PDA

View Full Version : لوركا عندليب الأندلس



Ophelia
27-06-2007, 04:32 AM
http://upthings.googlepages.com/lorca.jpg


"لم تنظم بعدُ القصيدةُ التي تنغرز في القلب كما ينغرز
السيف".
"على الشاعر في عصرنا هذا، أن يفتح عروق دمه، من
أجل الآخرين".
"لست برجلٍ، ولا بشاعرٍ أو ورقة، بل نبضة مجروحة
تسبر الطرف الآخر من الأشياء".

فدريكو غارسيا لوركا





لقد رأوه يسعى،
انحتوا، يا رفاقي، للشاعر،
لحداً مقدوداً من حجر وحلم،
في الحمراء،
فوق نبعٍ، ينتحب فيه الماء،
ويلغوا دوماً:
ههنا اقترفت جريمة في غرناطة،
في غرناطته.

أنطونيو ماشادو



لوركا.
وتخفِق هذه الكلمة في سمعي، حرةً، هازجةً، مبريةً بالنور، ويخيلُ إليَّ، وأنا أترنّم بها، أن الدم القاني قد أحال حروفها إلى أوردة نابضة ينسرب فيها هادراً، متلظياً يحرق اللحم.

ويقفز طيف لوركا من متاهات خاطري، مسربلاً بسمفونية شعره الحزينة الشجية، وأرى إليه بين طيوفٍ شقيةٍ أخرى، مهوِّماً في ضاحية (فيزنار)، مرتعشاً شاحباً، عند منبلج الفجر، ويعدو لاهثاً، متعثراً متزايل الخُطا، وتثقب وشاحَ الصمت طلقاتٌ متتابعةٌ نابحةٌ من الرصاص خلفه، ويظل صداها هنيهةً معلقاً بالفضاء مشدوداً إليه، وتتساقط طيوف الضحايا، ويترنح من بينها طيف لوركا وتتشبث راحتاه لحظاتٍ، بدفَّةٍ موهومةٍ عائمةٍ في بحر السماء، ثم تنبسط قبضتاه المتشنجتان، وتنسلُّ منهما الحياة، خفقةً خفقةً. وينفِض جفناه المختلجان المكدودان المؤرَّقان مرابعَ مدينة غرناطة، غرناطة التي أحبها وتغنى بها، غرناطة التي تلد فوق رباها شلالاتٌ من الألوان المغنية. هناك يشهر من يسعى في كلّ مُضطرب منها أنه يمشي فوق بركان، هناك تجثُمُ في أيّ درب، أيِّ ركن من بيت، أشلاءُ أصداءٍ عربية.
وتهاوى الطيف الجريح ، فوق بِرْكةٍ حمراء من رحيق القلب، تُراه كان يريد أن يخلُدَ إلى الغفوة الكبرى؟ تُراه كان يغمغمُ كلماتٍ من قصيدته (الموت الغامض)؟:


أريد أن أنامَ لحظة.
لحظةً واحدةً، دقيقةً، دهراً.
ولكن ليعلم الجميع، أن فوق شفتي،
- وإن لم أمت – مَنجماً للذهب،
وإنني الظلُّ الكبير لدموعي.

ويغتمض الجفنان المنتضِحان بالعرق والدمع والدم، وتمّحي منهما غرناطة.
ولكن صدى سمفونيته الشعرية الحزينة، ما يزال يناسم سمعي، وينقلني على غوارب الخيال، إلى عالم مترع بالألق واللون والنغم.


***


في ضاحية من ضواحي غرناطة في (فونتي فاكويروس) في الخامس من حزيران عام 1898، ولد (فدريكو غارسيا لوركا).

ويرفرف خاطري، كفراشةٍ غريرةٍ، حائمةٍ فوق الدارة التي ولد فيها، واستلت صيحته الباكية الأولى إنها دارة أندلسية ريفية هادئة، ترتشف جدرانها البيض المليسة المشيدة بالجِصّ الأشعةَ الدافئةَ، ويمزُجُ سقفُها المسطحُ القرميدي حمرته القانية بلُعاب الشمس، وتتسلق عَذَباتُ أغصان الياسمين النوافذَ والشرفات، وتهرقُ في الحنايا الرطيبة أغنيةَ الأريج الأبيض.

هذا هو أبوه (الدون فدريكو رودريغيز) بطلعته المهيبة الواشية بالطيبة وبالاستقامة. إنه – كما يقول عنه ابنه (فدريكو) – رجلُ الحقولِ النقي، وكان مزارعاً يتحدّر من أسرة ريفية كريمة النّجار غنية.

وهذه هي أمه (الدونا فيسنتا لوركا) الزوجة الوفية والأم الرؤوم، تُطلُّ بوجهها العذب الوديع الملائكي، وكانت من اسرة أندلسية عريقة، ولئن كانت أقلّ ثراء ويسراً من زوجها، لقد عرفت كيف تستصفي وِدّ القلوب إليها، وتكسبُ التقدير والاحترام لشخصها، وكانت قبل أن يبني بها (الدون فدريكو) معلمة رزاناً مثقفة كلفةً بالشعر والموسيقا.

في ظل هذين الإنسانين الدمثين، نشأ فدريكو وأخوته فرانسيسكو وكونشا وايزابيل الذين تعاقبوا بعده.

وقد انتهى إلى فدريكو من طبائع أمه، ذكاؤها وشعورها المرهف الرقيق وشغفها بالشعر والغناء، وورث عن أبيه سخاءَه ونزقَه وطيبته ووفاءه ودأبَه، وائتلفت هذه السجايا في نفسه، لتجعل منه إنساناً ذا شخصية آسرةٍ مشحونةٍ – كما يقول عنه (رفائيل البيرتو) – بجاذبية ساحرة شبه كهربائية.

وكان على هذه المزايا أن تلتقي – كحُزمة أشعةٍ منثالة - في بؤرة قلبه، ليتأجج ، محترقاً وهاجاً، وينفِضَ نورَه على وجهه. وكان وجهه – كما تقول الموسيقية (مارسيل شفايتزر)- يتألق بألف شعاع داخلي.

وكان على لوركا أن يشرئبّ في عصره ذاك، لأن الضرورة كانت تفرض وجوده، فقد كان مصيره الدموي، معلقاً بمأساة وطنه، مندغماً بها، في فترة عصيبة من تاريخ اسبانيا المعاصر.


ويغازل فكري سؤال شهي: تُراه خَلَصَ إليه من أبيه أو من أمه أو من كليهما قطرات من دم عربي كان يجري في أعراق أجداده؟.

يقول الناقد بارو: لدى لوركا كلُّ مزايا عرقه ومآخذه، وليس من المستحيل أن تسريَ في أوردته قطراتٌ من ذاك الدم العربي الذي صنع عظمة غرناطة.

وأرجّحُ أن الدم العربي رفد قلب الشاعر النبيل، ولعلك تلمح، إن أنعمت النظرَ في قسماتِ وجهه ملامحَ تشي بأصله العربي.

على أن روحه ظلت ، على أي حال، عربيةً، يورد الناقد (دومينيكيز) حين التقى به: "إن لهجته الجنوبيةَ القويةَ العذبةَ معاً،ـ تخلُبُك بسحرها، إن لوركا يؤمن بالعرب، بل إنه أقرب إلى أن يكون عربياً من أن يكون أندلسياً".

وحين سأله الرسام باغاريا: "أتعتقد يا فدريكو أنها لحظةٌ سعيدةٌ تلك التي سلّم فيها الملوك العرب مفاتيح غرناطة إلى المنتصرين؟.
أجاب لوركا: "لا، لقد كانت كارثةً لنا، على الرغم من كل ما يرددونه في المدارس. إن مدينةً رائعةً وشعراً وفلكاً وهندسةً ورهافةَ ذوق، لا مثيل لها في الدنيا، قد امّحت وتوارت، وانزاحت عن مدينة فقيرة ضئيلة: مدينة غرناطة التي تعجّ بأحقر بورجوازية في اسبانيا كلها".



***




من كتاب:
قمم في الأدب العالمي
للدكتور بديع حقي
...


يتبع..

داليا الهواري
27-06-2007, 05:16 AM
تحملين إلينا لوركا
تحملين إلينا شعر الجهتين
جهة كانت تسكنها الكائنات الحالمة، و اخرى تسكنها الحرب، قبالة جسر مشى عليه لوركا مشيته الأخيرة
و لم يعد...
نتابعك

Ophelia
27-06-2007, 09:35 PM
أرأيتم إليه في طفولته السعيدة، يثب كنحلة مرحة دؤوب من حقل إلى حقل، ليدَّخِرَ في ذاكرته صوراً معسولةً شهيةً ويذيبها في شعره ومسرحياته.

" كانت طفولتي ريفيةً: رعاةٌ، حقولٌ، سماءٌ، عزلةٌ، بساطةٌ، وإنني لأعجب حين يظن أن في أدبي افتعالاً وجرأةً، لا، إن كل ما وصفت كان حقيقياً.

وقد هيَّأت له أمه جواً شاعرياً، وكان أبوه على دأبه واشرافه المتصل على أراضيه يروِّح عن نفسه بعد انتهاء العمل، بالغناء والطرب، فتنعقد السهرة في دارته ، يعربد فيها الغيتار وتهزج أنغام الفلامنكو.

ونهلت أذنا الطفل الواعيتان الأغاني الأندلسية الطلية. كان في ميسوره في السنة الأولى من عمره أن يتابع اللحن، وفي السنة الثانية أن يلهج بالغناء، وفي الثامنة، أن يحفظ أكثر من مائة أغنية.

بيد أن جسمه كان نحيلاً عليلاً، ونأى سُقْمُه عن مشاركة لداته واخوته في لعبهم الصاخب، وفزع إلى الحديقة، يتحدث إلى الذَّر ويخاطب الطير، ويراعي الشجرَ ويرى إلى الأغصان تنسج الريح وإلى الورد يلون النسيم بالشذا.

وكان يطيب له أن يصطحب أمّه إلى الكنيسة، وقد تأثرت نفسه المتوفّزة الحساسة بالجو الديني العميق فإذا هو يعمد إلى ارتداء ثوبٍ سابغٍ كمسح الراهب ويلوذ مع إخوته بجدار الحديقة ويصنع تمثالاً للعذراء ويرتّل القداس، شريطة أن تنشج بالبكاء فعلاً، رعيته الصغيرة: إخوته ولداته وخادمته الوفية (دولوريس).

وقدمت ذات يوم، إلى الضاحية ، فرقة غجرية مثلت مسرحيات تلعب فيها الدمى والعرائس، وفي المساء لم يرضَ الطفل أن يطعم شيئاً تعجلاً لمشاهدتها، وقد حضرها مفتوناً مأخوذ اللب، وفي اليوم التالي، عدل عن ترتيل القدّاس المألوف واستبدل به مسرحاً صغيراً للعرائس، وظل هذا المسرح مشغلته طوال حياته.

وقد علمته أمه مبادئ القراءة والكتابة، ثم تعهد تدريسه معلمٌ صديق للأسرة هو (أنطونيو اسبينوزا)، وكان له فضل في إغرائه بالمطالعة وإنماء مواهبه الفنية المبكرة.


***


وانتقلت الأسرة من الضاحية إلى دارة جميلة في أطراف غرناطة، ليتسنى لفدريكو وأخوته متابعةُ دراستهم في مدرسة ثانوية.

ها هو ذا أضحى فتى ربةً قسيماً منظراني الوجه، تمرح فوق خديه شامات، كأنها شراراتٌ سودٌ قدحتها عيناه السوداوان القلقتان المتألقتان، وتحبو فوق جبينه الناهض خُصْلةٌ ثائرةٌ نافرة من شعر رأسه الوحف.

ونال لوركا شهادته الثانوية والتحق بكلية الآداب والحقوق- ليرضي رغبة أبيه- ولكن الموسيقا كانت سلوته ومهوى قلبه في ميعة شبابه، وكانت أمه علمته مباجئ العزف على البيانو وأخذ عن عمته الضرب على الغيتار ثم تابع دراسته الموسيقية، بإشراف موسيقي نابه قدير هو الدون أنطونيو سيغور حتى أتقن ألحان شوبير وشومان ومندلسون وشوبان.

وفي التاسعة عشرة من عمره قام برحلتين مدرسيتين، ذرع فيهما أرض اسبانيا وطوف في معالمها ومغانيها وأطلالها، وكان لرحلتيه أثرٌ بليغٌ في نفسه واضحى يشعر – كما أفضى إلى صديقه رفائيل نادال – بكيانه كإسباني، وتجلّى لعينيه سحر بلاده الحقيقي، فقال: "ينبغي لنا أن نعترفَ بأن جمال اسبانيا ليس هادئاً متّزناً، بل هو جمال مُتّقِدٌ محرقٌ مندفع".

وتنقل لوركا من مدينة إلى مدينة، يجيل بصرَه الطُّلَعةَ في معالم الحضارة العربية، فيرى مدناً ملأى بالآثار، بمعالم الجياد المطهمة، بمسوح الرهبان، بظلال المشانق، بأرواح تنساب من الأجراس، ويمثل في وهمه أنه يسمع قعقعة السلاح وصيحات الملوك وأصوات رهبان محاكم التفتيش مُلفّعةً بدخان المحارق، بيد أن غرناطة تظل نغمةً نادرةً متميزة في سمفونية المدن الاسبانية، يفيء إليها قلمه الغضُّ، ليجلوها لنا أول كتاب يصدر له بعنوان (انطباعات ومناظر) ولا عجب فقد كانت غرناطة مهد طفولته ومتربع شبابه: "إذا نلتُ بمشيئة الله المجد، فإن الفضلَ يعود إلى غرناطة التي أنشأت كياني وجلعت مني شاعراً بالفطرة".

وأتمثّلُه يضرِبُ في طرقها الضيقة، وتلثِمُ نظراته الظامئة، بيوتها البيض، تزحف على جدرانها أنامل الياسمين ناسجةً ضافرةً أغنيتها البيضاء. وتنتصب في فِنائها أشجار السرو، متأوِّدةً مشيقة، متلعة الأعناق ثم تتطامن نظراته إلى حدائقها الغُلب، إلى جنة العريف وتنسرح إلى (تلة الدموع) التي ودعها العرب باكين ملكاً ضائعاً، ثم تحبو على قصر الحمراء، تغفو في حناياه ذكرياتٌ عربية، ويكتب "إن هذا القصر جذعُ الفن الجمالي في غرناطة، هذا الفن العربي المترفُ الذي ما يزال فؤاد كل فنان أندلسي يهفو إليه".

وفي غرناطة حي عربي قديم، لا يزال يحمل، حتى اليوم اسمَه العربي، إنه حي البائسين، لعله كان آخر معقل لأولئك العرب البائسين الذين دافعوا عن غرناطة ثم استسلموا وغادروا الفردوس المفقود.

ها هو ذا يسعى في منعطفات حي البائسين، متمهلاً، منسرقَ الخُطا، خشيةَ أن يوقظ الأرواح الحبيسة الغافية في زواياه، ويتراءى لعينيه مغلفاً بوشاح عذب من النور، ثم يفضي إلى شاطئ نهر (دارو) ويرى إليه متلوياً موسداً كالسيف مرجاً أخضر، ممتداً كالناي، يلهج الفضاء بنغماته، مخترقاً حي البائسين، صاخباً، قارعاً طبله الفضي المتدفق، مواكباً أنغاماً حزينةً ولهى.


***


وألفت موهبته الفنية في الشعر مجالاً رحيباً وسيعاً، ولعل الظروف قد ائتمرت مع الشعر على جذبه إلى جنته بعد أن كانت صفة الموسيقي في فجر صباه ألصق به وأدل عليه، فقد حاول أن يسافر إلى باريس لينهي فيها دراسته الموسيقية، فاعترضت أسرته وحالت دون تحقيق هذه الأمنية، فانصرف إلى الشعر. وأغرته صلته بالموسيقي العظيم (دوفايا) بإحياء التراث الغنائي الاسباني، فبعث أكثر من ثلثمائة أغنية أندلسية عفّاها النسيان فدوّنها ولوّنها بروحه ومنحها حياة جديدة.

على أن سمة الشاعر لم تتضح وتستمسكْ إلا بعد سفره، بنصيحة صديقه (لوس ريوس) إلى مدريد عام 1919 وإقامته إقامةً متصلة في بيت الطلبة، وكان هذا مركز الاشعاع الفكري والفني في اسبانيا، فههنا تعرف على ساليناس وسلفادور دالي وغيلين، وغيليرمو دو تورى وماشادوا، وغيرهم.

وخلصت إليه تيارات الفكر والفن السائدة في عصره ، فأخذ منها ما يلائم روحه ومزاجه.
ونشر لوركا بواكير شعره، أجل أن في هذا الشعر نكهةً أندلسيةً جديدة، لم يألفها الشعر الاسباني من قبل، إنه مترعٌ بصور أخاذة نابضة بنسغ خفي، بدم حار، وتترادف دواوينه كسمفونية دافئة يسودها الألق والإشراق، ويغريه المسرح، ليتخذ منه ملعباً تمرح فيه عبقريته المبكرة الخصبة، ويبسط فيه عالماً متميزاً خاصاً به، يقبِسُ ألوانه من الواقع الاسباني، ولكن خطوط المأساة فيه مكثفةٌ موشاةٌ بالصور الشعرية الخلابة.

وكذلك تألق نجم لوركا في سماء اسبانيا، وهو ما يزال في مقتبل العمر، وصفه بابلو نيرودا فقال: كان برقاً طبيعياً، طاقةً دائبة الحركة، كان فرحةً، ألقة حية، حناناً دافقاً خارقاً، كان شخصاً سحرياً يهب الهناء".

وتحلّقته نجوم فنية ساطعة، تلامحه وترفده وتأخذ عنه. كان هناك عملاق الموسيقا الاسبانية (مانويل دو فايا) الذي أعان لوركا على تلحين مقاطع من مسرحياته، وأوثق صلته بمعالم الغناء، وعملاقُ التصوير السريالي (سيلفادور دالي) الذي زوّق ديكور بعض مسرحياته، وأمدّه صديقه هذا بصور سريالية، بثّها في قصائده الأخيرة، وكانت هناك مرغريتا خيركو نجم المسرح الاسباني التي مثلت أروع مسرحياته، والمغنية العظيمة أرجانتينيتا التي تغنت بألحانه الأندلسية الشجية.

وأسلست ريشة لوركا لإغراء الرسم والتصوير، فخطّت رسوماً تبشّر بموهبة نابهة في عالم الألوان، وأقام معرضاً ناجحاً في برشلونة.

كانت عبقريته إذن فياضة مشاركة في الشعر والموسيقا والتصوير، بيد أن هذا النجم المتلألئ لم يعد يكتفي بآفاق اسبانيا، يوسّد فيها سناه، بل مضى إلى آفاق العالم الرحيبة، ففي عام 1929 لملم الشاعر حقائبه وسافر إلى نيويورك، لعله أن يجد في العالم الجديد، ما ينقع ظمأ روحه القلقة، وتسجل طالباً في جامعة كولومبيا.

وفي نيويورك مدينة الحمأ والحديد – كما كان يسميها – المدينة الغائمة بالدخان تشق سماءها ناطحات السحاب بقرونها الاسمنتية ، ويغتال صمتها زمجرة الفولاذ وهديره، المدينة التي تزن قيم الإنسان بميزان النقود، حيث تخرق وتلتهم- كما يقول في قصيدة له – قطع النقود، في أسراب هائجة، أطفالاً مضيعين. أجل في هذه المدينة، في نيويورك الحمأ، نيويورك الأسلاك الحديدية والموت، كان لوركا يهيم في شوارعها وأحيائها، حائراً قلقاً، مأخوذاً ، ولكنه اكتشف في حي واحد، في حي هارلم حي الزنج المحرومين المنبوذين، حرارةً إنسانية تشده إليهم وتغري قلمه الشاعر الملهم بتصوير آلامهم وتعلاتهم وضحكاتهم الصافية.

لا، لم يستطع الشاعر أن يسبغ إقامته في أمريكا، حيث تسود الجريمة وكلَب المال وسيطرة الآلة وطغيان العرق الأبيض، وألحّت عليه فكرة الموت وانغرست في أعماقه ، كمدية حادة، مرهفة، واستبقت معانيها الوحشية إلى شعره، ونظم لوركا في ظل يأسه ومرارته قصائده اللاهبة: شاعر في نيويورك.

وشخص لوركا إلى كوبا عام 1930 بدعوة من جمعية الصداقة الكوبية الاسبانية، فألقى محاضرات عديدة ومنتخبات من شعره، وغمر قلبه شعور بالهناءة وهو يستروح في جنبات هذا البلد فيءَ لغته الاسبانية الندية ويشعر بدفء العاطفة الانسانية المتدفقة المخلصة، وفي تموز من هذا العام قفل الشاعر راجعاً إلى بلاده، لقد آن للطائر الغريب أن يبسط جناحيه وأن يعود إلى عشه الدافئ الحبيب.



يتبع..

Ophelia
28-06-2007, 09:39 PM
ها هو ذا من جديد في وطنه حركة دائبة متصلة، بنقّل خُطا الشعر، ليمرع القصيد أنّى حل، لقد سماه رفاقه بحق، عندليب الأندلس، وكان إما وقف على المنبر، يتلو قصائده، بصوته العذب ينقل سامعيه إلى جوّ نشوة مترعة بالحنان. كان إلقاؤه يمنح كلمات قصيدته زغباً راعشاً بالحياة.

واستبدّت بلوركا فكرة جريئة هي تيسير المسرح للشعب، لأنه أجدى وسيلة وأيسرها لتثقيفه والارتفاع بمستواه الفكري.

وألفّ فرقة الباراكا التمثيلية – كان نيرودا يسميها عاصفة الشعر السحرية – لتقدِّم إلى الشعب البسيط في المدن والريف أروع الآثار المسرحية الاسبانية والعالمية وتنقل في شرايين الوطن الاسباني كله نبضات قلبه الفتي، وكان لوركا جذع هذه الفرقة وروحها وشاعرها وملقنها ومخرجها، وقد انضاف إلى التقدير الشعبي الذي كان يتمتع به التقدير الرسمي، فقد شهد رئيس الجمهورية الاسبانية نفسه مسرحية (الحياة حلم) لكالدرون تمثلها فرقة الباراكا.

ولكن نهر عبقريته اللُّجي الهادر جعل يتدفق في مسارب أخرى، فها هو ذا في أمريكا اللاتينية، يتنقل في مدنها ويبذل لها بقصائده ومحاضراته ومسرحياته خفقات من قلبه الشاعر، وتنظر إليه شعوبُها، كما يقول بابلو نيرودا، على أنه أعظم شاعر أنجبته اسبانيا.

ولم يثمله هذا المجد الذي افترعته عبقريته، فقد كان يفرق من الشهرة ويكتب: "إن الرجل المشهور ينوء بمرارة حمله قلباً بارداً، طعيناً بأضواء المصابيح المعشية التي تسلطها الجماهير عليه".

وعاد لوركا إلى اسبانيا، ليستأنف نشاطه الفني في همةٍ عجيبة موصولة.

نحن في عام 1936 ، في الأفق السياسي، تتجمع سحب الأحداث، جهمةً كالحةً تتناذر بمصير اسبانيا لترنّقَ صفاءَ سمائها وتعصفَ بأمنها.
فلندع لوركا لاهثاً، مترنحاً في قمة مجده، ولنعدْ إلى صوره وألحانه وتهاويله، لنعد إلى الينابيع نرتشف منها قطرات، قبل أن يفترس الرصاص الغادر الضاري، سمفونية لوركا الشعرية الحنون.


***

أجل في قلب غرناطة، تفجرت هذه السمفونية، وتسلسلت في البدء في (كتاب الشعر) خفيضةً، ناعمةَ الجرس. صورُها براعمُ من الألوان غضةٌ ، تترقرق من أحلام الشباب ولذاته وقلقه وتنزلق فجةً، طريةَ الحروف، متسائلةً وأسئلتها تتمةٌ لأسئلة الطفل الملحاح الذي كان منذ أمد قريب، يتحدث إلى الذّر والطير، فها هو ذا يجلو مغامرات حلزون مخاطر ويسرد ثرثرة صرصار ثملٍ بالنور، ويصف حرذوناً هرماً وقوراً يدبّ بمسحه الأخضر وياقته المنشاة كجامعي عتيق، وها هو ذا يرامق السنابل الشبيهة بعصافير هرمة، بنحلاتٍ تمتص شعاع النور، ويصعّد بصره في شجرات السرو المماثلة لرؤوس ضخمة ترنو إلى الأفق من وقب عيونها الفارغة وتحت غدائرها المخضوضرة.

وترتفع ألحان السمفونية في ديوانه الثاني (الأغاني الأولى) وتتفتح براعم النور ريَّا مشرقةً، لقد بدأت تستعير شياتٍ وظلالاً رقيقة. والأنامل التي كانت تمزُجُ القصيد مترددة أضحت هنا لبقةً تعرف أي صبغ ينبغي أن تستقدمه وتحاوره وتداوره لتوسده في مكانه من اللوحة الشعرية. ففي أغنية (الفتيات السبع) التي يرمز بها إلى قوس قزح، تمتد ريشته الصناع إلى الألوان السبعة التي تنتظم في قوس قزح فتؤالف بينها وتسفحها لوناً ، لوناً، على نسيجة لوحته المبدعة.

وتنصهر ستائر السمفونية في ديوان (كانتو خوندو) عن منظرٍ رائعٍ، تتسلسل فيه أنهر الأندلس الثلاثة مصطخبةً عارمة، ويكمن الموت في ثنايا بعض الأبيات، متربصاً منتظراً لحظةً مواتية، ليغمِسَ المِديةَ المتوامضةَ في اللحم الطري الغريض.

أجل لقد شرع بصره يتسلق سلماً من الألوان جديداً عنيفاً.

ويُهِلُّ (أغان عجرية) وتستحصد فيه تجربة الشاعر وتنصقل موهبته، وتجنح سمفونيته الشعرية إلى ألوانٍ أكثر جِدَّةً وعنفاً، وتنساق إلى عالم خِصب ملتهب، تتألق فيه الخناجر وتهدر الشهوة ويتلوّى الجسد مغتلماً، حُرّاً ، ريّان.

وتستهوي الشاعر حرية الغجر وحياتهم البوهيمية. يتجاذبها النغمُ والرقص والخناجر والخيام.

في هذا الديوان العابق بالعاطفة المستوفزة والإحساس المشبوب والألوان الصارخة، ترقى سمفونية لوركا الشعرية إلى ذرى المجد. إن أغانيه الغجرية هي – كما يقول أحد النقاد – تتمةٌ للأغاني العربية التي كانت تتجاوب في غرناطة، في العهد الذي جعل العرب من الأندلس أروع مملكة.


***

ولما استبدّت الغربةُ بالشاعر في نيويورك، أخذت سمفونيته الشعرية التي كانت ترشف من منابع النور الأندلسية – أخذت تغصّ بالحرقة والأسى، يغلّفها دخان المعامل، وتعلِكُها ضجة الآلة. وتتكسر ألوانها ملتاثة ممزّقة، يزحمُ بعضها بعضاً، وتسمو بها الصور السريالية الوحشية الغامضة إلى قمةٍ سامقةٍ، يلهث فيها الخيال.

ها هي ذي أشباخ الزّنج تطوف في حي هارلم ، ترشح بالعرق والدم، لا، لم تعد سمفونيته الشعرية تقِسُ من أغانيه الأندلسية المقطّرة بالحنين، إنها تواكب درادب الطبول وصرخات جاز الزنج، كأنها سيقت ، الآن، من قلب إفريقية.



أوه، هارلم، هارلم، هارلم،
ليس ثمة هلعٌ يعدِلُ حُمرَك المضطهدين،
أو يعدل اختلاجَ دمك في ظلمة الكسوف.
زنج، زنج، زنج، زنج.
ليس للدم أبواب في ليلكم المنقلب،
ولا حمرة، والدم يتنزىَّ غضباً تحت الجلد،
وتمور حياةٌ تحت شفرة الخنجر.

ومن بين هذه الألوان، تتناثر شظاياها، وترفضُ منها الجروحُ ناغرةً هادرةً، يُطلّ طيف الشاعر الأمريكي (والت وايتمان)، كديمةٍ رطيبة في صحراء.

ايه أيها الشيخ الجميل وايت وايتمان
ما ونيت من تأمل لحيتك الملأى بالفراشات،
وكتفيك الموقرتين بالقمر،
وصوتِك يرتفع عموداً من رماد.

وكان على الشاعر أن يرفو ألوانه الممزّقة في سمفونيته المرهقة الجريح بعد أن آب إلى وطنه الحبيب.

ها هو ذا ينقل نظراته في غرناطة، تزحف على جدران قصورها الممرّدة القصائد العربية كجدائل الياسمين منسّقةً، مشعشعةً، مخضلّة بالنور.

وتهفو ألوان سمفونيته، تناسم القصائد الغافية على مقرنصات قصر الحمراء وحناياه وسقوفه وعمدانه، وتستل الآهات الحبيسة التي خلّفتها القلوب العميدة العربية في غرناطة، ويقبس الشاعر منها (ديوان التماريت) مسمياً كل قصيدة منها باسم Cacida لتنمّ هذه اللفظة العربية عن روحها العربية القديمة، وتتناغم ألوان السمفونية هادئة حزينة:


لا أريد سوى يدٍ، يدٍ مجروحة ، إن أمكن،
لا أريد سوى يدٍ ، ولو لم أظفر بسرير في مدى ألف ليلة،
لا أريد سوى هذه اليدِ،
من أجل زيتِ كل يوم،
من أجل كفنِ احتضاري الأبيض ،
لا أريد سوى هذه اليد ،
لتسنُدَ جناحاً من منيتي.


يتبع..

Ophelia
01-07-2007, 11:18 PM
وتمتدُّ أنملة من السمفونية تشير إلى الساعة الخامسة عند الأصيل، الساعة التي خرّ فيها صديق الشاعر، مصارع الثيران الشهير (أغناثيو سانشيت ميخياس) طعيناً بضربة من قرن الثور، وتنهدُّ مرثية لوركا الرائعة، مكسوّة بإهاب سمفونية فاجعة في أربع حركات.

الحركة الأولى (المصرع والموت): تدق فيها الساعة خمس دقات، حين يدخل قرن الثور الهائج في اللحم الفتي، ويتهاوى البطل قتيلاً.

الحركة الثانية (الدم المسفوح): إنها لعبة البطل الخطرة مع الموت، وتتحدث عن جرأته وجماله، ثم تتراخى الحركة إلى الحقيقة المرة: البطل يخلد إلى الموت.

الحركة الثالثة (الجسد الماثل): الصخر جبهة تئن عليها الأحلام، إنه يحمل الجسم المسجّى، وينداح صمتٌ عفنٌ، لقد انتهى كل شيء، المطر يهمي إلى فمه، والزفرة تنطلق مجنونةً من صدره الأجوف.

الحركة الرابعة (الروح الغائبة): وتجد فيها النسيان يستبد باغناثيو، ويعفي كل شيء.

وتغيب السمفونية حزينة في العدم، كأنه كانت تتمة طبيعية فاجعة لقدر الشاعر نفسه.


***


ولكن سمفونية لوركا الشعرية تأبى أن تهزَجَ وحدها، إنها تريد رئةً إنسانيةً تلهث فيها ، تريد حواراً دافئاً، يضيف إليها قدراً مبدعاً جديداً، تكون فيه قريبة دانية من الشعب، تعطيه وتأخذ منه.

وكذلك وافى مسرح لوركا من النبع نفسه الذي انبجس منه شعره، واتبع – كما يقول (بيلاميش) – تطوراً جمالياً هو توأم للشعر، يتأثر به ويؤثر فيه، إنهما ينسابان كجدولين حالمين، يتعانقان تارة ويفترقان تارة أخرى، في كليهما يلعب النور لعبته الساحرة مع الظل، في كليهما تعربد الخناجر ويتأوّد السرو ويحلم الياسمين. في القصيدة يُطلّ القمر طلته المألوفة، ليكسب ريقه الفضي، وفي المسرحية يُطل ليحول إلى إنسانٍ يلغو ويتحدّث ويسوق أقدار الأبطال.

بيد أن لوركا جعل من المسرحية أداة فعالة في انتقاد أوضاع مجتمعه الاسباني وتجسيد معاني الحرية والثورة على الطغيان.
أنغام مسرحياته إذن تساوق أنغام سمفونيته الشعرية وتتممها، وكما ضمّ ديوانه الأول صوراً ساذجة عن بعض الحيوانات فقد جاءت مسرحيته الأولى (سحر الفراشة) مصورة في حوار ساذج عاطفة صرصار مسكين يتعشّقُ فراشةً ساحرةً لعوباً.

وتتعالى مسرحية (ماريانا بينيدا) صيحة جريئة، في فترة حرجة بغت فيها القوى السياسية الرجعية في اسبانيا.

المسرحية هي قصة المرأة المناضلة (ماريانا بينيدا) التي قتلها الملكيون عام 1913، لأنها أعدت عَلَمَ الثورة وطرّزت فوقه، بخيوط ذهبية الكلمات الثلاث: عدالة ، حرية ، مساواة.
بيد أن قلبها كان ينسِجُ حبّاً عميقاً جارفاً للمناضل (الدون بيدرو ) الذي كان يبادلها الحب ويكافح لتحرير بلاده من الاستبداد. إنه يخاطبها:


ماريانا، ما الإنسان دون حرية.
دون هذا النور يتألق منسجماً ثابتاً.
قولي، أأستطيع أن أحبك إن لم أكن حراً؟

ولكن ماريانا مشغوفة بالحرية، ولعلها أن تحبها أكثر مما تحب بدرو.


إنه يحب الحرية.
وأنا أحبها أكثر مما أحبه.

وتساق ماريانا إلى الموت، لأنها طرزت علم الثورة، وأبت أن تحسر عن سر المؤامرة المدبرة لتحرير اسبانيا.


***


إن لوركا نفسه يريد أن يطرز علمه الخفي، بحروفه الشعرية المضرمة، ويغمس قلمه في واقع بلاده. لقد كانت تجيش في مطاوي قلبه – كما يقول عن نفسه – ألف مأساة، وكان الأندلس، بماضيه ، بأوضاعه، بعواطفه المحتدمة، منبعاً ثراً، ينهل منه ألف مسرحية ومسرحية.

وجاءت مسرحيته الأندلسية (عرس الدم) لوحةً معبرةً خضيبة بالدم، إنها قصة الفتاة التي تهرب ليلة عرسها مع حبيبها القديم، وهي تتوقع القدر الفاجع الذي ينتظر خطيبها وحبيبها، بيد أنها لا تملك أن تقاوم الذراع العاشقة التي تختطفها..
ولم ينسَ أن يصف حرقةَ الأم وأساها، في هذه الكلمات المجروحة:


حين وصلت إلى قرب ابني، وكان مطروحاً في وسط الشارع،
غمست يدي في دمه، ولعقتها بملء لساني،
لقد كان هذا الدم دمي أيضاً.


أما مسرحية (يرما) فهي قصة المرأة العاقرة في بلاده، إنها لوحةٌ ناطقة بهواجسها وأحلامها وأحقادها، وفي كلمات قليلة يصف لوركا شعور العاقر التي تتحرق شوقاً إلى طفل:


إن في دم أي امرأة أربعة أطفال أو خمسة وحين لا يُقدّر لها
ذلك فإنهم يتحولون في دمها إلى سم.

فإذا حملت المرأة، فإن شيئاً خفياً ينسم في أحشائها، إنه
يماثل الشعور الذي تشد فيه راحة اليد على عصفور حي.

وتترفق مسرحية (دونا روزيتا)، أو لغة الزهور، سمفونية هادئة، تهينم فيها نفحات من مسرح تشيخوف الحزين الهادئ، إنها قصة الفتاة العانس التي تنتظر، عبثاً، حبيبها المسافر البعيد الذي وعدها بالزواج ونسيها في غربته القصية، إنها مأساة كل فتاة وفية يغرر بها حبيب غادر.

وقد لاءم لوركا بين (دونا روزيتا) وبين حياة زهرة تنمو حمراء صباحاً، قانية ظهراً، بيضاء مساءً، وحين يضرب الليل بجرانه وتنساب النجوم وتمّحي النسائم، تتهاوى أفوافها في الظلام.

تحدث لوركا إلى الكاتب (بيدرو ماسا) بصدد مسرحيته هذه فقال: هذه هي حياة (دونا روزيتا) تنساب تافهةً ساكنةً، لا ثمر فيها، إلامَ تصبر عوانس اسبانيا، متألمات على هذا النحو؟ يقول (ماسا):

وأغمض لوركا عينيه، فيما كان يتحدث إليّ، في تعبير ينم عن الألم والحنان.

وتنضح مسرحية (حين تنقضي أعوام خمسة) بالصور السريالية العنيفة، لعلها أن تقابل بألوانها الممزقة ديوان الشاعر (شاعر في نيويورك)، إنها أسطورة الزمن العتي الذي يطحن البشر ويعصف بأهوائهم ويوكل إلى الموت أن يعطو يده الجاسية لتفتلذ الروح المكلومة المعذبة.

أما مسرحية (بيت بيرناردا ألبا)، فقد حذف لوركا الزخرف الشعري الذي ألِفَ أن يزوّق به مسرحياته السابقة، إنها نقد لأخلاق أم مستبدة غريبة الأطوار، جعلت من بيتها سجناً لبناتها الخمس، تصطخب ضمن جدرانه غيرتُهن وأحلامهن وعواطفهن المكبوتة، فكبراهن القبيحة، خطيبةٌ للفتى الجميل رومانو، وينفَسُ عليها أخواتها بهذا الحظ المواتي، ولكن صغراهن اديلا تستميله، بظرفها ووضاءتها، وتستأثر به وتحمل منه، وهنا تتفجر المأساة وتنتهي إلى انتحار اديلا.

وقد كتب لوركا مسرحيات أخرى، أغدق عليها صوره الشعرية الرفاقة، بيد أنها تظل دون مسرحياته التي ذكرنا قوةً وأسراً ، ويبقى مسرح لوركا على أي حال، ذا طابع ونكهة وأسلوب متميز، ليس له مثيل في الآداب العالمية، يقول الناقد بول غوث:

"ليس لوركا بأكبر شاعر مسرحي اسباني منذ (لوبي دو فيغا) فحسب، بل هو ذو مزاجٍ مسرحي فريد، في النصف الأول من هذا القرن".


***


وكذلك تفرشُ سمفونيته الشعرية ذوائبها على مسرحياته، لتعانق حوارها وتضمَ غمغماتها، وتبسط لها امتداداً رحيباً حيّاً.

ومن هذه الزاوية يمكن أن ننظر نظرة شاملة إلى شعر لوركا ومسرحه وتصويره وأدبه، تتعاون وتنسجم كالأنامل من راحة بارعة ملهمة، لتنسق معاً ألوان هذه السمفونية الأندلسية الرائعة.

ولعله يحسن، فيما نحن ننفض هذه الألوان الدائرة المتحركة – كقرص نيوتن إذ يدور ويتحرك متسقاً في لون واحد أبيض – لعله يحسن أن ننسلها ، لوناً لوناً، لننفذ إلى فن لوركا الشعري ونتملاه ونحياه.

لا، لم يكن لوركا شاعراً فحسب، بل كان كما يقول لويس بارو فناناً مجنوناً متيماً بالألوان، وتمتزج ألوانه وتأتلف ويذوب بعضها في بعض، على نحوٍ لا تستطيع أن تسلك شعره في مدرسة معينة من مدارس الشعر الحديثة، فهو، في قصيدة، واقعي واضح الاصباغ، بارز الخطوط، وهو في قصيدة ثانية سريالي ملفّحٌ بالغموض، وهو في قصيدة أخرى رمزي لمّاحٌ يقتنص من النور شعاعاً ومن العتمة ظلاً ثم يدعهما يقتربان أو يتناءيان، ويترجح المعنى بينهما، كطفل معابث، يومئ تارة في الألق الباهر، ويتململ تارة أخرى في الحلك الداجي.

ويتراءى لي شعره أحياناً، كتلك اللعبة التي يُشغف بها كل طفل، وتتسق في أسطوانة ورقية، ثبتت في قعرها مرآة، تتحرك أمامها شظايا صغيرة ملونة من الزجاج، فتعكسها على صقالها في أشكال هندسية منتظمة، فإذا دارت الأسطوانة أو مالت، بعض الشيء، تحركت قطع الزجاج، وأخذت أشكالاً هندسية طريفةً أخرى هي متعة للعين المتطلعة.

وكذلك كان لوركا شاعراً طفلاً يحرك كلماته في القصيد فتكتسب في حركتها ، ألواناً زاهية، انظر إلى هذه الصورة:


الفضاء المزدحم بأقواس قزح،
يكسِّر مراياه فوق الأغصان.

وهو لا يجتزئ بألوان الطبيعة، يتلاعب بها ويلهو، بل يدخل عالم الصوت ويستعير له أصباغاً وألواناً، تأمل كيف يجلو، بكلمات قليلة نقيقَ الضفادع:


الصمتُ الذي عضته الضفادع،
يتراءى كثوبٍ شفيف،
منقّطٍ بشامات خضرٍ

وحتى الزمن فإن لوركا يجسّده بهذه الصورة المعبرة:


حين تنتظر،
فإن الثواني تتمطّى إلى اللانهاية.

وفي الحق ، إن للحواس الخمس – كما يقول لوركا – أبواباً متصلة، وعلى الشاعر، إما تصدى لجلاء صورة ما، أن يفتح ما بين هذه الأبواب، لتنوب حاسة عن الأخرى، وهو بهذا يأخذ بمدرجة بودلير في قصيدة العلاقات.

وكذلك تتحرك صورة لوركا، متجاوبة، لمّاحة، وتتكئ أحياناً على استعارات ثابتة، ولكنه بلقانةِ الرسام الصناع، يلوّنها بظلٍ متحركٍ شفاف.


قبلتي كانت رمانةً،
عميقةً مشقوقةً،
وثغركِ كان وردةً ورقيةً.
وفي القاع حقلٌ من الثلج.

والشاعر، هنا، لا يشبّه الثغر بالرمانة المشقوقة، بل يصف حركة الثغر ، إذ ينشقّ كالرمانة، عن أشهى عطاء، عن القبلة.

إن أروع ما يتسم به فن لوركا الشعري هو اعتماده على تسجيل الحركة في كلمات قليلة مقتصدة ولكنها جياشة شَرِقَةٌ بالحياة، وهو إذ يصور الحركة في ذروتها المعبرة يدعُ للخيال أن يتلقف امتدادها وأن يتممها ويحياها بكل ما تزخر به من عنف.

ولقد بدا للناقد ارثورو دل هويو أن فن لوركا الشعري أشبه بفن مصارعة الثيران، حيث يسوق الشاعر صوره – كمصارع الثيران البارع يؤدي لفتاته وحركاته الرشيقة أمام الخطر الكامن.

وهو تشبيه صحيح يمتح من واقع الحياة الاسبانية العنيفة التي وسمت لوركا بميسمها. إن مصارع الثيران، إذ يدنو من القرنين المتوثّبين، ينتقي بشاله الأحمر الحركة الصافية المناسبة التي تجعله يكاد يلامس الموت، ولكنه يمّلِس منه في مهارة ودقة، وكذلك أتمثل لوركا يضرب في غابة المعاني المصطخبة في نفسه، منتقياً من ألفاظه المطروحة المنثورة أمامه اللفظة الصافية المناسبة، ليكسو بها في دقة، المعنى الجاثم المتربص، اصغ إليه يقول في قصيدته المدية:


المدية تنغرس في القلب،
كما تنغرس سِكةُ المحراث،
لا، لا، لا تسمِّرْها في لحمي، لا ،
المدية، كحُزمةٍ من أشعة الشمس،
تحرق الأغوارَ الرهيبة،
لا، لا، لا تسمّرها في لحمي ، لا.

أرأيت إلى هذه الصور الوحشية التي اقتنصها في ذروة توترها، ورفدها بصيحة مدوية يائسة؟.
واصغِ إليه يوشي حتى الشيء البسيط بحركة خفية يجثم فيها تحفّز وترقّب وعنف:


رأيت وأنا أنحني،
ورأسي على النافذة،
كأن ساطور الريح،
يريد أن يجتزّه.
على هذه المقصلة الخفية،
وضعتُ الرؤوس العديمة النظرات للذاتي القديمة.

وانظر إليه يلخّص أسطورة آدم وحواء في الجنة، في بضع كلمات شعرية:


آدم وحواء،
والثعبان حطّم المرآة،
وأحالها إلى ألف شظية،
كانت التفاحة هي الحجر.

ولعل ولع لوركا بالنور والظل، يلهو بهما ويداعبهما ويحدرهما إلى عروق قصائده، قد تناهى به إلى شغفٍ متصلٍ بالقمر، ويبدو لي أن ليس بين شعراء العالم من قبس واستوحى من القمر صوراً رائعة مثلما قبس واستوحى وانتزع لوركا.

والقمر في شعره، مقرون، على الجملة بمأساة وجمال غريب، اصغِ إليه يقول:


جناحٌ من الفضة يُحتضرُ،
إن القمر وهو يتناقص،
يضع على ذروة الأبراج الصفر،
لُبدةً طويلةً وحشيةً.

وانظر إلى هذه الصورة الموحية التي يمازجها الوهم:


أرى قطرات من الندى على أجنحة العندليب،
وقطراتٍ صافية من القمر جمّدها الوهم.

إنه يسعى قمراً متئد الخُطا في ملعب السماء، كسلحفاةٍ بيضاء، كعجوزٍ حزينٍ ذي أسنان عاجية، كيراعة مضيئة في الظلام:


أيُّ طفلٍ أشعل مصباحه،
إن فراشةً واحدةً كافيةٌ لإطفائه،
تُرى أتكون اليراعةُ المضيئةُ قمراً؟.

وقد بلغ من ولعه بالقمر أنه جعله في مسرحية (عرس الدم) يرتدي إهابَ إنسان، يتحدّث ويهزجُ بأشعته المخملية ويمهّد لمأساة قادمة:


ويترك القمر مِديةً،
في فضاء الليل الذي يوشّحه
وتتربّص المديةُ، من علُ،
لتضحي الألمَ الذي ينطِفُ بالدم،
افتحوا صدوراً إنسانية،
لألجَ فيها وأنعمَ ثمة بالدفء.



يتبع..

Ophelia
06-07-2007, 05:13 PM
ونلملم ألوان سمفونية لوركا المنثورة في منسرح أبصارنا، لنعود إليه في موعد قاتم عام 1936، وكانت سحب الحوادث تتجمع، آنذاك، مدلهمة، جهمة، تتناذر بمصير اسبانيا لترنق سماءها وتعصف بأمنها.

لقد تركنا لوركا مترنحاً منتشياً في ذروة مجده، وكان يُعِدُّ عيابَه، ليسافر مع فرقة (مارغريت خيركو) إلى المكسيك في مطلع العام، ولكنه يؤجل، وا أسفاه، سفره.

لقد أسفرت الانتخابات في شباط 1936 عن فوز القوة الاشتراكية الاسبانية، وألفى لوركا نفسه في بهرتها ينافح عنها، كانت جِبِلَّتُه البريئة الساذجة الطفلة، تنأى به عن لدد السياسة وجدلها وتياراتها، كانت الكلمة الشاعرة الحرة وحدها، تستقل بقلبه وتستأثر باهتمامه، وقد تلونت هذه الكلمة بأماني وطنه وسحر طبيعته، وتأتّى له أن يعبّر عنها في شعره ومسرحه ومحاضراته، أصدق تعبير، وكذلك جاء انحيازه للاشتراكية التقدمية طبيعياً صادقاً عفوياً.

وقد بلغ به كرهه لقوى الشر الغاشمة التي كانت تلغ في الدم وتنشر السخيمة والإرهاب، أنه هجا في بعض قصائده، الكتائب اليمينية التي كانت تقتل الأبرياء وتشعل الحرائق وتخلف الخراب والدمار.

وفي عام 1934 – وكان الحكم اليميني في أوج قوته – صرّح لوركا : إنني ما أزل إلى جانب الفقراء، إلى جانب الذين لا يملكون سوى الشيء اليسير، والذين حرموا الأمن في التمتع بهذا الشيء اليسير.

وفي حزيران عام 1936 أفضى للرسام باغاريا: على الفنان، في هذه الأوقات الفاجعة التي يعيشها العالم، أن يبكي ويضحك مع شعبه.

لم يكن هناك شكٌ، لقد التزم لوركا موقفاً صريحاً مؤيداً لقضايا شعبه. وفي تموز انطلقت الشرارة الأولى، نذيرة بانفجار بركان الحرب الأهلية، فقد اغتيل في مدريد كالفو سوتيلو زعيم الحزب الملكي اليميني، واهتبلت الأحزاب اليمينة الأخرى هذه الفرصة للتحد وتبث الغيلة والرعب والإرهاب ، رجاة إسقاط الحكومة الاشتراكية وإلغاء الجمهورية.

لم تكن مدريد المكفهرة المضطربة تتيح أمناً سائغاً للوركا الذي كان قد غمز – كما قدمنا – ببعض قصائده من الكتائب والذي عرف بصداقته الوثيقة للزعيم الاشتراكي (لوس ريوس).

واتخذ لوركا أدراجه نحو غرناطة الآمنة المستقرة، ففيها أسرته الكبيرة، وفيها أصدقاء له من الطرفين المتنازعين، اليمنيين واليساريين، يحمونه عند الاقتضاء، هناك صهره الاشتراكي مانويل مونتسينوس زوج أخته كونشيتا وكان ينهض بوظيفة محافظ غرناطة، وهناك صديقه اليميني الشاعر لويس روزاليس وكان إخوته من غلاة الكتائب.

ووصل لوركا إلى دارة أبيه في أطراف غرناطة في السابع عشر من تموز، ههنا أمه وأبوه وإخوته، تغمرهم الفرحة برؤية عندليب الأندلس يعود إلى عشه الهنيء، وههنا البيانو تنسج أنامله الرشيقة فوق كعابه ألحانه وأغانيه.

وكذلك اندلعت نار الحرب الأهلية، وأضحت غرناطة مسرحاً ريّانَ بالدم، وطلب مونتسينوس الاشتراكي وصهر لوركا، إلى حاكم غرناطة الجمهوري تفريق السلاح على الشعب فأبى خوفاً من الفتنة، غير أن قائد المنطقة العسكري الجنرال كامينز انضم إلى حركة التمرد، وأضحى معظم المدينة تحت سيطرته، فيما أصبح الجنرال فالديس حاكماً لغرناطة، واعتصم المناضلون بحي البائسين آخر معقل للمدينة.

وتألفت من بين الكتائب، فرقة بقيادة رامون رويز الونسو سمّيت بالفرقة السوداء، كانت وصمة عارٍ في تاريخ الحرب الأهلية الاسبانية، وكانت مهمتها إشاعة الرعب والفزع ووظيفتها إراقة الدم.

وكانت، إما وقفت أمام دار ما، تفتح بابها بأعقاب البنادق، وتجر أي رجل تراه من بين ذراعي أمه أو زوجته وتقتاده قسراً، وكثيراً ما كان يحلو لها أن تصرعه أمام داره وتمثل به بمرأى من أهله، والمحظوظ هو من تسوقه إلى حاكم غرناطة الجنرال فالديس ليصدر عليه حكم الإعدام دون محاكمة أو تحقيق ثم يقاد مع ضحايا آخرين، إلى ضاحية فيزنار، وهناك يقف في رتل طويل ينتظر دوره إلى الموت.

ولك أن تتمثل القلق الذي كان يعصر قلب الشاعر الطفل، وهو قابع في دارة أبيه، يرى إلى الأحداث تترادف مسرعة مرعبة، في مدينته الحبيبة غرناطة، لقد فزع إليها لينشد أمناً سائغاً، فإذا هي تضحي أكثر اضطراباً وخطراً من مدريد.

وقدم إلى الدارة، ذات يوم، رجلان مسلحان، وطلبا إليه ألا يغادر البيت، وأعقبت هذه الزيارة، رسالة من مجهول فيها تهديد ووعيد، ولكن أين المفر؟ إن صهره الاشتراكي محاصر في حي البائسين، أيذهب إلى دارة صديقه الموسيقي العظيم دوفايا الذي كان بمنأى عن السياسة، وكان يتمتع باحترام الطرفين المتنازعين وأبى لوركا حماية صديقه له لئلا يجلب إليه ضرراً بوجوده، واقترحت أخته كونشا أن يلتجئ إلى بيت صديقه الشاعر لويس روزاليس فهو وإخوته من الكتائب المرموقين، وفي ميسورهم حمايته بما لديهم من نفوذ.

وخفّ الكتائبي الشاعر لويس روزاليس لحماية صديقه الشاعر، حين طلب إليه عونه، إنه لا يحمي لوركا الموالي للجمهورية، لوركا الذي نال بشعره من الكتائب، ولكنه يحمي أعظم شاعر اسباني، تُزهى به اسبانيا في عصورها كلها.

ومضى الشاعر، حين غلب الليل، ملتجئاً إلى بيت لويس روزاليس وبدا للوركا أنه في أمان، فها هو ذا كالطفل البريء الغافل، يشيع في دار صديقه مرحه وسحره ويعكف على تنقيح ديوان جديد (حديقة الألحان)، دون أن يعلم أن صهره مونتسينوس قد قتل في حي البائسين، وأن غرناطة كلها قد عنت واستسلمت.



***


ولكن غراباً أسود كريهاً كان يتربص لعندليب الأندلس ه رامون رويز الونسو رئيس الفرقة السوداء، وكان هذا الغراب معروفاً بجهله وقسوته وحسده لكل مثقف مرقوق، ومثَُ في وهمه أن ثمة عملاً خليقاً بأن يذيع فيه اسمه ويطير صيته، ويرتوي به حقده هو أن يصرع لوركا الشاعر الجمهوري العظيم، وخف مع فرقته إلى دارة لوركا، وبحث عنه دون جدوى، ثم عاود الكرة ، والح على كونشا في غلظة ووعيد مخيف، فقالت له وجلة: إنها لا تدري لعله ذهب يقرأ شعراً لدى صديق.

وفكر رامون: من يكون في غرناطة شاعر يحمي لوركا غير لويس روزاليس؟ ولكن هذا كتائبي، هل يعقل أن يحمي كتائبي شاعراً غمز من الكتائب؟ بيد أنه شاعر، فلعله يحميه لأنه يهتم مثله بهذه الصناعة السخيفة: نظم الشعر. فليجرب أن يبحث عنه في دار روزاليس، وشخص إليها لطِيّته مع فرقته السوداء. لم يكن هناك، سوى أم لويس والخادمة وفدريكو، وسك سمع لوركا، جلبة وخفق أقدام فصعد إلى السطح، يريد أن يقفز إلى سطح الدار المجاورة، وا أسفاه إن عدة أمتار تحجز بينهما، لا مفر إذن من الاستسلام.

وكذلك وقع عندليب الأندلس بين براثن الغراب الأسود رامون الونسو ليسوقه مزهواً فخوراً إلى قفص الحاكم الجنرال فالديس.



***


إن اسم فالديس في هذه الفترة القاتمة من الحرب الأهلية الاسبانية، مقرونٌ بلقب الطاغية الدموي، فقد أودى هذا الشفاح بأكثر من 15 ألف شخص حكم عليهم بالإعدام في غرناطة وحدها، وكان فالديس، إلى عتوه وقسوته، فاجراً فاسقاً، وقد مات عام 1938 يتأكل جسمه مرض الزهري.

إلى هذا الطاغية ، سيق الشاعر الطفل لوركا ليصدر فيه حكمه.

وسرى خبر اعتقال الشاعر كالبرق، وخف لويس روزاليس إلى الحاكم، راجياً متوسلاً، للإفراج عن صديقه الشاعر العظيم، قيل إنه طمأنه بمراوغة الذئب المخاتل الغادر، وقيل إنه لم يسمح بمقابلته.

ولم يعرف ماذا دار بين الحاكم الذئب وبين ضحيته الشاعر لوركا، على أن المصير المخيف كان متوقعاً، فلم يكن من مألوف هذا الجزار أن يصدر حكماً بالبراءة، فقد كانت أحكام الإعدام لصيقة بشفتيه.

وهبّ الموسيقي العبقري دوفايا من عزلته حين تأدّى إليه خبر اعتقال لوركا، يا ويلهم إنهم لا يعرفون أنهم سيفتكون بأكبر شاعر اسباني، ومضى دوفايا كالمجنون، هنا وهناك، مجازفاً بحياته، لإنقاذ صديقه الشاعر، ولكن محاولاته لم تجد شيئاً، فقد مضت سيارة الموت بفدريكو غارسيا لوركا في التاسع عشر من آب عام 1936 إلى ضاحية فيزنار المشؤومة.



***


وأتسمّتُ، في وهمي، صوتاً مرتجفاً تخنقه العبرات صوت الشاعر ماشادو يرثي صديقه لوركا:


لقد رأوه، يمضي بين البنادق من طريقٍ طويلةٍ،
ويلوح في الريف الرطب ، في ريف الصباح،
نجومه ما تزال متلامحة،
في ساعة منبثق النور،
لم تكن مفرزة الجلادين تجرؤ أن تسدد إليه النظر ،
لقد أغمضوا عيونهم جميعاً،
وغمغموا: إن الله نفسه لن ينقذك،
ومات فدريكو، دمٌ في جبهته، ورصاصٌ في أحشائه،
أتعلمون؟ مات في غرناطته، يا لِغَرناطة المسكينة.
أجل يا ماشادو، يا صديق لوركا الحبيب، لقد مضوا بفدريكو، في غَلَس الفجر، مع رتل طويل من الضحايا، من طريقهم إلى فيزنار. وهناك غير بعيد تبدو (عين الدموع)، إنها لا تزال تحمل اسمها العربي القديم الباكي، ترى أكتب عليها أن تبكي دوماً؟ وهناك، هناك، فونتي فاكويروس، حيث ولد لوركا وترعرع وركض طفلاً لاهياً سعيداً، مع إخوته ولداته، وصافح عينيه سهل غرناطة ينفتح وينغلق كمروحة خضراء، أجل ههنا مرابع طفولته وصباه. لا بد أنه فكر في أبيه الحبيب يُطِلُّ بقامته المهيبة الواشية بالطيبة، في أمه الحنون تبتسم له وتحنو عليه. تُرى أين أخوه الخجول فرانسيسكو، أين أخته الغريرة ايزابيل، أين أخته كونشا بضحكتها الفضية تترنم، مزهوة فرحة بقصيدته ( أغنية إلى القمر) التي أهداها إليها:


في النسيم المرتعش، يحرك القمر أذرعته
ويحسر، صافياً شبقاً، عن نهده الأبيض المعدني القاسي
امض يا قمر، ياقمر، ياقمر،
أين قمره؟ قمر لوركا الفاجع المجبول بدم الياسمين ، يطلّ عليه، كما أطلّ في مسرحية (عرس الدم) ليشهد مأساته ، مأساة اسبانيا الحزينة التي مزقتها الحرب العتية الضروس.

أجل لقد كان يؤدي أمام سلفادور منذ سنين بعيدة في معابثة الطفل حركات الاحتضار، فيقلد الوضع الذي سيصير إليه جسمه بعد الموت، وتتألق معارف وجهه بجمال غريب. ويطفر ضاحكاً وهو يرى إلى التأثير السحري الذي خلّفه في صديقه تقليده البارع.. أما اليوم، فسيكون أداؤه لدور الموت حقيقياً أصيلاً، ويهوّم طيفه عند منبلج الفجر بين الطيوف الشقية المصفّدة الأخرى مرتعشاً شاحباً ، موثق اليدين، وتسوط أعقاب البنادق ظهره، فيعدو متعثراً لاهثاً، وتثقب وشاح الصمت، طلقات متتابعة نابحة من الرصاص خلفه، ويظل صداها هنيهة معلقاً بالفضاء، مشدوداً إليه، وتتساقط طيوف الضحايا، ويترنّح من بينها طيف لوركا، وتتشبّث راحتاه لحظاتٍ بدَفّةٍ عائمةٍ في بحر السماء، ثم تنبسط قبضتاه المتشنجتان، وتنسلّ منهما الحياة خفقةً، خفقةً، وينفِضُ جفناه المختلجان المؤرقان مرابع غرناطة، غرناطة التي أحبها وتغنى بها وشقي فيها.

حين أموت، ادفنوني ، مع معزفي تحت الرمال...

ويتهاوى الطيف الجريح فوق بركة حمراء من رحيق القلب، ويشرب أديم غرناطة نجيع أعظم شاعر عرفته اسبانيا، ويغتمض الجفنان المنتضحان بالعرق والدمع، وتمّحي منهما غرناطة.



***


شرفة الدارة الحزينة الخالية صامتةٌ مفتوحة، لقد مات فدريكو غارسيا لوركا، وتهينم على أغصان الياسمين المعرشة على الجدران، أصداء قصيدته الحزينة:



دعوا الشرفة مفتوحةً،
حين أموت،
الطفل يلتهم برتقالاته،
من شرفتي أراه.
الحصاد يحصدُ قمحه،
من شرفتي أشعر به،
حين أموت،
دعوا شرفتي مفتوحة.

وتبقى الشرفة مفتوحة، ويتردد لهاث القصيدة الحزينة، مع زفرات الياسمين، ثم ينأى ويغيب ، وتُطل سمفونية لوركا الفاجعة الجريح، هنيهةً ، ثم تمّحي وتنطفئ.

لقد مات عندليب الأندلس: فدريكو غارسيا لوركا.






انتهى

Ophelia
06-07-2007, 05:19 PM
تحملين إلينا لوركا
تحملين إلينا شعر الجهتين
جهة كانت تسكنها الكائنات الحالمة، و اخرى تسكنها الحرب، قبالة جسر مشى عليه لوركا مشيته الأخيرة
و لم يعد...
نتابعك

شكراً للمتابعة والمرور
أهلاً بك