PDA

View Full Version : لن تحلم.. لن تفيق..



البـارع
16-09-2005, 09:32 PM
الواحدة صباحاً

روايتي المشتتة بين زوايا الغرفة تشعرني بالخيبة والوحدة.. أضحك بتوجس.. وأعيد تجسيد مشهد النهاية المؤلم والجميل.. العود مسند على مجموعة من الكتب.. أسير نحوه وما أن أمسك برقبته الطويلة ترتعش يدي وتسحبني دوامة الإحباط إلى البعيد.. أرتمي على الكرسي الصغير وأبحث عن ورقة بيضاء..
_ ماذا لو..
أضع يدي على فمي وأصمت. بعد دقائق أنهض وأجمع روايتي المبعثرة وأعيد تصفيفها بحرص.. أحكم شدها بالمشبك وأفتح أحد الصفحات وأقرأ ( عندما يموت ذو الأسنان الذهبية, سيكون منجماً للنمل ) أسحب الدبوس وأرمي الرواية لتتبعثر على أرض الغرفة المتسخة.. يرن الهاتف للمرة الألف, أنظر للرقم الظاهر على الشاشة الصغيرة بكسل..
_ ألو.. لمَ لا تجيب..؟
_ كنت نائماً..
_ أنت تكذب..!
_ مع السلامة..
بعد ثواني يرن الهاتف.. أضع رأسي على الهاتف لأستشعر الرنين وهو يسري كالشيطان في دمي.. يثقل جفناي وتبدأ رقبتي بالاهتزاز كشجرة تشير إلى السماء في ليلة عاصفة..
_ ألو.. لمَ أنهيت المكالمة..؟
_ كنت نائماً
_ يا إلهي.. إن هذا أسلوب رخيص ووقح..
_ مع السلامة..

لم يتوقف الهاتف عن الرنين..


الواحدة والنصف

يفتح باب الشقة ويدخل عبد العزيز ومحمد , يرمي الأخير غترته على الأرض ويقول لعبد العزيز
_أعد ما قلته الآن أمام إبراهيم..
حك ذقنه وقال بعصبية
_ ماذا..! إنه يعرف نظريتي المتعلقة بالبعد الروحي والعقلي..
فالإنسان خارج البعد الإيماني عبارة عن معادلة كيميائية معقدة, وكل ما يحدث له ليس إلا نتيجة فرعية لهذه المعادلة. الحب والبغض, الصدق والكذب, النفاق والإخلاص, أصبحت داخل جدول العناصر الكيميائية. إن هذا المجتمع "اللاإيماني" فرض العلم كدافع عقلاني لممارسة الحياة. فمن السخف أن ترفضه وأنت بوهيمي...

نهضت ببطء وفكرت أن أرتب الورق المبعثر إلا أني تركتها ببساطة متمنياً أن أعود ولا أجدها..
توقف عبد العزيز عن الحديث وقال بدهشة
_ إلى أين ..؟

رسمت بسمة باردة وخرجت ..

بين يدي الموج

صوتٌ رتيب.. يشعرني بالتوتر.. بالغثيان.. كل شيءٍ هنا يحدث من تلقاء نفسه..أي مؤامرة يبثها القمر بين طيات الموج.. أي نداءات يود رسمها على الزبد.. لم تعد تخيف أحداً بالغرق أيها البحر.. لقد تم ترويضك كسائر الأشياء.. إني مثلك تم ترويضي وصرت إنسان مستقبلي قابل للطي والحمل لأي مكان.. إني أتنفس غضبي أمام موجك المؤمن بالوصول الخرافي.. لأقطع الطريق على الصدور الجشعة.. أنت تعلم أن الهواء كالأماني المتسخة؛ غير قابلٍ للتصنيع..! هو خطأ جماعي.. هو أحدب لا يحب قرع الأجراس.. هو كابوس مشنوق على الأبواب المشرعة لعودة الأرواح الممزقة..! إن هذه الأشياء تتفجر في رأسي أيها البحر.. إنها ذكريات مبتورة..إن رأسي الأعرج يبحث عن أرض لا تبالي بالحقيقة..! أين أجد مثل هذه الأشياء أخبرني..؟
أتخيل طفلان يركضان خلف قط مذعور.. ورجل حالم يحاول إشعال سيجارته.. وطالب يستعرض قدراته عن طريق قراءة كتابه بالمقلوب..لا شيء سيجعلني أتوقف عن تبرير الكذب بحجة المخيلة.. إلا إن غامر البحر وأشهر الشمس أمامي
.
.
لقد حدث هذا..!

إن الهواء الذي جعل إشعال سيجارة الحالم ضرباً من الخيال والذي زج بكل لعناتي إلى اليابسة, هو نفسه من يداعب شعرها برقة.. وكأنه يحاول أغاضتي.. نظرت إليها بعصبية وكأنها سبب هذا البؤس المنقوش على رأس السيجارة الخامدة..إلا أن شعوراً بالأسف والخجل بدأ يستشري في صدري.. كانت تجلس وحدها وتعبث بشيء في يدها..هذا البحر الذي كنت أحسبه ينصت لشتائمي كان في الحقيقة يستمع للقصائد التي تتلوها له.. التفتت ونظرت إلي.. أشحت بوجهي وهربت بناظري .. كانت فكرة النظر إليها ترعبني.. أخاف أن أظهر كشيء أبله.. كالبحر.. كالمحفظة الفارغة..!


حين عدت إلى غرفتي لملمت أوراقي ورفعت رأس محمد المثخن بالنوم وأخرجت أحد فصول الرواية من تحته.. فجأة رن الهاتف, نظرت للرقم ورفعت السماعة
_ ألو.. إبراهيم إلى أين ذهبت..؟
_.. للبحر
_ بحر في الرياض..!

تركت السماعة تسقط من يدي وألصقت ظهري بالجدار وبدأت أنزلق حتى وصلت إلى الأرض..
لم أخرج من الشقة أبداً..! ومحمد وعبد العزيز ليس لهما وجود..! أخذت الرواية وبدأت أقلب صفحاتها بجنون حتى توقفت أما هذا السطر ( قال محمد وهو يشجع عبد العزيز "عندما يموت ذو الأسنان الذهبية, سيكون منجماً للنمل" .. )
كان الصوت يخرج غاضباً من السماعة
_ إنك تتخيل هذا كله..! كل هذا وهم.. متى ستكتشف أن كل ما تتصوره لا حقيقة له..!!

رميت الورق في الهواء فسقطت الورقة الأخيرة بجانبي رفعتها وقرأت :

اجلب عينك للنور..
وتأمّـل آلاف النظرات
ثم ترحّم..
قل لي أنك تعرفني..
قل لي أن الموت لا يركب السفن خوفاً من الغرق
..لون لي غربان الميناء
ثم اهمس في أذني :
( ..ألـّفـتـك)
وإن مللت أكتب على شاهد قبري :
(تــمّــت)
.

كان الصوت يخرج من سماعة الهاتف مخدوشاً ومبلل بالدمع
_ إبراهيم أهو حلمٌ آخر بشع ..؟

رفعت السماعة وقلت بصوت منخفض
_ لا..
إنها يقظة أخرى مؤلمة..

قلم فلسطين
16-09-2005, 11:23 PM
عزيزي البارع.......
ليس بوسعي سوى ان أشكرك...
دمت ساخراً

قلم واقع
17-09-2005, 01:46 AM
- وما بين اليقظةِ والنوم كابوس ألم..


بــارع أيها البارع في رسمك..


دمت بود

ISSAM
17-09-2005, 05:57 AM
المخاض.. من حيث لا ندري ولا نحتسب، يجيء حاملاً معه وعوداً قد تتحقق.. وهذا أجمل ما فيه.. ففي طيّاته الأمل. وكذا أسوأ ما فيه.. ففي طيّاته الشك واحتمال الفشل.
البارع الانسان.. تصور مبهم في أذهان تناضل ضد الانغلاق.. تحياتي.

Abeer
17-09-2005, 06:33 AM
خرجت من النص بنتيجة مفادها : أن اختيارك للـ [ بارع] لم يكن عبثاً
شكراً :) ..

أنين
17-09-2005, 11:45 AM
قلت لك في الرصيف .....
كش لاني قرأت حقيقة ...واحيانا اكرة ان اقرأ الحقائق

وهنا ادركت انني الا اختلف كثيرا عندما ذهبت للصياد مرة ..لأني أعاني من قلة الصبر .
وعندما قمت بهذه التجربة أدركj بان الحظ الاقشر ... قد جفف ماء البحر ..
ايها البارع أحيانا نختلق خيالا لنهرب من الحقيقة

صباح التاسع اجمل اليوم

:kk

رائــد
17-09-2005, 01:28 PM
النص يحمل في ثناياه قديم مطالعتك و ملامح معرفتك , كذكرك :" أحدب لا يحب قرع الأجراس" واستخدامك لمصطلحات ك"بوهيمي" والتي أجد في الضاد مرادفاً لها. لا ضرر ولا ضرار إن شاء الله.

لا أدري من تكون,إلا أني أستحي من الكتابة إن كان في الساخر مثلك.

راقي نوايف
17-09-2005, 04:10 PM
لا أدري لما تذكرت حادثة اللحظة الأخيرة في حياة ريشة صقر سقطت بهدوء من جناح بطة .

البارع اسم على مسمى .

بشبوش أفندي
18-09-2005, 07:36 AM
**

رغم زحمة المقالات والتوهان في دهاليز الأحرف وأرق الإشراف ... فلقد قرأت المقال مرتين .. في الأولى إنبهار وفي الثانية إستيعاب هذا الكم من الجمال ...!!
شكرا لأنك اشعرتني بمتعة التصفح ..!!

نسخة للروائع بعد اكتمال الردود

تحياتي

بشبوش أفندي :ss:

جعبة
18-09-2005, 09:00 PM
بعد أن تكمل تجميع الرواية

أود لو أكون من القارئين الأوائل

أدام الله عليك براعتك

ابن الارض
18-09-2005, 09:50 PM
وجنون جديد لم اعتد رؤيته من قبل...
لكنه ممتع
وساحر!

البارع
منذ فترة أنتابت أختنا تيماء في "أفياء" لحظة نادرة كالتي انتابتك هنا...
أكاد اجزم انك سترى ما رأيته هناك!
http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=101339

سأكتفي بهذا القدر من.......
على ان اعاوده في وقت لاحق!

اخوك
ابن الارض

تيمــاء
19-09-2005, 12:38 AM
كل ما قرأته هنا كوم، وهذه السطور كوم آخر!



الإنسان خارج البعد الإيماني عبارة عن معادلة كيميائية معقدة, وكل ما يحدث له ليس إلا نتيجة فرعية لهذه المعادلة. الحب والبغض, الصدق والكذب, النفاق والإخلاص, أصبحت داخل جدول العناصر الكيميائية....



هذه فلسفة...فلسفة حقيقية، قد يتفق معها جون لوك:
الفضيلة والشر، الثواب والعقاب، هي المحركات الوحيدة للمخلوق العاقل. انها الحوافز والمكابح التي تسبب تركيز الجنس البشري على العمل وترشده. John Locke

و على فكرة، جون لوك كان مؤمنا بالله على عكس كثير من الفلاسفة.


البارع...شكرا لك.

ملاحظة: ظننت أن إسمه يكتب هكذا John Luke....بل أنني كنت شديدة اليقين. لكن بعد بحث بسيط إكتشفت مقدار جهلي العظيم!

من انا...؟
19-09-2005, 09:13 PM
أيها البارع...أنت حقا بارع
أمتعتنى كثيراً..
كل التحية و التقدير
أختك/من أنا...؟