PDA

View Full Version : جواهر الأدب



داليا الهواري
30-06-2007, 10:10 PM
جواهر الأدب:
هي التي عاصرتنا منذ اكتشفنا متعة القراءة في كتاب نتصفحه و نستمتع في النهاية بحجم الذاكرة التي كانت للكتاب و صارت لنا...
لكل كتاب مرجعية و لكل ذاكرة بداية تتحرك على أساسها الأشياء التي فجأة تعيدنا إلى حدث ـ أو حادثة ـ نعرف أننا عشناه من قبل.. و أننا مررنا به ـ أو مر بنا ـ قبل هذا الوقت..
في جواهر الأدب الكثير من الحكم الجميلة التي ما زلنا نطلع عليها بنفس المتعة الأولى، و الدهشة الأولى.. و ها أنا أختار لكم مجموعة من اللوحات من هذه الجواهر الرائعة.. أنتقيها من ديوان العرب الذي يجسد اليوم المرجعية الثقافية الرائعة في زمن الانترنت

داليا الهواري
:g:

داليا الهواري
30-06-2007, 10:19 PM
حذاء الطنبوري
الطنبوري هذا كان تاجراً من أهل بغداد، وكان ثرياً وفي الوقت نفسه بخيلا، وكان من بخله أنه كلما انقطع من حذاءه مكان وضع فيه رقعة من جلد أو قماش , حتى أصبح الحذاء عبارة عن مجموعة من الرقع يمسك بعضها بعضاً واشتهر في بغداد كافة وعرف الجميعُ حذاءَ الطنبوري
عابه بعض أصحابه وأصرّوا عليه أن يتخلص من حذائه , فقام برمي الحذاء في مرمى القمامة وعاد إلى بيته , وفي الطريق مر بالسوق فوجد زجاجات رائعة الجمال للبيع , فأعجبته ولكنه ليس في حاجةٍ لها كما أنها غالية الثمن , فتركها وسار في طريقه , فوجد مسكاً رائعاً للبيع فأعجبه وقرر أن يشتريه ولكنه قال : لا يصلح هذا المسك إلا في تلك الزجاجات , فعاد إلى الأول واشترى منه الزجاجات , وعاد إلى الثاني واشترى منه المسك
ذهب إلى البيت ووضع المسك في الزجاجات ووضعها على رف في البيت وخرج لبعض شأنه . كان هناك رجل قد مر بجانب النفايات فرأى حذاء الطنبوري ملقىً في القمامة ولم يتصور أن الطنبوري سوف يرمي حذاءه , فقال : لعل بعض الأشقياء هو الذي فعل هذا وسوف أردها إلى الطنبوري . فأخذ الحذاء وذهب بها إلى بيت الطنبوري , فقرع الباب فلم يرد أحد عليه , فرأى النافذة مفتوحة فقذف بالحذاء من النافذة
بالطبع فهمتم ما الذي حدث …… لقد كسر الزجاجات وانسكب كل المسك على الأرض ولم يبق منه شيء
عاد الطنبوري إلى البيت فرأى كل شيء , ورأى ذلك الحذاء بجانب الزجاجات ,فقال : لعنك الله من حذاء . أخذ حذاءه وذهب بها إلى النهر وألقاها هناك
وكان هناك صياداً قد ألقى شباكه في النهر فعلقت بها حذاء الطنبوري , وعندما وجد الحذاء قال : لابد أن أصنع إليه معروفاً وأعيد إليه حذاءه
وفعلاً ذهب إلى الطنبوري وأعاد إليه الحذاء , فأخذها الطنبوري ووضعها على سطح بيته لتجف من البلل , فمر قط من سطح البيت فرأى الحذاء فظنها قطعة لحم فأخذها بفمه , فنهره الطنبوري , فهرب القط بالحذاء في فمه وأخذ يقفز فوق أسطح المنازل , فسقطت منه الحذاء على امرأة حامل فأسقطت حملها
فأخذ زوجها الحذاء وذهب إلى القاضي شاكياً من فعله الطنبوري بامرأته
بالطبع كان عذر الطنبوري غير مقنع , فحكم عليه القاضي بدية الجنين وعاقبه على فعلته وأذيته لجيرانه , وأعاد إليه الحذاء , فقال : لعنك الله من حذاء
ثم إنه قال : سوف ألقيها هذه المرة في مكان لا يصل إليها أحد . فذهب بها إلى الحش ( المجاري بلغة عصرنا ) وألقاها في أحد المجاري , وعاد إلى منزله وكله فرح وسرور
مرّ يوم أو يومان فطفحت المجاري بالطريق وآذت الناس . فأتوا بعمال لتنظيف المجرى المسدود , فوجدوا حذاء الطنبوري فرفعوا أمره إلى القاضي , فحبسه وجلده على فعلته , وأعاد إليه الحذاء , فقال : لعنك الله من حذاء
فقال : ليس هناك من حل إلا بحفر حفرةً في الأرض ودفن الحذاء بها . وفعلاً في ساعة من الليل أخذ مسحاته وخرج إلى خارج البيت وأخذ يحفر في مكان بعيد بجانب جدار , فسمع الجيران صوت الحفر فظنوا أنه سارق يريد نقب الجدار , فأبلغوا الشرطة , فجاء الحرس فوجدوا الطنبوري يحفر بجانب الجدار , وعندما سألوه عن السبب , قال : لأدفن الحذاء
وبالطبع عذرٌ غير مقنع , فحبسوه إلى الصبح , ثم رفع أمره إلى القاضي , فلم يقبل من عذره وجلده وحبسه بتهمة محاولة السرقة وأعاد إليه الحذاء، فقال : لعنك الله من حذاء
فاهتدى أخيراً إلى طريقة …… ذهب إلى الحمام العام ( تشبه المسابح العامّة في عصرنا هذا ) وترك الحذاء خارج الحمام وعاد إلى بيته وليأخذه من يأخذه
صادف ذلك وجود أحد الأمراء في الحمام , وقد جاء سارق وسرق حذاء الأمير , وعندما خرج الأمير لم يجد الحذاء
من أخذها ؟؟
قالوا : ننتظر وصاحب آخر حذاء هو السارق ونبحث عنه , فلم يبق إلا حذاء الطنبوري
وبالطبع لا حاجة للبحث عن السارق من يكون فقد عرفه كل أهل بغداد بهذا الحذاء
رفع أمره إلى القاضي بتهمة سرقة حذاء الأمير , فغرّمه القاضي قيمة الحذاء وجُلد وأُعيدت إليه حذاؤه , فقال : لعنك الله من حذاء
وأخيراً قال : سوف أخرج إلى خارج بغداد وأدفنها هناك
خرج إلى الصحراء , وأخذ يحفر في الأرض …… فداهمه الحرس وأخذوه إلى السجن ورفعوا أمره إلى القاضي , وجيء به إلى القاضي , فقالوا : قد عثرنا على القاتل
وكانوا قد وجدوا رجلاً مقتولاً في هذا المكان , وعندما حملوه وجدوا تحته آثار حفر , فحفروا فوجدوا كيساً من الذهب , فقالوا : إن القاتل إنما يريد الذهب ولابد أن يعود للبحث عنه، فاختبأوا وأخذوا في مراقبة المكان فجاء الطنبوري يحفر في المكان نفسه
فأقسم لهم الأيمان أنه لم يقتل أحد وأقام الشهود والبينات أنه لم يخرج من بغداد منذ زمن، وأخذ يقيم الحجج على ذلك حتى ثبتت براءته، فأطلق القاضي سراحه ولكن بعد تأديبه على إزعاجه للحرس المكلفين بمراقبة المكان بسببٍ تافهٍ جداً وهو دفن الحذاء
فقال للقاضي : يا سيدي اكتب صكاً بيني وبين هذا الحذاء أني بريءٌ منه فقد أفقرني وفعل بي الأفاعيل، وقص عليه ما تعرض له بسبب الحذاء

داليا الهواري
30-06-2007, 10:21 PM
الأصمعي والبقّـال
عن الأصمعي قال: ‏ ‏ كنت بالبصرة أطلب العلم، وأنا فقير. وكان على باب زقاقنا بقّال، إذا خرجتُ باكرا يقول لي إلى أين؟ فأقول إلى فلان المحدّث. وإذا عدت مساء يقول لي: من أين؟ فأقول من عند فلان الإخباريّ أو اللغويّ. ‏ ‏ فيقول البقال: يا هذا، اقبل وصيّتي، أنت شاب فلا تضيّع نفسك في هذا الهراء، واطلب عملا يعود عليك نفعه وأعطني جميع ما عندك من الكتب فأحرقها. فوالله لو طلبت مني بجميع كتبك جزرة، ما أعطيتُك! ‏ ‏ فلما ضاق صدري بمداومته هذا الكلام، صرت أخرج من بيتي ليلا وأدخله ليلا، وحالي، في خلال ذلك، تزداد ضيقا، حتى اضطررت إلى بيع ثياب لي، وبقيت لا أهتدي إلى نفقة يومي، وطال شعري، وأخلق ثوبي، واتّسخ بدني.
‏ ‏ فأنا كذلك، متحيّرا في أمري، إذ جاءني خادم للأمير محمد بن سليمان الهاشمي فقال لي: ‏ ‏ أجب الأمير. ‏ ‏ فقلت: ما يصنع الأمير برجل بلغ به الفقر إلى ما ترى؟ ‏ ‏ فلما رأى سوء حالي وقبح منظري، رجع فأخبر محمد بن سليمان بخبري، ثم عاد إليّ ومعه تخوت ثياب، ودرج فيه بخور، وكيس فيه ألف دينار، وقال: ‏ ‏ قد أمرني الأمير أن أُدخلك الحمام، وأُلبِسك من هذه الثياب وأدع باقيها عندك، وأطعِمك من هذا الطعام، وأبخّرك، لترجع إليك نفسك، ثم أحملك إليه. ‏ ‏ فسررت سرورا شديدا، ودعوتُ له، وعملتُ ما قال، ومضيت معه حتى دخلت على محمد بن سليمان. فلما سلّمتُ عليه، قرّبني ورفعني ثم قال: ‏ ‏ يا عبد الملك، قد سمعت عنك، واخترتك لتأديب ابن أمير المؤمنين، فتجهّز للخروج إلى بغداد. ‏ ‏ فشكرته ودعوت له، وقلت: ‏ ‏ سمعا وطاعة. سآخذ شيئا من كتبي وأتوجّه إليه غدا. ‏
‏ وعدت إلى داري فأخذت ما احتجت إليه من الكتب، وجعلتُ باقيها في حجرة سددتُ بابها، وأقعدت في الدار عجوزا من أهلنا تحفظها. ‏ ‏ فلما وصلت إلى بغداد دخلت على أمير المؤمنين هارون الرشيد.
‏ ‏ قال: أنت عبد الملك الأصمعي؟ ‏ ‏ قلت: نعم، أنا عبد أمير المؤمنين الأصمعي. ‏ ‏ قال أعلم أن ولد الرجل مهجة قلبه. وها أنا أسلم إليك ابني محمدا بأمانة الله. فلا تعلمه ما يُفسد عليه دينه، فلعله أن يكون للمسلمين إماما. ‏ ‏ قلت: السمع والطاعة. ‏ ‏ فأخرجه إليّ، وحُوِّلْتُ معه إلى دار قد أُخليت لتأديبه، وأجرى عليّ في كل شهر عشرة آلاف درهم. فأقمت معه حتى قرأ القرآن، وتفقّه في الدين، وروي الشعر واللغة، وعلم أيام الناس وأخبارهم.
‏ ‏ واستعرضه الرشيد فأُعجب به وقال: ‏ ‏ أريد أن يصلي بالناس في يوم الجمعة، فاختر له خطبة فحفِّظْه إياها. ‏ ‏ فحفّظتُه عشرا، وخرج فصلى بالناس وأنا معه، فأعجب الرشيد به وأتتني الجوائز والصلات من كل ناحية، فجمعت مالا عظيما اشتريت به عقارا وضياعا وبنيت لنفسي دارا بالبصرة. ‏ ‏ فلما عمرت الدار وكثرت الضياع، استأذنتُ الرشيد في الانحدار إلى البصرة، فأذن لي. فلما جئتها أقبل عليّ أهلها للتحية وقد فَشَتْ فيهم أخبار نعمتي. وتأمّلت من جاءني، فإذا بينهما البقال وعليه عمامة وسخة، وجبّة قصيرة. فلما رآني صاح: ‏ ‏ عبد الملك! ‏ ‏ فضحكت من حماقته ومخاطبته إيّاي بما كان يخاطبني به الرشيد ثم قلت له: ‏ ‏ يا هذا! قد والله جاءتني كتبي بما هو خير من الجَزَرَة! ‏ من كتاب "الفرج بعد الشدة" للتنوخي.

داليا الهواري
30-06-2007, 10:24 PM
يــــــتبع

بدرالمستور
09-07-2007, 11:35 AM
متابع ... لطيفة الفكرة

سنا الامل
09-07-2007, 04:14 PM
رائع جدا .....
مشكــــورة
ننتظر المزيد :)

داليا الهواري
14-07-2007, 10:30 PM
متابع ... لطيفة الفكرة

هلا بالريس بدر، حياك الله
تسرني متابعتك..
:g:

داليا الهواري
14-07-2007, 10:31 PM
رائع جدا .....
مشكــــورة
ننتظر المزيد :)


هلا بك عزيزتي سنا.. دمت حاضرة دائما بكل الأمل و الحب
:g:

داليا الهواري
14-07-2007, 10:37 PM
زَرْقَاءُ اليَمَامَةِ



هي فَتاةٌ عَرَبيَّةٌ عاقِلَةٌ جَميلَةٌ، وكانتْ عَيْناها أجْملَ ما فيها، كانَتْ تَرى بِهمِا الأشياءَ مِنْ خِلالِ مَسافاتٍ بَعيدَةٍ جدّاً، والنّاسُ يُعْجَبونَ مِنْ قُوَّةِ نَظَرها، وَكانَتْ بِلادُها تُسَمّى اليَمامَة، فَسُمِّيَتِ الفَتاةُ ."زَرْقاءُ اليمامِةِ ".

وَفي هذِهِ البِلادِ عُيونُ ماءٍ كثيرَةٌ، وَبَساتينُ جَميلَةٌ وَفي وَسَطِها قَلْعَةٌ عالِيَةٌ عَلى جَبَلٍ مُرْتَفِعٍ.

صَعِدَتِ الزَّرْقاءُ يَوْماً إلى القَلْعَةِ وَنَظَرَتْ فَرَأتْ شَيْئاً عَجَباً.
رَأََتْ مِنْ بَعيدٍ شَجَراً كَثيراً يَمْشي وَيَنْتَقِلُ مِنْ مَكانٍ إلى مَكانٍ، فَنادَتْ رَئيسَ قَوْمِها، وَقالَت: "أرى شَيئاً عَجَباً، أرى شَجَراً كَثيراً يَمْشي وَيتَنَقَّلُ " فَعَجبَ النّاسُ، وَقالوا : "الشَّجَرُ يَمْشي يا زَرْقاءُ ! هذا شيءٌ لَمْ نَرَهُ ولا نَقْدِرُ أَنْ نُصَدِّقُهُ، انْظُري. أعيدي النَّظَرَ . حقِّقي " .
ما أعادَتِ النَّظَرَ، ثُمَّ قَالَتْ :
"كَما أراكُم بِجانِبي أرى الشَّجَرَ مِنْ بَعيدٍ يمْشي " .
وَقالَ واحِدٌ مِنْ أهْلِها: "رُبَّما جاءَ إلى تِلْك البِلاد سَيْلٌ شَديدٌ، فَقَلَعَ الشًَّجَرَ مِنْ مَكانِهِ وَحَمَلَهُ لِذا تراهُ الزَّرقاءُ يَسيرُ " .

أعادَتِ النّظرَ، وَقَالَتْ : "لا ..بَلْ أراهُ الآنَ أوْضَحَ مِمّا كُنْتُ أراهُ، أرى تَحْتَ الشّجرِ رجالاً سائرينَ وَراكبين، والشّجَرُ مَعَهُم يَسيرُ "، فَنَظَروا هُمْ ثُمَّ قالوا: " لا يا زَرْقاءُ الجَميلةُ، أَخْطَأَ نَظَرُكِ هذِهِ المرًّة، وَخَدَعَتْكِ عَيْنُك ".
قالَتْ : " لا بَلْ أرى ذلِك كَما أراكُم بجانبي ".