PDA

View Full Version : وداعا نازك الملائكة



داليا الهواري
21-06-2007, 11:21 PM
http://www.islamonline.net/Arabic/history/woman/images/pic14.jpg


رحلت
تلك التي كان لشعرها هامة النخيل العراقي الأشم
تلك المتعبة في قوميتها المجروحة نتيجة النكبات المستمرة.. نتيجة الخيبات المستمرة.. نتيجة الخيانات المستمرة.. رحلت المرأة/ القصيدة الغارقة في الشجن
تلك المتعبة في واقع تحيطه الفوضى الخلاقة و يحاصره التتار الجدد
رحلت
نازك الملائكة الصامتة في جمال.. الجميلة في صمت
تلك التي في قمة تعبها كتبت رسالة إلى الأمة لتقول أن الدولة المحمولة على هامة الشهداء لن تختفي و لن تموت و لن تنتهي
رحلت نازك الملائكة
نهر الشعر العراقي الأصيل.. و عشب الكلمة الخضراء رغم مرارتها
و عنفوان القلب الذي إذا خفق يخفق في قصيدة تبقى إلى الأبد
رحمك الله نازك.. يا كل الشعر الأصيل الذي كان ثوبك و خجلك و صوتك و جمالك
رحمك الله
داليا الهواري

( سأعود لأجل تخصيص هذا المتصفح لها لشعرها و حياتها بين التفاؤل و التشاؤم.. بين الخيبة و المرض ..... و الموت

سين النسوة
22-06-2007, 03:04 AM
دعوة للحياه

أغضب، أحبك غاضباً متمردا
في ثورة مشبوبةٍ وتمزقِ

أبغضت نوم النار فيك فكن لظى

كن عرق شوقٍ صارخٍ متحرقِ



أغضب، تكاد تموت روحك، لا تكن

صمتاً ، اضيعُ عندهُ اعصاري

حسبي رماد الناس، كن انت اللظى

كن حرقة الابداع في اشعاري



أغضب، كفاك وداعة، انا لا احب الوادعين

النار شرعي لا الجمود ولا مهادنة السنين

اني ضجرت من الوقار ووجهه الجهم الرصين

وصرخت لا كان الرماد وعاش عاش لظى الحنين

اغضب على الصمت المهين

انا لا احب الساكنين



اني احبك نابضاً ، متحركاً

كالطفل، كالريح العنيفةِ كالقدر

عطشان للمجد العظيم فلا شذى

يروى رؤاك الظامئات ولا زهر



الصبرُ؟ تلك فضيلة الاموات، في

برد المقابر تحت حكم الدود

رقدوا واعطينا الحياة حرارةً

نشوى وحُرقة أعينٍ وخدود



انا لا احبك واعظاً بل شاعراً قلق النشيد

تشدو ولو عطشان دامي الحلق محترق الوريد

اني احبك صرخة الاعصار في الافق المديد

وفماً تصباه اللهيب فبات يحتقر الجليد

اني التحرق والحنين

انا لا اطيق الراكدين



قطب، سئمتك ضاحكاً، ان الربى

بردٌ ودفء لا ربيعٌ خالدُ

العبقرية، يا فتاي، كئيبةُ

والضاحكون رواسبٌ وزوائدُ



أني أحبك غصةً لا ترتوي

يفنى الوجود وانت روحٌ عاصفُ

ضحكٌ جنوني ودمعٌ محرِق

وهدوء قديسٍ وحسٌ جارف



اني احبُ تعطش البركان فيك الى انفجار

وتشوق الليل العميق الى ملاقاة النهار

وتحرق النبع السخي الى معانقة الجرار

اني اريدك نهر نارٍ ما للجته قرار



فاغضب على الموت اللعين

اني مللت الميتين

داليا الهواري
22-06-2007, 05:12 AM
ولدت الشاعرة نازك الملائكة في بغداد عام 1923م ، ونشأت في بيت علمٍ وأدب ، في رعاية أمها الشاعرة سلمى عبد الرزاق أم نزار الملائكة وأبيها الأديب الباحث صادق الملائكة ، فتربَّت على الدعة وهُيئتْ لها أسباب الثقافة . وما أن أكملتْ دراستها الثانوية حتى انتقلت إلى دار المعلمين العالية وتخرجت فيها عام 1944 بدرجة امتياز ، ثم توجهت إلى الولايات المتحدة الأمريكية للاستزادة من معين اللغة الانكليزية وآدابها عام 1950 بالإضافة إلى آداب اللغة العربية التي أُجيزت فيها . عملت أستاذة مساعدة في كلية التربية في جامعة البصرة .
تجيد من اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية واللاتينية ، بالإضافة إلى اللغة العربية ، وتحمل شهادة الليسانس باللغة العربية من كلية التربية ببغداد ، والماجستير في الأدب المقارن من جامعة وسكونس أميركا .
مثّلت العراق في مؤتمر الأدباء العرب المنعقد في بغداد عام 1965 .
آثارها : لها من الشعر المجموعات الشعرية التالية :
& عاشقة الليل صدر عام 1947.
& شظايا ورماد صدر عام 1949 .
& قرارة الموجة صدر عام 1957 .
& شجرة القمر صدر عام 1965 .
& مأساة الحياة وأغنية للإنسان صدر عام 1977 .
& للصلاة والثورة صدر عام 1978 .
& يغير ألوانه البحر طبع عدة مرات .
& الأعمال الكاملة - مجلدان - ( عدة طبعات ) .
ولها من الكتب :
& قضايا الشعر المعاصر .
& التجزيئية في المجتمع العربي .
& الصومعة والشرفة الحمراء .
& سيكولوجية الشعر .
كتبت عنها دراسات عديدة ورسائل جامعية متعددة في الكثير من الجامعات العربية والغربية .
&نشرت ديوانها الأول " عاشقة الليل " في عام 1947 ، وكانت تسود قصائده مسحة من الحزن العميق فكيفما اتجهنا في ديوان عاشقة الليل لا نقع إلا على مأتم ، ولا نسمع إلا أنيناً وبكاءً ، وأحياناً تفجعاً وعويلاً " وهذا القول لمارون عبود .
ثم نشرت ديوانها الثاني شظايا ورماد في عام 1949 ، وثارت حوله ضجة عارمة حسب قولها في قضايا الشعر المعاصر ، وتنافست بعد ذلك مع بدر شاكر السياب حول أسبقية كتابة الشعر الحر ، وادعى كل منهما انه اسبق من صاحبه ، وانه أول من كتب الشعر الحر ونجد نازك تقول في كتابها قضايا الشعر المعاصر " كانت بداية حركة الشعر الحر سنة 1947 ، ومن العراق ، بل من بغداد نفسها ، زحفت هذه الحركة وامتدت حتى غمرت الوطن العربي كله وكادت ، بسبب تطرف الذين استجابوا لها ، تجرف أساليب شعرنا العربي الأخرى جميعاً ، وكانت أول قصيدة حرة الوزن تُنشر قصيدتي المعنونة " الكوليرا " وهي من الوزن المتدارك ( الخبب) . ويبدو أنها كانت متحمسة في قرارها هذا ثم لم تلبث أن استدركت بعض ما وقعت فيه من أخطاء في مقدمة الطبعة الخامسة من كتابها المذكور فقالت :عام 1962 صدر كتابي هذا ، وفيه حكمتُ أن الشعر الحر قد طلع من العراق ومنه زحف إلى أقطار الوطن العربي ، ولم أكن يوم أقررت هذا الحكم أدري أن هناك شعراً حراً قد نظم في العالم العربي قبل سنة 1947 سنة نظمي لقصيدة (الكوليرا) ثم فوجئت بعد ذلك بأن هناك قصائد حرة معدودة قد ظهرت في المجلات الأدبية والكتب منذ سنة 1932 ، وهو أمر عرفته من كتابات الباحثين والمعلقين لأنني لم أقرأ بعد تلك القصائد في مصادرها " .

صبا الشرقية
22-06-2007, 07:19 AM
متابعين لك حبيبتي داليا

فيصل الجبعاء
22-06-2007, 07:30 AM
رحمها الله رحمةً واسعة

وصلني الخبر عصر أمس وحزنت كثيراً جدّاً

وعزائي أن لها خطواتٍ ستبقى واضحةً على ثرى أدب العصر الحديث

داليا الهواري
22-06-2007, 10:28 PM
متابعين لك حبيبتي داليا

شكرا لتواجدك الجميل.. إبقي معنا لقراءة ما نرجوه نافذة على شاعرة بحجم نازك الملائكة
دمت بود
a*

داليا الهواري
22-06-2007, 10:29 PM
رحمها الله رحمةً واسعة

وصلني الخبر عصر أمس وحزنت كثيراً جدّاً

وعزائي أن لها خطواتٍ ستبقى واضحةً على ثرى أدب العصر الحديث


فعلا
تقديري لك

آلام السياب
22-06-2007, 11:37 PM
نازك الملائكة . . . خسارة لا تعوض بثمن

والعزاء هو ميراثها الذي اغنى القلوب والارواح قبل المكتبات العربية

نحتسبها بالجنة انشاء الله وليتغمدها الخالق برجمته

خبر وفاتها كان كالصاعقة ولكن هنيئا لها الموت وهي فقيدة للشعر العربي

داليا شكرا لك واستمري قدما

داليا الهواري
23-06-2007, 12:09 AM
نازك الملائكة . . . خسارة لا تعوض بثمن

والعزاء هو ميراثها الذي اغنى القلوب والارواح قبل المكتبات العربية

نحتسبها بالجنة انشاء الله وليتغمدها الخالق برحمته

خبر وفاتها كان كالصاعقة ولكن هنيئا لها الموت وهي فقيدة للشعر العربي

داليا شكرا لك واستمري قدما

نسأل الله لها الرحمة..
مشكورة على التعقيب.. حياك الله آلام السياب
a*

داليا الهواري
23-06-2007, 12:48 AM
http://www3.0zz0.com/2007/06/22/20/56551961.jpg


القاهرة- رويترز
توفيت أمس الاربعاء بمستشفى في العاصمة المصرية الشاعرة العراقية الرائدة نازك الملائكة عن 84 عاما اثر هبوط حاد في الدورة الدموية. وقالت الشاعرة العراقية ريم قيس كبه وهي من اسرة الملائكة ان نازك التي عانت من أمراض الشيخوخة في الايام الاخيرة تدهورت صحتها فجأة ثم فارقت الحياة وستشيع جنازتها ظهر الخميس 21-6-2007 وتدفن بمقبرة للعائلة غربي القاهرة.
ولدت نازك صادق الملائكة في بغداد يوم 23 أغسطس اب عام 1923 في أسرة تحتفي بالثقافة والشعر فكانت أمها تنشر الشعر في المجلات والصحف العراقية باسم أدبي هو "أم نزار الملائكة" أما أبوها صادق الملائكة فترك مؤلفات أهمها موسوعة (دائرة معارف الناس) في عشرين مجلدا، وهنا يشار إلى أن الملائكة لقب أطلقه على عائلة الشاعرة بعض الجيران بسبب ما كان يسود البيت من هدوء ثم انتشر اللقب وشاع وحملته الاجيال التالية.
ودرست الشاعرة الراحلة اللغة العربية في دار المعلمين العالية وتخرجت فيها عام 1944 كما درست الموسيقى بمعهد الفنون الجميلة، ثم درست اللغات اللاتينية والانجليزية والفرنسية وأكملت دراستها في الولايات المتحدة عام 1954 حيث حصلت بعد عامين على شهادة الماجستير في الادب المقارن من جامعة وسكنسن.

خيول لعربات الموتى (http://www.alsakher.com/vb2/)
وعملت الملائكة بالتدريس في كلية التربية ببغداد ثم بجامعة البصرة ثم بجامعة الكويت وتعد من أبرز رواد الشعر العربي الحديث الذين تمردوا على الشعر العمودي التقليدي وجددوا في شكل القصيدة حين كتبوا شعر التفعيلة متخلين عن القافية لاول مرة في تاريخ الشعر العربي.
ونشرت الشاعرة قصيدتها الشهيرة (الكوليرا) عام 1947 فسجلت اسمها في مقدمة مجددي الشعر مع الشاعر العراقي الراحل بدر شاكر السياب الذي نشر في العام نفسه قصيدته (هل كان حبا) واعتبر النقاد هاتين القصيدتين بداية ما عرف فيما بعد بالشعر الحر.
وسجلت نازك الملائكة في كتابها (قضايا الشعر الحديث) أن بداية حركة الشعر الحر كانت سنة 1947 في العراق. ومن العراق بل من بغداد نفسها زحفت هذه الحركة وامتدت حتى غمرت الوطن العربي كله، وكادت بسبب تطرف الذين استجابوا لها تجرف أساليب شعرنا العربي الاخرى جميعا.
وتتابع قائلة: "كانت أول قصيدة حرة الوزن تنشر قصيدتي المعنونة (الكوليرا) وكنت قد نظمت تلك القصيدة 1947 أصور بها مشاعري نحو مصر الشقيقة خلال وباء الكوليرا الذي دهمها وقد حاولت فيها التعبير عن وقع أرجل الخيل التي تجر عربات الموتى من ضحايا الوباء في ريف مصر. وقد ساقتني ضرورة التعبير الى اكتشاف الشعر الحر".
وصدر ديوانها الاول "عاشقة الليل" عام 1947 ببغداد ثم توالت دواوينها التالية ومنها "شظايا ورماد" عام 1949 و"قرارة الموجة" عام 1957 و"شجرة القمر" عام 1968 و"يغير ألوانه البحر" عام 1970. كما صدرت لها عام 1997 بالقاهرة مجموعة قصصية عنوانها "الشمس التي وراء القمة".
ومن بين دراساتها الادبية "قضايا الشعر الحديث" عام 1962 و"سايكولوجية الشعر" عام 1992 فضلا عن دراسة في علم الاجتماع عنوانها "التجزيئية في المجتمع العربي" عام 1974.

هروب من "شهوة الحكم" (http://www.alsakher.com/vb2/)
ورحبت الشاعرة شعرا بثورة رئيس الوزراء العراقي الاسبق عبد الكريم قاسم عام 1958 لكنها اضطرت لترك العراق وقضت في بيروت عاما كاملا بعد "انحراف قاسم" الذي "استهوته شهوة الحكم" بحسب تعبيرها.
ورغم غياب نازك الملائكة عن المنتديات الثقافية في السنوات الاخيرة فانها ظلت في دائرة الضوء اذ حصلت على جائزة البابطين عام 1996 وجاء في قرار منحها الجائزة أنها "شقت منذ الاربعينيات للشعر العربي مسارات جديدة مبتكرة وفتحت للاجيال من بعدها بابا واسعا للابداع دفع بأجيال الشعراء الى كتابة ديوان من الشعر جديد يضاف الى ديوان العرب... نازك استحقت الجائزة للريادة في الكتابة والتنظير والشجاعة في فتح مغاليق النص الشعري".
كما أقامت دار الاوبرا المصرية يوم 26 مايو ايار 1999 احتفالا لتكريمها "بمناسبة مرور نصف قرن على انطلاقة الشعر الحر في الوطن العربي". وشارك في الاحتفال الذي لم تشهده نازك الملائكة لمرضها شعراء ونقاد مصريون وعرب بارزون اضافة الى زوجها الدكتور عبد الهادي محبوبة الذي أنجبت منه ابنها الوحيد البراق.

داليا الهواري
23-06-2007, 01:13 AM
http://www3.0zz0.com/2007/06/22/21/29198562.jpg



أحمد فضل شبلول

طبعة جديدة من كتاب الشاعرة والناقدة الرائدة نازك الملائكة "سيكولوجية الشعر ومقالات أخرى" ، بعد أكثر من عشرين عامًا من صدور الطبعة الأولى في بيروت عام 1979م.
ولأن ما تثيره "نازك الملائكة" في هذا الكتاب، يُعَدُّ ساري المفعول حتى الآن، فإن طبعته الثانية تُعَدُّ طبعة أولى، فحديث "نازك" لا يزال مطروحًا على الساحة الأدبية، والقضايا التي تثيرها لا تزال طازجة، والكتاب بأبوابه الأربعة لا يزال قابلاً للعرض والطرح والنقاش، خاصة أن هناك أجيالاً شعرية جديدة نَمَت وتَرَعْرَعت في السنوات السابقة، وربما لم يُتَح للكثيرين منهم قراءة كتاب "نازك" في طبعته الأولى الذي يكاد يكون الجزء الثاني من كتابها المهم "قضايا الشعر المعاصر"، وهي تؤكد ذلك بقولها في المقدمة: "يكاد كتابي هذا يكون الجزء الثاني من كتابي "قضايا الشعر المعاصر"؛ لأنني أتناول فيه بقية القضايا التي لم تَرِد في الكتاب الأول".
صدر الكتاب في طبعته الجديدة عن سلسلة "كتابات نقدية" التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر، وأخذ رقم 98 في هذه السلسلة الشعبية التي يرأس تحريرها الناقد الدكتور مجدي توفيق، ووقع في (382 صفحة)، وتعرضت الشاعرة في الفصل الأول إلى الجانب السيكولوجي من الشعر، فتحدثت عن الشاعر واللغة، والقافية في الشعر العربي الحديث، وسيكولوجية القافية، وسيكولوجية القصيدة المُدَوَّرَة.
وعن الشاعر واللغة ترى "نازك" أن الشاعر لا بد أن يُوَثِّق صلته باللغة وقوانينها بحيث تصبح مَلَكَة اللغة فطرة في نفسه يغرف منها بلا انتهاء، فيبدع الصور والموسيقى، ويأتي بأروع الأنغام دون أن يخرج على أسس اللغة وقواعدها. وبهذا تَرُدُّ "نازك" على شائعة انتشرت بين أدباء الوطن العربي - وقت تأليف الكتاب وأعتقد أنها ما زالت منتشرة حتى الآن - مضمونها أن الغلط في قواعد النحو واللغة مباح كل الإباحة في الشعر.
وعن القافية في الشعر العربي الحديث، تدعو الشاعرة - بل تتمنى - أن يتمسك الشاعر المعاصر بالقافية ولا يتفلت منها؛ لأنها جزء أساسي من موسيقى الشعر لا يصح الاستغناء عنه. وفي هذا الفصل رصدت "نازك" بعض محاولات الخروج على القافية الموحدة بدأت منذ العصر الجاهلي، حيث نسب إلى امرئ القيس نوع من أنواع الموشح سَمُّوه "المُسْمَط" كان فيه خروج مبكر على نظام القافية الموحدة.
ويُعَدُّ حديث المؤلفة عن سيكولوجية القافية من أهم فصول الكتاب؛ حيث ترى أن تقفية القصيدة مطلب سيكولوجي فني مُلِحّ، وتتحدث في هذا عن تسعة عوامل مهمة تجعل من القافية تلك الضرورة التي لا سبيل إلى أن يستغني عنها الشعر. ومن أهم هذه العوامل: أن القافية تُقَوِّي بصيرة الشاعر تَقْوِية عجيبة، وتفتح له الأبواب المغلقة الغامضة، وتقوده في دروب خلابة تموج بالحياة، وأنها تفتح كنوز المعاني الخفية، بل إنها تُنْبِتُ الأفكار، وتغير اتجاه القصيدة إلى مجالات خصبة مفاجئة، وأن القافية وسيلة أمان واستقرار لمن يقرأ القصيدة، ووجودها يُشعر بوجود نظام في ذهن الشاعر وبتنسيق الفكر لديه ووضوح الرؤية، وقوة التجربة.
وهي في كل ذلك تأتي بنماذج شعرية تُدلِّل بها على رأيها وتقنع بها قارئها. وعلى سبيل المثال عندما تتحدث عن أثر القافية في شعر النضال والمقاومة تأتي بنموذج من شعر نزار قباني يقول فيه:
يا آلَ إسرائيل لا يَأْخُذْكُمُ الغُرور
عقارب الساعات إن توقفت لا بد أن تدور
إن اغتصاب الأرض لا يُخِيْفُنا
فالريش قد يسقط عن أجنحة النسور
والعطش الطويل لا يخيفنا
فالماء يبقى دائمًا في باطن الصخور
هنا ترى "نازك" أن ترادف القافية يعطي إحساسًا بأن الشاعر مجهز بعزيمة صلبة لا تلين، فالقافية قتال ومصاولة، وهي تنزل على السمع نزول الرعود، وكل قافية قنبلة تنفجر في آخر الشطر.
وفي ختامها لهذا الفصل تذهب إلى القول: إن الشاعر المبدع هو الذي يُلْهِمُهُ حِسُّه الفني المواضع التي يتخلى فيها عن القافية والمواضع التي يلتزم بها فيها. وإن القافية ليست مجرد كلمات عابرة موحدة تُرْوى، وإنما هي حياة كاملة.
هذا عن أثر القافية وأهميتها في الشعر الحديث، فما بالنا إذن بالشعر المُدَوَّر أو بالقصيدة المُدَوَّرَة التي لا يظهر فيها أثر للقافية أو التي تُعَدُّ ثورة على القافية، فالتدوير والتقفية أمران متعارضان لا يمكن أن يجتمعا. وقد ظهر التدوير في الشعر العربي منذ عام 1953م، وأصبح الشاعر يوقع نفسه في هذا التدوير. وعلى الرغم من أن "نازك" لا ترتاح للقصيدة المدورة، فإنها ترى أن انتشار هذه القصيدة أمر يمتلك دلالات اجتماعية وسياسية معينة، فهو يشير إلى أن الشاعر الحديث يُحِسُّ بأنه مسلوب الإرادة تحت ظل موقف تسيطر فيه الإمبريالية التي تعترف بعدوتنا إسرائيل وتؤمن بما تسميه حقها في البقاء، وأن القافية التي هي عنصر القوة والقتال في القصيدة قد كسرها التدوير وطردها خارج مملكته. ولا أحسب أن "نازك" قد وضعت يدها على السبب الحقيقي للجوء الشاعر المعاصر إلى التدوير المستمر في قصيدته. ذلك أن هناك شعراء يكتبون القصيدة المدورة بعيدًا تمامًا عن الإمبريالية وإسرائيل وما إلى ذلك. وأعتقد أن الشاعر المعاصر قد يلجأ إلى التدوير بسبب لهاثه في الحياة، فكما يلهث الشاعر المعاصر في ذلك العصر سريع الإيقاع، يلجأ إلى اللهاث أيضًا في قصيدته تعبيرًا عن لهاثه الخارجي، فيمزج الخارجي بالداخلي أثناء إبداعه لقصيدته. وهو في لهاثه هذا يقوم بوصل همزة القطع، ويُكثر من الجمل الاسمية، إلى آخر تقنيات القصيدة المدورة. وعمومًا فقد بدأ يخفت صوت القصيدة المدورة الآن، ولم يَعُدْ يجد قبولاً حسنًا لدى القارئ أو السامع، وبدأ يعود الشاعر المعاصر تدريجيًّا إلى التقفية من جديد.
وفي الفصل الأول من الباب الثاني توجه الشاعرة رسالة إلى الشعراء الناشئين الذين كتبوا إليها يسألونها كلمة توجيه ونصح تعينهم على درب القوافي. أما الفصل الثاني فكان بعنوان "الإبرة والقصيدة" وهو عبارة عن قصيدة حوارية بين الشاعرة "هدى" التي نسيت إبرة على المكتب وانساقت وراء القصيدة الجديدة، وزوجها "نبيل" الذي لم يقبل في البداية عذرها عن النسيان، فيقول لها: إن النسيان نقيصة في الإنسان، وكل نقيصة لا يصح أن تُقَدَّم على أنها عذر. ولكن بعد أن أفاضت الشاعرة في الدفاع عن المعاناة الشعرية والأشواك التي تسير عليها إلى أن تبدع القصيدة، يقتنع زوجها بمبرراتها ويطلب منها سماع القصيدة الجديدة. وهي عمومًا حوارية لطيفة تفجر السؤال الأزلي: كيف نبدع ؟!
وتأخذ "نازك الملائكة" في فصل تالٍ دور المدافع عن شعرها، فتقوم بالرد على الباحث عبد الجبار داود البصري الذي ينقد قصيدتها "أغنية لطفلي"، ويكشف هذا الفصل عن أن "نازك" كتبت شعرًا للأطفال مثلها في ذلك مثل فَدْوى طوقان وغيرها من شواعرنا العربيات.
ثم تتعرض في الباب الثالث إلى بعض الجوانب العروضية، فتتحدث عن الخليل والدوائر الشعرية مُسْتَبْعِدَة الأصول غير المألوفة لبحور الشعر العربي المألوفة، فتقول: "إن علينا اليوم أن نستعمل البحور على أساس الوزن العربي الموجود القائم الذي استعمله شعراؤنا في كل عصورهم دون أن نفترض لكل بحر مألوف أصلاً غير مألوف، فذلك ما لا نفع له، وإنما هو شيء يقرب من التعجيز للشعراء والنقاد وطلاب العروض". ثم تخوض بعد ذلك حديثًا عروضيًّا في مسرحية شوقي "مصرع كليوباترا" تحصر فيه أخطاء القافية التي وقع فيها شوقي.
وفي الباب الأخير - وهو بعنوان "في النقد التطبيقي للشعر" - تجلس الشاعرة في مقعد النقد، فتتناول بالنقد والدراسة والتحليل موضوع الحب والموت في شعر ابن الفارض، ثم تتوقف طويلاً عند شعر إيليا أبي ماضي، فتخصه بفصلين، الأول ملامح عامة في شعره، والثاني كان عن ديوانه "الجداول"، وتخرج من هذين الفصلين بنتيجة مؤداها أن إيليا أبي ماضي فتح نمطًا جديدًا يضعه في مكان مقابل مكان شوقي في فضله على بعث الحياة في الشعر، فإذا كان شوقي هو خالق الغنائية المبدعة في شعرنا المعاصر، فإن إيليا بحق صانع الاتجاه الحديث كله "فهو الشاعر المجدد الذي قدم في شعره وجهة نظر جديدة تحدد علاقات لم تؤلف سابقًا بين القصيدة والشاعر من جهة، والقصيدة والعصر كله من جهة أخرى".

داليا الهواري
23-06-2007, 01:27 AM
القاهرة - “الخليج”:
شيع جثمان الشاعرة العراقية نازك الملائكة ظهر أمس من مسجد الحياة بحي حدائق القبة بالقاهرة، حيث كانت تعالج منذ فترة طويلة في مستشفى سنابل، وقد حضر الجنازة عدد قليل من أفراد السفارة العراقية بالقاهرة وبعض الإعلاميين وغاب عنها المثقفون والشعراء المصريون، وقد دفنت الشاعرة بمقابر خصصت للأسرة في مدينة السادس من أكتوبر.
غيب الموت الشاعرة نازك الملائكة بعد صراع مع المرض دام سنوات طويلة عاشت خلالها الملائكة في عزلة كبيرة، حالت دون ظهورها في أي من منتديات القاهرة التي قضت فيها سنواتها الأخيرة عقب الحصار المضروب على العراق إبان التسعينات من القرن الماضي.
تربت نازك الملائكة المولودة في بغداد عام 1923 في بيت كانت الثقافة والفنون مفردة يومية تتردد بين جنباته فالأم هي الشاعرة سلمى عبد الرازق والأب صادق الملائكة أديب وباحث كبير.
تخرجت الشاعرة الكبيرة عام 1944 في دار المعلمين العليا، ثم توجهت إلى أمريكا بعد ذلك بعامين لدراسة الإنجليزية وآدابها، وبعد عودتها عملت أستاذة مساعدة في كلية التربية بجامعة البصرة.
نشرت ديوانها الأول “عاشقة الليل” عام ،1947 وارتبط ديوانها الثاني (شظايا ورماد) بضجة كبيرة، إذ أثيرت معه قضية الأسبقية في كتابة الشعر الحر، بقصيدتها “الكوليرا”، إذ إن بدر شاكر السياب كان قد كتب آنذاك قصيدته “هل كان حبا”.
شكلت نازك الملائكة مع بدر شاكر السياب عبر تجربة كل منهما المنفصلة غير المتماثلة، ملامح الشعر العربي الحديث المتحرر من العمود التقليدي، والذي اصطلح على تسميته بشعر التفعيلة. ولم يكن دور نازك مقصورا على إضافاتها الريادية الباهرة للقصيدة العربية، بل شاركت بمنجز تنظيري منذ وقت مبكر أسهم في ترسيخ الشعر الحديث وتقعيده من خلال دراساتها وأعمالها النقدية المتميزة في حقل كان بكرا لا يزال، بل وكان يتعرض لهجوم المحافظين الذين كانوا لا يزالون يحتلون مقاعد النقد والتنظير على السواء.
يضم أعمالها النثرية الكاملة كتابها الشهير “قضايا الشعر المعاصر” الذي صدرت طبعته الأولى عام ،1962 وآخر طبعاته هي الرابعة عام 1974. وإذا كانت نازك والسياب قد بدآ مغامرتهما الكبرى بكتابة أولى قصائد الشعر الحديثة الناضجة عام ،1947 ثم تدفق نهر الشعر الحديث من بعدهما، فإن السنوات التي أعقبت ذلك وحتى صدور كتابها “قضايا الشعر الحديث” أتاحت لها أن تستكمل قواعد الشعر الحر وتستخرج قوانينه الجديدة مبكرا، وذلك من خلال بحثها لأربع قضايا مترابطة: علاقة الشعر الحر بالتراث العربي، بدايات حركة الشعر الحر، البحور التي يصح استخدامها في كتابة الشعر الحر، وأخيرا قضية التشكيلات المستعملة في القصيدة الحرة.
ومن جانب آخر تؤكد نازك أن القضايا السابقة على قصائدها وقصائد السياب كانت إرهاصات تتنبأ بقرب ظهور حركة الشعر الحر، وتضيف أنها اندفعت إلى التجديد بتأثير من درايتها بالعروض العربي وقراءتها للشعر الإنجليزي، بل تذكر بالنص: “إنني لو لم أبدأ حركة الشعر الحر، لبدأها بدر شاكر السياب رحمه الله، ولو لم نبدأها أنا وبدر لبدأها شاعر عربي آخر غيري وغيره، فالشعر الحر قد أصبح في تلك السنين ثمرة ناضجة حلوة على دوحة الشعر العربي بحيث حان قطافها، ولابد من أن يحصدها حاصد ما في أي بقعة من بقاع الوطن العربي، لأنه قد حان لروض الشعر أن تنبثق فيه سنابل جديدة باهرة تغير النمط الشائع وتبتدئ عصرا أدبيا جديدا كله حيوية وخصب وانطلاق”.
كما يضم كتابها تقديم زوجها الناقد الراحل د. عبد الهادي محبوبة في الطبعة الصادرة عام ،1962 ويشير في هذا التقديم إلى الظروف التي أحاطت بكتابة قصيدتها الشهيرة “الكوليرا” عندما اجتاح الوباء اللعين مصر، فانفعلت الشاعرة، وكان هذا كما يذكر بدقة يوم الثلاثاء 27 تشرين الأول سنة 1947. وطبقا لما نقله عن دفتر الذكريات المخطوط بقلم نازك نفسها، فإن والدها الأديب والباحث صادق الملائكة، وأمها الشاعرة المعروفة أم نزار، وأشقاءها.. ما إن سمعوا قصيدتها حتى أعلنوا عدم رضائهم عنها بسبب تخليها عن عمود الشعر التقليدي!
ويلي هذا الكتاب طبقا لطبعة المجلس الأعلى للثقافة كتابها “سيكولوجية الشعر ومقالات أخرى” وتشير فيه نازك إلى أنه يكاد يكون الجزء الثاني من كتابها الأول لأنها تتناول فيه القضايا التي لم ترد في الكتاب الأول مثل علاقة الشعر باللغة، والجانب السيكولوجي من القافية وارتباط الشعر الحديث بالمأثورات وما إلى ذلك، كما ألحقت بالكتاب بابا في النقد التطبيقي تناولت فيه شاعرين أحدهما قديم وهو عمر بن الفارض والثاني حديث هو إيليا أبو ماضي.
تاريخ مقدمة هذا الكتاب هو 17/6/،1979 بينما تاريخ كتابها الثالث طبقا لترتيب هذه الطبعة “الصومعة والشرفة الحمراء” هو عام ،1965 لكن محرر الطبعة وهو الناقد د. عبده بدوي لم ينتبه لهذا الأمر، فهل مقدمة سيكولوجية الشعر يعود تاريخها إلى إحدى طبعات الكتاب فقط، أم انتظرت سبعة عشر عاما وهو الفارق بين كتابيها الأول والثاني الذي تعتبره جزءا ثانيا للأول حتى تكتب الجزء الثاني؟
والمثير للدهشة، أن “الصومعة والشرفة الحمراء” يكاد يكون مجهولا كما تشير هي بنفسها في المقدمة، لأن طبعته الأولى الصادرة عن معهد الدراسات العربية كانت طبعة محدودة لأنها مخصصة أصلا لطلاب المعهد، حتى إنها عندما أهدت إحدى نسخه لخالد محيي الدين البرادعي بعد صدور طبعته الأولى بعدة سنوات فوجئ به، بل وكتب مقالا عنه بعنوان “كتاب مجهول لنازك الملائكة”.
كتابها التالي “التجزيئية في المجتمع العربي” يضم عددا من الدراسات المتفرقة كتبت بين عامي 1953 و1969 ونشرت أيضا متفرقة في الدوريات والمجلات العربية. وفكرة التجزيئية تسري في دراسات الكتاب على نحو يؤكد أنها ظاهرة اجتماعية عامة وتسيطر على الفكر العربي والحياة العربية فعلى سبيل المثال تشير في دراستها “المرأة بين الطرفين.. السلبية والأخلاق” إلى هذه التجزيئية في فكرة الحرية، حيث يعتقد الكثيرون أنه من الممكن أن يكون الرجل حرا كامل الحرية بينما المرأة أسيرة القيود.
ويرتبط بهذه الدراسة، حتى يتبين القارئ الفكرة الأساسية التي تسري في دراسات الكتاب، ما أشارت إليه في دراستها “مآخذ اجتماعية على حياة المرأة العربية” من أن المرأة تقول “إنها حرة كاملة الحرية ثم لا تلاحظ أن دور الأزياء تستعبدها وتسلبها كل حرية ممكنة، لأنها مضطرة شاءت أم أبت أن تلبس ما يريده مصمم الأزياء العابث الذي يفرض ما يشاء من دون منطق هنا نجد تجزيئية واضحة تفصل ملبس الإنسان عن حريته الفكرية فكان من الممكن أن تكون المرأة الحرة وهي قد استحالت إلى دمية يلبسها مصمم الأزياء ما يشاء دون أن تسأله: لماذا؟ وما المبرر الفكري لهذا الصنف من اللباس؟

داليا الهواري
23-06-2007, 01:30 AM
“أكاديمية الشعر”: رحيل الملائكة خسارة للأدب العربي
أبوظبي “الخليج”:
تنعى “أكاديمية الشعر” في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث الشاعرة العراقية الكبيرة نازك الملائكة الراحلة، التي وافتها المنية أمس الأول في القاهرة بعد صراع طويل مع المرض، وتعتبر الشاعرة الراحلة من الأسماء ذات الريادة في تجربة الشعر العربي الحديث، حيث تعد قصيدتها “الكوليرا” التي كتبتها في عام 1947 أحد نصوص التفعيلة التي شكلت منعطفا مهماً في تاريخ الشعر العربي، كما كان لدراساتها وآثارها النقدية إضافة مهمة للمكتبة العربية.
إنه مما لا شك فيه أن الشاعرة الراحلة أخذت وهجها الشعري منذ قصيدتها الأولى، واستمرت بالوهج ذاته حتى سنواتها الأخيرة من ريادتها الإبداعية في الشعر، كما شكلت تجربة مهمة في مسيرة الشعر العربي، وتناولتها مختلف دراسات الشعر العربي في العصر الحديث.
إن رحيل الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة يشكل خسارة كبيرة للعرب وللأدب العربي، فقد كانت علما أدبيا وثقافيا وفكريا مهما، وأكاديمية الشعر إذ تنعى الفقيدة الراحلة، فإنها تتوجه بأحر تعازيها إلى أسرة الفقيدة، وجميع الأدباء في وطننا العربي، داعية الله أن يلهم أهلها وذويها الصبر والسلوان.


“اتحاد الكتاب” ينعى الراحلة
الشارقة “الخليج”:
نعى اتحاد كتاب وأدباء الامارات في الشارقة رحيل رائدة الشعر العربي الحديث نازك الملائكة، وفي ذلك يقول الأديب ابراهيم مبارك نائب رئيس اتحاد كتاب وأدباء الامارات: عندما يرحل أحد الأدباء والكتاب عن الساحة الثقافية العربية نشعر بفداحة الخسارة للجميع، وخصوصاً إذا كان الراحل من رواد وأعمدة الشعر العربي الحر، ناهيك عن أنها امرأة عربية قررت في ذلك الوقت، أي في نهاية الاربعينات من القرن الفائت، أن يكون لها وللمرأة العربية دورها في نهضة الشعر العربي، وتقدم مجتمعها فكرياً وثقافياً وحضارياً.
ان رحيل نازك الملائكة وفي هذا الوقت الذي يعاني فيه وطنها الكبير من هذه الأحداث المؤسفة من تمزق واختلاف ووطنها الأم العراق من هذا النزف الدموي اللامعقول، يبدو وكأنه يكمل هذا المشهد التراجيدي الذي نعيشه اليوم في وطننا العربي.
لقد تركت نازك الملائكة بصمتها الابداعية ورحلت كرائدة وعلم من أعلام الأدب والشعر عبر تاريخها ونتاجها وحياتها المديدة التي عاصرت من خلالها عدة أجيال شعرية عربية منذ ديوانها الأول “عاشقة القمر” في نهاية الاربعينات وحتى بداية الثمانينات من القرن الفائت.
ونحن في اتحاد الكتاب والأدباء في الامارات نعزي أنفسنا ونرفع التعازي الى أهلها والى الساحة الثقافية العربية ونشاركهم هذا الفقد الكبير الممثل في هذه القامة الشعرية الجليلة.

داليا الهواري
23-06-2007, 01:31 AM
آراء الشعراء والنقاد في رحيلها
الشارقة، القاهرة “الخليج”:
أحمد عبد المعطي حجازي:
نازك الملائكة شاعرة عظيمة بحق لأنها صاحبة لغة شعرية خاصة وتجربة شعرية متميزة، لأنها شاعرة مجددة بل هي رائدة من رواد التجديد في الصف الأول وربما سبقت الجميع.
وهي أيضا شاعرة ناقدة، وتجديدها ليس مجرد تجديد عفوي ينقصه الوعي وليس مجرد سليقة وإنما هو أيضا ثقافة ولذلك من خلال هذه الثقافة وما قدمته في دواوينها من مقدمات شرحت فيها الأسس الذي قامت عليه التجديد.
وعن أهم المحطات في مسيرتها الأدبية يقول حجازي إن كتاب “قضايا الشعر المعاصر” يعطيها مكانة فريدة في تاريخ الشعر العربي المعاصر، بالإضافة إلى قصيدتها الأشهر “الكوليرا” ومقدمة ديوانها “شظايا ورماد”.
وانتقد حجازي تجاهل الحركة الأدبية العربية لمرضها وقال إنها حركة تنقصها الأسس التي تقوم عليها وتنظمها وتجعلها حركة فاعلة، بمعنى آخر ان الأدباء والشعراء العرب الآن أفراد، لأن الشعراء والأدباء في معظم البلاد العربية مشغولون بكسب الرزق أو كلهم مشغول بالدفاع عن نفسه وإعلان اسمه ولا توجد غايات معروفة أو مفهومة أو جامعة تجمع هؤلاء الشعراء، فالحركة الأدبية العربية الآن حركة عشوائية وأستطيع أن أقول إنها بلا أخلاق.
ونازك مقيمة في مصر منذ أكثر من عشرين عاما وقررت العزوف عن الاتصال بالحياة الأدبية بأي صورة من الصور وقد اقترحت في مؤتمر الشعر في فبراير/شباط الماضي منح الجائزة إلى نازك الملائكة لكنهم لم يتصرفوا بالطريقة اللائقة التي تدل على الشعور بالمسؤولية، نازك الملائكة موجودة بشعرها وبدورها الخطير المؤثر والفعال في الشعر العربي المعاصر.
عبد الرحمن الأبنودي:
لقد رحلت بعد أن احتلت مكانتها البارزة في حركة تجديد الشعر العربي فهي أحد أعمدة مؤسسي صرح الشعر الحديث مع صلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب والبياتي وسعدي يوسف وهذه الكوكبة من الشعراء العظام شعرا ودراسة بقدر ما أعطت من قصائد تحتفي بالتجديد فإنها أيضا نظرت لهذا الشعر وساهمت في إضفاء الشرعية على الخروج عن القوالب القديمة وفكرة القافية الموحدة وبشرت باعتماد التفعيلة مما حرر الشعر وأعطاه فضاءات جديدة للتحليق فهي قيمة أدبية كبيرة.
وفي ما يتعلق بتجاهل الأدباء لها أكد الأبنودي أن هذه ظاهرة لا تنطبق فقط على السيدة نازك الملائكة ولكن على من يطول عمره أكثر من اللازم من وجهة نظر المثقفين لقد تجاوز الشعر نفسه بصورة كبيرة لكني لا أراه قد تجاوز عبد الصبور أو السياب أو نازك الملائكة، وعموما ففي هذه الفترة التي نعيشها لم نعد قادرين على الاحتفاء ببعضنا بعضاً فالهموم أكبر والبحث عن المطامح الشخصية يستغرق كل الوقت.
د. محمد عبد المطلب:
تربعت نازك الملائكة على قمتين في آن في تاريخ الثقافة العربية والشعر العربي هما قمة النقد والتنظير وقمة الإبداع الشعري، وإذا كان جيل الريادة لا يتجاوز خمسة أو ستة أشخاص فإن نازك بينهم تحتل القمة، وذلك لأنها من القلائل الذين فهموا الحداثة الإبداعية فهماً صحيحا حيث فهمتها على أنها احترام لقديمها بالدرجة الأولى ثم توافق مع الحاضر على نحو يلائم بين الإبداع وتطوراته ثم إن لها نظرة مستقبلية حتى إنها تناولت ما يسمى الآن بقصيدة النثر، وأظن أن كتابها “الشعر العربي المعاصر” يظل علامة بارزة في مسيرة الشعر العربي وأنا من هنا أدعو كل المؤسسات الثقافية في العالم العربي إلى أن تقيم المؤتمرات والندوات التي تفحص ما تركته هذه الرائدة من نقد ومن إبداع وأن تعيد تقديمه إلى الأجيال الحاضرة حتى تتحرك هذه الأجيال حركة تواصلية على نحو ما فعلت نازك، والذي يهمني الآن أن جيل الريادة قد رحل معظم أعضائه ولم يتبق لنا الآن إلا رائدان كبيران هما أدونيس وحجازي وعلينا أن نهتم بهما اهتماما بالغا حتى نتخلص من هذا الموروث الثقافي الذي يدفعنا دائما إلى البكاء على الموتى، نحن نريد أن نحتفي بالأحياء قبل أن نبكي على موتانا، ورحم الله نازك الملائكة التي ماتت منذ سنوات طويلة موتا تقديريا واليوم ترتفع روحها إلى السماء لأنها قصيدة جميلة لكنها قصيدة خالدة لن تغيب.
الشاعر حميد قاسم:
هكذا، أخذ الموت (بوصفه حقيقة مطلقة)، نازك الملائكة، واستُردت الوديعة، ليتوارى طائر آخر، على حد وصف الشاعر العراقي الراحل “عقيل علي” بل توارى آخر الطيور في سرب أنجز مفصلاً مهماً في تاريخ الشعر العربي، ان لم أقل المفصل الأهم منذ أبي تمام وأبي نواس، ضمن مشروع التحديث في شعرنا العربي. اذ كانت هذه الشاعرة أكثر رواد حركة الشعر الحر “التفعيلة” جرأة، وموهبة، و”التباساً” كذلك، واعني الالتباس الذي سيفسر للدارسين مواقفها اللاحقة من جوهر التحديث، ومما اسهمت هي في تأسيسه وريادته، والتنظير له تظل نازك الملائكة في تقديري الرائد الأهم في الحركة التجديدية التي شهدها شعرنا منتصف اربعينات القرن الماضي، غير أن انشغالها بالدرس الأكاديمي، وتراجعاتها الخطيرة عن هذه الحركة واساسياتها بروح “محافظة” لم تمنح الملائكة حقها من الشهرة والدراسة قياساً بزميلها بدر شاكر السياب، انها موهبة ظلمت كثيراً، ولم تنل ما تستحق من الاهتمام.
الشاعر كريم معتوق: أول ما أذكر من الراحلة الكبيرة نازك الملائكة بعيداً عن الصراعات التي قرأناها حول ريادة الشعر العربي الحر، هو عندما قرأتها في الجامعة كشاعرة تخصصت بلغة الموت اسماً ومعنى، حتى انك تستطيع أن تشم رائحة الموت في أسماء قصائدها ودواوينها، بدءاً من أول قصيدة لها في العام 1947 وهي “الكوليرا” مروراً ببقية نتاجها الشعري الذي امتد لأكثر من أربعين عاماً.
بحق هي الشاعرة العربية الاستثناء بين الشاعرات العربيات في العصر الحديث، حيث لم يختلف النقاد ولا الشعراء والباحثين والدارسين في الشعر العربي حول أهميتها ومكانتها الشعرية، وأتذكر أيضاً كيف أطلق على عائلتها لقب الملائكة، حين أقامت مع والديها واخواتها سعاد ولبنى وسها في بغداد، وأطلق عليهم أهل الحي عائلة الملائكة، لأنهم لم يسمعوا لهم صوتاً ولا ضجيجاً أو ازعاجاً أو شكوى، فلقبوهم بعائلة الملائكة.
أما نازك بشعرها فقد كانت دائماً قريبة من ملك الموت حيث حاورته وعاتبته طوال الثمانين عاماً ونيف التي عاشتها، ولكنه أمهلها ليزيد من غربتها عن بغداد، ولتعيش حزينة على ما آل إليه الحال في العراق من مآس وتمزق واختلاف واحتلال. ونسأل الله الرحمة لشاعرة الأمة العربية في العصر الحديث.
الناقد د. صالح هويدي: “يأتي حادث وفاة الشاعرة الرائدة نازك الملائكة ليضيف مبدعة جديدة إلى قائمة المبدعين العراقيين الذين يموتون في هذه الأيام إما قتلاً أو إهمالاً أو كمداً في الداخل والخارج. وعلى النحو نفسه من المصير التراجيدي المذل الذي حاق بمبدع رائد كبير كبدر شاكر السياب حين مات خارج أرضه مخذولاً مهملاً معزولاً، لم يشيع جثمانه إلا نفر لا يتعدى عددهم أصابع اليد الواحدة، تموت زميلته في الريادة الشعرية واجتراح طريق جديد للشعر العربي، بعد أن ظلت تصارع الموت سنوات طويلة من دون أن ينتشلها أحد أو يمد لها يد العون في أزمتها لترسم بذلك صورة محزنة لهذا الثنائي الاستثنائي الذي تحتفي أمم العالم المتقدم برموز ربما أقل منهما شأناً وتأثيراً في مسيرة الأدب والإبداع العربي. في مثل هذا الحدث الفاجع لا يملك المثقف إلا أن يوجه الدعوة الصادقة للمثقفين والمفكرين والأدباء العرب لتأمل ما وصلت إليه حال الأمة من تدهور وخراب. وما آل إليه حاضرها من تأزم وتراجع، وموقفها من بنيها ولا سيما المثقفين منهم الذين يدفعون الثمن مضاعفاً لفرط حساسيتهم وعمق إدراكهم ولتطلعهم الدائم إلى تجاوز واقعهم وامتلاك إرادتهم لتحقيق غد يليق بالإنسان العربي ويحقق للمبدع الكرامة التي تليق بمنجزه ودوره وطموحاته.
رحم الله الفقيدة الرائدة، فقد كانت شاعرة وناقدة مثقفة شغلت الوسط الثقافي بمواقفها وأفكارها، وأسعدت نفوس قرائها بنصوصها الشعرية ذات المسحة الرومانتيكية الشجية”.

داليا الهواري
23-06-2007, 01:33 AM
الكوليرا
كانت قصيدتها “الكوليرا” التي نشرت في العام ،1947 أول قصيدة تنتمي الى الشعر الحر في الأدب العربي، والتي استكملت بعدها مشروعها كرائدة للشعر الحر من خلال ديوانها الأول “عاشقة القمر” الذي صدر في العام 1947. وفي ما يلي نص القصيدة:
سكن الليل،
اصغ إلى وقع صدى الأنات
في عمق الظلمة، تحت الصمت على الأموات
صرخات تعلو، تضطرب
حزن يتدفق، يلتهب
يتعثّر فيه صدى الآهات
في كل فؤاد غليان
في الكوخ الساكن أحزان
في كل مكان روح تصرخ في الظلمات
في كل مكان يبكي صوت
هذا ما قد مزقه الموت
الموت الموت الموت
يا حزن النيل الصارخ مما فعل الموت
طلع الفجر.
أصغ إلى وقع خطى الماشين
في صمت الفجر، اصغ، انظر ركب الباكين
عشرة أموات، عشرونا
لا تحص اصخْ للباكينا
اسمع صوت الطفل المسكين
موتى، موتى، ضاع العدد
موتى، موتى، لم يبق غد
في كل مكان جسد يندبه محزون
لا لحظة إخلاد لا صمت
هذا ما فعلت كف الموت
الموت الموت الموت
تشكو البشرية تشكو ما يرتكب الموت
الكوليرا
في كهف الرعب مع الأشلاء
في صمت الأبد القاسي حيث الموت دواء
استيقظ داء الكوليرا
حقداً يتدفق موتورا
هبط الوادي المرح الوضاء
يصرخ مضطرباً مجنونا
لا يسمع صوت الباكينا
في كل مكان خلف مخلبه أصداء
في كوخ الفلاحة في البيت
لا شيء سوى صرخات الموت
الموت الموت الموت
في شخص الكوليرا القاسي ينتقم الموت
الصمت مرير
لا شيء سوى رجع التكبير
حتى حفار القبر ثوى لم يبق نصير
الجامع مات مؤذنه
الميت من سيؤبنه
لم يبق سوى نوح وزفير
الطفل بلا أم وأب
يبكي من قلب ملتهب
وغداً لا شك سيلقفه الداء الشرير
يا شبح الهيضة ما أبقيت
لا شيء سوى أحزان الموت
الموت، الموت، الموت
يا مصر شعوري مزقه ما فعل الموت

الحنين
23-06-2007, 08:11 PM
الزائر الذي لم يجيء

ومر المساء ، وكاد يغيب جبين القمر
وكدنا نشيع ساعات أمسية ثانية
ونشهد كيف تسير السعادة للهاوية
ولم تأت أنت … وضعت مع الأمنيات الأخر
وأبقيت كرسيك الخاليا
بشاغل مجلسنا الذاويا
ويبقى يضج ويسال عن زائر لم يجيء
وما كنت اعلم انك ان غبت خلف السنين
تخلف ظلك في كل لفظ وفي كل معنى
وفي كل زاوية من رؤاي وفي كل محنى
وما كنت اعلم انك أقوى من الحاضرين
وان مئات من الزائرين
يضيعون في لحظة من حنين


لحن النسيان

لم يا حياه
تذوي عذوبتك الطرية في الشفاه
لم ، وارتطام الكأس بالفم لم تزل
في السمع همس من صداه
ولم الملل
يبقى يعشش في الكؤوس مع الأمل
ويعيش حتى في مرور يدي حلم
فوق المباسم والمقل
ولم الإثم
يبقى رحيقي المذاق ، اعز حتى من نغم ؟
ولم الكواكب حين تغرب في الأفق
تفتر جذلى للعدم ؟
ولم الفرق
يحيا على بعض الجباه مع الأرق
وتنام آلاف العيون إلى الصباح
دون انفعال أو قلق

إنها الشاعرة الكبيرة التي منحتنا قصائدها الجميلات ثم غابت عنا بعيدة منسية مريضة في بيت من بيوت القاهرة ، فمن نحن يا ترى ؟ ولماذا نتنكر لمن احسن الينا ؟ الا نحن لمن أعطانا حلاوة الشدو وترنيمة الأغاني ، فأطربنا بعطائه ثم غاب عنا مضطرا وحيدا غريبا مجروحا.

إلى رحمة الله

داليا الهواري
23-06-2007, 08:54 PM
إنها الشاعرة الكبيرة التي منحتنا قصائدها الجميلات ثم غابت عنا بعيدة منسية مريضة في بيت من بيوت القاهرة ، فمن نحن يا ترى ؟ ولماذا نتنكر لمن احسن الينا ؟ الا نحن لمن أعطانا حلاوة الشدو وترنيمة الأغاني ، فأطربنا بعطائه ثم غاب عنا مضطرا وحيدا غريبا مجروحا.

هل يمكن للجميلين أن يعيشوا في هذا الزمن البائس؟ عن ذلك العمر، نعتبر أنها عاشت اكثر ما استطاعت لهذا رحيلها الهادئ و الصامت كان القصيدة التي نجيد قراءتها اليوم، حين نعترف جميعنا أن نازك الملائكة كانت هي نفسها القصيدة و هي الجمال و النخيل و الشعر أيضا.. و كما يقول
"هنريك ابسن" الشاعر الجميل هو الوحيد الذي يظل بين حنايا كلامنا اليومي لأننا نحبه عن جمال..

شكرا لك الحنين على الإضافة الرائعة.. حياك الله

شن
23-06-2007, 10:04 PM
داليا !!

أيتها المرأة النازكية !

هل تتكرمين وتحيلين هذا المتصفح إلى سوق مجاني لكتب ودوواوين نازك !

هل تفعلين ؟

وسأظل أتلو شكرك حتى تموت تلك القصائد .. ولن تموت


شن

داليا الهواري
24-06-2007, 11:22 PM
داليا !!

أيتها المرأة النازكية !

هل تتكرمين وتحيلين هذا المتصفح إلى سوق مجاني لكتب ودوواوين نازك !

هل تفعلين ؟

وسأظل أتلو شكرك حتى تموت تلك القصائد .. ولن تموت


شن

شكرا شن.. أنا فعلا أسعى إلى أن يكون هذا المتصفح للراحلة نازك الملائكة، لمسة متواضعة منا تليق بهذه المرأة الكبيرة، رحمها الله
مشكور على التعقيب الطيب، و لن تموت القصائد قطعا، إنها كما النجوم تظل تضيء ليلنا القاتم
حياك الله
:g:

داليا الهواري
25-06-2007, 05:39 AM
شجرة القمر
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=420

غرباء
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=450

إلى العام الجديد
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=446

أغنية الهاوية
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=443

أغنية حب للكلمات
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=422

خمس أغان للألم
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=421

بين قصور الأغنياء
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=68204

داليا الهواري
25-06-2007, 05:40 AM
يتبـــــع

vsd
27-06-2007, 12:15 AM
تعاليق جميلة و لمسات راقية في تأبين الشاعرة العظيمة

رحم الله نازك

تحياتي للجميع

emana32
28-06-2007, 11:57 AM
داليا مجهود رائع منك ...رحم الله نازك و اسكنها فسيح جناته ...شكراااا لكى

داليا الهواري
29-06-2007, 12:17 AM
تعاليق جميلة و لمسات راقية في تأبين الشاعرة العظيمة

رحم الله نازك

تحياتي للجميع


يعطيك ألف عافية ع المرور

داليا الهواري
29-06-2007, 12:18 AM
داليا مجهود رائع منك ...رحم الله نازك و اسكنها فسيح جناته ...شكراااا لكى


الشكر موصول على المرور الطيب
حياك الله دائما

الحنين
29-06-2007, 12:54 PM
رحيل الملائكة: مرثية للعراق

ليْسَ غريبا عنّا أخبار الموت، ربما لأنّنا شعوب تفوقت في تصدير الموت إلى القارات الأخرى. شاشات أخبارنا كل يوم تتلون بالدماء وبأسماء من قد ماتوا قتلاً أو حرقاً أو غرقاً في "أنهارٍ باردةٍ". ليْسَ غريبا عنّا كل أخبار السدود التي كانت توضع على الأنهار لتمنع تدفق الحياة. فأصبحت توضع بين البشر في المدن لتفصل الإنسان عن الإنسان، وكأننا نعيش في حدائق الحيوان! ويا ليتَ قومي يعلمون أنّ الأنهار أجمل حينما تجري بلا سدود كما العصافير أجمل حينما تغرد بلا أقفاص. وليْسَ غريبا عنّا الانفجارات والسيارات المفخخة بالنار. وليْسَ غريبا عنّا أن أطفالنا في الأعياد يستهوون اللهو بالألعاب النارية، التي لا فرق بينها وبين القنابل والصواريخ في سماوات أخرى. وليْسَ غريبا عنّا فتاوى الموت والتّكفير وسفك الدماء، لأن الدماء أصبحت في "بلاد العرب" أرخص من ثمن علبة "البيبسي" و"الكوكاكولا"!
ليْسَ غريبا كل هذا الموت! لكن الغريب هو موت الشاعر فينا، فكم سنة نحتاج كي ننتظر ولادة شاعر وشاعرة حقيقية؟ قد تمر عشرات السنين بل أكثر دون ولادة! لذا يصبح رحيلهم أصعب، وموتهم يثير الحزن. بالأمس رحلت نازك الملائكة الشاعرة المتألقة أسى ووجدا، لقد رحلت على الرغم من أنها اختارت منذ وقت ليس بالقصير أن تنأى بنفسها غريبة عنّا، وبقيت كتاباتها التي كتبتها في أزمان بعيدة هي خيط الوصل، ربما لأنها قررت أن تنأى بنفسها عن هذا العالم المجنون، وهي التي كانت طفلة حالمة رومانسية، ربما لأن الحياة في القصائد تبدو أجمل.
قبل مدة وجدت مخطوطة أولية لسيرة نازك الملائكة الذاتية بقلمها، والمتأمل في سيرتها سيكتشف سر عزلتها الأخيرة، ففي ولادة نازك ملامح كثيرة من موتها، وصمتها وأنطوائيتها في الصغر تشبه عزلتها بعيداً عن الأضواء في منفاها الأخير. لكن الذي لا يختلف فيه اثنان هو حينما قررت نازك أن تخرج عن هذا الصمت، تكلمت وكتبت بأجمل ما جاء في الشعر، فكانت ولادة الشعر الحر، وليس العبرة هنا بقصيدة كما تقول نازك غير متساوية الأشطر، بل العبرة بروح القصيدة، والروح التي ساهمت في ولادتها والخروج عن الشكل المألوف، كما أن ولادتها كانت تتزامن مع تبعات سلسلة أحداث ثورة رشيد الكيلاني. الكثير ممن يدعون كتابة الشعر الحديث حالياً لا يفقهون روح الثورة في القصيدة الحرة التي جاءت بها نازك الملائكة! هذه الثورة عند نازك لم تكن مجرد كلمات، بل كانت صوتا وفكرا وأسلوب حياة، والمتتبع لمسيرتها وإنجازاتها في الحياة سيدرك ما معنى أن تتجسد القصيدة في إنسان.
أحد الأسرار الجميلة التي اكتشفتها عن نازك في سيرتها الذاتية، هو عداؤها في الطفولة لمعلمات اللغة العربية! وهي من الأسرار التي أتقاسمها مع نازك. لقد رحلت نازك الملائكة ولا يسعني أن أكتب الكثير، ربما لأنني أتطلع إلى أن أقرأ المزيد عن سيرتها الذاتية، وأتساءل ماذا كانت لتقول عن صخب عالمنا المجنون؟ ماذا كانت لتقول اليوم عن العراق وفلسطين ولبنان؟ ولماذا فضلت الموت بصمت؟! ربما تراها اختارت أن تحزم كلماتها ومشاعرها داخل قصيدة وتمضي.
هذا ليْسَ بتأبين لنازك الملائكة، وإنما مرثية للعراق! إلى أولئك الذين يتفنون في صناعة الموت، اصنعوا لنا شاعرا واحدا في مقابل كل هذا الموت، أو على أقل تقدير أعطونا قصيدة واحدة حتى لو كانت مكسورة بلا وزن وبلا قافية، ودعوا لنا الحياة، امنحونا كلمات جميلة نتذكركم بها، وسنغفر لكم هذا الدمار، وسنرمم آثار الحطام، لأن ولادة الشاعر هي ولادة الحياة، لأن الشاعر يؤرخ للجمال والإبداع، لأن الشاعر موسوعة للإنسانية، لأن الشاعر ذاكرة الأمة، الشاعر هو التاريخ، كما كان قديماً الشعر هو ديوان العرب. فلماذا رحيل "الملائكة" يذكرني "بحضورهم"؟!

ميرا الكعبي

علي الزهراني
29-06-2007, 07:43 PM
اني احبك نابضاً ، متحركاً

كالطفل، كالريح العنيفةِ كالقدر

عطشان للمجد العظيم فلا شذى

يروى رؤاك الظامئات ولا زهر


كم احببتهـا

داليا الهواري
04-07-2007, 01:29 AM
نازك الملائكة
1923 -
تعتبر نازك الملائكة شاعرة العراق الاولى في القرن العشرين ، وربما يمكن اعتبارها ايضاً اهم الشاعرات العربيات نظراً لتميز وجمال اعمالها الشعرية ونزعتها التجديدية. وقد اثار كتابها قضايا الشعر المعاصر ضجة نقدية كبيرة منذ صدوره عام 1960 وحتى الساعة اذ دعت فيه الى التجديد في اوزان وقوافي القصيدة العربية بحيث تبيت اكثر مرونة، وان بقت القصيدة موزونة ومقفاة.
باستثناء الشعر ، كتبت نازك العديد من الاعمال النقدية والاجتماعية ، وصدرت لها اخيراً مجموعة قصصية بعنوان الشمس التي وراء القمة . اما مذكراتها ، فهي لم تنشر حتى الان ، ونحن عثرنا بمساعدة اسرتها على الجزء الاول منها ، وهو يتناول اعوام الطفولة والمراهقة. نختار هنا الجزء الذي يتناول حياتها الدراسية في مدارس العراق خلال اواخر الثلاثينات حتى اواسط الاربعينات.

داليا الهواري
04-07-2007, 01:31 AM
من قصة حياة

الطفولة الاولى : 1923 - 1930
بغداد في منتصف ليلة من ليالي 1923 … وتحت الليل تمتد المدينة المظلمة العتيقة مغرقة في وسن عميق ، لا يقطعه الا صوت الحرس المتعبين وهم يسيرون ببطء وضجر في أزقة المدينة المتلوية الضيقة ، التي تكاد تكون مظلمة لولا اضواء الفوانيس القليلة التي كانت مبعثرة في الطرق على غير نظام.
وكانت الليلة حارة خانقة ، فلاذ الاهلون منها بالنوم ، واووا الى سطوح البيوت لائذين بالنسيان والتشاغل ، وقد زاد الظلام عمقاً ورهبة ان القمر كان في المحاق فقد كانت الليلة آخر ساعات شهر ذي الحجة من السنة الهجرية.
ولكن بيتاً واحداً من بيوت محلة العاقولية ببغداد كان مستيقظاً ، تتعالى فيه الهمسات والتأوهات ، وتسمع في ابهائه اصوات اقدام السائرين ، وتخفق في ظلماته اضواء الفوانيس اليدوية .. وفي احدى الغرف الواسعة تعالى صراخ طفلة سمراء ليس في وجهها اية علامة من علامات الجمال او الذكاء ، شهدت الوجود اول مرة هذه الساعة.
بكت الطفلة وهي تمس ارض الوجود اول مرة ، وبقيت تبكي بكاء صارخاً طويلاً بلغ سمع ابيها الذي كان ينتظر نبأ قدومها بلهفة في غرفة مجاورة..ودخلت فتاة يبدو عليها التعب وقالت وهي تلتقط انفاسها "فتاة ..طفلة..لا تبتئس على كل حال ..المهم صحة والدتها .."
وخرجت ناقلة الخير: وساد الغرفة سكون عميق انقطع بعد لحظات وتعالى صوت دقات ساعة بعيدة، طالما دوت فسمعتها المدينة كلها..دقات ساعة "الفشلة" في بغداد . وأصغى الشاب الجالس في الغرفة وأحصى الدقات ثم همس في نفسه : الساعة الثانية عشرة تماماً .. .. منتصف الليل.! والان تبتديء الحياة فصلاً جديداً وعاماً جديداً.. الان يولد عام 1342 الهجري وبمولده ولدت هذه الطفلة .. ابنتي الاولى" . وفي صباح اليوم التالي كتب في مفكرته :
"يوم الأربعاء 30 من ذي الحجة 1341 قبيل منتصف الليل بخمس دقائق ولدت ابنتي نازك."
…….
الأب رجل عملي واقعي مغرم باللغة العربية ودراسة الفقه والمنطق والشعر والام فتاة يافعة لم تبلغ بعد السن الصالحة للأمومة ، مغرمة بقراءة القصص وسير الابطال والشعر العذري . الاب في الثامنة والعشرين من عمره ، والام في الرابعة عشرة!
وقد كان لهبوط بطلة هذه القصة الحياة هزة فرح عميق في انفس الوالدين واسرتيهما ، وان كان فرحهم قد قوطع مراراً بالدموع والصرخات البغدادية التي تتعالى عادة في شهر محّرم ، فقد شاء القدر ان تولد فتاتنا ليلة محرّم ، وكانت الأسرة تحتفل كل عام بهذه الذكرى بأقامة مأتم نسوي فلا عجب ان تستقبل الطفلة بالدموع ، فكان صباحها الأول في الوجود مقترناً باصوات النساء الباكيات.
ولكن هذه المظاهر من الحزن التقليدي لم تمنع من الفرح بلقاء الطفلة ، بل كان السرور شاملاً عاماً ، فوزعت الحلوى وعقر خروف وزع لحمه على الفقراء وتعالت الزغاريد والأغاني ، وكنت الأب قصيدة يحيي بها طفلته ويؤرخ مولدها بهذا الشطر : "نازك جاءت في زمان السرور".
وكانت قصة اختيار هذا الاسم التركي لتسمية الطفلة انها ولدت عقب الثورة التي قادتها الثائرة السورية "نازك العابد" على السلطات الفرنسية . وكانت الصحف اذ ذاك تطفح بانبائها ، فرأى جد الطفلة ان تسمى نازك اكراماً للثائرة وتيمناً بها وقال : "ستكون ابنتنا نازك مشهورة كنازك العابد ان شاء الله."



بلغت نازك اوائل الخامسة من عمرها ، وحان أوان دراستها ، واستقرت نية ابويها على ان يدخلاها احدى رياض الاطفال ، واختارا الروضة التابعة لابتدائية المركزية في العاقولية.
وفي ذات صباح اقتيدت الطفلة الى المدرسة ، ودخلت بها امها وخالتها البناية الكبيرة وقالت لها امها : "نازك ! هذه مدرستك..اذهبي والعبي مع الاطفال ولا تنفردي ." وسرعان ما تركتها وانصرفت ووقفت بطلتنا الصغيرة تحدق في الاوجة الضاحكة المحيطة بها وتحس بغربة مؤلمة. اين تذهب؟ ماذا تفعل؟
وتلفتت حولها محزونة. آه لو لم تذهب امها وتتركها اذن لتوسلت اليها ان تاخذها معها الى البيت ! ولكن الا يجوز ان تتبعها الآن؟ تجري وراءها صائحة : "ماما .. لا اريد اليقاء هنا!!"
وركضت فجأة بقوتها كلها ، وسقطت في الطريق عاثرة بصخرة كبيرة على الارض ، ولكنها تحاملت على نفسها ونهضت تجري نحو باب المدرسة وما كادت تخطو الخطوة الاولى حتى برز لها رجل خشن طويل وصاح : "الى اين؟ الخروج محظور .. ارجعي حالاً."
ولم تفهم نازك معنى هذا .. وما دخله هو ؟ وماذا يريد منها؟ "دعني اذهب . لقد ذهبت امي وتركتني. اريد ان اذهب." فصرخ بها : "انك هنا حتى ياتي الخادم لاستلامك. أذهبي والعبي."
وقفت الطفلة الان مصدومة وفي نفسها احساس طائر يحبس في قفص اول مرة . وانفجرت فجأة في بكاء صارخ دام طويلا ً.. ولم تنتبه الا على صوت لطيف يقول: "لماذا تبكين ياصغيرتي؟" وتكلم الرجل الخشن الطويل الآن قائلاً : "ست الينور .. هذه الطفلة قد جاءت بها امها منذ قليل وهي تريد الخروج." وفي اللحظة التالية كانت نازك محمولة، وبعد دقائق كانت في الصف بين عشرات من الاطفال…
وانطوى يوم وثان وثالث.. ..ومرت الايام فاعتادت بطلتنا سجن المدرسة ولم تعد تبكي.
------
لم تجد طفلتنا في المدرسة صديقاً غير نفسها ، فقد كانت خجولاً هادئة تنفر من الاطفال. وقد زادها هرباً منهم وانطواءً على نفسها انهم كانوا يعتدون عليها بالدفع والضرب وغصب الحقوق، وكان بعضهم لا يقصد الى ايذائها ، وانما يودون ان يستثيرونها الى الاختلاط بهم واللعب معهم فتحسب هي ذلك عدواناً وتهرب بعيداً عنهم ، وقد مضت اشهر طويلة على هذا حتى اكتشفته المدرسّة يوماً فحاولت اولاً استعمال طرقها الخاصة..
حملت الطفلة في احدى الفرص الى غرفتها واجلستها وقدمت لها علبة الشكولاتة فأبت ان تأكل واصرت .. وحاولت معلمتها ان تجعلها تتكلم فلم تنجح ، وبقيت الطفلة مغلقة فمها بصرامة .. فاعادتها الى الصف واستدعت خالتها وحدثتها بملاحظاتها..
وفي ذلك المساء عادت نازك الى البيت فوجدت الانباء قد سبقتها ، فالام ثائرة والأب يلوم المدرسة . ونوديت الصغيرة وقالت لها امها : ايتها الحمقاء. لماذا لا تلعبين مع الاطفال؟ اانت حجر!!" ولامتها لوماً عنيفاً وسمتها "مسخوطة" أي "متوحشة"!! اما بطلتنا فقد احست انها مظلومة متألمة حائرة! وفي اليوم التالي زادت انطواء على نفسها في المدرسة.
ومن الذكريات التي تركت اثراً في نفس نازك انها كانت ذات يوم تسير شاردة في الساحة الخلفية للمدرسة ، تحدق امامها دون ادراك فمرت بها طفلة ضخمة – او هكذا خيل اليها – ووقفت امامها لحظة ثم اسلمتها اقلاماً كثيرة ومنديلاً وكتباً وقالت باختصار : "احفظيها حتى اعود!" وذهبت .. اما نازك فقد وقفت حائرة تحدق في ذلك الحمل الثقيل ولا تفهم . واختل توازنها فجأة وتبعثرت الاشياء على الارض ..وفي تلك اللحظة عادت الطفلة فلما رأت ما حدث صرخت بنازك ولكمتها وصفعتها وجمعت اشياءها بسرعة واختفت في زحام الاطفال قبل ان تفيق طفلتنا من ذهول المفاجأة.
واصرت نازك باسنانها على شفتها السفلى وأبت ان تبكي . الا ان عينيها دمعتا. وكان المراقب الوحيد لهذا الحادث طفل يقف بالقرب من نازك فأقترب منها وقال لها : "لماذا لم تضربيها؟ لماذا تركتيها تلكمك وانت ساكتة؟ لو كنت انا محلك لاشبعتها ضرباً!" ولكن نازك لم تجب ولم تفكر فيما قال ..بل سارت الى الامام .. وكانت في تلك اللحظة تعتقد ان الاطفال جميعاً شياطين . وقالت لنفسها : لو كنت انا محلها أكنتُ اضربها؟!" ووجدت نفسها تصرخ" لا! لا!" وقالت فجأة لنفسها : "انني خير منها.. آه لو عرفت امي هذا الحادث.." وادركت حالاً ان امها لا يجب ان تعرفه..وقررت الكتمان! ونشأت على ممر الايام في نفسها عقدة متعبة سببها هذا الحادث (السري الخطير!!).
وفي ذلك اليوم نفسه تعرفت نازك اول مرة الى تلٍ من الرمال الرطبة في الساحة ، فقد فكرت ادارة المدرسة في استعمال الرمل للعب الاطفال وتسليتهم . وسرعان ما جلست فوقها وراحت تبني منه قصور الخيال ومدن الاحلام التي وصفتها فيما بعد في ملحمتها "مأساة الحياة" يوم قالت:
لم يزل مجلسي على تلي الرملي يصغي الى اناشيد امي
لم ازل طفلةً سوى انني قد زدت جهلاً بكنه عمري ونفسي
ليتني لم ازل كما كنت قلباً ليس فيه الا السنا والنقاء
كل يوم ابني حياتي احلاماً وانس اذا اتاني المساء
ايه تل الرمال ماذا ترى ابقيت لي من مدرسة الاحلام
انظر الآن هل ترى في حياتي لمحة غير نشوة الاوهام؟
آه ياتلُّ ها أنا مثلما كنت فأرجع فردوسي المفقودا
أي كف اثيمة سلبت رملك هذا جماله المعبودا
كنت عرشي بالامس ياتلي الرملي والآن لم تعد غير تلّ
كان شدو الطيور رجع اناشيدي وكان النعيم يتبع ظلي
وقد كان ذلك التل عرشاً لنازك حقاً ، عرش الشعر والخيال ، فقد بدأت منذ عرفته تستغرق في الاحلام الجميلة . ولذلك ترك في نفسها اعمق الاثر وكان المظهر الاول من مظاهر شاعريتها.
وجدت الشاعرة الصغيرة في الرمل صديقاً يغني عن صداقة الاطفال المؤذية التي تُضرب من اجلها ، وكان هذا الصديق يمتعها كل الامتاع ويوسع امامها آفاق الأحلام . الا انها ذات يوم كرهته وتركته متضجرة . فقد حدث في ذلك اليوم ان جمعت "الفراشة"[1] الاطفال عند التل وراحت تقص عليهم قصة قبيحة نفرت منها مشاعر بطلتنا الطفلية البريئة . وكانت تتكلم بلغة ابناء الطرق فيضحك الاطفال ويصفقون دون ان يفقهوا اما نازك فقد احست بضجر خانق لم تعرف سببه. نهضت وتركت عرشها الصغير مكرهة وانطبعت صورة تلك الفراشة في ذهنها انطباعاً كلياً ، وهي ما زالت تتذكر شكلها حتى اليوم فهي " امرأة طويلة سمراء ضئيلة الوجه صغيرة العينين ترتدي السواد ابداً ولها سن من ذهب في الناحية اليمنى من فمها.. .." وعلى مرور الزمن اصبحت نازك تكره كل انسان في فمه اسنان من ذهب ، لان فكرة الشر والجهل التي تجسمت في تلك المرأة ، قد اقترنت بالسن الذهبي!
……….
وكان لبطلتنا في المدرسة صديق آخر غير تل الرمال ، وهو اللقلق الذي يتخذ عشه على المنارة القريبة.وكان هذا اللقلق يثير في نفسها مشاعر كثيرة وهو يصّوت بمنقاره ذلك التصويت الغامض وهي ما زالت تتذكر حتى الان نوع احساسها تجاهه ، بل ما زال صوته يستحيي في نفسها انطباعات مجهولة لعهد باهت من حياتها الاولى فكلما سمعت صوته انبثقت في ذهنها صورة مطموسة المعالم ليوم بعيد جداً كسفت فيه الشمس كسوفاً كلياً بعد الظهر فانقلبت المدرسة الى عويل صارخ من عشرات الاطفال ، ووقفت هي تبكي مع الباكين وتصغي الى صوت اللقلق الذي لم تعد تراه تحت الضباب والظلام .
وكانت تقضي فترات الظهر شاردة في الساحة الخلفية هاربة من اعين المعلمة المقاربة ، فقد كان النظام في المدرسة ان ينام الاطفال ساعةً ظهر كل يوم ، ثم تتابع الدروس فيما بعد ، وكانت هناك قاعات كبيرة مجهزة بكراسي مستطيلة من الكتان السميك معدة لنوم هذه المئات من الصغار ، وكانت بطلتنا تكره النوم نهاراً .. فتمضي تهيم في الساحة بذلك الشرود الغريب الذي كان يلازمها في طفولتها . وكانت في الغالب تصاد وتقاد الى القاعة الهادئة وتؤخذ الى سريرها الذي يحمل رقمها وهناك كانت المراقبة تطلب اليها ان تخلع حذاءها وتستلقي وتغمض عينيها حالاً : ولكن بطلتنا كانت تلتذ بمراقبة الاطفال الهاجعين ، فتتظاهر بالنوم حتى تبتعد المراقبة واذ ذاك تفتح عينيها وتروح ترقب ما حولها وتصغي الى صوت المراوح الكهربائية في المكان الهاجع ، وكثيراً ما كانت تقارن في ذهنها الصغير بين هذه المراوح ، والمروحة العملاقة المعلقة في سقف السرداب الكبير في البيت.
اما التمرد فقد كان طبيعة فيها منذ طفولتها .. كانت عنيدة متمسكة بآرائها الى حد يضايق معلماتها وابويها ، وكانت في نفسها مقدرة على الكتمان والصمت تندر في الاطفال ، وكان من مظاهر تمردها في المدرسة انها لا تكلم احداً ، ولا ترضى ان تنام ، وانها ابت اباء تاماً ان تمر بالصف الثاني "الاخضر" في الروضة . اما تفصيل هذا الحادث الاخير فهو ان سنوات المدرسة في الروضة كانت ثلاثاً ، الاولى منها يقضيها الطفل في الصف "الاحمر" ، والثانية في "الاخضر" والثالثة في "الازرق". وقد انتهت بطلتنا من الاحمر وفي السنة التالية اجتمع اطفال الصف الاخضر ومعهم هي ، ولكنها غافلت المعلمة وخرجت ببرود وبساطة الى الصف الازرق! وحين جاءت المعلمة وجدت طفلة تحمل شارة خضراء في الصف الازرق فاعادتها بلطف الى صفها ، ولكن الطفلة المتمردة ابت الرضوخ وعادت في اليوم التالي الى الصف الازرق ، وتكرر الحادث، ولم ينته الامر الا حين عثرت نازك على شارة زرقاء في الساحة فوضعتها على صدرها والقت بالخضراء في الرمل ، وبقيت في الصف الازرق!
ولم تفهم نازك هذا الحادث الغريب مطلقاً .. لم تفهم كيف تخرجت في سنتين بدلاً من ثلاث دون ان تعترض ادارة الروضة.

داليا الهواري
04-07-2007, 01:32 AM
الفترة الثانية: 20 ايلول 1930 - 1934
انتهت الدراسة في الروضة ، وانتقلت نازك الى الصف الاول من الابتدائية المركزية للبنات وهنا نقف لحظة لنتحدث عن حياتها الجديدة .
نازك الملائكة في الصف الاول على عتبة الدراسة الحقيقية ، وهي اذ ذاك طفلة في السادسة من عمرها سمراء نحيلة الجسم ، سوداء الشعر والعينين لا تعني بهندامها وعبثاً تحاول والدتها ان ترغمها على المحافظة على ترتيب شعرها وملابسها. وفي اليوم الأول من السنة اصطفت التلميذات في صف طويل كانت هي في راسه وسرن الى الصف ، وهنا جاءت المعلمة الرقيقة "الانسة مديحة كامل" واجلست تلميذاتها الصغيرات فكان مكان نازك في اول الصف عند الباب على رحلة واحدة مع طفلتين سمراوتين صغيرتين.
نازك . كاملة . ماجدة .. هذه الاسماء الثلاثة قد كتب لها ان ترتبط سنة كاملة في صداقة طفولية جميلة كانت هي اول صداقة عرفتها خارج البيت. كانت ماجدة تجلس في الوسط بينها وكاملة وكانت بدينة شديدة السمرة ، لم تكن طباعها تنسجم كثيراً مع الاخرين فهي اجتماعية وقد تعتدي بالضرب على الطفلة التي لا تروقها ، اما كاملة فقد كانت اقرب الى نفسية نازك لانها صغيرة ، منزوية ، تعيش في نفسها اكثر مما تعيش مع الاخريات ، ومع ذلك فقد انتظمت الزميلات في عقد واحد واصبح ما للواحدة منهن للاخرين كذلك.
وقد حدث ذات يوم ان غضبت المعلمة على تلميذاتها فطلبت اليهن ان يجلسن خاشعات لا يتحركن . وقد حدث اذ ذاك ان مدت ماجدة يدها في جيبها فاخرجت مشطاً صغيراً وراحت تعدل به شعرها فصرخت بها المعلمة: "لماذا تحركت؟" سيكون عقابك ان تستمري في التمشيط الى آخر الدرس." وضحكت طفلة فوضعت رأسها على الرحلة فكان عقابها ان يبقى رأسها على الرحلة .
وكان من سوء حظ نازك اذ ذاك انها كانت ذاهلة مغرقة في النظر الى صورة معلقة على الجدار فلم تفطن الى العقوبات الغريبة التي نزلت بزميلاتها ، وقد حذث اذ ذاك ان سقط قلمها على الارض فدخلت بجسمها الصغير تحت الرحلة لتخرجه واذ ذاك ارتفع صوت المعلمة وقالت بحدة: "نازك! ابقي كما انت تحت الرحلة!"
وكانت ضربة مؤلمة..انفجرت لها الطفلة في بكاء صارخ ، لم يكن سبب بكائها انها لم تجن ذنباً فحسب وانما آلمها ان تاتيها العقوبة من هذه المعلمة الرقيقة التي طالما عاملتها بلطف ومدحتها امام اهلها وزميلاتها ! وكيف يجوز ان ترضى هذه المعلمة اللطيفة بمعاقبة نازك؟ كيف تسمح لنفسها ان تبقيها تحت الرحلة الى نهاية الدرس؟
ارتفع بكاء الطفلة حتى امتلأ به جو الفصل ، واذ ذاك انحنت المعلمة ورفعتها فاجلستها على الرحلة ، ولكنها كانت قد انتقلت الى مرحلة العصبية والثورة والعناد ، وكانت يداها ملتصقتين على القلم في قوة عنيفة واباء شديد وعبثاً حاولت المعلمة ان تجعلها تهدأ . فقد بقيت تبكي وان كانت بقية التلميذات المعاقبات يضحكن للعقوبة.
وهكذا كانت نازك جدية منذ طفولتها تكره المزاح ويؤذيها ان تعاقب مهما كان العقاب شاملاً لسواها ..ولذلك رجعت الى البيت في ذلك اليوم محمومة متعبة . ولم تعلم امها السر ، فان الطفلة قد صمتت صمتاً تاماً ، وقد بقي النبأ مكتوماً في نفسها حتى بلغت الرابعة والعشرين من عمرها.
وما مضت اشهر من ايام الدراسة حتى عقد في البيت اجتماع صغير تحدثت فيه امها الى ابيها وخالتها شاكية: "ان نازك لا تدرس مطلقاً ولا تعني بعير دروس الاستظهار والنشيد، ولا اذكر انني رايتها تقرأ يوماً واخوف ما اخافه ان ترسب هذا العام."
وفي الصباح التالي كانت البطلة تسير في ساحة المدرسة مع كاملة فجاءتها الفراشة ودعتها الى مقابلة المدرسة "م. ك" وفي باب الصف جمدت الطفلة ! فقد رأت معلمتها تقف وجهاً لوجه ازاء خالتها نظيمة التي كانت اذ ذاك تلميذة في المدرسة ، وسرعان ما وجدت نفسها محمولة بين ذراعي المعلمة التي سارت بها الى الصف واوقفتها على المنضدة واعطتها كتاب القراءة وقالت : "اقرأي هنا ياحبيبتي..هيا. لا تخافي." وراحت الطفلة تقرأ بصوتها الخجول المرتبك ولكن بلهجة فصيحة. وتبادلت الخالة والمعلمة مجموعة من النظرات ، وأنزلت الطفلة الى الارض . ثم قالت المعلمة: "ماذا تريدون ان افعل لابنتكم ان كانت لا تدرس؟ انها تقرأ جيداً كما ترين ، وتستطيع القراءة حقاً بينما سواها من الصغيرات يحفظن الكلمات غيباً. ولماذا تريدون منها ان تدرس في البيت؟ الا يكفي انها في الصف تفهم وتقرأ جيداً؟!" وعادت نازك الى البيت منتصرة في ذلك اليوم ، وقد تلقاها ابوها بقبلة وهدية صغيرة: كتاب مصور بالالوان ابتاعه لها خصيصاً.
واقبلت نهاية السنة وتلقت نازك درجاتها ، وحملتها فرحة خافقة القلب وركضت الى البيت . ومرة ثانية لقيتها القبلات ..
وكان ذلك اليوم آخر عهد بطلتنا بصديقتها الرقيقة كاملة ، فقد جرفها تيار الزمن الى حيث لا يعلم احد ، والذي بقي يعض في نفس نازك انها لا تعرف اسمها الكامل ، ولا تذكر منها الا شكلها واسمها الاول، وكم من مرة في حياتها ودت لو قابلتها او عرفت مصيرها ، كم من مرة سألت عمن يستطيع ان يتذكر اسم ابيها ولكن عبثاً . وقد تجمعت هذه العواطف كلها فكونت قصيدتها "ذكرى مولدي" التي اهدتها الى كاملة: "صديقة طفولتي البعيدة التي لا اعرف منها الان الا اسمها وحده." وقد تساءلت في القصيدة عن مصير صديقتها وخاطبتها في ابيات حزينة صورت لها فيها مصيرها وهي:
اين اصبحت يارفيقة أمسي ما الذي قد شهدت فوق الوجود؟
اترى تذكرين مثلي ايام صبانا وحلمنا المفقود؟
ام ترى قد نسيتني ونسيت الامس في فرحة الشباب الرغيد؟
ابداً لست لست انسى وان كنتِ قد تهاويت في الزمان البعيدِ.
…..
الكرادة الشرقية الابتدائية للبنات.
نازك في الصف الثالث .. .. وقد كتب لحياتها الان ان تتعرف الى شخصية هامة ستؤثر على نفسها ، وتقعدها في النهاية الى الانكماش والخجل وكراهية الوجود كله .. .. شخصية مديرة المدرسة السيدة "ق.." التي كانت تدرس الصف الثالث علم الحساب.
وكانت نازك تكره الارقام كراهية هائلة لازمتها طيلة حياتها .. وكانت تؤثر ان تشرد بفكرها في درس الحساب .. وفجأة تلتفت المعلمة فتسألها سؤالاً فلا تجيب..او تجيب اجابة مغلوطة.. فتغضب المدرسة وتعنفها .. .. وتكرر هذا .. واصبحت الطفلة تحس بأنها تكره المدرسة من اجل الحساب . انها تستطيع جيداً ان تفهم اللغة العربية والتاريخ والدين والجغرافية .. .. ولكنها لا تستطيع ان تصطلح مع الحساب ، وقد اصبحت كراهية معلمتها لها تزيدها بغضاً للمدرس ولم تعد تستطيع احتمال تذكر الحساب!
وجاء الامتحان السنوي ، وظهرت نتيجة الحساب واذا الطفلة قد اجابت على سؤال واحد من ستة اسئلة! وجاء دور امها وابيها في البيت .. لماذا رسبتِ؟! .. لماذا لا تدرسين؟ وفهم ابوها منها بعد استجواب دقيق انها تكره المدرّسة نفسياً ، وان المدّرسة لا تعاملها معاملة صحيحة!. وثار ابوها وشكا المدّرسة الى المسؤولين في الوزارة ، وترامى النبأ الى المدرّسة نفسها فازدادت كراهية للطفلة البريئة.
وبدأت نازك تتفلسف: فكانت تقضي ايام العطلة بعد حل تمارين الحساب في التفكير بتلك المدرّسة .. وما ذنبها هي ان كانت لا تملك موهبة في الحساب؟! ان بعض الناس يولدون موهوبين في الحساب وهي ليست منهم .. بل هي تشعر بأنها بليدة ، غبية وكراهية معلمتها لها اول دليل على ذلك .. والدليل الثاني انها في المدرسة منفردة ليست لها صديقة ، وقلماً تتكلم مع احد.
كانت الطفلة في الواقع تجتاز محنة في ذلك الصيف من سنة 1931 ولكنها اجتازتها وحدها ، دون معونة .. ، اجتازتها بعد ان طبعت حياتها بطابع من الكآبة والقلق وعدم الثقة بالنفس.
وجائت السنة الجديدة بتعديلات كثيرة .. فنقلت المديرة البغيضة الى مدرسة اخرى وجيء بمديرة جديدة كانت بالنسبة لنازك على عكس الأولى .. .. كانت تفهمها وتقدر شرودها واحاسيسها وجيء للحساب بمدرسة جديدة بدينة مشرقة الوجه تفيض حناناً وما علمت بأن نازك مكملة في الحساب حتى نادتها واجلستها في غرفة المعلمات واملت عليها سؤالاً واحداً بسيطاً جميلاً : "اشترى تاجر عشرين ذراعاً من المخمل بمائة دينار فما سعر الذراع الواحد؟" .. .. لكم كانت نازك سعيدة.. .. لكم احبت هذه المدرسة المحبوبة "ص…" .. .. سؤال واحد لا غير .. سؤال بسيط .. لا كسور عشرية.. ولا كسور اعتيادية.. اعداد صحيحة .. صحيحة والجواب واضح وضوح الشمس!. وخرجت الطفلة تركض فرحة .. تركض الى البيت فتدور بينها وبين امها محاورة..
- نازك .. امتُحنتِ ؟
- نعم .. ناجحة ..ناجحة!
- من قال؟! كيف عرفتِ..؟
وتقفز الطفلة متحمسة
- عرفت! .. اني متأكدة .. سألتني سؤالاً واحداً.
وقد كانت الطفلة في الواقع ناجحة.
……

سنة جديدة .. ونازك في الصف الرابع وقد بدأت مظاهر الرومانسية والخيال والشعر تبدو عليها بوضوح .. .. فهي منعزلة خجول تحب المطالعة ، وتحلم كثيراً ، ثم ان صحتها ضعيفة ، وهي دائماً مزكومة .. .. وقد بدأت بوادر التفوق في درس الانشاء والمحادثة تبهر مدرستها .
كانت في البيت خاملة لا تفعل شيئاً ، وقد اهداها ابوها بمناسبة نجاحها الى الصف الرابع مجلداً من مجلة كل شيء والدنيا ، وانكبت عليه في شغف غريب. فقرأت وهي في طفولتها القصص التي تكتبها هذه المجلة بعنوان "تاريخ ما اهمله التاريخ" وتأثرت تاثيراً عميقاً بقصة "لويس فيليب" ملك فرنسا النبيل .. وقصة ذلك الامير الذي احترقت عروسه الاميرة ليلة زفافهما لانها حاولت التدخين سراً ..! قصة سمير اميس ملكة بابل ، وكيف التقطها الراعي ورباها .. قصة كليوبترا وقيصر .. ..! قرأت قصة هيرا ولياندر" ووقفت ببصرها طويلاً عند صورة هيرا المنتظرة .. وقرأت الى جانب ذلك شعر الفضولي وكانت في الغالب لا تفهمه الا انها تضحك منه على كل حال.
وما مضى شهران حتى كانت الصغيرة قد عصرت المجلّد عصراً ولم تبق فيه شيئاً لم تقرأه مرات .. .. ما عدا المقالات التي لا تفهمها طبعاً .. وهنا بزغ في حياتها شيء جديد.
ذهبت ذات مساء الى دار جدها المجاور ، حيث اعمامها وعماتها وهناك وجدت عمتها الكبيرة عائشة منهمكة في تحضير دروسها ، فكانت مكبة على كتاب صغير الحجم تقرأ فيه مغنية رافعة صوتها :
ياليلَ قبرُكِ ربوة الخلد نفخ النعيمُ بها ثرى نجدِ
ولم تدر نازك لماذا تاثرت بهذا البيت وما بعده .. ولكنها بقيت تنظر وتصغي وتحلم .. .. ليلى.. قبر .. نجد .. ثم عمتها وهي ترنم الابيات بحرارة .. ومضت ساعة ونازك صامتة ، ونهضت العمة وتركت كتبها مفتوحة ، فمدت نازك يدها بحرص واخذت الكتاب ، ونظرت الى غلافه في افتتان وانبهار :
مجنون ليلى احمد شوقي…
وفي هذه اللحظة عادت العمة ، فلما شاهدت ابنة اخيها ممسكة بالكتاب قالت لها في برود : "اعجبتك الصورة؟ هذه صورة ليلى الجالسة في ضوء القمر .. .. والاعرابي الجاثي هو قيس!" وكان في ذهن نازك صورة باهتة لا حدود لها حول شيء يقال له "ليلى وقيس" ، قتمنت ان تقرأ الكتاب ، وفتحته فعلاً فلما وقع بصرها على ابيات غرامية .. خجلت ، فتسللت خارجة من بيت جدها وركضت الى بيتها !
اصبح الاختلاء بهذا الكتاب شغلها الشاغل الآن .. فهي لا تستطيع ابعاد صورة ليلى وهي متربعة على عرش القمر ، وقيس تحتها في الصخراء ، يتضرع اليها .. .. ولكنها كانت لا تجد الكتاب الا قرب عمتها .. ومضى اسبوع كامل وهي معذبة هكذا .. انها قد قرأت قصص الغرام مراراً ، ولكنها كانت دائماً تقرأها وحدها ولا أحد ينظر اليها ، لانها تبكي احياناً ، وتضحك احياناً وتتاثر الى حد الانبهار احياناً ، ومن ثم فليس من المناسب ان يراها احد.. ..
وفي ذات مساء مشرق .. وجدت نازك الكتاب ملقى في اهمال على كرسي في الشمس ، قتنفست الصعداء .. وكانت عمتها في المدرسة والبيت خال تقريباً الا من جدتها المريضة في غرفتها ..فأنكبت تقرأ القصة الشعرية بنهم هائل لا حدود له .. وبكت بكاء شديدً طويلاً لموت ليلى .. بكت حتى احمرت عيناها ، وعادت الى البيت مساءً وركضت الى سريرها ، ونامت لتكمل بكاءها الطفولي تحت اللحاف!.
كانت هذه الطفلة في الواقع رومانتيكية جداً .. .. حتى انها بقيت بعد قراءة الكتاب باسبوعين تبكي كل ليلة .. في الظلام .. تحت اللحاف من اجل ليلى ..! كيف ماتت ؟! كيف مات قيس ؟ كيف هبط الملائكة .. وكان البيت الاخير من الكتاب يرتسم امامها باحرف من نار دائماً :
نحن في الدنيا وان لم ترنا
لم تمت ليلى ولا المجنون مات
وفي ذات ليلة اكتشفت عمتها انها تبكي ، فالحت عليها في السؤال عن السبب .. هل آذاك احد ؟! امتالمة انت؟! مريضة؟ لماذا اذن تبكين؟!.. ولكن الطفلة لم تتكلم فموضوع "ليلى" عندها اكثر قداسة من ان تحدث عنه عمتها ! ولكنها انقطعت عن البكاء وألفت الموضوع اخيراً!
وبدأت آثار هذه المطالعات الغريزة تظهر على اسلوبها الكتابي في المدرسة فتفوقت في درس الانشاء بسرعة ، واصبحت في المقدمة دائماً ..

وانتهت السنة الرابعة.. ..
وجائت السنة الخامسة . وظهرت بطلتنا فجأة في الصف ، والمدرسة. وبدأت لفظة غربية تشيع عنها على السنة الصغيرات ، هي انها "شاعرة". هذه الطفلة البليدة المظهر ، الجامدة ، التي لا تكلم احداً ، المزكومة دائماً .. شاعرة..! أي نبأ غريب..!
وكانت هي تسمع احياناً الفاظاً ساخرة من شعريتها فتتألم وتقول لنفسها : "هل قلت انا انني شاعرة؟! وها انا احتمل السخرية وحدي وكيف اردها؟ اين شاعريتي المزعومة؟"
وفي ذات يوم دخلت بطلتي الصف فوجدته خالياً .. وكان هناك على اللوحة هذه الكلمات: "نزهة في زورق". ولم تدر هي لماذا امسكت "بالتباشير" وراحت تكتب .. ولم تدر الا انها كتبت بيتين وفجأة دخلت طفلة متحمسة ، هي "ف. ك" ، وما كادت تقرأ حتى صرحت فرحاً: "نازك! انت تكتبين قصيدة! ياللعظمة! ما اجملها…" وركضت الى الصف وجاءت بورقة وراحت تسجل فيها القصيدة. وتتذكر بطلتي انها كتبت ما يقرب من عشرة ابيات مدفوعة بتشجيع زميلتها المتحمسة هذه.
ولكن الذي ضايقها ان "ف. ك" اخذت القصيدة وركضت فجمعت حولها كثيراً من التلميذات وراحت تقرأها ملقية على نازك مديحاً هائلاً كبيراً. اما بطلتنا فأختبأت في آخر الصف محمرة ، ناقمة على زميلتها الثرثارة.
وحدثت في المدرسة ضجة ، وصفقت التميذات ، فخرجت المديرة ، متسائلة ، وفي اللحظة التالية كان القصيدة في يديها ، وقد اخذتها ودخلت غرفتها ….
ومضت أسابيع صامتة .. .. ..
ثم أقيمت في المدرسة حفلة كبيرة ، اشتركت فيها كثيرات من التلميذات ، وقد طلبت المديرة من نازك توزيع الحلوى على المدعوين . وقد كرهت هي هذه المهمة ، ولكنها لم تجرأ على رفض طلب مديرتها الكريمة التي غمرتها بلطفها .
وجائت اللحظة الحاسمة . وحملت بطلتي علبة الحلوى ، وسارت قاصدة ضيف الشرف . وكان الخجل قد بلغ بها مبلغه ، وانقلب ارتباكاً حاداً ، فسارت شاحبة ، مطرقة ، تكاد تتعثر بأرجل المدعوات ، ولم تكن تعلم من هي ضيفة الشرق ، ولا كان يعنيها ان تعلم ، فالذي يهمها انها تسير امام الناس ، وكلهم سواء ، كلهم يثيرون خجلها .. وكانت تدرك دون ان تحتاج الى النظر اين تجلس ضيفة الشرف ، فسارت قدماً ، وانحنت امامها وفي يدها العلبة.
وما كادت الضيفة تمد كفها حتى هتفت المديرة باسمة : "هذه نازك .. تلميذة في الصف الخامس.. وهي شاعرة المدرسة.." وكادت بطلتي تذوب خجلاً .. ودت اذ ذاك لو ابتلعتها الارض . وفجأة رن في اذنها صوت : "ضيفة الشرف " خشناً ، حاداً ، وهي تهتف : "نازك، اعرفها..!" واصفرت الصغيرة ورفعت وجهها مرتاعة . لقد كان هذا الصوت معروفاً لديها ، هذا الصوت الذي عكر احلامها سنة كاملة . صوت مدرّسة الحساب الممقوتة : "ق..". وحدقت فيها فرأتها هي هي تماماً.
وذهلت بطلتي ، ووقفت حائرة! اكان ضروريا ان تأتي هي نفسها لتقدم الحلوى ؟! ورأت المدرسة ارتباك نازك وجمودها فقالت لها باسمة بلطف : "تحركي ايتها الشاعرة الصغيرة الان ، وساستدعيك بعد دقائق لتقرأي علينا قصيدتك الجميلة." وكان هذا كافياً لان يرسل نازك متعثرة الى آخر صف من صفوف المدعوات ، وفي عينيها بداية دموع ..! انها لا تستطيع ان تقرأ قصيدة امام هذا الجمهور الكبير . وامام هذه السيدة خاصة فهي تمقتها ولا تحتمل رؤيتها.
ولكن المديرة لا تفهم هذا ، وهي تريد دائماً ان تخرج بالشاعرة الصغيرة عن جمودها وخجلها ، ولذلك الحت عليها بقراءة القصيدة ووقفت نازك جامدة لا تتكلم ولا تتحرك ، وطال جمودها وصمتها وكانت "ف.." صدفة قربها فانحنت عليها هامسة : "نازك ! عزيزتي.. باسم الصف كله أرجوا ان تلقي القصيدة! تصوري المجد الذي ينال الصف .! والفخر الذي ينالك انت !. لو كنت مكانك لطرت فرحاً بهذا الطلب الكريم من المديرة .. هذا التقدير لك .. .. وللصف… تلقين قصيدة في حفلة كبيرة كهذه…!"
ولكن نازك همست قائلة: "لن اقرأها..لا اريد..آه..اريد ان اذهب..اقرأيها انتِ..افعلوا ما شئتم وانما اتركوني اذهب بسلام…."
وانتهت المشكلة بأن قرأت "ف.." القصيدة بحماستها المألوفة وهربت نازك وهي لا تكاد تصدق بنجاتها.
وفي تلك السنة تقدمت نازك في دروسها تقدماً واضحاً لمسته مدرساتها وفي نهاية السنة كانت درجتها الثانية في صفها .

داليا الهواري
04-07-2007, 01:34 AM
الفترة الثالثة: 1935 – 1939
"سأكتب منذ اليوم بضمير المتكلم"

وماذا كنت اقرأ في عامي 1939 – 1940 ؟ .. في الواقع انني اتجهت اتجاهاً شديداً مبالغاً فيه الى دراسة الادب القديم ، وخاصة النحو ، فاعطاني ابي كتباً مثل شرح شواهد ابن عقيل للجرجاوي ، وفقه اللغة للثعالبي وخزانة الادب للبغداداي ، وعشرات من الكتب مثلها . وقد كتبت في يومياتي يوم 26 شباط 1940 اشكو من فداحة المجادلات بين الكوفيين والبصريين واقول : "على ايهم اعقد؟ اعلى سيبويه ام الكسائي. ثم هنالك ابن هشام وابو حيان والسيوطي والسهيلي وابن خروف والرجاج والاصمعي." ثم كتبت صفحات طويلة حول نقاط تفصيلية في معركة نحوية لم اعد الآن اطيق قرائتها وكنت في تلك الايام التهمها التهاماً . وقد قرأت من كتب النحو اذ ذاك "شذور الذهب" لابن هشام" و "حاشية الشيخ عبادة على شذور الذهب" قراءة ودراسة ، كما استظهرت جانباً كبيراً من شواهد ابن عقيل مع شروحها واعرابها اعتماداً على ابن عقيل والشيخ قطة العدوي ، وقد قفزت بي هذه الدراسة الى مستوى عالٍ جداً في النحو حتى برزت بروزاً مرموقاً في المدرسة.
وفي حقل الادب واللغة قرأت عمدة ابن رشيق ، والمثل السائر وادب الكاتب ، وخزانة الادب للبغدادي . ومما اذكر انني قرأت البيان والتبيين في ثمانية ايام ، كدت خلالها اوذي عيني ايذاءً شديداً. ولا اذكر الآن أي جنون هو الذي دفعني الى هذا ، الا اننني ارجح انها بداية عادتي المتأصلة في القراءة الكثيرة وقياس الحياة بها ، فمنذ تلك الفترة بدأت اشعر بالرعب كلما مر بي يوم لم اقرأ فيه ثماني ساعات . لم تكن قراءة البيان والتبيين في ثمانية ايام هينة ، بل كانت تلك الايام ايام محنة فظيعة انتهت بمرضٍ كان لابد منه اضطررت معه الى ترك المطالعة لالتهاب عيني.
ومما قرأت "رسالة الغفران" والضرائر وما يسوغ للشاعر دون الناثر" للآلوسي وقد احببته حباً كبيراً ، و"شعراء النصرانية" للويس شيخو . وقد حفظت منه مئات من الابيات الجاهلية وحفظت اخبار حرب البسوس غيباً ، وكان اشد ما يمتعني ان احفظ الابيات التي من اجلها سمي التابغة وافنون التغلبي والمرقش وغيرهم باسمائهم ، والواقع اني بتّ بواسطة هذا الكتاب واسعة الاطلاع على الشعر الجاهليّ وكانت ثقافتي تعادل ثقافة المتخرجات من الكليات .. ومن بين ما قرأت كتاب " الساق على الساق في ما هو الفارياق" وكنت استمتع استمتاعاً كبيراً بلغته . وفي الشعر قرأت ديوان البحتري وابن زيدون والبهاء زهير وابن خفاجة وابن سهل مفصلاً وحفظت لهم كثيراً ، كما قرأت كتباً حديثة كثيرة بينها "عبقرية الشريف الرضي" لزكي مبارك و"تاريخ حياة معدة " لتوفيق الحكيم ، و"مع ابي العلاء في سجنه" لطه حسين ، و "اميرة الاندلس" و "عنترة" لشوقي .. و"بلوغ الارب" للالوسي .. ومن الدواوين الحديثة بعض الدواوين العراقية ، وديوان "ليالي الملاح التائه" لعلي محمود طه.
ويبدو من هذا ان ثقافتي في العام الدراسي الذي كنت خلاله استعد للبكالوريا الكبرى كانت واسعة الى درجة لم يسبق لها مثيل في حياتي ، ثم انها كانت كلها متجهة الى الاداب القديمة والنحو واللغة والبلاغة ، وكنت اجد لذة هائلة في الدراسة وحفظ الشواهد ومناقشة ابي ، ولابد لي ، وانا اذكر مصادر ثقافتي في هذه السنة ان اشير الى حبي الشديد للقاموس في تلك الايام وكنت اعتمد اعتماداً كلياً على قاموس "اقرب الموارد" للويس شيخ اليسوعي ، وهو قاموس مقبول لم ازل احبه.
ولنفخص الآن مكان حياتي المدرسية من هذه الدراسات كلها . واني لاعجب اليوم كيف كنت اوفق بين الدراستين الخارجية والمدرسية . كنت تلميذة في "فرع البنات" وهو فرع كان اذ ذاك يعني شيئاً بين العلمي والادبي وقد درسنا فيه الفيزياء والرياضيات العامة ، بالاضافة الى العربية والانجليزية والتاريخ وتربية الطفل والتدبير المنزلي والخياطة والتمريض والحق ان المنهج كان شاقاً ، عسيراً ، وكنت ابغض الرياضيات والفيزياء وعلم النبات ، ولا افتأ احلم بيوم الخلاص من الثانوية لادخل بعدها في الفرع الادبي في دار المعلمين العالية وانس كل ما تعلمته في العلوم والرياضيات.
ولكن دروس اللغة العربية كانت شديدة الامتاع لي ، وقد لقيتُ هذا العام اول مدرسة ادركت مواهبي ، وشدهت بثقافتي الواسعة التي لم يكن من الممكن مقارنتها بثقافة طالب الثانوية الذكي على الاطلاق . كانت المدرسة لبنانية ، عجوزاً غريبة الطباع ، واسعة الاطلاع ، اسمها "ماري عجمي"، وقد سبقتنا اليها شهرتها بانها اعظم مدرسة للغة العربية في الشرق كله . وانها مثقفة حقاً ، لا كسائر معلماتنا السابقات . الا انها حين قدمت الى المدرسة احدثت في انفس التلميذات رد فعل قبيح اكره ان اتذكره .
ترامت الينا الانباء من الصفوف المجاورة اولاً ، بانها انسانة فظيعة ، جافة ، خشنة الصوت ، قصيرة القامة ، تتكلم بالفصحى وتلتزمها التزاماً مضحكاً يجعل التلميذات يواجهنها بالسخرية واستعدت تلميذات الصف الاول لاستقبالها استقبالاً يناسب هذه الاشياء .. ولكن شيئاً واحداً بقى يصحب اخبار السخرية ، وهو ان ماري عجمي عميقة ، عظيمة ، فاهمة . وكان هذا يهمني لانني لم اكن اصدق ان هناك معلمة تفهم اللغة العربية كما يجب . فانا اعلم ماذا يعاني المرء ليصل الى مثل هذه الثقافة وادرك ان المرأة العربية ما زالت في المرحلة الاولى من ثقافتها ولذلك لا يمكن..
وقد ملأني هذا كله تحدياً وكنت اشعر بثقافتي شعوراً لا مفر منه. فانا على مقعدي في الصف الخامس ، احمل في رأسي الجرجاوي وابن هشام والبغداديّ وابن قتيبة والجاحظ وابن رشيق ، وعلماً زاخراً بالادباء والشعراء من الجاهلية حتى هذا اليوم واحفظ الافاً من ابيات الشعر . وقد دارت هذه الثقافة برأسي دوراناً خطراً وانا استقبل مدرستنا ماري عجمي اول مرة.
وقد دخلت ملتفة بشال غليظ النسج وبادرتنا بصوت هاديء فيه خشونة: "طاب صباحكن." ثم بدأت تتحدث عن ابن هائيء الاندلسيّ ، وتسألنا بين الحين والحين . واذكر انها راحت تشرح احدى قصائده ، فمرت بلفظٍ وشرحتهُ فنهضت وسألتها في لهجةٍ لم تخل من وقاحة ظاهرة ، الا ان قصدي كان بريئاً : "عفواً ، اذكر ان القاموس شرح معناها بكذا.." فقالت لي حالاً: "كلا .. ان معناها ما قلتُ كما يدل السياق ". فأعترضتُ وكنتُ مخطئة ، الا ان القاموس كان يسندني حقاً . ولم تكن ماري عجمي تعرف أي شيء عني طبعاً اذ ذاك ولذلك انهالت علي بكلام جارح معناه. "لقد غرك ان عندك قاموساً ياصغيرتي! وانا انصحك بألا تغتّري. فالمستوى في مدرستكم واطيء الى درجة لا يمكن ان تعرفيها، فلا داعي للغرور".. وقد كاد هذا الكلام يبكيني . انا مغرورة ؟ مستواي واطئ؟ آه لو عرفت! اتدري انني احفظ الجرجاوي كله؟
وجلست واجمة .. وقررت ان اتحداها ..وقد جاءت الفرصة في درس الادب وكانت المدّرسة تتحدث عن أحمد أمين وتثني عليه وكنت في تلك الايام اقرأ في الرسالة مقالات زكي مبارك المشهورة "جناية أحمد أمين على الادب العربي" ..فلاح على وجهي تحمس مكتوم ، وانفعال ورغبة في الكلام .. ولاحظتني هي وادركت انني اريد ان اتكلم فقالت بخشونتها الطبيعية التي لا تقصدها كما عرفنا فيما بعد : "انتِ .. يامن تناقشت حول كلمة جَيِد .. اتريدين ان تقولين شيئاً؟" وقد اثارتني باشارتها الى حادثة ابن هاني فنهضت وقلت لها: "انا لا اعد احمد امين عربياً ، ولا اديباً ، ولا لغوياً." وقد شدهها جوابي واتسعت عيناها وقالت: "انت جريئة جداً في احكامكِ! كيف توصلت الى هذا الحكم؟" وبعد ان سألتني بضعة اسئلة ، اخبرتها انني افضل "زكي مبارك" على "أحمد أمين" وفي هذه اللحظة رن صوت الجرس وخرجت المدرسة مغضبة مني ثانية.. والحق انني كنتُ الوح "وقحة" رغم برائة قصدي. واظن احد العوامل المساعدة ضخامة احكامي ، فانا كلما تحدثت ذكرت كتاباً او نحوياً ، او حكمت على اديب كبير لا يمكن ان اطاوله من فوق رحلتي الصغيرة ، وكان هذا يضفي على كلامي مسحة التطاول خاصة والمدرسة لا تدري ان ثقافتي حقيقية لا محض ادعائات ارتبها بعناية لاضايقها واحرجها امام التلميذات.
وانفجرت المدرسة في الصباح التالي فما كادت تدخل وتبدأ الدرس حتى نظرت الى فجأة دونما داع وقالت : "نازك!.. اليس هذا هو اسمكِ" انهضي..انهضي وقفي امام الصف كله …" ونهضت متثاقلة ، مستغربة ، فلما واجهت الصف قالت: "لقد قلت امس ان احمد امين ليس عربياً ولا اديباً ولا لغوياً ..فهل لك ان تشرحي لنا سر هذا الحكم العبقري لنحكم عليك؟" وكانت المدرسة العزيزة حانقة لانها تحسبني قصدتُ مجادلتها والتظاهر بثقافة لا أملكها .. ولذلك انفجرت تعنفني امام الصف كله ، وتتحدث عن الغرور والتظاهر ، وتطلب اليّ الا اعارضها حين تتكلم ، وهكذا. وكان الموقف مؤلماً ، وقد راحت الزميلات يتململن فهن يعرفنني منذ سنين .
ولم افه بحرف ، وانما سكت سكوتاً تاماً ، وعزمت على ان احاول تسوية الموقف مع المدرسة خارج الصف. فلابد من التفاهم ، وليس لطيفاً ان تمضي في فكرتها المغلوطة عني ، فهي بأختصار تراني تلميذة مشاغبة .
ومرت ايام هادئة لم تعد ماري عجمي خلالها توجه الي كلاماً . وسكت انا سكوتاً تاماً ، حتى حان موعد امتحان مفاجيء ذات يوم فقد دخلت المدرسة وقالت : "اوراق واقلام. اريد ان اقيس ثقافتكن الذاتية … اكتبن عن محمد عبدة .." وكان محمد عبدة مقرراً للمنهج هذا العام ، الا اننا لم نكن بعد قد استعددنا لامتحان فيه… وكنت انا اقرأ اذ ذاك مجلة "السياسة الاسبوعية" واملك اعداداً منها جمعها أبي وقد مررت فيها بعدد خاص عن محمد عبده وقرأته حديثاً ، فكتبت مقالاً مدهشاً في نصف ساعة بلغ طوله ست صفحات كان خطي فيها رديئاً لاستعجالي. فقد كانت المعلومات غزيرة في ذهني ، الى حد ضاق به الوقت . وكانت ماري عجمي تقف في اول الصف ترقب التلميذات وهن يائسات عن التذكر وقد اسلمن اوراقهن نصف فارغة بينما ابقيت انا ورقتي الى اللحظة الاخيرة .. وحملت المدرسة اوراقنا وخرجت وعندما دخلت في الصباح التالي حدث شيء مدهش.
دخلت وكانت منفعلة جداً فما كادت تحيينا حتى قالت : "نازك . اريد ان اعتذر اليك .. لقد ظلمتك حتى الان ولم اكن اعلم انني امام تلميذة موهوبة حقاً." ثم التفتت الى الصف وقالت:
" ان مستواها يدهشني. وقد ظننتها مدّعية في الاسبوع الماضي لضخامة احكامها ، وصعوبة المادة التي تستشهد بها … وهذه اول مرة آسف فيها على موقف اقفه من تلميذه متطاولة …" . وكان الصف كله مندهشاً ، صامتاً .
وقد اصيبت ماري عجمي بمرض عصبي فظيع قبيل امتحان نصف السنة ، ولزمت فراشها واصابها نوع من الهذيان المضطرب . وآلمني هذا ايلاماً شديداً فقد كنت احب هذه السيدة الكريمة النبيلة واحترمها احتراماً لا حد له ، واشعر تجاهها بالصغر والضآلة واود بأي اسلوب لو محوت ذكرى اسبوعي الاول معها يوم تحديتها وآذيتها. قررت ان ازورها في منزلنا بصحبة خمس صديقات لي ، وقد فعلنا جميعاً فاتجهنا الى مسكنها.
وما كدنا ندخل ، حتى تلقتني بحرارة وراحت تسالني عن سير قرائتي الا ان حديثها لم يخلُ من اضطراب ، فقد قالت لي انها تتنبأ لي بمستقبل ادبي رائع تثق فيه وتراني احمل بوادر عبقرية وان كنت لم اصنع بعد أي شيء. دعوت السماء ان تشفيها . وكأن دعواتي المختلفة قد استجيبت فبعد اسابيع حضرت ماري الى المدرسة لتودعنا ، والتقطت لنا صورة معها … كنا اربعاً وقد سألتها احدانا ان تتفضل بأخذ صورة تذكارية معنا فقالت : "اوافق." وما زلت احتفظ بهذه الصورة العزيزة حتى الان.

---------------------------------------------------------------
[1] المرأة التي تحرس باب المدرسة …

نقلا عن الخيمة

الحنين
06-07-2007, 08:00 PM
قراءات واستذكارات عن رائدة الشعر الحر
نازك الملائكة شغلت الادب بنصها وصمتها

كما عُرفت بأستيعابها المذهل للآداب الأجنبية والعربية.. عرفنا ذلك من كتابات كثير من النقاد والباحثين والدارسين، ومن شهادات اولئك الذين أتصلوا بها وزاملوها، طلاباً وأساتذة ولطالما استضافت الأتحادات والمنظمات والجمعيات الأدبية والثقافية العربية شاعرتنا الكبيرة لألقاء محاضرة أو المشاركة في مناقشة أو ندوة.. فكانت لها بحق وعمق... وما من عاصمة عربية الا وكان لنازك الملائكة فيها حضورها المشرق والمرحب به دائماً...

هكذا عرفنا نازك الملائكة: شاعرة، مترجمة، ناقدة مؤلفة، استاذة جامعية.. ولكن القليل من المثقفين العرب يعرف أن نازك الملائكة قاصة..!! نعم قاصة، كتبت القصة بروح شاعرة..! وكانت في قصصها لقليلة الأخاذة تُفصح عن مخاض ولادة قاصة من طراز شعري!! نازك الملائكة التي لم تكف عن اهداء ابداعها وطيبها الي الآخرين.. من خلال اشعارها وكلماتها.. ومثلما ترسم الأشجار صورها بالظلال، كذلك فعلت الشاعرة... رسمت ألفة حياتها ونبل مشاعرها وسمو أحزانها بالكلمات و(الرسم بالكلمات) قال الشاعر، أجمل الرسم..! ومن كبرياء الشاعرة، ومن وقارها.. أيقنت أن الشعر لا يطرح كل أنشغالاتها، رغم أنها تثق دائماً بصفاء شاعريتها ونقاء رؤاها.. ولذلك أتجهت في حالات خاصة ومحددة الي القصة، التي تحتمل كما نعرف - الأستطراد بالسرد والتفصيل بالقص.

القصة الشعرية

رغم أنها كتبت "القصة الشعرية"(1) مبكراً، ومنذ عام 1948 بالتحديد... ولعل أصدق نموذج للقصة الشعرية، قصيدتها المطولة (الخيط المشدود في شجرة السرو) التي جاءت بسبعة محاور "كان محورها السابع دقيقاً في تكثيف الفجيعة "(2) ويضم ديوان نازك الملائكة ومجاميعها الشعرية بعض القصائد التي تروي حكايات.. منها حكايات حب ومنها حكايات حزن..، بيد أننا لا نستطيع ان نضع (القصة الشعرية) في سياق فن القصة، كجنس أدبي.

أجمل قصص نازك الملائكة قصة (ياسمين ) (3)التي نشرتها مجلة (الآداب) البيروتية المعروفة بعددها الصادر في آذار (مارس) 1958 والتي نتعرض لها في هذه الموضوعة المختصرة. كما نشرت الشاعرة قصصا أخري هي: (منحدر التل )في مجلة الأداب) بعددها الصادر في تشرين الأول 1959، و(قناديل لمندلي المقتولة) في ذات المجلة بعددها الصادر في كانون الأول 1978، وحوارية قصصية فكرية بعنوان (الأبرة والقصيدة) في مجلة (شعر) القاهرية بعدد تموز 1978، أجدها أقرب الي التمثيلية أو الحوار المسرحي (4). وقد قرأنا في الآونة الأخيرة بعض الكتابات التي تناولت قصة (منحدر التل) في صفحاتنا الثقافية العربية

ومن هنا جاء أختيارنا لقصة (ياسمين) التي لم يتعرف عليها جيل من القراء، ولم يتعرض لها كاتب..!

وفي الحقيقة فان الشاعرة الكبيرة التي فارقتنا أمس الاول لم تكن بعيدة عن القصة، كجنس أدبي، لأنها تناولت بالنقد أحياناً ما أتيح لها الأطلاع عليه من قصص عربية، ولقد أكدت كتاباتها النقدية المبكرة والمتأخرة علي توغل عميق في فهم القصة، قبل أن تكتب دراساتها النقدية، القصصية والروائية والمسرحية، ونفهم ان نازك الملائكة تعاملت مع (الحداثة) من منظور طليعي وتجديدي، ففي تناولها النقدي لقصص (زكريا تامر) الأولي، المنشورة في (الآداب) قالت مثلاً عن قصته (قرنفلة للأسفلت المتعب) (5) بأنها (شيء وليست قصة، لأنها لم تلتزم بالهيكل القصصي المعرةف) (6) رغم ان النقاد العرب بشروا به قاصاً (حداثوياً)..!! أعتي أنها لم تؤخذ بالهالة التي أحاطته! وقصة نازك الملائكة الأولي المنشورة، (ياسمين).. ينبغي أن تُقرأ وفق معايير الكتابة في تلك الأعوام، حقبة الأربعينات المنصرمة، التي شهدت بدايات الفصل الثاني من النهضة القومية، اذا اعتبرنا يقظة العرب أواخر الحكم العثماني فصلاً

أولاً..، لأن بعض مفردات الكتابة التقليدية كانت ما تزال عالقة ببعض كتابات المجددين ومنهم شاعرتنا -..، لذا فمن العدل والممتع ان نقرأ القصة بروح ومعايير تلك المرحلة..، ان نأخذها بسياق زمنها وأن نأخذ بالأعتبار كيف كانت أساليب الأنشاء والتعبير وأنماط الكتابة الأدبية في تلك الأيام...، ورغم ذلك فأن نازك الملائكة في قصة (ياسمين) قد تفوقت في السرد والقص علي المألوف والتقليدي، وأدخلت في ثنايا القصة بعض المفردات والعبارات الشعرية والشاعرية من قبل (أختلاج شفتيه) (تخايله) (مصاولات) الومضات الخاطفة من الصلات) (الصمت الموحش) (وَوَجَفَتْ نفسي) (تفجر طفولي رائع)...

أخت جديدة اسمها ياسمين

نُشرت القصة في المجلة علي النحو الآتي، ياسمين : قصة بقلم نازك الملائكة. وتحت هذا العنوان الكبير جاء الأهداء بحرف دقيق "تحية ومحبة للصغيرة الغالية (نسرين)" وتصدرت الصفحة الي جانب عنوان القصة صورة معبرة هادئة للشاعرة القاصة وهي في مرحلة الشباب من عمرها.

بدأت القصة بهذه الأسطر: "عندما غادرتُ العراق الي أمريكا للدراسة منذ خمس سنين كانت قد ولدت لنا في المنزل أخت جديدة أقترح أخي أياد.. أن نسميها (ياسمين) تكريماً لشجيرة زرعها في حديقتنا...."

تحدثت الكاتبة في القصة عن تجربة خاصة، تجربتها هي كفتاة عراقية تُتاح لها فرصة السفر للدراسة خارج العراق..، فتاة تعيش ضمن أسرة بغدادية هادئة ومنسجمة، تشدها المحبة ويسودها الأحترام... وتميزت القصة بالوصف الدقيق للمفردات والأشياء الصغيرة في حياة تلك الأسرة: المنزل، الحديقة، الأشجار، الشارع أمام البيت، القطة (سيرسي)، الجدائل، الملابس، اللُعبْ... الخ كما وضح من خلال السرد ذلك البُعد النفسي (السايكولوجي) الذي يُخيم علي علاقات الأشخاص (الأسرة) ويكتنف بعض أحداث القصة. تنقل القصة بمجملها هواجس فتاة غادرت أسرتها ووطنها للدراسة وهي مثقلة بمختلف المشاعر... مشاعر الأنتماء الي عائلتها ومشاعر فرحها بالمولودة الجديدة (ياسمين) ومشاعر الأغتراب والبعد عن كل ما اعتادته في حياتها الرتيبة في منزلها...،وتحاول وهي في الغربة ادامة تلك الروح العائلية وذلك الأرتباط الوجداني الذي يشدها الي اخوتها وأبويها من خلال الرسائل... ولكنها عندما تعود تُفاجأ بموقف أختها الصغيرة (ياسمين).. الموقف الرافض لها بقسوة طفولية: "أذهبي... لا أريدك" وتفاجأ أيضاً بتحول مواقف أخوتها وأمها منها أو ربما هكذا ظنت حتي لقد تساءلت: "أتراني حقاً غريبة هنا"!!؟

اذن، يحق لنا أن نتساءل الآن وبعد مضي كل هذه الأعوام... تُري، هل كانت القصة رسالة موجهة للأهل في حينها!!؟

في القصة بعض المسلمات والأحكام والعبر التي تخدم سياقات الحدث وتوحي للقارئ ببعض الفهم للمشاعر الداخلية لفتاة تعاني من الغربة والبعد عن الأهل.. نبتة نضرة أُقتلعتْ من تربتها..، "أنهم يحسبون أننا نكتسب كثيراً من حياتنا في الخارج دون ان يتخيلوا الثمن الذي ندفعه".. "ان البُعد لا يُنسينا وحسب وأنما يضيف الينا أيضاً.." وتمضي القصة في تصوير حياة الغربة وفي مجتمع مختلف، وتعكس حنينها الي تلك الحياة المنزلية التي عاشتها منذ طفولتها.. "ماذا يصنع البعد بنا..؟؟ اننا في البداية نتمسك بكل ما أحضرناه معنا من الأرض القديمة التي فتحت ذراعيها وأسلمتنا للمسافات.. نحن نتعلق بأشياء مثل عدد أشجار الدفلي في حديقة الشارع أمام منزلنا وطعم الشاي الخاص الذي يُصنع في بيتنا ولا نري مثيلاً له في الوجود، ووجه ياسمين الصغيرة. "... "ان حياة البعد المنفصلة هذه ليست كلها مباهج، وتكاليفها الشعورية في الغالب باهظة.." "كل ماضٍ آخر لنا يستطيع أن يحيا في حاضرنا، ما عدا ماضينا الأمريكي هذا فنحن ملزمون بأن نخلعه ونرميه في لحظة

واحدة.."....

توفرت القصة علي حدثين دراميين، أولهما محوري استغرق مجمل أحداث القصة وتطوراتها..، أعني به أزمة علاقة الأخت الكبيرة العائدة من أمريكا بالأخت الصغيرة الطفلة (ياسمين) وتفاوت مواقف أفراد الأسرة من كليهما...، أما الحدث الثاني فطارئ ومفاجئ يتمثل في مرض ياسمين وأصابتها بأغماءة وغيبوبة نوبة صرع وهي في غرفة أختها الكبيرة..، وشعرتْ الأخت الكبيرة أنها هي السبب في مرض الصغيرة لا سيما بعد أن توترت مشاعر الرفض لدي (ياسمين) حتي صرخت بوجهها: "اذهبي.. لا أُريدك..".. و "لماذا لا تعودين الي أمريكا أذن..؟؟ لقد قلت لكِ انكِ لست أختي وأنني لا أُحبكِ.." قالت هذا رداً علي أستفزاز أختها الكبيرة لها بعد أن يئست من كسب مودتها:- "ياسمين.. أنني لا أحبك، هل تسمعين..؟" كان ذلك قبل نوبة الأغماء.. لعلها اذن هي السبب،.. "أنا مولعة بأختي وهي لاتطيقني، وقد بلغت الأمور نهايتها العظمي هذا المساء، وبات عليّ أن أنسحب فوراً قبل فوات الأوان.. لا معاكسات منذ اليوم ولا حلوي ولا دُمي ولا محاولات لأدخالها في غرفتي.."

التداعي والأستذكار

وفي تكنيك القص الذي وظفته الكاتبة يمكن أن نلحظ أكثر من حدث أو حادثة او حكاية في هذه القصة، بعضها يرد من خلال التداعي والأستذكار، وبعضها يسوقها حلم كابوسي، وثمة قصة قصيرة جداً ترد في سياق القصة الأصلية، اعني قصة الصبية التي ابتلعت (دبوس)، ثم سفرها الي لندن للعلاج، ومصاحبة الاخت الكبيرة (الساردة) لهذا الغرض الترجمة ولكونها قريبتها و"ذلك الصمت الموحش في شرفة المستشفي الوطني بلندن.." وتبدل موقف (ياسمين) خلال فترة الشهرين التي استغرقها غياب الأخت الكبيرة، وكيف بدأت تفتقدها وتسأل عنا.. "ثم سألت في تفجر طفولي رائع أن يكتبوا اليّ ويخبروني بأنها تحبني أشد الحب وتريد أن أعود الي البيت.." وكذلك حادث توقف الدمية عن الحركة ايام طفولتها، وحالة الهلع، والخوف الذي أصابها.. متوهمة أنها قتلتْ الدمية.. !!.. اذن، هذه القصة تزدحم بالأحداث، وكان يمكن أن تُكتب بصيغة اخري وان تُجزأ الي اكثر من قصة..

في هذه القصة، لم تفتعل نازك الملائكة أي حدث، ولم تتوهم علاقة، ولم تزيف مشاعر، ولم تموه موقف... ثمة صدق جميل.. حتي والدها الذي تحترمه وتُجله، عكست ضجرة من تصرفاتها مع أختها الصغيرة.. "وكم مرة أحتج أبي علي انني اعكر جو المائدة بأثارة معارك كلامية مع الطفلة.." "كنت احياناً اغيظها بأن اسحب صحنها من أمامها فتحني رأسها وتسكت رافضة الكلام او الأحتجاج.."

واذا شئنا اخضاع القصة القصة للتحليل النفسي والمراجعة السايكولوجية علي عجل، فسنجد ذلك الفيض من المشاعر والأحاسيس والتخيلات والأنفعالات والتصورات التي تنتاب (الساردة) كشخصية محورية في القصة.. مما يسمح لنا ان تضعها اعني القصة في سياق القص النفسي.. فنجد مثلاً انها الساردة تتوهم أختها الطفلة الصغيرة، فتاة كبيرة عاقلة تضع مشاعرها في تضاد معها.. تقول: "وأما أنا فلم أعد أراها كما ينبغي طفلة صغيرة مشاكسة وانما تحولت بنظري الي انسان مدرك بما يصنع.."!! هكذا كانت (تهيؤات) الأخت الكبيرة.. ونستطيع ان نتفحص ونحن نقرأها مستويات متفاوتة من المواقف المثقلة بشحنات (نفسية عاطفية) لا تصل الي الدرجة السايكوباثية، مما ينتاب بعض أعضاء الأسرة، شخوص القصة في مراحل (الحدث السرد) الزماني المكاني وعلي مختلف الدرجات الذاتية والعامة، بل نفهم ان الرؤي والأحلام الكابوسية ونوبة الأغماء وسواها من الحالات تشكل خلفيات لمواقف وحوارات وتوترات للشد الدرامي...

تحليل الشعور

تقول "وأما أنا فقد شعرت بأعياء شديد وانقباض فأنسحبتُ الي غرفتي واغلقت بابها من الداخل، لم يكن بوسعي ان أحلل شعوري، غير انني كنت أعاني في داخل نفسي من شيء ما لا أستطيع تشخيصه..." وفي موضع آخر من القصة تتحدث (الساردة) عن حالتها "ثم بدأ احساس آخر أفظع ينمو في نفسي دون أن اشخصه أو أناقشه.. أتراني وحدي التي تغيرت!؟ أم تغير ابواي واياد ايضاً؟؟ " اما ذروة الشد النفسي في القصة فجاءت عبر ذلك الحلم الكابوسي الذي روته (الساردة).." ولم أدر ايضاً كيف غفوت وانا في وضعي غير المريح ذاك... ولكنني حلمتُ... كان المكان كبيراً شاسعاً أشبه بمحطة قطار أمريكية... وكانت معي حقائب كثيرة ثقيلة، ثم أقبل انسان لم أميزه في الحلم ووقف يكلمني دقائق وحين ذهب والتفتُ لم أجد حقائبي.. كان مكانها فارغاً ولسبب ما أخافني هذا الفراغ.. ورحت أبحث في المحطة عن حقائبي، أصعد سلالم وأهبط أخري، سلالم تجري في دوائر كابوسية الطبيعة، وكنت اري حقائبي من بعيد كل مرة فأثق من أنني سأصلها.... ولكن الدرجات كانت تنتهي فجأة بجدار يبزغ من الفراغ وينتصب امامي.... ثم راحت الجدران تضيق وتتعاكس والممرات تنعقد وتطول والسلالم تشتبك وانا لا أصل الي أي مكان قط.." هذا الحلم الغامض والمرعب الذي سردته راوية القصة يدلل علي شدة أنفعالاتها وأرتباك ما يحيط بها وهي في الغربة.

واذ تصل القصة الي ذروتها الدرامية، حتي من خلال ذلك الحلم الكابوسي والرؤي الفانتازية.. اذ ذاك يؤون أوان الأنفراج... فتختم القصة بأسطر نقرأ فيها الفرح والمرح الذي أصاب الأخت الكبيرة بعد أن لمست تبدل مواقف ومشاعر اختها الصغيرة ازاءها.. "لقد حملتها وركضتُ بها في المطار نحو الباب، نحو البيت، وقد نسيتُ حقائبي كلياً، ولم أخجل من سخف منظري وأنا أحمل هذه الطفلة وأركض وفي المكان كثير ممن يعرفونني..."

الرحيل في الغربة يجمع روّاد الشعر العراقي الحديث

قصيدة الكوليرا تجربة تطبيقية على التحديث

برحيل رائدة الشعر العربي الحديث نازك الملائكة يختتم المشهد الريادي جسديا، بعد رحيل زملائها الثلاثة بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري، لكن هذا المشهد يظل مفتوحا كما أراد له ابناؤه البررة، علي الكثير من اسئلة النقد والرصد والسجال.

كانت الحياة في العراق أبان الأربعينات حبلي بما يدور علي الأرض كما هو حال الرؤوس، وكان الشعراء، كالعادة أكثر الجميع حساسية واستجابة للأحداث سواء السياسية منها أو ما يرتبط بها ويشتبك معها من النواحي الأخري اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.

كل هذا يأتي ارتباطا بأحداث العالم المعاصر خارج العراق، وما أفرزنه الحرب العالمية الثانية من تغييرات كبري داخل وخارج العقل البشري، فتولدت حركات فكرية جديدة، شملت الأدب والفن والفلسفة، ما وجد انعكاسه واضحا لدي نخبة الأدباء العرب والعراقيين فدفعهم، هم الآخرون إلي طرح أسئلتهم بشأن الواقع وطريقة النظر إليه، وبالتالي التعبير عنه.

المغامرة غير قابلة للتأجيل

لم تعد الأساليب والطرق التقليدية المعروفة بقادرة علي استيعبب الواقع العربي بشقيه التوأمين: الموضوعي والروحي، فكان لابد من مغامرة كبري تهز مداميك الحياة الأدبية التي شيدت منذ حوالي ألف وأربعمئة عام، وتكرست في الصحراء العربية وقراها ثم مدنها وحواضرها الشاخصة، وقدر ما يتعلق الأمر بحركة التجديد الشعري فإن العراقيين هم الشعراء الأكثر تأثيرا وجدية في خوض مغامرتهم، أفرادا أو مجتمعين، كي لا أقطع بسبقهم التاريخي وأرشفة خطواتهم الأولي، أو أيهم الأسبق، فهذا أمر لم يزل مثيرا للجدل حتي اليوم.

لا يمكن تحديد بداية محددة لحركة التحديث الشعري العربي وقياسها بالمسطرة والناظور فهي حركة مركبة تشتغل داخل الذات الشاعر المعنية برصد واقع الحال الشعري والمتسائلة، وإلي حد ما المأزومة نتيجة ضيق الممرات التي تمر عبرها القصيدة فلا تسمح بالتدفق والجريان عندها يبدأ الشاعر أسئلته علي نفسه ومن ثم علي آخرين، ولكن من دون قرارات مسبقة أو بيانات انقلابية مكتوبة علي عجل.

ليس بوسع الشاعر أن يقرر خوض تجربته الخاصة فيجلس إلي مكتبه ويضع مخططا لعمله اللاحق في اليوم التالي. إنما تخاض المغامرات الكبري بفعل حاجة شخصية وموضوعية ملحة غير قابلة للتأجيل، فقصائد الشعراء الرواد التي سجلت اختراقهم المهم لم تنشأ من اجتماع عام بل همي نتيجة مكابدة طويلة تراكمت كمّا فتغيرت وغيّرت كيفا، وهم بذا، مع تفاوت حجم إسهاماتهم وأساليبهم وقاماتهم الشعرية، فتحوا الأفق واسعا لتجارب لاحقة أسست علي تأسيسهم وتنافذت معه وجادلته شعرا ونقدا وأسئلة مهمة.

حجم التجربة الداخلية

تقول الراحلة نازك الملائكة في الحديث عن تجربتها (مذكراتها المنشورة في مكان آخر من الزمان) ما معناه أن أنباء الموت ورحيل المئات يوميا بسبب الكوليرا في مصر هزها من الأعماق فلم تستطع الصمت فقررت أن تعبر عن مشاعرها، وكتبت قصيدة ورمت بها إلي سلة المهملات وكتبت ثانية فلم تعجبها "شعرت أنها لم ترسم صورة إحساسي المتأجج" ولما كتبت قصيدتها الثالثة بنظام الأبيات غير المتساوية "أحسست بسعادة بالغة... بعد أن ثبت عجز الشطرين عن التعبير".

هذا ما قصدته بشأن الحاجة الداخلية التي تملي علي الشاعر ابتكار طريقته الكفيلة باستيعاب عواطفه وتجربته ومكابداته.

كانت "الكوليرا" قصيدة الرائدة الراحلة أول قصائدها التي اتجهت بها نحو خوض مغامرتها التغييرية، رغم أن الملائكة لم تهجر قصيدة التفعيلة الكلاسيكية (العمودية) بل أن قصائدها (الحرة) لم تفارق البنية العامة للقصيدة الكلاسيكية، من حيث الالتزام بالعروض والقوافي، فالفرق الأبرز في تجربتها كما تعترف هي هو في عدد التفعيلات (طول الأشطر وقصرها).

إن تجربة الملائكة وقد تأسست لتصبح معلما وعمودا من نور في برية الشعر العربية لكن، أسوة بتجارب متزامنة أو لاحقة، لم يتأتي لها أن تثمر كما ينتظر منها، لأسباب تتعلق بالحياة السياسية والثقافية العربية التي يبدو أنها لا طاقة بها علي استيعاب المغامرات الكبري أو حتي المشاريع الإبداعية الواعدة، والغريب هو أن رواد شعرنا العربي الحديث رحلوا جميعا أما غرباء أو مطرودين من أوطانهم، فرحلت الملائكة في مصر ودفنت فيها ورحل السياب في الكويت ودفن في البصرة ورحل البياتي في عمان ودفن في دمشق ورحل بلند في لندن ودفن فيها ورحل شاذل طاقة في المغرب.

الرحيل لايميت القصائد..

عواد ناصر
__________________________________


نازك الملائكة توارى الثرى في مصر بعيداً عن وطنها

قال الدكتور براق عبدالهادي الابن الوحيد للشاعرة الراحلة نازك الملائكة اني حزين بحق لأني فقدت اعز شيء في حياتي وهي والدتي الحبيبة وبعد ان فقدت والدي العزيز من قبل. كانت والدتي طيبة القلب حلوة المعشر رقيقة الاحساس والمشاعر لها فكر ثر تميل دائما الي الابداع والعطاء ماكنتها الفكرية والأدبية لا تهدأ لأنها تعشق أدبها وعلمها الذي ورثته من عائلتها المعروفة بالنتاج الفكري الخلاق. وأضاف براق وبرغم من هذا الموقف المحزن والمؤلم فان وجود إخواتي وإخواني العراقيين من حولي الآن خفف علينا الكثير وخاصة بعد ان علمنا ان الرئيس العراقي جلال الطالباني قد بعث بمواساة لعائلتنا.

وعن تخليد وتمجيد تراثها الشعري الكبير أكد براق لقد اتجهت والدتي رحمها الله قبل وفاتها الي كتابة مذكراتها وقد جمعنا العديد من الوثائق المهمة لاعداد هذا الكتاب في مصر والعراق وتتجه النية الآن الي إكمال هذه الوثائق وقد تكون المذكرات جاهزة للطبع في القريب العاجل.

وقال براق أتوجه بالشكر والتقدير والعرفان الي العراقيين والمصريين كافة الذين وقفوا معنا في هذا المصاب الجلل.

وكانت مراسيم تشييع الشاعرة الراحلة حضره عدد من افراد الجالية العراقية الذين انضم اليهم عدد من المصريين من سكان حي سرايا القبة الذي عاشت فيه منذ وصولها لمصر عام 1990. ونقل جثمانها الذي لف بالعلم العراقي الي مقبرة مدينة 6 اكتوبر خارج العاصمة المصرية. وجرت مراسيم صلاة الجنازة علي روحها الطاهرة الخميس الماضي في جامع الامام كشك بمصر الجديدة بمحافظة القاهرة الكبري وبعد أداء مراسيم صلاة الجنازة حملت الراحلة علي الاكتاف لنقلها الي السيارة المخصصة لنقلها الي مثواها الأخير في مقبرة أل الملائكة في مدينة 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة لترقد مطمئنة راضية الي ربها لجانب زوجها الراحل الدكتور عبد الهادي محبوبة.

براق ابن الشاعرة الراحلة: مذكرات العائلة جاهزة للطبع


--------------------------------------------------------------------------------

المرض يحول بين الملائكة وكوليرا أخرى في العراق

العراق في محنته.. نسي نازك الملائكة، لكنها كانت تسأل عن الوطن وبغداد. هكذا يقولون من كانوا بقربها في ايامها الاخيرة.

ومن زمن نسينا شظايا ورماد الذي توهج بين يدي طفولتنا كنجوم ضوء داعبت خيالات احلامنا ويومها كان مدرسنا يحدثنا عن (الكوليرا) التي خرجت علي المألوف والسائد في الشعر.

وهذه العاشقة الساحرة حين اقعدها المرض لسنوات، ماعاد يتذكرها احد وهي التي علمت الاجيال عبر ابداعها في الشعر الذي اقتفي اثره كثيرون وعبر الدروس الاكاديمية في جامعات العراق والقاهرة.

عاشقة الليل.. رحلت غريبة عن العراق، شأنها شأن ملايين العراقيين، يذوقون الم الغربة، بعيدا عن الاهل والاصدقاء ومرابع الصبا.

عاشقة الليل رحلت والعراق تنهشه كوليرا الطائفية والاحتلال، والقصيدة العراقية تجسدها صور المآسي والانتهاكات التي تجري اليوم علي الارض التي احبت.

تري كيف نبدو اليوم بدون الملائكة، وكيف سيكون الشعر والكبار الذين حفروا درب القصيدة يمضون. نازك الملائكة التي ابتكرت الحداثة، اغمضت جفنيها علي ماساة العراق وكم كان بودها ان يكون يومها الاخير هناك في بغداد.

لقد مزقوا احلامها.. اولئك الذين زرعوا علي الارض اشواك الحقد، وشردوا العراقيين في المنافي، وقتلوا الشعب في الداخل.

انها الغيبوبة الابدية الان، ايتها العراقية المبدعة، بعد ان ذقت في حياتك غيبوبة اخري داهمتك في الزمن الكئيب، وارغمتك مقعدة عن وطنك واحبائك.

الملائكة امراة النبوءة.. تقول: في عام 1947 انتشر وباء الكوليرا في مصر، وبدأنا نسمع الاذاعة تذكر أعداد الموتي يومياً، وحين بلغ العدد ثلاثمائة في اليوم انفعلت انفعالاً شعرياً، وجلست أنظم قصيدة استعملت لها شكل الشطرين المعتاد، مغيرة القافية بعد كل أربعة أبيات أو نحو ذلك، وبعد أن انتهيت من القصيدة، قرأتها فأحسست أنها لم تعبر عما في نفسي، وأن عواطفي مازالت متأججة، وأهملت القصيدة وقررت أن أعتبرها من شعري الخائب " الفاشل " وبعد أيام قليلة ارتفع عدد الموتي بالكوليرا الي ستمائة في اليوم، فجلست ونظمت قصيدة شطرين ثانية أعبر فيها عن احساسي، واخترت لها وزناً غير القصيدة الأولي، وغيرت أسلوب تقفيتها ظانة أنها ستروي ظمأ التعبير عن حزني، ولكني حين انتهيت منها شعرت أنها لم ترسم صورة احساسي المتأجج، وقررت أن القصيدة قد خابت كالأولي، وأحسست أنني أحتاج الي أسلوب آخر أعبر به عن احساسي، وجلست حزينة حائرة لا أدري كيف أستطيع التعبير عن مأساة الكوليرا التي تلتهم المئات من الناس كل يوم.

وتضيف نازك: وفي يوم الجمعة 27/10/1947 أفقت من النوم، وتكاسلت في الفراش أستمع الي المذيع وهو يذكر أن عدد الموتي بلغ ألفاً فاستولي عليّ حزن بالغ، وانفعال شديد، فقفزت من الفراش، وحملت دفتراً، وغادرت منزلنا الذي يموج بالحركة والضجيج يوم الجمعة، وكان الي جوارنا بيت شاهق يبني، وقد وصل البناؤون الي سطح طابقه الثاني، وكان خالياً لأنه يوم عطلة العمل، فجلست علي سياج واطئ، وبدأت أنظم قصيدتي (الكوليرا) وكنت قد سمعت في الاذاعة أن جثث الموتي كانت تحمل في الريف المصري مكدسة في عربات تجرها الخيل، فرحت أكتب وأنا أتحسس أصوات أقدام الخيل:

سكن الليل

أصغ، الي وقع صدي الأنات

في عمق الظلمة، تحت الصمت، علي الأموات

ولاحظت في سعادة بالغة أنني أعبر عن احساسي أروع تعبير بهذه الأشطر غير المتساوية الطول، بعد أن ثبت لي عجز الشطرين عن التعبير عن مأساة الكوليرا، ووجدتني أروي ظمأ النطق في كياني، وأنا أهتف:

الموت، الموت، الموت

تشكو البشرية تشكو مايرتكب الموت

وفي نحو ساعة واحدة انتهيت من القصيدة بشكلها الأخير... وركضت بها الي أمي فتلقفتها ببرودة، وقالت لي: ماهذا الوزن الغريب؟ ان الأشطر غير متساوية، وموسيقاها ضعيفة يابنتي، ثم قرأها أبي، وقامت الثورة الجامحة في البيت، فقد استنكر أبي القصيدة وسخر منها واستهزأ بها علي مختلف الأشكال، وتنبأ لها بالفشل الكامل، ثم صاح بي ساخراً : "وماهذا الموت الموت الموت ".... وراح إخوتي يضحكون وصحت أنا بأبي:

قل ماتشاء، اني واثقة أن قصيدتي هذه ستغير خريطة الشعر العربي.

بهذا الاصرار كتبت نازك الملائكة قصيدتها لكن المرض اقعدها من ان تكتب قصيدة (الكوليرا العراقية).

عدنان ابو زيد


--------------------------------------------------------------------------------

رحم الله نازك الملائكة
رحيل الملائكة المبجل

لي حكاية مع رحيل الشاعرة العراقية الكبيرة والناقدة المبدعة نازك الملائكة التي توفيت في القاهرة بعد صراع طويل مع المرض كادت أن تحدث مشكلة بين ولدها الدكتور براق عبد الهادي وجريدة (الزمان) اللندنية لولا حسن تدبر الصديقة الشاعرة السورية لينا الطيبي التي كانت مسؤولة القسم الثقافي في الجريدة عام 1999 وتحديدا في عدد الزمان 369 الصادر يوم الخميس الموافق 8/7/1999وهو الزمن الذي نشرت به مقالي (رحيل نازك الملائكة المبجل) علي الصفحة 11

وكانت قد جمعتني جلسة عائلية مع أسرة عراقية وأثناء الحديث همست أمرأة كبيرة في السن انها في مقتبل حياتها كانت تكتب الشعروانها كانت تعرض قصائدها علي المرحومة نازك الملائكة اذ كانت تربطها علاقة متينة مع عائلتها

سألتها: ولماذا تقولين المرحومة؟

أجابتني: ألم تسمع بخبر وفاتها؟

قلت لها: لا ,ولكنني أذكر ان خبرا كهذا نشر قبل أكثر من ثلاثة أعوام من عام 1999 بالطبع - نشر في الصحف المصرية ثم كذب في حينه

أجابتني: نظري ضعيف فلا أقرأ الصحف لكن رسالة من شقيقتها وصلتني تخبرني بذلك النبأ

سألتها: متي؟ أجابت: قبل ستة شهور

عندها لم يبق في داخلي شك وقلت: ربما نشر الخبر في الصحف وفا الشاعرة العراقية الكبيرة والناقدة المبدعة نازك الملائكة التي توفيت في القاهرة بعد صراع طويل مع المرض.

وتعد الملائكة (1922-2007) من أوائل من كتب الشعر الحر، إلي جانب الشاعر الراحل بدر شاكر السياب.

وقد تركت تراثاً شعرياً جديراً بالتقدير ومن بين مجموعاتها الشعرية (عاشقة الليل) و(قرارة الموجة) و(شجرة القمر) و(يغير الوانه البحر) و(الصلاة والثورة) إلي جانب كتاباتها في النقد الأدبي ومن أبرزها (قضايا الشعر المعاصر) و(التجزيئية الشعرية).

ربما قد يكون فاتني الإطلاع عليه لم أكن قد دخلت عالم النت حينذاك - وعجبت كيف يمكن أن يفوتني خبر كهذا !!خصوصا ان جريدة الزمان تصلني آنذاك أيضا- بشكل منتظم واتواصل مع الصحف والأصدقاء عبر الاتصالات والرسائل كما هو عهدي دائما- ولم يذكر لي أي شخص خبرا كهذا!!

فلم يبق أمامي سوي تفسير واحد تمليه طبيعة الشاعرة نازك التي مالت الي العزلة في السنوات الأخيرة وقد رأيتها في بغداد عام 1986 حاضرة في مهرجان المربد وكان معي صديقي الشاعر فضل خلف جبر حيث شاهدناها تدخل في مشادة مع المصور جبار غريب لأنه حاول التقاط صورة لها !!وبعد عودتها الي العراق في مطلع التسعينيات باءت كل محاولاتنا في إجراء مقابلة معها لجريدة "الجمهورية " بالفشل حينما جعل رئيس تحريرها آنذاك- الأستاذ سعد البزاز الحصول علي مقابلة معها سباقا ساخنا بيننا وحتي ان الزميلة هدي جاسم تجرأت واتصلت بها هاتفيا وحصلت منها علي موافقة مبدئية أثارت حسدنا لم تكتمل فرحتها, فقبل الموعد المقرر لإجراء المقابلة نقل لي الأستاذ خضر الولي انزعاج الشاعرة الكبيرة وزوجها الدكتور عبد الهادي محبوبة من ذلك الاتصال!!!

وعندما وصلت الي العاصمة الأردنية عمّان عام 1994 للعلاج عاودني حلم لقائها وحاولت مع الزميل الكاتب يحيي القيسي الذي كان يراسل صحيفة تونسية إجراء المقابلة لكن فشلت محاولاتنا وبعد إلحاح شديد أقنعنا العاملة المغربية في الفندق الذي تقيم به , بعد ان عيينا من الاتصال بها وكانت موجودة في غرفتها ,أن تفتح غرفتها بمفتاحها فوجدنا إنها وضعت السلسلة من الداخل وسألنا تلك العاملة عنها فقالت إنها الشاعر الفلسطيني الذي يقيم في تلك الغرفة-وأشارت الي غرفة الشاعر محمود درويش الذي تصادف وجوده مع وجودها في عمّان- يزورها وتزوره فقط!!

وقد عرضت علي الشاعر الرائد عبد الوهاب البياتي الذي كان في عمّان أيضا أن نقوم نحن الأدباء العراقيين بزيارتها للمستشفي بعد أن زارها وفد من الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب علي رأسه فخري قعوار فوافق في البداية مبدئيا لكنه في اليوم التالي اعتذر وقال انه سمع إنها فقدت الذاكرة وربما سنتعرض لموقف محرج!!!

فتراجعنا عن الفكرة

قلت في ذلك المقال - ربما هذه الطبيعة المائلة الي العزلة وكره الأضواء تنسجم مع إخفائها خبر رحيلها عن قرائها لأنها تريد ان تبقي حية بنصوصها الشعرية وفتوحاتها النقدية وربما أرادت ان تشفق علينا نحن الذين شهدنا أفول عصر الكبار برحيل الجواهري ونزار قباني وعلي الوردي بعد أقل من شهر من نشر ذلك المقال رحل عبد الوهاب البياتي- ولا تريد أن تضيف الي قلوبنا جرحا جديدا!!

وفي اليوم الذي نشر المقال اتصلت بي الشاعرة لينا الطيبي لتنقل لي استياء الدكتور براق من المقال ,لكنها بحنكتها استطاعت أن تجعله يهدأ

لكن لغز حياتها وموتها ظل عالقا

فهي لا تحضر حفلات تكريمها!!

ولم يقل احد إنه شاهدها وقبل شهرين عندما عادت الدكتورة سعيدة بنت خاطر من القاهرة وهي إحدي طالبات الشاعرة نازك فسألتها عنها فورا فأعادت لي شكوكي بكونها باقية علي قيد الحياة بل إنها أيدت طرحي وقالت " إن شاعرة حساسة مثل نازك , حساسة لدرجة إنها قاطعت كل طالبات صفنا-كما قالت-في جامعة الكويت لأننا ضحكنا فعلقت:هل تضحكن وفلسطين محتلة؟ وانقطعت عن تدريسنا الي ان قدمن اعتذارا لها "

وبنفس الوقت لم تجزم الدكتورة سعيدة إنها رحلت لأن الشاعرة ريم قيس كبه أكدت لها إنها التقت بها مؤخرا وبين هذا وذاك ظل الأمر معلقا حتي جاء خبر رحيل هذه الشاعرة التي تعد (1922-2007) من أوائل من كتب الشعر الحر رحلت شاعرة (عاشقة الليل) و(قرارة الموجة) و(شجرة القمر) و(يغير ألوانه البحر) و(الصلاة والثورة) والناقدة التي تركت لنا العديد من الكتب النقدية لعل أبرزها (قضايا الشعر المعاصر) والتجزيئية في المجتمع العربي).

رحلت وظلت مرثيتها للإنسان تردد:

أيّ غبن أن يذبل الكائن الحيّ

ويذوي شبابه الفينان

ثم يمضي به محبوه جثمانا

جفته الآمال والألحان

وينيمونه علي الشوك والصخ

ر وتحت التراب والأحجار

ويعودون تاركين بقايا

ه لدنيا خفية الأسرار

...

كان قلبا له طموح فماذا

ترك الموت من طموح الحياة

لكن الملائكة لم ترحل.. لأنها تركت لنا كل هذا التراث الشعري والنقدي.

عبدالرزاق الربيعي

داليا الهواري
07-07-2007, 10:34 PM
كريم مروة الحياة - 06/07/07//


رحلت الشاعرة العراقية نازك الملائكة، أولى شاعرات العصر الحديث في عالمنا العربي، بعدما كانت صمتت طويلاً، وغابت عن الشعر وعن الحياة العامة وعن العلاقات بعالم الأدب. وفقد الشعر العربي بغيابها واحداً من رموز نهضته الحديثة.
ولأنني تعرفت إلى نازك الملائكة في أواخر أربعينات القرن الماضي، أي في الوقت الذي كان قد بدأ اسمها يتردد في الأوساط الشعرية في العراق، إثر صدور ديوانها الأول «عاشقة الليل»، كواحدة من رواد الشعر الحديث، فإنني أجد نفسي اليوم، بعد غيابها، مدفوعاً، تلقائياً، للكتابة عنها، سواء من خلال المعرفة الشخصية القديمة، أم من خلال الدواوين والكتب التي صدرت لها، والكتب والكتابات التي صدرت عنها، وأهمها الكتاب الذي صدر لصديقتها حياة شرارة، «صفحات من حياة نازك الملائكة». وما أكتبه هنا عن نازك الملائكة، وما كتبته عن أمثالها من الأدباء والشعراء والفنانين، لا يدخل في نطاق ما يكتبه النقاد، أو المؤرخون للآداب والفنون في بلداننا. بل هو نوع من الكتابة اعتدت أن أمارسه كمتعة استثنائية، اكتشفتها بعدما غادرت العمل السياسي المنظم.
أتيح لي أن أتعرف إلى نازك الملائكة في بدايات ظهور اسمها في عالم الشعر. كان ذلك في العراق، في عام 1947. ففي أواخر ذلك العام بالذات أرسلني والدي الشيخ أحمد لمتابعة دراستي في بغداد، في كنف ابن عمه الأديب والفيلسوف، ورجل الدين السابق، حسين مروة. كنت في السابعة عشرة من عمري. وكنت شغوفاً بالأدب، شعراً وقصة ورواية ونصوصاً مسرحية. وكنت أتابع بنهم، منذ سن مبكرة، قبل أن أنتقل إلى العراق، ما كان يصل إلى لبنان، من مصر على وجه التحديد، من مجلات أدبية ومن دواوين شعر ومن روايات وقصص ومسرحيات. لذلك وجدت نفسي، مع ابن عمي حسين مروة، ومع ابنه نزار، رفيق عمري، سريع الدخول في عالم الأدب والأدباء في العراق. وكان صديق العائلة، الأديب والشاعر محمد شرارة، المرجع والمصدر الثاني لعلاقتي بهذا العالم الرحب. وكان منزل شرارة في الكرادة الشرقية ملتقى الأدباء والشعراء، إلى جانب منزل حسين مروة في مدينة الكاظمية، ومنازل أخرى من أصدقاء ذلك الزمن. في منزل محمد شرارة تعرفت إلى نازك الملائكة وإلى كل من الشعراء بدر شاكر السياب وبلند الحيدري ولميعة عباس عمارة وسواهم. ثم صرنا نلتقي، أفراد عائلة حسين مروة وأفراد عائلة محمد شرارة، وأنا معهم، في منزل صادق الملائكة، كي نجتمع إلى ابنته نازك، ولنستمع إلى حديثها في الأدب، وإلى قصائدها الجديدة، التي كانت تتلوها علينا بحياء وخفر، هما سمتان لصيقتان بنازك، لم يغادراها، كما أخبرت، حتى وهي في عمرها الذي تجاوز الثمانين. وكان والدها صادق الملائكة يكثر من الحديث في اللغة ليؤكد لنا سعة اطلاعه على شؤون لغتنا العربية وشجونها، في الصرف والنحو، وفي معاني المفردات وفي سوى ذلك. أما أم نزار، والدة نازك، فكانت تتحدث إلينا في الشؤون الأدبية العامة، من موقعها كأديبة، وكشاعرة. وهي، بهذه الصفات والكفاءات، ربت ابنتها نازك، وساعدتها في تفجر مواهبها الشعرية. لكن علاقتي مع نازك لم تدم أكثر من العامين اللذين أمضيتهما في العراق. وكان هذا شأن علاقتي مع بدر شاكر السياب، الذي ربطتني به خلال ذينك العامين علاقة صداقة، بحكم كوني انتميت إلى الشيوعية في ذلك التاريخ بالتحديد، وكان هو واحداً من مناضلي الحزب الشيوعي العراقي الأشداء. وبقي لي من صداقات تلك الحقبة من حياتي، من شعراء العراق، شاعران كبيران، من مدرستين مختلفتين في الشعر، هما محمد مهدي الجواهري وبلند الحيدري. وظلت صداقتنا تتعمق حتى آخر لحظة من حياتهما العامرة.
في العام 1936، وكانت في الثالثة عشرة من عمرها، نظمت أول قصيدة لها، بالمعنى الحقيقي للشعر. وحين أطلعت والدها على القصيدة دهش، وكاد لا يصدق أن نازك قد أصبحت قادرة على امتلاك ناصية الشعر في مثل هذه السن المبكرة. لكن نازك سرعان ما بدأ يسيطر عليها، منذ وقت مبكر، شعور بالعزلة والأسى، على رغم ما اقترن بشخصيتها من غنى، وتفجر طاقاتها الإبداعية، وهي في تلك السن المبكرة. وظلت هذه العزلة رفيقتها على امتداد حياتها. ويبدو أنها كانت متأثرة بملحمة الشاعر اللبناني المهجري ايليا أبو ماضي المعروفة بعنوان «لست أدري». وهي تقول في مذكراتها الآنفة الذكر، ربما تفسيراً لتلك العزلة المقترنة بالتشاؤم التي استولت عليها:»التفكير الفلسفي عادة تملكتني منذ الصبا. فقد كنت دائماً أحب أن أفلسف كل شيء وأغوص في حيثياته وأسبابه. وفي سنوات النضج أقبلت على قراءة الفلسفة. وفي أيام الشباب أثرت فلسفة شوبنهاور المتشائمة تأثيراً شديداً في نفسي».
في عام 1939 أنهت نازك دراستها الثانوية وانتسبت إلى كلية الآداب. وتابعت كتابة الشعر، وهي في الكلية تغرف من المعارف ما يلبي طموحها. وكان يستهويها نظم الشعر بالاشتراك مع والدتها. وفي عام 1940 ألقت أول قصيدة لها في محطة الإذاعة العراقية. وفي عام 1941 نظمت بالاشتراك مع والدتها ومع خالها جميل قصيدة بعنوان «بين روحي ودنياي»، كل بيت يشير إلى صاحبه بالحرف الأول من اسمه. في العام 1942 دخلت نازك معهد الفنون الجميلة في فرع العود. ودخلت قسم التمثيل في المعهد.
إلا أن من أغرب ما عرف عن مزاج نازك عزوفها عن الزواج. وشكلت في النصف الثاني من الأربعينات جمعية ضد الزواج ضمت شقيقتها إحسان والروائية ديزي الأمير. لكن الجمعية سرعان ما تصدعت. إذ راحت المنتسبات إليها يغادرنها إلى الزواج، الواحدة تلو الأخرى. وكانت أولاهن شقيقة ديزي الأمير.
هكذا، وفي شكل متدرج صعوداً، أصبحت نازك الملائكة شاعرة عراقية معترفاً بها بين الشعراء، وشاعرة عربية معترفاً بها بين الجيل الجديد من الشعراء العرب. وتكرس ذلك الأمر مع صدور ديوانها الأول «عاشقة الليل» في خريف عام 1947. وقد ضم الديوان أهم قصائدها، التي اختارتها هي من بين ما كتبته من قصائد في الفترة الممتدة من أول قصيدة لها حتى ذلك التاريخ من العام 1947. وحمل الديوان مجموع ما اتصفت به نازك من حزن وأسى وسوداوية. لكنه قدمها إلى القراء كشاعرة من نوع مختلف. إلا أن شعرها في هذا الديوان ظل أميناً لقواعد العروض كما تعلمتها مع خالها منذ وقت مبكر. وبدأ الشعراء يلتفون حولها ويرحبون بها في ناديهم الذي كبر بانضمامها إليه. ونظم بعضهم قصائد أو أبياتاً ترحب بها. إلا أنها سرعان ما بدأت محاولات في كتابة الشعر الحر. وكانت أولى قصائدها في هذا النوع من الشعر قصيدة «الكوليرا»: الموت، الموت، الموت/ تشكو البشرية، تشكو ما يرتكب الموت». وقد أثار هذا النمط من الشعر والدها، فوجه نار نقده لها في هذا البيت: «لكل جديد لذة غير أنني/ وجدت «لذيذ «الموت غير لذيذ»، فانتفضت نازك بغضب وتحد وقالت: «قل ما تشاء، إني واثقة بأن قصيدتي ستغيّر طريقة الشعر العربي».
في العام 1949 صدر ديوانها الثاني «شظايا ورماد» حاملاً إلى القراء تحول نازك في اتجاه الشعر الحر. وكانت أولى سفراتها خارج العراق في ذلك العام بالذات الذي صدر فيه ديوانها هذا . وكانت وجهتها لبنان.
ومع صدور ديوانين لها انطلقت نازك في العالم الأرحب. ذهبت في أسفار دراسية، ثم في أسفار لإلقاء محاضرات، ثم في أسفار من أنواع مختلفة. وعلى رغم الشهرة التي كانت تلاحقها في سفراتها، ، ومع أنها كانت غادرت العزوبية، وتزوجت، وأنجبت أطفالاً، إلا أنها ظلت، كما هي، في مزاجها السوداوي الذي لم يفارقها. في تلك الفترة من حياتها بدأت نازك تمارس أنواعاً مختلفة من الكتابة. كتبت قصصاً قصيرة. وكتبت في النقد الأدبي. وفي مجالات أدبية أخرى. وصدرت لها ترجمات عن الإنكليزية لعدد من الأدباء والشعراء.
وواكبت نازك في شعرها أحداث وطنها العراق، وأحداث العالم العربي. وأكدت بذلك أنها، على رغم ما هي فيه من سوداوية، معنية بما يجري في العالم العربي من أحداث. وهي أحداث كانت، بمجملها، مأسوية، تمثلت في هزائم سياسية وعسكرية، الأساسي منها كان يتعلق بفلسطين، وبعضها الآخر كان يتعلق بالعراق، وبعضها الثالث كان يتعلق بالوحدة العربية. وكان أبرز ما أثار مشاعرها انتكاسة الوحدة المصرية – السورية، وهزيمة العرب في حرب حزيران عام 1967.
تغيرت طرائق نازك الملائكة في كتابة الشعر، بين الحديث منها والكلاسيكي. لكنها انتقلت في القسم الأخير من حياتها إلى الشعر الموزون والمقفى. وقد عبرت عن موقفها من الشعر في أكثر من مقدمة من المقدمات التي وضعتها لدواوينها.
غابت نازك الملائكة عن كتابة الشعر منذ سنوات عدة، فهي مرضت، وأقامت في المرحلة الأولى من مرضها في العراق، ثم في عمان، ثم في القاهرة. وظلت في الأعوام الأخيرة من حياتها في القاهرة ترفض أن تزور أحداً، أو أن يزورها أحد. وكان زوجها يجيب بالنيابة عنها على أسئلة المتصلين بها معتذراً عن عدم قدرتها، وعدم استعدادها، لاستقبال الزائرين. ثم أصبح ابنها يقوم بالمهمة الصعبة بعد وفاة زوجها. وكان بدأ ذلك السلوك عندها، عندما كانت لا تزال في العراق. وقد روت حياة شرارة، في كتابها الممتاز عن حياة نازك، صعوبة اتصالها بها، على رغم ما كان يربط العائلتين من أواصر الصداقة منذ البدايات، في أربعينات القرن الماضي.
هذه هي نازك الملائكة شعراً، وحياة، وسيرة، وأمزجة، ومشاعر، ومواقف سياسية وفكرية ورومانسية، وسوى ذلك مما يكمل صورة هذه الشاعرة العراقية التي غادرت الحياة عن أربعة وثمانين عاماً قبل أن تفي بما وعدت به في حديثها حول جديد ما يختمر عند المرء في مثل هذا العمر.