PDA

View Full Version : مثل مطر دافئ ومالح / قصة لجهاد عقيل



جهاد عقيل
07-12-2006, 09:51 PM
مثل مطر دافئ ومالح







ثم انه قام على قدميه وشخص إلى المدينة ، صفق بكفيه وصرخ بأعلى صوته بعد أن سحب جسده نحو الفراغ الذي ننتظره فيه ونلفظ أنفاسنا كفوارغ رصاصات تتناثر في برار من حزن اجرد ، وما أن يصل إلينا ويلامس جسده الأرض حتى تنسحق عظامه ونلمه كقطعة قماش هالكة ، يذهب لون وجهه وكل ما يشير إلى ما يجري في العروق .كلنا يعرف الآن أن فراشة روحه قد رفت بعيدا وجسده يهرع باتجاهنا ، لكن أحدا منا لم يستطع أن يجد إجابة للسؤال الذي تدرفش في فمه كقضمة سفرجل نيئة معاودا بذلك طرق الأسئلة على صفيح أيامنا الدنفة :كم من الفراشات يمكن أن يرف أمام سور المدينة الذي انتهينا إليه ومن ذا الذي يحز حبال الشك بنصال الحقيقة داهمته فجأة رغبة بالألم .. فارتقى بضع درجات في السلم الذي صنعناه لاكتشاف مدينة ربما صغنا أروقتها في كوابيسنا وعجنا تفاصيلها بأحلامنا الزرقاء لكثرة ما شهقت إلى السماء مدينة حمراء كنحاس أيامنا وصفراء كلون عيوننا وهكذا كان على مدينتنا أن تكون ، انبجست فجأة كينبوع مياه وسط صليل صحرائنا الزاحفة لكنها تكومت على نفسها ونصبت أمام أعيننا سور الغموض هذا فصنعنا السلم تلو الآخر وسقط رجالنا مسكونين بالدهشة وذرت نسائنا التراب على شعورهن ممزوجا بماء العويل وهو يحدق في غيم السكون الذي تكاثف بين جموعنا ، يستدير نحونا وتأخذه صخور عيوننا إلى درجة أخرى ثم تسمره صرخة احدنا هناك و ولولة امرأة بدت كأنها أمه التي تذكرها الآن ، ربما لأننا نريد ذلك ونريد أن يغمره غيم سكوننا مرة أخرى فيصعد ، لكنه في هذه المرة وبعد أن وجد نفسه مغمورا برائحة أنفاسنا المالحة و الدبقه كهواء بحر ، قفز أرنب فضوله الناعم إلى أعلى فاستدار نحو الجدار قابضا بيديه على حافتي السلم الطويل مانحا إيانا عيوناً تتعلق بسراب الوصول وبدأت قدماه تلتهم درجات السلم كقرد إفريقي أزعر ، هكذا بدا لنا ونحن نرقب شيطان الطفولة وهو يخرج من قمقم الخوف ولم ننتبه يوما إلى الفرح الذي شب وراح يتنزه على شفتيه الطفليتين إلا عندما بدأ يرسم شرخا في يرقانة طفولته التي نسجناها حول رأسه .شاخ السكون الذي يلفنا وارتدت إلى أسماعه قطع من عبارة أخيره تدعوه للعودة أطلقها احدنا بينما هو يحرث الوقت للوصول إلى أعلى السور ، داعبت عيوننا كرات من لؤلؤ وانفرطت بإرادتنا أو بدونه الخرزات الزرق في سبحة أيامنا التي تدور على مهل وربما ارتسمت على شفاهنا بعض من ابتسامات مخاتلة كنا نراها في مرآة قلوبنا أو ربما هي إرادة يد الفولاذ التي عجنت طين أجسادنا بالقش الفارغ والذي ألهمنا هذا المزيج العجيب لبناء بيوتنا التي تقينا هجير شموسنا الزاحفة وقر ليالينا الحامضة ، لنبقى هكذا فارغين بالامتلاء وممتلئين بالفراغات التي تعبئ أرواحنا المتعبة ، ثم انه في لحظة الوصول تكور على نفسه ثم هطلت ندف من ثلج الدهشة في عينيه و في اللحظة التي تضرعت أيادينا إليه وتشبثت عيوننا بالمسافة فيما بيننا وبينه التفت إلينا وافرغ ما في رئتيه من غلال دأب على خزنها في كل سنواتنا المجدبة ، جلس قليلا ثم استوى على قدميه ثم عاود الجلوس وفي كل ذلك لم تنفذ صوامع ضحكاته بعد ، وكادت عدوى الضحك أن تسري فينا ونحن نقف أمام جدار بدا يشف رويدا وبدت خيالات قباب وأجراس كنائس وشوارع فسيحة وأرصفة ومصابيح أبنية تسمق باتجاه الغيم لولا انه قام على قدميه ثانية ، خلع سرواله الصغير على عجل وشخص إلينا مديدا بينما نحن نتلقى رذاذ مطر دافئ ومالح .

تيماءالقحطاني
18-12-2006, 10:30 PM
و كأن هذا المطر أتى في موسمه بالضبط.

جهاد عقيل، مرحبا بك.
نص شديد الملوحة و الحلاوة في آن، نستزيد بالتأكيد.

/

عادي جدا
27-12-2006, 12:44 PM
جمييييل ما كتبته أخي الكريم..
ولكن اين البقية..؟!!

ع د ي
12-01-2007, 11:01 PM
عزيزي جهـاد عقيــل ..

منـذ الجملـة الأولى ..

ثم انه قام على قدميه وشخص إلى المدينة ..

وكأننـا كنــا معــك ، تقصص علينــا حكـاية ً طويلــة ..
وتـابعت السـرد .. بـ " ثم " .. أعجبني هذا الأسلوب ، وهذه البدايـة ..
مفردات لغويـة رسختهـا في ذاكرتي بعـد قراءتي لنصــك هذا ..
ما شاء الله عليـك يا أخي ..

:كم من الفراشات يمكن أن يرف أمام سور المدينة الذي انتهينا إليه ومن ذا الذي يحز حبال الشك بنصال الحقيقة ..

لنبقى هكذا فارغين بالامتلاء وممتلئين بالفراغات التي تعبئ أرواحنا المتعبة ..

بليغــة والله يا أستــاذ جهاد ..

تمتلـك قدرة على الوصـف .. لم أرى نظيرهـا حتى الآن دون أدني مجاملـة ..

استمتعت و تعلمت يا أستــاذ جهاد عقيــل ..

عدي ..