إلا لما يجي ناقد مثلك وشرواك يكبر " ....." بالخرق :p ، فرجاءا لا تسوي معي كذا لأن راضي عن الحجم الحالي .

وبمناسبة كتابة الروايات أنا منقهر أن مالي الا روايتين وبصراحة افكر استرجعها واعيد كتابتها بطريقة تخليها تصير عشر روايات او عشرين حتى ويمكن بعد أألف كتاب نقدي عن رواياتي وكتاب آخر عن فلسفتي وفي النهاية بطلع مكتبة لحالي .

كنت اعتقد ان الروائي شخص يختزل تجاربه بطريقة تجعل ما يكتبه قريبا مما يحدث للناس ، ويشاركهم الحكمة والتجربة بطريقة تجعلهم يعتقدون بأن هناك من خاض شيئا مما يعتقدونه أقدارا لا تصيب غيرهم .

لا اكتب رواية
ولا أكتب سردا
كل ما اكتبه هو أنني اكذب بشكل جميل .

ولا يكثر يا محمد


نائية

يقولون أكل العنب حبة حبة .
وانا انتظر ايضا معك حتى أقرأها كاملة ، لأني لم أكتبها كاملة حتى الآن . :)
شكرا لحضورك


ابن الارض

حيا الله ابن الارض .
إنت ثرثار مثلي في أغلب الأحيان ، والناس لا تحب الصمت رغم أن في مجلة الساخر من يقول أن الصمت فن عظيم من فنون الكلام ، تخيل النصب وصل فين ، الصمت من فنون الكلام .
يعني يخلقون الفلسفة من المفارقات
وعلى فكرة المفارقة Paradox <<<< نوع من الاستعراض اللغوي والأدبي .
هي أساس الرواية لماذا ؟
إسألني وأنا بجاوبك بعد الحلقة الجاية
عشان بس ابين لقدرة قادر اني اقدر اصير ناقد وافهم كلامه .

مع تحيات دحروج سابق .


الحنين

هلا أم عبدالله .
ادري انك ما تنتظرين مواساتي ، كنت اوبخ نفسي على قلة ذوقي بعدم قدرتي على اختلاق او حتى المشاركة تجاهكمكنوع من اللباقة والكياسة الاجتماعية تجاه ردك الأول .
والأمور تمام وابشرك امطار الديرة وناوين نسافر مكة ناخذ عمرة .

رندا المكّاوية

حتى أنا خفت وبديت افكر أني ما اشوفها ، بس لازم اشوفها عشان اكمل الرواية .
مدري ماهو مقياس البشاعة لكن بحاول أكون أجمل من أفلام الزومبي .
ومازال عنوانك المقترح هو المتصدر .


Ophelia

اوفيليا ، بالنسبة للابتسامات سهل جدا الأمر ، فيه خيار على فكرة يمنع ظهور الابتسامات في المواضيع ، اللي يسمعك يقول أن الابتسامات في المواضيع الأخرى تناسب ما يكتب .

والمشاركة بالأحداث ما شفت أحد شارك إلا الصيدلاني اللي فوق .
هاتي ما عندك

لي
19-06-2007, 06:41 AM
صحيح نستحق الرثاء أن أتينا هنا ؟
يلا يا شطار هاتوا ما عندكم :z:
______________

إبراهيم سنان
19-06-2007, 06:55 AM
نعود

قرأت ما كتبته حتى تلك اللحظة ووجدت ان ما وصفته لم يكن فيه مبالغة كثيرة مقارنة مع ما كنت أنويه ، لذلك سأحاول فعل ذلك في الحلقات أو الفصول أو الردود القادمة ، ومن أنواع المبالغة أنك تتحدث عن أشياء وكأنها معجزات وخارقة للعادة او أن الصدفة أتت ساخرة وتقول " يالسخرية القدر " . ومثال ذلك :

ساعة ساخرة :

رغم أن العادة المتعارف عليها تجعلنا نفتقد توقع بعض الأمرو ، إلا أننا ما زلنا نصر على أن هناك فكرة ما تحققت بتوفر عنصر يتوافق مع المواقف التي نمر بها . من ذلك أنني حين اقتربت مع موظف المشرحة من الجثث التقطت عيني الساعة المعلقة على جدار المشرحة ، ووجدتها متوقفة على الساعة 4 ومازلنا حتى الآن في الساعة الثانية عشر ظهرا ، فبدأت افلسف الحياة والموت ، واقارب المفارقات التي يمكن لها أن تجعل من الأحداث ذات مغزى أو حكمة ، لم تكن ساعة الحائط الوحيدة المتعطلة في المستشفى الجامعي بل حتى في كلية الطب ، ولكن وجودها هنا له معنى آخر يستحق مني التوقف للحظات أمام الجثة وهي مغلفة برداء أصفر كان أبيضا في بداياته . والنقط البنية عليه كان قصدها أن تكون حمراء . نظرت نحو الساعة والتفت نحو الموظف المسئول عن تسليم الجثث وقلت الجملة التي اتمنى قولها دائما .
- " يالسخرية القدر "
- ماذا ؟
- إن الساعة في هذا المكان ميتة أيضا .
يعقد حاجبيه ويشاركني ممارسة الحكمة وكأنه هم بقول أمر آخر ولكن اقتراب أحمد منا جعلنا نكتفي ببتادل نظرات الفلاسفة .
يقترب أحمد بعد ان ظل مبتعدا أثناء إخراج الجثة من الثلاجة ، باب حديدي مربع في وسط أبواب أخرى مشابهة له ، فتحه موظف المشرحة وسحب منه طاولة متحركة وعليها جثة علي المغطاة بالرداء . هذا المنظر روتيني بالنسبة لي وللموظفين ، ولكن أحمد واقع في ذهول ومازال يتنفس بصعوبة ، تذكرت أن للمشرحة رائحة مميزة ما أن يتعود عليها أحدهم حتى تصبح خاصية ينفرد بها في المجتمع ، ولا أدري إن كنت صادقا فيما أقول أم انني مدعي ساعدته الصدف على اثبات ما يدعيه ، رائحة الموت باردة وتحمل نكهة اللحم البائت وعبق الدم المتخثر ، ولو فكرت مليا ماذا تشبه هذه الرائحة فلن تجد وصفا أكثر من ذلك الذي كتبه ارنست همنغواي في روايته " لمن تدق الأجراس " _ على ما اعتقد _ حين وصف رائحة الموت بأنها خليط من الزهور الذابلة مع عطور مختمرة في أعناق عجائز متصابيات قطعن شوطا كبيرا في التنزه حتى اختلطت تلك الروائح برائحة عرقهم . وصف مقزز ولكنه حقيقي ، وقد يصدمك أن تشمه وأنت تدخل إلى بيت أحدهم ، وحدث لي مرات عديدة وجعلت منه مقياسا لحضور الموت في هذا المكان .

تفضل الموظف على احمد بقناع طبي كي يهديء من تنفسه الشديد والذي يكاد أن يفقده الوعي . هاهو الآن بجواري وأمامنا الطاولة وعليها الجثة وعلى الطرف الآخر منها الموظفين . يقفان في انتظار لردة الفعل القادمة . هناك انحناءات غريبة المظهر على هذا الرداء وتفاصيل غير تشريحية المعالم لجثة رجل بالغ في حجم علي . الأمر مريب ويدل على أن أحمد يوشك على رؤية شيء بشع .

هي لحظات سريعة وخاطفة بين ارتفاع الرداء وبين انطلاق غثيان أحمد وركضه نحو الخارج ، اكاد أجزم أنه كان مستعد نفسيا للمنظر دون أن يراه لذلك عبر جسمه سريعا دون تأثير كبير من منظر الجثة . الصمت احاط بنا ونحن نتابع احمد يسرع للخارج ، اعيد النظر في الجثة وأحاول التأكد من أن ما أراه حقيقي .
- ماهو سبب الوفاة ؟
سؤالي غبي ولكنني أريد من خلاله ممارسة فرصة المراجعة لبعض الدروس ، أريد التأكيد للموظفين هنا أنني طالب نجيب وطبيب ماهر وأستطيع فهم ما جرى للجثة .
- ما رأيك أنت ؟
بوجه ممتعض وعينان متهكمتان وجه لي موظف المشرحة هذا السؤال ، لا ألومه فمن الواضح أن سبب الوفاة هنا شاركت فيه كل الأسباب المدرجة في الكتب الطبية . اطلب قفازا مطاطيا من الموظف واستأذنه في تفحص الجثة . عندما تنظر إلى عيني الميت تشعر بأنه مازال حيا وانه يناديك بصمت كي توقظه من نومه ، وتتذكر كم مرة وقعت تحت وطاة " جاثوم " وهو نوع من الكوابيس يخنقك ويجعلك تصرخ في داخلك وتتمنى من ينقذك . كنت اعتقد أن الموتى يشعرون بمثل هذا ، لذلك تعودت أن انفض كل جثة اقترب منها أو احرك يديها أو إحدى قدميها لعلها تصحو ، لمجرد اسقاط الشعور بتأنيب الضمير . لم يحدث أن استيقظ أحدهم ، ولكن حدث أمر شبيه من ذلك في هذه المرة .
- لا تعبث بالجثة لو سمحت .
- لم افعل شيئا
- لماذا تحرك رأسه تجاهك .
لقد التفت علي نحوي ورغم أن عينيه مغلقتين إلا أنني شاهدته ينظر لي وكأنه في المقهى الذي تقابلنا فيه ، لم انتبه إلى الجزء الكبير المفقود من الصورة ، ولم أشعر بأن ملامح علي ناقصة ، عين واحدة وجزء من رأسه والجهة اليمنى من وجهه كانت كافية لتكمل لي الصورة الملتقطة والخزنة في ذاكرتي .

رغم الترميم الذي قام به جراحوا المستشفى ، إلا أن علي فقد جزءا كبير من وجهه وجمجمته ، لقد كان الحادث عنيفا ، وكما شرح لي الموظف فإن المسعفين والشرطة اخبروه بأن سيارته اصطدمت بشاحنة كبيرة فكان " مصد " تلك الشاحة مرتفعا بحيث أن اقتحم الزجاج الأمامي لسيارة علي وهشم الجزء الأيسر من وجهه وجمجمته وكذلك طحن ترقوته وكتفه ، بل أنهم زادوا على ذلك بإخباري أن الجراح أخرج قطع الزجاج من داخل جمجمة علي ، لقد كانت الجمجمة مغطاة بطبقة من الجلد المسحوب من رقبته ليغطي تلك الفجوة الكبيرة ، لتصبح الجمجمة كطبل صغير مجوف ويغطيها الجد . عينه الأخرى مفقودة ولم يبقى سوى نصف المحجر الذي كانت تدور في داخله . انظر ويسري في داخلي برودة شديدة ، واعتراف ضمني بأني جديد على عالم الأموات ، ورغم ما يمكن لنا اختباره ، إلا أننا نصبح أكثر تورطا فيه حين يكون الشخص متورطا بنا في حياته ولو لمرة واحدة .

. حين التفت علي تجاهي كان السبب عدم التوازن في جثته . والحركة الخفيفة التي نتجت عن رفع الرداء من فوق الجثة جعلتها تهتز وتلتفت نحوي وكأنها توجه لي حديثا وتطلب مني أمرا .

اكتشفت للمرة الأولى جمال عيني علي وكثافة حاجبيه وأهدابه ، وكذلك نعومة شعره الذي لم يتبقى منه سوى قدر صغير على جانب واحد من رأسه ، وأما البقية فإنها اختفت مع الجلد المقطب بطريقة عشوائية لترميم الجثة . أخذت أدقق فيه كثيرا واحاول استعادة كل لحظاته الحية التي صادفته فيها ، وظلت الصور تتوارد في ذهني بطريقة تزيد من تكدر نفسي وبطيء أنفاسي ، كأنني للمرة الأولى أقف أمام جثة . شعرت بالغثيان ، وحاولت الإسراع نحو احمد كي اشاركه مآساته . لكنني فضلت ممارسة القدرة على التحمل والبقاء في مظهر الطبيب والمختص ، الموظفين تحدثا عن أن الجراحين حاولوا قدر الإمكان ترميم وجه علي ، ولكن اللحم المفروم والعظام المهشمة اختلطت في حديد السيارة ولم يكن بالإمكان انتزاع الجثة بطريقة تبقي على تلك الأجزاء صالحة للاستعمال . اشكرهم على تعاونهم واطمئنهم على احمد وأنه سيكون بخير ويعتذرون عن أشياء كثيرة لا اتذكر ما هي ، ولا ادري ما علاقتهم بتقززنا او شعورنا بالحزن ، إن كان هناك من شخص جدير بالاعتذار فهو علي ، صاحب ذلك الوجه او بالأصح نصف الوجه .
ارجعناه إلى وضعيته السابقة ورمينا فوقه الرداء ودفعنا به داخل الثلاجة ، تحدثنا قليلا عن حوادث السيارات وسوابق بشعة واشد قسوة من منظر علي ، وتحول علي في ظرف دقائق وفي حضوره _ وإن لم يكن حيا _ إلى قصة تشبه تلك التي يتبادلها الأصدقاء في اجتماعاتهم ، حين يبدأ أحدهم بسرد قصة حادث مأساوي فإن غيرة الآخر تدفعه للمشاركة بقصة أشد بشاعة وهكذا نبدأ سباق الفضائع باتجاه الأكثر قسوة وهنا نصمت وندعي بأن ما وصلنا إليه هو أسوأ صورة يمكن تخيلها . لعلني الآن أملك قصة مختلفة وبشاعة شديدة دفعتني للمشاركة بها معكم ومع آخرين ممن أصادفهم .

توجهنا خارج المشرحة وسألتهم عن دورات المياه ، فمن المفترض أن أحمد اتجه إلى هناك ، وبالفعل رأيته يقف أمام إحدى المغاسل وهو يغسل وجهه مرارا بالماء البارد ، ويعاود الغثيان بطريقة مؤلمة كون معدته فارغة واعتصارها يجعلها تنزف صفار مرارتها . اقترب منه وابدأ بفرك رقبته وكتفيه احاول تهدئة نوبة الغثيان ، لم اشاهد أي دمعة في عينيه ، لعله استفرغ كل السوائل جسده حتى لم يبقى لعينيه ما يفي بحق ذرف الدموع من أجل صديقه علي .
- الله يرحمه يا أحمد . اذكر الله ودعنا نذهب من هنا
ينظر إلى وجهي المنعكس على المرآة ، وانظر إليه هناك أيضا ، نتقابل على الزجاج ولا تلتقي أعيننا مباشرة ، يحاول التعبير بأي كلمة لكنني أمنعه واطلب منه الاستمرار في غسيل وجهه ومازلت افرك على رقبته وهاهو بدأ يستقر . وعلى المغسلة الأخرى حين انسجمت في رؤية منقطعة ومسترسلة نحو اللاشيء ، يقفز شيء يسرق انتباهي تماما ويبعدني عن كل ما يجري لي منذ الصباح .

أزهر
19-06-2007, 12:23 PM
وناوين نسافر مكة ناخذ عمرة .


أكيد ؟!
بدري عليك يا رجل .. بكرة بتكبر وتعبد الله براحتك :biggrin5: !
الله غفور رحيم .

.

أزهر : ذات تذكير :z: .

Silent Soul
19-06-2007, 04:02 PM
قال ابتسامه ورائحة جميلة..
اشتقت الى نكهة الحكمة وسط هذا السرد..
متابع بنصف وجه

.!! فهــد !!.
20-06-2007, 02:08 PM
رائحة الموت باردة

هي كذلك .. يا إبراهيم .. هي كذلك والله .
يا لروعة الوصف وصدق التعبير .




عندما تنظر إلى عيني الميت تشعر بأنه مازال حيا وانه يناديك بصمت كي توقظه من نومه ، وتتذكر كم مرة وقعت تحت وطاة " جاثوم " وهو نوع من الكوابيس يخنقك ويجعلك تصرخ في داخلك وتتمنى من ينقذك . كنت اعتقد أن الموتى يشعرون بمثل هذا ، لذلك تعودت أن انفض كل جثة اقترب منها أو احرك يديها أو إحدى قدميها لعلها تصحو ، لمجرد اسقاط الشعور بتأنيب الضمير . لم يحدث أن استيقظ أحدهم

لدي إيمان عميق يا إبراهيم .. بأن الكاتب الحقيقي .. هو من يستطيع أن يُشعر القاريء بالصدق فيما يقرأه .. ووالله إنك أجدت ذلك .. بوصفك لأدق المشاعر التي اعترتك هنا .




وتحول علي في ظرف دقائق وفي حضوره _ وإن لم يكن حيا _ إلى قصة تشبه تلك التي يتبادلها الأصدقاء في اجتماعاتهم

تحول إلى قصة .. مؤلم جداً يا إبراهيم .. كيف استطعت أن تُجرّد هذه الحقيقة المؤلمة لتجعلها
أكثر إيلاماً وصدقاً .




لم اشاهد أي دمعة في عينيه ، لعله استفرغ كل السوائل جسده حتى لم يبقى لعينيه ما يفي بحق ذرف الدموع من أجل صديقه علي .

لديك قدرة " عجيبة " على تصوير الحدث .. بأدق التفاصيل .




ينظر إلى وجهي المنعكس على المرآة ، وانظر إليه هناك أيضا ، نتقابل على الزجاج .


أستاذ إبراهيم ..

دمت بخير .. وعافية ما حييت

إبراهيم سنان
24-03-2008, 11:43 PM
لعله يكتمل قريبا

إبراهيم سنان
25-03-2008, 02:12 PM
حسنا ماذا أريد أن أقول: _ مقدمتي _

إن العودة للاستمرار في حديث منقطع ، تعطي انطباعا بالملل ، ويشعرك بأن أحدهم ليس لديه شيء آخر سوى إثقال الآخرين بكلماته التي لا تنتهي وتظل تتكرر من وقت إلى آخر ، وهذا ربما ما يجعلنا نمل من أولئك الذين يتحدثون عن أنفسهم ، لأن الإنسان يظل سردا مستمرا في نظر الآخرين ، وهو يعتقد أنه متجدد مع إشراقة كل يوم جديد ، ولمجرد أنه قادر على الكلام ، فهو قادر على الاستمرار بالحديث عن نفسه . وماذا يمكن لأي إنسان إضافته بشكل مختلف ، إن كان هو يعتقد في قرارة ذاته أن أحاديثه ليست سوى مشاركة في ظاهرة الكلام ، وحين أفكر في تطور الكلام لدى الإنسان وأغرق في القراءات الانثروبولجية أعتقد بأن الإنسان كان أكثر بساطة عندما كان أكثر صمتا ، والحياة أبسط مما هي عليه اليوم ، لأن كل شخص يفهم احتياجاته وعلاقته بالآخرين من خلال ممارسة الحياة فقط ، وكان الواقع البسيط في البحث عن الطعام والتزاوج والتعبير عن كل الغرائز دون قوانين ودون أنظمة وأديان ، إنما هو واقع الحياة الفعلي قبل أن يصبح مليئا بالظواهر التي جعلته أشد تعقيدا وتدفعه للبحث عن وسائل أخرى تساعده على الاستمرار ، ليصبح الكلام تجارة بحد ذاتها يقايض بها البشر تواجدهم الطبيعي ليجدوا لهم مساحات قادرة على استيعاب كل طبائعهم البسيطة .ولذلك كان رجال الكهف في الحقيقة أكثر حكمة من رجال البيوت الإسمنتية في هذه الأيام. واعذروني حين أثرثر ، فلدي طاقة كبيرة من الكلام وجدت أنها تحتاج للإخراج ، فهي فضلات فكرية لا بد لي أن أتخلص منها حتى اخلق مساحات جديدة للمزيد من الأفكار التي أصبحت تتكاثر في تطور سريع يجعلك تعتقد أن الدنيا التي تراها كل يوم هي عمر جديد وجيل جديد تحتاج إلى متابعته كي لا تصبح كهلا بعدد الأيام لا بعدد السنين التي كانت هي عادة التقدم في حياة البشرية ، وسيأتي يوم تصبح فيه الساعات هي العمر الحقيقي الذي يقيس لنا عمر الآخرين من حولنا .

أصدقكم القول أنني شعرت بأن هذه الرواية قد ذهبت أدراج الرياح. وان فكرتها لم تعد متوفرة في ذهني ، ولكن عندما أعدت قراءتها تذكرت كل تلك التفاصيل التي كنت انوي كتابتها لكم ، وحين أقول لكم ، فلأني هذه المرة لا أمارس الكتابة لنفسي ، ولقد وجدت أن ذلك أمر سخيف ، ومن الأفضل للإنسان الذي يكتب لنفسه أن يفكر بما يريد كتابته دون تدوينه فهذا الأمر اقل خطورة من الكتابة لأنه يساعد على النسيان حين أصبح الورق ذاكرة لنا ولمن يقرأنا . والتناقض كبير فيما أقول وفيما أنوي ارتكابه ولكنني سأبرر لنفسي بما برره لي الآخرين من قبل ، وهو أنني كاتب ومفكر وهناك من يتابعني وهناك من يهمه ما اكتب ، وتلك أشياء صدقتها ليس لأني مقتنع بها ولكن لأن هناك من يؤمن بها ويصدقها ، وتلك هي الأكاذيب التي نمارسها ويمارسها غيرنا في هذه الحياة ، لعل الحكماء والفلاسفة صدقوا كذبهم لأن هناك من آمن به ، والمؤمنون بأفكارهم هم سبب تكون الاعتقادات والنظريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وجعلها صالحة للاستخدام ، ومراجعة أخيرة ، تلك الأفكار التي لخصها لنا الروائيين أو المفكرين ، هي فضلات عقولهم الذهنية ، وهذا ما يجعلني أثق بالحكمة البسيطة التي تقول أن " نفايات كائن ما هي أحيانا غذاء كائن آخر " ، ولأن هذه الحكمة تشكل في فحواها وصفا بسيطا وربما سيئا لواقع الحياة واستمرارها ، وكيف أن الموت والحياة نقائض تمارسها علينا الأقدار وتجعلنا نحب ممارستها على الآخرين انتقاما من شيء لا نستطيع التحكم به ، وهكذا أفعل هنا ، لذلك سيكون ما اكتبه هنا هو جزء من ذاكرة الحياة والموت ، والخص تجارب تختلط فيها الكثير من المشاعر والأفكار التي قد تمر بأحدهم ، ومن هذا المنطلق لن استطيع مفاجئتكم بشيء جديد ، ولعل الكثير شاركوا بالأحداث لمجرد كونهم ( ناس ) يجري عليهم قدر الموت والحياة .

الأحداث: _ مقدمة البقية _

انتهيت في السابق بكم ومعكم عند أحمد الذي كان يقف في دورة المياه الخاصة بالمستشفى ، والجدير بالذكر أنني انتقلت للخارج لأبدا الحديث مع أنني أتذكر جيدا كيف كانت لي وقفة استرقتها في انسجام سريع ومؤرق عندما كنت أهدئ من روع أحمد ، وهو يحاول استجماع أعصابه التي انفرط عقدها عند رؤيته لجثة علي . وفي تلك الأثناء استدركت حقيقة دورات المياه التي لو قام أحد الأدباء بتلخيص سيرتها وما يكتب على جدرانها وعلى أبوابها لوجد سردا كثيرا يلخص أدق مشاعر الإنسانية ، ولا أدري ما هو الشيء الذي يدفع أحدهم إلى كتابة شيء أو التفكير بشيء جميل كهذا في مكان كدورة المياه ، ولعل الكثير صادف ذلك عند استخدامه لأحد دورات المياه في الأماكن العامة ، وكيف أنه بطريقة ما اندرج في نفس الشعور الذي تركه أشخاص قبله كانوا يقومون بنفس العمل الطبيعي الذي يقوم به ، فيبدأ بقراءة الكلمات والخطوط والجمل التي كتبها آخرين قبله ، ويجد فيها متعة غريبة وربما حكم ساخرة ، وربما يشعر بها وكأنها تعنيه لدرجة أنه سيهم بكتابة ردود أو تعليقات أخرى ، هناك ذاكرة كبيرة يتركها البشر كما يتركون فضلاتهم ، ولعلهم في هذا يستمرون في إثبات النقائض والمفارقات التي تخلقها فينا طبيعة الحياة . وتظل عالقة فينا أبسط صورها الحية في التبادل الذي قد يثير الاشمئزاز.

ولكي لا اجعل هذه الرواية مملة دعوني اسرد لكم شيئا يندرج ضمن ما يسمونه الآن " إيحاءات جنسية " طريقة ممتعة قد تجد وقعا جميلا في نفوس أولئك الذين يبحثون عن أسرارهم وأفكارهم السيئة في صفحات الكتب كي يثبتوا لأنفسهم أنهم صالحين وان ما يفكرون فيه ظاهرة إنسانية يمارسها الجميع لدرجة أن يكتب عنها الأدباء .

ساعة حياة بجوار الموت:

على أطراف المغسلة التي وقف عليها أحمد وقعت عيني على شيء أثار في نفسي مفارقة ساخرة وسيئة ، ربما لا يجدر الحديث عنها ، ولكن لدي طاقة كبيرة تتجاوز كل حدود المسموح ، وتجعله يصب في خانة الضرورة التي قد لا تجدونها كذلك ، ولكن يكفيني أن أفكر هكذا حتى أبرر ارتكابي لهذا الحمق .
ذبابتان في انعزال تام وهدوء غريب ، ليس كما تعودت عليه من هذه الكائنات ، عندما تظل تزن حول أذنك وكأنها تريد إثبات وجودها الصغير في عالمنا الكبير ، تقومان بعملية التزاوج ، في مكان مازالت رائحة الموت تتسرب إليه من الغرفة المجاورة حيث ثلاجة الموتى ، على مغسلة مليئة بأنواع الدلائل التي تشير على أن أحدهم مر من هنا ليغسل الدم عن يديه اللتان حمل بها ميتا آخر ، في تواجد وحضور مثل هذا لا يمكنك أبدا أن تفكر بأي علاقة حميمة كما تفعل تلك الذبابتان ، وسيكون من السهل علي أن اعتقد أن الذباب كائنات قذرة وليس لديها أي شعور بالإنسانية ، لأفاجأ بأن عقلي انتقل من تلك الصورة ليتذكر أشياء كثيرة لها علاقة رمزية بما تفعله تلك الذبابتين ، إنني أمارس الإنسانية الفجة كما تفعل تلك الكائنات ، ولعلها ليست إنسانية على الإطلاق ، هي غرائز حيوانية طبيعية خلقت فينا لتبقي سلالتنا مستمرة ، وكذلك خلقت في تلك الكائنات ، تذكرت أن علي الذي أصبح جثة في الغرفة المجاورة نتج عن مثل هذا التصرف ، وأنه كان يسعى لفعله يوما ما ، وأن أحمد الذي كان يحب على هاتفه ويستجدي عطف حبيبته فكر أيضا بممارسة نفس الشيء ، إن كل تلك التعقيدات التي نسميها حياة ، هي ممارسات بسيطة جدا لا تحتاج منا إلى التفكير ، وما أن يصل بالإنسان إلى مرحلة البلوغ حتى تبدأ تلك الغرائز بالانهمار ، لتصبح مرتبطة بكل حياته وبحثه المستمر عن أشياء أخرى كالوظيفة والسكن والمال والتعليم ، ويندرج في عجلة الحياة الاجتماعية التي قد تنتهي يوما ما كما بدأت ، ويصبح الموت والحياة عمليتان لا تحتاجان لكثير من المظاهر سوى مغسلة في دورة مياه ، وثلاجة موتى في غرفة للتشريح .

يتبع .........

من سكان الرصيف
25-03-2008, 02:59 PM
يبدو بأن لهجة الصيف عادت مضمخة بالشدة وأكثر ;)

لم يكن مللاً ما خرجت به من عودتك، ابراهيم.. بل كان شوقا لحرفك ولرؤية الحياة مجددا بمنظارك .. تدرك ولا شك بأن لك نظرة مغايرة للأمور، أو ربما تكون مشابهة لغيرها، ولكنها تختلف برداء الفلسفة التي تتدثر به دوما.. وهذا ما يجعل حرفك أكثر إغواء للارتماء بين أبعاده التي تتسع لتحوي كل صاحب ذي فكر وذوق أدبي.. (وعتبي دائم على تسرعك بالطباعة:2_12: ).

..

قد لا يحتاج الأمر لأكثر من مغسلة وثلاجة للقدوم والرحيل يا عزيزي.. ولكن ما بينهما يحتاج للكثير طالما أننا خلقنا بأعضاء يتعدى عملها المادة ويتجاوزها إلى عوالم أثيرية لا قوانين تحكمها سوى ما هو مفترض بعيدا عن الجزم..


ولكن يكفيني أن أفكر هكذا حتى أبرر ارتكابي لهذا الحمق .
"إنه لمن الطبيعة البشرية أن نفكر بحكمة وأن نتصرف بحمق" .. والقول هنا لـ أناتول فرانس.

تحياتي.