PDA

View Full Version : الموسوعة العربية



غسان منيف
08-07-2007, 11:45 AM
بعد أن وجدت نفسي في سجال مفاجيء في موقع الساخر حول الموسوعة العربية التي تصدر في دمشق، وبعد أن اكتشفت أن ثمة أمور مهمة تتعلق بموسوعتنا العربية لم تصل إلى الكثيرين من محبي القراءة ومريدي الثقافة، كانت هذه الوقفة للتوضيح.
الجميع سمع بمقولة »الوطن الذي لا يملك موسوعة ليس له حضارة«، فكيف هي الحال إن كان العرب هم حملة نبراس الحضارت في المعمورة.
قد يقول قائل إن الغرب سبقنا في هذا المجال، بيد أن ذلك يجانب الحقيقة، فقد تجلى العمل الموسوعي في المؤلفات العربية القديمة قبل أن يتعلم الغرب ماهية الحرف والكتابة، وسأذكر على سبيل المثال لا الحصر، »معجم البلدان« لياقوت الحموي وكتاب »الحيوان للجاحظ« وغيرها كثير.
انطلقت فكرة الموسوعة العربية في آواخر سبعينيات القرن العشرين في كواليس الجامعة العربية، وبدأ الإعداد لها، وتنطحت سورية للموضوع، بيد أن خلافاً حول مكان صدورها ظهر بين المهتمين، فقد كان مقر الجامعة في تونس حينذاك، وتفادياً للخلافات ألغي المشروع في الجامعة العربية، بيد أن سورية تابعت العمل على إتمام هذا المشروع فأصدرت رئاسة الجمهورية مرسوماً تشريعياً باستحداث هيئة الموسوعة العربية عام 1980 وعينت لفيفاً من أساتذة الجامعات الأفاضل للتأسيس لها.
لعل المتتبع قد يستغرب هذا التوطيد للموضوع، ولكن لا بد من ذكر تاريخ إنشاء الموسوعة وتاريخ صدور أول مجلداتها، ليدرك القارئ مدى الاهتمام والدقة التي توختها الموسوعة، ومازالت، في تهيئة مساقها العام وكتابة بحوثها.
أود التنويه أن الموسوعة العربية هي غير الموسوعة العربية العالمية المترجمة.
إذن بدأت الموسوعة عملها عام 1980 وقد حالفني الحظ أن أكون في العاملين بها عام 1986 وعايشت خطواتها الواحدة تلو الأخرى.
طبعاً ليس خفياً على أحد الصعوبات التقنية التي كانت سائدة آنذاك. ومع ذلك تابعت الموسوعة بإخلاص وتفاني بذل الجهود والتقصي والبحث وانتقاء الباحثين وتكليفهم كتابة موضوعاتها واستمرت مسيرتها طويلة بلا كلل ولا تململ إلى أن توجت جهودها بصدور المجلد الأول في عام 2000 (كما تلحظ يا صديقي استغرقها العمل مدة 20 عاماً لتصدر باكورة مجلداتها-مع التنويه إلى أنها استكتبت كماً كبيراً من بحوثها التي صدرت وستصدر في المجلدات اللاحقة). طبعاً كان للتقدم التقني دوره في تسهيل الأمور وتطويعها.
مهما يكن فقد أسهمت تقنيات الحاسوب في زيادة طموحات الموسوعة فعممت مجلدها الأول غبر شبكة الإنترنت وهو بين أيدي متتبعي مواقع الإنترنت حالياً، بيد أن الموسوعة أصدرت حتى تاريخ تسطير هذه المقال 18 مجلداً ورقياً وتتوقع - بمشيئة الله- أن تنهي مجلداتها الثلاثة المتبقية في العام القادم (2008) قبل البدء في كتابة الموسوعات المتخصصة.
والبارز في الأمر أن موسوعتنا تتناول جوانب المعرفة كافة شأنها شأن الموسوعات العالمية الأخرى، لكن مع بعض التميز، إذ إنها - فضلاً عن التطرق إلى ما تطرقت إليه الموسوعات الأخرى- انفردت بموضوعات الحضارة العربية وتوسعت فيها الأمر الذي تجاهلته الموسوعات العالمية الأخرى
وأود التنويه أن الموسوعة في صدد تعميم مجلداتها كاملة في مواقع الإنترنت ولكن ليس قبل الانتهاء من الموسوعة الورقية.
ما أود قوله بصدق وأمانة هو أن السجال الذي وجدت نفسي في خضمه أثار غيرتي واقتضى التوضيح. وأرجو، بل أصبو، إلى التواصل معكم وعبركم للإفادة والاستفادة.

seef
08-07-2007, 01:50 PM
من عام 1980 لحتى اليوم لم تصدر ...
اي اسرار خفيه في طياتها ..
ربما يحالف الحظ اولادنا ويطلعوا عليها هذا اذا بقيت اللهجه عربيه..
اشكر لك حماسك وتقبل مروري

غسان منيف
08-07-2007, 02:19 PM
من عام 1980 لحتى اليوم لم تصدر ...
اي اسرار خفيه في طياتها ..
ربما يحالف الحظ اولادنا ويطلعوا عليها هذا اذا بقيت اللهجه عربيه..
اشكر لك حماسك وتقبل مروري

شكراً لملاحظتك وأتمنى أن تقرأ في نهاية المقال أنها بدأت عام 1980 ولكنها أصدرت 18 مجلداً ورقياً وستنهي مجلداتها المقدرة بـ 21 في منتصف العام القادم.
شكراً لمرورك

داليا الهواري
09-07-2007, 12:48 AM
نتابعك و نسعى بدورنا إلى معرفة حقائق جديدة ضمن الموسوعة
ليس في إطار " السجال المفاجئ الذي وقع لك مع الساخر" على حد تعبيرك، بل في إطار ما تراه حقائق موضوعية يجب أن تصل إلى الآخر..
تقديري

غسان منيف
09-07-2007, 10:25 AM
نتابعك و نسعى بدورنا إلى معرفة حقائق جديدة ضمن الموسوعة
ليس في إطار " السجال المفاجئ الذي وقع لك مع الساخر" على حد تعبيرك، بل في إطار ما تراه حقائق موضوعية يجب أن تصل إلى الآخر..
تقديري
أقدر عالياً مرورك، وقد لفتني غزارة اهتماماتك وتقصياتك في هذا المنتدى. ولا أخفيك أنني كتبت هذه السطور تحفزني كلماتك التشجيعية التي مررت بها في معرض موضوع الأستاذ سالم (تحية تقدير عالية له).
وكما نوهت سابقاً سأعمد- بعد الذي لمسته من اهتماماتكم وسعة ثقافتكم- إلى التواصل معكم عبر هذا المنتدى الفسيح الرحب.
شكراً لمرورك، بل أسعدني ذلك كثيراً

داليا الهواري
11-07-2007, 09:03 PM
يعطيك العافية.. نتابعك
كل التقدير لك

غسان منيف
12-07-2007, 01:20 PM
تحية تقدير عالية إلى من قد يمر سريعاً وإلى من قد يتوقف قليلاً في أثناء مروره ليقرأ بعضاً من هذه المقال.
أعضاء المنتدى الأفاضل ارتأيت أن أضع في رحاب منتدى »الساخر« بعضاً مما تضمه الموسوعة العربية بين دفتيها راجياً التوفيق في توضيح اليسر النذير من منهجها. وسأعمد لاحقاً إلى اقتطاف موضوعات متنوعة من ميادين المعرفة وتزويد منتداكم الفسيح بها، واتوق إلى قراءة ارائكم القيمة حرصاً على تقديم ما هو أفضل وأجدى.
موضوع اليوم التجريد

التجريد
التجريد،هو عملية الفصل بين ماهو رئيس، وماهو ثانوي عارض ومتغير. ويعد التجريد عملية حاسمة،تساعد على الانتقال من المستوى الحسّي التراكمي، ومن التعامل مع خليط الخبرة، وتداخل عناصرها ومكوناتها (حسّية، حركية، إدراكية، مشخّصة، مجرّدة، وغير ذلك) إلى المستوى المعرفي النظري، القائم على إدراك ماهو مشترك بين أنواع الخبرة هذه،أي المستوى الذي يشتمل من حيث التكوين والبناء على مفهومات ومبادئ وقواعد وقوانين ونظريات.
وللتجريد درجات، فإذا نظرت إلى الورقة التي? ?أمامك،? ?فانتزعت منها لونها أو شكلها، كان تجريدك فرز المجتمع في الإدراك الحسي، وهو أبسط درجات التجريد.وإذا نظرت إلى اللّون عامة، من دون أن يكون هذا اللون أحمر، أو أزرق، أو نظرت إلى الشكل عامةً، من دون أن يكون هذا الشكل مستطيلاً أو مربعاً، فأنت لم تقتصر في ذلك على درجة الفرق، أو حتى على مجرد الفرق بينهما، بل تجاوزت ذلك إلى درجة أعلى، ومازالت ترتقي من تجريد أدنى إلى تجريد أعلى حتى تصل إلى تصور المعاني الكلية، والمفهومات الراقية، لذلك، قال ابن سينا: » إن أصناف التجريد مختلفة، ومراتبها متفاوتة «.
أولاً ـ ماذا يعني التجريد
يمكن للباحث في الفلسفة، أو التربية أو علم النفس، أن يجد معاني وتعريفات كثيرة لعملية التجريد، وقد يجد فيها بعض الاختلاف، غير أن معظمها متشابه، ليس على مستوى الاختصاص الواحد فقط، بل على مستوى الاختصاصات المختلفة . وهذا الاتفاق يدل على تماسك هذا المفهوم، وثباته وأصالته. وفيما يلي عرض لأهم هذه المعاني ?والتعريفات.
1ـ التجريد في الفلسفة : يشير التجريد بالمعنى الفلسفي إلى » الجانب الإدراكي، الذي يعزِل عقلياً خصائص الموضوع، عن أي موضوع آخر بهدف تجزئة عناصره، وعزل جوانبها الأساسية، وتحليلها من نواحيها المتعددة، وفي صورتها الخالصة «.
2ـ التجريد في المنطق : » هو تبرئة عن شيء، لو لم يبرأ عنه لكان لاحقاً من خارج، فإن من قال إن الإنسان قد يتجرد عن الإنسانية، قال شططاً إلا إن كان يعني أن مادة الإنسانية، قد جُردت عن الإنسانية، فحينئذٍ تكون الإنسانية أمراً خارجاً عنها أيضاً «.
3ـ التجريد في علم الاجتماع: يرى جورج لندبرج »أنَّ التجريد عملية إدراكية، وظيفتها توجيه الانتباه نحو خبرات محددة، من أجل تسهيل عملية التعميم والتجاوب مع معطيات البيئة«، في حين يرى ثيودورسون أنَّ التجريد » عملية عقلية، يستخدمها الباحث استخداماً إدراكياً انتقائياً،? بهدف الوصول إلى تعميمات، مرتكزاً على جانب معين من الواقع الذي يختار من البيئة عدة ظواهر مدركة «.
4ـ التجريد في علم النفس: التجريد عند شيرد »عملية عقلية راقية خاصة بالإنسان، وهو يتحقق على قاعدة المفاهيم والفئات «. والتفكير المجرّد هو تجرد واستخلاص علاقات من الأشياء المحسوسة الموجودة، واستخدام هذه العلاقات للوصول إلى تنظيمات أخرى.
ثانياًـ نشأة مفهوم التجريد وتطوره من الطفولة إلى الرشد
لايستطيع الطفل حديث الولادة أن يفهم بيئته، وماتنطوي عليه من أشياء وكائنات وأحداث، غير أنه يكتسب هذا الفهم تدريجياً من خلال عمليات النضج، والتعلم ، والخبرة.
وينشأ الفهم من خلال الخبرات الحسية الأولية التي يعيشها الطفل، فالمفهومات »ليست معطيات حسية مباشرة، ولكنها شيء ناتج عن ربطٍ وحبك لهذه المعطيات وهي التي تحدد مايعرفه الطفل، ومايعتقد، ومن ثم، وإلى حد كبير، ما يفعله«.
إن التفكير المجرد يتخطى كثيراً حدود المعرفة الحسية، لكنه لايمكن أبداً أن ينقطع انقطاعاً تاماً عن الإحساسات والإدراكات والصور. إن هذه العلاقة الوثيقة للنشاط العقلي بالخبرة الحسية العملية، لها أهمية كبيرة في أثناء تكوين المفهومات لدى الأطفال.
ومفهوم التجريد كغيره من المفهومات العقلية الأخرى، ينمو ويتطور تدريجياً، مسايراً في ذلك مراحل النمو المختلفة التي يمر بها الفرد والتي سيتم تناولها على النحو التالي.
1ـ الطفولة المبكرة (مرحلة ماقبل المدرسة) 3ـ5سنوات: تتميّز هذه المرحلة بما يلي:
أـ يتمحور التفكير على العمليات الحسية المتعلقة باللذة والألم عند الطفل.
ب ـ يتصف تفكير الطفل بأنه خيالي، بعيد عن المنطق، كما أن الطفل يكون متمركزاً حول ذاته، ولكنه يبدي تقدماً ملحوظاً وانتظاماً في خبراته الحسية الحركية، ويبرز اللعب كنشاط رئيس لديه في هذه المرحلة.
جـ ـ يطرح الطفل أسئلة كثيرة تدور حول مشاهداته وخبراته اليومية، ويكتشف أن التفكير يرتبط بالكلام، وأن لكل شيء اسماً يقابله.
د ـ يكون تعلم الطفل شرطياً، يعتمد على الاستجابة المباشرة للمثيرات الخارجية.
هـ ـ تكون استجابات الطفل جزئية تحليلية، وليست تركيبية أو كلية، والمثير في لحظة نشاطه يستحوذ على الطفل استحواذاً كلياً، وينبثق معناه من شكله الخارجي فقط.
يبدأ الطفل بتعلم المفهومات في بداية هذه المرحلة، وربما قبلها، ?أي في نهاية السنة الثانية.
أما المفهومات التي يبدأ الطفل بتكوينها في هذه المرحلة فهي كثيرة مثل مفهوم الفراغ، والوزن، والزمن، ومفهوم الذات، إضافة إلى المفهومات الاجتماعية التي تتشكل من خلال علاقته بالناس، وعلى رأسهم ذووه. إلا أن المفهومات في هذه المرحلة تكون غائمة جد وغير محددة ويمكن تعلمها من خلال الخبرة الحسية فقط، بل يمكن عدها على الأرجح، المستوى التمهيدي الذي لابد منه لتعلم المفهوم المجرد.
2ـ الطفولة المتوسطة 5ـ8 سنوات: ويتميّز تفكير الطفل في هذه المرحلة بما يلي:
أـ تفكير تجريدي ناقص وغير مكتمل، يعتمد على اكتشاف أوجه الشبه بين المثيرات المختلفة.
ب ـ لايتمكن الطفل من استخدام المعاني الكلية، أو الألفاظ المجردة، كما أنه غير قادر على تركيز انتباهه لمدة طويلة في موضوع واحد، أي أن تفكيره انتقالي موزع.
ج ـ يستخدم الطفل الصور البشرية للأشياء التي يخبرها، ويتمكن من إدراك العلاقات المكانية بين الموضوعات، لكنه غير قادر على إدراك فكرة العلة والمعلول على نحو كامل.
د ـ يتمكن الطفل من الاستجابة لعدد من المثيرات دفعة واحدة، كما يكون قادراً على اختيار مثير والاستجابة إليه دون غيره، وتأجيل الاستجابة لمثيرات أخرى لوقت لاحق.
هـ ـ تعمل حواس الطفل المختلفة (البصر و السمع و اللمس...) متآزرة مترابطة، مما يجعله يدرك أن مايلمسه، هو نفسه مايراه، وأن ما يقرؤه هو عين مايسمعه.
وعموماً، يمكن القول، إن تفكير الطفل في هذه المرحلة، يتميز بخصائص تجعله أكثر تعقيداً عما كان عليه في السابق، غير أنه مازال بسيطاً، يفتقر إلى الثبات والتماسك إذا ما قورن بالتفكير في المرحلة اللاحقة، أي مابين الثامنة والحادية عشرة.
إن للمفهوم المحسوس في هذه المرحلة، خمسة مستويات من التجريد، يمكن توضيحها في المثال التالي: الكلب بوسي، المستوى الأول بوسي، والثاني كلب، والثالث حيوان، والرابع مادة حية، والخامس مادة. وتزداد هذه المستويات في درجة تجريدها على أساس منطقي هرمي، وقد بُني هذه الترتيب المنطقي على حقيقة مفادها أن المستويات العليا تتضمن المستويات الدنيا، وهكذا إلى أن نصل إلى أعلى المستويات. فالمستوى الأول وهو بوسي، متضمن في الثاني، وهو كلب، والثاني متضمن في الثالث، وهكذا...
وحقيقة الأمر »أنَّ هذه المستويات، التي تتكون المفهومات المجردة من خلالها هي غاية في التعقيد بالنسبة للطفل، وإن كانت تبدو للوهلة الأولى أنهاغاية فيالبساطة«.
أما المفهومات الأكثر أهمية وعمومية في هذه المرحلة فهي: مفهومات الحياة والموت، ومفهومات الفراغ والوزن والزمن والبعد ومفهوم الذات والسببية، إضافة إلى المفهومات الاجتماعية والجمالية.
والشيء الذي يمكن تأكيده هنا، هو أن المستوى التجريدي للمفهومات، أصبح أكثر ارتقاءً من المرحلة السابقة. إلا أنه مازال دون مستوى التفكير المجرد بالمعنى الخالص للتجريد. إن الأطفال على سبيل المثال مازالوا غير قادرين على فهم حقيقة أن الموت عملية نهائية، فهم يعتقدون أن لكل شيء صفات حيوية تمكنه من العودة. فالعصا بالنسبة للطفل حصان يمتطيه، وقطعة القماش المعقودة بطريقة معينة طفل يداعبه، وهكذا، ولاسيما في بداية هذه المرحلة.
أما مفهوم الذات فيتشكل من خلال الأدوار التي يلعبها الطفل، ويتقمص فيها شخصيات الآخرين. رجل البوليس، المعلم، رجل الإطفاء... ويتجلى ذلك في أنشطة اللعب التمثيلي التي بدأت تأخذ طابعاً شبه منتظم، يعتمد التخطيط، ويتوخى الوصول إلى أهداف شبه واضحة محددة.
3ـ الطفولة المتأخرة: 8ـ12سنة: يتميّز تفكير الطفل في هذه المرحلة بما يلي:
أ ـ تتناقص عملية التمركز حول الذات تدريجياً، ويزداد تفكير الطفل مرونة، ويغدو قادراً على الاستفسار وتقبل آراء الآخرين، ومحاولة فهمها من خلال تفاعلاته الاجتماعية المختلفة الآخذة في النمو والارتقاء.
ب ـ يدرك الطفل ماهو عام، وماهو خاص في اللحظة ذاتها، ويميز بينهما تمييزاً واضحاً.
جـ ـ يصبح التفكير التجريدي لدى الطفل شبه كامل، وخاصة في نهايات هذه المرحلة، إذ تتجلى قدرته في اكتشاف أوجه الشبه، وأوجه الاختلاف بين المثيرات المختلفة كما تتجلى في التمكن من تعليل الظواهر المادية المشخصة.
د ـ يتمكن الطفل من وصف الظواهر والأحداث من حوله، كما يتمكن من إدراك العلاقات ومن الربط والتوحيد بين الموضوعات.
هـ ـ يغدو الطفل قادراً في نهايات هذه المرحلة على القيام بعمليات الربط والتحليل، والتفسير والاستنتاج بوضوح، ولكنه مازال يعود بين الحين والآخر إلى القاعدة المادية التي اعتمد عليها تفكيره في المراحل السابقة.
وـ تقلّ عمليات التشتت الذهني لدى الطفل، ويغدو قادراً على التركيز في موضوع معين بصورة أكثر وضوحاً من ذي قبل.
ى ـ يصبح الطفل قادراً على اكتشاف العلاقات القائمة بين الموضوعات، وفق مبادئ التشابه والتجاور.
ويرى بياجيه، أن الطفل في هذه المرحلة يستطيع أن يقوم بعمليات التصنيف والترتيب والتسلسل والعد والجمع والطرح والقسمة، وبإمكانه إدراك مفاهيم الزمان والمكان والمساحة والعلاقات الهندسية الأولية، إضافةً إلى العمليات الفيزيائية الأولية،? ?ويتم ذلك كله، بصورة تدريجية، وفي إطار العمليات المشخصة، وليس في نطاق الفروض النظرية أو المجردة.
4ـ مرحلة المراهقة والرشد، 12ـ15 سنة فما فوق:
إن استخدام التفكير المجرد الذي يرتقي ويكتمل في هذه المرحلة يستمر إلى نهاية العمر. ومن أهم خصائص التفكير في هذه المرحلة مايلي:
أ ـ يستطيع الفرد حل مشكلات تتطلب تدخل التفكير الفرضي الاستدلالي، الذي يبنى على معرفة عدد كبير من التنظيمات،? ?مثل التصنيف على أساس محطات متعددة والانتقال بنجاح من التصنيف إلى القانون السببي، وتمييز الغموض في التجريب. ولكن لابد من الإشارة، إلى أنه تمَّ التمهيد لهذه التنظيمات في المرحلة السابقة.
ب ـ يتعلم الفرد عن طريق الاستبصار كمقدمات لإيجاد الحلول للمشكلات الطارئة.
جـ ـ توجد فروق فردية في كيفية التعامل مع المفهومات والقدرة على استعمالها وفهمها. فالعلماء مثلاً أكثر قدرة من سواهم على البحث في أمور غاية في التجريد كالطاقة والجهد والقوة، في حين نرى فريقاً من الناس غير قادر حتى على استخدام المفاهيم العادية. ويركز بعضهم على الاهتمام بالشكل على حساب المضمون.
د ـ تظهر لدى بعض الأفراد على الانتقال من الشكل إلى المضمون وبالعكس، الأمر الذي يمكنهم من اكتشاف مزيد من المفهومات، والقيام بمزيد من عمليات التجريد، وتنقص بعضهم الآخر مرونة التفكير، فيصبح تفكيرهم جامداً أحادي الجانب، ويصير غاية مايبغون الوصول إليه علاقة مناسبة أو مقبولة لعلاقة الشكل بالمضمون.
أما المفهومات التي يصير الفرد قادراً على فهمها واستخدامها في هذه المرحلة، فهي كثيرة وثرية جداً، سواء من حيث الكم أو الكيف، وفيما يلي ذكر لأهمها:
مفهومات النسب والتناس، والتوازن والمفهومات الاحتمالية واستقراء القوانين وتحليل العوامل إضافة إلى رسوخ المفهومات التي ذكرت المراحل السابقة وتماسكها ووضوحها.
هـ ـ يتناقص اعتماد الفرد على معالجة الأشياء المادية، ويفكر فيما وراء الحاضر، وتظهر قدرته على التفكير العملي وعلى التعامل مع الأشياء عن طريق العمليات المنطقية، ويتطور نحو لامركزية الذات، من خلال مناقشة ذاته وأفكاره بطريقة نظرية وأخرى عملية، يقوم فيها بدور الراشد، وأخيراً يدرك الأشياء من حيث علاقتها بنظام قيم الأشياء.
ثالثاً ـ تطبيقات مفهوم التجريد في الحياة
يمكن تطبيق مفهوم التجريد في الحياة عامة، وذلك من خلال العلوم المختلفة، وعلى رأسها الرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلم الحياة والجغرافية والتربية وعلم النفس والأدب والفن، وأخيراً من خلال علوم الفضاء.
إن تطبيق مفهوم التجريد في الحياة، ماهو إلا عملية عكسية لنشوء التجريد ذاته، فإذا كان تعلم المفهوم المجرد أي مفهوم في الرياضة أو التربية أو الفن، يبدأ من الحسي الملموس ثم لايلبث أن يتخلص تدريجياً مما علق به من أشياء حسية ملموسة، إلى أن يصل إلى أرقى شكل من أشكال التجريد، فإن تطبيق هذا المفهوم في الحياة، يحتاج إلى عودة تدريجية جديدة من أرقى أشكال التجريد إلى الحسي الملموس.
إن صفة التجريد، التي تبدو أنها تباعد بين ماهو نظري وعملي، بين المجرد والملموس هي التي مكّنت وتُمكّنُ الإنسان من السيطرة على عالمه وواقعه المعيش، وتتيح له تطبيقاً أفضل لقوانينه.
وتمتلئ بحوث ودراسات العلم المعاصر بالرموز والمعادلات والأشكال الهندسية، ويُقدم لنا، باستخدام هذه الرموز المجردة ذاتها، اكتشافات واختراعات جديدة في كل يوم، تمكننا من السيطرة على الشروط المحيطة بنا على نحو أفضل، ويعمل على رفع مستوى حياتنا باستمرار.
إن طريقة العلم تكمن في السيطرة على العالم الملموس، والتغلغل فيه وتجريده من صفاته العينية المألوفة، ثم التغلغل فيه من جديد كلما تطلب الأمر ذلك.

أرجو الإفادة والمرور المتروي
وتقبلوا تقديري

داليا الهواري
12-07-2007, 10:10 PM
الأخ غسان.. يفضل البقاء في نفس المتصفح لتناول موضوع الموسوعة العربية حتى لا يتشتت ذهننا في متابعتك..
تقديري

غسان منيف
15-07-2007, 12:37 PM
ليس ثمة مانع في أن يتأبط الإنسان شيئاً ما وهو يغادر منزله، ولكن الصعوبة تكمن في انتقاء ما قد يتأبطه.
ولعل قطاف الموسوعة العربية الذي اخترته اليوم يوحي للمرء بما قد يرغب في تأبطه وهو يدرج خارجاً إلى حياته اليومية

تأبط شراً
(....ـ نحو80ق.هـ/....ـ نحو540م)
أبو زهير ثابت بن جابر بن سفيان،ينتهي نسبه إلى بني فهم من قيس عيلان، وهو ابن أخت الشنفرى الشاعر الصعلوك. وأحد الشعراء الصعاليك فيالعصر الجاهلي، ومن أغربة العرب، قيل لهم ذلك لسواد ألوانهم، وهو من فُتّاك العرب المشهورين قيل: لُقِّب تأبط شراً لأنه حمل سيفاً تحت إبطه وخرج، فُسئلت أمه عنه، فقالت: لاأدري، تأبط شراً وخرج. وقيل: بل جاء إلى أمه يحمل جراباً مَلأه أفاعي، ثم فتحه أمامها، فقالت:لقد تأبط شراً. وقيل في سبب لقبه هذا غير ذلك.
قيل إن أمه كانت أمةً سوداء، فورث لونها، والمرجح أنها كانت حُرّة، فأخوها الشنفرى كان من بني مفرّج، بطن من الأزد، ثم فارقهم لأنهم لم يأخذوا بثأره فلحق ببني فهم بن عمرو بن قيس عيلان، وكانوا أخواله فنسب إليهم وكذلك أخته، أم تأبط شراً .
اشتهر تأبط شراً بسرعة عَدوه، فكان يغزو على رجليه فلا يلحق به أحد، وكان إذا جاع ورأى ظبياً طارده فلحق به ثم اشتواه وأكله. وكان حاد السمع يسمع وطء الخيل من بُعد.
مات أبوه صغيراً فتزوجت أمه أبا كبير الهذلي، وضاق أبو كبير بالغلام، فحاول قتله مراراً فلم يُفلح، وغضب تأبط شراً على هذيل فكان دائم الغزو لها.
اجتمع ببعض الصعاليك كالشنفرى، وعمرو بن برّاق، والسُّلَيك بن السُّلكة، وعامر بن الأخنس، وكان يغزو معهم مجتمعين أو متفرقين. وأكثر غزواته كانت على بني هُذيل،وبجيلة، وعلى مراد، وخثعم، وغيرهم. وظل على هذه الحال حتى قُتل في بعض غاراته على بني هذيل. وقيل: بل لدغته أفعى فمات.
وهناك أخبار كثيرة عن لقائه الغول، وحمله لها وقتلها، وكان تأبط شراً يختلق هذه الأخبار وقد ذكرها كثيراً في شعره، كقوله:
فيا جارَتَا أنتِ ماأهْوَلا
فأَصْبَحْتُ والغُولُ لي جارَةٌ
وأخبار مغامراته تكتسي طابع الأدب الشعبي، وقد روى أبو الفرج طائفة منها.
يعد تأبط شراً في عداد شعراء الجاهلية المجيدين، إذ امتاز بمتانة النسج، وغرابة الألفاظ، وتجلت فيه كل خصائص شعر الصعاليك من حيث الواقعية، ومحاولة التخلص من المقدمة الطللية والتصريع، وتمثيل الحياة الشخصية. وكثر في شعره معاني التصعلك، والحماسة، ووصف الأسلحة والمراقب، والحديث عن الفقر والجوع والبراعة في الفرار والتخلص من المخاطر والنجاة من الأعداء. كما افتخر بقوته وشدة عدوه، ومن ذلك قوله:
وذا جناحٍ بجنب الرَّيْد خَفَّاق
لاشيءَ أسرعُ مني ليس ذا عُذَرٍ
وشعره لايخلو من الحكمة كقوله:
أضاع وقاسى أمرَه، وهو مُدْبر
إذا المرء لم يحتَلْ وقد جَدَّ جِدُّه
كما برز فيه موضوع الرثاء، ومن رثائه ماقاله في خاله الشنفرى، وقد مات قبله:
غزيرُ الكُلى، وصَيِّبُ الماءِ باكر
على الشنفرى ساري الغمام، فرائح
وقد تخيّر القدماء قصائد وأبياتاً من شعره جعلوها في كتبهم واختياراتهم، واستشهدوا بها في النحو واللغة والأدب، كالمفضل الضبي الذي بدأ المفضليات بقصيدة تأبط شراً التي على القاف، وكالأصمعي، وأبي تمام في الحماسة، والبحتري وابن جني وغيرهم.
وقد عني المحدثون من عرب ومستشرقين بشعره، وحاولوا جمعه وشرحه، وكان آخرها وأفضلها ديوانه الذي جمعه وحققه علي ذو الفقار شاكر، فقد جمع فيه ثمانين ومئتي بيت، شرحها ودقق في صحة نسبتها إليه، وربما اختلطت بعض أشعاره وأخباره بشعر خاله الشنفرى وأخباره.
ومن أشهر القصائد التي نُسبت إليه:
لقتيلاً دمُه ما يُطّلُّ
إنّ بالشّعْبِ الذي دون سَلع
ولكن بعض الباحثين يذكر أن الرواي خلفاً الأحمر قالها ونحلها تأبط شراً.
بقلم الدكتور علي أبو زيد

تأبط شراً، وأسرع عدواً، فأجاد شعراً

داليا الهواري
17-07-2007, 02:43 AM
رائع ما تنقله هنا و أرجو أن تستمر في نقل الجانب الفكري و الثقافي ضمن الموسوعة العربية
و موضوع تأبط شرا أكثر من جميل
ألف شكر لك و ننتظرك في " تأبط " جديد
حياك الله أخي غسان

salem salim
17-07-2007, 07:39 AM
لم ننتج شيئا معشر العرب يستحق الذكر منذ قرون

الآن أمامنا الموسوعة

الموسوعة ستكون محركا للثقافة العربية والمحرك الوحيد !!!!

وسائل الإعلام العربية القروسطية بكل ألوانها غير مهتمة بالأمر



ثبتوا هذا المقال وأنظروا للأشياء من زاوية عقلانية

hiam
17-07-2007, 09:19 AM
ليس ثمة مانع في أن يتأبط الإنسان شيئاً ما وهو يغادر منزله، ولكن الصعوبة تكمن في انتقاء ما قد
يتأبطه.
ولعل قطاف الموسوعة العربية الذي اخترته اليوم يوحي للمرء بما قد يرغب في تأبطه وهو يدرج خارجاً إلى حياته اليومية

السلام عليكم.. أشكرك على هذا الموضوع. أتمنى ان تواصل في إتحافنا عن الموسوعة العربية لأني مهتمة بهذا الموضوع في دراستي.
جزاك الله خيرا

غسان منيف
22-07-2007, 11:03 AM
الأستاذان المشرفان داليا الهواري وسالم سليم
أشكر لسطوركما التحفيزية ولكم تقديري العالي
الأنسة هيام
أرجو موافاتي بتخصص دراستك علني أستطيع المقاربة بما قد أختاره من موضوعات الموسوعة

ما مر يوم إلا وسمعنا قائلاً يقول »كما يقول المثل« مستشهداً للدلالة على فكرة أو موقف وغير ذلك. وفي كثير من الحالات يلجأ بعض العقلاء إلى حسم نقاش أو خلاف بتقديم مثل من الأمثال التي تداولتها العرب. وهنا يحضرني المثل المقتبس من أحد أبيات شعر طرفة بن العبد:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ***** »ويأتيك بالأخبار من لم تزود«
آملاً أن يكون في زاد الموسوعة العربية الذي سأقدمه اليوم الكثير من الفائدة.


الأمثال عند العرب
الأمثال جمع مَثَل ومِثْل ومثيل، وهذا الأصل في اللغة العربية يدل على المماثلة، أو على مناظرة الشيء للشيء، من قولك: هذا مِثْل الشيء ومثيله، كما تقول: شِبهه وشبيهه، مأخوذ من المثال والحذو، شبّهوه بالمثال الذي يُضرب عليه غيره.
ويقول الزمخشري (ت 835هـ) في مقدمة كتابه «المستقصى من أمثال العرب»: «والمَثَل في أصل كلامهم بمعنى المِثْل والنظير». ومَثَل الشيء أيضاً صفته، كما رأى بعض المفسّرين في قوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ التي وُعِدَ الْمُتَّقُوْن} (محمد51)، أي صفة الجنة. وفي قوله تعالى: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ في التَّوْرَاةِ ومَثَلُهُمْ في الإِنْجِيْل} (الفتح92)، أي ذلك صفة محمد(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه في التوراة والإنجيل.
وقد يكون المثَل بمعنى العِبْرة، ومنه قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفَاً ومَثَلاً لِلآْخَرِيْن} (الزخرف 65)، ويكون المثل بمعنى الآية، من قوله تعالى: {وجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنيْ إِسْرَائِيل} (الزخرف95) أي آية تدل على نبوّته.
والمثل هو القول السائر الذي يُشبَّه به حال الثاني بالأول، أو الذي يشبه مَضرِبه بمَورِدِه، والمراد بالمورد الحالة الأصلية التي ورد فيها الكلام، وبالمضرب الحالة المشبهة التي أريدت بالكلام.
ويقولون: «الأمثال تُحكى، يعنون بذلك أنها تضرب على ماجاءت عن العرب، ولاتُغير صيغتها». والمراد بضرب المثل هو اعتبار الشيء بغيره وتمثيله به.
وعن حقيقة المثل وشيوعه وسيرورته يقول المرزوقي (ت124هـ) في «شرح الفصيح»: «المثل جملة من القول مقتضبة من أصلها، أو مرسلة بذاتها، فتتّسم بالقبول، وتشتهر بالتداول، فتُنقل عما وردت فيه إلى كل مايصح قصده بها من غير تغيير يلحقها في لفظها، وعمّا يوجبه الظاهر إلى أشباهه من المعاني؛ فلذلك تضرب وإن جُهلت أسبابها التي خرجت عليها».
لمّا اتجه علماء العربية بمدلول المثل نحو الاصطلاح اتّسعوا بتعريفه وصفاته العامة كما يستفاد من كلام أبي عبيد القاسم بن سلاّم (ت422هـ) في كتابه «الأمثال» إذ يقول: «هذا كتاب الأمثال، وهي حكمة العرب في الجاهلية والإسلام، وبها كانت تعارض كلامها، فتبلغ بها ماحاولت من حاجاتها في المنطق، بكناية غير تصريح، فيجتمع لها بذلك ثلاث خلال: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه».
وبهذه الرؤية تبدو الأمثال حكمة مستخلصة من تجارب المجتمعات العربية وخبراتها وأحوالها في الجاهلية والإسلام، وقرْنُها بالكناية على إرادة الصياغة الأسلوبية الغالبة، لاالكناية بمعناها الاصطلاحي عند علماء البلاغة.
ولعل أكثر التعريفات إحاطةً وشمولاً لمفهوم المثل قول أبي إبراهيم إسحاق الفارابي (ت053هـ): «المثل ما تراضاه العامة والخاصة، في لفظه ومعناه، حتى ابتذلوه فيما بينهم، وفاهوا به في السرّاء والضرّاء، واستدرّوا به الممتنع من الدّر، ووصلوا به إلى المطالب القصية، وتفرّجوا به عن الكرْب والمكْرُبة، وهو من أبلغ الحكمة؛ لأن الناس لايجتمعون على ناقص أو مقصِّر في الجودة، أو غير مبالغ في بلوغ المدى في النفاسة».
وفي الاصطلاح عرف العرب ثلاثة أنواع من الأمثال هي:
المثل السائر، وهو المراد عند التعميم والإطلاق. والمثل القياسي، وهو «سرد وصفي أو قصصي أو تصويري لتوضيح فكرة، عن طريق تشبيه شيء بشيء، لتقريب المعقول من المحسو س، لغرض التأديب، أو التهذيب، أو الإيضاح، أو غير ذلك. ويمتاز هذا النوع من النوع الأول بالإطناب، وعمق الفكرة، وجمال التصوير».
وهذا النوع من الأمثال لم تُعن به مصنفات الأمثال العربية القديمة، وهو مبثوث في القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف وغيرهما. منه في القرآن الكريم قوله تعالى: {ومَثَلُ الَّذِيْن كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لايَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمُّ عُمْيٌّ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُوْن} (البقرة171).
ومنه قول الرسول (صلى الله عليه وسلم): «مَثَل عِلْم لايُنتفع به كمثل مال لايُنفق منه في سبيل الله». وقوله (صلى الله عليه وسلم): «مَثَل هذه الدنيا كمثل ثوب شُقَّ أوَّله إلى آخره».
أما النوع الثالث فهو المثل الخرافي وهو قصة قصيرة بسيطة رمزية غالباً، لها مغزى أخلاقي، وقد تكون على ألسنة الحيوانات، كقصص «كليلة ودمنة» التي نقلها إلى الغربية ابن المقفع، ومثل قصة الأرنب والضب، وكقصص الشاعر الفرنسي لافونتين La Fontaine.
ويختلف المثل «الخرافي» عن «القياسي» في أن الأحاسيس الإنسانية فيه تنسب إلى غير الإنسان. أما المثل «القياسي» فالحيوانات فيه، وإن استخدمت، فلاتعدو أن تكون مجرد أداة للفكرة، وفي الأول تستخدم الحيوانات على أنها ر موز إلى ناس، أو إلى أمور، أو إلى أشياء أخرى، أما في الثاني فتقصد لذاتها، أو يؤتى بها لتوضيح الفكرة عن طريق التشبيه والتمثيل.
وتدل الأمثال على عقلية الشعب الذي تصدر عنه، وتُصوِّر حياته الاجتماعية، وهي خير دليل على أخلاقه وطبيعة ثقافته، ومشاغله، وهمومه، وراصد لأحوال بيئته وموجوداتها، وترجمان لمستوى لغته ونهج تربيته، وفيها تسجيل دقيق لجانب من تاريخه العام، ذلك أن بعض الأمثال تكون وليدة الأسطورة في إطار التاريخ المحلّي، أو وليدة حادثة تُروى على أنها حدث تاريخي كبير كتلك المستمدة من أيام العرب، مثل حرب داحس والغبراء، ويوم الرحرحان الثاني، ويوم النفراوات (يوم حليمة)، أو (عين أُباغ)، ويوم الكلاب (الأول والثاني)، ويوم حجر، وكالأمثلة المستمدَّة من قصة الزبَّاء. وقد ترتبط بشخصيات كانت ذات شأن في مجتمعها، كلقمان الحكيم، وأبي لهب، ومسيلمة الكذّاب، والنعمان بن المنذر، و بيهس الأحمق.
وإذا كانت الأمثال قد ظهرت مع بداية التجربة الإنسانية وتكوّن المجتمعات واللغات، فمن الممكن ربط تلك الأحداث والأسماء العربية بنشأة الأمثال عند العرب منذ الجاهلية، كما يستخلص من المثلين «أشأم من البَسُوس» الذي قيل في حرب البسوس، و«أشأم من داحس» الذي قيل في حرب داحس والغبراء. أو كما يستفاد من المثل: «مايوم حليمة بسرّ»، أو من المثل المقول في حديث جذيمة الأبرش والزبَّاء: «خَطْب يسيرٌ في خطب كبير».
ويمكن فرز الأمثال الجاهلية من غيرها بنسبتها إلى قائليها أخذاً بما نصّ عليه العلماء والمؤرخون، كاتفاقهم على نسبة المثل: «ربّ أخ لك لم تلده أمك» إلى لقمان بن عاد، ونسبة المثل: «إنك لاتجني من الشوك العنب» إلى أكثم بن صيفي، وكذلك نظيره: «أول الحزم المشورة»، وكقول عامر بن الظرب: «رُبَّ أَكْلَةٍ تَمْنَعُ أَكَلاتٍ».
وقد تُغفل الإشارة إلى الحدث الذي قيل فيه المثل، أو تغفل نسبته إ لى قائله، ولكن يبقى النص على جاهليته، أو على نسبته إلى قبائل جاهلية، من ذلك نسبتهم المثل: «ألحن من الجرادتين» إلى قبيلة عاد، والمثل: «شرّ يوميها وأغواه لها» إلى قبيلة طَسْم، والمثل: «من دخل ظفار حَمَّر» إلى حِمْيَر.
أما الأمثال الإسلامية ففي صدارتها ماجا ء في محكم آي الذكر المجيد مقروناً بلفظة «مثل» أو «أمثال»، كما في قوله تعالى: {ويَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلْنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُوْن} (إبراهيم53)، وقوله تعالى: {وضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّة} (النحل211)، وقوله عز َّ وجل: {إِنَّ اللهَ لايَسْتَحْيِيْ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوْضَةً فَمَا فَوْقَها} (البقرة62)، إلى غير ذلك مما أشار به إلى منافع الأمثال في متصرّفاتها وحسن مواقعها.
ومن الأمثال الإسلامية ماسيق متأثراً بما جاء به القرآن الكريم من قصص الأنبياء، ومن ا لحكمة والموعظة والتشريع والترغيب والترهيب، أو متأثراً بلغة التنزيل وجمال تصويره وإعجازه المحفوظ، كما يلحظ بوضوح في المثل: «أتبُّ من أبي لهب» أو «أقرب من حبل الوريد»، من الآية الكريمة: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيْد} (ق61)، أو «أفرغ من فؤاد أم موسى» من الآية الكريمة: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوْسَى فَارِغاً } (القصص01).
وغير خفي أن قسماً كبيراً من الأمثال والحِكَم الإسلامية يرتبط بالحديث النبوي الشريف، قولاً، أو أصلاً، أو نقلاً وتضميناً، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «حمي الوطيس» و«مات حتف أنفه»، و«إن من البيان لسحراً»، و«اليد العليا خير من اليد السفلى»، و«التائب من الذنب كمن لاذنب له». وقسماً منها يعزى إلى الصحابة والتابعين، كما في قول أبي بكر الصديق: «لاطامّة إلا وفوقها طامة»، وقول عمر بن الخطّاب: «النساء لَحْم على وَضَم إلا ماذُبَّ عنه»، وقول علي بن أبي طالب: «رأي الشيخ خير من مشهد الغلام»، وقول ابن عباس: «إذا جاء القدر عَشِي البصر»، وقول ابن مسعود: «النساء حبائل الشيطان»، وقول عمرو بن العاص: «استراح من لاعقل له».
فهذه الأمثال لايداخل الشكّ نسبتها إلى قائليها لأن التدوين بدأ معهم معزّزاً بتسلسل الروايات وصحة السند.
أما بقية الأمثال العربية فقد صنّفت في نسبتها تحت مصطلح المولَّد، وأطلق بعضهم عليها اسم «الحديثة» و«الجديدة». وأول من اهتم بتمييز الأمثال المولّدة من غيرها حمزة الأصفهاني (ت063هـ) في كتابه «الدُّرَّة الفاخرة»، وسمي أيضاً «كتاب سوائر الأمثال على أفعل». وأبو هلال العسكري (ت593هـ) في كتابه: «جمهرة الأمثال»، فالميداني (أبو الفضل أحمد بن محمد، ت815هـ) في كتابه: «مجمع الأمثال».
وإلى جانب الأحداث والشخصيات التاريخية كانت مادة الأمثال تدور حول الحيوانات كالإبل (السائبة، البَحِيْرة، أو الوصيلة الحامي)، والفرس، والكلب ونظائر ذلك من حيوانات البرِّية. أو كانت تدور حول القبائل والموروثات الدينية القديمة، ومظاهر الطبيعة، والدهر، والمأكول والمشروب. على أنها كانت تولي الإنسان عناية خاصة، يستوي في ذلك الملوك والرؤساء والبؤساء والفُتَّاك وأصحاب الخرافات، مع مايتصل بحيوات هؤلاء وأضرابهم من المشاعر والغرائز والصفات والأفعال والعادات.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك من يخلط بين المثل والحكمة متأثراً باللغة المحكمة الموجَزة، أو بتشابه الأسلوب في الحكمة والمثل، بيد أن المثل يختلف عن الحكمة في كونه أكثر إيجازاً في الغالب، وأكثر شيوعاً واعتماداً على التشبيه، وميلاً إلى الحسيّة، والاحتجاج، والترف اللغوي الظاهري، وقد يكون المثل «عبارة تقليدية»، تستخدم في الدعاء واللعن والخطاب والتحيّة. أما الحكمة فتقوم على العظة والاعتبار، وتصدر عن طول تجربة وإعمال فكر، وتهدف إلى الإرشاد والتربية وتحض على التأمّل وتحكيم العقل.
أسلوب الأمثال
من ابرز سمات أسلوب الأمثال الاعتماد على البلاغة في الصياغة، ذلك أن أساس المثل تشبيه حالة بحالة، أو استعارة حالة لحالة أخرى، كقولهم: «بيتي يبخل لاأنا». ويؤدَّى ذلك بألفاظ متخيَّرة موقّعة أو مسجوعة أو مزدوجة مصوغة في إفصاح وإيجاز وإحكام. ومن الأقوال التي تلخّص وصف أسلوب الأمثال ماجاء في مقدمة كتاب الميداني، قال: «يجتمع في المثل أربعة لاتجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة».
وكثُر الحديث عن الإيجاز والاختصار في الأمثال حتى صُوِّرت وكأنها رموز وإشارات يلوَّح بها إلى المعاني تلويحاً، كقولهم: «عشبٌ ولابعير». ويصف أبو هلال العسكري ملامح هذا الإيجاز في قوله عنها: «فهي من أجلّ الكلام وأنبله، وأشرفه، وأفضله، لقلة ألفاظها، وكثرة معانيها، ويسير إيجازها، تعمل عمل الإطناب». ومن الشواهد التي يسوقها على ذلك: «العَوْدُ أحمد» و«السِّرُّ أمانة» و«جزاء سِنِمَّار» و«الخلاء بلاء».
ومما تتصف به لغة الأمثال جودة الكناية في مثل قولهم: «بقضِّه وقضيضه» أو «بلغ السيل الزُّبَى». كما تتصف بالسجع أو توافق الفواصل، وبحسن التشبيه، والمبالغة والمغالاة في مثل: «أبقى من الدهر» و«أثقل من طَوْد». وأحياناً بالطباق من نحو: «ويل للشّجيّ من الخليّ». ويُعزى طغيان صيغة أفعل التفضيل في أسلوب الأمثال إلى المتأخرين أو المولَّدين، ولكنه أسلوب شائع عند القدماء مألوف في مثل قولهم: «أحلم من الأحنف» أو «أشأم من طويس» أو «أعزُّ من كليب وائل» أو «أكبر من لُبَد» و«أسْيَرُ من مثل». على أن المدقق في أسلوب الأمثال يجد أنها تضمّنت مجمل صيغ الإنشاء الأدبي من الأمر والنهي والدعاء والتمنّي والتعجب والشرط والجمل الاسمية والفعلية.
وتلتزم الأمثال منطوق الكلام الذي قيلت به أول مرة من غير تغيير يراعى القواعد أو الفصائل اللغوية. يقول الزمخشري في هذا: الأمثال يُتكلَّم بها كما هي، فليس لك أن تطرح شيئاً من علامات التأنيث في «أطرِّي فإنّك ناعله»، وفي «رمتني بدائها وانسلّت»، وإ ن كان المضروب له مذكَّراً، ولايبدَّل اسم المخاطَب من (عقيل) و(عمرو) في «أشئت عقيل إلى عقلك» و«هذه بتلك فهل جزيتك ياعمرو». وقل مثل ذلك في المثل: «الصيف ضيّعتِ اللبن»، أو في المثل المشهور: «مكره أخاك لابطل».
ومامن شك في أن شيوع المثل الفصيح هو الغالب على مر العصور العربية القديمة لأنه قرين الفصحى التي استمرّت مواكبة الفكر العربي الذي كانت أداته ووسيلته، ومن هنا كانت الأمثال التي ترجمها العرب عن الفارسية أو اليونانية فصيحة اللغة تبعاً لزمن ترجمتها الذي كانت محتفظة بمكانتها فيه.
ولم تكن الأمثال مقصورة على النثر، أو على التعابير المَثَلية، نحو «سكت ألفاً ونطق خُلْفاً»، وإنما كان لها حظها من النظم، إذ جاء بعضها على أسلوب المثل في أشطار، أو في تعبيرات موزونة الأداء نحو:«إنّ البُغاث بأرضنا تَسْتنسِر»، أو: «تجري الرياح بمالاتشتهي السُّفُنُ».
وأقل من شطر نحو: «لاتُفسدِ القوس [أعطِ القوس باريها].
ومن طريف ماقيل في ذلك بيت أبي تمّام:
ماأنتَ إلا مَثَلٌ سائرٌ
يعرفه الجاهل والخابر
وكان من شدة اهتمام العرب بالأمثال أن وَضَعت فيها مايزيد على ستة وستين كتاباً بدءاً من صَحَار العبدي (ت04هـ) ووصولاً إلى إبراهيم الأحدب الطرابلسي (ت8031هـ). وهذا كله حصيلة معرفتهم بأهمية الأمثال في مجال فتنة اللغة أو الإمتاع اللغوي وحسن الأداء، فضلاً عن رصد الأمثال لأحوال المجتمعات والتطور العقلي للعرب، مع إحساسهم بقيمة وظيفتها الأخلاقية التربوية، وأثرها في والترفيه وإعادة قصّ الماضي وربطه بالحاضر والمستقبل، ولهذا ماخصص لها سفر في العهد القديم من الكتاب المقدس، وحيّز واسع في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.
بقلم المرحوم الدكتور مسعود بوبو

أرجو الإعادة فكما يقول المثل »في الإعادة إفادة«

النـاظر
22-07-2007, 09:18 PM
تم التعديل بواسطة غسان منيف : 22-07-2007 في 01:29 PM.
مالذي عدلته أخي الكريم...؟
لأني متابع كل صغيرة وكبيرة في الموضوع
شكرا لك

غسان منيف
23-07-2007, 02:29 AM
تم التعديل بواسطة غسان منيف : 22-07-2007 في 01:29 PM.
مالذي عدلته أخي الكريم...؟
لأني متابع كل صغيرة وكبيرة في الموضوع
شكرا لك

الأخ الناظر
بداية أشكر متابعتك
عمدت إلى تصحيح أخطاء طباعية, كما أضفت (صلى الله عليه وسلم) بعد اسم الرسول الكريم إذ إن المتصفح لم يرسمها كما هي حين عملية النسخ واللصق
أعذرني ولكن لا بد من محاولة التغلب على بعض العقبات التقنية
شكراَ للناظر ولاهتمامه

غسان منيف
25-07-2007, 01:48 PM
«أبصر من زرقاء اليمامة»، مثل يتردد كثيراً كناية عن حدة البصر، بيد أن معظم الناس لا يعرف من هي زرقاء اليمامة وسيرتها. إنها «زرقاء بني جديس»، وهاكم سيرتها التي وتقتها الموسوعة العربية. ومازلت أصبو إلى توضيح أهمية عمل موسوعتنا العربية وفائدته.

زَرْقاء اليَمَامة
اليَمامة من بني جَديس بن جاثر (أوعامر) بن إرم بن سام بن نوح. وقيل: هي بنت لقمان بن عاد بن عوص بن إرم بن سام. وقد نزل قومها (الجو) منذ القديم مع بني طَسْم بن لاوذ بن إرم بن سام. وسميت الجو باسمها فقيل: اليمامة. ولما عرفت بزرقة عينيها أضيفت صفتها إلى اسمها فقيل لها: زرقاء اليمامة. وربما قيل زرقاء الجو، وقد ذكرها المتنبي في شعره حين قال مفتخراً بنفسه وعلمه
وأبصرَ من زرقاءِ جَوٍّ لأنني
إذا نظرَتْ عَيْنايَ شاءَهما عِلْمي
وروى بعض القدماء عن أبي عبيدة (ت 209هـ) أن اسمها «عنز»؛ وذكر الجاحظ (ت 255هـ) قولاً لأبي عمرو بن العلاء (ت 154هـ) يؤيد ذلك، ونصه «داهيتا نساء العرب هند الزرقاء، وعنز الزرقاء، وهي زرقاء اليمامة» وذكر الشريشي (ت619) أن «عنزاً» أخت اليمامة؛ ولعله الوجه الأولى في ضوء أخبارهما.
والثابت للمتمعن في أخبار زرقاء اليمامة (زرقاء بني جديس) أنها احتلت مكانة كبيرة في قومها؛ لما اتصفت به من حسن الفطنة واتقاد الذكاء؛ ورجاحة العقل، وجودة الكلمة، وحدة النظر، وكانت في ذلك كله مضرب المثل عند القدماء فقالوا: أبصر من زرقاء اليمامة. فقيل: إنها كانت تبصر الشيء من بعد مسيرة ثلاثة أيام. كما وصفت بالحذق في الحساب والعدد.
ولا يعرف شيء عن سنة ولادتها ووفاتها؛ أما مكانهما فهما باليمامة، كما تؤكده أخبار قومها مع حسان بن أسعد الحميري أحد تبابعة اليمن (أي ملوكها) في الدولة الحميرية الثانية. وقد عاش في القرن الرابع قبل الميلاد على الأغلب وقيل: إنه أول من كسا الكعبة بعد عودته مظفراً إلى اليمن من غاراته إلى العراق وفارس والشام.
تذكر الروايات أن جديس كانت راضخة للملك عمليق بن لاوذ بن إرم؛ وهو أخو «طسم» الذي بغى وطغى وتجبر على جديس، حتى أمر ألاتزف عروس منها قبل أن يدخل بها، فثارت عليه وقتلته في خبر مشهور؛ ثم مُزِّقت «طسم» كل ممزق، وقد أتيح لرجل من طسم الهروب، ويقال له رياح بن مرّة، فأتى حسان الحميري في اليمن؛ وأقنعه بغزو ديار جديس، الغنية بالموارد، والموصوفة بجمال الطبيعة، فجهز جيشه، وأقبل بجموع عظيمة غازياً اليمامة، وصادف أن علت الزرقاء منارة، وقيل أُطماً يعرف باسم «الكلب»، فرأت القوم يتحركون وهم يستترون وراء الشجر على مسافة أميال كثيرة، إذ حمل كل رجل منهم شجرة؛ ليلبسوا على جديس، فأنذرت قومها قائلة: «قد أتتكم الشجر»؛ فلم يصدقوها، ولم يبالوا بصيحتها؛ ثم أقسمت مرتجزة:
أقسم بالله لقد دبَّ الشجر
أو حمير قد أخذت شيئاً تجر
فكذبها قومها؛ فقالت: «والله لقد أرى رجلاً ينهش كتفاً؛ أو يخصف نعلاً». فأمعنوا في تكذيبها؛ ولم يعتبروا بالعير الذي نفر خوفاً، فقالت: «العير أوقى لدمه»، فذهبت مثلاً.
وذهبت صيحات الزرقاء أدراج الرياح، فما تأهب بنو جديس، ولا استعدوا لملاقاة جيش حسان فصبحهم على حين غرة ودمرهم، وظفر بزرقاء اليمامة، فقال لها: ما طعامك؟ قالت: دَرَمكة في كل يوم بمخ عُنوق (والدرمك: الدقيق النقي المستخلص من القمح وغيره. والعنوق: جمع العناق: وهو الأنثى من أولاد المعز؛ ما لم يأت عليه سنة) قال: فبم كنت تكتحلين؟: قالت: بالإثمد (حجر يتخذ منه الكحل؛ وقيل: هو ضرب من الكحل). فأخذها وشق عينيها فرأى عروقاً سوداً من الإثمد ـ وهي أول من اكتحل بالإثمد من العرب ـ ثم صلبها على باب مدينتها (حَجْر) وهي قصبة اليمامة.
وقيل إنه لم يقتلها؛ بل حملها في السبي، ولما قرب إليها البعير لتركبه ولم تكن تعودت ركوبه ـ قالت:
شرُّ يوميها وأغواه لها
ركبت عنز بحدج جملا
وهذا الخبر الذي رواه الشريشي، وأتبعه بتوضيح يدل على أن عنزاً أخت زرقاء اليمامة يجعلنا نذهب إلى أن الزرقاء قتلت، وعنزاً سبيت.. ويؤيد هذا ما أورده الأعشى في قصتها مع حسان؛ وتكذيب قومها لها؛ فقال
قالت: أرى رجلاً في كفه كتف
أو يخصف النعل، لهفي أيَّةً صنعا؟
فكذبوها بما قالت، فصبحهم
ذو آل حسان يزجي الموت والشّرعا
فاستنزلوا أهل جو من مساكنهم
وهدّموا شاخص البنيان فاتضعا
بقلم حسين جمعة

وإن كنت يا صديقي تتمتع بحدة بصر زرقاء اليمامة فتلك نعمة من الخالق، وإن لم يكن بصرك حاداً فحاول أن تكون بصيرتك متقدة.
وإلى لقاء آخر قريب

إبراهيم سنان
25-07-2007, 01:56 PM
الإستاذ غسان منيف

اسمح لي أن أحيد بك عن موضوعك الشيق للحظات ولكن ليس بعيدا عنه تماما .

كل ما أردت معرفته هو آلية البحث والتدقيق والأسس التي تم عليها جمع هذه الموسوعة ، وهل كل شيء يقع في محيط العالم العربي يعتبر عربي أيضا . لأني أقرأ في الموسوعة .

بالإضافة إلى ذلك ما الفرق بين هذه الموسوعة العربية والموسوعة الأخرى التي صدرت من السعودية .

تحياتي لك ولكل مجهودك والأخوة القائمين على هذه الموسوعة

غسان منيف
25-07-2007, 02:48 PM
الإستاذ غسان منيف

اسمح لي أن أحيد بك عن موضوعك الشيق للحظات ولكن ليس بعيدا عنه تماما .

كل ما أردت معرفته هو آلية البحث والتدقيق والأسس التي تم عليها جمع هذه الموسوعة ، وهل كل شيء يقع في محيط العالم العربي يعتبر عربي أيضا . لأني أقرأ في الموسوعة .

بالإضافة إلى ذلك ما الفرق بين هذه الموسوعة العربية والموسوعة الأخرى التي صدرت من السعودية .

تحياتي لك ولكل مجهودك والأخوة القائمين على هذه الموسوعة

الأستاذ الكريم شلفنطح
تحية تقدير
تعتمد الموسوعة في بحثها وتدقيقها الفكر العربي وتبتعد عن منهج الترجمة، وهذا لا يمنع أنها تستقي معلومات من مصادر أجنبية في حال الموضوعات المتصلة بغير العرب والدول العربية وذلك من باب الاستزادة وتوخي الدقة (كما في الإحصائيات الحديثة وغيرها).
وللموسوعة مساقها العام الذي يتناول كل جوانب المعرفة والعلوم، مع تميز فيما تفرده للحضارة العربية، الأمر الذي تجاهلته جل الموسوعات العالمية.

وهل كل شيء يقع في محيط العالم العربي يعتبر عربي أيضاً

إن كنت قد فهمت المرام، فاسمح لي أن أذكر مثلاً علّه يقدم إجابة لسؤالك:
الموسوعة كانت وما زالت وستظل تطلق على خليجنا الغالي اسم «الخليج العربي» ويمكنك ملاحظة ذلك في كل ما يتعلق بالخليج العربي ودوله.

أما فيما يتعلق بسؤالك عن الفرق بين الموسوعة العربية وتلك التي صدرت في السعودية يمكنني القول إن الموسوعة العالمية التي صدرت في السعودية، كما جاء في مقدمتها، موسوعة مترجمة تماماً عن موسوعة ويكيبيديا Wikipedia مع قليل من الإضافات على البحوث المتعلقة بالمملكة العربية والسعودية وشؤونها.

شكراً لسوالك ولمرورك ولك تقديري العالي

salem salim
25-07-2007, 09:17 PM
هناك فرق شاسع بين الموسوعة العربية والموسوعة السعودية
http://www.mawsoah.net/gae_portal/maogen.asp?main2&articleid=!سقراط!154960_0

الموسوعة العربية العالمية لا يمكن تسميتها بموسوعة نهائيا ولا تستحق حتى الكتابة عنها

أنظر مثلا ماذا يقولون هنا :

مكانة أفلاطون في الفكر الغربي. لم ينحصر تأثير فلسفة أفلاطون في الحدود الأكاديمية، إذ كان لفلسفته أثر عميق على الفيلسوف الروماني أفلوطين خلال القرن الثالث الميلادي الذي أنشأ ما يعرف باسم الأفلاطونية المحدثة التي كان لها أعظم الأثر على المسيحية في القرون الوسطى، من خلال مؤلفات بعض الفلاسفة مثل: بويثيس وسانت أوغسطين. وقد عاد الاهتمام بفلسفة أفلاطون في عصر النهضة، حيث أسست أسرة ميديتشي الشهيرة أكاديمية أفلاطونية في فلورنسا بإيطاليا. وفي منتصف القرن السابع عشر ظهرت مجموعة من الفلاسفة في جامعة كمبردج بإنجلترا عُرفت باسم أفلاطونيِّي كمبردج حيث استعانوا بفلسفة أفلاطون في محاولة لإيجاد الانسجام بين العقل والدين.


مجرد كلام فارغ وثرثرة ليس له أي اسس صحيحة


لكن الموسوعة العربية يجب على مشرفيها تنقيح الكثير من النقاط التي تتكلم عن ما قبل الإسلام وعدة مفاهيم من عصر النهضة والتنوير مثلما يلقبه أهل الغرب , لكنها تستحق التقدير

زنجبيل
25-07-2007, 09:44 PM
غسان ..

أحمل في قلبي تقديراً عميقاً لهذا الجهد المضني .. فلكم التحية و التقدير.

أود أن أعرف كيف يمكن التعرف عليها عن قرب؟ اما عن طريق التصفح او الشراء .

أيضا.. أرغب بشدة أن أعرف السر وراء هذا الإصرار على إنهاءها رغم طول المدة و كثرة العقبات .. هل الدوافع مادية ، علمية ، حكومية ، ذاتية ، كلها .. ام مزيج منها ؟

هل لك أيضاً أن تخبرنا عن كيفية نشأتها ومن خلفها ؛ أي مختصر تاريخها - أكثر بقليل مما ذكرت في المقدمة- ؟
:)

أخي الفاضل القدير / سليم سالم .. تقبل تحياتي في البدء ..

وإسمح لي بسؤالٍ بسيط ..

لماذا تقسوا كثيراً على كل هؤلاء ؟
إنهم من القلة العاملين .. أفلا نعفو ونصفح .. وإن وجدنا خطأً .. نصحح ؟

:)

غسان منيف
26-07-2007, 11:02 AM
الأستاذ المحترم زنجبيل
تحية تقدير

اسمح لي يا صديقي أن أسوق في إجابتي مثلاً عالمياً بارزاً يتمثل في الموسوعة البريطانية التي تعد في أقدم الموسوعات الحديثة
بدأ مشروع هذه الموسوعة قبل عام 1768 وأصدر طبعته الأولى المؤلفة من ثلاثة مجلدات بين عامي 1768 و 1771 (المدة كما تلحظ 5 أعوام). ومن ثم تابعت الإعداد والكتابة حتى عام 1777 لتصدر عشر مجلدات بين عامي 1777 و 1784 (المدة سبع سنوات، أضافت في أثنائها سبع مجلدات) وبعد ذلك أضافت ثمانية مجلدات في الطبعة الثالثة التي انتهت طباعتها عام 1797 (أي احتاجت إلى ثلاثة عشر عاماً لإعداد المجلدات الثمانية وطباعتها)، ثم أضافت ملحقاً مؤلفاً من مجلدين. وعند هذه المرحلة صار عدد المجلدات 20 مجلداً (أي أن مجلداتها لم تكن قد اكتملت بعد).
أرجو أن تلاحظ أنها بدأت عام 1768 وانتهت عام 1801 بعشرين مجلداً.
ومن ثم أعادت في طبعتها الرابعة طباعة المجلدات العشرين في نسخة معدلة وقد استغرقها ذلك 9 أعوام إذ أصدرت النسخة المعدلة بين عامي 1801 و 1809 وظل العمل مستمراً فيها من دون أن تكتمل حتى الطبعة التاسعة التي بلغ فيها عدد مجلدات الموسوعة البريطانية 24 مجلداً وقد صدرت هذه الطبعة بين عامي 1875 و1889 وطبعاً تتالت الطبعات والتنقيحات بعد ذلك فصدرت الطبعة الرابعة عشرة المنقحة بين عامي 1933 و 1973 في 24 مجلداً (لاحظ المدة 40 عاماً).
هذا يدل على أن العمل الموسوعي يحتاج إلى جهد وأناة ومتابعة وبحث وتمحيص ومراجعة وطاقات علمية وبشرية ضخمة فالموسوعة ليست كتاباً واحداً يؤلفه كاتب ما.

وبالعودة إلى سؤالك عن المعوقات ، ووفقاً لهذا الاستدلال، أرى أن الموسوعة العربية التي نحن بصدد إنهاء مجلداتها في العام القادم بإذن الله، تسير مساراً طبيعياً، وقد يكون أسرع من مسير غيرها بموازرة التقنيات الحديثة طبعاً.

أما فيما يتعلق بالدعم الحكومي فلست بمبالغ إن قلت إن رئاسة الجمهورية في سورية التي بدأت هذا المشروع مازالت توفر له كل الدعم والإمكانات المطلوبة لولادة الموسوعة.

ولاهتمامك المشكور بكيفية الحصول على نسخ الموسوعة يمكنك والمهتمين الآخرين الذهاب إلى موقع الموسوعة في شبكة الإنترنت
http://www.arab-ency.com/
حيث تجد المعلومات المطلوبة واسم معتمد البيع. وأود أن أنوه هنا إلى أن الموسوعة نشرت مجلدها الأول مجاناً في الموقع المذكور ليستأنس به المهتم، وستعمد، بعد انتهاء صدور المجلدات الورقية، إلى نشر مجلداتها المتبقية بأسعار رمزية.

أشكر لك تقديرك وتقبل تقديري أيضاً

salem salim
27-07-2007, 11:47 PM
غسان ..



أخي الفاضل القدير / سليم سالم .. تقبل تحياتي في البدء ..

وإسمح لي بسؤالٍ بسيط ..

لماذا تقسوا كثيراً على كل هؤلاء ؟
إنهم من القلة العاملين .. أفلا نعفو ونصفح .. وإن وجدنا خطأً .. نصحح ؟

:)



الأخ زنجييل

أهلا وسهلا

في الحقيقة لم أكن قاس معهم وكنت لينا جدا واحترمت البعض منهم

القصة طويلة جدا ... ( أحاول دائما أن لا أتكلم عن نفسي)
لكم مثال بسيط : الموسوعة العربية تعرف جيدا ان الإسم الصحيح هو لوقيان وليس لوقيانوس وتعرف هذا منذ سنة 1996 وكتبنا في هذا الموضوع منذ أوائل التسعينات
وتعرف جيدا بأني قدمت ادلة قاطعة حول مفهوم كلمة الآريون وكيف تلاعب بها ما يلقبوهم بعلماء عصر التنوير الغربيين العنصريين الاستعماريين ...الخ
أنظر الرسالة 280 - 314 ث بتاريخ 21 نيسان 1996 التي وصلتنا من جامعة حلب و تطلب فيها أن نتعاون معهم وأنظر مجلة الحضارة التي أسستها ISSN 1402 - 0419 والمجلة موجدودة في أكثر المعاهد العليا والجامعات بالمشرق والغرب الخ ....

قدمنا كل الأدلة منذ أكثر من عشرة سنوات لكن معاليهم تشبتوا بأفكارهم وكأنهم المعرفة بعينها

......................

من ناحية الموسوعة العربية العالمية عندما ترى هذه الجملة بموسوعة """""""" مكانة أفلاطون في الفكر الغربي. لم ينحصر تأثير فلسفة أفلاطون في الحدود الأكاديمية، إذ كان لفلسفته أثر عميق على الفيلسوف الروماني أفلوطين خلال القرن الثالث الميلادي الذي أنشأ ما يعرف باسم الأفلاطونية المحدثة التي كان لها أعظم الأثر على المسيحية في القرون الوسطى، من خلال مؤلفات بعض الفلاسفة مثل: بويثيس وسانت أوغسطين."""""""""""" تستنتج مباشرة بان الذين نشروها لا علاقة لهم بالثقافة أو بالفكر على الإطلاق , بل جماعة من النصابين والدجالين مثلما يقول لوقيان بفتشون عن دولار وصورتهم بالصفحة الأولى ....

هل الذين حرروا هذه الموسوعة أناس جديين ؟؟؟ لا أظن ذلك

لا أعرف من أين أتوا لنا بهذه المعلومات


والغرب بريء من الإستعمار الثقافي الذي نتكلم عنه , نحن الذين أدخلنا الاستعمار الثقافي بجهلنا وغباوتنا وتعنتنا


سانتهي هنا واعتذر ان تكلمت عن نفسي وشكرا سيدي وتحياتي وتقديري

salem salim
28-07-2007, 10:40 AM
أعتذر يا صديقي لأن ردي كان غامضا للكثير حول الموسوعة العربية العالمية


لا أظن أن هناك موسوعة غربية تتجرأ أن تقول بأن إفلوطين روماني ,
البعض من أهل الغرب المتعصبين المصابين بمرض الأنوية والذين ينفون كل الشعوب الأخرى يقولون أنه يوناني , لكن الجديين يقولون عنه إفلوطين المصري ,
ولد إفلوطين بالإسكندرية بمصر وكان من الصابئة وهذا لا يشك فيه أي كان

إفلوطين تكلم عن " نوس " و " سول " ونراه يضع نوس أي العقل أعلى من سول أي روح الكون , ولا يوجد أي دين بالكون إستعمل هذه المصطلحات سوى أهل الصابئة
زد على ذلك الذي قام بتحرير كتبه هو فيلسوف سوري فلسطيني إسمه مالك , وإفلوطين درس عندواحد من شمال إفريقيا أظن أنه بربري إسمه سكا أي حمال بميناء الإسكندرية وكان فعلا يشتغل حمالا

زد على ذلك الذي عالجه في آخر حياته هو طبيب من المشرق أي المنطقة العربية الآن إسمه زيت ( مثل كلمة زيت الزيتون )

وحتى Bertrand Russel الذي يعتبر مرجعا جديا بالجامعات الغربية ; رغم تعصبه للغرب لم يتجرأ أن يقول بأن إفلوطين يوناني أو روماني بل نجده بكتابه
History of western philosophi
بالصفحة 252 يقول حرفيا بأن إفلوطبن ولد وعاش بالاسكندرية 39 سنة و مالك الذي جمع و صاغ كتبه ونشرهم ينتمي الى الجنس السامي أي من المشرق ( كتبنا عنه سابقا وهناك من يقول أنه فلسطيني وآخرون يقولون أنه سوري )


وتقول لنا هذه الموسوعة مصطلح القرون الوسطى , عن أي قرون وسطى يتكلمون , القرون الوسطى تعني عصر الظلام حسب أهل الغرب , هل كان المشرق الإسلامي يعيش في عصر الظلام عندما الغربيون ينامون فوق الأشجار ؟ هل تاريخ العالم كله مرتبط بتاريخ الغرب ؟ هل التقسيم الزمني عند أهل الغرب صالح حتى للمشرق الإسلامي وشعوب المعمورة ؟

والمضحك فعلا هو " السانت أغسطين "

لا أعرف هل الذي حرر هذا الجزء يريد أن يثبت لنا بأن ثقافته غربية وخريج جامعة هارفارد أو أكسفورد أو لا يحسن العربية مثلي , لكن لا علاقة له بالثقافة الغربية , أظن أن المصطلح المعروف لدى الكثير من العرب هو القديس .....

وخلصونا من مصطلح " الأفلاطونية المحدثة " , أي أفلاطونية محدثة يتكلم عنها أهل المشرق وما علاقة إفلوطين المصري بأفلاطون اليوناني ؟ وما علاقة مدرسة الإسكندرية باليونان ؟
هل سنصدق أول قلم مأجور في التاريخ البشري والذي يحقد على المشرق , المانوي أغسطين الذي إرتدى لباس المسيحية لقضاء حوائجه ولقبوه بالقديس أغسطين في القرون الأخيرة لأنه أول من قال في كتابه الدولة الإلاهية :
الكتاب التاسع , الفصل 10 : الفيلسوف إفلوطين القريب العهد ... , أول من سمع إفلاطون
أنظر كذلك الكتاب العاشر الفصل الثاني .... الخ

لكن أنظر كيف يهاجم أغسطين الفيلسوف السوري – الفلسطيني مالك ب :
الكتاب العاشر الجزء الأول
الكتاب الثاني والعشرون الفصل 22

أغسطين فرق بين مالك وإفلوطين المصري لخدمة أسياده الرومانيين والإستعمار في ذلك العهد !!!!!
مالك تأثر بأسلوب لوقيان وكان بيتاغوري ولا علاقة له بافلاطون اليوناني وقال حرفيا أن سكا أثقف شخص في التاريخ البشري ولم يتكلم عن اليونانيين

خلصونا من أفكار الهراطقة ابن رشد وابن سينا وغيرهم من الذين عبدوا اليونانيين وتسببوا في كارثة للانسانية مازلنا نعاني منها الى يومنا هذا , حيث استغلهم الغرب العنصري ليقول لنا بأن عقله منذ القدم أعلى مقاما من كل عقول الشعوب الأخرى


لا يمكن مقارنة الموسوعة العربية بالموسوعة العربية العالمية



سأنتهي هنا يا صديقي ولك تحياتي

دوتشي
28-07-2007, 11:15 AM
أوّد أن أشير هُنا إلى موسوعاتٍ أخرى لا تقل مكانةً.
موسوعة السياسة التي أشرف عليها فكرةً وإصداراً الشهيد د. عبدالوهّاب الكيّالي. هُناك أيضًا الموسوعة العسكرية عن ذاتِ الجهة.

أرجو من الأخ منيف أن يوضح الفرق بينهم لنا.

بالمناسبة: توجد نسخة كاملة تقريباً من موسوعة السياسة في منزلنا، وسمح هذا لي بالاطلاع عليها، و هي مثريةٌ جداً.

تحيّتي لكم جميعاً

غسان منيف
29-07-2007, 11:26 AM
لما كنت أعرف ما كتبته الموسوعة العربية عن أفلوطين والأفلوطينية الجديدة ميزت أن الأستاذ سالم يتحدث في ردوده عن الموسوعة العربية العالمية المترجمة، وفي الوقت نفسه خشيت ألا يتمكن المتتبع الآخر من التفريق بين الموسوعة العربية والموسوعة العربية العالمية في معرض رد الأستاذ سالم المحترم. ومن هنا وجدت لزاماً أن أضع هنا موضوع أفلوطين كما جاء في الموسوعة العربية منعاً للبس، وأرجو من الأستاذ سالم قرائته للوقوف أكثر على منهج الموسوعة وفكرها

أفلوطين
(204 أو 205 -270م)
إن معظم ما يُعرف عن حياة أفلوطين Plotin (٢٠٤ ـ ٢٧٠) مستقى من كتاب «حياة أفلوطين» لتلميذه فرفوريوس الصوري، ففيه أنه تتلمذ في الاسكندرية لأمونيوس ساكاس، ثم انتقل إلى رومة، حيث مارس التعليم، وأصبح معلماً ذائع الصيت يلقي دروسه على الملأ، وبلا أجر. وكانت مدرسته مفتوحة للجميع، فكان يستقبل إلى جانب أصدقائه، مسيحيين غنوصيين وغيرهم من ذوي الاتجاهات الفلسفية والدينية المغايرة لاتجاهه، وتلميذه أميليوس كان في الأصل من أتباع ليزيماكوس الرواقي. أما تلميذه فرفوريوس، الذي لم يلتحق به إلا بعد أن بلغ الثانية والثلاثين من العمر، فقد كان سورياً من مدينة صور، حمل معه إيمانه بأساطير الكهنة. ولهذا كانت دروسه تجري بطريقة المناقشة بل كانت تغرق في مناقشات عقيمة، لغياب النظام في كثير من الأحيان. وطالما لقي هذا الأسلوب الحرّ، في آن معاً، دهشة السامعين العابرين واستنكارهم، على أنه كان للمستمع أثر في إنشاء فكر المعلم من جهة أخرى. وقد عاش أفلوطين حياةً روحيّة عميقة، على الرغم مما كان يمكن لتلاميذه من أصحاب الجاه والنفوذ أن يوفروه له من رفاهية، وكان يزدري الممارسات العملية في الدين والأخلاق، ويسعى لبلوغ حالة الوجد extase التي يخبرنا فرفوريوس أنه لم يبلغها إلا نادراً جداً (أربع مرات) في المدة التي كان فيها برفقته. توفي في مِنْتورْنو الواقعة في شمال نابولي. والمعلومات عن مكان ولادته غير يقينية ويقال إنه ولد في مصر.
عصره: كان القرن الثالث الميلادي عصراً تمزقه الأزمات الداخلية، من كل صنف ونوع: فقد قلب الاضطراب الأخلاقي والاجتماعي والفكري قيم العالم القديم رأساً على عقب، وانحدرت الثقافة على كل صعيد، وصار الدين أساس الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، فبرزت العبادات الشرقية في كل مكان. وشهد هذا القرن المضطرب اضمحلال تعدد الآلهة الوثني. ويعدّ هذا العصر، من جهة أخرى، عصر الشرّاح الذين انكبوا على شرح أفلاطون[ر]، كما شرح الاسكندر الأفروديسي أعمال أرسطو شرحاً مفصلاً. وأفلوطين نفسه كان من هؤلاء الشرّاح، فهو يقول في التاسوعات: «يجب أن نعتقد أن الفلاسفة القدماء.. قد اكتشفوا الحقيقة» (3، 7، 1، 31) (الرقم الأول رقم التاسوعة، والثاني المقالة، ثم أرقام الفقرات)، و«نظرياتنا ليس فيها جديد، وليست من اليوم، فقد أعلنها (الفلاسفة القدماء) قبل وقتٍ طويل، ولكن دون أن يتبسطوا فيها، ولسنا نحن إلا شرّاح هذه المذاهب القديمة» (5، 1، 9).
التاسوعات: كانت فلسفة أفلوطين في الأصل فلسفة محكية مثل سائر فلسفات العصور القديمة، ثم دونت في التاسوعات. فالتاسوعات تدوين للمناقشات الحية، التي كانت تجري في مدرسة أفلوطين، وذلك بطريقة أقرب، إلى الاختزال. وهي تتألف من أربع وخمسين مقالة متفاوتة في طولها تفاوتاً كبيراً، وموزعة على ست مجموعات، كل مجموعة منها مؤلفة من تسعة أقسام. وهذه المجموعات مرتبة ترتيباً شبه منهجي، فالمجموعة الأولى تبحث في الإنسان والأخلاق، والثانية والثالثة تبحثان في العالم المحسوس وفي العناية، والرابعة في النفس، والخامسة في العقل، والسادسة في الواحد أو الخير. ويفصح هذا الترتيب عن مضمون مذهبي لا يخفى على الناظر، قوامه الانطلاق من الذات (التاسوعة1) ومن العالم المحسوس (التاسوعتان 2 و3) للارتقاء صعداً بالتدريج إلى المبدأ المباشر للعالم، وهو النفس (4)، ثم إلى مبدأ النفس، الذي هو «العقل» (5)، وأخيراً إلى المبدأ الكلّي للأشياء طرّاً، ألا وهو الواحد أو الخير (6). غير أن هذا المسار المنهجي ليس إلا مساراً ظاهرياً، لأن كل تاسوعة تبحث في جميع مسائل المذهب، على الرغم من عنوانها الخاص، أو تفترض أن المذهب بكامله معروف. والحق أن فرفوريوس، تلميذ أفلوطين الوفي الأمين، هو الذي رتب المقالات، بعد وفاة معلمه، وهو الذي وضع لها العناوين. أما تسلسل كتابة المقالات زمنياً فيُعرف مما كتبه فرفوريوس عن حياة معلمه، فيبين أن أفلوطين لم يبدأ الكتابة إلا في العام ٢٥٥، عندما بلغ الحادية والخمسين، وبعد مرور عشرة أعوام على ممارسته التعليم في رومة. فلما بلغ التاسعة والخمسين في العام ٢٦٣، حين التحق فرفوريوس به، كان قد كتب 12 مقالة، ثم كتب ثلاثاً وعشرين بين عامي ٢٦٣ ٣٦٨، وفي أثناء إقامة فرفوريوس في رومة، أنشأ تسع مقالات من العام ٢٦٨ حتى وفاته. فالتاسوعات، إذن، تعبير عن مذهب أفلوطين وقد بلغ نضجه.
الصدور أو الفيض: لقد انتشرت نظرية الفيض في العصور القديمة والوسطى انتشاراً لا يشبهه في عموميته إلا انتشار نظرية التطور في القرنين التاسع عشر والعشرين. وقد جعل أفلوطين من هذه المقولة جوهر تصوره لحركة الوجود في نظريته عن صدور الأقانيم. والحال أن أفلوطين ينظر إلى الحقيقة من زاويتين مختلفتين: فهو يتصور الكون، من جهة، موزعاً إلى مساكن طاهرة ومساكن دنسة ترقى النفس إليها أو تهبط، ويبدو له الكون، من جهة أخرى، سلسلةً من الصور، ترتبط كل صورةٍ منها بالصورة التي سبقتها ارتباطاً متدرجاً في المراتب، وهي موضوع للنظر العقلي. ويرى أفلوطين أن بين هذين التصورين وحدة عميقة، وبالتالي يسعى إلى إثبات قيمة دينية للمذهب العقلي من خلال نظريته في الأقانيم أو المبادئ.
إن قوام عالم المعقولات هو الوحدة المتعددة، أو الوحدة في الكثرة، فلا بد من وضع (الواحد) المطلق الخالي من كل تمييز أو تنوع فوقها. إن التعدد (أو الكثرة) لايكون أولاً، فقبل العدد اثنين توجد الوحدة. ووحدة النظام حقيقة أعلى منه وسابقة عليه، فهو «يصدر» أو يفيض» منها. فأقنوم «الواحد» أعلى من عالم المعقول، لأنه «المبدأ» أو «الأول». ومن الناحية الأخرى يجب أن يوجد أقنوم آخر تحت عالم المعقول، فلكي يتحقق النظام في المادة، ولكي يولد العالم المحسوس، لا بدّ من وجود وسيط فاعل ومتحرك بين «العقل» والمادة، بقدر ماتكون هذه المادة جديرةً بقبوله فيها. هذا الوسيط هو النفس، أو الأقنوم الثالث.
ولكن لماذا لم يبقَ الواحد في عزلته؟ لماذا ولّد عالم المعقول، وعالم المعقول ولّد النفس؟ يجيب أفلوطين باللجوء إلى ضرب الأمثال: «ما أن يبلغ الموجود درجة كماله حتى نراه يلد، إنه لايتحمل أن يبقى في ذاته، وإنما يبدع موجوداً آخر... النار تدفئ، والثلج يبرد،... كل الأشياء، بقدر طاقتها، تحاكي المبدأ في الأبدية والخير».
حركة الوجود والنفس: الوجود، في نظر أفلوطين، حياة روحانية واحدة ومتأقنمة في ثلاث أقانيم: الواحد، والعقل، والنفس. ويبدأ تيار هذه الحياة من الواحد وينتهي في العالم المحسوس. أما النفس فلها، عند أفلوطين، مكانها الخاص في سلسلة الأقانيم، «فهي آخر العلل المعقولة: آخر العلل في العالم المعقول، وأولى العلل في العالم المحسوس، ولهذا كانت على علاقة بكليهما» (4، 6، 13). «إنها تحتل بين الموجودات مرتبة وسطى: فهي إلهيّة في جزء منها، ولوجودها في أقصى الموجودات المعقولة، وعلى تخوم الطبيعة المحسوسة، فإنها تعطيها شيئاً من ذاتها» (4، 8، 7).
أضفى أفلوطين على مذهبه طابعاً إحيائياً، فقد رأى أن لكل قوةٍ فاعلة في الطبيعة نفسٌ، أو ذاتُ اتصالٍ بنفس، فليس العالم وحده ذا نفس، ولا الكواكب وحدها ذوات نفوس، وإنما كل موجودٍ له نفس، فلا موجود غير ذي حياةٍ في الكون.
النفس الكلية والنفوس الجزئية: النفوس الجزئية نتيجة طبيعية وضرورية لقانون الصدور، لأن انحدار الحياة الروحانية وتلاشيها بتبعثر النفس وتشتتها في المادة يفضي إلى اتحادها بأجسام جزئية فتحييها، والجسم يحيا عندما يتلقى أثر النفس الذي هو جدير بتلقيه. النفس بلا تفكير تحركها نفس العالم نحو الجسم المهيأ لها، و«تُنقل إلى الجسم الأكثر شبهاً بها،... وعندما يؤون الأوان تنزل فيه كمن يلبي نداء النفير» (4، 3، 21، 31و 6، 7، 7). هذا هو امتداد النفس بفعل الصدور الضروري.
فالنفس الجزئية، في هذا التصور، «لم تغادر أختها النفس الكلية» (4، 3، 6)، وكل نفسٍ إما أن تكون نفساً كليّة بالفعل ونفساً جزئية بالقوة، وحينئذ تكون هي والنفس الكلية نفساً واحدة، وإما أنها «تصير نفسا جزئية، مع أنها بمعنى آخر (بالقوة) تحتفظ بكليتها» (٤، ٦، ١٦). ويتحدث أفلوطين عن النفس الجزئية بأسلوب مختلف تماماً ومن منظور آخر، فالغرور والتهور هما اللذان يجعلان النفس تلقي بنفسها في أحضان الجسم.
علم النفس الأفلوطيني: إن علم النفس الأفلوطيني هو علم تدرج مراتب الحالات الروحانية. ففي الدرجات العليا من هذه الحالات يختفي الشعور بالشخصية، ويزول الانتباه إلى الأشياء الخارجية. إن الشعور عَرَض وحالة ضعف، والمحاكمة، والذاكرة، والإحساس تحديدات للحياة الروحية. والنفس المتصلة بعالم المعقول لا تتذكر، لأنها خارج الزمان، ولا استدلال لديها، لأنه لا استدلال في ماهو أبدي. والنفس المتطهّرة التي تتخذ مكانها في عالم المعقول تفقد ذكرياتها. أما اللذة والألم فمستواهما أدنى من مستوى الذاكرة، وهو في التركيب المكوّن من النفس والجسم.
العقل أو النوس nous: كما تفيض النفس فتبث الحياة في العالم المحسوس وتنظِّمه، كذلك تقوم بحركة رجوع conversion، فتصعد مرة ثانية إلى مبدئها، وهو العقل. والعقل، عند أفلوطين، يُنظر إليه من منظورين مختلفين: فهو النظام المعقول المؤلف من علاقات ثابتة ومحدَّدة تُستخدم نموذجاً للنظام المحسوس، وهو من جهة ثانية، عقل لذاته، فيه يغيب ويختفي كل تمييزٍ بين الذات والموضوع، وتنصهر الأنا في الموجود الكلي. العقل، من الوجهة الفلسفية، مبدأ في تفسير العالم المحسوس. لكن العقل يعدّ، من جهة أخرى، درجةً من درجات الحياة الروحانية، ومرحلةً من مراحل رحلة النفس الصاعدة إلى غايتها الأخيرة.
فمن المنظور الأول يبدو العقل في فلسفة أفلوطين قبل كل شيء مقابلاً لعالم المثل عند أفلاطون. فقد تبع أفلوطين منهج أفلاطون في جدل (ديالكتيك) الحب، فقاده هذا المنهج إلى الجمال. إن النفس في صعودها درجات الجدل (الديالكتيك) «تذهب أولاً إلى العقل، فتعرف فيه أن جميع المثل جميلة، وتحكم بأن هذا ـ أي المُثُل ـ هو الجمال» (1، 6، 9). فأفلوطين يرى أن الجمال لا ينضاف إلى الأشياء كعَرَضٍ خارجي، وإنما يؤلف فيها ماهيتها الحقيقة (1، 2). و«التطهر» الأخلاقي يقودنا إلى العقل أيضاً مثل التأمل الجمالي، وما كل فضيلةٍ إلا وجه من وجوه العقل. إن قيم العقل قيم أخلاقية كما أنها قيم جمالية.
الواحد: هو الأقنوم الأول، والمبدأ الأسمى للوجود، وهو يستقي معناه ـ مثل العقل ـ من تيارات متعارضة ومتباينة:
ـ للواحد وجه عقلي مثالي مستقى من أفلاطون، كما أن له وجهاً لا عقلانياً ذا طابع صوفي وديني. فأفلاطون يقول بمبدأ أعلى من العقل يسميه الخير أو الواحد. والعقل عنده هو الملكة التي تحدد المقاييس في الموجودات، بوضع العلاقة الثابتة المعبَّر عنها رياضياً بدلاً من العلاقات المتغيرة في العالم المحسوس. وهذا يفترض وجود وحدة قياس مطلقة متصفة بالعلوّ على الأشياء المقيسة، هذه الوحدة هي الخير. ويبرز أفلوطين قول أفلاطون في «الجمهورية»: «الخير يتجاوز الماهية» ويردده، فالماهية لايمكن أن تكون ماهي إلا بفضل الخير صانع الماهيات، الذي لايمكن الخلط بينه وبين أية ماهية منها. ويؤسس أفلوطين على ذلك، فيثبت أن الواحد هو مقياس العلاقات الثابتة، وأن العقل لايعي إلا لأنه يستنير بنوره. هنا لم يتعدَّ أفلوطين دوره شارحاً لأفلاطون.
ـ وفي مكان آخر (6، 9) يأخذ أفلوطين بمبدأ الرواقيين: «كل الموجودات تستمد وجودها من الواحد» وهي تفقد الوجود «إذا فقدت وحدتها». ثم يخالفهم، فينفي أن تكون النفس مبدأ هذه الوحدة، لأنها ذات ملكات كثيرة.
ـ ويخالف أرسطو، فينفي أن الماهيّة هي قوام وحدة الموجود، لأن «الإنسان حيوان ناطق، وأشياء أخرى عديدة أيضاً. ووحدة العقل ـ الذي هو مجموع الماهيّات ـ ليست إلا ظلاّ باهتاً للواحد الحقيقي».
ـ وعند أفلوطين تصور روحاني للواحد مختلف عما سبق كل الاختلاف. فعندما يتساءل عن مصدر الكثرة (5، 1، 5) فيقول إنها بفعل الواحد، وليس هذا الفعل مادياً، وإنما هو فعل روحاني يحصل من دون أن يتحرك الواحد أو يريد، فهو يفعل فعله ويظل كما هو في سكونه الأبدي. «فالواحد، يفيض لأنه كامل، وهذا الفيض ينتج شيئاً مختلفاً عنه. وعندما يلتفت الشيء المولود نحوه يخصب، وعندما ينظر إلى ذاته يغدو عقلاً» (5، 2). هنا لايبدو الواحد موضوعاً للعقل، بقدر ماهو العلة التي تجعل للعقل موضوعات، أو هو المبدأ الأعلى للحياة الروحانية، الذي بفضله يمكن للعقل أن يتأمل موضوعاته.
ـ إن للواحد سمةً صوفية إلى جانب سمته العقلية شأنه في ذلك شأن العقل سواء بسواء. والحق أن فلسفة أفلوطين كلها تبرز هذين الوجهين: فهي، في وجهها الأول، بناء عقلي متين تترابط فيه صور الحقيقة المختلفة فيما بينها وفق قوانين ضرورية. ومن جهة أخرى يصف أفلوطين تجربة نادرة متقطعة تفوق الوصف والتعبير، هي تجربة الاتحاد بالواحد، أو تجربة الوجد الصوفية. وليست هذه التجربة الصوفية بالقطع انطباعاً مؤقتاً عابراً عند أفلوطين، وإنما هي من صلب مذهبه، لأنه لا وجود عنده للمعرفة العقلية من دون الحياة الروحانية. والنفس لاتعرف العقل إلا بالاتحاد به. والحقائق الحقة عنده ليست موضوعات جامدةً من موضوعات المعرفة، وإنما هي مواقف ذاتية روحانية. فما التجربة الصوفية عند أفلوطين؟ هنا أيضاً ينطلق أفلوطين من حيث بدأ أفلاطون، فيقول بوجود سبيلين لبلوغ الخير: سبيل المعرفة العقلية بتدرج مراتب الموجودات الصاعد، وسبيل التطهر (6، 7، 63)، وذلك على غرار كلام أفلاطون عن طريقين للصعود إلى المبدأ: طريق الديالكتيك العقلي القائم على الاستقراء، وطريق ديالكتيك الحب، حيث يتملك النفس جنونُ الرغبة، فتصل إلى حدسٍ مفاجئ بالجمال يفوق الوصف. إن الوجه الصوفي للخير عند أفلوطين هو الوجه الذي يقود إليه ديالكتيك الحب عند أفلاطون. والحق أن الحب eros الأفلاطوني له دور مهم في التاسوعات: «خير المادة، إنما هو الصورة، ولو أن المادة تحسّ، لأحبّت الصورة... إن الرغبة التي يشعر بها كل موجود... تشهد بأن هناك خيراً لكل موجود..» (6، 7، 52، 62). و«يوجد تدرّج صاعد على نحو يجعل كل حقيقةٍ هي خير الحقيقة الأدنى منها.. فخير المادة، إنما هو الصورة... وخير الجسم هو النفس. وخير النفس هو الفضيلة. وأعلى منها أيضاً العقل، وفوقه الطبيعة التي نسميها الأول» (6، 7، 52). فكل صورةٍ لا يمكن أن تصل إلى كمالها إلا بفضل رابطة الحب التي تربطها بموجودٍ أعلى منها.
ـ والوجد حالة نادرة من الحب النقي يصفها أفلوطين بدقة (6، 7، 43)، وعندما يسأله أحد المعترضين: «كيف نكون في الجمال إذا كنا لا نراه؟ يجيب أفلوطين: إننا لانكون في الجمال مادمنا نراه شيئاً مختلفاً عنا، إننا لانكون في الجمال إلا عندما نصير الجمال ذاته» (5، 8، 11). فالوجد لايعدو أنه يكشف لنا عن ذواتنا. ويقوم الإعداد لحالة الوجد على «الانصراف عن الأشياء الحاضرة» وتعرية النفس من جميع صورها، حتى لا تعرف لا خيراً ولا شراً. حينئذ يمكن إذا شاء حسن المصادفة والحظ، أن يحصل مايسميه علماء النفس اليوم «الشعور بالحضور» أو «الحضرة» على غير انتظار أو توقع، وعلى نحو مفاجئ لا شأن للإرادة فيه.
الأفلاطونية الجديدة (المحدثة)
يطلق اسم الأفلاطونية الجديدة على تيار فلسفي جديد ظهر في القرن الأول قبل الميلاد، وفي القرنين الأول والثاني بعد الميلاد، اهتم بتجديد الفلسفة الأفلاطونية. ولعل فيلون الاسكندري أقدم ممثلي هذا التيار. فلما جاء أفلوطين بزّ جميع سابقيه من ممثلي الأفلاطونية الجديدة، وأصبح علمها الأبرز، إذ صار لها معنى آخر شاع في أذهان كثيرة، فصارت الأفلاطونية الجديدة تعني عندهم فلسفة أفلوطين بالذات، أو على الأقل المدرسة الفلسفية التي أسسها أفلوطين. وقد انتشرت الأفلاطونية المحدثة في البداية في القسم الشرقي من الامبراطورية الرومانية، وتحديداً في شمالي سورية اليوم: في أفامية وأنطاكية حيث درّس جامبليق Jambelique الذي دمج ميتافيزيقية أفلوطين بالممارسات السحرية التي سادت الشرق الهلّيني. وقدمت هذه التركيبة قاعدة مذهبية للامبراطور جوليان المرتد Apostat من أجل تجديد الأديان الوثنية التي حاول نصرتها أيام حكمه (٣٦١ ـ ٣٦٣). وفي بداية القرن الخامس الميلادي تفرع عن هذه المدرسة السورية فرعان: مدرسة پرغام Pergam التي تخلت عن العقلانية اليونانية القديمة تماماً، ومدرسة أثينة التي توصلت إلى الانغراس فوق الأصل القديم للأكاديمية (أفلاطون)، كما ظهر في المرحلة نفسها فرع في الاسكندرية نشط حتى بعد إغلاق جوستنيان لمدرسة أثينة. وقد ورث العرب في بدايات القرن السابع الميلادي كل التراث الأفلاطوني المحدث.
السمة الأساسية في الأفلاطونية الجديدة: إن السمة الأساسية في هذه الفلسفة، أو القاسم المشترك بين أتباعها، هو الانصراف إلى نصوص أفلاطون والعكوف على دراستها وشرحها. على أن العناية بدراسة فلسفة أفلاطون وشرحها لايكفي لتصنيف فيلسوفٍ من الفلاسفة بين أتباع هذه المدرسة. فلا بد للفيلسوف، لكي يكون من الأفلاطونيين الجدد، بالمعنى الضيق للكلمة، من فهم أفلاطون من زاوية معينة، فيقول بمبدأ «فائق الوصف» ineffable أو الواحد، أو الخير ينبوعاً للصدور الكلي، وأن يسلّم بوجود نوع من التوافق الصوفي مع هذا المبدأ الكلي في أصل كل تفكير. وبهذا يخرج من دائرة الأفلاطونية الجديدة كثيرون من الفلاسفة الذين نسبوا إليها، وفي طليعتهم القديس أوغسطين[ر]، الذي كان للأفلاطونية الجديدة أثر عميق في فلسفته، ولكن من موقع الخصومة.
وقد تُفهم الأفلاطونية الجديدة بمعنى أضيق أيضاً: فهي التي عكفت على دراسة نصّ معيّن بالذات من نصوص أفلاطون، وانكبت على استجلاء الحوار الوارد فيه والتبسط في شرحه، وهذا النص الأفلاطوني هو نص محاورة (بارمنيدس). ويقال في هذا ا لمجال إن الأفلاطونية الجديدة انطلقت من التاسوعة الخامسة (1 ، 8)، التي شرح فيها أفلوطين هذا النص شرحاً اعتقد أنه وضع يده به على سرّ الأفلاطونية برمّته.
غير أن الأفلاطونية الجديدة، في الواقع، لم تقتصر على هذا النص وحده من نصوص أفلاطون، بل استقت من نصوصه كلها. إنها لم تحصر نفسها في إطار أعمال أفلاطون، بل أخذت بعض مواقف أرسطو، واستمدت من الرواقيين بعض موضوعاتهم، كما أنها خضعت لتأثير الأساطير الدينية الشرقية. وإذا كان هذا كله صحيحاً، فصحيح أيضاً أن الأفلاطونيين الجدد يستخدمون أسلوب الحوار في نصّ (بارمنيدس)، وهو حوار يقوم على أساس وضع فرضية واستقصاء النتائج الواجبة عن إثباتها أو نفيها. والفرضية الأصلية في (بارمنيدس) هي وحدة الوجود. أما الأفلاطونيون الجدد فقد قسموها إلى ثمانية فروع أو تسعة، لأجل النظر فيها من مختلف الجوانب. ونكتفي فيما يلي بالفرضيات الخمس الأولى، لأن الباقية ليست إلا تنويعات في عملية النفي أو السلب.
ـ إذا حاولنا إثبات الوحدة الخالصة، فإن هذا الإثبات يلغيها، لأننا لا نستطيع أن نعقل إلا علاقات، وبالتالي ثنائيات، وإذا زعمنا تحقيق المطلق، فإننا نحذفه بما هو مطلق، لأنه لا معنى للمطلق إلا بالقياس إلى النسبي، الذي هو نفيه. فلا بدّ بعد استبعاد الإثبات، نظراً لاستحالته، أن ننفي النفي نفسه، فندخل في مجال «فائق الوصف»، وبعملية قلبٍ هي من سمات الأفلاطونية الجديدة، يصير الواحد هو اللاوجود بالذات. هذه هي الفرضية الأولى.
ـ يكفينا الآن أن نجمع حالات النفي الخاصة بهذه الفرضية، فنقلبها إثباتاً. إن الواحد المجرد ينفي بكمال تجرده جميع شروط الإثبات التي تحوي في داخلها شيئاً من الكثرة. فلنحملها على الواحد المؤتلف مع الكثرة، أو الواحد الكثير، أي على الكل. وهذه هي الفرضية الثانية التي يظهر فيها الواحد «كلاًّ».
ـ وبالتالي إذا وضعت الواحد الخالص، وضعت الكل بنفيه، وإذا وضعت الكل، وضعت الواحد ضمناً برفضه. وهذه هي النقيضة antinomie الأساسية في العقل. فالعقل لايستطيع الهروب من هذه النقيضة، ولا الاطمئنان إلى أحد طرفيها. وهو، لاضطراره إلى الحفاظ على الطرفين متناقضين، يكتشف في داخله نقطة وسطاً تجعله حاضراً في هذا التذبذب الدائم وتقرّبه من «فائق الوصف». وهذه هي الفرضية الثالثة.
ـ إن ديالكتيك الوحدة هذا يتضمن ثلاث مراحل: الواحد الخالص، أو اللاشيء. والعالم المعقول، أو الكل. والنفس، أو اللاشيء والكل، والتي ليست أيضاً اللاشيء ولا الكل. يبقى أن نكتشف نظاماً لايقتصر الكثير فيه على الائتلاف مع الواحد، وإنما يكون الكثير هو الغالب فيه، فلايكون لدينا نظام مترابط ترابطاً واضحاً، وإنما تنظيم غامض، هو نظام الكل التجريبي الذي يؤلف موضوع الفرضية الرابعة.
ـ فإذا سحبنا من هذا التنظيم مابقي فيه من تعيينات بنفي السلب والحرمان، لانفي الفيض والوفرة. وصلنا إلى الكثير الخالص، أو المادة، وهي لاتُعقَل كمثل الواحد الخالص، ولكن لعلّةٍ معكوسة، هي النقص لا الإفراط، وهذه هي الفرضية الخامسة.
أعلام الأفلاطونية الجديدة: الأفلاطونيون الجدد كثيرون، أبرزهم على الإطلاق أفلوطين نفسه. أما أشهرهم بعد أفلوطين فهم:
1ـ فرفوريوس الصوري (٢٣٣ ٣٠٥م)، أمين سر أفلوطين المخلص الوفي، الذي كتب «حياة أفلوطين» ورتّب كتاباته في التاسوعات. وفرفوريوس شخصية معقدة، لقي عناء كبيراً في التوفيق بين وفائه لمعلمه أفلوطين، وبين إعجابه بأرسطو، وإيمانه الديني بالوحي للكهنة. ضاعت معظم آثاره الفلسفية. وإليه ترجع، على الأرجح، جذور ماأطلق عليه، على نحو غير ملائم، اسم «الأفلاطونية الجديدة اللاتينية».
2ـ يامبليكوس (المتوفى نحو ٣٣٠)، وهو تلميذ فرفوريوس. كان من الفيثاغوريين الجدد، ومن أشد أنصار الوثنية في مرحلة أفولها. ثار على ما اعتقد أنه «مذهب عقلي» عند أفلوطين، وأدخل في الأفلاطونية الجديدة فكرة تسويغ طقوس الشعوذة الدينية.
3ـ أبرقلس (٤١٢ ٤٨٥م)، كان تلميذاً لسوريانوس في أثينة، وهو الأكثر منهجية بين الأفلاطونيين الجدد.
4ـ داماسيوس (المولود نحو ٤٨٥م)، وهو آخر معلم في مدرسة أثينة، تميّز بحسّه النقدي، وثاقب نظره، ونفاذ بصيرته. قيل عنه إنه قوّض الأفلاطونية الجديدة بالأسئلة التي أمطر بها أسلافه من الأفلاطونيين الجدد، والصحيح أنه أكمل طرح مشكلاتها.
مصير الأفلاطونية الجديدة: انصرم حبل الأفلاطونية الجديدة بعد داماسيوس، وظلّ كذلك حتى جاء جان سكوت الأريجاني في القرن التاسع. أما العصور التالية فلم تعرف من الأفلاطونية الجديدة إلا لمحات ضئيلة، مثل تلك التي ظهرت مع الصوفيين الألمان في القرن الرابع عشر، ومع المذهب الإنساني في عصر النهضة في القرن الخامس عشر، إلى أن أطل القرن العشرون، فكان الفيلسوف الفرنسي برغسون في طليعة من بعثوا الحياة في الأفلاطونية الجديدة، ونفخوا فيها روحاً قوية بتكريس دروسه في «كوليج دوفرانس» لأفلوطين بالذات، فضلاً عن أن مذهب برغسون في «الاندفاعة الحيوية» ليس بعيداً أبداً عن التأثير بمذهب أفلوطين.
أثر أفلوطين والأفلاطونية الجديدة عند العرب: لاريب في أنه كان لأفلوطين أثر عظيم لدى العرب، وكذلك للأفلاطونية الجديدة. ويصعب حصر هذا الأثر وتتبعه بالتفصيل، وإن كان العكس أيسر، أي دراسة التأثر لا التأثير. وبوجه عام فقد كان هذا الأثر على أصعدة ثلاثة: صعيد الفلسفة، وصعيد التصوف، وصعيد العقائد الدينية. أما على صعيد الفلسفة فسنكتفي لبيانه بإيراد هذا النص لابن سينا عن «صدور» الأشياء عن واجب الوجود: «وإنما يعقل وجود الكل عنه على أنه هو مبدؤه، وليس في ذاته مانع أو كاره لصدور الكل عنه، وذاته عالمة بأن كماله وعلوّه بحيث يفيض عنه الخير، وأن ذلك من لوازم جلالته المعشوقة له لذاته.... (وهو) راضٍ بما يكون عنه، فالأول راضٍ بفيضان الكل عنه» (ابن سينا، النجاة ٢٤٧). إننا لنرى التطابق يكاد يكون تاماً بين فلسفة ابن سينا وفلسفة أفلوطين في الصدور، حتى في اللغة والحدود.
وإذا كان الجانب العقلي اليوناني، إذا صح التعبير، هو الذي برز من فلسفة أفلوطين في الفلسفة العربية، فإن جانب الحياة الروحانية والاتحاد بالواحد والحب، قد برز واضحاً جلياً في التصوف الإسلامي، والاتحاد بالله، والعشق الإلهي وغير ذلك. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما كان لأفلوطين والأفلاطونية الجديدة أثرهما الذي لاينكر في الكثير من عقائد الفرق الدينية الإسلامية. وإضافة إلى مشكلة كتاب «الربوبية» المنحول لأرسطو والذي ليس سوى مقاطع من كتاب «التاسوعات» لأفلوطين (والذي قام الفارابي على أساسه بالتوفيق بين أفلاطون وأرسطو)، فإن أتباع أفلوطين وخاصة أبرقلس قد أثروا في الفكر العربي الإسلامي تأثيراً واضحاً عن طريق ترجمات مؤلفاتهم المبكرة التي نشرها عبد الرحمن بدوي.
بقلم الأستاذ جورج صدقني

[COLOR="Navy"]ولفتني في رد الأستاذ سالم حديثه عن القديس إوغسطين وتسميته بسانت أوغسطين، وخشيت أن يعتقد القارئ أن الكلام يتعلق بالموسوعة العربية فلزم أيضاً إيراد موضوع أوغسطين كما جاء في الموسوعة العربية الصادرة في دمشق

أوغسطين (القديس ـ)
(354ـ430)
القـديس أوغسطين Saint Augustin، اسمه اللاتيـني أوريليـوس أوغسطينـوس Aurelius Augustinustinas، لاهوتي من آباء الكنيسة اللاتين، يعد رائداً للفلسفة المسيحية في العصر الكنسي الذي يمتد من القرن الثاني حتى القرن السادس الميلاديين. ولد في طاجسطا Thagaste (سوق أهراس تبعد 100كم عن مدينة عنابة في الجزائر اليوم)، من أب وثني وأم مسيحية هي القديسة مونيكا، التي لقنته تعاليم الدين الأولى. وفي قرطاجة، خالط أتباع الفرقة المانوية، وظل يحضر حلقاتهم مدة تسع سنوات (374ـ383)، ثم رحل من إفريقية واستقر في رومة. انتقل بعدها إلى ميلانو حيث تأثر بالمذهب الريبي (الشك)، ثم مال عنه إلى الأفلاطونية المحدثة وانتقل من الشك إلى الإيمان، فاعتنق المسيحية سنة 386، وتعمد سنة 387 في ميلانو. وقفل عائداً إلى رومة ثم إفريقية حيث سمي راهباً، ثم أسقفاً لمدينة إيبونا (عنابة اليوم) سنة 396.
كانت ثقافة أوغسطين لاتينية غايتها إتقان البلاغة وتعقب أثر السلف. تميز أسلوبه بالعمق وبلغ الغاية في تحليل النفس الإنسانية، وماتطمع إليه من يقين في امتلاك المعرفة. ورأى أوغسطين أن طلب الحكمة يبدأ بالإيمان. بالاستناد إلى نص الإنجيل: «إن لم تؤمنوا فلن تفهموا» (أشعيا6:8). لهذا وَحَّد بين الإيمان الديني واليقين العقلي في فعل المعرفة، ورأى بأنه «يمكن أن يوجد إيمان دون أن يوجد علم، ولكن لايمكن أن يوجد علم دون إيمان». فالإيمان مصدر المعرفة ومنبع اليقين القائم على سلطة الكتاب المقدس، فوضع أوغسطين منهجه في المقولة الشهيرة: «اعقل كي تؤمن، وآمن كي تعقل». تلك التي عبر عنها القديس أنسلم في القرن الحادي عشر الميلادي «بالإيمان الباحث عن العقل».
ينقسم العالم عند أوغسطين إلى عالم محسوس وعالم معقول. والتقدم في درب الحكمة إنما يتجه نحو الأعلى، نحو العالم المعقول. ويبدو أن المُثُل الأفلاطونية قد أصبحت في هذا العالم أفكار الإله، الذي يجمع في ذاته كل الحقائق، والذي يوجد الأشياء على مثال معقولاتها. والحقيقة الثابتة تشرق على العقل من العالم الروحي، هذا حين تكون البصيرة قد زكت بالإيمان. فالنفس الإنسانية صورة الله، وهي جوهر روحي مفكر، يدرك المدركات المعنوية بإشراق من الله، فالله هو المعلم الباطن، وهذه هي نظرية الإشراق عند أوغسطين.
أما أشهر مؤلفاته فهي:
ـ الاعترافات: وقد كتبه سنة 400، وهو تحليل لتاريخه الروحي والفكري، ورواية انقلابه إلى المسيحية. وعلاقاته بأوساط الأفلاطونية المحدثة. وقد حلل فيه أيضاً طبيعة الإله الروحية والنفس البشرية، كما درس مشكلة الشر. ورأى أنّ الإله هو الوجود الحق دون سواه، لأنه لايعرف التحول والتغير أما وجود الأشياء فإنه وجود عابر ومتغير. وقد صرح أوغسطين بأن الموجودات في عالم الفساد صالحة في الجوهر مع أن الشر ملازم للمخلوقات بوصفه جزءاً من النظام الكوني. وأعلن أن معرفة الذات لاتتم إلا عبر الذاكرة الإنسانية.
ـ مدينة الله (214 ـ 724): ألف أوغسطين هذا الكتاب إثر نهب رومة عام 410، حين كانت الانفعالات في أوجها، واستوجبت أن يتحدث الناس عما يشبه يوم القيامة. وقد حمّل أوغسطين آلهة رومة الوثنية أسباب الهزيمة ورآها مسؤولة عن هذه الكارثة الهائلة. فدرس تاريخ رومة ومدح الأجداد العظام ثم حلل الانحطاط الذي أصابها وعزاه إلى فساد الحاكم الذي كان سبب تدمير المدينة. ورأى بأن الشعب المختار سوف ينتصر لأنه يفضي إلى الكنيسة الكونية التي أقامها المسيح. وميز أوغسطين بين المدينة الأرضية التي تقوم على حب الذات الذي يقود إلى انتهاك حرمة الإله وبين المدينة السماوية التي يجب أن تقوم على حب الله واحتقار الذات. ورفض أوغسطين في هذا الكتاب نظرية «قِدَم العالم» الأرسطية، وعرض نظرية الخلق بالمساوقة للكل بما في ذلك الزمان. أما في مجال الأخلاق فرأى بأن حب الخير هو المبدأ الديناميكي الأساسي لكل الأخلاق. ويُعثر في هذا الكتاب على إرهاصات الكوجيتو (أنا أفكر) الديكارتي.
وتجدر الإشارة إلى الأثر الحاسم لفكر أوغسطين الذي نهجه معظم لاهوتيي العصر الوسيط، فارتسمت وفقه معالم الفكر عند سكوت أريجينا والقديس أنسلم والأكويني. وبدأت مرحلة السعي للتوفيق بين الإيمان والعقل والجمع بين الفلسفة واللاهوت. فأُعطي بهذا الجمع البعد العالمي للمسيحية بعد تلاقحها مع الفكر اليوناني ذي الطابع الأفلاطوني.
بقلم الأستاذ بكري علاء الدين

كما ترى يا صديقي فالموسوعة العربية تسميه قديساً وليس سانت، أما تسميته »سانت« فمرده إلى الترجمة المعتمدة في الموسوعة العربية العالمية، ولأن ترجمتها تمت في السعودية فقد كان للرقابة هناك دورها، فكما تلحظ ويلحظ الجميع أن ثمة أمور عدة تفرضها الرقابة في المملكة العربية السعودية، فعلى سبيل المثال لا الحصر: حين نشاهد الأفلام الأجنبية المترجمة في أقنية فضائية سعودية أو أقنية تمولها السعودية نجد أن كلمة church تترجم إلى »معبد« وليس »كنيسة«، وقس على ذلك كلمة قديس وسانت.

أشكر لك وللأستاذ زنجبيل الشكر الكثير

غسان منيف
29-07-2007, 12:02 PM
الأخ الكريم مدتشي

إن الموسوعة السياسية والموسوعة العسكرية اللتين أشرت إليهما تقعان في نمط المعجم الموسوعي، وهو أوسع بقليل من المعجم العادي.
وكما نلحظ فإن الموسوعة السياسية تتناول المصطلحات السياسية بالتعريف تقريباً مع بعض التوسع في تناولها موضوعات الدول، وللتوضيح أكثر أرجو منك قراءة تعريف »البرجوازية« في الموسوعة السياسية ومقارنته بموضوع »البرجوازية الآتي كما ورد في الموسوعة العربية

البرجوازية
البرجوازية (من الفرنسية Bourgeoisie، ومن اللاتينية المتأخرة Burgus- المدينة المحصّنة) وكانت تعني أصلاً، في القرون الوسطى، سكان المدن المحصّنة من الفئات الاجتماعية الميسورة الأحوال التي هي وسط بين الشعب والنبلاء. بمعنى أنها طبقة اجتماعية محددة. وتضم الأشخاص ذوي الدخل المستقل، أو الذين يحققون لأنفسهم نوعاً من الاكتفاء الذاتي ولهم سمات وعادات اجتماعية خاصة بهم. ويعيش المنتمون إلى البرجوازية في الأغلب حياة ميسورة. وبتعبير آخر، تتألف البرجوازية من الأشخاص الذين لايمارسون أي مهنة من المهن اليدوية. وبهذا التحديد يخرج العمال والفلاحون وصغار الموظفين من إطار البرجوازية التي هي نقيض الطبقة العاملة (البروليتارية).
اتخذ مفهوم البرجوازية تاريخياً معاني مختلفة. ففي مطلع القرن الحادي عشر كانت كلمة Burgenses الفرنسية تعني سكان مدينة حديثة النشأة يعيشون نمطاً حياتياً جديداً في المدن خارج حدود الأرض التي يمتلكها الإقطاعي، ويمارسون في الغالب مهنة التجارة، ثم غدت كلمة Burgenses مرادفةً لكلمة تاجر قبل أن تأخذ الكلمة Bourgeois معناها المعروف في القرون الوسطى، إذ باتت تعني الشخص الذي يملك حقوقاً تتعلق بملكية قطعة أرض في المدينة أو بملكية عقارية. ثم تطور مفهوم البرجوازية في القرن الثامن عشر في فرنسة حتى صار يعني طبقة اجتماعية مؤلفة من التجار ومالكي العقارات وأصحاب المهن الحرّة، كما صار تعبير البرجوازية نظاماً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً أيضاً، إضافة إلى كونه يعبر عن ذهنية لها مظاهرها الخاصة التي نبعت من صميمها أفكار الثورة الفرنسية. فبعد أن اغتنت البرجوازية بفضل الامتيازات التي حصلت عليها وبفضل تطور التجارة، دخلت عالم الحياة السياسية، وصارت حليفة للنظام الملكي في مواجهة طبقة النبلاء المتمردة. وقد استمر هذا التحالف حتى نهاية القرن الثامن عشر حين قامت الثورة الفرنسية[ر] وأحدثت زلزالاً في العلاقة بين الملكية والبرجوازية.
تمثل البرجوازية مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي، وتُعد أساساً للكثير من الأفكار والمظاهر الاجتماعية الحديثة. فقد نشأت البرجوازية في أحشاء المجتمع الإقطاعي حاملة أسلوب الإنتاج الرأسمالي الأرقى وارتبطت بالتراكم الأولي لرأس المال الذي قام على انتزاع الأراضي وأدوات العمل من الجماهير الشعبية الواسعة. ومع تطور القوى المنتجة حلّت المانيفاكتورة (المصنع اليدوي) محل نظام الإنتاج الحرفي. ثم تلتها الصناعة الآلية الضخمة [ر: الثورة الصناعية] وامتلك رأس المال الصناعي وسائل الإنتاج وتركّزت ثروة مالية هائلة في أيدي البرجوازية. وتوطد النظام الرأسمالي بقيمه البرجوازية وأهمها: الفردية والمبادرة وفكرة الفرص المتكافئة والنجاح الشخصي أو ما يسمّى «أخلاق الإنجاز».
قامت البرجوازية في مراحلها الأولى بدور ثوري تقدمي في الصراع مع النظام الإقطاعي، فتحْتَ قيادة البرجوازية صُفِّيت العلاقات الإقطاعية وإسقاط التصوّر الطبقي الإقطاعي للإنسان. وقد أسهمت البرجوازية في تطوير العلم والتقانة (التكنولوجية) وفي رفع إنتاجية العمل، وحطّمت نمط الحياة الذي كان غالباً في العصور الوسطى.
وبنتيجة الثورات البرجوازية الممتدة من القرن السادس عشر إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر وصلت البرجوازية إلى السلطة السياسية وأصبحت هي الحاكمة في أغلب بلدان أوربة الغربية وفي الولايات المتحدة الأمريكية. ومع تحوّل الرأسمالية إلى الامبريالية (أواخر القرن التاسع عشر) ثم إلى رأسمالية الدولة الاحتكارية (منذ الحرب العالمية الأولى تقريباً)، ومع دخول حكم الطبقة العاملة مسرح التاريخ تغير أثر البرجوازية في المجتمع تغيراً جذرياً، وصار نضال الطبقة العمالية الطليعية في مواجهة الرأسمالية مضمون المرحلة المعاصرة من تاريخ البشرية وسمتها الأساسية.
والبرجوازية من وجهة نظر كارل ماركس[ر] هي الطبقة الغالبة في المجتمع الرأسمالي، المالكة لكل وسائل الإنتاج والتبادل، المُسْتَغِلَّة للعمل المأجور.
تطورت البرجوازية في مختلف البلدان بصور مختلفة حددتها الخصوصيات القومية في تلك البلدان. كانت إنكلترة مثلاً بلد الثورة الصناعية الأول، في حين غابت المرحلة الإقطاعية في الولايات المتحدة، وتأخر التصنيع نسبياً في إيطالية. وفي سياق تطوّر مختلف أشكال رأسمالية الدولة الاحتكارية واتساع الثورة العلمية التقنية حدثت تطورات داخل البرجوازية، أدت عملية تمركز رأس المال والإنتاج وتجمعهما إلى إفلاس قسم كبير من الرأسماليين الصغار والمتوسطين، وقسم من الرأسماليين الكبار أيضاً، ممّا أدى إلى انخفاض نسبة الطبقة البرجوازية من مجموع السكان النشطاء اقتصادياً من ذوي المداخيل المستقلة، وكذلك من مجمل عدد السكان في البلدان الرأسمالية. وتحولت البرجوازية من طبقة كثيرة العدد نسبياً، في الماضي، إلى نخبة حاكمة قليلة العدد، ولكن بالغة التمركز والقوة في المجتمع.
وانقسمت البرجوازية بحسب مجالات استثمار رؤوس الأموال إلى برجوازية صناعية وتجارية ومصرفية وزراعية. أما بحسب حجوم مشروعاتها فقد انقسمت إلى برجوازية كبيرة ومتوسطة وصغيرة.
وتشغل البرجوازية الصغيرة وضعاً انتقالياً بين الطبقتين الرئيسيتين: الطبقة العاملة والبرجوازية. وتتألف بأكثريتها الساحقة من الفلاحين الصغار والمتوسطين في القرية ومن الحرفيين وصغار التجار وبقية مالكي المؤسسات الصغيرة في المدينة. والبرجوازية الصغيرة ليست متجانسة من حيث حجم ملكيتها، فإذ تقترب الشرائح العليا منها من البرجوازية تعيش الشرائح الدنيا منها أحياناً في ظروف أسوأ من ظروف العمال المَهَرَة في المصانع الكبرى. ولكن مهما ساء وضع البرجوازي الصغير فإنه يختلف عن العامل بأن لديه ملكية خاصة لوسائل الإنتاج. كما يتحدد الانتماء الطبقي للبرجوازي الصغير بأنه لايقف في السوق الرأسمالية بائعاً لقوة عمله، بل بائعاً للسلع والخدمات التي ينتجها بنفسه.
وتبقى البرجوازية الصغيرة تؤلف جزءاً كبيراً من السكان العاملين، لكن أثرها الاقتصادي يتقلص باستمرار، لأن نمو الإنتاج وتمركزه يرافقهما دائماً اشتداد التنافس الذي يقود الآلاف من المزارعين والمنتجين الصغار والمتوسطين إلى الإفلاس في كل يوم نتيجة لتعرض البرجوازية الصغيرة المعاصرة للتمايز الطبقي الاجتماعي المستمر؛ فهي الشريحة الأقلّ استقراراً من قوام الطبقة البرجوازية، إذ تترك الأحوال الاقتصادية بصماتها على نفسية البرجوازي الصغير وتصوراته وأفكاره. ولما كان البرجوازي الصغير مالكاً وكادحاً في الوقت ذاته، تعاطف، بوصفه كادحاً، مع الطبقة العاملة يتضامن معها في الكثير من الأمور، وهذا سبب تمسُّكه بالديمقراطية والعدالة والمساواة والعداء للرأسمال الكبير وللاحتكارات. وبوصفه مالكاً يحسِد البرجوازي الكبير على ثرائه ووضعه، ويحلم بالوصول إلى مواقع الأقلية الممتازة. وهذا أساس ميله إلى المحافظة والفردية والخوف من الاشتراكية. فالبرجوازي الصغير يحاول عادة تجنّب الصدامات الطبقية الحادة، ويسعى إلى المحافظة على «الخط الوسط» في أوقات الهزات الاجتماعية والسياسية الكبرى. والمحدودية السياسية للبرجوازية الصغيرة هي السبب في أنها تنقاد بسهولة لغوغائية (ديماغوجية) الشرائح الأكثر رجعيةً من البرجوازية الكبيرة. وهذا ماحصل بوجه خاص في ألمانية النازية وإيطالية الفاشية، إذ استغلت النازية والفاشية الحاجات والمطالب الملحة للبرجوازية الصغيرة وعبثتا بحرصها وتطلعها إلى الإثراء وميلها إلى التشدُّد القومي. ولكن التاريخ يعرف غير قليل من الأمثلة التي وقفت البرجوازية الصغيرة فيها حليفاً للطبقة العاملة والبروليتارية. فقد كان الفلاحون والبرجوازيون الصغار القوة المحركة للثورة الإنكليزية في القرن السابع عشر، وللثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر، وكذلك في ثورتي 1905 و 1907 وثورة شباط 1917 في روسية وثورة تشرين الثاني 1918 في ألمانية.
في المرحلة المعاصرة يعد الإنتاج الصغير في البلدان النامية عاملاً أساسياً في التطور الاقتصادي لهذه البلدان. ويؤلف الفلاحون والحرفيون وصغار الكسبة فيها قوة مباشرة في الثورات الوطنية الديمقراطية المناهضة للإقطاع والامبريالية.
وقد أدى تطور رأسمالية الدولة الاحتكارية واتساع وظائف الدولة الرأسمالية المعاصرة ومهامها وتحوّلها إلى مالك كبير لوسائل الإنتاج إلى تعقّد بنية البرجوازية ودخول فئات اجتماعية جديدة إليها. وتحولت النخبة السياسية والعسكرية والبيروقراطية الرفيعة المستوى إلى فئة مستقلة من الطبقة البرجوازية السائدة. وظهرت شريحة جديدة من الرأسماليين هي شريحة البرجوازية الحكومية التي تضم رؤساء الشركات المؤممة والمشتركة. كما صار كبار المديرين Managers في الشركات الرأسمالية الخاصة جزءاً متزايد الأهمية من البرجوازية وإن لم يطرحوا أنفسهم فئة مستقلة منها.
وفي العقود المتأخرة من القرن العشرين، ومع توسّع مجالات الشركات العالمية، ظهرت فئة البرجوازية «المتعددة الجنسيات»، إذ أسهمت عالمية الإنتاج والرأسمال البرجوازي ونشاط الشركات المتعددة الجنسيات وانتشار طرق «الإدارة العلمية» للإنتاج في توحيد ذهنية البرجوازية المعاصرة وامِّحِاء الاختلافات الوطنية فيما بينها. وقد لامست هذه التغيرات إلى حد كبير البرجوازية الكبيرة والاحتكارية التي لم تعد تستغلّ العمال في بلدانها فحسب، بل وفي البلدان الأخرى أيضاً. وهذه الشريحة من البرجوازية قليلة العدد، ولكنها بالغة القوة الاقتصادية والمالية وتشغل مكان السيادة داخل البرجوازية الحكومية، وتضع يدها على المواقع الأساسية الاقتصادية والسياسية في البلدان الرأسمالية. وفي واقع الأمر هي التي تحدّد السياسة الداخلية والخارجية لهذه الدول وَفْق مصلحتها الخاصة وهي المسؤولة عن المشكلات الاجتماعية في هذه البلدان.
إلى جانب ذلك يتنامى أيضاً في عدد من البلدان المتقدمة مايسمى «المجمعات الصناعيةـ الحربية»، أي تحالف الاحتكارات الصناعيةـ الحربية مع الأوساط الرجعية العسكرية والبيروقراطية. وتستغل البرجوازية الاحتكارية المعاصرة الدولة على نحو متزايد، وتلجأ إلى أسلوب برمجة الإنتاج والتنبؤ بتطوره، وإلى طريقة تمويل التقدم العلمي والتقني والإنتاج الحربي من قبل الدولة، وإلى أسلوب التكامل الامبريالي.
وفي سياق تطوّر المجتمع الرأسمالي وبتأثير التحولات الحاصلة في اقتصاده تطرأ جملة من التغيرات المهمة على الصفات الكمية والكيفية للطبقات والفئات الاجتماعية التي تؤلف قوام هذا المجتمع. فعلماء الاجتماع البرجوازيون يرون أن المجتمع البرجوازي يتحول إلى نظام اجتماعي متجانس يتألف من الفئات المتوسطة فقط. ويؤكدون أن الطبقة العاملة في سبيلها إلى الزوال متحولة إلى واحدة من «الفئات المتوسطة» لأن مستوى رفاهها قد ارتفع، ولأن عدد العمال الصناعيين في ظل التقدم العلمي والتقني والأتمتة الواسعة لعمليات الإنتاج لم يعد يتزايد كما كان من قبل، في حين يتزايد كثيراً عدد المثقفين والعاملين في ميادين الخدمات في الوقت الذي تنخفض فيه الفروق بين العاملين ذهنياً والعاملين عضلياً.
أما عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864ـ1920)، واضع نظرية الأنماط المثالية، فيرى أن العصور الغابرة والإقطاعية والرأسمالية ليست علاقات موجودة موضوعياً، وإنما هي وسائل للتنميط المثالي، والرأسمالية هي النمط الأمثل من بين الأنماط الاقتصادية، لأنّ سمتها الأساسية هي العقلانية ووجود المؤسسة المنظمة عقلانياً، ويعطي فيبر في علم الاجتماع السياسي اهتماماً كبيراً لتحليل صراعات المصالح بين مختلف فئات الطبقة الحاكمة مؤكداً أن الموقف من السلطة والاختلاف في الموقع والمكانة، وتقسيم الناس بحسب المؤشرات الدينية والأيديولوجية مهم تماماً مثل الاختلافات الناجمة عن علاقات الملكية الخاصة. ويرى فيبر أن الصراع الرئيسي في الحياة السياسية للدولة المعاصرة هو الصراع بين الأحزاب السياسية والجهاز البيروقراطي. وعموماً رفض فيبر إمكانية انتصار العلاقات الاشتراكية في المجتمع وطرح مقابل ذلك مقولة أن مجتمع المستقبل لن يكون «ديكتاتورية البروليتارية»، بل سيكون «ديكتاتورية البيروقراطية». ويمكن تمييز اتجاهين رئيسيين حول فيبر في الأدبيات الاجتماعية البرجوازية المعاصرة: الأول يتلخص في محاولة البرهنة على أن فيبر دحض الفهم المادي للتاريخ، وبرهن على أولوية العوامل الأخلاقية والدينية في التاريخ العالمي. أما الثاني فيعد فيبر متمماً للماركسية.
ولكن التغيرات الجارية في البنية الطبقية للبرجوازية تظهر الطابع التناحري لهذه البنية، وتكشف أن التناقضات الطبقية والاجتماعية الملازمة للمجتمع البرجوازي تزداد عمقاً واتساعاً. هذا في البلدان الرأسمالية، أما في البلدان التابعة والمستقلة حديثاً والنامية، فهناك نوعان من البرجوازية: الكومبرادورية التجارية (الوسيطة) والوطنية. ولأنه لاتوجد في معظم هذه البلدان برجوازية صناعية قوية، فإن البرجوازية التجارية المؤلفة من المضاربين والوسطاء الطفيليين ومقاولي أعمال البناء الذين يستثمرون أموالهم في مجالات غير منتجة هم الذين يحددون وجه الطبقة الرأسمالية الموالية للامبريالية التي تقوم بدور الوسيط في خدمة رأس المال الأجنبي، وتؤدي وظيفة السند الاجتماعي للاستعمار الجديد بحكم مصالحها المرتبطة بالعالم الخارجي، وتمثل البرجوازية الوطنية فئة أصحاب العمل المحليين الذي لهم مصلحة في التطور الاقتصادي والسياسي المستقلين لبلدانهم، إذ يواجه هذا التطور عقبات في مختلف الميادين بسبب تحكّم رأس المال الأجنبي والعلاقات السابقة للرأسمالية التي يحتفظ بها المستعمرون، مما يؤدي إلى نشوء تناقض بالغ الحدّة بين البرجوازية الوطنية والبرجوازية الكومبرادورية من جهة، وبينها وبين البرجوازية الامبريالية من جهة ثانية.
من هنا تبرز موضوعياً مصلحة البرجوازية الوطنية في الثورة المعادية للإقطاع وللامبريالية. وقد قادت البرجوازية الوطنية في عدد من بلدان آسيا وإفريقية حقاً النضال السياسي الوطني لشعوبها، أو كانت إحدى القوى الرئيسية في الكتلة المعادية للامبريالية، واستطاعت أن تبرز من صفوفها زعماء وطنيين أفذاذاً، وأن تجتذب الجماهير ببرامج من أجل التحرر الوطني.
بقلم سعيد أحمد

طبعاً هذا لا يقلل من أهمية العمل، ففكرة »الموسوعة السياسية« و»الموسوعة العسكرية« تبقى موضع تقدير، ويبقى إنجازهما في الأعمال الرائدة.

وشكراً لمرورك وتقبل تقديري

غسان منيف
30-07-2007, 12:04 PM
آسف صديقي دوتشي واعتذر عن كتابة اسمك مغلوطاً
تقبل اعتذاري

دوتشي
30-07-2007, 02:46 PM
أخي العزيز منيف
الشكرُ أولاً على المعلومات التي أوردتها في الأعلى، و لاداعي للأسف بخصوص الاسم فهو يبقى مستعار.

بهذا المقال الممتاز جداً تكونُ فتحتَ شهيّتي على تتبع أخبار الموسوعة الوليدة، و أرجو من الله أن يوفقني في اقتناع نسخة ضخمة منها.
لاشك أنّ للقائمين عليها فضلاً كبيراً سوف يخلده التاريخ بحكم كونها أوّل موسوعة عربية صادقة في أهدافها وعملها.

بعدما قرأتُ ماأوردتهُ في الأعلى قفز في ذهني تساؤل ملح: إلى أيّ مدى تكون حرّية واضعي الموسوعة؟ و إلى أيّ مدى يلتزمون بدقة المنهج العلمي في السرد والتصنيف؟

لقد لفت انتباهي في الأعلى "الأوساط الرجعية العسكرية والبيروقراطية"..
هذا المُصطلح قديم ويعود إلى فترة استقلال العالم الثالث والصراع البارد بين الكتلتين. وأنت أعلمُ بهذا منّي؟
هل تتبنّى الجهة المُشرفة على الموسوعة أفكار حزب البعث. أم أنّ لها شخصيّة مستقلة ومعتبرةً؟

تحيّتي لكَ على هذا المجهود الطيّب

غسان منيف
31-07-2007, 10:36 AM
الأخ الكريم دوتشي

شكراً لردك اللطيف والمفيد لأنه اقتضي التوضيح.
نصت الفقرة الأولى من مرسوم إحداث هيئة الموسوعة العربية على ما يأتي:

تحدث في الجمهورية العربية السورية هيئة عامة ذات طابع علمي تسمى (هيئة الموسوعة العربية) تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري …

وهذا يبين أنها غير مرتبطة بأي جهة رسمية في الدولة.

أما في ملاحظتك المتعلقة بمصطلح »الأوساط الرجعية العسكرية والبيروقراطية« فاسمح لي اقتباس الفقرة كاملة والاستناد على ما جاء فيها

[إلى جانب ذلك يتنامى أيضاً في عدد من البلدان المتقدمة مايسمى »المجمعات الصناعيةـ الحربية«، أي تحالف الاحتكارات الصناعية ـ الحربية مع الأوساط الرجعية العسكرية والبيروقراطية. وتستغل البرجوازية الاحتكارية المعاصرة الدولة على نحو متزايد، وتلجأ إلى أسلوب برمجة الإنتاج والتنبؤ بتطوره، وإلى طريقة تمويل التقدم العلمي والتقني والإنتاج الحربي من قبل الدولة، وإلى أسلوب التكامل الامبريالي.]

كما تلحظ أن الكاتب قال مايسمى «المجمعات الصناعيةـ الحربية»، أي تحالف الاحتكارات الصناعية ـ الحربية مع الأوساط الرجعية العسكرية والبيروقراطية: أي ما يسمى تحالف الاحتكارات الصناعية ـ الحربية مع الأوساط الرجعية العسكرية والبيروقراطية ولم يقل «تحالف الاحتكارات الصناعية ـ الحربية مع الأوساط الرجعية العسكرية والبيروقراطية».

وهنا أود التنويه ثانية أن الموسوعة العربية لا تعتمد الآراء الشخصية، بل التوثيق فقط

شكراً لإضائتك وتقبل كل التقدير

داليا الهواري
01-08-2007, 05:35 AM
الأخ الأستاذ غسان منيف
أولا دعني أشكرك من جديد كمتابعة لما تطرحه هنا، و أرغب أن تتطرق إلى الجانب الفكري و الثقافي و الأدبي بشكل أوسع و بالخصوص ضمن ما يمكن تسميته بالأعلام العربية في مجال الأدب و الفكر و الثقافة من العصر الجاهلي إلى يومنا.. أعتقد أنها مساحة جميلة لنقرأ الموسوعة من جديد و بطريقتك..
يعطيك العافية و بوركت جهودك الرائعة

غسان منيف
02-08-2007, 10:45 AM
تخيل يا صديقي أنك عمدت إلى ترتيب فكرة ما وحاولت صوغها قولاً، فسارع سامع ما إلى نقض مقولتك حتى قبل أن تكملها، وتخيل أنك حاولت مقولة ثانية ليسارع السامع نفسه إلى نقضها، وحين تزيد محاولة ثالثة ينقضها وهكذا ...

والسؤال: هل ستطبق وتدعه يتشدق؟

إن أفضل إجابة يقدمها الفرزدق وجرير والأخطل، وهم الثلاثة الفحول الذين قدموا في العصر الأموي شعراً غزيراً يلفت النظر عرف بشعر النقائض، حتى لقد اجتمع لهم منه دواوين ضخمة.
ولهذا الضرب من الشعر أصول التزمها الشعراء المتناقضون، ومنها اتفاق القصيدتين في الوزن والقافية، ونقض كل شاعر معاني خصمه.

وقطاف الموسوعة العربية اليوم يقدم أحد الشعراء الثلاثة الفحول، وسيقدم لاحقاً الفحلين الآخرين


الفرزدق
(20 ـــ 114هـ/640 ـــ 732م)
همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمّد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرّ بن أد بن طابخة، ويكنى أبا فراس، ولُقب بالفرزدق لغلظٍ وتجهّمٍ واستدارةٍ بوجهه، فهو يشبه الرغيف.
افتدى صعصعة جدّ الفرزدق الموءودات من قومه في الجاهليّة، وأدرك الإسلام وكان كريماً جواداً، أمّا أبوه غالب فقد وفد على عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، فسأله: «ما فعلت إبلك الكثيرة؟ فأجاب: ذعذعتها الحقوق وأذهبتها الحمالات والنوائب يا أمير المؤمنين. قال: ذاك أحمد سبيلها». وكان لذلك أثر عميق في نفسيّة الفرزدق؛ فاعتدّ بآبائه وبعشيرته وقبيلته، وظلّ متمسّكاً بمآثرهم وكرمهم المسرف، فحين باع إبلاً له في المربد نثر أموالها على الناس، وأجار على قبر أبيه كشأن أجداده الجاهليين، كما نحر ناقته على قبر صديقه بشر بن مروان، ونشأ الفرزدق ذرب اللسان لا يوفّر في الهجاء قريباً أو غريباً، وأسرف في هجاء بني فُقيم لأنّهم قبلوا الدية، فقال:
لقد آبت وفود بني فقيم
بآلمِ ما تؤوب به الوفودُ
فاشتكوا منه إلى زياد بن أبيه، فطلبه، وخافه الفرزدق، فهرب من العراق قاطعاً البادية، واستجار بسعيد بن العاص والي المدينة، فأجاره وأمّنه، ومدحه بقصائد بديعة منها:
ترى الغرّ الجحاجح من قريش
إذا ما الأمر في الحدثان غالا
قياماً ينظرون إلى سعيدٍ
كأنّهم يرون به هلالا
وسمعه الحطيئة وهو ينشد هذه القصيدة فقال: «هذا والله الشعر لا ما نُعلَّل به منذ اليوم!« وهان عليه تعرّضه لليث ضارٍ مقارنة بخوفه من زياد حيث يقول:
فلأنتَ أهون من زيادٍ جانباً
اذهبْ إليك مُخرِّم الأسفار
ولمّا بلغ زياداً قوله هذا رقّ له وقال: لو أتاني لآمنته وأعطيته. فقال الفرزدق:
دعاني زيادٌ للعطاء ولم أكن
لآتِيَهُ ما ساق ذو حَسَبٍ وَفْرا
وانغمس في اللهو والاختلاف إلى دور القيان، وحينما ولي مروان بن الحكم المدينة، وكانت فيه شدّة على أصحاب اللهو ترك الفرزدق المدينة إلى مكّة، وبلغه نعي زياد فمضى إلى البصرة، ومدح عبيد الله بن زياد فأوسع له في مجالسه، ثمّ أتت فترة عبد الله بن الزبير.
وكانت النوّار بنت أعين بن صعصعة عمّ الفرزدق قدّ ولّته أمرها كي يزوّجها من رجل، فلمّا توثّق من توليتها وأشهد عليها الشهود تزوّجها خدعة، فرحلت إلى الحجاز، واستجارت بخولة بنت منظور الفزاريّة زوج عبد الله بن الزبير، فنزل الفرزدق على بني عبد الله بن الزبير، فاستنشدوه واستحدثوه، ثمّ شفعوا له عند أبيهم، فجعل يشفعهم في الظاهر حتّى إذا صار إلى خولة قلبته عن رأيه، فمال إلى نوار، فقال الفرزدق:
أمّا بنـوه فلم تُقبلْ شـفاعتُـهم
وشُفّعتْ بنتُ منظورِ بنِ زبّانا
ليس الشفيعُ الذي يأتيكَ مؤتزراً
مثلَ الشفيعِ الذي يأتيكَ عُريانا
وقد طلّق الفرزدق نوار بعد مشاحنات بينهما، وكان مزواجاً، ولكنّه ندم على تطليقه لها ندماً شديداً فقال:
ندمتُ ندامـةَ الكُسعيِّ لمّا
غدتْ منّي مطلّقةً نوارُ
ولو أنّي ملكتُ يدي وقلبي
لكانَ عليّ للقدرِ الخيارُ
وكانت جنّتي وخرجت منها
كآدم حينَ أخرجه الضرارُ
وكنتُ كفاقئٍ عينيهِ عمداً
فأصبحَ ما يضيءُ له النهارُ
وحينما ولي الحجّاج العراق وكانت فيه قسوة خافه الفرزدق ومدحه بمدائح رائعة مثل:
إنَ ابن يوسف محمودُ خلائقه
سيّان معروفُه في الناس والمطرُ
هو الشهاب الذي يُرمى العدوّ به
والمشرفيُّ الذي تَعْصى به مُضرٌ
ونوّه كثيراً بسيرته وقضائه على الرشوة والمتمرّدين، وإقامته لموازين العدل، حتّى إذا توفّي رثاه رثاء حارّاً، فقال:
ومات الذي يرعى على الناس دينهم
ويضربُ بالهنديّ رأسَ المخالفِ
وبعد موت الحجّاج وتوليّ سليمان بن عبد الملك الخلافة، أخذ يتعقّب ولاة الحجّاج وعمّاله؛ فانقلب الفرزدق فأقذع في هجاء الحجّاج، وانحاز إلى قبيلته تميم، ثمّ تولّى يزيد بن المهلّب جرجان، وحاول استقدام الفرزدق، ولكنّه أبى قائلاً:
دعاني إلى جرجان والريّ دونه
سآبى وتأبى لي تميمٌ وربّما
لآتيه إنّي إذن لزؤور
أبيتُ فلم يقدر عليّ أميرُ
حتّى إذا ولي يزيد العراق في عهد سليمان بن عبد الملك مضى يمدحه كقوله:
إنّي رأيتُ يزيد عند شبابه
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم
لبس التُّقى ومهابةَ الجبّار
خُضُعَ الرقابِ نواكسَ الأبصار
ووفد الفرزدق على سليمان بن عبد الملك، وكان أول من وفد عليه من خلفاء بني أميّة؛ فأصبح من شعراء بني أميّة، يمدح سليمان ويزيد بن عبد الملك، أمّا ولاة العراق فكان إذا خاف بطشهم مدحهم، أمّا إذا أّمِن شرّهم هجاهم.
ويعدّ الفرزدق من طبقة الشعراء الإسلاميين الأولى، وأَكْثَر الفخر والمدح والهجاء، وله مناقضات شهيرة مع جرير، واختلف الناس في أيّهما أشعر، وقال بعض النقّاد الفرزدق ينحت من صخر وجرير يغرف من بحر، ورجّح الراعي كفّة الفرزدق فقال:
يا صاحبيّ دنا الرواحُ فسيرا
غلبَ الفرزدقُ في الهجاءِ جريرا
وقال اللغويّون: لو ضاع شعر الفرزدق لضاع ثلث اللّغة. وكانت للفرزدق مساجلات مع اللّغويين والنحاة، فحينما سمع عبد الله بن إسحاق النحويُّ قول الفرزدق:
مستقبلين شمال الشّام تضربنا
على عمائمنا يُلـقى وأرحلنا
بحاصبٍ كنديفِ القطنِ منثورِ
على زواحفَ تُزجى مخُّها ريرِ
قال: موضع «رير» الرفع وإن رفعتَ أقويتَ! فهجاه الفرزدق ببيت غدا شاهداً للنحاة:
فلو كان عبد الله مولى هجوتُه
ولكنّ عبدَ اللهِ مولى مواليا
فهو يعرف أنّه ينبغي أن يقول آخر البيت مولى موالٍ، ولكنّه أرادها شاهداً على إمكانيّة أن تأتي مولى مواليا، تبرّماً من قيود النحاة.
وقد أكثر الفرزدق من شعر الفخر كقوله:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا
وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
ومن أجود شعره في الوصف والفخر:
وركبٍ كأنّ الريحَ تطلبُ عندهم
يعضّون أطرافَ العِصيِّ كأنّها
سروا يخبطونَ اللّيلَ وهي تلفّهم
إذا ما رأوا ناراً يقولون: لـيتها
لها تِـرَةً من جذبها بالعصائبِ
تُخَزِّمُ بالأطرافِ شوكَ العقاربِ
على شُعبِ الأكوارِ من كلّ جانبِ
وقد خَصِرَت أيديـهم، نارُ غالبِ
ويروى أنّ الفرزدق في آخر أيّامه تعلّق بأستار الكعبة وعاهد الله على ترك الهجاء والقذف، وقيّد نفسه بقيد وآلى ألاّ يفكّه حتّى يحفظ القرآن، فما فكّه حتّى حفظه.
وتوفي الفرزدق عن عمر ناهز التسعين عاماً، وعلى الرغم مما كان بينه وبين جرير من مهاترات وهجاء مقذع إلاّ أنّ جريراً حزن حزناً شديداً لموت الفرزدق وأبّنه قائلاً:
فلا حملتْ بعـد الفرزدق حرّةٌ
ولا ذاتُ حملٍ من نفاسٍ تعلّتِ
هو الوافدُ الميمونُ والراتقُ الثّأى
إذا النعلُ يوماً بالعشيرةِ زلّتِ
وقال: «أما واللهِ إنّي لأعلمُ أنّي قليل البقاءِ بعده، ولقد كان نجمنا واحداً، وكلّ واحدٍ منّا مشغول بصاحبه»، وبقي حزيناً وقال: «أطفأ موتُ الفرزدقُ جمرتي، وأسأل عبرتي، وقرّب منيّتي». فعاش بعده أربعين يوماً.
بقلم الأستاذ عبد الكريم عيد الحشاش


وأنت يا صديقي حاول نقض القول كما يحلو لك. ولكن حاذر نقض العهود والمواثيق

زعَمَ الفرزدَقُ أن سيقتلُ مَرَبعاً *** أبشِر بطولِ سلامةٍ يا مَرَبعُ

هل ثمة عبقرية شعرية تفوق هذا القول في الهجاء؟
إنه لجرير بن عطية الذي سأقدمه في قطاف الموسوعة اللاحق.

غسان منيف
07-08-2007, 11:59 AM
… والعود أحمد …
قال النقاد «الفرزدق ينحت في الصخر وجرير يغرف من بحر».
ليس خفياً أن معظم النقاد حاول تقديم فحول النقائض بصورة مميزة، ولكن هل استطاعوا؟
وفي العودة اليوم أقدم موضوع جرير بن عطية كما في الموسوعة العربية

جرير بن عطيّة
(30 ـ 114هـ/650 ـ 732م)
أبو حزرة، جرير بن عطيّة بن الخطفى، من بني كليب بن يربوع، من قبيلة تميم، أحد ثلاثة شعراء كانوا المقدمين على شعراء العصر الأموي، وهم: جرير والفرزدق والأخطل.
لاتعرف سنة ولادته على وجه الدقة، ولكن يُستخلص من أخباره أنَّه ولد في خلافة عثمان بن عفان.
كانت أسرة جرير من الأسر ذات الأصالة الشعرية، فقد كان أبوه عطيّة وجده الخطفى وأخوه عمرو، كلُّهم شعراء ، ثم اتصل الشعر بعده في عدد من أبنائه وأحفاده، وكان لجرير عدد من البنين منهم: حزرة، ونوح وعكرمة وبلال، واشتهر بالشعر منهم بلال وعمارة بن عقيل بن بلال والمغيرة بن حجناء بن نوح بن بلال بن جرير. وقد نقل عن أبي العباس المبرّد قوله إن الشعر لم يتصل في أحد من الإسلاميين اتصاله في ولد جرير.
كان موطن جرير وقومه بالوشم من أرض اليمامة، وفيها نشأ جرير نشأة فقيرة يرعى غنم أبيه وجده، ولمّا آنس من نفسه المقدرة على قول الشعر مضى إلى العراق وإلى الشام يعرض شعره على الخلفاء والولاة حتى نبه ذكره واغتنى، فاتخذ داراً بالبصرة كان ينزلها حين يقدم إلى العراق.
شغل جرير في حياته المديدة بأمرين: أولهما انتجاع خلفاء بني أمية وولاتهم وقادتهم ومديحهم ليحظى بصلاتهم. والثاني: مقارعة الشعراء الذين تعرضوا له، وقد ذكروا أنه هاجى ثلاثة وأربعين شاعراً لم يثبت له منهم إلا الفرزدق والأخطل.
أول من اتصل بهم جرير من الخلفاء كان يزيد بن معاوية، ذكر أبو الفرج الأصفهاني أنه وفد إليه أيام شبابه فلم يأذن له يزيد [لأن ذكره لم يكن قد نبه يومذاك، فقال للحاجب: قل له إني القائل:

وإنّي لعفّ الفقر مشترك الغنى
سريع إذا لم أرض داري انتقاليا
فأذن له يزيد وأنشده جرير مدحه فيه فوصله، وتلك أول جائزة ينالها من خليفة.
ثم اتصل جرير ببشر بن مروان، والي العراق من قبل أخيه عبد الملك، وكان بشر مولعاً بالإغراء بين الشعراء ، فأغرى سراقة البارقي بهجاء جرير ثم بعث بالقصيدة إلى جرير ليجيب عنها، فقال جرير قصيدة يهجو فيها سراقة ويعاتب بشراً ويمدحه ومنها قوله:

يابشر حقّ لوجهك التبشير
هلا غضبت لنا وأنت أمير
وفي مجلس بشر اجتمع جرير بالفرزدق وتفاخرا، ففضَّل بشر جريراً. وممن قدم على بشر الأخطل التغلبي، وطلب إليه بشر أن يفاضل بين جرير والفرزدق، ففضَّل الفرزدق. وكان تفضيل الأخطل للفرزدق من دواعي استطارة الهجاء بين جرير والأخطل، إضافة إلى أسباب أخرى.
ولماّ تولّى الحجاج بن يوسف إمارة العراق بعد بشر اتصل به جرير وقال فيه مدائح غُرّاً. ولشدة إعجاب الحجاج بجرير أوفده إلى عبد الملك بن مروان مع ابنه محمد، ولكن عبد الملك حجبه في بادىء الأمر ولم يأذن له في إنشاده شعراً، فقد كان عبد الملك واجداً على جرير لأنه كان تميمياً، وتميم كانت زبيرية الهوى، وفي بعضها إشادة بذود الحجاج عن بني أمية، وبعد إلحاح أذن له فأنشده مدحته التي منها بيته المشهور:

ألستم خير من ركب المطايا
وأندى العالمين بطون راح
ومدح فيها عبد الملك وبني أمية وهجا عبد الله بن الزبير، فأعجب عبد الملك بالقصيدة وأمر له بجائزة سنية، ومنذ ذلك الحين أخذ جرير يتردد على عبد الملك وينشده مدائحه فيه فيجزل له العطاء.
ثم اتصل جرير بالوليد بن عبد الملك ومدحه، وحين أراد الوليد جعل ولاية العهد لابنه عبد العزيز بدلاً من أخيه سليمان، وقف جرير إلى جانبه وقال أبياتاً في ذلك ومدح عبد العزيز بعدد من القصائد.
ولما وليَ سليمان بن عبد الملك كان ساخطاً على جرير لوقوفه مع الوليد في ولاية العهد لابنه، ولكن سليمان آثر أن يغض الطرف عن موقف جرير لجودة شعره، وقد مدحه جرير بقصيدة واحدة.
ولما ولي عمر بن عبد العزيز وفد عليه جرير مع الشعراء، وأنشده مديحاً فيه، ولكن عمر لم يعطه شيئاً، مع إعجابه بقصيدته وتأثره بها، ومع ذلك لم يغضب جرير وخرج من عنده وقال: خرجت من عند رجل يقرب الفقراء ويباعد الشعراء، وأنا مع ذلك عنه راض. ورضى جرير عن عمر بن عبد العزيز مردّه إلى إعجابه بسيرة عمر بن عبد العزيز وورعه وعدله.
وخلف عمر بن العزيز يزيد بن عبد الملك، فاتصل به جرير ومدحه بأربع قصائد ضمنها هجاء ليزيد بن المهلب المعادي ليزيد بن عبد الملك .
ثم اتصل جرير بعد يزيد بهشام بن عبد الملك، فمدحه بخمس قصائد، وكان يرسل قصائده إليه في مقره بالرصافة. ومدح جرير كذلك ابنه معاوية بن هشام وعامل هشام على العراق خالد بن عبد الله القسريّ. وفي زمن خلافة هشام توفي جرير.
وإلى جانب هؤلاء مدح جرير طائفة من ولاة بني أمية وقادتهم، ومنهم عبد العزيز بن مروان، والي مصر من قبل عبد الملك والقائد هلال بن أحوز المازني.
الأمر الثاني الذي شغل جريراً وقال بسببه أكثر شعره هو مهاجاته الشعراء وغير الشعراء، والجانب الأكبر منه مقول في خصميه اللدودين الفرزدق والأخطل، وأكثر هجائه لهما جاء في قالب النقائض. وقد جمع أبو عبيدة معمر بن المثنى نقائضه مع الفرزدق وشرحها وفصل القول في ما اشتملت عليه من أيام ووقائع، وفي مناقضات هذين الشاعرين فحش وبذاءة ونهش للأعراض. وكان جرير يعير الفرزدق بأمور منها ماعرف به من فسق وفجور وتعرض للنساء، ومنها وصف صفاته الخلقية، وعيَّره كذلك بنبو السيف في يده يوم دفع الخليفة لمن كانوا معه أسارى لقتلهم فضرب جرير عنق أسيره فأبانها، في حين أن الفرزدق دفع إليه سيف كهام فنبا ولم يقطع وقد أطلق جرير على الفرزدق لفظ (ابن القين) والقين هو الحداد لأن قومه كان لهم قيون يصنعون لهم السيوف، فنسب جرير الفرزدق إلى أحد هؤلاء وعيّر الفرزدق كذلك بقتل أحد بني مجاشع الزبير بن العوَّام بعقب وقعة الجمل، وعيّره بأيام قومه التي هزموا فيها، وكان يعرض لنساء مجاشع ودارم فيرميهنَّ بكل فاحشة، ومن نقائضه معه قوله:

لقد ولدت أم الفرزدق فاجراً
فجاءت بوزواز قصير القوائم
يوصل حبليه إذا جن ليله
ليرقى إلى جاراته بالسـلالم
أتيت حدود الله مذ أنت يافع
وشبت فما ينهال شيب اللهازم
(الوزواز: القصير القوائم. اللهزمة: ماتحت الأذنين من أعلى الخدين).
فإذا فرغ من هجائه وهجاء قومه انتقل إلى الفخر بقبيلة يربوع وعشيرته كليب فنسب إليهما كل مفخرة.
وفي هجائه الأخطل يتسع أمامه مجال القول لأن جريراً والفرزدق ينتميان إلى قبيلة واحدة هي تميم، أمّا الأخطل فكان من قبيلة تغلب النصرانية، فهو في هجائه إياه يعيِّره هزائم تغلب في حروبها مع قبيلة قيس، ويعرض لعقيدته، ويرميه وقومه بكل مثلبة، ثم يفخر عليه بانتمائه إلى مضر. وهو الجذم الذي ينتمي إليه الرسول (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء، نحو قوله:
ولد
الأخيطل نسوة من تغلب
هن الخبائث بالخبيث عذينا
إن الذي حرم المكارم تغلباً
جـعل النبوة والخلافة فينا
أما في مدائحه فهو يضفي على الممدوح جميع الصفات التي كانت موضع التقدير في المجتمع العربي ويضيف إليها الصفات التي تليق بالممدوح وتختص به، فإذا مدح عبد الملك بن مروان أشاد بحزمه وبطشه بأعدائه وسخائه وإذا مدح عمر بن عبد العزيز أشاد بعدله وتقواه وحدبه على الفقراء. ولم يكن جرير يتورع عن التصريح بطلب العطاء والإلحاح فيه. ومن أماديحه المشهورة قصيدته الحائية التي مدح بها عبد الملك بن مروان ، منها قوله:

ألستم خير من ركب المطايا
وأندى العالمين بطون راح
وقوم قد سموت لهم فدانوا
بدهـم في مـلملة رداح
فقد وجدوا الخليفة هبرزياً
ألف العيص ليس من النواحي
(الدهم: الجيش العظيم. الململة الرداح: الكتيبة الضخمة. الهبرزي: الأسد.)
ولجرير في الحجاج أماديح كثيرة أشاد فيها بقمعه الفتن ومحاماته عن خلفاء بني أمية وقتاله أعداءهم وقمعه ثورات الخوارج، ومن قوله فيه:

من سدّ مطلع النفاق عليـكم
أم من يصول كصولة الحجاج
أم من يغار على النساء حفيظةً
إذ لا يثقــن بغيـرة الأزواج
إن ابن يوسف فاعلموا وتيقنوا
ماضي البصيرة واضح المنهاج
أما النسيب فيأتي في شعر جرير مقدمة لقصائد المديح والهجاء، وهو يطيل فيه لميله إلى هذا الفن ورقة حسه، وعلى أنه لم يفرد للغزل قصائد مستقلة استطاع أن يجيد هذا الفن ويأتي فيه بمعان جيدة، وألفاظه في نسيبه عذبة وأسلوبه رقيق، وهو يجنح إلى التصوير العفيف البعيد عن الفحش، بخلاف هجائه، ولو أتيح له الانصراف إلى هذا الفن لكان من شعراء الغزل المتقدمين، على أن نسيبه لا يصوّر عاطفة حب لامرأة بعينها ولم يكن عاشقاً حقاً وإنما هو غزل بالمرأة عامة. ومن جيد غزله قوله:
يا أم عمرو جزاك الله مغفرة
ردي عـليّ فؤادي كالذي كانا
ألست أحسن من يمشي على قدم
يا أملح الناس كل الناس إنسانا
إن العيون التي في طرفها حور
قتلننا ثم لم يحيين قتــلانـا
وتناول جرير فضلاً عن هذه الأغراض فن الرثاء، وهو في رثائه الخلفاء والولاة يلجأ إلى تهويل الخطب والمبالغة في بيان أثره في الناس والطبيعة، ولكنه في رثاء ذوية يجنح إلى تصوير فجيعته بصدق دون مبالغة، وقد رثى أحد أولاده رثاء يتجلى فيه صدق العاطفة وشدة اللوعة ، ورثى زوجته أم حزرة، مخالفاً العرف البدوي الذي يقضي بعدم رثاء الزوجة وعدم زيارة قبرها، ومن قوله فيها:

لولا الحياء لعادني استعبار
ولزرت قبرك والحبيب يزار
ولهت قلبي إذ علتني كبرة
وذوو التمائم من بنيك صغار
ولقد أراك كسيت أجمل منظر
ومـع الجمال سـكينة ووقار
والريح طيبة إذا استقبلتها
والعرض لادنـس ولاخـوار
وجرير شاعر مطبوع، يجري في شعره على سجيته ، لايتعمل ولايتكلف، وليس في شعره تعقيد ولامعاظلة بخلاف شعر الفرزدق، وحين يعمد إلى التصوير تأتي صوره بسيطة تمثل البيئة البدوية وتقل فيها الصور الحضرية ، وهو يوشح شعره بالمعاني القرآنية فيكثر من ذكر الأنبياء وقصصهم نحو قوله:

دعا الحجاج مثل دعاء نوح
وأسمع ذا المعارج فاستجابا
وفي الجملة فإن جريراً شاعر مبرز في أكثر أغراض الشعر وأسلوبه يتسم بالسهولة مع جزالة اللفظ وحلاوة الديباجة.
في زمن وفاة جرير روايات عدة (فقد جعلها بعض من ترجموا له سنة 110هـ، وجعلها آخرون سنة 111هـ) والمرجح (أنه توفى سنة 114هـ) لأن وفاته كانت بعد وفاة الفرزدق ، والثابت أن الفرزدق عاش حتى سنة 114هـ، وقد هجاه جرير بعد وفاته ولكنه مالبث أن رثاه.
بقلم الدكتور إحسان النص

لعل من المدهش أن يعمل أقرب الناس إليك على مساعدة خصومك، بل إنه أمر قد لايصدق، ولكن تلك كانت حال الأخطل حين لقبته أمه دوبلاً. والدوبل كلمة تعني الخنزير الصغير، واعتقد أنك أدركت مدى المساعدة التي قدمتها والدة الأخطل لخصوم ابنها … لخصوم قل نظيرهم فيهم جرير والفرزدق … ومع ذلك بقي الأخطل ثابتاً لهذين الفحلين كما بقيا ثابتين له.
والأخطل الشاعر الفحل سيكون موضوع قطاف الموسوعة في العود القادم.

غسان منيف
09-08-2007, 11:29 AM
لقبته أمه دوبلاً فكان أخطلاً: إنها من قصص الرجال البارزين الذين صنعوا ألقابهم بأنفسهم، بل جعلوها ألقاباً يحاول الكثير تقلّدها…
والحديث هنا عن شاعر النقائض السليط اللسان أبو مالك غياث بن غوث بن الصلت الملقب بالأخطل، وهو في قطاف الموسوعة اليوم.

الأخطل
20 - 92 هـ640 - 710م)

أبو مالك غياث بن غوث بن الصلت، شاعر أموي فحل، وأحد شعراء النقائض البارزين، ينتمي إلى قبيلة تغلب، وهي قبيلة كثيرة العدد، منيعة الجانب كانت تنزل أراضي الجزيرة بين دجلة والفرات، ويدين أكثر أبنائها، ومنهم الأخطل، بالمسيحية. وقد غلب على الشاعر لقب «الأخطل» لسفاهته وسلاطة لسانه. ويقال إن أمه لقبته في صغره بدوبل، وهو الخنزير الصغير، وقد عيره جرير بهذا اللقب.

*** ولد الأخطل في ديار قومه بالجزيرة ، ونشأ فيها نشأة بدوية خالصة، وظهر ميله إلى قول الشعر، ولاسيما الهجاء. ثم اتصل ببعض أشراف قبيلة ربيعة في العراق ومدحهم. غير أن صيته لم يذع إلا بعد اتصاله بالبيت الأموي في دمشق. وقد استعان به يزيد بن معاوية في هجاء الأنصار، ليرد على تشبيب عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري برملة بنت معاوية أخت يزيد، فهجاهم بأبيات هجاء موجعاً ومنها قوله:

ذهبــــت قريش بالمكـــــارم والعلا
****واللـــؤم تحت عمائـــم الأنصـــــار

*** وثار الأنصار لهجاء الأخطل إياهم وشكاه سيدهم النعمان بن بشير إلى معاوية، فوعدهم بقطع لسانه، ولكن يزيد حال دون ذلك، وأصبح الأخطل بعدئذ نديماً ليزيد، يحضر مجالس لهوه وشرابه وينشده أماديحه. ولما مات يزيد رثاه الأخطل بقصيدة هي المرثية الوحيدة في ديوانه. وبعد وفاة يزيد واعتزال ابنه معاوية الثاني الحكم اضطرب أمر الأمويين، ونازعهم عبد الله بن الزبير الأمر، ووقفت قبيلة قيس إلى جانبه، في حين ناصرت اليمانية وأهل الشام بني أمية وبايعوا مروان بن الحكم. ونشبت بين الفريقين موقعة «مرج راهط» التي انتصر فيها بنو أمية واليمانية، فلجأت قيس مع زعيمها زفر بن الحارث إلى الشمال واستقرت قرب الخابور مجاورة لبني تغلب. وقد استقبل التغالبة القيسيين استقبالاً حسناً في بادئ الأمر، ولكن لما تحرش القيسية ببني تغلب، وكثرت غاراتهم عليهم ناصبتهم تغلب العداوة ووقعت بين القبيلتين وقائع كثيرة، تركت صداها في شعر شعراء القبيلتين.

*** وقد اشترك الأخطل في إحدى هذه الوقائع، وقتل أبوه، أو ابنه فيها، كما أسر الأخطل نفسه، ثم أطلق سراحه لأنهم ظنوه عبداً. وقد استطاع عبد الملك، آخر الأمر، أن يصلح ما بينهما، واحتمل ديات القتلى. وقد وقف جرير في جانب القيسية بعد أن وقعت العداوة بينه وبين الأخطل.

*** قرّب عبد الملك الأخطل، وأفاض عليه عطاياه لجودة مدائحه فيه وفي بني أمية. وانقطع الأخطل إلى بني أمية، وقال فيهم أجود مدائحه، وهجا أعداءهم، فمدح من خلفائهم، غير يزيد ابن معاوية، عبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك، ومدح من ولاتهم وأشرافهم بشر بن مروان وعبد الله بن أسيد، وكان مديحه لبني أمية من أجود ما قيل من الشعر السياسي في العصر الأموي. ومن أجود مدائحه فيهم رائيته «خف القطين» التي يقول فيها:**

حُشْدٌ على الحق عيّافو الخنى أُنُفٌ
*إذا ألمــت بهم مكروهــة صبــروا
شُمْــس العداوة حتى يســـتقاد لهـــم
وأعظــم الناس أحلامــاً إذا قــدروا

*** ولم يكتف الأخطل بمدح بني أمية، بل هجا أعداءهم حتى قويت دالته على الخليفة، وكان يستغل مدائحه في نصرة قومه بني تغلب، وتحريض بني أمية على القيسية أعداء قومه، وقال في ذلك شعراً كثيراً، منه قوله:

بـــني أميــــة إنــي نــــاصح لكـــم
** **فــــلا يبتــــنّ فيكـــــم آمنـــاً زفــــرُ

***** وفي عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك بقي الأخطل مناصراً للأمويين مادحاً للخليفة، ولكن خصوم الشاعر استطاعوا أن ينالوا منه لدى الخليفة الذي كان أكثر تديناً من أبيه واتصافاً بالتقوى وأقل رغبة في الشعر والأدب، وغدا نفوذ الأخطل ضئيلاً وكلامه غير مسموع مما اضطره إلى الابتعاد عن البلاط خوفاً من دسائس الوشاة.

*** توفي الأخطل في السنة الخامسة من خلافة الوليد بن عبد الملك، وقد بلغ السبعين، ولا تتوافر معلومات موثقة عن مكان وفاته، والأرجح أنه مات بين قومه في الجزيرة. وقد مات على دينه، ويظهر أن عبد الملك حاول ترغيب الشاعر في اعتناق الإسلام، إلا أن الأخطل كان يعتذر ويتخلص بلباقة. وظلَّ وفياً لدينه، وتحمّل في آخر حياته - من خشية الموت - رياضات الزهد والتوبة والندم، ولا يوجد لعقيدته الدينية في ديوانه إلا أثر ضئيل.

*** كان الأخطل مسرفاً في الشراب، وكان مرحاً، بارعاً في التهكم والهجاء، ولكنه كان عفيفاً يبتعد عن التبذل في القول،ويحافظ على عفة اللسان مع سلاطته.

*** وكان يتخلق بأخلاق البدو ويلبس أزياءهم، حتى في البلاط الأموي، وينفر من المدينة ويحن إلى الصحراء. وكان متعلقاً بأسرته، والراجح أنه تزوج في الجزيرة بامرأة من قومه هي أم مالك رزق منها أبناء كثيرين، ثم طلقها بعد أن اختلف معها وتزوج أخرى، ثم حن إليها، وكانت بعض الاجتهادات المسيحية تجيز الطلاق.

*** جمع الأخطل في شخصه صفات متفاوتة، فقد قرن الإقدام والجرأة إلى الدهاء والاطلاع الواسع، وكان قومه يأخذون برأيه، وكثيراً ما شفع لأفراد منهم لدى الخليفة، وكان إلى هذا يخضع للرؤساء الروحيين لدينه خضوع الطفل، كما خضع للأمويين، ولم يكن يعبأ بما يلقاه من سخط الناقمين عليه.

*** تناول الأخطل جميع الأغراض الشعرية المعروفة، وكان ينظم شعره في الإطار التقليدي للشعر العربي الخالص المتوارث عن الجاهليين، وقد تفوق في المديح، وارتقى به من المديح الفردي الذي عرف في الجاهلية، إلى الشعر السياسي الذي سخره لخدمة الخلافة الأموية وتأييدها والتنديد بخصومها.

*** وقد ساقه موقفه من بني أمية إلى هجاء خصومهم، وكان هجاؤه مزدوج الغاية يرمي به إلى الدفاع عن بني أمية، كما يرمي به إلى الدفاع عن نفسه وقومه.

*** وكان الأخطل قد دخل معركة النقائض بعد أن بلغ قمة شهرته، وانحاز إلى الفرزدق، فاتصل الهجاء بينه وبين جرير، ونكاية بالأخطل أخذ جرير يمدح قيس عيلان، فيرد عليه الأخطل بهجائه وهجاء قيس. وكان هجاء الأخطل هجومياً وموجعاً من غير فحش، يطعن بالقبيلة أكثر مما يطعن بالفرد المهجو.

*** وقد تفوق الأخطل بالموضوعات الخمرية، كما برع في وصف الطبيعة التي أحبها فوصف الفرات والفلوات والحمر الوحشية والأراقم، أما الفن الذي قصر فيه فهو الرثاء.

*** امتاز شعر الأخطل بالجزالة وطول النفس وسلامة التعبير وحسن السبك، وكان يحرص على تهذيب شعره وتنقيحه، ويروى أنه أقام سنة في نظم قصيدته «خفّ القطين»، وقد أجمع القدامى على أنه أحد الثلاثة المتفوقين في فنون الشعر في العصر الأموي، أما الآخرين فهما جرير والفرزدق، وكان يجري في شعره على سنن الشعراء الجاهليين.

*** للأخطل منزلة تاريخية إضافة إلى منزلته الأدبية، فقد كان، بسبب اتصاله بالبلاط الأموي وانقطاعه إلى الأمراء والخلفاء واشتراكه الفعلي في الأيام والمعارك التي خاضتها قبيلته، يمثل الواقع السياسي للحكم الأموي وتناحر الأحزاب واشتداد العصبية القبلية، حتى عُدّ شعره سجلاً حياً للعصر الأموي. ترك الأخطل كثيراً من القصائد، جمعها قديماً أبو سعيد السكري وضبطها ودونها في ديوان. وطبع الديوان في العصر الحديث عدة طبعات.

تلك كانت إضاءات الموسوعة العربية حول شعراء المناقضة الثلاثة الفحول: الفرزدق وجرير والأخطل.
شعراء ثلاثة فحول قدموا شعراً أبدَعَ في الأدب العربي وأفادَ التاريخ …
وأنتم يا أصدقائي شعراء «الساخر» في «أفياء»، هل فكرتم بمنهجة إبداعاتكم؟ فمع تقديري … لكن … يبقى السؤال.

*

النـاظر
11-08-2007, 01:31 PM
للرفع
رائـــــع أخي الكريم غســــــــــــان

غسان منيف
13-08-2007, 10:52 AM
الأخ الكـريم الناظر
الــرائع هــو مرورك الطيب
وتقبـــل تقـــــديري العــــالي

غسان منيف
13-08-2007, 10:59 AM
كم من فتى مؤمَّلِ- وسيّد شَمَرْدَلِ
وعُدّةٍ لا تجْهَلِ- في بطنِ بنتِ مهلهلِ

تلك كانت رؤيا المهلهل الذي أراد وأد ابنته، بيد أن هذه الرؤيا حفظتها من الوأد وجعلتها أعز نساء العرب، والحديث هنا عن ليلى بنت المهلهل أم عمرو بن كلثوم شاعر قطاف الموسوعة العربية اليوم.

لماذا ذكر أم عمرو في التقديم؟ … لأنها الحدث الأبرز في حياة ابنها حين عمد إلى قتل ملك المناذرة عمرو بن هند في ذروة الزود عن كرامة أمه وعزتها. وليس ثمة شك في أن معظم المتتبعين يعرف القصة، ولكن لا ضير من التذكير بها:

كان الملك عمر بن هند ملك المناذرة جالسا يوما مع ندمائه ، فقال لهم : هل تعلمون أحدا من العرب، تأنف أمه من خدمة أمي هند، قالوا نعم، أم عمرو بن كلثوم ليلى
قال ولم ؟ قالوا: لأن أباها مهلهل بن ربيعه وعمها كليب بن وائل، أعز العرب، وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب، وابنها عمرو سيد قومه تغلب، وكانت هند أم الملك هي عمة امرئ القيس الشاعر، وليلى هي أخت أمه أي خالته، فكان يربطهما هذا النسب، فأرسل عمرو بن هند الملك إلى عمرو بن كلثوم الشاعر يستزيره، ويسأله أن يزير أمه ليلى معه إلى أمه هند، فأقبل عمرو بن كلثوم من الجزيرة إلى الحيرة في جماعة من تغلب وأقبلت أمه ليلى في ظعن من بني تغلب، وأم عمرو بن هند برواقه، فضرب فيما بين الحيرة والفرات، وأرسل إلى وجوه العرب من مملكته، فحضروا، في وجوه بني تغلب، فدخل عمرو بن كلثوم على الملك عمرو في رواقه، ودخلت أمه وأم الملك في قبه من جانب الرواق، وكان عمرو بن هند أمر أمه أن تنحي الخدم إذا دعا بالطرف، وتستخدم ليلى، ودعا الملك عمرو بمائدة، ثم دعا بطرف، فقالت هند: ناوليني ياليلى ذلك الطبق، فقالت ليلى: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فأعادت عليها، فصاحت ليلى: واذلاه، يالتغلب!!! فسمعها ابنها عمرو، فثار الدم في وجهه، ونظر إليه عمرو بن هند الملك فعرف الشر في وجهه، فوثب عمرو بن كلثوم إلى سيف عمرو بن هند المعلق في الجدار، فضرب به رأس عمرو بن هند فقتله، ثم نادى عمرو في بني تغلب فانتهبوا مافي الرواق وساقوا نجائبه إلى الجزيرة، وجاشت حينها نفس عمرو بن كلثوم وحمى غضبه " فنظم معلقته المشهور يصف فيها حديثه مع ابن هند وشجاعته وعزته.
ومنها:
أبا هند فلا تعجل علينا ،،،، وأنظرنا نخبرك اليقينا
بأنا نورد الرايات بيضا ،،،،، ونصدرهن حمرا قد روينا
وأيام لنا غر طوال ،،،،،عصينا الملك فيها أن ندينا
متى ننقل إلى قوم رحانا ،،،،،يكونوا في اللقاء لها طحينا
ورثنا المجد قد علمت معد ،،،،،نطاعن دونه حتى يلينا
بأي مشيئة عمرو بن هند،،،،، نكون لقيلكم فيها قطينا
ألا لايعلم الأقوام أنا ،،،،، تضعضعنا وأنا قد ونينا
ألا لايجهلن أحد علينا ،،،،،فنجهل فوق جهل الجاهلينا
بأي مشيئة عمرو بن هند ،،،،، تطيع بنا الوشاة وتزدرينا
فإن قناتنا ياعمرو أعيت ،،،،،على الأعداء قبلك أن تلينا
ورثت مهلهلا والخير منه ،،،،، زهيرا نعم ذخر الذاخرينا
وعتابا وكلثوما جميعا ،،،،، بهم نلنا تراث الأكرمينا
ومنا قبله الساعي كليب ،،،،،فأي المجد إلا قد ولينا
ونحن الحاكمون إذا أطعنا ،،،،،ونحن العازمون إذا عصينا
ونحن التاركون لما سخطنا ،،،،، ونحن الآخذون لما رضينا
وأنا المانعون إذا أردنا ،،،،، وأنا النازلون بحيث شينا
وأن النازلون بكل ثغر ،،،،، يخاف النازلون به المنونا
ونشرب إن وردنا الماء صفوا ،،،،، ويشرب غيرنا كدرا وطينا
إذا بلغ الفطام لنا صبي ،،،،، تخر له الجبابر ساجدينا

لعل هذا التقديم لموضوع عمرو بن كلثوم طويل نسبياً، لكن الاستزادة تطلبت ذلك.


عَمرو بن كُلْثوم
(…/…)
عمرو بن كلثوم بن مالك بن عَتّاب، أبو الأسْوَد، وقيل: أبو عُمير وأبو عباد، التغلبي. شاعر جاهلي قديم معمَّر، يُعدّ من مشاهيرهم لِمَا ارتبط باسمه من أمور عظيمة؛ منها (المعلقة)، ومنها قتْلُه ملك الحيرة، وفروسيتُه، وغير ذلك. وهو شاعر قبيلة تغلب وسيّدها وفارسها. ينتمي إلى بيت عزٍّ وسيادةٍ وشِعر؛ فأبوه كلثوم كان «أفرس العرب»، وأمه ليلى بنت مهلهل بن ربيعة فارس حرب البسوس، وأخوه مُرّة قاتل المنذر بن النعمان، وابناه الأسود وعباد سيدان وشاعران. ولذلك قال عنه القدماء: «من قدماء الشعراء وأعزهم نفساً وحسباً وأكثرهم امتناعاً».
يصعب تحديد زمن ولادته بدقة، كما هي الحال عند جميع الشعراء الجاهليين، وثمة قصة تُروى حول ولادته وولادة أمه، إذ أراد أبوها مهلهل أن يقتلها لكرهه أن يكون له بنت، ثم رأى رؤيا تُنبئ أنْ سيكون من نسلها ولد يسود قومه، فأبقى عليها، ولما تزوجت رأت أيضاً رؤيا تؤكد رويا أبيها، فأنجبت عمراً الذي ساد قومه صغيراً.
كانت نشأة عمرو في بيت سيادة، فرُبّي على الأنفَة والعز والكرامة وطيب المحتد، مما خوّله أن يسود قومه صغيراً كما قيل. وتزوج ابنة ثوير بن هلال النمري، فقد أشار إليها في قوله:
بكَرَتْ تعذلني وسْط الحلال
سَفَهاً بنتُ ثوير بن هلال
وتذكر الأخبار أن له ثلاثة بنين: هم الأسود وعبد الله وعباد، وابنة اسمها نَوَار، وابنها شَبِيب بن جُعيل التغلبي الشاعر. ورث أبناء عمرو المجد والسيادة والشاعرية من أبيهم، واستمر عقبه بعد الإسلام، فمن أحفاده كلثوم بن عمرو العتابي الشاعر، ومالك بن طوق التغلبي الذي تُنسب إليه «رحبة مالك» في بلاد الشام قرب الرقة.
يُعدّ عمرو بن كلثوم من فرسان تغلب والعرب، حمل راية قومه في عدد من الأيام (المعارك) منها: يوم خَوّ على بني فزارة، ويوم وادي الأخرمين على بني صُدَاء من مَذْحِج، ويوم نَطاع على بني سعد من تميم، وهو الذي قتل ملك الحِيرة عمرو بن هند في القصة المشهورة، وإن هذه منزلته العظيمة جعلته لايمدح أحداً من الملوك، ولم يرضَ لقومه أن يكونوا تابعين لأحد، و«كانت الملوك تبعث إليه بحبائه وهو في منزله من غير أن يَفد إليها».
عاش عمرو زمناً طويلاً، وقيل إنه عاش مئة وخمسين عاماً، ويبدو أن هذا غير دقيق، ويُرجح أنه مات في أواخر القرن السادس للميلاد، ويذكرون أنه لما كبر ساد ابنُه الأسود قومَه؛ بعث أحد الملوك بحِباءين لعمرو ولابنه الأسود، فغضب وحلف ألا يذوق دسَما حتى يموت، فظل يشرب الخمر صِرفاً من غير طعام حتى مات.
وما من شك في أن عَمراً كان على الوثنية كمعظم الجاهليين، وحاول بعض الدارسين أن يجعلوه نصرانياً بلا دليل.
يُعدّ من فحول الشعراء الجاهليين، وإن لم يكن في المقدمة، ومع ذلك لم يكن مُكثراً من قول الشعر، وقد جُمع شعره قديماً إلا أنه لم يصل إلينا، ثم جُمع حديثاً وطُبع طبعات عدة، واحدة منها محققة تحقيقاً علمياً.
ولعل أهم ما في شعره قصيدته التي هي إحدى المعلقات السبع ومطلعها:
ألا هُبّي بصَحنِكِ فَاصْبَحِينا
ولا تُبقي خُمُورَ الأندريـنا
وقد ارتبطت هذه المعلقة بقصة قتْلِه عمرو بن هند، وثمة آراء في ذلك يمكن الرجوع إليها في المراجع. وقد حظي شعره بإعجاب القدماء، فقيل قديماً:«لله درّ ابن كلثوم أي حِلْس شعرٍ ووعاء علمٍ لو أنه رغب فيما رغب فيه أصحابُه ! وإن واحدته لأجود سبعتهم قصيدة»، وقال عنه الكُمَيت الشاعر:«عمرو بن كلثوم أشعر الناس».
ويندر غَرَضا المدحِ والغزل في شعره، ويشيع فيه الفخر والحماسة والتهديد والوعيد، من ذلك ما جاء في معلقته، وقوله أيضاً متوعداً ملك الغساسنة:
ألا فاعلم أبيتَ اللعن أنّا
على عَمْد سنأتي ما نريد
تعلّم أن مَحملنـا ثقيـلٌ
وأن زنادَ كَبَّـتنا شديـد
وأنّا ليس حيٌّ من مَعَـدّ
يوازينا إذا لُبس الحديـد
يتسم شعره بالسهولة والوضوح والبعد عن الغريب، وغلب عليه المقطعات، فليس في ديوانه قصيدة مكتملة إلا المعلقة، ولعل هذا مما يفسر سهولة شعره.
بقلم علي أبو زيد

«الولد سر أبية» هذه مقولة مشهورة يمكنني تحريفها في حال عمرو بن كلثوم إلى «الولد سر جده»،
أما عن ليلى بنت المهلهل فيمكن القول إن الوأد لم يفتك بها فكانت سبباً في الفتك بعشرات الرجال.
وأخيراً وليس آخراً تلك ابنة المهلهل وذلك حفيده، فهل ثمة دهشة في استمرار عمليات الفتك بالرجال؟!!

غسان منيف
16-08-2007, 01:23 PM
لم يكن في عوز ولا حاجة، بيد أن تمرداً في داخله قاده إلى التصعلك.
تمرد عروة بن الورد على النظام القبلي وتقاليده، و على التمييز الطبقي، وخلع من قبيلته ومن حمايتها التي كانت الحماية الوحيدة للإنسان عصرئذ، وانطلق إلى عمق الصحراء الموحشة بحصان وسيف وموهبة شعرية.
آثر عروة التصعلك والصعالكة فدافع عنهم وعن قضاياهم ومد لهم يد المساعدة حتى غدا سيد الصعاليك.
وعروة في قطاف الموسوعة اليوم.

عروة بن الورد
(… ــــ نحو03 ق.هـ/… ــــ 495م)
عروة بن الورد بن زيد بن عبد الله العبسي، شاعر جاهلي وفارس جواد صعلوك. يكنى أبا الصعاليك، وقيل أبو نَجْدة وأبو المُغلّس، وقيل «كانت كنيته في الحرب أبا عَبلة وفي السلم أباهراسة».
كان أبوه أحد سادة بني عبس في الجاهلية، ويبدو أن العبسيين صاروا يتشاءمون منه لأنه كان سبباً في اندلاع الحرب بينهم وبين بني فزارة. أما أمه فكانت من بني نَهْد.
نشأ عروة بين إخوته، وتشير الأخبار إلى أن أباه كان يُؤْثِر عليه أخاه الأكبر، وكان عروة يبدي امتعاضه من ذلك، ويشعر بالظلم، وهذا مما أثر في مجريات حياته، إذ مال إلى رعاية الفقراء واحتضانهم وتوزيع الأموال والغنائم عليهم، حتى صاروا يؤمّون بيته ويستجدونه قائلين: «يا أبا الصعاليك أغثنا»، وهذا ما جعل الباحثين والدارسين يعدّون عروة بن الورد من الصعاليك.
يتضح من شعره أنه كان يرى شيئاً من الضعة في نسبه من جهة أمه وأخواله، من ذلك قوله:
هُمُ عيّروني أنّ أمي غريبةٌ
وهل في كريمٍ ماجدٍ ما يُعيَّر
وقوله:
ما بيَ من عارٍ إخالُ علمتُه
سوى أن أخوالي إذا نُسبوا نَهد
ويبدو أنه كان يرى أن أباه أخطأ في زواجه من امرأة نهدية، وقد صرّح بذلك قائلاً:
لا تَلم شيخي فما أدري به
غيرَ أنْ شارك نهداً في النسب
كان في قيسٍ حسيباً ماجداً
فأتتْ نهدٌ على ذاك الحسب
شبّ عروة على حب الآخرين والعطف على الضعفاء والفقراء ورعايتهم، وكان كريماًجواداً نبيلَ الأخلاق، وفارساً من فرسان بني عبس المعدودين، أعجبت سيرتُه القدماء فأكثروا من الثناء عليه ورغّبوا الناس في الاقتداء بها، فقالوا: «من زعم أن حاتماً أسمحُ الناس فقد ظلم عروة بن الورد»، وكان معاوية بن أبي سفيان يقول: «لو كان لعروة بن الورد ولدٌ لأحببت أن أتزوج إليهم».
كان عروة ينفق أمواله على الفقراء، ولما نفِد ما عنده صار يجمعهم ويغزو بهم ثم يوزع الغنائم عليهم، ولذلك كان له موقف واضح من الصعاليك؛ إذ كان يحب الأقوياء المقدامين منهم، ويكره الضعفاء الخانعين، وعبّر عن ذلك في شعره قائلاً:
لحى اللهُ صعلوكاً إذا جنَّ ليلُه
مُصافي المُشاشِ آلفاً كلَّ مَجْزَرِ
قليلَ التماسِ الزادِ إلا لنفسه
إذا هو أمسى كالعَريْش المُجَوَّر
ولكنّ صعلوكاً صحيفةُ وجهه
كضوء شهابِ القابِس المتنوّر
مطلاً على أعدائه يزجرونه
بساحتهم زجْرَ المَنِيحِ المُشَهَّر
فذلك إنْ يلقَ المنيةَ يلقَها
حميداً وإنْ يَستغنِ يوماً فأجْدِر
(مصافي المشاش: ملازماً أكلَ بقايا اللحم على العظام، والعريش المجور: الخيمة الساقطة، المنيح: السهم الخاسر من سهام القمار، وهو مكروه).
وتتضح في شعره معالم أخلاقه والقيم التي كان قد ندب نفسه من أجلها، فهو معطاء بلاحدود، يقول:
أقَسّم جسمي في جسومٍ كثيرةٍ
وأحسو قَراحَ الماءِ والماءُ باردُ
وكان يرى أن مصير الإنسان أن يدبّ على العصا، وأن يموت، فالأجل محتوم، ولذلك عليه أن يسعى إلى كسب المحامد والذكر الحسن وألا يخاف الموت:
أليس ورائي أنْ أدبَّ على العصا
فيأمنَ أعدائي ويسأمنني أهلي
وكان كثير الغزو، فحصل على بعض السبايا، وتزوج من امرأة اسمها سُليمى، ويبدو أنها كانت تلومه على كثرة أسفاره وغزواته، وكان لايستمع إلى نصحها، كقوله:
ذريني للغنى أسعى فإني
رأيتُ الناسَ شرُّهُمُ الفقيرُ
وقوله:
أقلّي عليَّ اللومَ يا بنتَ منذرٍ
ونامي وإنْ لم تشتهي النومَ فاسهري
ذريني ونفسي أمَّ حسانَ إنني
بها قبلَ ألا أملكَ البيعَ مشتري
أحاديثَ تبقى والفتى غيرُ خالد
إذا هو أمسى هامةً فوق صَيّر
(الصير: حجارة)
كثر في شعر عروة الحديث عن السعي والعمل والطموح، وتضمن كثيراً من الحكم التي تنمّي القيم والمبادئ والفروسية، كقوله:
ما بالثراء يسودُ كلُّ مُسَوَّد
مُثْرٍ ولكنْ بالفعال يسود
جُمع شعره، وشرحه القدماء، وطُبع حديثاً عدة طبعات آخرها بتحقيق محمد فؤاد نعناع.
بقلم علي أبو زيد

يقول التقليديون إن عروة وأمثاله ليسوا سوى قطاع طرق، متعمدين تشويههم والنيل منهم.
والرأي أن عروة وأمثاله من الشعراء الصعاليك أصحاب قضية: قضية رأي وقضية إنسان، وقد التزموا قضيتهم فقاتلوا من أجلها غير مكترثين لغضب قبيلتهم أو ذويهم.
وأقول للتقليديين: هل ثمة عروة بينكم؟ بل هل ثمة من يتحلى بأخلاق عروة وصفاته النبيلة؟ وهل ثمة من يرد الاعتبار لعروة ولأمثاله من شعراء الصعاليك؟

داليا الهواري
19-08-2007, 06:13 AM
بصراحة الموضوع ثري و يستحق التثبيت..

غسان منيف
19-08-2007, 11:20 AM
المشرفة داليا المحترمة وبقية مشرفي »الساخر«
أشكر لكم ثقتكم وأتمنى أن أكون في مستواها
وتقبلوا فائق الاحترام والتقدير

غسان منيف
19-08-2007, 11:26 AM
أن تستيقظ صباحاً وقد تملكك شعور بالغضب من كل ما يحيط بك فذلك أمر يحدث أحياناً، إذ تجد نفسك غاضباً من كل شيء: من الاستيقاظ ومن جدران غرفتك ومن كل ما قد يصادفك بمن فيهم الأبوين والأشقاء وزملاء العمل، كل ذلك وأنت لا تعرف سبباً لغضبك، وقد لا يذهب شعور الغضب إلا مع ذهاب ضوء النهار وربما أبعد من ذلك.
الغضب شعور آني قد يعتورك ويعتورني، أما الشعور بالغضب الدائم فلا يعتورإلا الحطيئة، والحطيئة كان دائم السخط والغضب حتى إنه هجا أمه وأبيه وهجا نفسه. ولا غرو في ذلك فكل ما كان يحيط به أثار سخطه وغضبه بما في ذلك لقبه »الحطيئة« الذي يعني »الرجل الدميم القصير، وليس أدل على نقمته وغضبه من عبارة »لا أحد ألأم من حطيئة« التي أوصى بتعليقها على كفنه.
ومع كل هذا كان الحطيئة شاعراً فحلاً شهد له كثيرون، وهو في قطاف الموسوعة العربية اليوم.

الحطيئة
(… ـــ نحو 45هـــ/ … ـــ نحو 665م)
أبو مُلَيكة، جَرْول بن أوس، يُلَزُّ في بني عَبْس، من غَطَفان، ولم ينبُت فيهم، مُتَدافعٌ نسبُهُ بين قبائل العرب، لا يتورّع إذا أغضبته واحدةٌ منها أن يضرِب بنسبه إلى أخرى من دون سبب، لُقِّب بالحطيئة لقِصَره وقُربه منَ الأرض، شاعرٌ مخضرمٌ أدرك الجاهليّة وسلخ فيها دهرًا، والإسلامَ فأسلم ثمّ ارتدّ، ثمّ آب رقيقَ الدِّين، ذا شرٍّ وسَفَهٍ، لم يَحْسُن إسلامه، ولم تُحمد سيرته، يُعدّ في فحول الشّعراء ومتقدِّميهم وفصحائهم.
ارتدّ مع مُرتدِّي العرب، وخاض خَوضَهم فناصرهم بلسانه، وشدّ أسرهم بقوافيه، من ذلك قوله يحرّضهم على قتال المسلمين من كلمةٍ له:
أَلا كلُّ أَرْماحٍ قِصارٍ أَذِلَّةٍ
فِداءٌ لأَرْماحٍ رُكِزْنَ على الغَمْرِ
أَطَعْنا رسولَ اللهِ إِذْ كانَ صادقًا
فيا عَجَبًا ما بالُ أبي بَكْرِ
لِيُورِثَنا بَكْرًا إذا مات بَعْدَهُ
فتِلْكَ ـــ وبيتِ الله ـــ قاصِمَةُ الظَّهْرِ
كان هجّاءً فحّاشًا خوّاضًا في أعراض الخَلْق، لم يَكَدْ ينجو من لسانه أحد، إذ هجا أمّه وأباه وزوجه ونفسه، بأقْذَع الهجاء وأَمَضِّه، من ذلك قوله يهجو أمّه:
أَلَمْ أُوْضِحْ لكِ البغضاءَ منِّي
ولكنْ لا إِخالُكِ تفهمينا
حياتُكِ، ما عَلِمْتُ، حياةُ سوءٍ
وموتُكِ قد يَسُرُّ الصّالِحِيْنا
وقال يهجو امرأته:
أُطَوِّفُ ما اُطَوِّفُ ثمّ آوِي
إلى بيتٍ قَعِيْدَتُهُ لَكاعِ
وهَجا نفسه هجاءً لا يخلو من تَنَدُّرٍ وتَفَكُّهٍ، وذلك بعد أن سعى إلى التماسِ إنسانٍ يهجوه فلم يُصِبْهُ، وشقّ ذلك عليه، فقال بعد أنِ اطَّلَع على وجهه في حوضِ ماء فرأى قُبحه:
أَبَتْ شَفَتايَ اليومَ إلاّ تَكَلُّمًا
بِشَرٍّ فما أدري لِمَنْ أنا قائلُهْ
أَرى ليَ وجهًا شَوَّهَ اللهُ خَلْقَهُ
فَقُبِّحَ مِنْ وَجْهٍ وقُبِّحَ حامِلُهْ
جاور الحطيئة الزِّبْرقانَ بن بدر، فلم يَحْمَد جواره، وتحوَّل عنه إلى بَغِيْض بن عامر، أحد بني أَنْف النّاقة، وخاض في عِرض الزِّبْرِقان وتَمَرَّغ فيه حتّى استعدى الزِّبْرقانُ عليه عمرَ بن الخطّاب، رضي الله عنه، وأنشده قول الحطيئة من أبياتٍ له:
دَعِ المكارمَ لا ترحلْ لبُغيتِها
واقْعُدْ فإنّك أنت الطّاعِمُ الكاسِي
فألقاه عمر في حفرةٍ اتَّخذها مَحْبِسًا، فقال الحطيئة يستعطفه ويُحَنِّنه على صِبيته:
ماذا تقولُ لأَفْراخٍ بذي مَرَخٍ
حُمْرِ الحواصلِ لا ماءٌ ولا شَجَرُ؟
غَيَّبْتَ كاسِبَهم في قَعْرِ مُظْلِمَةٍ
فاغْفِرْ، عليك سلامُ الله، يا عُمَرُ
فرَقَّ له عمر وخلّى سبيله، بعد أنِ اشترى منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم، وأخذ عليه ألاّ يهجو أحدًا منهم بعدئذٍ، فوفى الحطيئة بعهده حياةَ عمر، ثمّ انتكس بعد رحيله، وعاد إلى سالف إِلْفِه.
ممّا يُستجاد له في المدح قوله:
مَتى تَأْتِه تَعْشُو إلى ضوءِ نارِهِ
تَجِدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ مُوْقِدِ
وقد ذهب نفرٌ إلى أنّه أمدح بيتٍ قالته العرب.
وقوله في بني جعفر بن قُرِيع، المعروفين ببني أنف النّاقة:
قومٌ همُ الأَنْفُ والأَذْنابُ غيرُهم
ومَنْ يُسَوِّي بأَنْفِ النّاقةِ الذَّنَبا ؟!
وكانوا يُعَيَّرون بهذا الاسم، ويفرّون منه فيدخلون في بني عمومتهم، فلمّا قال الحطيئة هذا البيت صار مَدْحًا لهم، يفتخرون به.
وله في الحكمة ما لا يُلفى فيه مَطْعَنٌ، ولا قالتِ العرب أصدقَ منه، هو قوله:
مَنْ يفعلِ الخيرَ لا يَعْدمْ جَوازِيَهُ
لا يذهبُ العُرْفُ بين الله والنّاسِ
تصرّف الحطيئة في جميع فنون الشّعر مديحًا وهجاءً وفخرًا ونَسِيبًا، وأجاد في ذلك أجمع، وما انتهى إلينا من شعره يغلب عليه المديح، على شهرة قوافي الهجاء وذُيوعها.
امتاز شعره بقوّة المتن، وشدّة الأَسْر، وطول النَّفَس، مع تعشّق الرّجل القافيةَ الشّرود، التي لا تُناخ لأوّل من يدنو فتُرْكب، بل تَعْلَق من يعاني في تَطْلابها، ويَنْصب في إعرابها، ويطرب لافتراعها، وفي ذلك يقوله:
إذا ارتْقَى فيه الّذي لا يَعْلَمُهْ
الشِّعْرُ صَعْبٌ وطويلٌ سُلَّمُهْ
يُرِيْدُ أَنْ يُعْرِبَهُ فَيُعْجِمُهْ
زَلَّتْ بِهِ إلى الحَضِيْضِ قَدَمُهْ
أبرز السّمات في معاني شعره مشاكلةُ قصائد المديح لنظائرها في شعر غيره، وقلّة حَوْك قصائد الهجاء وتَثقيفها وتَنَخُّلها، واكْتِظاظ النّعوت في الوصف ولا سيّما وصف النّساء الشّوابّ، إذ يعِجّ بالألفاظ التي تنمّ على مواطن الفتنة والشّهوة والأَسْر فيهنّ. قضى الحطيئة غيرَ جازعٍ ولا أَسِفٍ على هَجْوه النّاسَ، بل جزِع بأَخَرَةٍ على المديح الجيِّد يُمدَح به مَنْ ليس له أهلاً.
بقلم مُقْبِل التّامّ عامر الأحمديّ

وهكذا تلحظ يا صديقي أن لشخصية الحطيئة جانبين: سالب وموجب، فأيهما تفضل؟ وكيف تختار لتقيّم هذا الشاعر.
»وفي الدنيا من يسخر منها«؛ ذلك هو شعار موقع الساخر.
والسؤال: ماذا لو أن الحطيئة عضو في هذا المنتدى … وما لقب العضوية الذي كان سيحوزه؟

غسان منيف
26-08-2007, 10:22 AM
كان الجدل المتعلق بالمرأة العربية وشخصيتها، ومازال، متاهة متشعبة مربكة؛ هذا ما نلمسه اليوم، بيد أن نظرة خطف إلى الوراء قد تفتح أمامنا ممراً نسلكه للخروج من تلك المتاهة.
والحقيقة أن الشواهد على تميز المرأة في بلادنا العربية كثيرة: فثمة امرأة صنعت تاريخاً، وثمة أخرى سجلت انتصارات، وثمة من تفوقت على رجالات عصرها …
ومن هنا لزم التطرق لبعض الأمثلة التي برزت عالياً في تاريخنا والتصقت بذاكرة الأمة ووجدانها.
ويلح علي، قبل تقديم «الزباء» في قطاف الموسوعة اليوم، رفع تحية عالية إلى كل امرأة عربية تحيك بيديها مستقبلاً وتسهم في تسجيل تاريخاً.

الزبّاء
(… ـــ 358ق.هـ/ … 285م)
الزباء واسمها عند الإخباريين والرواة نائلة بنت عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر العمليقي من العماليق، وزعموا أن لها أختاً اسمها زبيبة ، بنت لها الزبّاء قصراً حصيناً على شاطىء الفرات الغربي.
وعمرو بن الظرب كما يذكر الإخباريون كان ملكاً على الجزيرة ومشارف الشام (مملكة حضر)، قتله جذيمة الوضاح (الأبرش) (قتل نحو 366ق،هـ/ 268م) ثالث ملوك الدولة التنوخية في العراق، اجتمع له ملك مابين الحيرة والأنبار والرقة وعين التمر، وطمح إلى امتلاك مشارف الشام وأرض الجزيرة، فغزاها وحارب ملكها عمرو بن الظرب فقتله ونهب بلاده وانصرف، فقامت بملك عمرو من بعده، ابنته الزبّاء التي أجمعت رأيها عندما استحكم لها الملك للأخذ بثأر أبيها، وغزو جذيمة الأبرش واستعدت لذلك، ولكن أختها زبيبة نصحتها بترك الحرب لأن عواقبها غير مضمونة وأقنعتها باستخدام الدهاء لاجتذابه إليها، فاستجابت لنصيحتها وعمدت إلى المكر والحيلة، فراسلته قائلة: «إني لم أجد ملك النساء إلا قبحاً في السماع وضعفاً في السلطان، وإني لم أجد لملكي موضعاً، ولالنفسي كفئاً غيرك فأقبل إلي لأجمع ملكي إلى ملكك وأصل بلادي ببلادك وتقلد أمري مع أمرك». فلما انتهى كتاب الزبّاء إلى جذيمة، وقدم عليه رسلها، رغب فيما أطمعته فيه، وجمع أهل الرأي من ثقات أصحابه واستشارهم في أمره، فأجمع رأيهم على أن يسير إليها ويستولي على ملكها، ولم يخالفهم فيما أشاروا به عليه سوى قصير بن سعد بن عمر اللخمي، وكان حازماً، أثيراً عند جذيمة الذي نصحه أن يكتب إليها، فإن كانت صادقة فلتقبل إليه، وألاّ يمكنها من نفسه، فلم يوافق جذيمة بما أشار به عليه قصير.
استخلف جذيمة ابن أخته عمرو بن عدي على ملكه وسلطانه، وسار في وجوه أصحابه، فأخذ على الفرات من الجانب الغربي، فلما نزل الفُرضة استقبلته رسل الزباء بالهدايا والألطاف فقال: «ياقصير كيف ترى» قال: «خطب يسير في خطب كبير» فذهبت مثلاً، وأحاطت الخيول بجذيمة حتى أُدخل على الزباء فقتلته، وفرّ قصير عائداً إلى قومه.
وقام عمرو بن عدي ابن أخته يريد الانتقام ،فرآها أمنع من عقاب الجوّ ، فسير إليها قصير بن سعد اللخميّ بعد أن جدع أنفه ، وأثر آثاراً في ظهره مدعياً أنه مضطهد ممقوت لتهمةٍ نسبت إليه، وهي لا تعلم ما يُخفي لها، ثم طلب منها أن يعود إلى بلده ليعود بأمواله، ونفائس ما لديه، فسمحت له، وأعطته تجارة لتصريفها هناك، فباعها وعاد بأرباح طائلة، وبأموال كثيرة، فزادت ثقتها به، وتكررت الحال حتى إذا ما وثق من اطمئنانها إليه، عاد في المرة الأخيرة برجالٍ أشداء من بني قومه ومعهم عمرو بن عدي، وضعهم في جوالق كبيرة، فلمّا توسطوا المدينة، أُنزلت الجوالق وخرج الرجال منها، فوضعوا سيوفهم في رقاب أهلها، فلما رأت الزّبّاء ذلك أرادت الهرب من نفق حفرته لمثل هذه الأيّام وكانت قد أطلعت قصيراً عليه، فوضع عمرو بن عدي على بابه، فلما رأته الزباء، مصت السم الذي كان في خاتمها، وقتلت نفسها قائلة: «بيدي لابيدك ياعمرو»، وتلقّاها عمرو بن عديّ بالسيف فجللها به، وقتلها، وغنم كثيراً، وانكفأ راجعاً إلى العراق، والقصة مملوءة بعنصر الخرافة وليس فيها ما يؤكّد الحقيقة. سُردت قصة الزباء وجذيمة وقصير المطالب بالثأر في شعر ينسب إلى عدي بن زيد العِبادي (ت نحو 35 ق،هـ/ 590م) جاء فيه:
ألا أيها الملك المرجى
ألم تسمع بخطب الأولينا
دعا بالبـقَّة الأمراء يوما
جذيمة عصر ينجوهم ثبينا
فطاوع أمرهم وعصى قصيرا
وكان يقول لو تبع اليقينـا
ثم يستمر في نظم القصة شعراً حتى تنتهي. وقد ختمت بنصح للإنسان ليتعظ بالحوادث والمنايا التي لا تعرف أحداً مهما كانت درجته ومنزلته إلا أخذته ثم صيرته أثراً بعد حين.
بقلم شكران خربوطلي

تلك هي الزباء:امرأة عربية وجدت عالمها يضع نفسه بين يديها عن غير قصد، امرأة هبت رياحها فاغتنمتها كما يجب.

«بيدي لا بيدك يا عمرو»: وهكذا عمدت الزباء إلى قلب ظهر المجن، فحوّلت هزيمتها إلى نصر … كان نصراً مؤزراً رد كيد أعدائها إلى نحورهم وما شفوا غلاً …
عاشت الزباء ملكة وقضت حرة.

غسان منيف
28-08-2007, 11:24 AM
ووقفة بارزة أخرى مع المرأة العربية.
ويستمر التاريخ في السرد، ونستمر نبحث عن أمثولاته.
إن سألت فرنسياً تقديم مثال بارز عن النساء في بلاده فقد يجيب «جان دارك»، وإن سألت اسكوتلندياً فقد يجيب «ماري ستيوارت»، وإن سألت عربياً ففد يجيب قبل أن تنهي سؤالك «الخنساء».

في قصة «جان دارك» خيال وأسطورة، وفي قصة «ماري ستيوارت» رائحة مكائد ودسائس، أما قصة «خنساء العرب» فأمثولة تُحتذى وواقع يُعتد به.

وليس ثمة شك في أن تقديم موضوع «الخنساء» مدعاة فخر لقطاف الموسوعة اليوم.

الخَنْساء
(... ـ 24هـ/ ... ـ 645م)
أَمُّ عمرو، تُماضِر بنت عمرو بن الحارث بن الشَّرِيْد، من بني رِياح، ثمّ من بني سُلَيْم؛ لُقِّبَت بالخَنْساء؛ والخَنَسُ: قِصَرُ الأَنْفِ وتأَخُّرُه مع ارتفاعٍ قليلٍ في أَرْنَبَتِه، يكون في بَقَر الوَحْش والظِّباء فيَزِيْنها، غَلَب عليها هذا اللَّقَب، وأَخْمَل اسمها، فلا تُعْرف إلاَّ به. أَشْعَرُ شَواعِر العرب في الجاهليّة والإسلام، وأَجْودُهنّ وأَبْيَنُهنّ وأَشْهَرُهنّ، وأَطْوَلُهنّ بُكاءً على أَخٍ، وأَسْخَنُهُنّ دَمْعَةً. عاشت في الجاهليّة أَمْثَلَ شَطْري حياتها وأَطْولَهما، ثمّ أَدْرَكتِ الإِسلام فأَسْلَمت، وحَسُن إسلامها، ولمّا وَفَدتْ مع قومها، من بَني سُلَيْم، على النَّبيّ (صلى الله عليه وسلّم)، اسْتَنْشَدَها شِعْرها فَأَعْجبه، فكان يَسْتَزيْدها قائلاً: هِيْه يا خَنْساء !
خطبها دريد بن الصمة، وطلبِها حَلِيْلَةً له، فصَدَّتْه، وقالت: أَتُرانِي تارِكَةً بَني عَمِّي كَأَنَّهُم عَوالي الرِّماحِ، ومُرْتَثَّةً (الرَّثّ: البالي من كلِّ شيء) شيخَ بني جُشَم !
وقد كان للخَنْساء من بني عَمِّها ما أَرادت؛ إذْ خطبها رَواحةُ بن عبد العُزَّى السُّلَمِيّ فتزوّجها، وأَوْلَدها أَبَا شَجَرة، ثمّ خَلَف عليها مِرداس بن أبي عامر السُّلَمِيّ، فَأَوْلدها بَنِيْنَ عدَّة، منهم: زيد ومعاوية وعمرو وعبّاس ويزيد وعَمْرَة.
شهدت سوق عُكاظ، الّذي كان يأتيه الشّعراء فيَعْرِضُون فيه أشعارهم على النّابغة الذُّبيانيّ، وهو في قُبَّةٍ حمراءَ كانت تُضْرَبُ له، فزاحَمَت من حَضَرها من الشّعراء، ودافَعَتْهم على التّقدُّم، وقال لها النّابغة مَرّة، وكان قد أَنْشَده الأَعْشى وحسّان بن ثابت : واللهِ لولا أَنَّ أبا بصير (يعنى الأعشى) أنشدني آنِفًا، لقُلْتُ: إِنَّكِ أَشْعرُ الجِنِّ والإِنْس. وقال لها أيضًا: واللهِ ما رَأَيتُ ذاتَ مَثانةٍ أَشْعَرَ مِنْك !
كانت الخَنْساء أوّل أمرها تقول البيتين والثّلاثة، فلما قُتل أخواها انْثال الشّعر على لسانها، وفُتِحَتْ لها أبوابه، فبَزَّت سائر النّساء المَوتورات في الجاهليّة والإسلام، وخَصّتها رَبَّاتُ الشّعر والبيان بفيضٍ من معاني الرّثاء وأَلْفاظه، فأخذت تُشَقِّق معانيه، وتَفْتَنُّ في سَبْك ألفاظه، ومن رائقِ شعرها وأجملِه، وأَوقَعِه في النّفس، ممّا سَبَقَتْ إليه، قولها ترثي صخرًا :
وإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ
كَأَنَّه عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
وإِنَّ صَخْرًا لَوالِيْنا وسَيِّدُنا
وإِنَّ صَخْرًا إِذا نَشْتُو لَنَحَّارُ
وقولها فيه :
يُذَكِّرُنِي طُلُوعُ الشَّمْسِ صَخْرًا
وأَذْكُرُهُ لِكُلِّ غُرُوبِ شَمْسِ
وما يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي ولَكِنْ
أُعَزِّي النَّفْسَ عَنه بالتَّأَسِّي
وقولها في معاوية :
أَلا ما لِعَيْنَيْكَ أَمْ ما لها ؟
لَقَدْ أَخْضَلَ الدَّمْعُ سِرْبالَها
أَبَعْدَ ابنِ عَمْرٍو مِنَ آلِ الشَّرِيْـ
ـدِ حَلَّتِ الأَرْضُ أَثْقالَها ؟
وقولها فيه :
أَلا لا أَرَى فِي النَّاسِ مِثْلَ مُعاوِيَهْ
إذا طَرَقَتْ إِحْدَى اللَّيالِي بِداهِيَهْ
شهدتِ القادسيّةَ في أربعةٍ من بَنِيْها، فأوصَتْهم بالصَّبر والثَّبات والرِّباط، وذَكّرتهم بما أَعَدَّ الله للمُجاهدين في سبيله من عظيم الثّواب، وحُسْن المآب، وقالت لهم: اغْدوا إلى قتال عدوّكم مُسْتَبْصِرين، وبالله على أعدائه مُسْتَنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شَمَّرَت عن ساقها (أي اشتدَّت واضطَرَبت)، فتَيَمَّمُوا وطِيْسَها (أي شِدَّة الضِّراب فيها)، تَظْفَروا بالغُنْم والكَرامَة في الخُلْد والمَقامة. فقاتل بَنُوها يومئذٍ العَدوّ قتالاً شديدًا أَوْرَثَهم الشّهادة جميعاً، ولمّا بلغها خبرُهم، قالت: الحَمد لله الّذي شَرَّفَني بقتلهم، وأرجو من ربّي أنْ يجمعَني بهم في مُسْتَقَرّ رحمته. وكان عمر بن الخطّاب يُجْري عليها أرزاق بَنِيْها الأربعة حتّى قُبِض.
عاشت في الإسلام حتّى أوّل خلافة عثمان بن عفّان وتُوفِّيت مُورِّثَةً ابنيها عبّاسَ بن مرداس وعَمْرةَ شعرها، مُخْتَصَّةً ابنتها عَمْرة بالرّثاء والبُكاء، فَرَثَتْ أخويها يزيد بن مرداس الّذي قتله هارون بن النّعمان بن الأَسْلت، وعبّاسا الشّاعر الّذي مات بالشّام، بمراثٍ مَشْهودةٍ مشهورة، ما أَشْبَهَها بحديث أُمّها في صخرٍ ومعاوية.
اشْتُهرت الخَنْساء ببَكَّاءة بني سُليم، وما وصل من شِعرها يُعين على تقبّلِ هذه التّسمية؛ إِذْ جُلّ قوافيها يَرْشح بالرّثاء المُوجِع، والبُكاء الحارّ، والدّموع البوادر، ولا سيّما المُتَحدِّرةِ منها على صخرٍ؛ لجُوده وبَذله وحلمه، ونظر إليها عمر بن الخطّاب، وبها نُدوبٌ في وجهها، فقال: ما هذه النُّدوب يا خنساء ؟ قالت من طول البكاء على أخَويّ؛ قال لها: أخواك في النّار؛ قالت: ذلك أطْولُ لِحُزْني عليهما.
عدّها ابن سلاّم في طبقة أصحاب المراثي، وجعلها تِلْوَ مُتَمِّم بن نُويرة أَوّلِ أربعة شعراء في هذا الطّبقة، وذهب بعضهم إلى أنّه لم تَقُلِ امرأةٌ شعرًا قطّ إلا تَبَيَّنَ الضّعف فيه إلاّ الخنساء. وقال عنها المُبَرِّد: كانت الخَنساء وليلى بائِنَتَيْن في أشعارهما، مُتقدِّمتين لأكثر الفُحُول، ورُبَّ امرأةٍ تتقدّم في صناعةٍ، وقلّ ما يكون ذلك.
وقِيْلَ لجرير: مَنْ أَشْعَرُ النّاس ؟ قال: أنا لولا الخنساء. قِيْلَ: لِمَ فَضَلَتك ؟ قال: لقولها:
إِنَّ الزَّمانَ، وما يَفْنَى لَهُ عَجَبٌ،
أَبْقَى لَنا ذَنَبًا، واسْتُؤْصِلَ الرَّاسُ
إِنَّ الجَدِيْدَيْنِ فِي طُولِ اخْتِلافِهِما
لا يَفْسُدانِ، ولَكِنْ يَفْسُدُ النَّاسُ
وهَبَتِ الخَنْساءُ شعرَها للرّثاء خاصّة، وأكثر قوافيها المَوقوف عليها في رثاء أخويها، ولم تخرج من الرّثاء إلى غيره من موضوعات الشّعر، إلا قليلاً، في الفخر بأبيها وأخويها، ورهطها بني سُلَيم.
امتاز شعرها بجَزالة اللَّفظ، ومَتانة التّركيب، في حُسْنِ تأَتٍّ وجَودةِ سَبْك، مع وضوحٍ في المعنى، وسهولة في العبارة، مَشْفُوعَيْن بطَبْعٍ فُطِرت عليه، أبعدَها من التّكلّف والتّصنّع، وقَرّبها من نَثْلِ الشّعر على السَّجِيّة، وممّا يُسْتَمْلَح من شعرها قولها، من بائيَّتها العالية:
يا عَيْن ما لَكِ لا تَبْكِيْنَ تَسْكابا ؟
إِذْ رابَ دَهْرٌ وكانَ الدَّهْرُ رَيَّابا
فابْكِي أَخاكِ لأيْتامٍ وأَرْمَلَةٍ
وابْكِي أَخاكِ إِذا جاوَرْتِ أَجْنابا
لها ديوان شِعر مطبوع، جُمِع فيه ما أبقتْ عوادي الدّهر من قوافيها، ونُشِرَ نَشراتٍ عدَّة.
بقلم مُقْبِل التَّامّ عامر الأَحْمَدِي

تجمعت دموع الخنساء الأخت سحابة انهمرت فوق تراب مجثى أخويها فأينع.
وهامت عاطفة الخنساء الأم جياشة تحتضن أولادها الشهداء مع حضن جنان الخلد.
وتظل قوافي الخنساء الشاعرة مَعيناً لا ينضب تمتح منه كل موهبة شعرية.

ويلّح قطافنا اللاحق على تقديم مي زيادة.

غسان منيف
30-08-2007, 11:23 AM
وأديبة عربية من الزمن الجميل: زمن عمالقة الأدب العربي وعمدائه … زمن طه حسين والعقاد … زمن جبران ومطران … زمن شوقي والزيات.
في هكذا زمن حملت مي زيادة قلمها مفتاحاً دخلت بوساطته ردهات الأدباء العمالقة وسوّت لنفسها مجلساً هناك.
استطاعت مي زيادة أن تكون واحدة من رواد ذلك الزمن الجميل الذي أسس دعائم ثابتة لأدب خلّاق.
ومي الأديبة العربية البارزة في قطاف الموسوعة اليوم.

زيادة (مي ـــ)
(1303 ـــ 1360هـ/1886 ـــ 1941م)
ماري زيادة، التي نحتت من الحرفين الأول والأخير من اسمها اسم «ميّ» وعُرفت وشُهرت به لاحقاً، هي الأديبة العربية ذات الباع الأطول والمؤثر الأكبر في أدباء النصف الأول من القرن العشرين. ولدت في مدينة الناصرة في فلسطين من أم فلسطينية هي نزهة خليل معمّر وأب لبناني هو الياس زخور زيادة الذي نزح من كسروان إلى الناصرة وامتهن التدريس في مدارسها. كانت ميّ وحيدة أبويها وتعلمت في مدرسة للراهبات وأنهت الدراسة الابتدائية عام 1899 فصحبها والداها إلى لبنان للتعرف على أهلها فيه. ثم دخلت القسم الداخلي من مدرسة الراهبات في بلدة عين طورة وتخرجت فيها عام 1905، وبدأت تكتب الشعر باللغة الفرنسية. بعد رجوعها إلى الناصرة استمرت بكتابة الشعر وتعلمت اللغتين الإنكليزية والألمانية والعزف على العود بعد أن كانت قد تعلمت العزف على البيانو أثناء دراستها. بعد سنتين انتقلت ميّ إلى القاهرة حيث عمل والدها في الصحافة، ودرّست الفرنسية والألمانية لبنات إدريس راغب صاحب جريدة «المحروسة» الذي كلف أباها رئاسة تحريرها، ثم تنازل عن ملكيتها لـه، مما فتح أمامه باب رزق كبير وأتاح لابنته التعرف إلى زملائه من صحفيين وكتّاب فقوي ميلها إلى اللغة العربية.
أقيمت في عام 1911 في القاهرة حفلة تكريم لشاعر القطرين خليل مطران، حضرها الخديوي وكبار الكتّاب والشعراء، أمثال طه حسين وأحمد لطفي السيّد وإسماعيل صبري فدعاها سليم سركيس صاحب مجلة «سركيس» لإلقاء كلمة جبران خليل جبران، نيابة عنه، فسحرت الحاضرين بأسلوبها في الخطابة وجرس صوتها، فبدأت شهرتها في الخطابة والكتابة منذ تلك الليلة. ويقول طه حسين في مذكراته إنه لم يرض عن شيء مما سمعه أكثر مما أُعجب بصوت ميّ الرائق الذي ينفذ إلى القلب. فتحت ميّ بيتها بعد ذلك لاستقبال الأدباء والشعراء مساء كل يوم ثلاثاء، واستمرت ندوتها عشرين عاماً أسهمت في أثنائها في تفعيل النهضة الحديثة وتكريم المثقفين العرب الوافدين إلى القاهرة، وقال الأديب عباس محمود العقاد الذي كان من روادها: «لو جمعت الأحاديث التي دارت في ندوة الثلاثاء لتألفت منها مكتبة عصرية تقابل مكتبة «العقد الفريد» ومكتبة «الأغاني» في الثقافتين الأندلسية والعباسية».
نشرت ميّ ديواناً لشعرها بالفرنسية في القاهرة عام1911 تحت عنوان «أزاهير حلم» Fleurs de rêve، ثم انتسبت للجامعة المصرية لدراسة الأدب والفلسفة والتاريخ وتخرجت فيها من دون الانقطاع عن إدارة الندوة ونشر مقالات وأبحاث قيّمة جمعتها في أربعة كتب صدرت عن دار الهلال تباعاً وهي: «سوانح فتاة» و«بين المد والجزر» و«ظلمات وأشعة» و«الصحائف». ونشرت في عام 1925 كتاباً بعنوان «المساواة» عالجت فيه موضوعات تاريخية ومعاصرة كالرِّق والاشتراكية والشيوعية والأرستقراطية والحرية، قدّمه للقراء صديقها صاحب «المقتطف» يعقوب صروف. وقامت أيضاً بترجمة رواية عن الألمانية ونشرتها بعنوان «الحب الألماني» وأخرى عن الفرنسية عنوانها «رجوع الموجة» وثالثة عن الإنكليزية عنوانها «الحب في العذاب». ومن أهم أعمالها كتب في أدب السيرة عن الرائدات «عائشة التيمورية» و«وردة اليازجي» و«باحثة البادية» التي عاصرتها وأعجبت بها بعدما اطلعت على كتابها «النسائيات» في الدفاع عن المرأة وحقوقها. كانت ميّ على اتصال بكبار المستشرقين إبان زياراتها المتعددة لأوربا ولا سيما الإيطاليين منهم وخاصة المستشرق فرانشيسكو غابرييلي مدير معهد الدراسات الشرقية في روما الذي كرمها وترجم كتابها «ظلمات وأشعة» إلى اللغة الإيطالية ونشره في روما عام1945.
دُعيت ميّ لإلقاء محاضرات كثيرة في مصر وسورية ولبنان، وكانت تستقطب الجماهير في كل مكان، وألهمت شعراء عصرها فمجدوها بقصائدهم وفي طليعتهم أمير الشعراء أحمد شوقي وإسماعيل صبري ونقولا فياض وأمين نخلة.
كانت ميّ معجبة بجبران خليل جبران فبدأت بالكتابة إليه عام 1912 بعد اطلاعها على روايته «الأجنحة المتكسرة» تناقشه آراءه في الزواج وقيوده وتنتقدها، فتراسلا وتهاديا مؤلفاتهما، ونشأت بينهما علاقة حب من نوع فريد، إذ كان جبران سعيداً لاهتمامها بأعماله اللاحقة وتقريظها لها في الصحف العربية، ومعجباً بكتاباتها يمجدها في رسائله التي كانت ترقبها بفارغ الصبر، فهامت به ورفضت الذين تقدموا للاقتران بها أملاً بلقائه، يقيناً منها بأنه أحبها وكان يعدها بالمجيء إلى القاهرة للقائها، ولكنه للأسف لم يفِ بوعوده، ولما توفي في نيويورك في أوائل عام 1931 حزنت عليه ورثته في مقالة نشرتها في مجلة «الحديث» التي كانت تصدر في حلب، كما حزنت على وفاة والدها قبله بعام ثم وفاة والدتها عام1932، فتردت صحتها في غمرة أحزانها وأقفلت ندوتها الأدبية وأصيبت بانهيار عصبي. لكن أصدقاءها طه حسين وعباس محمود العقاد واحمد حسن الزيات وأنطون الجميّل كانوا يزورونها ويخرجونها من البيت للتنزه، وسافرت إلى أوربا حاملة أحزانها معها. وبعد رجوعها إلى القاهرة استأنفت نشاطها في عامي 1934 و1935، وسجلت أحاديث للإذاعة المصرية ونشرت مقالات في «المقتطف». ولم يكن يزعجها سوى تدخل ابني عـمٍّ لها في حياتها طامعين بمالها مطالبين بحصتهما من إرث أبيها والثروة التي جنتها ومن ضمنها ملكية جريدة «المحروسة»، بعد إعلانها عن رغبتها بإهداء مكتبتها النفيسة للقاهرة التي حضنتها. فأصيبت مجدداً بانهيار عصبي حاد. أقعدها المرض في البيت فكتبت رسالة لقريب لها في بيروت تدعوه لنجدتها، فأتى إلى القاهرة وأخذ منها وكالة عامة وصحبها إلى لبنان واعداً بالاهتمام بها، لكنه أدخلها مستشفى الأمراض العقلية بمؤامرة مبيتة، وبقيت فيه ثمانية أشهر، أقام عليها أهلها في أثنائها دعوى للحجر عليها. إلا أن صديقاً قديماً لأسرتها اكتشف الحقيقة وأنقذها بمعونة الأصدقاء من أدباء وصحفيين، ووكَّل أصدقاؤها كبار المحامين للدفاع عنها، ودعوها باسم جمعية «العروة الوثقى» لإلقاء محاضرة عام 1938في الجامعة الأمريكية بحضور هيئة المحكمة، فتحدثت أمام جمهور غفير عن «رسالة الأديب إلى المجتمع»، وأبدعت، فصدر الحكم برفع الحجر عن أملاكها. قضت ميّ صيفاً هانئاً بضيافة أمين الريحاني، عـادت بعده إلى القاهرة لتواجه دعوى مماثلة، ولكنها نجت منها بفضل تطوّع المحامي الكبير مصطفى مرعي للدفاع عنها وأضحى وزوجته من أعز أصدقائها.
آثرت ميّ العزلة في بيتها تكتب رسائل للذين أنجدوها في محنتها، ولما اشتد عليها المرض نقلها آل مرعي إلى مستشفى المعادي حيث فارقت الحياة بعد خمسة أيام، وتولت السيدة هدى شعراوي تنظيم موكب دفنها وإقامة حفل لتأبينها في مقر الاتحاد النسائي اشترك فيه كبار الأدباء الذين عاصروها. وتكريماً لها أُطلق اسمها على شارعين أحدهما في مدينة الإسكندرية في مصر والآخر في العاصمة اللبنانية بيروت.
بقلم سلمى الحفار الكزبري

استطاعت مي العاشقة من بعد العبور بقلمها إلى ما وراء البحار لتسجل حضوراً لافتاً.
استثمرت مي الحالمة قلمها العذب وملكاتها الفريدة لتسطر أدباً رائعاً حاز إعجاب عمالقة الأدب.
تمكنت مي المقهورة من مواجهة عوادي الدهر والأحزان وما وهنت، وظل قلمها يسطّر ولم يسقط إلا حين قضت.

غسان منيف
03-09-2007, 11:00 AM
واسعى في مناكبها
لم أفكر طويلاً في اختيار قطاف مناسب اليوم، فقد أسعفني الموضوع القيّم »قصة الفلسفة« الذي يقدم له الأستاذ الكريم إبراهيم سنان في »حديث المطابع«
وهذا إسهام متواضع فيه موضوع يتعلق بالفلسفة مع أمل في تقديم بعض من فائدة


أبيقور والأبيقورية
241 - 270 ق.م
فيلسوف يوناني رأس مدرسة فلسفية عرفت باسمه. ولد أبيقور Epicure في ساموس من أسرة أثينية. ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره قصد أثينة, ولم تطل إِقامته فيها, فرحل إِلى آسيا الصغرى, وعلّم في بعض مدنها. ثم عاد إِلى أثينة وافتتح فيها مدرسة. فأقبل عليه التلاميذ يتعلمون منه «حياة اللذة السهلة». كان أكثر اجتماعاتهم في الحديقة, لا في حجرات البناء, يتجاذبون أطراف الحديث في الأخلاق, فدعيت حديقة أبيقور». ومع أن أبيقور كان كثير الاعتداد بنفسه, فإِنه كان طيب القلب مع أصدقائه وتلاميذه, باراً بهم, وقف عليهم البناء والحديقة, « وأوصاهم بأن يعيشوا جماعة مؤتلفة متحابة, وانتشرت تعاليمه, فتأسست مراكز أبيقورية في حوض المتوسط بعد وفاته.

أما النصوص التي وصلتنا عن أبيقور والتي حفظها ديوجينس اللايرسي Diogéne في القرن الثالث الميلادي, فهي رسالة موجهة إِلى هيرودوتس في الطبيعيات, ورسالة موجهة إِلى فيتوكليس في الآثار العلوية, ورسالة موجهة إِلى ميناقايوس في الأخلاق؛ ومئة وإِحدى وعشرون فكرة هي ملخص المذهب.

مكانة الأبيقورية في مجموع الفلسفات القديمة
لم يبق شيء من المؤلفات التي كتبها الرواقيون القدماء والأبيقوريون وصغار السقراطيين. بيد أن المشكلة عند الأبيقوريين أسهل مما هي عليه عند الآخرين, لسببين: أولهما أن ديوجينس اللايرسي احتفظ بثلاث رسائل, وبمئة وإِحدى وعشرين فكرة عرض فيها أبيقور خلاصة مذهبه؛ وثانيهما أن الأبيقورية, خلافاً للرواقية القديمة المتمثلة بثلاثة أعلام كبار ليس بين أفكارهم توافق أو تطابق دائماً, لا تتضمّن, بالمعنى الدقيق للكلمة, إِلا اسم أبيقور. أما الأبيقوريون اللاحقون منهم, باستثناء لوكراس اللاتيني الذي يفصله عنه قرنان ونصف قرن من الزمن, ليسوا تلاميذ حقيقيين, بل فلاسفة أخلصوا له وتأثروا بفكره. وكذلك لا يوجد, حتى في بداية العصر المسيحي, أبيقوريون اتسموا بشمول إِبيكتاتوس Epictéte وماركُس أوريليوس Marc-Auréle الرواقيين اللذين كان لهما الفضل في الحفاظ على فكر المؤسس عدة قرون بعد وفاتهما.

الفكر اليوناني والأبيقورية:
يعد القرن الثالث قبل الميلاد بداية مرحلة من الاضطراب السياسي في حوض المتوسط, فأثينة, التي كانت دائماً عاصمة فكرية لامعة, فقدت سيطرتها السياسية وحقها في سك النقود وتفوقها البحري, فأصبحت أسوارها العالية التي تربطها بالمرفأ مهدّمة, وهذا ما عرّضها لهجمات قوى غريبة تمركزت على شواطئها. أما في مجال الفكر, فقد حدث اضطراب كبير, بسبب اختلاف الفلاسفة على اقتسام الإِرث السقراطي. وإِذا كان سقراط قد اتخذ من التهكم أفضل سلاح في وجه السفسطائيين الذين كانوا يدعون أنهم يعرفون كل الأشياء معرفة كلية وشاملة, فإِن الكلبيّين هاجموا هذا التهكم بعنف محتفظين بمغزاه وحسب, وإِذا كان سقراط قد وضع مقابل ادعاءات السفسطائيين الموسوعية شكاً مريباً, فإِن الميغاريين قد جعلوا من الشك السقراطي, ليس سلاحاً لمحاربة مزاعم السفسطائيين, وإِنما نوعاً من الجدل يقودهم إِلى القول: إِنّ الإِنسان لا يستطيع الكلام عن شيء من دون أن يحدّده بأن ينفي عنه كل ما لا يمكن إِسناده إِليه, وأن القضية «أ هي أ» هي الوحيدة التي يمكن إِعلانها بحكمة. وإِذا كان سقراط قد وضع «اعرف نفسك بنفسك» مقابل العلم الخارجي للسفسطائيين, فإِن القورينائيين قد استنتجوا من هذه الوساطة الداخلية أن على الإِنسان التمسك بمعرفة ما يحلو له والبحث عن المتعة. ولهذا اتخذوا من اللذة مقياساً للقيم جميعاً, وهدفاً يسعى إِليه كل إِنسان.

وهكذا, فبينما توجه فكر سقراط بأكمله بقصد الوصول إِلى الاستقلالية والسيطرة الداخلية, فإِن تأملات صغار السقراطيين مالت جميعها نحو تمكين الإِنسان من الوصول إِلى الاكتفاء الذاتي, وبالتالي من الانطواء على ذاته. وفي هذه الأجواء المضطربة سياسياً واقتصادياً وفكرياً, حاولت مدرستا الأبيقورية والرواقية, تعليم الإِنسان سمات اليقين القادر على إِعطائه قواعد الحياة, والتوفيق بينه وبين الطبيعة, ومع التناقض القائم بينهما, فإِن لهما رمزاً مشتركاً هو العيش بتوافق مع الطبيعة, كما أنهما اتفقتا على جعل الإِحساس أساس المعرفة, وعلى عدم التسليم بمبادئ غير المبادئ الجسمية. بيد أن هاتين المدرستين الطبيعيتين اتبعتا طرائق مختلفة: ففي حين طلب الرواقي من الإِنسان العيش بتوافق مع الطبيعة, وبالانسجام مع العناية الإِلهية, طلب الأبيقوري منه العيش بتوافق معها, عن طريق خضوعه للإِحساس معيار الحق والخير. وهكذا إِذا كانت الرواقية تطورت لتكون ماديةً وعقلانيةً أخلاقية, فإِن الأبيقورية تطورت حِسَّويةً ومُتْعيّة.

إِن الطبيعة, في نظر الرواقي, هي نفسها الإِله, أما في نظر الأبيقوري, فإِنها حدث واقعي يجد فيه الإِنسان الراحة والسلام, ومن الواضح أن الرواقيين والأبيقوريين يستعملون تعبيراً واحداً لتمييز موقف الحكيم هو غياب الاضطراب Ataraxia أو انعدامه. وإِذا كان هذا الغياب مرتبطاً, عند الرواقيين, بمنطق وبطبيعةٍ غرضهما توضيح أنّ الأشياء والموجودات والأحداث مرتبطة بعضها ببعض بعلاقة عليّة متعلقة بالإِله فإِنّه, عند الأبيقوريين, يجب أن يتمَّ من مجرّد فكرة تقول إِن كل شيء في العالم يمكن توضيحه من دون حاجة إِلى إِقحام الآلهة أو القوى السحرية. فالقدر, في نظر أبيقور, غريب تماماً عن الإِنسان الذي يعرف سلام النفس انطلاقاً من اللحظة التي يتوقف فيها عن الخوف من الأحداث الطبيعية, لأنّ بإِمكانه أن يوضّحها توضيحاًَ منطقياً وطبيعياً.

مكانة المدرسة الأبيقورية في تاريخ الفكر الإِنساني:
سيطرت الأبيقورية على حوض المتوسط بأكمله, فوجدت مدرسة أبيقورية في أنطاكية, في القرن الثاني قبل الميلاد وتأثرت المذاهب الفلسفية في الاسكندرية بالأفكار الأبيقورية, أما رومة , فمع أنها عرفت الأبيقورية في حياة مؤسسها أبيقور, فإِن إِشارات الخطيب الروماني شيشرون الثابتة إِلى الأبيقورية تثبت أنها - أي الأبيقورية - ازدهرت فيها وسيطرت عليها في القرن الأول قبل الميلاد. وكذلك وجدت مراكز للأبيقورية في منطقة نابولي الإِيطالية وجوارها. ومع أن الأبيقورية كانت ما تزال مزدهرة في القرنين الأول والثاني الميلاديين, فإِنها أخذت تتفكك تدريجياً لتحلّ محلها المسيحية بمؤسستها الكنسية التي سيطرت على الفكر الأوربي في القرون الوسطى, ولكن ما إِن بدأ النصف الأول من القرن السابع عشر حتى لوحظ نوع من إِحياء للأبيقورية سببه معارضة التجريبيين لعقلانية ديكارت[ر], والباعث على هذا الإِحياء غاسندي الذي وضع النظرية الحسَّوية للمعرفة الأبيقورية مقابل ديكارتية الأفكار الفطرية, ونصَّرَ نظرية أبيقور الذرية بأن عدّ الإِله علة لحركة الذرات, خلافاً لأبيقور ذاته الذي عزا ذلك إِلى الجاذبية الأرضية, كما أنّه رأى في الكون كلاً متماسكاً يتطلب وجود إِله كليّ القدرة, ليوضح قوامه وغائيته. وقد حاول غاسندي أن يوفق بين دعوته الكهنوتية وتجريبيته المضادة للديكارتية والمتأثرة بالأبيقورية. ويلاحظ كذلك أن نفعية بنتام J.Bentham وستوارت مل J.Stuart Mill قد تأثرت, في جوانب منها, بالأخلاق الأبيقورية. وقد تكون الأبيقورية أول محاولة, في العالم الغربي, لتأسيس مذهب إِنساني كامل.

فلسفة أبيقور

القانون الأبيقوري:
يمّيز أبيقور ثلاثة أقسام في الفلسفة: العلم القانوني والطبيعة والأخلاق. الأول أساس العلم, ويعلم طرائق تمييز الحقيقة من الخطأ, والثاني يبحث في كون الأشياء وفسادها وطبيعتها, والثالث يميّز الأشياء التي توفر حياة سعيدة من الأشياء الضارة التي يجب الابتعاد عنها, والعلم القانوني والطبيعة في خدمة الأخلاق, وغايتهما دراسة الأسس التي تسمح بالتحرر من الآراء الخداعة, للتوصل إِلى حياة حرّة هادئة ومتزنة.

والقانون الأبيقوري مختلف عن المنطق الأرسطي التصوري, وعن المنطق الأفلاطوني الديالكتيكي, وكذلك عن المنطق الرواقي الشرطي. إِنه منطق لا يحتاج إِلى الكلمات إِلاّ ليشير إِلى ما هو موجود وهو وسيلة للاقتراب من الواقع. وتتجلّى نقطة انطلاق هذا القانون في أنّ هناك أربع سمات للحقيقة: الإِحساسات والتصورات القَبْلية والانفعالات والتصورات الحدسية للفكر.

الإِحساس:
الإِحساس في نظر الأبيقورية, ليس صياغة ذاتية ونسبية كما تعتقد الأفلاطونية, وإِنما هو صورة مطابقة للواقع تنشأ من اتصال بين جسمين: الأول خارجي حسي, والآخر ذاتي متعلق بالعضو الحاس, ولما كان الإِحساس خامة تبدأ معارفنا بها, لذا لا يمكن تسويغ صحته بالعقل الذي لا يكون عليه الإِتيان بتفاصيل الإِحساس وانتقاده, بل العكس هو الصحيح؛ أي إِنّ الإِحساس يفرض نفسه من دون حاجة إِلى أي تسويغ, لأن مجاله, برأي أبيقور, متقدّم على مجال العقل. وبذا خالفت الأبيقورية المذاهب العقلية التي اعتقدت أن الإِحساس ليس نقطة انطلاق المعرفة الصحيحة, كما خالفت المذاهب الريبية التي أكّدت استحالة المعرفة. فالإِحساس, في نظر الأبيقورية, يمكِّن الإِنسان من العيش في توافق مع الطبيعة ومع المجتمع, وفي سلام داخلي. وهو الأساس في الأحلام, لأن الظلال الناجمة عن الموضوعات الغائبة هي التي تنتجها عندما تلاقي الحواس, وهكذا أبعد أبيقور السمة الإِلهية عن الحلم, ليجعل من الإِنسان سيد نفسه ومصيره.

التصور القَبْلي:
حين يتكرر الإِحساس يُحدث في الذهن معنى كليّاً يُطبّقه الإِنسان على الجزئيات كلما عرضت له في التجربة. فالإِحساس يسمح للمرء بأن يسأل: «هل هذا الحيوان ثور أم حصان؟» ويصدر أحكاماً تتجاوز التجربة الراهنة, مثل قوله: هذا الشبح الذي أبصره هناك هو شجرة. بيد أن مثل هذه الأحكام لا تصير تصديقات إِلاّ إِذا أيّدها الإِحساس, والأسئلة تعني أننا ندرك معانيها إِدراكاً متقدماً على الإِحساس الذي حملنا على إِصدار الأحكام وطرح الأسئلة.
وهكذا فإِن التصور القبلي ليس الأفكار الفطرية كما يدَّعي شيشرون لتناقضها مع مادية أبيقور, وليس فكرة خاصة تبقى في الذهن, كما يؤكد شتاينهارت, وقد تستدعى الإِرادة بقصد المقارنة, إِنّه, في الواقع, إِحساس متكرر يترك فينا طابعاً واضحاً وأكيداً, وفكرة عامة تؤكد تفوّق الإِحساسات, وذلك وفق انطباعات تتركها فينا إِحساسات متقدمة تشبه الإِحساسات المذكورة.

الانفعال أو الشعور السلبي:
هناك, كما يقول ديوجينس اللايرسي, انفعالان يشعر بهما كل كائن حيّ: الأول موافق للطبيعة وهو اللذة, والآخر غريب عنها وهو الألم, و«بهما نستطيع تمييز الأشياء التي علينا أن نبحث عنها, وتلك التي علينا أن نهرب منها». وكلما كانت هذه الانفعالات, التي هي انطباعات الحواس فينا, مستحبة أو غير مستحبة بحثنا عن الموضوعات التي تؤدي إِلى هذه الانفعالات, أو هربنا منها. فالانفعالات, كالإِحساسات والتصورات القبلية, معايير الحقيقة, تنصبّ على علة المعيار وتسمح لنا بإِدراكها, فندرك الملاذَّ علة اللذة, والمؤلم علة الألم.

التصورات الحدسية للفكر:
لهذا التعبير, الذي يعاين الكون في جملته, منهجان: منهج يؤدي إِلى التصديق بأشياء ليست واقعة في التجربة, مثل الجوهر والخلاء ولا نهاية المادة؛ ومنهج يؤدي إِلى استخراج تفاصيل العالم «من نظرة إِجمالية», مثل استخراج الظواهر الجوية من معرفة مفاعيل العناصر, وإِذا كان المنهج الأول يمكّن من إِدراك اللامحسوسات, في علاقتها بالمحسوسات, فإِن المنهج الآخر, يمكّن من إِدراك اللامحسوسات ذاتها.

الطبيعيات الأبيقورية:
يتلخص المبدأ الكبير لطبيعيات أبيقور بأن «لا شيء خلق من لا شيء بفعل قدرة إِلهية», ولا شيء يمكن أن يرتد إِلى العدم. وهذا ما يقود إِلى مبدأ آخر يقول: «إِن الكون مؤلف من جسم وفراغ ومكان»؛ نستدل على وجود الأجسام بالحواس, وعلى وجود الفراغ والمكان بضرورتهما, وإِلا فلن يكون هناك مكان تتحرك فيه الأجسام. فأجسام هذا العالم, الموجودة بأعداد غير متناهية, وفي امتداد الفراغ غير المحدود, موجودة منذ البدء. أي إِن العالم كان دائماً, كما هو اليوم, وهو هكذا منذ الأزل». أما فيما يتعلق بالذرات, فإِنها, على عددها غير المتناهي, لا يمكن أن تُستنفد « بخلق عالم أو عدة عوالم, لذا فمن الضروري وجود عوالم لا تُحصى مشابهة لعالمنا أو مخالفة له.

أما الغاية من دراسة الطبيعة, فهي العيش بأمان تجاه الآخرين والأشياء, ومن ثم الوصول إِلى الرصانة. بيد أنّ هذه الغاية لا يتوصل إِليها إِلاّ من لا يخاف: لا من الأساطير الأخروية, ولا من الظاهرات الطبيعية, ولا من الموت, ولا حتى من الآلهة.

الذرات:
يميّز أبيقور بين نوعين من الأجسام: أجسام مركبة, وعناصر صنعت منها الأجسام المركبة يُطلق عليها الذرات. إِن الأجسام المركبة أنظمة مرتبة يمكن أن تفقد من ذراتها, لأن ليس لها هوية مطلقة. أمّا الذرة, فهي عنصر صلب متراص ثابت, لا يحتوي على أي فراغ أو أية مسافة, ومع أن للذرات مقداراً يراوح بين حدّ أعظم وحدّ أصغر, فإِنها تبقى غير منقسمة, وللذرات, بالإِضافة إِلى خاصة المقدار, خاصتان أخريان هما الشكل والوزن. وأشكال الذرة لا يحصى عددها مع أنه متناه, أما وزنها, فهو السبب في حركة سقوطها نحو الأسفل. ومع أنّ وزن الذرات يختلف باختلاف مقدارها وشكلها, فإِن هذه الاختلافات لا تؤدي إِلى أي فرق في سرعة السقوط, لأن كل الذرات تسقط في الفراغ بسرعة واحدة وعلى نسق واحد.

والذرات متحركة حركةً محددةً بعناصر ثلاثة هي: الثقل والتصادم والانحراف. والأول هو سبب الحركة العمودية لسقوط الذرات. والثاني يؤدي إِلى تغيير اتجاه الذرة, من دون أن يؤثّر في سرعتها التي تبقى ثابتة. والثالث يطلق على الحركة التلقائية أو الميكانيكية للذرات التي تحملها على التحول خارج خط السقوط بسبب وزنها. وعن طريق نظرية الانحراف هذه تتوضح حرية الإِنسان. وهكذا فإِن حرية الإِنسان تقوم على أسس طبيعية مادية, لا على اعتبارات ميتافيزيقية.

ولما كانت الذرات ثابتة, فلا يمكن أن تُسند إِليها كيفيات متغيرة, كاللون والرائحة والصوت وغيرها. فالكيفيات تتعلق بالأجسام المركبة فقط, وهي إِمّا أن تكون محمولات تعود إِلى الجسم ذاته على الدوام, كالصّور, وإِما أن تكون أعراضاً يمكن أن تعود إِلى الأجسام من وقت إِلى آخر, أي على نحو مؤقت, كالعبودية.

المكان والزمان:
المكان طبيعة موجودة لا تُلْمَس, ولا يقاوِم تحرك الأجسام؛ ويمكن أن يشغله جسم ما, فحيث يوجد الجسم يستمر المكان. وهو, أيضاً, فراغ خالٍ مؤقتاً من أي جسم, وضروري للحركة الدائمة للذرات, إِذ من دونه تستحيل الحركة. وهو كذلك امتداد, وامتداده غير متناه, لأن الفراغ إِذا كان «محدوداً ومحصوراً, لا يستطيع احتواء الأجسام في عدد غير متناهٍ». أما الزمان, فهو «عرض الأعراض», لا يوجد في ذاته, ولا نحسُّ به خارجاً عن حركة الأشياء وسكونها». فهو يرافق الأحداث التي منها ينتج الإِحساس به.«

النفس:
النفس, في نظر أبيقور, جسم حار لطيف للغاية تكمن فيه جميع قوى النفس, ولكن لا يكون إِحساس إِلاّ إِذا ارتبطت النفس بالبدن: فهو الذي يتيح لها أن تمارس قدرتها على الإِحساس, كما أنها, بالمقابل, هي التي تجعله حساساً, فإِنْ تفرّق شملهما تبددت النفس إِذ إِنها تتكون معه, وتنحل بانحلاله, فهي إِذن مادية وفاسدة.
والنفس مؤلفة من تجمع أربعة أنواع مختلفة من الذرات, تأتي منها خصائص الجسم الحي: النَفَس وتأتي منه الحركة, والهواء ويأتي منه السكون, والحار وتأتي منه الحرارة, وأخيراً نوع رابع يأتي منه الفكر الذي يقوم بنشر «الحركات الإِحساسية في الأعضاء». وهناك تمييز آخر تبقى صلته بالتمييز الأول غير واضحة, وهو التمييز بين الروح والنَفْس: فالروح محلها في القلب, ولها وظيفة وجدانية متمثلة في الإِحساس والفكر والإِرادة؛ والنفس منتشرة في البدن كله ولها وظيفة حيوية قائمة على بث الحياة في الجسم.
وعندما تتحرك ذرات النفس, ويُكرهها الجسم على القيام بحركات معيّنة بنشرها العنصر اللاجسميّ, بما تحمله من إِحساسات بين عناصر النفس الأخرى وخلال الجسم بأكمله, يتولد الإِحساس, فالإِحساسات جميعها تعود إِلى اللمس, حاسة الجسم بأكمله. وانطلاقاً من هذه الفكرة الأساسية عرف الأبيقوريون أنواع الحواس الأخرى من ذوق وسمع وشم ونظر. فغاية نظرية الحساسية هي إِثبات أن الإِنسان كائن يعيش في اتصال وثيق مع ما يحيط به, وفي توافق مع الطبيعة انطلاقاً ممّا يُنقل إِليه من الإِحساسات, التي بها, وليس بالغائية العنائية, يُقوّم الإِنسان. أما الفكر, فإِنه ظاهرة عارضة متولدة من تنضيد الإِحساسات المباشرة وتركيبها. فالفكر يتولّد من الإِحساس, وبتولده منه يعبّر عن مضمونه المجرّد من كل سمة زمانية ومكانية.

الآلهة:
لم ينف أبيقور مطلقاً وجود الآلهة, بل رفض الأساطير التي أسندها الجمهور إِليها, وعدّ الأفكار التي تُسِندُ إلى طبيعتها دوراً في خلق العالم وتلاحق الزمان من أخطر الأفكار, لأنّ العالم وجد من التقاء الذرات. ولا يجوز الاستنجاد بالطبيعة الإِلهية لتوضيح انتظام دوران الكواكب وتلاحق الزمان, إِذ ليس هناك لا عناية ولا قدر, بل كل الأشياء من نتاج المصادفة. وهكذا فإِن الآلهة موجودة, ومن ينفي وجودها كمن ينفي البداهة. فنحن, أولاً, نرى في المنام وفي اليقظة أشباهاً لابدّ أن تكون منبعثة عن الآلهة ذاتها, وهذه تجربة تكفي لإِثبات وجودها. وثانياً, عندنا عن الآلهة تصور قبلي بأنها موجودات سعيدة ومغتبطة تحيا في طمأنينة وسعادة كاملتين. وثالثاً, لابد من أن يقابل الوجودَ الفاني المتألم وجودٌ دائمٌ سعيدٌ, هو الآلهة المجبولة من مادة نقية خالصة, لا يتطرق إِليها الفساد.

الأخلاق الأبيقورية:
تهدف الأخلاق الأبيقورية, القائمة على مادية واضحة, إِلى بيان أن مذهب المتعة هو أسهل الطرق إِلى الحكمة؛ على طريق إِعطاء الحكيم إِمكانية إكفاء ذاته بذاته في وحدانية هادئة بعيداً عن الانفعاليين الحمْقى.وهي تدور حول غايتين أساسيتين هما: اللذة, وحالة الطمأنينة والخلو من الهموم. ومع أن التوفيق بين هاتين الغايتين ليس سهلاً, فإِن جوهر الأخلاق الأبيقورية يكمن في الصلة بينهما. بيد أن الغاية الوحيدة التي يسلم بها أبيقور على ما يبدو, هي اللذة. أما الطمأنينة فلا قيمة لها إِلاّ بقدر ما تكون تابعة للذة ومنتجة لها. ولهذا صوّر خصوم الأبيقورية الأبيقوريين في صورة فُسّاق وفَجَرَة لا يردعهم عن شهواتهم روادع. ولكن بعضهم أقر, ولاسيما سنيكا Seneque الرواقي وفورفوريوس الأفلاطوني, بالسمو الأخلاقي للتعاليم الأبيقورية مستشهدين ببعض مبادئها.
والواقع أن مفهوم أبيقور عن اللذة مغاير لمفهوم القورينائيين لها, وذلك لأسباب ثلاثة, أولها, أن أبيقور قد قال بالمتعة الثابتة والمقوّمة, خلافاً للقورينائيين الذين قالوا, بتأثير فكرة هيرقليطس Heraclite في التحوّل والتغيّر, باللذة المتحركة, وثانيها: أنّ أبيقور لم يسلّم إِلاّ بلذة واحدة حسية هي لذة الجسد والبطن, خلافاً للقورينائيين الذين سلموا باللذات الفكرية. وثالثها: أن اللذة, في نظر أبيقور, ليست, كما تخيّلها القورينائيون, حركة وجيشاناً, وإِنما هي لذة تقوم على غياب الألم الجسدي والاضطراب النفسي.
وهنا تبدأ مشكلة التوفيق بين مبدأين أبيقوريين: الأول يقول إِن الخير يتم اختياره دوماً بالإِرادة؛ والآخر يؤكد أن كل لذة خير وكل ألم شر, لكن لا يتم اختيار كل لذة, ولا تحاشي كل شر بالإِرادة دائماً. وهنا يميّز أبيقور, كالقورينائيين, موضوع الإِرادة المتبصرة من الغاية موضوع الميل المباشر. فإِذا كان الميل يحدو إِلى اللذة, فإِن على التبصر بالمقابل أن يزن عواقب كل لذة. وهكذا تُهمل اللذات التي تجرّ فائضاً من الآلام, وتُتحمل الآلام التي تأتي بلذات أكبر.
ولهذا جعل أبيقور اللذات على ثلاث مراتب: اللذات الطبيعية والضرورية التي لا مندوحة من إِشباعها, كالرغبة في الأكل؛ واللذات الطبيعية وغير الضرورية التي تطلب التنوع في إِشباع الحاجة, مثل الرغبة في تناول نوع معين من الطعام من دون غيره؛ وأخيراً اللذات اللا طبيعية واللاضرورية. كالرغبة في تاج, وهي رغبات فارغة باطلة. وهكذا فالحكيم هو من يعلم أنّ أعلى درجات اللذة يمكن بلوغه بإِشباع النوع الأول من الرغبات, أو بالأحرى, بالاكتفاء بالقليل والتلذذ بما تضعه الطبيعة المتبصرة بتصرفه. وهذا المبدأ يبيّن أن ضابط الرغبة لا يقوم في الإِرادة المقابلة لها, وإِنما في اللذة ذاتها.
فالأخلاق الأبيقورية طائفة من التوجيهات التي تلجم الفكر عن الشرود وتردعه عن تجاوز الحدود التي عينتها الطبيعة, والتقيّد بهذا المفهوم يوضح العلاقة بين الفكرتين المحوريتين, اللذة والطمأنينة. فطلب اللذة يستتبع وجوباً كل تلك التمارين العقلية: من تأمل في الحد الطبيعي للرغبات, ومن حساب اللذات, ومن تصور اللذات الماضية أو المستقبلة التي يكوّن جانبها السلبي طمأنينة النفس.
وهكذا يتوصل الحكيم بالعلم القانوني والطبيعيات والأخلاق, إِلى أمور أربعة هي التالية: عدم الخوف من المغيّبات, وعدم الخوف من الموت, والحصول على الخير بسهولة, واحتمال الألم بسهولة. فالحكيم إِذن موجود حرّ, تحرّر من فكرة الضرورة ومن الآخرين, أي إِنّه من دون سيّد, ويكفي ذاته بذاته. وصفوة القول إِنّ أبيقور إِنسان فكَّر بتعمق حول تفسّخ الأخلاق وحول الصيغ المختلفة للهستيريات الجماعية, وأراد, من خلال رسالته إِلى معاصريه, أن يبيّن لهم أن على الإِنسان أن يكون سيد قدره.
بقلم غسان فنيانس

ليس ثمة شك أن جميعنا سمع واطلع على نظرية »الانفجار الكبير والثقوب السوداء« التي هي اليوم مثار جدل كبير وتتصدر اهتمامات العلم والعلماء.

والسؤال هل كان أبيقور بعيداً عن مثل هكذا نظرية حين تحدث عن الذرات والتقائها وفنائها؟

يقول ستيفن هوكينغ العالم البارز في الفيزياء النظرية: »لكل جسم في الكون جسم مضاد، وإذا التقى الجسم مع ضده يتلاشيان«
ويستطرد باسماً : »كن حذراً يا صديقي حين تلتقي مع ضدك ولا تصافحه لأنكما قد تتلاشيان في لمحة بصر«

غسان منيف
10-09-2007, 10:24 AM
قضى شاباً فتياً وترك شعراً قل نظيره، إنه طرفة بن العبد الذي لم تمهله الأقدار وحرمت الأدب العربي من عطاء خيال مبدع خصب وعبقرية شعرية فذة.
لم تكن سيرة حياة طرفة طويلة لكنها كانت مليئة، فيها الكثير من جور الأقارب ومن المؤمرات والدسائس.
وبعزة نفس، أبى طرفة الهروب من قدر مكتوب في صك موت كان يحمله بيده.
وطرفة بن العبد في قطاف الموسوعة اليوم



طَرَفة بن العبد البكريّ
طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة، من بني بكر بن وائل، و(طرفة) لقب اشتُهِرَ به، وهو اسم لنوع من الشجر، أما اسمه فقيل «عُبَيْد» وقيل «عمرو» وقيل «معبد»؛ والأرجح أنّه «عُبَيْد»، وأمُّه: وَردة بنت قتادة بن مشنوء بن عمرو بن مالك بن ضُبَيعة بن قيس بن ثعلبة، وهذا ينفي أن يكونَ المتلمّس الشاعر الضَّبعيُّ خالَهُ، بحسب ما هو شائعٌ؛ لأنَّ المتلمِّسَ من بني ضُبَيعة بن ربيعة بن نزار؛ إلاّ أن تكون بين المتلمّس وأُمّ طَرَفة قَرابةٌ من جهة النِّساءِ، فقيل: إنَّه خالُهُ؛ لهذه القرابة، وليس خَالَهُ أَخا أمّه.
وطرفة شاعر جاهلي،من أسرةٍ عريقةٍ ذاتِ حسبٍ، عُرِفَ منها عدد من الشّعراء الجاهليين، منهم جدُّ أبيه (سعد بن مالك)، وعمُّه المرقّش الأصغر ، وعمّ أبيه المرقّش الأكبر، وابن عمّ أبيه عمرو بن قميئة بن سعد، وعمّتُهُ الخرنق بنت سفيان ، وأخته لأمّه الخرنق بنت بدر بن هفّان، ويُخْلَطُ بينَهُما، وكانت أختُهُ زوجاً لعبد عمرو بن بشر بن مرثد بن سعد بن مالك نديمِ عمرو بن هند.
وُلِدَ طرفة في البحرين، وهو اسمٌ قديمٌ لبلاد شاسعة بين البصرة وعُمان تُصاقب الخليجَ العربيّ، فيها عيونٌ ومياه، ويقطنُها بنو بكر وعدد من قبائل العرب، ماتَ أبوه (العبد) وهو صغير، فأبى أعمامُهُ أن يقسموا مالَهُ، وظَلَموا أُمَّهُ ـ وقيل: إنَّ أخوالَهُ هم الذين ظلموها حقَّها ـ فقالَ من أبياتٍ:
ما تَنْظُرُونَ بمالِ وَردَةَ فيكُمُ
صَغُرَ البَنُونَ، ورَهْطُ (وَرْدَةَ) غُيَّبُ
قد يَبْعَثُ الأمرَ العظيمَ صَغيرُهُ
حتّى تَظَلَّ لَهُ الدِّماءُ تَصَبَّبُ
وهي من أوّل الشعر الذي قالَهُ، وهي مُحْكَمَةُ النّسجِ، تغلبُ عليها الحكمةُ، وفيها دلالةٌ على شاعرٍ مفطورٍ على تأمّل الأمور والحياة.
فكانت نشأةُ طرفة نشأةَ يتيمٍ عانى الظُّلْمَ فلم يسكُت عليه، وكان يعلَمُ بحسَبِهِ ويشعُرُ بتميُّزهِ في قولِ الشعر، ويظهر أنَّه كان أَصغَرَ إخوتِهِ، فنشأَ مدلَّلاً تيّاهاً بنفسِهِ، ومالَ إلى الهوى واللّهو والتّبذير؛ فلمّا شبَّ يمَّمَ شطرَ الحيرةِ وفيها الملكِ عمرو بن هند [ر]، فنشأت بينهما خصومة، فهجاه في بيتين كانا سبباً لغضب الملك والأمر بقتله، في قصة معروفة، إذ أرسل معه ومع المتلمس الشاعر صحيفة إلى الوالي على (هجر ) فقتله،ورثَتْهُ أختُهُ الخرنق بأبياتٍ منها:
عَدَدْنا لَهُ ستّاً وعشرينَ حجّةً
فلمَّا توفّاها استوى سيّداً ضخما
وكان ذلك في مدّة حكم عمرو بن هند (554 ـ 569م) ويُرَجَّح بعدَ النَّظَر في أقوال مؤرّخي الأدب أنَّ ذلك كان نحو سنة (567م)، فإذا كانت أخته حدّدت عمره بست وعشرين حجّة، فإنَّ ميلاده كان نحو سنة (543م). ولأنّه قُتِلَ ابن بضع وعشرين سنة أَطْلَقَ عليه الشّعراء والعلماء (ابن العشرين).
وقد اهتمّ العلماء في عصر التّدوين بجمع ما بقي على ألسنة النّاس والرواة من شعر طرفة، فجمعه الأصمعي، وابن السِّكّيتِ من رواية أبي عمرو الشيباني، وجمع الأعلم الشنتمري الأندلسي (476هـ) بين الروايتين وشرحهما في كتابه (شرح أشعار الشعراء الستّة الجاهليين).
وعن هذه المجاميع طُبِعَ ديوانه مرّات عدّة، إلى جانب ما جمعه القائمون على طباعته من المصادر، ولعلّ أفضل ذلك طبعة مجمع اللّغة العربية بدمشق عام 1975م.
وأصابَ شعرَه ما أصاب شعرَ القدماء من ضياع واضطراب ونحل، ونبّه ابن سلاّم الجمحيّ على ذلك حينَ جعلَهُ في الطبقة الرابعة من شعراء الجاهلية، وعلّل ذلك بـ«قلّة شعرهم بأيدي الرواة« ولولا ذاك لتقدم في طبقته.
ويتميّز طرفة من أبناء طبقته بأنَّ له قصيدتين مشهورتين وأنَّ له أشعاراً حِساناً جِياداً غيرهما، وقصيدتاه هما: معلقته التي مطلَعُها:
لخولةَ أطلالٌ ببُرْقَةِ ثَهْمَدِ
تلوحُ كباقي الوشمِ في ظاهر اليَدِ
ورائيّتُه التي مَطْلَعُها:
أَصَحَوْتَ اليومَ أم شاقَتْكَ (هِرْ)
ومِنَ الحُبِّ جُنونٌ مُسْتَقِرْ
ويرى ابن سلاّم أنّ الرّائيّة مثلُ المعلّقة في جودتها.
وبالنّظر إلى ما صحّ من شِعره يتبيّن أنَّه تناوَل معظمَ موضوعات الشعر ما خَلاَ الرّثاء، وكان الفخر والغزل والحكمة ألصق تلك الموضوعات بنفسه، غير أنَّه إذا وجَّه نظره نحو شيءٍ يصفه جاءَ من الشعر بما يُدْهِشُ، كوصفِهِ للنّاقة في المعلّقة، وللمرأة في رائيّته.
والّذي يدُْهِشُ أكثر هو تدفّق الحكمة على لسانه في كثير من شعره، على قِصَرِ عمره؛ ولعلّ ما شحنَهُ بهذه الحكمة هو غنى تجربته في الحياة وتأمّله لأحوال الناس والحياة، فقد نشأ يتيماً، وعانى ظلم الأقارب، وعاشَرَ الملوك والأمراء وكبار الناس شابّاً، وانخرط في الملذَّاتِ المباحةِ في الجاهلية من نساءٍ وخمر وغناء، وأضاف إلى ذلك تجربةَ عمّه المرقّش الأصغر، وما فيها من معانٍ، وغير ذلك من تجارب، فاجتمع ذلك كلّه في نفس شاعرٍ شابّ متوقّد بالذّكاء وصفَ نفسَهُ بقوله:
أنا الرَّجُلُ الضَّرْبُ الّذي تعرفونَهُ
خَشاشٌ كرأسِ الحيّةِ المتوقّدِ
والضَّرْبُ: الخفيفُ إلى حاجاته. والخَشَاش: الذي يَنْخَشُّ في الأمور ذكاءً ومضاءً.
وقد وردت الحكمة في أوائل شعره حين ظُلِمَت أمّه، ومن حكمتِهِ التأمّليّة قوله:
أرى الموتَ يَعْتامُ الكرامَ، ويَصْطَفي
عَقيلةَ مالِ الفاحِشِ المتشدِّدِ
أرى العيشَ كنزاً ناقصاً كلَّ ليلةٍ
وما تَنْقُصِ الأيّامُ والدَّهرُ يَنْفَدِ
ستُبْدي لكَ الأيّامُ ما كنتَ جاهلاً
ويأتيك بالأخبارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ
شهد القدماء بمكانة طرفة وشعره فقد جعله حسّان بن ثابت أشعر الناسِ قصيدةً، وجعله لبيد بن ربيعة بعد امرئ القيس،و جعله جريرٌ أشعرَ الناس، وجعله الأخطل أشعر الناس بعد الأعشى.
وقال فيه أبو عبيدة معمر بن المثنى (206هـ): «طرفةُ أَجوَدُهم واحدةً، ولا يُلْحَقُ بالبحور» يعني امرأ القيس وزهيراً والنابغة والأَعشى؛ فهو يجعل معلقته أجود المعلّقات، ولكنَّ قلّةِ شعرِه بأيدي الرواة تجعله لا يلحق بمَنْ كَثُرَ شعرُهُ فكان كالبحر.
وعند النّظر فيما صحّ من شعر طرفة يظهر أنّ نحوَ الرُّبع منه ساكنَ القوافي، وهو أمرٌ تأثّر به الأعشى فجاءَت في شعره عدّة قصائد ساكنة القوافي.
وكأنَّ العلماءَ الذين جمعوا المعلّقات وافقوا ما ذهب إليه لبيد في وَضْعِهِ بعدَ امرئ القيس، فجَعَلُوا معلّقتَهُ في الترتيب بعد معلقة امرئ القيس، وإن كانت معلّقتُهُ ـ فيما اجمعوا عليه ـ أجودَ المعلّقات.
بقلم محمد شفيق البيطار

والقول إن طرفة بلغ بشعره، على قلته، ما عجز عنه شعراء كبار، ويكفي أنه في حياة قصيرة جداً وضع نفسه بين شعراء المعلقات.

غسان منيف
16-09-2007, 01:06 PM
وموضوع الصوم أفضل ما يمكن لقطاف الموسوعة تقديمه مع قدوم شهر رمضان المبارك

الصوم
الصوم لغة: الإمساك والكف عن الشيء، وشرعاً: هو الإمساك نهاراً عن المفطرات بنية من أهله من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. والمفطرات تشمل شهوتي البطن والفرج.
والصوم في شهر رمضان كل عام، ركن من أركان الإسلام وفرض من فروضه، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة 183)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن ابن عمر: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً»، وقد فرض الصوم لعشر من شعبان في السنة الثانية من الهجرة بسنة ونصف إجماعاً. وشهر رمضان أحد الأشهر القمرية، ومتوسط دورة القمر (28 ثانية + 44 دقيقة + 12 ساعة + 29 يوم).

زمن الصوم
من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في رمضان عند ثبوت مطلع الهلال، ويؤخذ في البلاد التي يتساوى فيها الليل والنهار أو في حالة طول النهار كثيراً بتوقيت أقرب البلاد المعتدلة لبلد الصائمين.
والصوم كما قال تعالى: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقون} كان مفروضاً على الأنبياء والأمم من لدن آدم عليه السلام إلى اليوم، والمراد بالمماثلة: إما المماثلة في أصل الوجوب، وإما في الوقت والمقدار (أي في رمضان) بناءً على أن أهل الكتاب فرض عليهم صوم رمضان، فتركه اليهود إلى صوم يوم من السنة وهو ما زعموا أنه يوم عاشوراء المحرم وهو اليوم الذي أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى عليه السلام، وزاد فيه النصارى يوماً قبل ويوماً بعد، احتياطاً حتى بلغوا فيه خمسين يوماً، فصعب عليهم في الحر، فنقلوه إلى زمن نزول الشمس برج الحَمل. أخرج الطبراني وغيره عن مغفل بن حنظلة مرفوعاً: «كان على النصارى صوم شهر رمضان، فمرض ملكهم، فقالوا: لئن شفاه الله تعالى لنزيدن عشراً، ثم كان آخر فأكل لحماً فأوجع فوه (فمه) فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدن سبعة، ثم كان عليهم ملك آخر، فقال: ما ندع من هذه الثلاثة أيام شيئاً أن نتمها ونجعل صومنا في الربيع، ففعل، فصارت خمسين يوماً».

حكمته
الصوم مشروع في جميع الأديان، لفوائده الكثيرة الدينية والخلقية والنفسية والصحية، فهو طاعة لله تعالى، يثاب عليها المؤمن ثواباً مفتوحاً لا حدود لـه، ومدرسة خلقية يتدرب فيها المؤمن على خصال كثيرة هي جهاد النفس، ومقاومة الأهواء، وتقوية الإرادة، وشحذ العزيمة، وتعلُّم الصبر والنظام، وصفاء الذهن، وتنمية عاطفة الرحمة نحو المحتاجين، والشعور بالأخوة الإنسانية، وتجديد نشاط الجسم وإراحة جهاز الهضم والتخلص من الفضلات والرواسب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن السني وأبو نعيم: «صوموا تصحوا».
وفي شهر رمضان: ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، ورمضان سيد الشهور، والصوم إلى الصوم يكفر الخطايا، والصوم يدرّب على عفة اللسان، والخشوع لله تعالى.

شروطه
يشترط لوجوب الصوم خمسة شروط، هي: الإسـلام والبلوغ والعقل والمقدرة أو الصحة والإقامة غير السفر، فلا يجب على غير المسلم حال عدم إيمانه، ولا على الصبي والمجنون والمغمى عليه والسكران، والمريض والمسافر، وعليهم إن كانوا مكلفين القضاء بعد زوال الإغماء وبعد الصحو والصحة والإقامة.
ويشترط لصحة الصوم ثلاثة شروط أخرى، هي: النية، والخلو عما ينافي الصوم من حيض ونفاس، وعن كل ما يفسده، فإذا حاضت المرأة أفطرت وقضت أيامها.
والنية مطلوبة في كل أنواع الصيام فرضاً أو تطوعاً، ومحل النية القلب، ويشترط تبييت النية ( إيقاعها ليلاً ) للحديث النبوي الذي أخرجه الدار قطني والبيهقي: «من لم يبيِّت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له»، وأجاز الحنفية في أداء رمضان والنوافل عقد النية إلى الضحوة الكبرى.

ركن الصوم
الإمساك عن المفطرات، أي الإمساك عن شهوتي البطن والفرج، كما تقدم.

سننه
السحور على شيء وإن قل، ولو جرعة ماء، وتأخيره لآخر الليل قبل الفجر، وتعجيل الفطر عند تيقن الغروب وقبل صلاة المغرب، والدعاء عقب الفطر بالمأثور، بأن يقول: «اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، وعليك توكلت، وبك آمنت، ذهب الظمأ وابتلّت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى، يا واسع الفضل اغفر لي، الحمد لله الذي أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت» ويسن تفطير الصائم ولو على تمرة أو شربة ماء، والاغتسال عن الجنابة والحيض والنفاس إذا انقطع الدم قبل الفجر، وكف اللسان والأعضاء عن الإثم كالسب والشتم والنظر إلى العورات المحرمة، والغيبة والنميمة والكذب، مما هو محظور شرعاً، ويتأكد المنع منه في رمضان، وترك الشهوات واللذائذ من مسموع ومبصر وملموس ومشموم كشم الريحان ولمسه والنظر إليه، وترك الفصد والحجامة، والتوسعة على الأسرة، والإحسان إلى الأرحام، والإكثار من الصدقة على الفقراء والمساكين، والاشتغال بالعلم وتلاوة القرآن، والاعتكاف (المكث في المسجد للتفرغ للعبادة) ولاسيما في العشر الأواخر من رمضان.
ويكره صوم الوصال (متابعة صوم يومين من غير طعام ولا شراب)، والمثيرات الجنسية كالقبلة، والترفه بالمباحات كشم الطيب والحمام، وذوق الطعام والعلك.

أعذار الفطر
يباح الفطر للأعذار الآتية: السفر لمسافة القصر (86 أو 89 كم) والمرض، والحمل، والرضاع، والهرم، وإرهاق الجوع أو العطش، والإكراه على المفطرات، والجهاد.

مفسدات الصوم
يفسد الصوم بتناول الغذاء والدواء ولو لعذر شرعي، والجماع، وإنزال المني، ويجب القضاء والكفارة بتناول المفطرات عمداً عن طريق الفم أو الأنف أو الأذن أو الشرج أو الإحليل.
ولا يفسد الصوم بتناول مفطر سهواً، وبالقطرة في العين، والاكتحال في العين، والحجامة، والسواك، والمضمضة والاستنشاق، والاغتسال أو السباحة، والاغتياب،وإدخال الغبار أو الدخان عمداً في الفم وبلعه، وخلع الضرس، وصب الماء أو الدهن في الإحليل، وإدخال العود في الأذن، وابتلاع النخامة، والقيء غير المتعمد، وأكل ما بين الأسنان من دون الحمصة، لأنه تبع لريقه، والإصباح جنباً والحقن في العضل أو تحت الجلد أو في الوريد، وشم الروائح العطرية.

قضاء الصوم
يجب القضاء على من أفطر يوماً أو أكثر من رمضان، بعذر كالمرض والسفر والحيض ونحوه، أو بغير عذر كترك النية عمداً أو سهواً في رأي غير الحنفية، لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (البقرة 184).
ويأثم المفطر بلا عذر، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه: «من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا مرض، لم يقضه صوم الدهر كله، وإن صامه».

وقت القضاء
ما بعد انتهاء رمضان إلى مجيء رمضان المقبل، ويندب تعجيل القضاء إبراء للذمة ومسارعة إلى إسقاط الواجب، ويستحب موالاة القضاء أو تتابعه، ولكن لا يشترط ذلك.
ومن مات وعليه صوم، فإن مات قبل إمكان القضاء فلا شيء عليه ولا إثم عليه، لعدم تقصيره، لأنه فرض لم يتمكن منه إلى الموت، فسقط حكمه إلى غير بدل كالحج، وأما إن مات بعد إمكان القضاء، فيطعم عنه مكان كل يوم مُدّاً من حنطة (والمد 675 غ) ولا يصوم عنه وليه عند الجمهور. واستحب الحنابلة للولي أن يصوم عن الميت، لأنه أحوط لبراءة الذمة.
وتجب الفدية (نصف صاع، والصاع 2751 غ) للعجز عن الصيام، كالشيخ الكبير والعجوز، والمرض الدائم الذي لا يرجى برؤه، وعلى الحامل والمرضع إذا خافتا على ولدهما، فإن خافتا على أنفسهما، فلهما القضاء فقط، وتجب الفدية عند الأكثرين على من فرط في قضاء رمضان حتى جاء رمضان آخر ولم يقض ما فاته من الأيام.
ويجب الصوم أيضاً بالنذر، لقوله تعالى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ } (الحج 29) حتى ولو كان معلقاً بشرط وتحقق الشرط، ولا يجزئه الصوم قبل وجود الشرط، لأن المعلق بالشرط عدمٌ قبل وجوده، وإنما يجوز الأداء بعد وجود السبب الذي علق النذر به.
بقلم الأستاذ العلامة وهبة الزحيلي

وكل عام والجميع بألف ألف خير

غسان منيف
06-11-2007, 11:17 AM
ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسم

هل ثمة أبيات شعر تفوق هذه الأبيات في الغزل؟ وهل ثمة من استطاع ابتداع هكذا صورة؟

ولقد شفى نفسي وأذهب سقمها ... قيل الفوارس ويك عنترة أقدم

هذا شاعر فارس قل نظيره في الشعر العربي حتى إنه صار فارس الشعراء وشاعر الفرسان. والحديث هنا ليس إلا عن عنترة بن شداد العبسي الذي سيقدمه قطاف الموسوعة العربية مع لمحة عن سيرته الشعبية

عنترة بن شداد
عنترة بن شداد العبسي شاعر جاهلي من الشعراء السود، أمه جارية حبشية اسمها زبيبة، كانت عند شداد أحد سادة بني عبس، فولدت له عنترة الذي ورث عن أمه سواد لونها مما حمل أباه على إنكار نسبه إليه ومعاملته معاملة العبيد، وقد أشار عنترة إلى نسبه هذا بقوله:
إني لتُعرفُ في الحروب مواطني
في آل عبسٍ مشهدي وفَعالي
منهـم أبي حقـاً فهـم لي والـدٌ
والأمُّ من حامٍ فهـم أخوالي
يُكنى أبا المغلس وأبا عبلة، ويُلقّب عنترة الفلحاء وعنترة الفوارس، هذا المشهور من اسمه ونسبه ولقبه. وقد اختلف القدماء في ذلك اختلافاً كبيراً، وأُثبت ههنا الراجح من هذه الأقوال.
لايُعرف تحديد دقيق لزمن ولادته، والراجح أنه ولد في النصف الأول من القرن السادس الميلادي، وعاش حياة العبودية عند أبيه الذي لم يلحقه بنسبه لسواد لونه، وكانت العرب في الجاهلية إذا كان للرجل منهم ولد من أمة استعبده، فظل عنترة يقوم بما يُكلَّف به العبد من خدمةٍ ورعيٍِ للماشية وما إلى ذلك حتى ألحقه أبوه بنسبه.
وتشير الأخبار أن زوجة أبيه (سُمية) ادعت أن عنترة راودها عن نفسها، فضربه أبوه ضرباً شديداً كاد يقضي عليه، فرمت سمية نفسها عليه ومنعته من ضربه، فطرده ليعيش مدة عند عمه، وقد أشار عنترة إلى موقف سمية هذا بقوله:
أمن سُميةَ دمعُ العين مذروف
أو أن ذا منك قبـلَ اليومِ معروف
كأنها يومَ صدّتْ ما تُكلمنـي
ظبيٌ بعَسفانَ ساجي العينِ مطروف
تَجلّلتنيَ إذ أهوى العصا قِبَلي
كأنهــا صنـمٌ يُعتـادُ معكـوف
وارتبطت أخبار عنترة بقصة حبه ابنة عمه عبلة بنت مالك، وما لقي من جراء ذلك من آلام وما تكبده من مشاق، وقد أمضى حياته يذكرها في شعره، ويبين أن خصاله الحميدة وفروسيته أهم من سواد لونه، من ذلك قوله:
لعلّ عبلةَ تُضحي وهي راضيةٌ
على سوادي وتمحو سَورةَ الغضب
وقوله:
هلاّ سألتِ الخيلَ يا ابنةَ مالك
إنْ كنتِ جاهلةً بمـا لـم تعلمي
يخبرْكِ من شهدَ الوقيعةَ أنني
أغشى الوغى وأعفُّ عند المغنم
وقد شارك عنترة في حرب داحس والغبراء التي كانت بين عبسٍ وذبيان وامتدت نحو أربعين عاماً، وكان أحد فرسانها المبرزين، وتشير المصادر إلى السبب الذي حمل أباه على الاعتراف به وإلحاقه بنسبه، إذ إن بعض أحياء العرب أغارت على قوم من بني عبس، وأخذوا منهم أموالهم، فلحقهم العبسيون وقاتلوهم، وكان فيهم عنترة، إلا أنه لم يشارك في القتال، فقال له أبوه: كرّ عليهم يا عنترة. فأجابه: العبد لا يُحسن الكر، وإنما يُحسن الحِلابَ والصر، فقال له أبوه: كرّ وأنت حر، عندها أقدم على القتال واستعاد العبسيون ما سُلِب منهم، واعترف أبوه به وصار حراً.
اشتهر عنترة بفروسيته، فقد أخذ نفسه بفنون القتال، وتمرّس عليها، وقد أورثه هذا التمرس خبرة استخدمها في حروبه مع أعدائه، وأكسبته شهرة عظيمة، وجعلت فارساً مرموقاً يتحدث عنه العرب وتُضرَب بشجاعته الأمثال، وتذكر المصادر ثلاثة أفراسٍ له هي: الأدهم والأبجر والأغر، وقد ذكرها في شعره، من ذلك قوله في الأدهم:
يدعون عنترَ والرماحُ كأنها
أشطانُ بئرٍ في لَبانِ الأدهم
كما عرف من أخلاقه العفة والمروءة والنجدة ونبل الأخلاق، وظهر ذلك جلياً في شعره كقوله:
وأغضُّ طَرفي ما بدتْ لي جارتي
حتى يواري جارتي مأواها
وقوله:
ولقد أبيتُ على الطَّوى وأظلُّه
حتى أنالَ به كريمَ المأكل
وتعددت الأخبار حول وفاته؛ فمن قائل إنه مات في طريق بعدما أسنّ، إلى قائل إنه أصيب برمية قتلته؛ في أكثر من رواية. وكانت وفاته قبيل الإسلام بقليل.
يعد من أبرز شعراء الجاهلية، وأوفرهم شهرة، وتعددت أغراضه الشعرية، وبرز فيها الفخر والحماسة؛ ولاسيما الفخر الفردي، كقوله:
لما رأيتُ القومَ أقبلَ جمعُهم
يتذامرون كررْتُ غيرَ مُذمّمِ
كما برز غزله العفيف بعبلة، ومنه قوله:
ولقد نزلتِ فلا تظنّي غيرَه
مني بمنزلةِ المحبِّ المكرَم
إضافة إلى الأغراض الشعرية الأخرى. وقد اتصف شعره بالواقعية، وبروز أسلوب السرد والحكاية والتشخيص .
جُمع شعرُه قديماً ونُشر محققاً مع دراسة وافية لمحمد سعيد مولوي.
وقد أصبحت شخصية عنترة رمزاً للبطولة والفروسية تناقلت أخبارها الأجيال ودخلت في الموروث الشعبي للأمة حتى كتبت عنها السيرة الشعبية.

سيرة عنترة
لقد صوّرت السيرة الشعبيّة عنترة بن شداد وهو يولد لشدّاد بن قراد العبسيّ من أمة زنجيّة اسمها زبيبة، ولم يعترف شدّاد بهذه النسبة بادئ الأمر، ونشأ عنترة أسود اللون مع العبيد والإماء وقد فطن زهير بن جذيمة زعيم بني عبس لمخايل الفروسيّة التي ترتسم ملامحها على محيّاه، فقسمات وجهه الجادّة ونظراته الصارمة وعضلاته المفتولة وصدره العريض تنمّ على أنّه سيكون له شأن ستجلوه الأيّام، وسمّاه زهير: «حامي بني عبس وفارس كلّ من طلعت عليه الشمس» وكان عنترة يصرع أقرانه، ويسير في الليل غير آبه بما فيه من ويل، كان يقول: الليل يكفيك الجبان ونصف الشجاع. ويردد: الشجاعة صبر ساعة. وحين أغار بنو طيئ على بني عبس، وقتلوا رجالاً وسبوا نساء كان عنترة معتزلاً عن بني عبس يرعى الإبل، فلحق به أبوه شدّاد قائلاً: ويك عنترة كرّ. فيجيب عنترة: العبد لا يحسن الكرّ إنمّا يحسن الحلب والصرّ. فيصرخ شدّاد: كرّ وأنت حرّ.
تروي السيرة المشاهد القتالية التي خاضها عنترة مع أقوام كثر من قيس ويمن، فحياته إمّا على صهوة جواده في طعان وقتال وإمّا جالس على وليمة يلتهم لحم الجزور، ويعاقر المعتقّة الصهباء ولم تترك السيرة فارساً نبغ اسمه أو علا شأنه، إلاّ وتجعل عنترة يبارزه ويجالده، إمّا يقتله أو يصرعه، ليشدّ أخوه شيبوب وثاقه، فيقتل مسحل بن طراق الكندي الذي أراد أن يتزوّج عبلة مستهيناً بشأن عنترة، ويقتل زهير بن جذيمة من بني عامر، ولقيط بن زرارة، ويحالف عامر بن الطفيل بعد مناوءة ومماحكة، ثمّ ما يلبث هذا الصريع أن يعقد صفقة صداقة مع عنترة، وترتقي هذه الصداقة إلى مرتبة التحالف، حدث هذا مع عروة بن الورد وعمرو بن معدي كرب وعمر بن ودّ العامري، ودريد بن الصمّة، ولم تترك السيرة فارساً أو شاعراً أو أميراً سواء عاصر عنترة أم لا إلاّ وله معه حكاية، كالنابغة الذبيانيّ الذي تآمر عليه أو الحطيئة الذي أراد الاستفادة منه، وكان شيبوب المنقذ لعنترة في اللحظات الحرجة، وسلاحه الذي لايخطئ القوسُ والنبل، وتصوّره السيرة خبيراً في المسالك والدروب صاحب مكر ودهاء، ويعدو كالظليم (ذكر النعام) وأحرز قصب السبق على داحس والغبراء، وتدور السيرة حول عبلة بنت مالك، ويعد مالك وابنه عمرو عنترة بأن يزوّجاه من عبلة التي هام بها عنترة أشد الهيام وأنشد فيها أجمل الأشعار، وناصب بنو زياد عنترة العداء لأجلها، وعلى رأسهم الربيع بن زياد وأخوه عمارة الذي خطبها من أبيها رغم الوعد الذي قطع لعنترة، وكلّما وقعت عبلة وأترابها في السبي وعجزت فرسان بني عبس عن إنقاذهنّ فزعوا إلى عنترة لتخليصهم من الورطة، وكثيراً ما تقوده المصادفة المحض في الظروف الحرجة لتخليص النساء من السبي والرجال من الأسر، وكلّما طالب عنترة عمّه بتنفيذ الوعد بتزويجه راغ عمّه كما يروغ الثعلب، وطلب منه التريّث، واشترط عليه المعاجز، وذات مرّة طلب مهراً لابنته ألف ناقة من النوق العصافير إبل المنذر بن النعمان، فما كان من عنترة إلاّ أن يطلب من أخيه شيبوب مرافقته إلى الحيرة، وحاولا إجبار الرعاة والعبيد على سوق ألف ناقة من النوق العصافير إلاّ أنّ الحظ لم يحالف عنترة هذه المرّة، فيكبو حصانه وينبو حسامه عن الضرب ويتكاثر عليه القوم فيشدّون وثاقه، ويسقط في سجن المنذر بن النعمان ويتمكّن شيبوب من الهرب، ويتخلّص عنترة من السجن بصرعه لسبع كاسر، فأعجب المنذر من شجاعة عنترة، وأعطاه طلبه من النوق ، ثم أرسله إلى كسرى أنوشروان، وعنده يبارز عنترة الفرسان ويصرع بهرام فارس الديلم أمام كسرى، ويقتل البطريق الذي أرسله قيصر الروم إلى كسرى، فيعطي كسرى عنترة هدايا قيصر ويحمّله بالذهب والفضّة ويضمّ هذه الهدايا الثمينة إلى النوق العصافير، كلّ هذه الغنائم والهدايا لم تقنع مالكاً كي يفي لعنترة بالوعد الذي قطعه على نفسه، ويشكو عنترة لشاس بن زهير قائلاً: أيّها الأمير، أنت تعلم أنّ أباها أطمعني فيها، ووعدني بها، وتعلم كم مرّة خلّصتها من السبي، وألقيت بنفسي في المخاطر بسببها، ولمّا طلب النوق العصافير، أتيته بها محمّلة بالجواهر والدنانير، زد على ذلك ما أتيته به من أنعام الملك الأكبر وتحف الملك قيصر، وما زلت أخاطر بنفسي لأجل هذه الجارية، وجراحي لم تزل دامية.
وتروي السيرة أنّ الأكاسرة والقياصرة هادنت عنترة بعد أن يئست من هزيمته، فطلبت ودّه ورغبت في مسالمته، وأخيراً أخذ يلمّ بعبلة ويبثّها أرقّ أشعاره، وينشد:
يا دار عبلة بالجواء تكلّمي
وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي
وفي السيرة أشعار كثيرة قالها عنترة في الفخر والحماسة منها:
لا تسقني ماء الحياة بذلّةٍ
بل فاسقني بالعزّ كأس الحنظلِ
ماء الحياة بذلّـةٍ كجهنّم
وجهنّـم بالـعزّ أطيب منزلِ
ويصرخ:
أنا في الحرب العوانِ
غير مجهـول المكانِ
أينما نـادى المنادي
في دجى الـنقع يراني
وحسامي مـع قناتي
لفعـالي شـاهـدانِ
إنّني لـيثٌ عـبوسٌ
ليس لي في الخلق ثاني
وأخذ ينشد وهو يتمايل طرباً:
حصـاني كان دلاّل المـنايا
فخاض غمـارها وشرى وباعا
وسيفي كان في الهيجا طـبيباً
يداوي رأس من يشكو الصداعا
أنا العبدُ الـذي خبّـرتَ عنه
وقـد عايـنتني فـدعِ السماعا
ولو أرسلتُ رمحي مـع جبانٍ
لكـان بهيـبتي يلـقى السباعا
ملأتُ الأرض خوفاً من حسامي
وخصـمي لم يجـد فيها اتساعا
صوّرت السيرة عنترة وهو يقصف بسيفه رقاباً عدّة بضربة واحدة، ويفلق هامات الرجال، وينزع أحد الفرسان من فوق سرج حصانه ويضرب به آخر فيرديه قتيلاً، أو يقذف به في الجو لتختطفه النسور العواكف الحائمة فوق ساحة الوغى طلباً للغذاء.
لا شكّ في أنّ هذه السيرة فيها مبالغات كثيرة وخيال جامح ومغالطات تاريخيّة شأنها شأن سيرة بني هلال وسيرة المهلهل وقصّة ألف ليلة وليلة، وقد كتبت هذه السيرة بلغة دارجة لا تراعي النحو والصرف، وعباراتها مسجوعة في أغلب الأحيان، وهناك السيرة الحجازيّة والسيرة العراقيّة والسيرة الشاميّة، وفيها تباين واختلاف في سرد الأحداث.


أذ لا أزال على رِحَالة سابح... نَهْدٍ تعاوَرُه الكُماةُ مُكَلَّم
ومدجج كَرِهَ الكُماة نزاله... لا ممعن هرباً ولا مستسلم
جادت له كفي بعاجل طعنة...بمثقفٍ صَدْقِ الكُعُوب مُقَوَّم

ذلك هو عنترة العبسي شاعر المعلقات، وقد ذهب كثير من النقاد والكتّاب إلى تقديم معلقة على أخرى، واختلفت الآراء في الاختيار... أما وجهة نظري الشخصية المتواضعة فتعتمد على الاستدلال والاستنتاج، وليس أدل على بَزِّ عنترة سواه من أصحاب المعلقات سوى سيرته الشعبية التي ملأت الدنيا وشغلت الناس.

غسان منيف
20-11-2007, 12:21 PM
ثمة مثل يقول: »جاور السعيد تسعد«، مثل نسمعه كثيراً وقد نشعر برضى حين سماعه، ولكن لنرى كيف كان حال دريد بن الصمة وقبيلته هوازن في قطاف الموسوعة اليوم.

دُرَيْد بن الصِّمَّة
(… ـــ 8هـ/… ـــ 629م)
دريد بن الصِّمّة (والصِّمة معاوية الأصغر) شاعر جاهلي، من قبيلة غَزِيّة من هوازن، من قبائل شرقي الحجاز، التي يقول دريد فيها:
فهل أنا إلا من غَزِيَّةَ إن غَوَتْ
غَوَيتُ، وإن ترشُد غزيّةُ أرشدِ
وهو فارس شجاع فحل، من ذوي الرأي الذين يُرجَع إلى رأيهم في الجاهلية ، وكان في جاهليته أشعر الفرسان وأبعدهم أثراً، وأيمنهم نقيبة عند العرب، وكان سيد بني جُشم وفارسهم وقائدهم، غزا نحو مئة غزوة ما أخفق في واحدةٍ منها، وكان خاله الفارس الشاعر عمرو بن معديكرب الزبيدي، فأم دريد أخت عمرو واسمها ريحانة، وهي التي عناها أخوها عمرو بقوله في شعره:
أمِِِن رَيْحانةََ الدَّاعي السميعُ
يؤرّقني، وأصحابي هُجُوعُ
إذا لم تستطعْ شيئاً فدَعْه
وجاوِزْه إلى ما تستطيعُ
ويقال إن الصِّمة أبا دريد تزوج ريحانة، بعد أن سباها في معركة، فولدتْ له خمسة أولاد: عبد الله، وقتلتْه قبيلة غطفان، وعبد يغوث قتله بنو مُرَّة، وقيس قتله بنو أبي بكر بن كِلاب، وخالد قتله بنو الحارث بن كعب، أمهم جميعاً ريحانة بنت معد يكرب الزُّبيدي، وكلهم قال دريد فيهم شعر رثاء بعد موتهم. وكان من عادته أنه لا يكتحل ولا يدّهن ولا يشرب خمراً حتى يثأر لهم. تزوج امرأة وجدها ثيباً فهمَّ بقتلها، ثم تزوج أخرى اسمها أم معبد، وقد أقامت عنده، ولكنها عاتبته على كثرة بكائه على أخيه عبد الله فطلقها، ورأى دريد الخنساء (تماضر بنت عمرو بن الشريد) الشاعرة المشهورة فأُعجب بها، فقال قصيدة بائيّة يتغزل بها. ثم حدّثتْه نفسه بخُطبتها، فشاورها أبوها بذلك فرفضت، ووقع بينهما التهاجي بالشعر. ويعد دريد من المعمرين، ويبدو أنه خرف في آخر حياته، فعمد أولاده إلى عزله، وله ولدان مشهوران أحدهما اسمه (سلمة) وكان شاعراً والثانية ابنته (عمرة) وكانت أيضاً شاعرة، ولها في والدها مراث كثيرة. أدرك دريد الإسلام، ولكنه لم يُسلم، خرج مع قومه في يوم حنين مظاهراً للمشركين، فقُتل يومها على شركه، وإنما رغبت هوازن أن تصحبه في معركة حنين لا للاستفادة من جهوده الحربية وإنما تيمناً به؛ لأنهم يعتقدون أنه لم يدخل معركة ويخفق بها.
أما شعره فهو من أسرة شاعرة. فأبوه شاعر، وأخوه مالك شاعر أيضاً، وخاله شاعر، وإخوته الآخرون شعراء، وابنه سلمة وابنته عمرة شعراء أيضاً. وهو يجمع إلى موهبة الشعر التي ورثها عن آبائه وأجداده، وأورثها أبناءه وأحفاده، الحكمة، والتجربة الحياتية الطويلة، وكان كلما عاد من معركة قال شعراً، كلما قُتل له أخ- وكلهم قتلوا في المعارك- قال شعراً وكان يقول القصيدة الطويلة، يفرِّق فيها الأبيات الحكمية التي تخلد على مر الزمان فله الأبيات المشهورة:
أمرتهمُ أمري بمنعرَج اللوى
فلم يستبينوا الرُّشد إلا ضحى الغَدِ
فلما عَصَوْني كنت منهم وقد أرى
غَوايَتهم وأنّني غير مهتد
ويقال إن علي بن أبي طالب تمثَّل بها بعد أن عوتب في قبوله التحكيم، ويوم خرج الخوارج عليه.
ومما أُثر عن الأصمعي أنه كان يفضّل شعر دريد بن الصمة على شعر النابغة الذبياني. اهتم المستشرقون به، فقد ذكر فؤاد سزكين مجموعة من المستشرقين الذين اهتموا بشعره وكتبوا عنه، وبعضهم ترجم شعره إلى لغة أجنبية.
بقلم محمود الربداوي

كما ترى يا صديقي فقد صحبت هوازن فارسها السعيد مع أنه كان شيخاً هرماً يبلغ من العمر 120 عاماً لتسعد بجواره ولتفيد من مشورته في غزوة حنين، فقضى السعيد (دريد) ولم تأخذ قبيلته بمشورته وما نالت شيئاً من سعده.
ــ

غسان منيف
03-02-2008, 01:50 PM
ولأنني تحررت قليلاً من أسر العمل وضغوطاته، ولأنني شعرت بغربة في انقطاع التواصل معكم، ارتأيت أن أعود من أسر العمل مع شاعر فارس عاد من أسره بعد أن أبدع فيه شعراً، والحديث هنا ليس إلا عن أبو فراس الحمداني شاعر قطاف الموسوعة العربية اليوم

أبو فراس الحمداني
(320 ـــ 357 هـ/932 ـــ 967م )
الأمير أبو فراس، الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون الحمدانيّ، ابن عمِّ سيف الدَّولة الحمدانيِّ. أديب شاعر عباسي مُبَرِّز.
كان الصَّاحب بن عبَّاد يقول: »بُدئ الشعر بملك، وخُتمَ بملك«؛ يعني امرأ القيس وأبا فراس.
شهد له المتنبي بالتقدُّم والتَّبريز، وكان يتحامى جانبه، فلا ينبري لمباراته.
كان فارس الدَّولة الحمدانيَّة، مقداماً على القتال، لقِّب شاعر الفرسان وفارس الشعراء، أُسِرَ مرّتين، فالمرَّة الأولى بمغارة الكحل سنة (348هـ)، وسجن في حصن خَرْشَنَةَ، وما تعدَّت به الرُّوم حصنَها، يُقال إنه فرَّ من أسره على ظهر فرس قطع به الفرات. والمرَّة الثَّانية أسرته الرُّوم في مَنْبِج سنة (351هـ) ـ وكانت منبج إقطاعَه ـ وحملوه إلى القسطنطينية، وظلَّ في الأسر أربع سنوات، وله في أسره أشعار كثيرة مثبتةٌ في ديوانه، وسمِّيت أشـعاره في الأسر
« الروميات« استعطف ببعضها سيف الدولة لفدائه، وكان أبطأ في ذلك، إذ أوغر أعداء أبي فراس صدر ســيف الدولة بالعداوة، وأوهموه أن أبا فراس يطمع في ملكه، غير أنه فداه بعد ذلك، ومن روميات أبي فراس في استعطاف سيف الدولة قوله:
فَكَيفَ وَفيما بَينَنا مُلكُ قَيصَـرٍ
وَلِلبَحرِ حَولي زَخرَةٌ وَعُبابُ
أَمِن بَعدِ بَذلِ النَفسِ فيما تُريدُهُ
أُثابُ بِمُرِّ العَتبِ حيـنَ أُثابُ
فَلَيتَكَ تَحلو وَالحَيــاةُ مَريرَةٌ
وَلَيتَكَ تَرضى وَالأَنامُ غِضابُ
قُتِلَ في واقعة جرت بينه وبين موالي أسرته، ولما حضرته الوفاة كان ينشد ابنته مخاطباً ابنته:
نوحي عليَّ بحســرةٍ
من خلف سِتْرِكِ والحجاب
قولي إذا كلَّمْتِنِــــي
فعييْتُ عن ردِّ الجــواب
زين الشّــباب أبو فرا
سٍ لم يمتَّع بالشـــباب
قال ابن خلكان: »وهذا يدل على أنه لم يقتل أو يكون قد جرح وتأخر موته ثم مات من الجراحة«، قيل إن الذي قتله هو قرغويه غلام سيف الدولة بأمر من أبي المعالي بن سيف الدولة، كان مقيماً في حمص. وجرت المعركة قرب قرية صدد، فقتل وأخذ رأسه، وبقيت جثته مطروحة في البرية، إلى أن جاءه بعض الأعراب فكفَّنه ودفنه.
قال الثعالبي: »شعره مشهور سائر بين الحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة »، له غزل رقيق عذب، يجمع في غزله أخلاق الأمراء الفرسان العاشقين، وهذه الخصائص تظهر في غزلياته واضحة، من ذلك قصيدته التي اشتهر بها، ومنها قوله:
أَراكَ عَصِيَّ الدَمعِ شيمَتُكَ الصَبرُ
أَما لِلهَوى نَهيٌ عليكَ ولا أَمـرُ
بلى أَنا مُشـــتاقٌ وَعِندِيَ لَوعَةٌ
وَلَكِنَّ مثــلي لايُذاعُ له سِـرُّ
إِذا اللَيلُ أَضواني بَسَطتُ يَدَ الهَوى
وَأَذلَلتُ دَمعاً مِن خَلائِقِهِ الكِبـرُ
مُعَلِّلَتي بِالوَصلِ وَالمَوتُ دونَــهُ
إِذا مِتَّ ظَمآناً فَلا نَزَلَ القَطـرُ
تُسائِلُني مَن أَنتَ وَهيَ عَليمَــةٌ
وَهَل بِفَتىً مِثلي عَلى حالِهِ نُكرُ
وتظهر في سياق هذه القصيدة صفات العاشق الفارس في حوارية استعطافية رائقة لا تخلو من فخر الفارس ومباهاته بشجاعته بين يدي محبوبته:
[رُ
مرَّ شعره بمرحلتين في بداية حياته الشعرية؛ في المرحلة الأولى ظهر شـعره متأثراً بفحول الجاهليين والأمويين. وفي المرحلة الثانية جرى على مقتضيات عصره، فجاء شعره بسيطاً واضحاً بعيداً عن التكلف، إضافة إلى النزعة الخطابية في غرضَي الفخر والحماسة:
لنا أوَّلٌ في المكرمـــاتِ وآخـرُ
وباطـنُ مجـدٍ تغلبيٍّ وظاهرُ
تبوَّأتُ من قَرْمَيْ مَعَدٍّ كلَيهمــــا
مَكَاناً أراني كيفَ تُبنَى المفاخرُ
أنا الحارثُ المُختارُ مِن نسلِ حارثٍ
إذا لمْ تسُدْ في القومِ إلا الأخايِرُ
وأبو فراس، شاعر وجداني سخَّر كثيراً من شعره للحديث عن مشاعره وأحاسيسه، وما يعتلج في صدره من آلام وآمال، وعمل على تضمين ذلك في شعره، وجاء بعضه في سياق أسلوب السرد الحكائي، كقوله يخاطب حمامة في أسره في إحدى رومياته البديعة:
أَقولُ وَقَد ناحَت بِقُربي حَمامَـةٌ:
أَيا جارَتا هَل تَشعُرينَ بِحالي
مَعاذَ الهَوى ماذُقتِ طارِقَةَ النَوى
وَلا خَطَرَت مِنكِ الهُمومُ بِبالِ
أَيا جارَتا ما أَنصَفَ الدَهرُ بَينَنا
تَعالَي أُقاسِـمكِ الهُمومَ تَعالَي
أَيَضحَكُ مَأسـورٌ وَتَبكي طَليقَةٌ
وَيَسـكُتُ مَحزونٌ وَيَندِبُ سالِ
لقد كُنتُ أَولى مِنكِ بِالدَمعِ مُقلَةً
وَلَكِنَّ دَمعي في الحَوادِثِ غالِ
بقلم أحمد دهمان

: ثمة شاعر بدوي من سورية يقول في إحدى قصائده باللهجة البدوية الدارجة:
"سلاح الكرابة (القرابة) يا يوما (أمي) ما أصعب صوابه
تلك كانت سيرة الشاعر الحمداني الذي لاقى الظلم من أقرب الناس إليه، بل لاقى حتفه بيد ابن أخيه. فهل ثمة ما هو أشد من ظلم ذوي القرابة.