PDA

View Full Version : رحلة مع رهين المحبسين .. حكيم الشعراء وشاعر الحكماء



Ophelia
14-07-2007, 12:40 AM
http://upthings.googlepages.com/abealalaa.jpg


هذا جناه أبي عليّ وما جنيتُ على أحد
أبو العلاء المعري


لم يأتِ عالمٌ من علماء اللغة منذ تدوينها بمثل ما أتى به أبو العلاء، فقد أحاط باللغة العربية إحاطة تامة، واستعمل كل ألفاظها في شعره ونثره، وأبدع فيهما كأحسن ما يكون، كما لم يجتمع لأحد جاء قبله أم بعده مثل ما اجتمع لأبي العلاء من اتقان العلم وسعة الثقافة وعمق المعرفة. إذ أنه قال الشعر وصنفه وهو ابن احدى عشرة سنة.
ذلك هو أبو العلاء الشاعر والأديب والفنان واللغوي البارع، ولكن ما هو نسبه، وفي أي عصر عاش ، وما هي شخصيته، وفلسفته، وما يقال عن إيمانه أو شعره. ذلك ما سنبحثه في دراستنا عنه قبل التعرض لديوانه..


ولادته:

كان يوم السابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة 363 هـ وكانت الشمس تهوي إلى الطرف الآخر من السماء، وتجري فوق قطع الغيوم لتنحدر وراء الجبال فلم تعد تظهر للناظر إليها من مدينة معرة النعمان، وفي ذلك اليوم وكان الجمعة، كان هناك شخصٌ يهرع إلى عبد الله بن سليمان أبي العلاء التنوخي المعري ويزف إليه البشرى بولادة طفلٍ ذكر له، ففرح به وأسماه أحمد.
ولقد ولد في بيت كان فيه القضاة والأئمة، والعلماء، والأدباء، والحكماء، يقول ابن فضل الله العمري في كتابه مسالك الأبصار: "وأما بيته فساده لهم في الفضل رسوخ غير منسوخ، منهم قضاة الأمة، والفضلاء، والأئمة، والحكماء أصحاب العلوم الجمة، والأدباء الناطقون بالحكمة، والشعراء الذين اغتصبوا البحر درّه، والفلك نجمه، والخطباء أهل الورع والاثبات الذين أحيوا السنة، وأماتوا البدع، مما لا يتسع التأليف لاحصائهم"..


مسقط رأسه:

ولد أحمد بن عبد الله بن سليمان أبو العلاء التنوخي المعري في معرة النعمان، وسميت بذلك نسبة إلى النعمان بن بشير الأنصاري، وكان والياً على حمص وقنسرين، إبان حكم معاوية وابنه يزيد، وافترس السبع ابناً للنعمان عندما كان يتصيد، فحزن عليه أيما حزن، وبنى له موضعاً عند قبره، وتكاثر البناء، فنسبت إليه، وكانت تحمل أولاً اسم "ذات القصور.. ويقال إنه كان لها سور حجري وعلى بابها حجر كتب عليه بخط غير عربي طلسما للعقارب فلا تدخلها أو تأوي إليها، وتهرب اذا ما أحضرت إليها، وكانت تكثر فيها أشجار التين والزيتون والفستق والعنب ووصفت بأنها أخصب بلاد الله وأكثرها أرزاقاً؛ ووراءها جبل لبنان.
قال الرضي الموسوي يصفها:


صيانة النفس اغْلتها وارخَصَها *** صيانةُ المالِ فانْظرْ حِكمةَ الباري

غير أننا نرى أبا العلاء يقول غير ما أوردناه من كلام لبعض من زار المعرة، فهو لا يحس بتلك الخضرة، والأرض الطيبة الخصبة، والكروم التي تحيط بها، فيقول:
" وهذه جمل من صفة المعرة: هي ضد ما قاله الله عز وجل أنها مثل الجنة التي وعد المتقون، فيها أنهار من ماء غير آسن. اسمها طيرة، وعند الله ترجى الخيرة، والمورد بها محتبس، وظاهر بترابها في الصيف يبس. ليس بها ماء جار، ولا تغرس فيها غرائب الأشجار".
ترى لماذا كان يحسها أبو العلاء كذلك؟!..


حياته الأولى وفقدانه بصره:

عاش أبو العلاء مع أبيه سنواته الأولى في طيب وهناء حتى كان عام 376 هـ. وله من العمر سنوات ثلاث فقط، فأصيب بالجدري التي ذهبت بعينه اليسرى. وغشى عينه اليمنى بياض، ولم يعد يرى من الألوان سوى الأحمر، وهو يذكر أنه أثناء مرضه ألبسوه ثوباً مصبوغاً بالعصفر، أما ما يذكره في نثره وشعره من الألوان؛ فليس إلا تقليداً لغيره واستعارة منه، أو ربما لا يزال متأثراً بتلك الآثار الباقية من تلك الألوان عندما كان صغيراً، ويقال إنه ذات مرة طلب من جماعة حضروا عنده أن يعدوا له الألوان؛ فعددوها جميعها، حتى قالوا: الأحمر، فقال: هذا هو ملكها، ونُسب ذلك إلى ذكائه المفرط؛ اذ أنه كان قد بلغ فقط السنة الرابعة وشهراً واحداً، حين ألبس ذلك الثوب الأحمر، وهذا على غير ما يقوله البعض من أنه ولد أعمى.
وفي سنته السادسة، أو أوائل السابعة ذهب بصره جملة وكان يحمد الله على حرمانه نعمة البصر، فلا يرى الحياة، وأشياءها المقيتة، فقد قال:


قالوا العمى منظر قبيح *** قلت بفقدانكم يهون
والله ما في الوجود شيء *** تأسى على فقده العيون

وقد لا يكون قوله هذا إلا من باب التعزية للنفس كما يقول البعض في الوقت الذي كثر فيه حساده، وشهرته بدأت تجوب الآفاق، وسمعه مرة أبو الحسن الدلفي الحصيص الشاعر يقول: "أنا أحمد الله على العمى كما يحمده غيري على البصر"


علومه

تلقى أبو العلاء علومه الأولى في المعرة، فتعلم العربية من أهل بلدته، وتعلم مبادئ النحو واللغة على يد أبيه، ثم رحل إلى حلب يطلب الاستزادة على يد محمد بن عبد الله بن سعد النحوي، ثم لم يلبث أن رحل إلى بغداد، وبقي فيها ما يقرب السنة وسبعة أشهر، يطّلع على ما وجد في خزائن بغداد من الكتب، والآثار الأدبية، حتى أحصى اللغة العربية واستعملها، كما لم يحصلها أو يستعملها أحد قبله أو بعده، وتعلم الحديث الشريف من أبيه وجده سليمان بن محمد، وأخيه أبي المجد، وجدته أم سلمة، وقد سمعه أيضاً من أبي زكريا يحيى التنوخي، حتى صار يلزم منزله ليتسنى له سماعه.


ذكاء أبي العلاء

إن التاريخ يعرفنا بالكثير الكثير الذين نبغوا في مختلف الفنون رغم فقدانهم نعمة البصر، ولم تكن تلك العاهة يوماً لتحول دون النبوغ، بل إنها كثيراً ما تقوي من فاعلية الحواس الأخرى كاللمس مثلا، ويعلل ذلك بأنه كثيراً ما يحول فقد البصر دون شرود الذهن، فيضطر الشخص على حصر انتباهه فيما يسمعه أو يلمسه؛ ولذا ليس ما يدعو إلى الشك في قول أبي العلاء بأنه يحمد الله على فقدانه البصر ويعتبره نعمة.
ومما يروى عن ذكائه وحفظه أن جاراً له سماناً كان بينه وبين رجل من أهل المعرة معاملة، فجاءه ذلك الرجل، ودفع إليه السمان رقاعاً كتبها إليه يستدعي فيها حوائج له، وكان أبو العلاء في غرفة مشرفة عليهما، فسمع أبو العلاء محاسبة السمان له، وأعاد الرجل الرقاع إلى السمان، ومضى على ذلك أيام، فسمع أبو العلاء ذلك السمان وهو يتأوه ويتململ، فسأله عن حاله فقال: كنت حاسبت فلاناً برقاع كانت له عندي، وقد عدمتها، ولا يحضرني حسابه؛ فقال لا عليك، تعال إليّ، فأنا أحفظ حسابكما، وجعل يملي عليه معاملته وهو يكتبها إلى أن فرغ وقام، فلم يمض إلا أيام يسيرة حتى وجد السمان الرقاع وقد جذبتها الفأر إلى زاوية في الحانوت، فقابل بها ما أملاه أبو العلاء فلم يخطئ بحرف واحد.

وكان صغيراً عندما حضر إليه جماعة من أكابر حلب الذين سمعوا بفرط ذكائه، وكان يلعب مع الصبيان، فقال لهم: هل لكم في المقافاة بالشعر؟ .. فقالوا: نعم. فجعل كل واحد منهم ينشد بيتاً وهو ينشد على قافيته، حتى فرغ حفظهم وتغلب عليهم .

وأرسل أحد أمراء حلب برسول إليه يطلب كتاب "الجمهرة" الذي قيل إن اللغة التي ينقلها أبو العلاء هي منه، لكنه لم يرسله إلى الأمير حتى قرئت بكاملها عليه وقال للرسول: ما قصدت بتعويقك إلا أن أعيدها على خاطري، خوفاً من أن يكون قد ابتعد منها شيء عن فكري. فعاد الرسول وأخبر أميره بذلك فقال. من يكون هذا حاله، لا يجوز أن يؤخذ منه هذا الكتاب وأمر برده إليه. ويحكى أنه شبه حبة اللوبياء بالكلية فور لمسه إياها، دون أن يدري ما هي، وهناك ثمة حادثة أخرى غريبة تدلنا على ذكائه الذي لم يكن عادياً، إذ أنه قبل دهوله بغداد أثناء رحيله إليها، وكان راكباً على جمل، مرّ بشجرة ، فطُلب إليه أن يطأطئ رأسه لوجود شجرة، ففعل، وعندما عاد إلى المعرة كانت الشجرة قد قطعت، لكنه طأطأ رأسه في ذات المكان، وعندما سئل عن السبب، قال: ها هنا شجرة.

وعندما رحل إلى بغداد وطلب أن تعرض عليه الكتب التي في خزائن بغداد، فأدخل إليها، وجعل لا "يقرأ عليه كتاب" إلا حفظ جميع ما يقرأ عليه، وقيل له: بم بلغت هذه الرتبة من العلم؟.. فقال: ما سمعت شيئاً إلا حفظته، وما حفظت شيئاً فأنسيته. ولم يكن ليقتصر حفظه على ما يسمعه بالعربية، بل كان يحفظ ما يقال أمامه أو يتلى عليه بأية لغة كانت؛ فقد تحدث مرة تلميذه أبو زكريا التبريزي مع شخص من اذربيجان بلسانهم، فأعاد أبو العلاء بعد فترة جميع ما قالاه بذلك اللسان، وقد قال أحد مؤرخي أبي العلاء: كنت أسمع من أخبار أبي العلاء وما أوتيه من البسطة في علم اللسان ما يكثر عجبي منه فلما وصلت المعرة قاصداً الديار المصرية لم أقدّم شيئاً على لقائه، فحضرت إليه ومعي أخي، وكنت بصدد أشغال يحتاج إليها المسافر فحدثت أخي عنها باللسان الفارسي وأرشدته إلى ما يعمله فيها، ثم غدوت إلى مذاكرة أبي العلاء، فتجاذبنا الحديث إلى أن ذكرت ما وصف به من سرعة الحفظ وسألته أن يريني من ذلك ما أحكيه عنه، فقال خذ كتاباً ليس بغريب عنك إن حفظته؛ قال: قد دار بينك وبين أخيك كلام بالفارسية، إن شئت أعدته عليه، قلت: أعده؛ فأعاده وما أخلّ والله منه بحرف؛ ولم يكن يعرف اللغة الفارسية..
وكان فوق ذلك كله يلعب الشطرنج والنرد..
فهل من الغريب بعد هذا أن نراه يحمد الله على العمى ويعتبره نعمة؟!




عن كتاب:
أبو العلاء المعري
حياته – وشعره
سمير الصارم


يتبع..

فيصل الجبعاء
14-07-2007, 05:21 AM
هو نابغةٌ ولا شكّ

ولك جزيل الشكر يا أوفيليا على هذه النبذة

عن هذا النادر

دمت

Teem
14-07-2007, 06:59 AM
جميل جدا يا أوفيليا ...
كل الشكر لك ولجهودك الطيبة ...
تروقني جدا أشعار أبو العلاء المعري ،،
وسأنتظر يتبع بفارغ الصبر ...
دمت بخير ...

**بسنت**
14-07-2007, 09:45 AM
شكرا جزيلا أوفيليا. .

بدرالمستور
14-07-2007, 09:55 AM
ليتني طرحته في الإستفتاء !! ( الله يجازي اللي ماذكـّـرني !!! )
أعتقد أنني لم أرَ كتاب سيرته وإلا لكنت وضعته ..
رحمك الله يارهين المحبسين فقد ( حبستنا ) و ( رهنتنا ) بك !
شكرا

alshamali
14-07-2007, 10:13 AM
الكريم أوفيليا جزاك الله خيراً على هذا الجهد الرائع عن المعري شاغل الناس في كل الأزمان ،لي ملحوظة على الفقرة التي وردت عن مسقط رأسه :

مسقط رأسه:

ولد أحمد بن عبد الله بن سليمان أبو العلاء التنوخي المعري في معرة النعمان، وسميت بذلك نسبة إلى النعمان بن بشير الأنصاري، وكان والياً على حمص وقنسرين، إبان حكم معاوية وابنه يزيد، وافترس السبع ابناً للنعمان عندما كان يتصيد، فحزن عليه أيما حزن، وبنى له موضعاً عند قبره، وتكاثر البناء، فنسبت إليه، وكانت تحمل أولاً اسم "ذات القصور.. ويقال إنه كان لها سور حجري وعلى بابها حجر كتب عليه بخط غير عربي طلسما للعقارب فلا تدخلها أو تأوي إليها، وتهرب اذا ما أحضرت إليها، وكانت تكثر فيها أشجار التين والزيتون والفستق والعنب ووصفت بأنها أخصب بلاد الله وأكثرها أرزاقاً؛ ووراءها جبل لبنان.

والله أعلم هذه الصفات تنطبق على مدينة حمص وليس بلدة معرة النعمان والله أعلم،فيرجى أخذ العلم،
وننتظر منك ما بعد يتبع.... على بركة الله.

وحي
14-07-2007, 01:55 PM
.

ها هنا احتفاء بشاعر التشاؤم .. !

شكراً أوفيليا .. وبانتظارك ..

.

Pen
14-07-2007, 02:01 PM
أشكرك جزيل الشكر...



لا شك أنه من العمالقة..

عمر بك
14-07-2007, 08:54 PM
رحمك الله يا ابن معرة النعمان .. عقبال ما نقول لك رحمك الله يا أوفيليا :p



هو نابغةٌ ولا شكّ

فيصل ..

ألم يكن شاعراً بالفطرة .. لأول مرة أقرأ أنه نابغة !!


بانتظار الـ يتبع ..
تحية ,,

فيصل الجبعاء
15-07-2007, 12:04 AM
أخي KSA

المقصود بالنبوغ هنا هو العبقريّة فقد نبغ المعرّي بالأدب والعلوم منذ صغر سنّه

وأخشى أنّك فهمت أنني أقصد أنه مثل النابغة الذبياني :)

لك ودّي أخي وسآخذ مكاني بجانبك ولننتظر الـ يتبع

آلام السياب
15-07-2007, 12:45 AM
شكرا لك اوفيليا على اغناء الساخر وحديث المطابع خاصة

بأبي العلاء المعري فان اجمل اشعار التشائم والياس هو قائلها ولعل سبب حبي له هو التشابه بينه وبين السياب .

سُمي برهين المحبسين الا انه وضع نفسه بالثلاثة محابس :

اراني في الثلاثة من سجوني
فلا تسأل عن النبأ النبيث

لفقدي ناظري ولزوم بيتي
وكون النفس في الجسد الخبيث


اوفيليا شكرا لك

Ophelia
15-07-2007, 01:22 AM
رحلاته

لقد أحب أبو العلاء التنقل والتجوال لطلب العلم منذ صغره، وكانت أولى رحلاته كما أسلفنا إلى حلب وهو لا يزال حدثاً ليقرأ الأدب والنحو، ورجع منها سنة 384 هـ - 994 م ، لينصرف إلى المطالعة ونظم الشعر، ولم يكن ينبغي كسب مال أو جاه من شعره، حيث كان يعتمد على ثروة والديه؛ لكن تلك الثروة سرعان ما نفذت، وتوفي والده، فألحت عليه الحاجة، وكان في الثانية والثلاثين، وقال بعضهم إن ذلك هو السبب الذي دفعه إلى الرحيل عن مسقط رأسه بلدة المعرة، حتى تضاربت الآراء في ذكر الأسباب، ولسنا نستطيع هنا في هذه الدراسة أن نذكر السبب الحقيقي لأن ذلك سيبقى مجرد تخمين، ورأي شخصي، وسنكتفي بذكر ما يقوله هو نفسه وسيأتي ذلك فيما بعد، وكان تجواله محصوراً تقريباً بين البلدان التي كانت آنذاك موطناً لكبار العلماء والشعراء، وهي الشام، وبغداد، وعندما بدأ رحيله في الفترة الثانية من حياته بعد وفاة والده، اتجه إلى طرابلس، وكان بعض الميسورين قد أنشأوا فيها خزائن كتب وجعلوها هبة لطالب العلم يستزيد فيها، ثم لم يلبث أن غادرها متجهاً صوب الشمال، إلى مدينة اللاذقية، ويقال أنه مر بدير يدعى دير الفاروس، والتقى هناك براهب كان له علم بأقوال الفلاسفة، فسمع كلامه واعتراه بعد ذلك شك بعقيدته وبدأ اتهامه بالكفر، وفي رواية أخرى أنه التقى بعدة رهبان، وأقام بينهم ودرس العهدين* القديم والحديث، ولكن هذا الكلام مشكوك بصحته، وفيه كثير من الغموض لا يخفى على القارئ، إذ أن المدة التي قضاها في هذا الدير غر معروفة ، وأية مدة تكفي للتشبع من آراء الفلاسفة التي سمع عنهم؟!.. ومن هم هؤلاء الفلاسفة؟!. وأية مدة تكفي أيضاً لدراسة العهدين؟!.
وكانت بغداد في زمنه من كبريات المدن الاسلامية، وتكاد تعتبر عاصمة العلم، ففيها يلتقي العلماء والفلاسفة والشعراء للمناظرة من جميع أنحاء الامبراطورية الاسلامية، واجتذبته إليها في سنة 398 هـ ولكنه لم يصلها إلا بعد انقضاء ثلاثة أشهر من سنة 399 هـ، مع أن السفر من المعرة إلى بغداد، لم يكن ليستغرق أكثر من شهر واحد؛ وهنا لا بد أن نعرف أن طريق أبي العلاء كانت محفوفة بالمصاعب والعراقيل وبقي في بغداد سنة وسبعة أشهر. اسمع مناظريه خلالها سقط الزند؛* وأخذ عن الكثير من أهل العلم فيها، ويذكر أنه مرة دخل على علي بن عيسى الربعي ليقرأ له شيئاً من النحو، فقال الربيعي: ليصعد الاصطبل؛ ويقصد – ليصعد الأعمى – فخرج أبو العلاء غاضباً ولم يعد إليه؛ وقال أبو العلاء أن رحلته لم تكن لطلب الدنيا والمال فقد قال:

"واحلف ما سافرت استكثر من النّشَب،* واتكثر بلقاء الرجال؛ ولكن آثرت الاقامة بدار العلم فشاهدت أنفس الكتب، ما كان لم يُسعف الزّمن بإقامتي فيه"

ويؤكد ذلك رسالته الشعرية التي أرسلها لأهله إذ قال فيها:


أإخْوانَنا بينَ الفُراتِ وجِلّقٍ *** يدَ اللهِ لا خَبّرْتُكمْ بمُحال
أُنَبّئُكمْ أنّي على العَهْدِ سالمٌ *** ووَجهِيَ لَمّا يُبْتَذَلْ بسُؤال
وأنّي تيَمّمْتُ العِراقَ لغَيرِ ما *** تيَمّمَهُ غَيْلانُ* عِندَ بِلال
فأصبَحْتُ محموداً بفَضْليَ وَحْدَه *** على بُعْدِ أنصاري وقِلّةِ مالي

وهذا واتفق يوم وصوله إلى بغداد موت الشريف الطاهر والد الشريفين الرضي والمرتضي فدخل أبو العلاء لتعزيته والمجلس غاص بأهله، فتخطى بعض الناس؛ فقال له أحدهم ولم يكن يعرفه. إلى أين يا كلب؟.. فقال: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسماً*، ثم جلس في أخريات المجلس إلى أن قام الشعراء وأنشدوا، فقام أبو العلاء وأنشد قصيدة يرثي بها الشريف الرضي مطلعها:


أوْدَى فلَيتَ الحادِثاتِ كَفَافِ *** مالُ المُسيفِ وعنبرُ المُستافِ

فلما سمعه الرضي والمرتضى وعرفاه أكرماه ورفعا مجلسه، نظراً لما رأيا من علمه وفطنته وذكائه.


رحيله عن بغداد

نادراً ما كانت تمر ليلة إلا وتعقد المناظرات بين علماء اللغة والشعراء في المساجد، أو في بيت أحد المتناظرين، وأثر ذلك في انقلاب حياته الأدبية انقلاباً يكاد يكون حاسماً، فنراه يتحول عن الحظ الذي كان يتبعه شعراء عصره. ويبتعد عن التفكير بشعرٍ ليس همه سوى المدح والهجاء أو اللهو، فقد تحول إلى شاعر متفلسف يضع الحكمة في أشعاره، وكمثل الفلاسفة بات يضمِّن الشك والارتياب بين أسطره، فحسده البعض لمعرفته، وراح البعض الآخر يتهكمه ويكفره سراً، وبعضهم راح يتهكمه ويسخر منه علانية، فبات يتعجل الرحيل عن بغداد، وقد سمع أيضاً بمرض والدته، فبعث برسالة إلى خاله يقول فيها:

"وكنت أظن أن الأيام تسمح لي بالاقامة هناك فإذا الضارية اجحأ* بعراقها، وبه* ما يبقى من الفريسة من لحم وعظم، والأمة أبخل بضربتها، والعبد أشح بكراعه*، والغراب أضن بتمرته، ووجدت العلم ببغداد أكثر من الحصى عند جمرة العقبة، وأرخص من الصيحاني* بالجابرة*، وأمكن من الماء بخضاره*، وأقرب من الجريدة باليمامة ولكن على كل خير مانع، ودون كل درة خرساء*، مُوَحِيَّة*، أو خضراء طامية*.

ويقول:

إذا لمْ تستطِعْ شيئاً فَدَعْهُ *** وَعَاوِدْهُ إلى ما تستطيعُ

وغلبه الملل فيها والضيق حتى قدر له أن يرحل ذات ليلة هارباً منها، فقد حدث ذات ليلة أن سأل سؤالاً بصيغة شعرية، استغرب له الحاضرون إذ أنه دل على قلة علمه وعقله ودينه؛ فقد قال:


تَناقُضٌ ما لنا إِلّا السُكوتُ لَهُ *** وَأَن نَعوذَ بِمَولانا مِنَ النارِ
يَدٌ بِخَمسِ مِئينَ عَسجَدٍ فُدِيَت *** ما بالُها قُطِعَت في رُبعِ دينارِ

ويقصد من قوله هذا أن يقول أن اليد ديتها خمسمائة دينار فلماذا تقطع اذا سرقت ربع دينار فقط، قال هذا وقد خفي عليه على ما يبدو أن هذه عقوبة وجدت ليكف الناس عن السرقة والنهب، واليد اذا جنت فيجب أن تقل قيمتها، ولما أراد العلماء أخذه بهذا الكلام، هرب ورجع إلى بلده ولزم منزله، وشرع في التصنيف، وأخذ عنه الناس، وراح الطلبة يؤمونه من كل مكان، وكاتبه العلماء والوزراء وغيرهم؛ وربما لولا ذلك لما كان قد رجع في ذلك الحين رغم كرهه للعراق، واستعطاف أهل الشام له ليعود، فقد كتب له بذلك أخوه أبو الهيثم عبد الواحد يسأله العود بقصيدة مطلعها:


يا ربّ قد جَنَحَ الوميضُ وغارا *** فَاسقِ المواطِرَ زَيْنَباً ونَوارَا*
أختين صاغهما الشّبابُ وعَصْرهُ *** ماءً يصفِّقه النّعيمُ ونَارَا

ويقول فيها مخاطباً مدينة بغداد التي سرقت أخاه:


أَضْرمتِ قلبي باجتِذَابكِ مَاجداً *** كالسيف اعْجَبَ رَونقاً وغِرارَا

وفي نهايتها يدعوه للعودة قائلاً:


حاشاكَ أنْ تُبدي الجَفَاءَ لِخُلّةٍ *** وتُعيدَ أقرانَ الوفاءِ قِصارا
أَدْرِكْ بإدراكٍ المَعَرَّةِ مُهجةً *** تَفْنَى عليك مخافةً وحِذارا

وبات أبو العلاء في المعرة ولم يفارقه الحنين إلى بغداد لحظة، وبقي يعاوده كلما رجع بذاكرته إلى الوراء يعيش ساعاته التي قضاها بها حتى إنه كان يتمنى لو لم يعد إلى بلده المعرة مطلقاً ويود لو مات هناك:


يا لَهْفَ نفسي على أني رَجَعْتُ إلى *** هذي البلادِ ولمْ أهلكْ ببغدادَا


رهين المحبسين

لما عاد أبو العلاء إلى المعرة من بغداد لزم بيته وانصرف إلى التصنيف والتدريس ومراسلة اخوانه وسمى نفسه "رهين المحبسين" ويعني بذلك لزومه البيت والعمى، غير أننا نراه يطلق على نفسه أحياناً "رهين المحابيس الثلاثة" من ذلك قوله:


أَراني في الثَلاثَةِ مِن سُجوني *** فَلا تَسأَل عَنِ الخَبَرِ النَبيثِ
لِفَقدِيَ ناظِري وَلُزومِ بَيتي *** وَكَونِ النَفسِ في الجَسَدِ الخَبيثِ


قوله الشعر

لم نكد نعرف شاعراً قال الشعر وهو لم يزل صبياً، سوى أبي العلاء اذ أجمع مؤرخوه على أنه قال الشعر وهو لا يزال في الحادية عشرة، ودليل ذلك الرواية التي دون فيها أن جماعة من أكابر حلب جاءوا لاختباره، بمطارحة الشعر على قافية واحدة، فغلبهم، وقال لهم: أعجزتم عن أن يعمل كل واحد منكم بيتاً عند الحاجة إليه على القافية التي يريد، ويقصد أنه عندما لم يكن يحفظ بيتاً على القافية التي يريدونها كان يأتيهم ببيت ينظمه لتوه.


نثره

كان أبو العلاء يعرف كيف يخضع الألفاظ والتعابير لأصول فن الكتابة، ويلعب بالكلمات لعب الحاذق بها، الفاهم لكل معانيها، ويرجع ذلك إلى ثقافته الواسعة فيبالغ بالناحية اللفظية في شعره ونثره لكنه يأتي من ذلك بأجمل أسلوب يمكن أن يطمح إليه أديب، ويشهد التبريزي في ذلك بقوله: ما أعرف أن العرب نطقت بكلمة لم يعرفها المعري".


مؤلفاته

لما رجع من بغداد سنة أربعمائة هجرية لزم منزله وراح يملي مؤلفاته على أحد الشيوخ وهذا يكتب، ومن هذه المؤلفات:
كتاب "ألفصول والغايات"؛ واتهم بأنه لم يضع هذا الكتاب إلا ليعارض به القرآن الكريم إذ جاء فيه بكلام جديد لا يفهم إلا قليله، وشرحه بكتاب آخر أسماه "السادن" ويبلغ الأول نحو مائة كراسة والثاني نحو عشرين كراسة ويبحثان في اللغة. وكتاب "اقليد الغايات" ويبحث في اللغة وهو عشرة كراريس. وكتاب "الايك والغصون" وهو ألف ومائتا كراسة. ويبحث في كتابة الهمزْ والردف. وألحقه بكتاب يفسره أسماه "الهمزْ والردف" وكتاب "سيف الخطبة" أربعون كراساً ويشتمل على خطب السنة وجميع المناسبات الدينية. وكتاب "تاج الحرة" أربعمائة كراسة وهو مواعظ للنساء، وكتاب "سجع الحمائم" ثلاثون كراسة وهو مواعظ على لسان أربع حمائم. وكتاب "لزوم ما لا يلزم" مائة وعشرون كراسة وشرحه بكتاب "راحة اللزوم" مائة كراسة، وأيضاً كتاب "زجر النابح" أربعون كراسة وفيه يرد على من تهجم على كتاب لزوم ما لا يلزم، وكتاب ديوان الرسائل.. وهو ثلاثة أقسام الأول رسائل طوال. تجري مجرى الكتب المصنعة مثل "رسالة الملائكة" و "الرسالة السَّدية" و "رسالة الغفران" وغيرها. والثاني دون هذه في الطول مثل رسالة "المنيح" ومقدار هذا الديوان ثمانمائة كراس. وأتبعه بكتاب يفسره هو "خادم الرسائل". ورسائل منفردة كل منها في كتاب منها رسالة على لسان ملك الموت عليه السلام، وكتاب أسماه "رسالة الصاهل والشاجح". ويتكلم فيه على لسان فرس وبغل، و "رسالة المعونة"، وكتاب "سقط الزند" وهذا فيه أكثر من ثلاثة آلاف بيت نظم في أول العمر وشرحه في كتاب "ضوء السقط" عشرون كراسة. كما أنه فسر شعر المتنبي في كتابه "اللامع الغريزي" ووضع كتاباً آخر مختصر يُعرف بـ "ذكرى حبيب" ويشرح فيه الغريب من شعر أبي تمام، وكتاب يتصل بشعر البحتري يعرف بـ "عبث الوليد" وكتاب "الحقير النافع" في النحو، كما أنه حاول وضع كتاب يشرح فيه سيبويه عالم اللغة المعروف؛ ولكن ذلك الكتاب لم يتم.


كلمة حول مؤلفاته

حول كتاب سقط الزند يقول الشاعر أبو الحسن الباخرزي "000 – 467": ورأيت ديوان شعره الذي سماه سقط الزند، وهتف فيه كالحمام على فَنَنٍ غصن النبات من الرند* فشبه كلماته بسجمع الحمام على غصون شجر الرند الفضية الجمال أسلوبه؛ وقوة تركيبه، وألفاظه الفنية. ويقول ابن الجوزي عندما رأى كتاب الفصول والغايات إن كلامه في نهاية الركاكة والبرود، فسبحان من أعمى بصره وبصيرته، كما ويصفه بالحماقة والجهل بعد أن رآه ينكر وجود الخالق عندما قرأ في كتاب "لزوم مالا يلزم":


كَونٌ يُرى وفسادٌ جاءَ يَتْبَعُهُ *** تَبَارَكَ الله ما في خَلْقِه عَبَثُ
وإنْ يؤذّنْ بلالٌ لابنِ آمنةٍ *** فَبعدَهُ لِسَجاحٍ ما دعا شَبَثُ

وأراد بالبيت الأول أن يقول أن هذا الكون الذي جاء إليه الفساد بعد خلقه ليس إلا عبث من الله، وبالثاني يذكر اسم النبي الكريم محمد (ص) باسم أمه آمنة وفي هذا منقصة له ويريد أن يقول ان كان بلال قد أذن بالصلاة للرسول "ص" فقد سبقه شبث بن ربعي* وأذّن لسجاح وهي امرأة. ويقول أبو الفداء الملك المؤيد وإلى حماه في كتبه: وله مصنفات كثيرة أكثرها ركيكة فهجرتها لذلك.
أما ابن كثير فيتهمه بالزندقة في مؤلفاته، ومن الناس من يقول أنه إنما كان يقول في كتبه غير ما يبطن، وان كان مسلماً في باطنه، وكل ما يكتبه ليس إلا مجوناً ولعباً.





• كتب الديانة المسيحية.
• سقط الزند: اس ديوان شعره
• المال.
• غيلان: هو ذو الرمة، وقد قصد بلال بن أبي جردة بن أبي موسى. أي غير ما قصده غيلان.
• هذا يدل على سعة معرفته. اذ أن للكلب سبعين اسماً غير الذي نعرفه منها الباتع والوازع والابقع، والخيطل، والسنَّمام... الخ؛ وقد جمعها السيوطي في كتابه التبري من معرة المعري.
• احجأ: احرص على، ويقصد بأن من بيدهم زمام الأمور في العراق باتوا أحرص على أنفسهم وأموالهم أكثر من حرص الذئب على الفريسة.
• وبه: أي وما بالعراق.
• بكراعه: الكراع: مستدق الساق، ويقال: اعط العبد كراعاً فيطلب ذراعاً
• الصيحاني: نوع من تمر المدينة.
• الجابرة: اسم لمدينة
• خُضاره: علم على سطح البحر.
• خرساء: سحابة تمنع من التقاط الدر.
• موحية: معجلة.
• طامية: أرض مرتفعة.
• زينب ونوار: اسم لاختين
• النبيث: الخبيث الشرير.
• الرند: شجر من أشجار البادية طيب الرائحة.
• شبث بن ربعي كان مؤذن نجاح ثم كان ممن أعان علي على عثمان وصحب علي ثم صار من الخوارج عليه ثم تاب، ثم كان ممن طالب بدم الحسين، ثم ولي شرطة الكوفة، مات بالكوفة سنة 70 أو 80 هـ.

.
.

يتبع فلسفة أبي العلاء

خلف الكواليس
15-07-2007, 03:28 AM
جميل يا أوفيليا

ننتظر الفلسفة

إبراهيم سنان
15-07-2007, 05:44 PM
عندما نقرأ لأبي العلاء المعري وعلى عجالة ونقتطف من أشعاره وأفكاره أطرافها ، من الطبيعي جدا بل من المرجح أن نعتقد فيه ما اعتقد أبو جعفر الزروني والذي قال فيه :

كلب عوى في معرة النعمان
لما خلا من ربقة الإيمان

وكان يتهمه بالزندقة والإلحاد هو ومجموعة أخرى من العلماء منهم أبو الوفاء بن عقيل وعبدالسلام القزويني . ومشكلة أبو العلاء المعري هو أنه مثير للجدل _ ولذلك أحبه _ وكان يحارب أولئك الذين تلبسوا بمظاهر الدين دون العمل به وجعلوه وسيلة لغاياتهم ، وكانت أشعاره تثير فيهم الريبة وخصوصا أنه تنكأ جروحا في بقايا الفتنة الإسلامية .
ومن ذلك قوله :
ظلموا الرعية واستجازوه كيدها
وعدو مصالحها وهم أجراؤها
في زمن رديء يقتل فيه الحسين
وسيتخلف فيه مثل يزيد
أرى الأيام تفعل كل نكر
فما أنا في العجائب مستزيد
أليس قريشكم قتلت حسينا
وصار على خلافتكم يزيد

وظلت لذلك عقيدة أبي العلاء المعري محل شكوك من حوله حتى أنه يقال هناك من لفق حوارات بينه وبين المعري ومنهم القاضي المنازي والذي اعتبرته الكتب المؤازرة لموقف أبي العلاء حاقدا _ ولا أعلم عنه غير ما ورد _ وكتب الحوار على لسان المنازي في كتاب الصفدي : نكت الهيمان .

القاضي المنازي : اسمع الناس يشككون في دينك وسلامة عقيدتك
المعري : ما لي وللناس وقد تركت دنياهم
القاضي : وأخراهم ؟
المعري : وأخراهم .... وأخراهم .....

ولكن هناك من ينصفه ويبالغ في ذلك أيضا مع أن ما يشك في بعضه كفيل بأن لا يوثق في كله . وكما ورد في أحد الكتب عن جبور عبدالنور _ وهذا الاسم يوقع الشك _ أنه يقول : " ليس كالمعري مصليا وواعظا أفاد من الكلمة المختارة والسجعة الموفقة والقافية الموقعة في استثارة هذا الشعور لدى الإنسان العابد ، معبرا في كل هذا عما ورد على ألسنة أئمة الدين .
ويضيف شيئا لأبي العلاء المعري من " ملقى السبيل " "
سبح لالهان الفلك ، وقدس البشر والملك ، والجسم في العفر يستهلك ، والمر بالعارفة يملك ، والنهج للآخرة يسلك .
سبح مع الشهب كما
سبح _ منقبل _ الفلك
قدس إنسان على الارض
وفي الجو ملك

لذلك ظل غريبا بين الناس لكثرة المفارقات الجارحة والمزكية التي تجمعت حوله . ولكن بنت الشاطيء ولها مع أبي العلاء المعري حديث يطول نطلع على بعضه فيما بعد .
تقول أن هذه المفارقات جعلت أبو العلاء المعري نمطا فريدا لا عهد لتلك العصور بمثله ، ومن ثم بقي فيها غريبا لأنه ليس من أهلها وصدقت فيه كلمته :
أولو الفضل في أوطانهم غرباء
تشذ وتنأى عنهم القرباء .

وللحديث بقية مع هذا الفيلسوف وكأي فيلسوف آخر يجب أن يوضع الكثير من الدوائر الحمراء والخطوط الحمراء حول معتقداتهم وتفكيرهم ولذلك يكون لأبو العلاء فضل اجتهاداته في اللغة وفي الشعر الذي لا يدخل فيه إلى مسائل العقيدة ، وأما ما عدا ذلك فيظل مرهونا بمن هم اعلم منا وادرى .

يتبع

حلم المساء
15-07-2007, 09:01 PM
أَراني في الثَلاثَةِ مِن سُجوني *** فَلا تَسأَل عَنِ الخَبَرِ النَبيثِ
لِفَقدِيَ ناظِري وَلُزومِ بَيتي *** وَكَونِ النَفسِ في الجَسَدِ الخَبيثِ

رحمك الله يا أبا العلاء

تحياتي لك يا ساكن بلاد الواق واق

Ophelia
15-07-2007, 09:06 PM
فلسفة أبي العلاء

كان أبو العلاء في شعره قريباً من المجتمع، يحس أحاسيسه فوصفه وأنشأ له صورة كأنما يراه، وأشاح اللثام عن شخصيته وتحدث عن أسراره بأروع أسلوب ولا ريب إذ قال:


وإني وإن كنت الأخير زمانه *** لآت بما لا تستطعه الأوائل

وإن كانت الفلسفة تعني الجري وراء الحقيقة فنجد من اللزوم أن نسمي المعري فيلسوفاً اذ كان همه أن يجد الحقيقة، وان كانت تعني البحث المنطقي المنظم، جاز لنا أن نسميه أديباً متفلسفاً، إذ كثيراً ما كان يجنح في شعره إلى استحداث النظريات التي ضمها كتابه اللزوميات.



مميزات فلسفته

أتاحت له رحلته إلى بغداد أن يعيش عن كثب الخلافات التي كانت قائمة آنذاك بين الفلاسفة وأرباب الديانات، ويتهم الفريق الثاني الفريق الأول بالالحاد والكفر، ثم ما لبث أن راح يعيش أفكار الفريقين ويتصل بهم، فاستقى من الفريق الأول بعض آرائه الفلسفية التي نراها مبثوثة في كل جانب من كتاب اللزوميات، كأنما كان يقصد اخفاءها لتصير هذه النفس عالماً معقولا مضاهياً للوجود للحصول على السعادة القصوى كما كان بعض الفلاسفة القدامى يبغون من ورائها؛ لكنه كان يريد معرفة الحق، أي أن فلسفته كانت فلسفة عملية، وكانت أيضاً مترددة متقلبة، فنراه كثيراً ما يناقض نفسه بنفسه؛ فتارة لا يرتضي عقيدة له، وأخرى يحث الناس على الايمان، فأسمعه يقول ساخراً من الكتب المنزلة مستسفراً عن اليوم الذي يظهر فيه الجيل الذي يعي الحقيقة التي يراها هو:


دينٌ وكفرٌ وأنْبَاءٌ تُقَّصُ وفر *** قانٌ يَنُصُّ وتوراةٌ وإنجيلُ
في كل جيلٍ أباطيلٌ يُدانُ بها *** فهل تَفَرّ>َ يوماً بالهدى جيلُ

وفي مكان آخر يقول:


نَبَذتُمُ الأَديانَ مِن خَلفِكُم *** وَلَيسَ في الحِكَمةِ أَن تُنبَذا
لا قاضِيَ المِصرِ أَطَعتُم وَلا *** الحَبرَ* وَلا القَسُّ* وَلا الموبَذا*

ولا يستطيع الدارس لأبي العلاء سوى الوقوف حائراً متردداً لا يدري بماذا يحكم على فلسفته هذه التي تتحدث عن العقائد والتعاليم الدينية؛ لكننا نستطيع بسهولة الحكم على فلسفته الخلقية بأنها قويمة لا تناقض فيها ولا اضطراب معتمداً فيها على العقل الحكيم الحر الذي يعتبره أسمى ما وهب للإنسان، فكان في فلسفته الاخلاقية يتناول الانسانية كلها. غير مفرق بين عربي واعجمي، ويعيب على الرجل حب الذات، حتى طلبه الشكر على عمل قام به لأن الخير يجب أن يكون في ذاتيه وليس لطلب الثواب أو الخوف من عقاب، ويكره أولئك الذين يدعون الناس إلى فعل الخير وينسون أنفسهم فيقول:


عَلَيكَ بِفِعلِ الخَيرِ لَولَم يَكُن لَهُ *** مِنَ الفَضلِ إِلّا حُسنُهُ في المَسامِعِ

ويقول حاثاً أن يكون فعل الخير خالصاً لوجه الخير لا لطلب المديح:


إِذا ما فَعَلتَ الخَيرَ فَاِجعَلهُ خالِصاً *** لِرَبِّكَ وَاِزجُر عَن مَديحِكَ أَلسُنا*

ويطلب أيضاً ممن يدعو الناس إلى عمل الخير أن يبدأ بنفسه بذلك العمل، ويريده أن يعامل الآخرين ما يريد أن يعاملوه به فيقول:


إِن تُرِد أَن تَخُصَّ حُرّاً مِنَ النا *** سِ بِخَيرٍ فَخُصَّ نَفسَكَ قَبلَه
وَاِفعَل بِغَيرِكَ ما تَهواهُ يَفعَلُهُ *** وَأَسمِعِ الناسَ ما تَختارُ مِسمَعَه

وهو يربط الأخلاق بالدين، فما نفع الدين إذا ساء الخلق؟!.. إننا لا نستطيع التفريق بين الفاسد الذي لا دين له والمتدين الذي ساء خلقه:


وَإِذا تَساوت في القَبيحِ فِعالُنا *** فَمَنِ التَّقيُّ وَأَيُّنا الزِّنديقُ؟..

وإذا كان قد ذهب إلى عقله يسترشده ويذهب في تفكيره إلى ما يمليه عليه فإننا نرى أنه في كثير من الأحيان يخطئه الطريق ويقوده إلى الشك حتى يروح يفكر بما وراء الطبيعة. غير أن هذا لم يحدث مع المعري وحده ولكنه حدث ويحدث مع كل الفلاسفة، إذ أن أشياء كثيرة لا يستطيع العقل البشري التفكير بها.
وتردد المعري يعود إلى بيئته التي كان هي ما يبدو يخشاها، فلا يستطيع التعبير عن آرائه، وفي ذات الوقت يريد أن يقول للجميع أنه يعتقد ما لا يعتقدون، ويفكر بغير ما يفكرون، لذا نرى تناقضه واضحاً في شعره أو نراه يلمح في القصيدة عن كل ما يجول في خاطره من أفكار ونظريات حيث يمر عليها القارئ مروراً عادياً لا ينتبه إليها، وإذا ما انتبه فإنه لا يلبث أن يرى في نهاية القصيدة تخلصاً لبقاً مما سبق من أفكار في الأبيات السابقة وهذا التخلص من العقدة وحلها يعود إلى حذق أبي العلاء باللغة ومهارته الفنية فتراه يقول:


إِذا قُلتُ المُحالَ رَفَعتُ صَوتي *** وَإِن قُلتُ اليَقينَ أَطَلتُ هَمسي


تشاؤم أبي العلاء

يعود تشاؤم أبي العلاء إلى اضطراب الحياة الاجتماعية في عصره وإلى شعوره بالنقص أيضاً مما أثر فيه أشد تأثير، فنراه يسمي نفسه برهين المحبسين ويعتكف في منزله. ويروح يسلك في حياته سلوك المتصوفين الذين يرضوه بالعيش القليل فيقول:


الحَمدُ لِلَّهِ قَد أَصبَحتُ في دَعَةٍ *** أَرضى القَليلَ وَلا أَهتَمُّ بِالقوتِ
وَشاهِدٌ خالِقي أَنَّ الصَلاةَ لَهُ *** أَجَلُّ عِندِيَ مِن دُرّي وَياقوتي
وَلا أُعاشِرُ أَهلَ العَصرِ إِنَّهُمُ *** إِن عوشِروا بَينَ مَحبوبٍ وَمَمقوتِ

ولم يؤثر فيه فساد المجتمع والعاهة التي كان يتألم منها ليشعر بذلك النقص الكبير.. لم يؤثر كل هذا في حياته الشخصية وسلوكه اليومي في الاعتكاف والتقشف فقط بل إنها اعتملت في نفسه وتفجرت شعراً ونثراً صاغها في اللزوميات، وفي كتابه "الفصول والغايات"، وربما كره أبو العلاء الحياة الدنيا وتمنى لو ينتهي منها ليستقر في حياته الآخرة، لما كان يحسه من نظرات الناس إليه الساخرة أحياناً والمتقززة أو التي ترثي لحاله أحياناً أخرى، ما يزيد ذلك حتى في حقده على نفسه ويقول بأنه لا يدري حظه في الدنيا ما هو. لكنه يعرف أنه في النحس منذ أو وجد:


رَبِّ مَتى أَرحَلُ عَن هَذِهِ ال *** دُنيا فَإِنّي قَد أَطَلتُ المُقام
لَم أَدرِ ما نَجمي وَلَكِنَّهُ *** في النَحسِ مُذ كانَ جَرى وَاِستَقام

وأنه، أي أبا العلاء لا يجد الصديق الذي يواسيه ويخفف عنه، ولا العدو الذي يخشاه، إذن فليس هناك سوى الموت فهو شفاء كل داء:


فَلا صَديقٌ يَتَرَجّى يَدي *** وَلا عَدُوٌّ يَتَخَشّى اِنتِقام
وَالعَينُ* سُقمٌ لِلفَتى مُنصِبٌ *** وَالمَوتُ يَأتي بِشِفاءِ السَقام
وَالتُربُ مَثوايَ وَمَثواهُمُ *** وَما رَأَينا أَحَداً مِنهُ قام

ويتمنى لو يموت الوليد ساعة ولادته ليُكفى شر الحياة ويستريح من العيش وسط مجتمع فاسد مضطرب:


وليت وليداً مات ساعة وضعهِ *** ولم يرتضعْ من أمه النفساءِ

بل إنه يدعو الأحياء إلى التخلص من حياتهم فيعلن أن ليس الحياة سوى سلم الموت. فكأنما لا هدف منها ولا شيء يجعل المرء يقيم فيها، مادامت طريقاً فقط:


إِن شِئتَ أَن تُكفى الحِمامَ فَلا تَعِش *** هَذي الحَياةُ إِلى المَنِيَّةِ سُلَّمُ

وكان أيضاً لمغادرته بغداد مكرهاً النصيب الأكبر في التأثير على مشاعره الرقيقة اذ أنه كان يحبها ويود البقاء فيها لولا أنه شعر بمضايقة علمائها له فلم يقدروه كما يجب وكما كان يطمح، واتخذوا من عدم فهمه معنى العقوبة في قطع يد السارق وسيلة للسخرية منه علناً وللتهجم عليه حتى فر منهم، ويقول في رسالة له بعثها إلى أهله في المعرة:

"إن منشئ هذه الرسالة رجل نابه* مكرت به الحياة وتنكرت له الأيام، وتعثر به الحظ، وغلبه الشقاء، وأحاط به من كل جانب فهل يقف في وسط هذا الشقاء المتزايد، وأمام تلك الاساءات المتكررة مكتوف اليدين خائر العزيمة؟!.. لو كان شاباً جلداً قوياً لحاول مقاومة الحياة، وتصدى لصراع الدهر. ولكن شبابه قد انتهى وربيع حياته قد ولى، ولو وجد السبيل إلى الموت سهلة ميسرة سلكها، واستراح من الحياة واعبائها، ولكن شبح الموت مخيف مزعج، والسبيل إليه شاق متعب"..

وهكذا فإننا نجد أيضاً في الجزء الأخير من هذه الرسالة لما كان أبو العلاء يدعو إلى التخلص من الحياة الدنيا، وهو لم يحاول ذلك مرة واحدة في حياته، فقد كان يخيفه شبح الموت فلا يستطيع وضع النهاية التي كان يريدها لنفسه.. وما دام لم يستطع هذا ولم يستطع أن يحقق ما كان يطمح إليه من مجد ورفعة فليس له إلا الامعان في هجر الحياة والابتعاد عن مباهجها حتى بات يسيء إلى نفسه، ويعين الحياة عليه باختياره سجنه الأبدي:


فما للفتى إلا انفرادٌ ووحدةٌ *** إذا هو لم يُرزَقْ بلوغَ المآربِ*

وليس بخفي بعد ذلك أن عزلة أبي العلاء بعد أن أغنى نفسه بالمعارف والعلوم كان لها أكبر الأثر في رفع الشعر العربي إلى القمة وجاءت نعمة لتراثنا العربي الذي نفخر به بدل من أن تكون نقمة، فقد وفرت له عزلته الوقت الكثير الذي كان يستطيع به أن يطلق لتفكيره العنان. ليصول ويجول ، يفكر ويدرس ويضع الحلول لشرور وآثام مجتمعه الفاسد.



نقد أبي العلاء للمجتمع

لا بد من التساءل عن السبب الذي نقد من أجله أبو العلاء مجتمعه، وما الداعي؟!.
وقبل الايجاب لا بد من التخمين بأنه لا بد ثمة أسباب دعته لذلك، ولم يكن نقده غوغائياً. بل كان هناك أكثر من مؤثر واحد أولها بلدته المعرة وأرضها، فلم يعرف الرحالة المعرة، رغم ادعائهم ذلك وتحدثوا عنها كثيراً في نثرهم وشعرهم، ووصفوها بأنها من أجمل بلاد الله فإن مرورهم عابرين أو زائرين لا يمكّنهم من رؤيتها بكل خفاياها، لكن أبا العلاء الذي عاش بها يعرفها جيداً ويعرف أهلها الذين يرون الحمل الذي يولد كأنما هو كوكب نزل من السماء، فالفقر عندهم مدقع لا يعرفون طعماً للحم إلا بالانظار لأن الأرض يابسة مجدبة، فبعث ذلك في نفسه حقداً دون أن يدري على من يحقد، وفي أيامه أصبحت المعرة دار قلاقل وفتن، فكره الناس بعد كرهه جدب الأرض التي أورثت الفقر، أولئك الناس الذين يسعون إلى الفتن، ثم كره المجتمع القلق المضطرب عندما أرغمه فساده على المكوث في بيته رهين محابسه، فكان لا بد إذاً إلا وأن يتناوله بنقده اللاذع، لكن بعضهم ذهب إلى أن أبا العلاء لم ينقد المجتمع لأنه فاسد وإنما لأنه مبعث نقده هو ذاته فقط، فتناول الحكام لأنه كان مظلوماً، وتناول الأغنياء لأنه كان يعاني من الفقر، ونظر في معائب المرأة لأنه كان يريد البعد عنها، ونقد الزواج فهوّله لأنه لم يكن يريده.



أبو العلاء والحكام

كان حبل الأمن مضطرباً في أيام المعري، تتعرض بلده للغارات المتتالية وأحس بالظلم الذي كان يعانيه الشعب، والقبضة الشديدة التي يسلطها الحكام على أهل وطنه ولم يكن من سبيل له للوقوف ضدهم إلا بالكلمة والحرف، فيذكر القوم والأمراء على حد سواء بأن هؤلاء ليسوا سوى خدم لأولئك، وعلى أولئك القوم التنبه لذلك.. فقال:


إذا ما تبيَّنَا الأمور تكشفتْ *** لنا وأميرُ القومِ للقومِ خادمُ

وقد قال ذلك قبل أن تكتشف جماعة حقوق الانسان بزمن أن الأمراء هم أجراء الأمة وكان ذلك بحق ثورة فكرية، يرجى لها الأثر الطيب، لو أنه سكبها في القالب الشعري الذي يفهمه عامة الشعب وليس طبقة معينة منهم، وجعل كلمته بسيطة مفهومة المعنى، علاوة على أنه قد عرض نفسه لحقد من ينقدهم ، فباتوا يتحينون الفرص لمحاسبته:


وَفي كُلِّ مِصرٍ حاكِمٌ فَمُوَفَّقٌ *** وَطاغٍ يُحابي في أَخَسِّ المَطامِعِ*
يَجورُ فَيَنفي المُلكَ عَن مُستَحَقِّهِ *** فَتَسكُبُ أَسرابُ العُيونِ الدَوامِعِ

ويقول مخصصاً بقوله والي مصر:


أيا والي المصر لا تظلمنْ *** فكم جاء مثلك ثم انصرف

لكنه كثيراً ما كان يراجع نفسه ليقول بأن الحكام هم حماة الأمة في الأرض؛ وعلى الأمة اطاعتهم:


إِن يَظلِموا فَلَهُم نَفعٌ يُعاشُ بِهِ *** وَكَم حَمَوكَ بِرَجلٍ أَو بِفُرسانِ


أبو العلاء والطبقات

المال في رأي أبي العلاء مجلبة للهموم والتعب، وهو وسيلة الضلال في الوجود والفقر شعار الزهد والقناعة فقد قال:


وَكَثرَةُ المالِ شُغلٌ زادَ في نَصَبٍ *** وَقِلَّةٌ مِنهُ مَعدولٌ بِها الفَلتُ
وقال:

المالُ يُسكِتُ عَن حَقٍّ وَيُنطِقُ في *** بُطلٍ وَتُجمَعُ إِكراماً لَهُ الشِيَعُ*

ولم يسع مرة للحصول على المال، ولم يحاول مرة التزلف إلى الأمراء، ومدحهم بالقصائد الطويلة كما كان يفعل أكثر الشعراء في عصره، ولم يكن هذا ضعفاً منه، بل كان قناعة وزهداً في المال، لأن المال ظل لن يلبث أن يزول وعندما كان يُتهم بأن لديه مالاً كان يقول مكذباً ذلك بهدوء:


بِلا مالٍ عَنِ الدُنيا رَحيلي *** وَصُعلوكاً خَرَجتُ بِغَيرِ مالِ

ومن هنا لا بد لنا أن نوضح بأن نقده للأغنياء الذي سيأتي بعد قليل ليس مرده إلى حسده لهم كما يظن البعض، أو لأنه كان فقيراً، ولم يكن ذلك إلا من باب الشفقة على الفقراء، لكنه ليس إلى الحد الذي يريد به التخمة لهم، فهو وإن كان ينادي بضرورة إعطاء الفقير مال الغني إلا أنه لم يكن ليريد للفقير أن يصبح ثرياً كون ذلك سيزيد فقره علاوة على أن الفقر عنده هو أصل الانسان والغنى ليس سوى صفة عارضة اكتسبها الانسان:


إِذا زادَكَ المالُ اِفتِقاراً وَحاجَةً *** إِلى جامِعيهِ فَالثَراءُ هُوَ الفَقرُ

وهو راضٍ أبداً عن الفقر فيقول:


وَالفَقرُ أَحمَدُ مِن مالٍ تُبَذِّرُهُ *** إِنَّ اِفتِقارَكَ مَأمونٌ بِهِ السَرَفُ

أي إن الفقر برأي أبي العلاء هو الحصن الذي يحمي الشرف والخلق. ومما سبق نرى أن نقده للغنى ليس كما عرفناه أو سنعرفه في نقده للمجتمع متفلسفاً واضعاً نظريات الاصلاح أو منادياً بفكرة معينة يُعمل بها، واذا علمنا أنه كان عارفاً بفكرة الشيوع ونظام المواريث وحق الملكية، واقتناء العقارات واكتناز المال، مطلعاً عليها مما وصله من الكتب اليونانية، وما كتبه في هذه الناحية فلاسفتها مثل افلاطون وسقراط وأرسطو. وإذا علمنا أيضاً أنه كان يحبذ تلك الأفكار نستطيع أن نجزم بأنه لم يضمن ذلك أشعاره وينادي بأية فكرة تتعلق بها كبقية النواحي الأخرى، وذلك لخوفه وخشية العاقبة وكان يكتفي بقول القليل حاضاً على الاشتراكية والديموقراطية، فلا نكاد نعثر إلا على النزر اليسير من شعره حول ذلك فيقول مثلاً:


لَو كانَ لي أَو لِغَيري قَدرُ أُنمُلَةٍ *** فَوقَ التُرابِ لَكانَ الأَمرُ مُشتَرَكا

وربما يكون ذلك القول يتم في حالة يكون فيها ناسياً نفسه أو قوميته العربية كما يقول أيضاً بأنه ليس للهاشمية إلا ما يجب أن يكون للبربري وهم سواسية:


لا يفخرنّ الهاشمي *** على امرئ من آل بربر

وهو يعود دائماً إلى وصف حياة الفقر فكأنما تلك الوسيلة الوحيدة لاستعطاف الأغنياء تلك الحياة التي يكشفها الشتاء برياحه العاصفة وأمطاره الغزيرة، ويكشف الفرق الكبير بين الفقير العريان، والغني المدثر بالثياب:


لَقَد جاءَنا هَذا الشِتاءُ وَتَحتَهُ *** فَقيرٌ مُعَرّى أَو أَميرٌ مُدَوَّجُ*

ويحذر أبو العلاء الملوك قائلاً لهم بأن الملك ليس إلا لله:


تَسَمَّت رِجالٌ بِالمُلوكِ سَفاهَةً *** وَلا مُلكَ إِلّا لِلَّذي خَلَقَ المُلكا

ويدعو إلى الثورة وإلى استبدال الضعف بالقوة، والكلمة بالسيف لأخذ الحق فيقول:


كَلِّم بِسَيفِكَ قَوماً إِن دَعَوتَهُمُ *** مِنَ الكُلومِ فَما يُصغونَ لِلكَلِمِ






• الحبر: الحبر الاعظم، خلف السيد المسيح عليه السلام؛ وهو رئيس الكهنة عند اليهود؛ جميع أحبار وحبور.
• القس: من كان بين الاسقف والشماس.
• الموبذ: لقب رجل ديني أيضاً.
• أزجر: أمنع وأبعد.
• السنا: الشكر.
• العين: يقصد بها هنا الحياة.
• نابه: مفكر عاقل.
• المآرب: جمع مأرب وهو الأمل والهدف.
• يقصد أنه في كل قطر حاكم أو غيره يريد المساومة على وطنه مهما كان الثمن بخساً.
• الشيع: الاتباع.
• مدوّج: وافر اللباس.


.
.
.
يتبع..
أبو العلاء عدو المرأة والزواج

ISSAM
16-07-2007, 12:49 AM
أبو العلاء النيتشه.

شكرا "أوفيليا جنّتي". على قول أحد الشعراء.
لا أدري لم تذكرت أغنية تقول :
لاموني اللي غاروا مني.. قالو لي وش عاجبك فيها
جاوبت اللي جهلو فني .. خذو عيني شوفو بيها

ربما لأن المعري كان أعمى ؟؟
بانتظار الـ تو بي كونتينود.

Ophelia
17-07-2007, 12:54 AM
طبعاً كان يجب حذف هذا الفصل من الموضوع نهائياً لما فيه من ظلم وتجن على المرأة المسكينة المظلومة المضطهدة المفترى عليها.. ولكن لا بأس ولتشهدوا فقط على ظلم وتجني الشعراء أيضاً:171:


أبو العلاء عدو المرأة والزواج

لقد نقد أبو العلاء المرأة نقداً عنيفاً وأكثر من ذكرها بشعرٍ لا يعرف التملق والهوادة، فكان قاسياً في كلماته، لاذعاً في أحرفه، وكأنني أرى كل النساء وقد بتن يخشين نقده، ويحسبن له الحساب، وأكثر من ذلك بعد عودته من بغداد حيث كان الفجور والخليعات، والمخنثون، والجاريات، لا يهمهم سوى اللهو والخمرة والهوى والمتعة.
وكما نعرف أن أبا العلاء كان يتمنى للبشرية الفناء، وحتى أن يموت الوليد ساعة ولادته وتمنيه لو يستطيع أن يترك الدنيا، والرحيل إلى العالم الآخر، فإننا نستطيع أن نقول بأن كل ذلك قد ولّد في نفسه الكره للمرأة، وهي التي تلد وتزيد في النسل، وتُكثر في العالم الأشقياء، ولولاها لما كان ثمة أناس جدد يأتون إلى العالم، ولتوقفت الحياة بعد زمن.
وكان يرى فيهن الكيد والتملق، والتظلم والمرأة هي دائماً الظالمة، فازداد كرهه لها وزاد من حدة نقده، حتى أنه دعا إلى عدم القاء التحية عليها، فاستمع إليه يقول:


وَلا تُرجِع بِإيماءِ سَلاماً *** عَلى بيضٍ أَشَرنَ مُسَلِّماتِ*
أُلاتُ الظَلمِ جِئنَ بِشَرِّ ظُلمٍ *** وَقَد واجَهنَنا مُتَظَلِّماتِ

ووصفها بأنها بغير عقل، والكذب أولى صفات أكثرهن، بل ربما كان يود أن يقول أن جميعهن بغير عقل، ولم يكن يمنعه من قول ذلك سوى الود الذي كان يحمله لوالدته التي بكاها بقسوة وحزن حزناً عميقاً لوفاتها.
وقد عاب على المرأة طلبها الزينة، وميلها إلى الزواج، f* حتى اذا لم تستطع ذلك انزلقت إلى الضلال وهذا ليس من صفات الرجال في شيء:


يُرِدنَ بُعولَةً* وَيُرِدنَ حَلياً *** وَيَلقَينَ الخُطوبَ* مُلَوَّماتِ

ويقول مبيناً إن الرجل وحده من يذود عن الوطن، والمرأة قابعة في بيتها وكأنما نسي الخنساء وخولة وغيرهما.,. بقوله:


وَلَسنَ بِدافِعاتٍ يَومَ حَربٍ *** وَلا في غارَةٍ مُتَغَشِّماتِ

وأن النساء لسن سوى حبال غيٍّ يغوين حتى الطفل الصغير الذي لم يكتمل عقله:


أَلا إِنَّ النِساءَ حِبالُ غَيٍّ *** بِهِنَّ يُضَيَّعُ العقلُ التَليدُ

وهن فوق كل ذلك يسعين بشتى أنواع أسلحتهن لاغواء الرجل؛ فيقول بأن جنودها الفتنة واعلامها الضلال وسلاحها الزينة، ولم ترض بما خلع عليها الله من جمال فسعت لتلوين وجهها فيقول:


فَوارِسُ فِتنَةٍ أَعلامُ غَيٍّ *** لَقينَكَ بِالأَساوِرِ مُعلِماتِ
وِسامٌ ما اِقتَنَعنَ بِحُسنِ أَصلٍ *** فَجِئنَكَ بِالخِضابِ مُوَسَّماتِ*

وينتفض من مكانه ليقول لمن يحلم بليلة عرسه على أنها الليلة السعيدة في حياته فيبني عليها الأحلام الجميلة والآمال العراض ليقول له بأن عروسك ليست سوى أفعى فدعها. وهي ليس تنجب لك سوى الأحناش والأعداء والمصائب..


عَروسُكَ أَفعى فَهَب قُربَها *** وَخَف مِن سَليلِكَ فَهُوَ الحَنَش*
ويقول:

يَلِدنَ أَعادِياً وَيَكُنَّ عاراً *** إِذا أَمسَينَ في المُتَهَضَّماتِ*

وكان يعتبر أن ولادة المرأة ولداً أهون بكثير من ولادتها بنتاً، إذ أنها ستزيد النكبات والآثام وتلحق العار بذويها:


وَإِن نُعطَ الإِناثَ فَأَيُّ بُؤسٍ *** تَبَيَّنَ في وجوهِ مُقَسَّماتِ

ونراه أخيراً يدعو بعدما رأى من المرأة ما رأى وجال في خاطره حولها ما أسلفنا، يدعو إلى دفنها حية أثناء المصائب والتخلص منها، وإن ذلك إحدى المكرمات التي يجب أن يتحلى بها الرجل:


وَدَفنٌ وَالحَوادِثُ فاجِعاتٌ *** لِإِحداهُنَّ إِحدى المَكرُماتِ

بل ذهب إلى أبعد من ذلك فدعا إلى دفنهن في أي وقت كان، إذ أن ذلك خير لها من الزينة بالأكاليل، واقامتهن في الخدور فيقول:


وَدَفنُ الغانِياتِ لَهُنَّ أَوفى *** مِنَ الكِلَلِ المَنيعَةِ وَالخُدورِ*

ولم يكن يفرق في نقده بين امرأة وأخرى فينظر إلى حسبها ونسبها أو دينها ومذهبها، وأننا لم نعرفه مرة ناقداً للرجل معاتباً إياه على الزواج حتى ولو جمع بين أكثر من واحدة. لأنه إن تزوج اثنتين فإنه سيصبح محارباً ولن يستطيع الصمود وسيتغلبن عليه بكيدهن ومكرهن ويحذره من الوقوع في حبائل ثلاثة:


وَإِن كُنتَ غِرّاً بِالزَمانِ وَأَهلِهِ *** فَتَكفيكَ إِحدى الآنِساتِ الحرائِرِ

ترى هل جسر أحد على نقد المرأة كذلك قبله، وهل أتى أو سيأتي من يعلن مثل هذه الحرب ضدها؟!!
الجواب بسيط وهو أنه لن يجسر أحد على ذلك، ويعرف أبو العلاء نفسه تلك الحقيقة ويعرف أن الزمن كلما تقدم ازداد غي المرأة ومكرها وبالتالي تسلطها، وليس بعيداً من أن يأتي اليوم الذي تحكم المرأة فيها زوجها ولو كان يحكم أمه:


وَهَل يُنكِرُ العَقلُ أَن يَستَبدِ *** دَ بِالمُلكِ غانِيَةٌ غَيلَمُ


اعتقاد أبي العلاء

لقد استطاع النقاد قديماً وحديثاً تقييم أبي العلاء من كل النواحي عدا الناحية الدينية التي ما زال أكثرهم يتردد قبل اصدار حكمه، أما من يصدر حكمه عليه فاما أن يتهمه بالزندقة والكفر وإما أن يصفه بأنه من أشد الناس إيماناً بوجود الله تعالى مستندين إلى بعض شعره وأقواله بأن الله حق وأنه لا ينبغي أن يشك أحد في وجوده، فيكفي لأن ننظر إلى الكون ونرى عجائبه لنؤمن بتلك القوة الالهية التي تسير أموره:


أَما تَرى الشُهبَ في أَفلاكِها اِنتَقَلَت *** بِقُدرَةٍ مِن مَليكٍ غَيرِ مُنتَقِلِ

ويقول مبيناً أن الله جل جلاله أعظم من أن يوصف أو يكون له شبيه، وداعياً إلى الايمان المطلق:


مولاكَ مَولاكَ الَّذي ما لَهُ *** نِدٌّ وَخابَ الكافِرُ الجاحِدُ
آمِن بِهِ وَالنَفسُ تُرقى وَإِن *** لَم يَبقَ إِلّا نَفَسٌ واحِدُ

وقضية الايمان بالله لم ينقسم فيها النقاد ذلك الانقسام الذي انقسموه عندما يتطرق المعري إلى الايمان بالملائكة والرسل والكتب المنزلة، وربما كان من يقف معه قد ينقلب ضده عندما يقرأ شعره في موقفه مما ذكرت، فقضية الايمان عند المعري ليست قضية كتب وأنبياء وتعاليم، بل هي قضية إيمان بوجود الله فقط والتسليم له في كل الأمور، ويهاجم الاديان كلها؛ فاذا كان الايمان واحد، لماذا كل هذه الطوائف والمذاهب؟.. وقد سبب هذا الرأي في تشكك بعض اخوانه المسلمين الضعفاء في عقيدتهم، واذا كنا نسمع، وتأكدنا أنه كان ينطق بالشهادتين، ويصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم ويقيم الصلاة ويحث على الزكاة، ويمتدح الاسلام والرسول (ص) أحياناً، ونعرف أنه حارب الاسلام في شعره وأبدى شكه في التعاليم التي جاء بها والعقائد الاساسية فيه، نستطيع أن نقول بأن إيمانه هذا لم يكن سوى تظاهر فقط، لكننا نتوقف لنقول بأنه ربما كان نفيه لتعاليم الاسلام والحاده وشكه يرجع إلى حالات عصبية وتشاؤمية كانت تعتريه في بعض الأحيان عندما يحس بالعاهة التي ألمت به، فينطق بأقواله دون تريث وتعقل .. وبامكاننا أن نرجح الفرض الأول بأن ايمانه كان تظاهرياً اذا ما استندنا إلى مسلكه العام في الابهام والغموض في أقواله واتباعه خطة الرمز والتلميح والكناية كستار يظهر الحاده من ورائه.. وبامكاننا أيضاً أن نعيد هذا التناقض في آرائه إلى باب التطور اذ أنه لم يثبت على عقيدته منذ البدء حتى النهاية، ولم يفكر بها ولا بأصلها، وقد أتاح له سجنه تلك الفرص، ليطلق لفكره العنان بذلك، فدخل مؤمناً بكل التعاليم الدينية الصحيحة، وخرج وهو لا يؤمن الا بوجود خالق لهذا الكون هو الله، وهجر كل العقائد فيقول مقررا الايمان بالله وحده، وأنه سيتجنب الاعمال القبيحة، ويلوم نفسه على أنه خدع عقله بعض الوقت، فصدق أرباب الأديان:


أَدينُ بِرَبٍّ واحِدٍ وَتَجَنُّبٍ *** قَبيحَ المَساعي حينَ يُظلَمُ دائِنُ
لَعَمري لَقَد خادَعتُ نَفسِيَ بُرهَةً *** وَصَدَّقتُ في أَشياءَ مَن هُوَ مائِنُ

لقد كان المعري يعرف كيف يرضي أصدقاءه ويتحاشى خطر الاضطهاد والاتهام فجاء بهذا الشعر المبهم الغامض، متناقضاً حتى لا يستطيع أحد أن يأخذ عليه شيئاً فيتهمه.
ولكن لماذا لا نعيد تناقضه هذا استحيائه من أن يقول أنه لم يفهم التعاليم الدينية وأنه كان بحاجة لمن يفهمه إياها؟!...
إن شهرته التي ملأت الآفاق ومعرفته بالشعر واللغة قد يكون لها الاثر الأول في عدم طلبه صراحة من يرشده ويعطيه التفسير الصحيح لكل التعاليم التي التبس عليه امرها، ولم يكن له ازاء ذلك الا التصحيف والكناية.. ووفق بذلك، لكن أحداً لم يفهمه، فاتهموه بالزندقة والالحاد، ولم يكن يرد على ذلك الا بتأكيد ايمانه بالله حتى يسكت تلك الافواه التي تحاول اتهامه، ثم تراه يعود إلى تشككه: وبقي هكذا ورحل عن الدنيا ولم يأته من يقنعه ويلزمه الحجة..
ربما كان هذا خير رأي يمكننا الأخذ به فلا نظلم الشاعر، ونأخذه بحسن نية ولكننا نعود فنتساءل:
لماذا حاول الاتيان بقرآن جديد في كتابه الذي أسماه "الفصول والغايات"؟!..
وعارض القرآن الكريم في "رسالة الغفران"؟!..
إن هذا يجعلنا نقف مرة أخرى حائرين مترددين!!..





• لا ترد التحية على امرأة ألقت بالتحية عليك.
• يردن بعولة: أي يردون زواجاً.
• الخطوب: المصائب.
• بالخصاب موسمات: أي متزينات بالحناء.
• الحنش: ذكر الأفعى
• يقصد بالأعادي الذكور وبالعار البنات.
• الخدور: جمع خدر وهو المكان الذي يخفيه عن الأعين حجاب.

.
.
يتبع

ISSAM
17-07-2007, 01:07 AM
طبعاً كان يجب حذف هذا الفصل من الموضوع نهائياً لما فيه من ظلم وتجن على المرأة المسكينة المظلومة المضطهدة المفترى عليها.. ولكن لا بأس ولتشهدوا فقط على ظلم وتجني الشعراء أيضاً:171:


أعتقد أن هناك مثلا يقول : اللي يده في النار ليس كالذي يده في الماء.
لذا أتمنى أن تجدي العذر لأبي العلاء.

:y:

أجدد إجلالي على مجهودك. a*

hiam
17-07-2007, 08:29 AM
قالوا العمى منظر قبيح *** قلت بفقدانكم يهون
والله ما في الوجود شيء *** تأسى على فقده العيون

موضوع جميل جزاك الله خيرا و قواك

محمد العدوي
17-07-2007, 11:24 AM
كتبت بواسطة Ophelia
طبعاً كان يجب حذف هذا الفصل من الموضوع نهائياً لما فيه من ظلم وتجن على المرأة المسكينة المظلومة المضطهدة المفترى عليها.. ولكن لا بأس ولتشهدوا فقط على ظلم وتجني الشعراء أيضاً







ظلم .. هو لولا الشعراء كان بقى للنساء ذكر في الدنيا ..

كن جئن ومضين لم نسمع لهن عن شيء وكان تساوى جمال أجملهن مع أقلهمن جمالا ..

لكنهن كالقطط لا تعرف معروفا لأحد .

أزهر
17-07-2007, 12:35 PM
ظلم .. هو لولا الشعراء كان بقى للنساء ذكر في الدنيا ..

كن جئن ومضين لم نسمع لهن عن شيء وكان تساوى جمال أجملهن مع أقلهمن جمالا ..

لكنهن كالقطط لا تعرف معروفا لأحد .

لا لا لا !

هذا كلام كبير يا عدوي .

متأكد أنك ما رح تحذفه ؟

إني لك من الناصحين .
:p

محمد العدوي
18-07-2007, 05:21 PM
^
^
إني لقولك من القالين ..

وبيننا البينة .. بس لما ارجع المنصورة ان شاء الله وانا اعملك موضوع عن أن المرأة صنيعة الأدباء ولا عزاء للنساء ..

Ophelia
19-07-2007, 03:56 AM
فيصل الجبعاء

شكراً لك على متابعة ذلك الحي كميت والميت كحي:


ألم ترَ أنَّني حيٌّ كميتٍ *** أُداري الوقتَ أو ميتٌ كحيِّ
ُأُحاذرُ عالمي وأخاف مني *** وأَلحى الناسَ بلهَ بني لُحيّ
وهم لي مثلُ ما كانتْ قديماً *** لقيسِ بن الخَطيم، بنو دَحيّ


Teem

أهلا بتيم ملك التصميم
نعم يا تيم هو الحرف الذي يروق القارئ لقطه رغماً عنه:


ويْبَكُم*! إن رأيتموني يوماً *** حبَّةً في الثرى فلا تلقطوني*
أنا كالحرف ليس يُنقَطُ والله *** حسيبُ الجهال إن نقَطوني
بتُّ كالواو بين ياءٍ وكسرٍ *** لا يُلامُ الرجالُ إن يسقطوني


**بسنت**

أجمل ما في المعري يا بسنت حكمته وقدرته على فهم نفسيات البشر:


مضى الزمانُ ونفس الحيِّ مولَعةٌ *** بالشر من قبل هابيلٍ وقابيلِ
لو غُربل الناسُ كيما يعدموا سَقطاً *** لما تحصّل شيء في الغرابيلِ
هل يَنظرونَ سوى الطوفان يهلكهمْ؛ *** كما يقالُ أو الطّيرِ الابابيلِ؟


بدر المستور

إليك رأي المعري في الاستفتاء )k :


كن صاحب الخير تنويهِ وتفعلُهُ *** معَ الأنامِ على أنْ لا يدينوكا*
إذا طلبت ندَاهُمْ صرْتَ ضدهمُ *** وإن تُردْ منهمُ عِزّاً يُهينوكا
فعِشْ بنفسكَ فالإخوان أكثرهمْ *** إلا يشينوكَ يوماً لا يَزينوكا
وكم أعانكَ ناسٌ ما استعنتَ بهم *** أو استعنتَ بقومٍ لم يعينوكا



alshamali



قف بالمعرة وامسح خدها التربا *** واستوح من طوق الدنيا بما وهبا
واستوح من طبب الدنيا بحكمته *** ومن على جرحها من روحه سكبا
وسائل الحفرة المرموق جانبها *** هل تبتغي مطمعا او ترتجي طلبا*

فيما بتعلق بالنعمان وابنه فهذا صحيح يمكن أن يكون الوصف لحمص التي تبعد عن معرة النعمان (لا أعرف كام)
ولا سيما أن جبل لبنان يقع وراء حمص وليس وراء معرة النعمان كما توضح الخريطة


http://upthings.googlepages.com/map.jpg


أما المعرة فيقال أيضاً أن تسميتها آرامية، معرتا أي المغاور، وقد نسبت إلى النعمان بن بشير الأنصار..
هذا والله أعلم..


وحي

أهلاً بالمثقفة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ودينياً
أرأيت يا وحي إلى كيد المعري إذ يقول:


علِّموهُنَّ الغَزْلَ والنَّسْجَ والرَّدْ *** نَ. وخَلَّوا كتابَةً وقِراءه*
فصلاةُ الفتاة بالحمدِ والاخـ *** ـلاصِ تُجْزي عن يونس وبراءه*


Pen


خمسونَ قد عشتُها فلا تَعشِ *** والنّعشُ لفظٌ من قولكَ انتعِشِ
والموتُ خيرٌ لمن تأمّلَهُ *** من عُمرِ جاري اللعاب مرتعشِ
لا يقرأُ السّطرَ بالنهار وقد *** كانَ يُجلّي كالصّقرِ ثمّ عشي*


K.S.A


الموتُ حظٌ لمنْ تأمّلَهُ *** وليس في العيشِ أن تؤمِّلَ حظّ
لا سِيّما للذي يُخطُّ عليهِ الـ *** ـوزرُ إن قالَ ، أو رَنا و لحظْ


آلام السياب


بنْتُ عن الدنيا، ولا بنتَ لي *** فيها، ولا عِرْسٌ ولا أختُ*
وقد تحمّلْتُ ، من الوزْرِ، ما *** تعجزُ أن تحمِلهُ البُخْتُ*
إن مدحوني، ساءَني مدْحُهُمْ *** وخلتُ أني، في الثرى، سُنحتُ*


خلف الكواليس

إليك شيء من فلسفته:


إن مازت الناسُ أخلاقٌ يعاشُ بها *** فإنهم، عند سوء الطبع، أسواء*
أو كان كلُّ بني حواءَ يشبهني *** فبئسَ ما ولدت في الخلق حواء
بعدي عن الناس برؤ من سِقَامهم *** وقربُهم؛ للحجى والدين أدواء*


شلفنطح شطح نطح


منَ الناسِ مَن لفظُه لؤلؤٌ، *** يبادره اللَّقْط، إذ يلفَظ
وبَعضُهم قَولُه كالحصى، *** يقال فيُلغى، ولا يُحفَظ

ننتظر ما يتبع من لؤلؤك
ونسأل الله أن ينجنا من حصاك :p


حلم المساء

من هناك من ماوراء بلاد الواق واق يرسل لك المعري (في زيارته لي ) هذه الأبيات:


إذا انفرد الفتى أُمِنَتْ عليهِ *** دَنايا، ليسَ يُؤمنها الخِلاط
فلا كَذِبٌ يقالُ ولا نميمٌ *** ولا غَلَطٌ يُخاف، ولا غِلاط
وكم نهضَ امرؤٌ من بينِ قومٍ *** وفي هاديهِ، من خزي، عِلاط*


ISSAM

ومن يستطيع ألا يعذر قلباً ملذوعاً محروقاً يا عصام :gh:


أتحرقينَ فؤاداً قد حَللْتِ به *** بنارِ حُبّك عمداً وهو مأواكِ
أُسكِنْتِهِ حين لم يسكُن به سكن *** وليس يحسُن أن تسْخي بسكناكِ
ما بال داعي غرامي حينَ يأمرُني *** بأنْ أُكابدَ الوجدِ يَنْهاكِ


hiam


لقَد جاءَ قومٌ يدَّعونَ فضيلةً *** وكلهمُ يَبغي لمُهجتهِ نفعا
وما انخفضوا كي يَرْفعوكم وإنما *** رأوا خفضَكم طول الحياةِ لهم رفعا


محمد العدوي

حتى أنت يا بروتوس
أنت اللي كنا شادين ظهرنا فيك يا بروتوس
إما وريتك يا بروتوس :z:


أزهر

في جماعة مبعوثة من أسلاك تسلم عليك وتقلك:


يَسوسون الأمورَ بغيرِ عَقلٍ *** فينفُذُ أمرهُمْ، ويقالُ ساسَهْ
فأَفَّ من الحياةِ وأفَّ مني، *** ومن زمَنٍ رئاستُهُ خساسَهْ
:biggrin5:


بروتوس من جديد


شرُّ أشجارٍ، علمتُ بها، *** شَجَراتٌ أثمرَتْ ناسا
حَملتْ بيضاً واغربةً، *** وأَتَتْ بالقومِ أجناساً
كلُّهمْ أخفتْ جَوانِحُهُ *** مارداً ، في الصّدرِ، خنّاسا
لم تسقِ عَذْباً، ولا أرجاً، *** بل أذيَّاتٍ وأدْناسا*
تَعَبٌ ما نحن فيه، وهل *** يجلُب الإيحاش إيناسا






* ويبكم: ويلكم
* يدينوك: يجازوك
* الأبيات للجواهري
* الردن: الغزل، وتنضيد المتاع.
* تجزي: تغني وتكفي.
* يجلي: يرمي ببصره إلى بعيد، والصقر مما يضرب به المثل في جلاء البصر.
* العرس: الزوجة.
* البخت: أي الابل.
* سخت، من ساخ: أي انخسف.
* ماز: ميز. أسواء: متساوون.
* الحجى: العقل، أدواء، واحدها دواء: مرض.
* الهادي: العنق. العلاط: حبل يجعل في عنق الجمل.
* لم تسق: لم تحمل.

تمبكتو
19-07-2007, 04:03 AM
ليتني طرحته في الإستفتاء !! ( الله يجازي اللي ماذكـّـرني !!! )
أعتقد أنني لم أرَ كتاب سيرته وإلا لكنت وضعته ..
رحمك الله يارهين المحبسين فقد ( حبستنا ) و ( رهنتنا ) بك !
شكرا


الحمدلله .. انك ماشفته .. من زينه والله سيرة غازي أحسن منه .. هو ووجهه اللي كنه ابو الهول

..

أزهر
19-07-2007, 01:48 PM
أزهر
في جماعة مبعوثة من أسلاك تسلم عليك وتقلك:


يَسوسون الأمورَ بغيرِ عَقلٍ *** فينفُذُ أمرهُمْ، ويقالُ ساسَهْ

فأَفَّ من الحياةِ وأفَّ مني، *** ومن زمَنٍ رئاستُهُ خساسَهْ

:biggrin5:



كأنهم وفد قريش ؟
:biggrin5:

قولي لهم بالله إذا ما فيها غلبة :

ومن جور الزمان على الحر .. حمارٌ ما من مصاحبته بُدّ !

وقد ابتليت بمثلهم فصبرت !
)k

.

وبالمرة قولي لتمبكتو :
الحمير بننخزها .. بتمشي .
لكن اللي مثلك مو راضي .. ليه يا ترى ؟
:p

وحي
19-07-2007, 03:01 PM
أرأيت يا وحي إلى كيد المعري إذ يقول:

علِّموهُنَّ الغَزْلَ والنَّسْجَ والرَّدْ *** نَ. وخَلَّوا كتابَةً وقِراءه*
فصلاةُ الفتاة بالحمدِ والاخـ *** ـلاصِ تُجْزي عن يونس وبراءه*


ولِك شو أنا بلاك يا معلمتي :p

بالمناسبة ..
لمثْـل تطرف المعري - على عمق فلسفته في النفوس البشرية - يقول حافظ رحمه الله :

من لي بتربية النساء فإنها ** في الشرق علة ذلك الإخفاق
الأم مدرسة إذا أعددتها ** أعددت شعبا طيب الأعراق
الأم روض إن تعهده الحيا ** بالريّ أورق أيّما إيراق
الأم أستاذ الأساتذة الأُلى ** شغلت مآثرهم مدى الآفاق
أنا لا أقول دعوا النساء سوافرا ** بين الرجال يجلن في الأسواق
يدرجن حيث أرَدن لا من وازع ** يحذرن رقبته ولا من واقي
يفعلن أفعال الرجال لواهيا ** عن واجبات نواعس الأحداق
في دورهن شؤونهن كثيرة ** كشؤون رب السيف والمزراق
تتشكّل الأزمان في أدوارها ** دولا وهن على الجمود بواقي
فتوسطوا في الحالتين وأنصفوا ** فالشر في التّقييد والإطلاق
ربوا البنات على الفضيلة إنها ** في الموقفين لهنّ خير وثاق
وعليكم أن تستبين بناتكم ** نور الهدى وعلى الحياء الباقي

ولعل تشاؤم المعري لم يحطه علماً بسيرة امرأة عظيمة كـعائشة رضي الله عنها صاحبة الاستدراكات على كبار الصحابة، والتي جمعها بدر الدين الزركشي باجتهاد في كتاب/ الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ..
فلمثلها ولمثل صفية بنت عبد المطلب وأم عمارة - وغيرهن - اللاتي فهمن سورة التوبة أعطر الحب وأزكاه ..

تحية لقلبك أوفيليا ..

.

Ophelia
19-07-2007, 08:33 PM
رأي ابي العلاء بالنبي محمد (ص)

لم يكن النبي (ص) في رأي أبي العلاء سوى مصلح اجتماعي امتدحه في مواضع قليلة من كتابه "اللزوميات" ولم يمتدحه كنبي، وانما كمصلح يدعو إلى الفضيلة وله في مديحه قوله:


دَعاكُم إِلى خَيرِ الأُمورِ مُحَمَّدٌ *** وَلَيسَ العَوالي في القَنا كَالسَوافِلِ
وَأَلزَمَكُم ما لَيسَ يُعجِزُ حَملُهُ *** أَخا الضَعفِ مِن فَرضٍ لَهُ وَنَوافِلُ*
وَحَثَّ عَلى تَطهيرِ جِسمٍ وَمَلبَسٍ *** وَعاقَبَ في قَذفِ النِساءِ الفَواضِلُ
إلى أن يقول:

فَصَلّى عَلَيهِ اللَهُ ما ذَرَّ شارِقٌ *** وَما فَتَّ مِسكاً ذِكرُهُ في المَحافِلِ*

إننا نراه يمتدحه كملك أتى بهذه التعاليم المستحسنة لديه من عنده وليست من عند الله.
ولا نعتبره في البيت الأخير إلا حاذياً حذو أكثر الشعراء التقليديين الذين يبدأون كلامهم بالصلاة على الرسول الكريم وينهونه كذلك.


رأيه في الأديان الأخرى وبقية الأنبياء

إن طعن أبي العلاء بالاسلام من وراء ستار قد نجاه من القتل، ولم يكن يستطع طعنه إلا كذلك، اذ ليس للملحد سوى القتل اذا لم يعد إلى دينه. ولكنه كان يستطيع الطعن في الأديان الأخرى كالمسيحية واليهودية دون عقاب، فتهجم عليها صراحة واسمعه يقول ساخراً:


تَفَوَّهَ دَهرُكُم عَجَباً فَأُصغوا *** إِلى ما ظَلَّ يُخبِرُ يا شُهودُ
إِذا اِفتَكَرَ الَّذينَ لَهُم عُقولٌ *** رَأَوا نَبَأً يَحُقُّ لَهُ السُهودُ*
غَدا أَهلُ الشَرائِعِ في اِختِلافٍ *** تُقَضُّ بِهِ المَضاجِعُ وَالمُهودُ*
فَقَد كَذَبَت عالى عيسى النَصارى *** كَما كَذَبَت عَلى موسى اليَهودُ
وَلَم تَستَحدِثُ الأَيّامُ خُلُقاً *** وَلا حالَت مِنَ الزَمَنِ العُهودُ

وفي بيته الأخير تهجماً خفياً على الاسلام كونه جاء ولم يُزِلْ الشرور مثله مثل اليهودية والنصرانية ويقول مكذباً ادعاء المسيحية بأن المسيح عليه السلام بلا أب وأنه صلب:


عَجَباً لِلمَسيحِ بَينَ أُناسٍ *** وَإِلى اللَهِ والِدٍ نَسَبوهُ
أَسلَمَتهُ إِلى اليَهودِ النَصارى *** وَأَقَرّوا بِأَنّهُم صَلَبوهُ
يُشفِقُ الحازِمُ اللَبيبُ على الطِف *** لِ إِذا ما لِداتُهُ ضَرَبوهُ
وَإِذا كانَ ما يَقولونَ في عي *** سى صَحيحاً فَأَينَ كانَ أَبوهُ
كَيفَ خَلّى وَليدَهُ لِلأَعادي *** أَم يَظُنّونَ أَنَّهُم غَلَبوهُ

وهو يهاجم كل الرسل بعنف وبكل ما جاءوا به وأنهم السبب الوحيد لفساد الكون إذ قسموه إلى شيع ومذاهب:


ولا تحسب مقال الرسلِ حقاً *** ولكن قول زورٍ سطّروهُ
وكان الناس في عيش رغيطٍ *** فجاءوا بالمحال فكدروه

وعلى هذا الأساس يخاطب الناس حاثاً إياهم على الانتباه من غفوتهم فيقول:


أفيقوا أفيقوا يا غواةُ فإنما *** دياناتكم مكرٌ من القدماء

ومنه قوله الذي يتعرض فيه لكل الاديان فيقول:


عجبتُ لكسرى وأشياعه *** وغسلِ الوجوهِ ببولِ البقرْ
وقولِ النصارى إلهٌ يضامُ *** ويُظلمُ حياً ولا يَنتَصِرْ
وقول اليهود إلهٌ يَحِّبُ *** رشاشَ الدماءِ وريحَ القترْ*
وقومٍ أتوا من أقاصي البلادِ *** لرمي الجمار ولثم الحجر
فواعجبي من مقالاتهم *** أيعمى عن الحق كل البشرْ

ويقول أن كل طفل يولد دون اختيار منه، وينشأ ليحمل الدين الذي يحمله أبوه دون تفكير به ودون أن يجد الشجاعة لرفضه فيأخذه كما هو:


وَيَنشَأُ ناشِئُ الفِتيانِ مِنّا *** عَلى ما كانَ عَوَّدَهُ أَبوهُ
وَما دانَ الفَتى بِحِجىً* وَلَكِن *** يُعَلِّمُهُ التَدَيُّنَ أَقرَبوهُ

ويبين للناس أن كل تعاليمهم هي تقليد للقدماء حتى ايمانهم بالله:


في كُلِّ أَمرِكَ تَقليدٌ رَضيتَ بِهِ *** حَتّى مَقالُكَ رَبِّيَ واحِدٌ أَحَدُ

ويعود فيسخر من كل الأديان إذ أن كل دين يأتي فيبطل ما قبله ويجيء بتعاليم جديدة :


دَعا موسى فَزالَ وَقامَ عيسى *** وَجاءَ مُحَمَّدٌ بِصَلاةِ خَمسِ
وَقيلَ يَجيءُ دينٌ غَيرُ هَذا *** وَأَودى الناسُ بَينَ غَدٍ وَأَمسِ

إذا كان أبو العلاء قد هاجم الأنبياء والشرائع فما أحراه بأن يهاجم الأديان والمذاهب التي لا غاية لها إلا كسب المال باسم الدين، وما أحراه بأن ينقم على مستغليها ويسخر منهم، وقد بلغ من سخريته من أحد المشايخ الذي لم يره مرة واحدة يدخل المسجد للصلاة، فيشبهه بابليس لأنه لم يسجد:


ما لي رَأَيتُكَ لا تُلِمُّ بِمَسجِدٍ *** حَتّى كَأَنَّكَ في البَلاغِ السابِعِ*

وهو يرى أن شيوخ عصره وقسوسته لا عمل لديهم سوى المكر والحيل فيقول لأحد المغررين بهم:


رُوَيدَكَ قَد غُرِرتَ وَأَنتَ حُرٌّ *** بِصاحِبِ حيلَةٍ يَعِظُ النِساءَ
يُحَرِّمُ فيكُمُ الصَهباءَ* صُبحاً *** وَيَشرَبُها عَلى عَمَدٍ مَساءَ

ويقول أنه ليست العبرة في المسابح الطويلة وأن هذه من وسائل المخادعة:


وَلَيسَ عِندَهُمُ دينٌ وَلا نُسُكٌ *** فَلا تَغِرَّكَ أَيدٍ تَحمِلُ السُبَحا

ويقول بأن اليهودي لا يحمل توراته إلا لكسب المال:


وَإِنَّما حَمَّلَ التَوراةَ قارِئَها *** كَسبُ الفَوائِدِ لا حُبُّ التِلاواتِ
إِنَّ الشَرائِعَ أَلقَت بَينَنا إَِحناً *** وَأَودَعَتنا أَفانينَ العَداواتِ*

وأنه لا يجمع هذا المال إلا ليعصي به الله ويقتنص النساء فيقول:


وَإِنَّما رامَ نُسواناً تَزَوَّجَها *** بِما اِفتَراهُ وَأَموالاً تَمَوَّلَها*

ويرجع إلى أصحاب المذاهب الاسلامية الذي أضلّوا الناس بقولهم فيقول:


أَجازَ الشافِعِيُّ فَعال شَيءٍ *** وَقالَ أَبو حَنيفَةَ لا يَجوزُ
فَضَلَّ الشيبُ وَالشُبّانُ مِنّا *** وَما اِهتَدَتِ الفَتاةُ وَلا العَجوزُ

ولا يسلم المتصوفة من نقده اللاذع وسخريته فكان لهم خصماً عنيداً في كل وقت فيقول هازئاً منهم أنهم إن كانوا صوفيين فإن المعري وقومه قطنيون، وحسبهم القطن لباساً:


نَحنُ قَطنيَّةٌ وَصوفيَّةٌ أَن *** تُم فَقَطني مِنَ التَجَمُّلِ قَطني*
تَقطَعونَ البِلادَ بَطناً وَظَهراً *** إِنَما سَعيُكُم لِفَرجٍ وَبَطنِ

والمنجمون في رأي أبي العلاء هم أشد الناس كفراً، فيأكلون مال الناس بالكذب والخداع ويفسدون العقل بالوهم، يتظاهرون بمعرفتهم للغيب وهم لا يعرفون شيئاً حتى عن أنفسهم:


يُنَجِّمونَ وَما يَدرونَ لَو سُئِلوا *** عَنِ البَعوضَةِ أَنّى مِنهُمُ تَقِفُ

ويؤكد بأن الله وحده هو الذي بيده مفاتيح الغيب فيقول:


يُحَدِّثُنا عَمّا يَكونُ مُنَجِّمٌ *** وَلَم يَدرِ إِلّا اللَّهُ ماُ هُوَ كائِنُ

ويتناول النساء اللائي يقفن بباب المنجمين يسألنهم علم الغيب، فيقول واصفاً إحداهن وقد جاءت تسأل عن حال زوجها الذي تغير فراح هذا يكتب لها تعاويذه بالزعفران:


وَقَفَت بِهِ الوَرهاءُ وَهيَ كَأَنَّها *** عِندَ الوُقوفِ عَلى عَرينٍ تَهجُمُ*
سَأَلَتهُ عَن زَوجٍ مُتَغَيِّبٍ *** فَاِهتاجَ يَكتُبُ بِالرِقانِ وَيُعجِمُ*
وَيَقولُ ما اِسمُكِ وَاِسمُ أُمُّكِ إِنَّني*** بِالظَنِّ عَمّا في الغُيوبِ مُتَرجمُ
يولي بِأَنَّ الجِنَّ تَطرُقُ بَيتَهُ *** وَلَهُ يَدينُ فَصيحُها وَالأَعجَمُ


رأي أبي العلاء في العقائد الاسلامية:

لم يكن أبو العلاء يؤمن بأركان الدين الاسلامي كاملة فكان يؤمن منها بثلاثة فقط هي الصلاة والصيام والزكاة ويتجاهل غيرها، فلا يعتبر الحج مثلاً ركناً من أركان الإسلام. وينف منه، فيقل في حثه على الصلاة والزكاة:


أَزولُ وَلَيسَ في الخَلّاقِ شَكُّ *** فَلا تَبكوا عَلَيَّ وَلا تُبَكّوا
خُذوا سِيَري فَهُنَّ لَكُم صَلاحٌ *** وَصَلّوا في حَياتِكُم وَزَكّوا

أما عن حثه على الصيام فيقول:


وَصُم رَمَضانَ مُختاراً مُطيعاً *** إِذِ الأَقدامُ مِن قَيظٍ رَمِضنَه

وقد كان يزدري الحج كثيراً ويحتقر أولئك الذين يسيرون الاميال الكثيرة كل عام للقيام بتلك الفريضة:


أَرى عالَماً يَرجونَ عَفوَ مَليكِهِم *** بِتَقبيلِ رُكنٍ وَاِتِّخاذِ صَليبِ
فَغُفرانَكَ اللَهُمَّ هَل أَنا طارِحٌ *** بِمَكَّةَ في وَفدٍ ثِيابَ سَليبِ

ويقول مخاطباً إحدى النساء أنه لا يعتبر ذلك فريضة على النساء والعجائز والبنات:


أَقيمي لا أَعَدُّ الحَجَّ فَرضاً *** عَلى عُجُزِ النِساءِ وَلا العَذارى

لكننا لم نعثر له على قول يحدد فيه أن الحج للرجال فقط، لكنه يقرر أنه لن يحج ما دام يحمي مكة قومٌ سفهاء يشربون الخمر فيها، وقد حرم الاسلام ذلك..


وَما سَيري إِلى أَحجارِ بَيتٍ *** كُؤوسُ الخَمرِ تُشرَبُ في ذَراها
ويقول:

فَفي بَطحاءِ مَكَّةَ سِرُّ قَومٍ *** وَلَيسوا بِالحُماةِ وَلا الغَيارى

وفي اعتقادي أن قوله هذا لم يكن إلا حجة أتى بها لئلا يقوم بهذه الفريضة، لأنه لم يكن يعتقد بها، في قرارة نفسه أو قد نفر منها كثيراً، ويمكننا أن نرجع ذلك إلى أسباب منها أنه كان يرى فيها عودة إلى الحياة الوثنية إذ يقول:


لَم يُثبِتوا بِقِياسٍ أَصلَ دينِهِمُ *** فَيَحكُموا بَينَ رُفاضٍ وَنُصّابُ
ما الرُكنُ في قَولِ ناسٍ لَستُ أَذكُرُهُم *** إِلّا بَقِيَةُ أَوثانٍ وَأَنصابِ

أو قد يكون السبب كامناً في ضعفه أو فقدانه بصره فلم يتيسر له أداء تلك الفريضة الأساسية، فنراه يقول أنه لم يحج لأن المصائب لم تفارقه:


أَنا ما حَجَجتُ فَكَم تَحُجُّ نَوائِبٌ *** شَخصي وَيَفقِدُ عِندَها الإِحصارُ




• يقصد بأنه جاء بالاسلام..
• ذرَّ: طلع، ويقصد طلوع الشمس.. المحافل: جمع محفل وهو جمع من الناس، ويقصد أنه لا يجب أن يفوتنا ذكره بالطيب دائما بين الناس.
• يقصد بالبيتين أن الدهر يجيء بشيء عجيب دائما، ولكن اذا ما تفكر الناس بهذه الأشياء رأوا خبراً يجوز أن يجعل المرء لا ينام وهو اختلاف أهل الأديان مع بعضهم.
• المضاجع: مكان النوم للكبار. المهود: اسرّة الأطفال.
• يقصد بأن الأيام لم تأت بجديد.
• لداته: أهله.
• القتر: البخور.
• يقصد أن الفتى لم يعتنق مذهبه ويدين به عن عقل وفطنة. الحجى : العقل.
• يقصد في البلاغ السابع، السورة السابعة من القرآن الكريم وفيها "فسجدوا إلا ابليس".
• الصهباء: الخمرة.
• الأح،: البغض والكره.
• رام: أراد وكان له هدفاً.
• قطني: حسبي.
• الورهاء: يقصد المرأة. عرين: بيت الأسد.
• الرقان: الزعفران، يعجم: يكتب بغير العربية.
• رمضنه: يقال رمض قدم الرجل، أي احترقت من السير في الصحراء.

.
.

يتبع

Ophelia
21-07-2007, 09:53 PM
القضاء والقدر

تردد أبو العلاء وحار في امره بين مذاهب ثلاثة في الاختيار والاجبار أو رفض الاثنين معاً، فتارة نراه يلقي اللوم على الانسان في كل أعماله المسيئة وأنه من المستحيل أن يرغم الله عز وجل، انساناً على القيام بعمل يضر به فيقول مثلاً:


كَذَبَ اِمرُؤٌ نَسَبَ القَبيحَ إِلى *** الَّذي خَلَقَ الأَنامَ وَخَطَّ في بِرسامِهِ*

ثم يقف موقف المتردد فلا يستطيع أن يلقي اللوم على الانسان كذلك لا يمكنه الشك بقول الخالق جل وعلا فيقول:


رَأَيتُ سَجايا الناسِ فيها تَظالُمٌ *** وَلا رَيبَ في عَدلِ الَّذي خَلَقَ الظُلما

لكننا نراه في نهاية البيت يقرر أن الظلم من خلق الله، ويمكننا أن نرجع ذلك إلى إيمانه بأن الإنسان مجبر في أعماله مخالفاً بذلك قوله السابق، ثم يقرر أخيراً بأن الإنسان مسير في كل أعماله فيقول:


ما بِاِختِياري ميلادي وَلا هَرَمي *** وَلا حَياتي فَهَل لي بَعدُ تَخييرُ
وَلا إِقامَةَ إِلّا عَن يَدَي قَدَرٍ *** وَلا مَسيرَ إِذا لَم يُقضَ تَسييرُ*

ويقول إن العقل الذي واجه مشاكل كثيرة وتغلب على المصاعب. لا يمكنه الوقوف أمام سلطان القدر:


وَالعَقلُ زينٌ وَلَكِن فَوقَهُ قَدَرٌ *** فَما لَهُ في اِبتِغاءِ الرِزقِ تَأثيرُ

ولكننا سرعان ما نراه يدعونا إلى ترك مذهب الاختيار، ومذهب، ومذهب الجبر أيضاً والوقوف في منزلة الوسط بينهما فيقول:


لا تَعِش مُجبِراً وَلا قَدَرِيّاً *** وَاِجتَهِد في تَوَسُّطٍ بَينَ بَينا

فإنه من الخير دوماً اتباع الوسط بين الأمرين، فلا يمكن القول بأننا مجبرين على فعل هذا العمل أو ذاك لأننا بذلك قد نرتكب الآثام والمظالم ونلقي تبعة ذلك كله على الخالق عز وجل، كما لا يمكن القول بأننا مختارين في عمل هذا أو ذاك لأننا بهذا نكون قد نفينا الاعتقاد بشمول قدرة الله، وخالفنا قوله تعالى: "والله خلقكم وما تعلمون".



البعث

لقد قلنا فيما سبق أن عقل أبي العلاء لم يكن يسعفه كثيراً في البت في المشاكل الدينية والفلسفية ، بل يتركه حائراً متذبذباً بين هذا وذاك، لا يدري أي الطرق يسلك فتارة ينكر وأخرى يوافق، حتى يعيبه هذا وذاك فيحاول الأخذ بالأمر الوسط، والبعث أحد أركان الإيمان في الدين الاسلامي الحنيف، وحار فيه أبو العلاء حتى أنه لم يستطع رفضه أو أن يؤمن به إيماناً مطلقاً وبقي في موقفه شيء من الغموض الذي يميل أحياناً إلى الإيمان بقدرة الله على كل شيء، وبعث الناس وحشرهم ليست من الأعمال التي لا تدخل في مجال قدرة الخالق جل شأنه وعلا، فيقول:


وَمَتّى شاءَ الَّذي صَوَّرَنا *** أَشعَرَ المَيتَ نُشوراً فَنَشَر
فَاِفعَلِ الخَيرَ وَأَمَّل غِبَّهُ *** فَهُوَ الذَخرُ إِذا اللَهُ حَشَر

ويقول أيضاً:


بِحِكمَةِ خالِقي طَيّي وَنَشري *** وَلَيسَ بِمُعجِزِ الخُلّاقِ حَشري

كذلك لم نجد القول الصريح عنده والذي يؤيد به حساب الناس في الدنيا الآخرة، فمرة يقول بأنه يجب ألا ييأس انسان من نيل ثواب على أعماله، فالجزاء سيكون في دنيا غير هذه الدنيا ويقصد الآخر:


لا يَيأَسَنَّ مِنَ الثَوابِ مُراقِبٌ *** لِلَّهِ في الإيرادِ وَالإِصدارِ
فَتَرى بَدائِعَ أَنبَأَت مُتَحَسِّساً *** أَنَّ الجَزاءَ بِغَيرِ هَذي الدارِ*

لكننا نراه يعود فينكر البعث والحساب في قوله:


زَعَموا أَنَّني سَأَرجِعُ شَرخاً *** كَيفَ لي كَيفَ لي وَذاكَ اِلتِماسي
وَأَزورُ الجِنانَ أُحبَرُ فيها *** بَعدَ طولِ الهُمودِ في الأَرماسِ

ثم نراه أخيراً يخاطب نفسه حاثاً إياها على فعل الخير لأجل الخير دون طلب الجزاء على ذلك أو الحكم بأن الله سيجزيها على عملها ذات يوم، لأن ذلك عائد إليه وحده وان أراد فعل، فيقول:


تَوَخَّي جَميلاً وَاِفعَليهِ لِحُسنِهِ *** وَلا تَحكُمي أَنَّ المَليكَ بِهِ يُجزي
فَذاكَ إِلَيهِ إِن أَرادَ فَمُلكُهُ *** عَظيمٌ وَإِلّا فَالحِمامُ لَنا مُجزِ

هذا وقد كان أبو العلاء يعتقد بأن النفس البشرية كانت تسكن عالما العلوي ثم هبطت إلى الجسم بتأثير النفس الكلية، وكان يرى أن هذه النفس لا تفنى بفناء الجسد بل تعود إلى عالمها الذي هبطت منه:


وَالروحُ شَيءٌ لَطيفٌ لَيسَ يُدرِكُهُ *** عَقلٌ وَيَسكُنُ مِن جِسمِ الفَتى حَرَجا
سُبحانَ رَبِّكَ هَل يَبقى الرَشادُ لَهُ *** وَهَل يُحِسُّ بِما يَلقى إِذا خَرَجا
وَذاكَ نورٌ لِأَجسادٍ يُحَسِّنُها *** كَما تَبَيَّنتَ تَحتَ اللَيلَةِ السُرُجا*
قالَت مَعاشِرُ يَبقى عِندَ جُثَّتِهِ *** وَقالَ ناسٌ إِذ لاقى الرَدى عَرَجا

ونرى بهذا أنه يعتبر الروح نوراً والنور في مذهب الأفلاطونيين هو مصدر الخير، ولكن أبا العلاء يعتبرها مصدر الشرور والآثام، اذ لولاها لم تكن قد بعثت الحركة في الجسد ولما قام بأعماله السيئة.
كما أنه لم يكن يؤمن بتناسخ الأرواح، وينكر هذه العقيدة ويسخر من معتنقيها، فاسمعه يقول متهكما:


تبارك الله كاشف المحنْ *** فقد رأينا عجائب الزّمنْ
حمارُ شببانَ شيخ حارتنا *** صُيّر جارنا أبو السّكنْ
بَدَّلَ من مشِيتِه بحلّتهِ *** مشيتَهُ في الحزام والرسنْ

ولم يكن لأبي العلاء رأي صريح في وجود الجن والملائكة مثله في ذلك في كل المعتقدات الدينية، إذ أنه لا يجزم بشيء، فقد لا يقبل عقله شيئاً لكنه يقنع نفسه بأن الله قادر على كل شيء:


لَستُ أَنفي عَن قُدرَةِ اللَهِ أَشبا *** حَ ضِياءٍ بِغَيرِ لَحمٍ وَلا دَم

ويقول منكراً وجود مخلوقات غير مرئية:


قَد عِشتُ عُمراً طَويلاً ماعَلِمتُ بِهِ *** حِسّاً يَحِسُّ لِجِنِّيٍ وَلا مَلَكِ

وبعد...
هناك كلمة حق يجب قولها مستندين بذلك إلى شعر لأبي العلاء نفسه، فثمة البعض من تلامذته، وغيرهم كانوا يحسدونه على ما هو به من سعة علم ومنزلة اجتماعية فراحوا ينظمون الأشعار على لسانه، يضمونها أقاويل الملحدين يجعلونه بها ملحداً كافراً متنكراً لأصله ولعقيدته، قاصدين بذلك هلاكه، فقد قال:


حاول اهواني قومٌ فما *** واجهْتُهمْ إلا بإهوانِ*
يحرّشوني بسعَاياتِهم *** فغيّروا نيّةَ إخواني
لو استطاعوا لوَشَوْا بي إلى الـ *** مرّيخ في الشُّهب وكِيوانِ

وقال:


غَريَتْ بذَمِّي أمةٌ *** وبحمدِ خالقها غَريتُ*
وعبدْتُ ربي ما استطعْـ *** ـتُ ومِن بريته بَريتُ*
وفَرَتْني الجُهّالُ حا *** سدةً عليّ وما فَريتُ*
سَعروا عليَّ فلم أُحِسّ *** وعندهم} أني هريتُ*
وجميع ما فاهوا به *** كذبٌ لعمْرك حنبريت*

تلك كلمات ربما قالها أبو العلاء في لحظة إيمانه فيتنكر لكل ما كان قد قاله وينسب ذلك إلى الآخرين.




بعض شعره الدال على سوء عقيدته

قد يكون من الجدير بنا بعد أن تناولنا عقيدة أبي العلاء من جوانبها أن نذيّل ذلك الجزء من بحثنا ببعض أقواله الشعرية التي تدل على الحاده وسوء عقيدته علها تأتي متممة لما يكون قد نقص في بحث عقيدته:

هذه طرفة من شعره حول الموت:


صرفُ الزّمانِ مُفرِّق الالفَيْنِ *** فاحكم الهي بين ذا وبيني*
أنهيتَ عنْ قتلِ النّفوسِ تعمُّداً *** وبعثْتَ أنتَ لقتْلِها مَلكَيْنِ
وزعمتَ أنّ لها مُعَاداً ثانياً *** فما كان أغناها عن الحالينِ

وقال:


تَقَدَّمَ صاحِبُ التَوراةِ موسى وَأَوقَعَ في الخَسارِ مَنِ اِفتَراها*
وَقالَ رِجالُهُ وَحيٌ أَتاهُ وَقالَ الظالِمونَ بَلِ اِفتَراها

وقال:


عقولٌ تستخِفُّ بها سطورٌ *** ولا يدري الفتى لمن الثُّبورُ
كتابُ محمدٍ وكتابُ موسى *** وانجيل ابن مريم والزبورُ

وقال:


اذا كان لا يحظى برزقك عاقلٌ *** وترزقُ مجنوناً وترزُقُ أحمقا
فلا ذنب يا ربّ السماءِ على امرئ *** يرى منكَ مالا يشتهي فتزندقا


ومنه في انكاره البعث:


ضَحِكنا وَكانَ الضِحكُ مِنّا سَفاهَةً *** وَحُقَّ لِسُكّانِ البَسيطَةِ أَن يَبكوا
يُحَطِّمُنا رَيبُ الزَمانِ كَأَنَّنا *** زُجاجٌ وَلَكِن لا يُعادُ لَهُ سَبكُ

ومنه:


قُلتُم لَنا خالِقٌ حَكيمٌ *** قُلنا صَدَقتُم كَذا نَقولُ
زَعَمتُموهُ بِلا مكانٍ *** وَلا زَمانٍ أَلا فَقولوا
هَذا كَلامٌ لَهُ خَبيءٌ *** مَعناهُ لَيسَت لَنا عُقولُ

ويقول:


إذا ما ذكرنا آدماً وفعاله *** وتزويج بنتيه الابنية في لدنا*
علْمِنا بأنّ الخلق من أصلِ ريبة *** وأنّ جميعَ الناسِ من عنصر الزِّنا

وله في الحج:


استغفر الله في أمني وأوجالِي *** ومن غفلتي وتوالي سوءِ أفعالي
قالوا هرمتَ ولمْ تطرق تهامة في *** مُشاةِ وفدٍ ولا ركبان أجْمالِ*
فقلتُ أني ضريرٌ والذينَ لهم *** رأي رأوا غيرَ فرض حجَّ أمثالي*
ما حجَّ جَدّي ولم يحْجُج أبي وأخي *** ولا ابن عمي ولم يعرف منًى خالي*
وحجّ عنهم قضاء بعدما ارتحلوا *** قومٌ سيقضون عنّي بعد ترحالي
فان يفوزوا بغفرانٍ أفُزْ معهم *** أو لا فإني بنارٍ مثلهم صالي
ولا أروم نعيماً لا يكون لهم *** فيه نصيبُ وهم رهطي وأشكالي

ويقول:


وما حجّي إِلى أَحجارِ بَيتٍ *** كُؤوسُ الخَمرِ تُشرَبُ في ذَراها
اذا رجع الحكيم إلى حجاهُ *** تهاون بالمذاهب وازدراها

وكان لأبي العلاء ردٌّ على كل ما يثار حوله واتهامه بسوء عقيدته فيقول في تأكيد لايمانه بالبعث:


فيا وَطَني إنْ فاتَني بكَ سابِقٌ *** من الدهرِ فليَنْعِمْ لساكِنِك البال
فإنْ أسْتَطِعْ في الحَشْرِ آتِكَ زائرا *** وهَيْهاتَ لي يوْمَ القِيامَةِ أشْغال

ويقول بما يبين أنه كان يؤمن بما جاءت به الكتب السماوية:


يا ابنَ الّذي بِلِسانِه وبَيانِه *** هُدِيَ الأنامُ ونُزّلَ التَنْزيلُ
من فضْلِه نَطَقَ الكِتاب وبَشّرَتْ *** بقُدُومِه التّوْرَاةُ والإنْجِيلُ




هجوم المجتمع على المعري

إن المجتمع الذي تنكر أبو العلاء لعقائده الدينية واستهزأ بها، وتهكم برجالات الأمة وسخر منهم. وتناول المرأة بنقده اللاذع، فلم يفته أحدٌ لم يصل إليه نقده، إن هذا المجتمع سيرد على أبي العلاء بقوة أشد، وبشكل طبيعي، وجاء هذا الهجوم بشكل نثر كما جاء شعراً، وألصقت الصفات الشنيعة به.. استمع إلى أحد القضاة في عصره يقول فيه بعد ما رأى محاولته تقليد القرآن الكريم:


كلبٌ عوى بمعرة النُّعمان *** لما خلا عن ربقةِ الايمانِ
أمعرة النعمان ما أنجبتِ اذ *** أخرجت منك معرة العميانِ

ويمكن أن نقسم ناقديه إلى فئتين، فئة أعماها الحسد والغيرة لما تراه من نبوغ أبي العلاء، ولا نستطيع مجاراته، وفئة أخرى نقدها أبو العلاء وتعرض لها إما في عقيدتها أو مركزها أو جنسها، ولم يكن يعير هذه العداوات الاهمية الكبرى التي نعرفها عند شعراء سابقين اذ كان لا همّ لهم سوى هجاء من يهجونهم ، فإن أبا العلاء بدلا من ذلك نراه يلومهم على جهلهم به، ويخبرهم بأن كلامهم مجرد هراء لن يصغي إليه:


بأي لسانِ ذا مني متجاهلٌ *** عليّ وخفقُ الريحِ فيّ ثناءُ
تكلّمَ بالقولِ المضللِ حاسد *** وكل كلام الحاسدين هراءُ

ثم استمع إليه يقول:


وقد نبحوني وما هجتهمْ *** كما نبح الكلبُ ضوءَ القمرْ

ويقول أيضاً:


فأصبحت محسوداً بفضلي كله *** على بعد أنصاري وقلةِ مالي.

وازدادت محاربته بازدياد عظمته؛ وكثر من يشي به عندما ذاعت شهرته؛ وازداد أيضاً عدد الساخرين منه حتى في منزله، فقد قال المعري مرة في عرض حديثه: "لم أهج واحداً قط". فقال أحدهم معقباً: "صدقت إلا الأنبياء" فصمت أبو العلاء ولم يرد من جرحه، ووصفوه بالزندقة وقلة الدين، وقال عنه ياقوت الرومي في معجمه "كان حماراً لا يفقه شيئاً ومجنوناً معتوهاً"..
أصح أن نسمي ذلك نقداً؟!.. أو حتى تأريخ حياة؟!.. لقد شوّه ياقوت الرومي معجمه بهذه الكلمات ونزع ثقة المكر وحتى القارئ بصدق رواياته، وازداد تقول الناس على أبي العلاء حتى بات يشك في نفسه فقال: "وازداد تقول الناس عليّ حتى خشيت أن أكون أحد الجهال".

لكن العدل لم يمت اذ جاء ابن العديم بكتابه "العدل والتحري في دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري" وفيه ما يرد لأبي العلاء قيمته ومركزه ويعطيه حق قدره .
ولم يسلم حتى بعد موته من حساده وناقديه فراحوا يفترون عليه ويهزأون منه بقولهم انهم كانوا يرونه في أحلامهم ، وهو أبشع ما يكون، والأفاعي على كتفيه وتصل إلى فخذيه وتنهش من وجهه لحماً وهو مستغيث..

وكان من وقف ضد أبي العلاء أكثر بكثير ممن وقف معه وهذا لأكبر دليل لنا في عصرنا على أنه كان درة زمانه وآية عصره، اذ أنهم لا بد وأنهم أخفوا الكثير من فضائله فلم تصل إلينا جميعها، وإلا لرأيناه على صورته الصحيحة بعيدة عن التشويه، بريئة من كواذب الألوان..







البرسام: مرض التهاب يصيب الحجاب الصدري.
يقصد أن بقاءه في الحياة الدنيا لهو مرهون بيد القادر.
يريد أن يقول بأن لا يجب أن ييأس المرء من الثواب في الأخذ والعطاء، فهناك من أجر عامل الخير أ، جزاءه بغير هذه الدنيا.
الحمام: الموت.
يقصد أن الروح نور يوضع في أجساد فيأتيها بالحركة والاحساس، ويكون مجيئها في الليلة المقمرة.
أي لقد حاول ذله البعض ولكنه لم يواجههم إلا بعدم المبالاة.
غربت: أي اتخذت لها هواية.
بريت: أي أنه تبرأ منهم "ويقصد القوم الذين ذموه".
فرى: افترى وكذب.
سعر: يقال سعر النار أي أشعلها ويقصد أعلنوا عليه الحرب لكنه لم يهتم لذلك يعتقدون أنه شاخ جداًَ وفقد عقله.
حنبريت أي قصير.
صرف الزمان: مصائبه. الالفين الصديقين.
اقتراها: اتبعها واتخذها مذهباً.
الدنا، بالفتح: مصدر كالدناءة
يقصد أن الناس قالوا له بأنه هرم ولم يحج ماشياً أو راكباً في قافلة ما.

• لكنه يقول لهم أنه ضرير وقد أفتى المجتهدون بأن حج أمثاله ليس فرضاً.
• منى: اسم موضع بمكة. الحجى: العقل.







يتبع

Ophelia
25-07-2007, 11:03 AM
الغزل في شعر أبي العلاء

قد لا نتوقع العثور في أشعار أبي العلاء على شعر للغزل؛ وأنه تغزل في المرأة يوماً، وأي غزل نريده منه ما دمنا لمسنا نقده اللاذع للمرأة، وعدم رضاه عنها وجوره في الحكم عليها؛ وكما أسلفنا، ربما كان ذلك لأنه لم يرها وحرم منها طيلة حياته، فلم يكن له في الغزل إلا شذرات قليلة في أمكنة متفرقة وفي أزمنة متباعدة، وكان يائساً في كلماته الغزلية ومعذباً في أحرفه، فلم يتناول في الوصف شعرها وهو سعيد، لكنه يذكر ذلك بالحسرة، ولم يصف بسمتها بالبراءة، وشفتيها بالرقة، لأنه لم يحس بشيء من هذا، واذا ما ذكر ذلك فإنه يتعرض له بضيق وعذاب ونرى الحرمان ينسكب من أحرفه:


أتحرقينَ فؤاداً قد حَللْتِ به *** بنارِ حُبّك عمداً وهو مأواكِ
أُسكِنْتِهِ حين لم يسكُن به سكن *** وليس يحسُن أن تسْخي بسكناكِ
ما بال داعي غرامي حينَ يأمرُني *** بأنْ أُكابدَ الوجدِ يَنْهاكِ

وتخيّل واحدة نكست قرطيها فوصف ذلك قائلاً بأن تنكيسها لهما ليس إلا لتعذيب القلوب، والتطلع إلى من يتعذب بحبها من بعيد، ويتهمها بالوقوع في الضلال وأنها ليست أول واحدة تفعل ذلك:


نَكّسْتِ قُرْطَيْكِ تَعذيباً وما سَحَرا *** أخِلْتِ قُرْطَيْكِ هاروتاً وماروتا
لو قُلتِ ما قالَه فِرْعَوْنُ مُفترِياً *** لخِفتُ أن تُنْصَبي في الأرضِ طاغوتا
فلستِ أوّلَ إنْسانٍ أضَلَّ بهِ *** إبليسُ مَنْ تَخِذَ الإنسانَ لاهوتا*

وله من إحدى قصائده:


منكَ الصّدودُ ومني بالصّدودِ رِضى *** مَن ذا علَيَّ بهذا في هواكَ قَضَى
بيَ منكَ ما لو غَدا بالشمسِ ما طلَعتْ *** من الكآبَةِ أوْ بالبَرْقِ ما وَمَضَا

وعندما نمت السنون وتراكمت وامتد بأبي العلاء العمر لم يكن له سوى الذكرى الحزينة يعود إليها يجترها في وحدته:


قد أوْرَقَتْ عُمْدُ الخِيامِ وأعْشَبَتْ *** شُعُبُ الرّحالِ ولونُ رأسي أغْبَر
ولقد سَلَوْتُ عن الشبابِ كما سَلا *** غَيري ولكنْ للحزينِ تَذكُّر


المدح والفخر عند أبي العلاء

كان أبو العلاء محاطاً بأهل العلم وهو طفل وأول كلمة في النحو أخذها من والده، ونشأ بين أفراد أسرة كثر قضاتها، وكثر على اللغة والأدب فيها، وازداد بينهم أهل الفضل؛ وكان لهم الأثر في اجتذابه إلى العلم والأدب، وكان ذلك مدعاة فخر له، ويحق له أن يتباهى بهذه العائلة الكريمة التي تسير القوافي تحت عَلَمها وهم لجديرون بها:


بأيّ لِسانٍ لامني مُتَجَاهِلٌ *** علَيّ وخَفْقُ الرّيحِ فيّ ثَناءُ
تكَلّمَ بالقَوْلِ المُضَلّلِ حاسِدٌ *** وكُلُّ كلامِ الحاسدِينَ هُراءُ
أتَمْشي القَوافي تحتَ غيرِ لِوائنا *** ونحْنُ على قُوّالِهَا أُمَراء
ولا سارَ في عَرْضِ السَّماوَةِ بارِقٌ *** وليس له مِن قوْمنا خُفَراء
ولسنا بفَقْرَى يا طَغَامُ إليكُمُ *** وأنْتُمْ إلى مَعْروفِنا فُقَراء

ونراه في البيت ما قبل الأخير يتنقل إلى التفاخر بقومه القضاة وأنهم الحاكمين في كل مكان.
ويقول مؤكداً فصاحة قومه واضطلاعهم بالأدب بقصيدة مطلعها:


يتَهَلّلونَ طَلاقَةً وكُلومُهُمْ *** يَنْهَلّ مِنْهُنّ النّجِيعُ الأحْمَر*
لا يَعْرِفونَ سِوى التقدّمِ آسِيا *** فجِراحُهُمْ بالسَّمْهَرِيّةِ تُسْبَرُ*

ويقول أيضاً أن قومه ان كانوا في الحياة يضفون على الأرض الجمال والبهجة، فهم بعد الممات يضفون ذلك الجمال إلى الكتب بسيرهم الحميدة، وأدبهم الخالد الذي تركوه وأنهم عربٌ بيوتهم الخيام وسيبقون كذلك لن ينزلوا إلى المدينة حيث يفقد العز:


جَمالَ ذي الأرض كانوا في الحياة وهُم *** بعدَ المماتِ جَمالُ الكُتْبِ والسِّيَرِ
المُوقِدُونَ بنجْدٍ نارَ باديَةٍ *** لا يَحضُرونَ وفَقْدُ العِزّ في الحَضَرِ

ولكن هل غفل أبو العلاء نفسه؛ وتذكر قومه فقط فوهبهم كل شعره وهو الذي ملأت شهرته الآفاق، وأتاه الناس من كل حدب وصوب؟!. كلا لم يكن ذلك فإن قوله:


وإني وإن كنتُ الأخيرَ زمانُهُ *** لآتٍ بما لم تَسْتَطِعْهُ الأوائل

إن هذا القول المشهور له لأكبر دليل على أنه كان يريد أن يجعل من نفسه الرجل الذي يشير إليه الجميع ببنانهم؛ لما سيأتي به مما لم يسبقه إليه أحد؛ وقد كان له ذلك وصار حديثه على كل لسان، رغم محاولة بعض الحساد التقليل من قيمته وخنق شهرته فاستمع إليه يقول في ذلك:


وقد سارَ ذكْري في البلادِ فمَن لهمْ *** بإِخفاءِ شمسٍ ضَوْءُها مُتكاملُ
يُهِمّ الليالي بعضُ ما أنا مُضْمِرٌ *** ويُثْقِلُ رَضْوَى دونَ ما أنا حامِلُ*
وأغدو ولو أنّ الصّباحَ صوارِمٌ *** وأسْرِي ولو أنّ الظّلامَ جَحافلُ*
وإني جَوادٌ لم يُحَلّ لِجامُهُ *** ونِضْوٌ يَمانٍ أغْفَلتْهُ الصّياقلُ*
وإنْ كان في لُبسِ الفتى شرَفٌ له *** فما السّيفُ إلاّ غِمْدُه والجمائلُ*
ولي مَنطقٌ لم يرْضَ لي كُنْهَ مَنزلي *** على أنّني بين السّماكينِ نازِلُ*

حتى ينتهي إلى القول البليغ:


يُنافسُ يوْمي فيّ أمسي تَشرّفاً *** وتَحسدُ أسْحاري عليّ الأصائلُ*

لكنه برأيي مهما قرأنا شعراً لأبي العلاء في الفخر والمدح القليل فإننا نجزم بأن الآخرين سبقوه في هذا الباب، ولم يقل أكثر مما قاله معاصروه في نفسه؛ ويشهد الجميع بتواضعه وعدم ميله إلى التفاخر، ومدح الآخرين!.


الرثاء

يقول كتاب أبي العلاء أنه أول ما قال الشعر، قاله في رثاء أبيه الذي توفى؛ وهو لم يزل فتى، وعجب سامعوه منه واندهشوا لتلك المقدرة التي ألقى بها كلماته على صغر سنه ومما يقول في هذه المناسبة مخاطباً والده:


فليتَكَ في جَفني مُوارىً نَزاهَةً *** بِتِلْكَ السّجايا عن حَشايَ وعن ضِبني*
ولو حَفَرُوا في دُرّةٍ ما رَضِيتُها *** لجِسْمِكَ إبْقاءً عَلَيْهِ منَ الدّفنِ

فهو لا يستعذب الدفن لوالده حتى ولو كان في الدرة، وتمنى لو استطاع أن يحويه في جفنه، ولما رجع من بغداد أثناء رحيله لم ير والدته فقد أخبروه أنها رحلت هي الأخرى وتركت عالمنا، وأي أسىً ألمّ به آنذاك، وكانت فاجعته الثانية بعد وفاة أبيه فوقف يخاطب الموت طالباً من يحمل تحيته العطرة لروحها:


فيا رَكْبَ المَنُونِ أمَا رَسُولٌ *** يُبَلّغُ رُوحَها أرَجَ السّلامِ
ذَكِيّاً يُصْحَبُ الكافُورُ مِنْهُ *** بِمِثْلِ المِسْكِ مَفضُوضَ الخِتامِ*
سألتِ مَتَى اللّقاء فقيل حتى *** يَقُومَ الهامِدُونَ مِنَ الرِّجامِ*

ويشعر بالحزن العميق وتتناوبه الأفكار وهو مطرق ببصره إلى الأرض يجول فيها ويتساءل بعد وفاة أحد أقربائه ويدعى أبا حمزة. يتساءل:
_ ترى مم تتكون القشرة الأرضية؟!..
لقد توفي والده، وفجع بعد ذلك بالأم التي لم يحب المرأة إلا لأجلها، ويموت الآلاف كل يوم ويدفنون وتبلى أجسادهم. ويأتون على مخيلته، فيطلب من الناس تخفيف ثقلهم عن الأرض، والسير في الهواء إن استطاعوا ذلك، بعد أن يخبرهم بحقيقة تلك الحبات الناعمة من التربة التي يرونها، وذلك يكفي الموتى، فهم لا يحتاجون للدمع يذرف لفراقهم، لأنهم لن يعودوا، فلم النواح إذن؟!..


غَيْرُ مُجْدٍ في مِلّتي واعْتِقادي *** نَوْحُ باكٍ ولا تَرَنّمُ شادِ*
وشَبِيهٌ صَوْتُ النّعيّ إذا قِي *** سَ بِصَوْتِ البَشيرِ في كلّ نادِ*
أَبَكَتْ تِلْكُمُ الحَمَامَةُ أمْ غَنْ *** نَت عَلى فَرْعِ غُصْنِها المَيّادِ
صَاحِ هَذِي قُبُورُنا تَمْلأ الرُّحْ *** بَ فأينَ القُبُورُ مِنْ عَهدِ عادِ*
خَفّفِ الوَطْء ما أظُنّ أدِيمَ ال *** أرْضِ إلاّ مِنْ هَذِهِ الأجْسادِ*
وقَبيحٌ بنَا وإنْ قَدُمَ العَهْ *** دُ هَوَانُ الآبَاءِ والأجْدادِ
سِرْ إنِ اسْطَعتَ في الهَوَاءِ رُوَيداً *** لا اخْتِيالاً عَلى رُفَاتِ العِبادِ*
رُبّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْداً مراراً *** ضَاحِكٍ مِنْ تَزَاحُمِ الأضْدادِ*

إلى أن يقول يائساً من هذه الحياة متعجباً ممن يريد البقاء فيها وأن الموت ليس سوى رقدة مريحة كالنوم:


تَعَبُ كُلّها الحَياةُ فَما أعْ *** جَبُ إلاّ مِنْ راغبٍ في ازْديادِ
ضَجْعَةُ المَوْتِ رَقْدَةٌ يُستريحُ ال *** جِسْمُ فيها والعَيشُ مِثلُ السّهادِ

وهكذا فإننا نرى أبا العلاء ينهج نهجاً جديداً في الرثاء يغاير فيه أكثر الشعراء، فلم يعد لديه البكاء ليبكي الآخرين بعد والده، ولم يعد في مقلتيه الدمع يذرفه على رحيل أحد بعد ولدته، وتحول رثاؤه إلى يأس وقنوط وتشاؤم، فكره الحياة وكره البقاء فيها، حتى أنه اعتبر مجيئه إلى الدنيا جناية ارتكبها والده بحقه، لذا كانت وصيته المشهورة بأن يكتب على قبره:


هذا جناهُ أبي عليّ *** وما جنيت على أحدْ


زهده وقناعته وجوده

كان أبو العلاء يعتبر أن هذه الدنيا ليست سوى طريق على الانسان أن يعبرها ، فلم لا يفعل الخير فيها ويرفض مباهجها التافهة، فلقد رفض الدنيا، ولم يطمع بشيء فيها وأعطاها كل شيء، ولم تغره محاسنها، ومفاتنها، وجعل نفسه رهين منزله لا يبارحه إلا إذا ذهب للصلاة، وترك أكل اللحوم، وكل ما يمت إليها بصلة من عسل وبيض، زهداً منه فيها، وتجنباً عن الاساءة للحيوان، وقنع بموارد وقفٍ كان له يحصل منه في العام نحو ثلاثين ديناراً يعطي نصفها لمن يخدمه ويحتفظ بالباقي لمأكله وملبسه، يقول ابن حجر في كتابه "لسان الميزان": وكان غذاؤه العدس "وحلاوته التين، ولباسه القطن، وفراشه اللباد، وكان لا يمدح أحداً، ولو تكسب بالمدح والشعر لنال دنيا ورئاسة".
لقد كان فقيراً ولو أراد المال لحصل عليه من مدحه الأمراء ذوي المناصب، لكنه رفض كل هذا زهداً منه فيه، وكان أن سمع المستنصر حاكم مصر في زمنه عنه وعن ضيق ذات يده، وسعة معرفته، فوهبه كل ما في بيت المال في المعرة، لكنه لم يقبل منه شيئاً وقال:


لا أطلبُ الأرزاقَ والـ *** ـمولى يُفيضُ عليّ رزْقي
إن أُعْطَ بعضَ القوتِ أعْـ *** ـلَمْ أَنّ ذلكَ فوق حقِّي*

وقد ذكر أنه دعي إلى مصر، ليبنى له دار علم فيها ويتفرغ للأدب واللغة، لكنه طلب اعفاءه والسماح له بالبقاء في المعرة، فأجيب على طلبه، ولم يكن يقبل المديح أو الهدايا من أي كان، ولم يطلب شيئاً من أحد:


لا أطلبُ السّيْبَ من الناس بل *** أطلبهُ من خالقِ السّيبِ*


عدم أكله اللحم وسببه

بقي أبو العلاء خمساً وأربعين عاماً لا يتناول لحوم الحيوان، أو ما ينتجه هذا الحيوان من لبن أو بيض أو عسل، بل اقتصر في حياته على تناول ما تنتجه الأرض من نبات فقتل الطائر ظلم له، والنحل لم يشق في جمع الرحيق ليكون لسواه بل لأطفاله الصغار:


وَلا تَفجَعَنَّ الطَيرَ وَهيَ غَوافِلٌ *** بِما وَضَعَت فَالظُلمُ شَرُّ القَبائِحِ
وَدَع ضَربَ النَحلِ الَّذي بَكَرَت لَهُ *** كَواسِبَ مِن أَزهارِ نَبتٍ فَوائِحِ
فَما أَحرَزَتهُ كَي يَكونَ لِغَيرِها *** وَلا جَمَعَتهُ لِلنَدى وَالمَنائِحِ
مَسَحتُ يَدَي مِن كُلِّ هَذا فَلَيتَني *** أَبَهتُ لِشَأني قَبلَ شَيبِ المَسائِحِ*

وما دام كذلك فهو لن يتعرض لشيء من هذا، ولن يؤذي الحيوان بذبحه، حتى ولن يتخذ من صوفها أو وبرها لباساً له:


لِباسِيَ البُرسُ فَلا أَخضَرٌ *** وَلا خَلوقِيٌّ وَلا أَدكَنُ*


وفاة أبي العلاء

توفي أبي العلاء وغربت تلك الشمس التي أضاءت بنورها العالم يوماً وقد بلغ من العمر ستاً وثمانين سنة إلا أربعة وعشرين يوماً في شهر ربيع أول، أي سنة 449 هـ وكان قد أصابه مرضٌ ألزمه الفراش، ويعتقد أنه حزن لمفارقته هذه الدنيا التي كرهها ذات يوم، وكان حزنه واضحاً في شكره للقاضي أبي محمد عبد الله التنوخي. الذي كان يسهر عليه ويشرف على علاجه. استمع إليه يقول له:


وقاضٍ لا يزالُ الليلَ عندي *** وطولُ نهارهِ بينَ الخصومِ
يكون أبرّ بي من فرخِ نسرٍ *** بوالده وألطفَ من رحيمِ
سأنشرُ شُكرهُ في يومِ حشرٍ *** أجَلْ، وعلى الصِّراطِ المستقيمِ

وبقي ملازماً فراشه لثلاثة أيام، ومات في اليوم الرابع، ولم يكن عنده غير أبناء عمه، وشيعه جمع غفير من أهل العلم والأدب، وألقيت المراثي الطويلة بهذه المناسبة، منها قول أحدهم في وصفه:


إنْ كنتَ لم ترقِ الدماءَ زهادةً *** فلقد أرَقْتُ اليومَ من جفني دمَا
سَيّرْتَ ذكركَ في البلادِ كأنهُ *** مسك فسامِعةً يُضَمِّخُ أو فَمَا*
وأرى الحجيجَ اذا أرادوا ليلةً *** ذِكراكَ أخرجَ فِديةً من أحرما

ودفن في المعرة في ساحة دار صغيرة وأوصى بأن يكتب على قبره:


هذا جناهُ أبي عليّ وما جنيتُ على أحد




_ سمير الصارم _



• تخذ: أخذه، واتخذه ويعني بذلك ابليس الذي اتخذ بعض الناس قدوة عليا لهم
• النجيع: من الدم ما كان مائلاً إلى السواد ويقصد به الكلام المفيد.
• أسى: جعله أسوه واقتداه.
• السمهرية: الرماح الصلبة. تسبر: تجرب وتختبر.
• رضوى: اسم جبل في الحجاز؛ يقصد أن سُهّار الليل يهمهم ما فعله وأن جبل رضوى لا يستطيع أن يحمل ما يحمله أبو العلاء.
• ويقول أنه لا يخشى شيئاً فيسير صباحاً ولو أن الصباح سيوفٌ، ويمشي ليلاً ولو أن الظلام خيول تحمل مقاتلين.
• يقصد أنه لا زال فارساً شديد الرأس لكنه للآن لم يتحرك وقد أغفلته الفوارس.
• السماكين: الأرض والسماء.
• الأسحار: الوقت الذي يأتي بعد منتصف الليل. الأصائل: جمع أصيل، وهو الوقت ما بين العصر والمغيب.
• الحشى: الفؤاد. الضَّبن مصدر وهو المكان ما بين الكشح والابط، والكشح هو المكان ما بين السرة ووسط الظهر، جمعها كشوح.
• الختام: الطن أو كل ما يختم به على شيء جمعها ختم. ويقصد أن سلامه العطر يجعل الكافور على مرارته ورائحته الكريهة بمثل المسك المخبأ في وعاء محكم الاغلاق وفتح فانتشر عبيقه في كل مكان.
• الرِّجام: يقصد فيها القبور أي عندما يكون الحشر.
• النوح: البكاء بصياح وعويل شديد. ترنم شاد: غناء مطرب.
• النعي: الرجل الذي ينادي في القوم يخبرهم عن فاجعة.
• البشير: الرجل الذي يبشر القوم بالأخبار السارة وهو عكس الأول.
• صاح: صاحبي.
• أديم الأرض: سطحه.
• رفات العباد: بقايا أجساد الناس.
• اللحد: القبر.
• القوت: الأكل الذي يستطيع الانسان به الحياة، أي الأكل القليل.
• السيب: العطاء.
• أبه: فطن، ويقصد أنه لن يعود لشيء من ذاك الذي ذكره ويتمنى لو أنه فطن إلى ذلك قبل أن يدب الشيب إليه.
• البرس: اللباس القطني الخلوقي: اللباس الناعم الأملس الداكن: اللباس الأسود.
• السامعة: الأذن، ويقصد أن ذكره يجعل المسك منثراً في أذن السامع وفم المتحدث.




ديوان أبي العلاء المعري (http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=lsq&shid=117&start=0)

Ophelia
26-07-2007, 03:35 PM
بعد الانتهاء من عرض سيرة حياة أبو العلاء المعري كما جاءت في كتاب ( أبو العلاء المعري / حياته وشعره) لسمير الصارم أنتقل معكم لسلسلة مقالات كتبها العقاد ونشرها في كتابه ( مطالعات في الكتب والحياة) وهذه المقالات نشرت في البلاغ الصادر يوم 8 اكتوبر سنة 1923 بمناسبة ظهور تلخيص لرسالة الغفران من عمل الأديب كامل أفندي كيلاني.



نظرات في الحياة

على ذكر رسالة الغفران

المعري رجل تكشفت له ضلالات الحياة وتقشعت عن بصيرته غشاوة أباطيلها. ولكن هل هذا ثناء وتزكية أو هو ثلب وتنقص؟؟ وهل من كمال حياة الحي أن ينظر إلى الحياة نظرة المعري التي لا ترى إلا فتنة وغروراً ولا تجد ما تحمده وتقبل عليه أو أن ينظر إليها نظر المفتون بها المستغرق في أطوارها المندفع إلى مراميها؟؟
ولنشبه الحياة بامرأة يتوسمها الرجال فأي الرجلين أصدق نظراً إليها وأجود فطرة وأبين عن حقيقة وصواب: الذي تعجبه وتحركه وتكشف له عن محاسن مرغوبة ومباهج موموقة ويستهويه منها ما يستهوي الرجل من المرأة، أو الذي ينظر إليها فيراها جسماً من اللحم والدم والعظام ثم يمعن في التجرد من الهوى فيراها جرما من المواد العضوية التي يوجد مثلها في نبت الأرض وفي أخس ديدانها؟؟
أو فلنشبه الحياة تشبيهاً آخر فنخال أنها صورة صورها عبقري مبتدع في فنه فهل نحن مصيبون حين ننقدها ونقدرها فاذا هي أصباغ وألياف لا تختلف عن الأصباغ التي في القناني والعلب ولا تنماز عن الألياف التي في عروق الشجر وعيدان الخشب أو نحن أدنى إلى الصواب حين نرى فيها اقتدر مبدعها ونلمح في الصورة خلجات نفسه وخواطر قريحته وجمال معناه وما يرمز إليه؟! لكل وجهة يتجه إليها. ولكن النظر الأول أجدر بالحي وأخلق بالكائن الموجود أمام النظر الآخر فليس في الحقيقة نظراً لأن النظر يقتضي التمييز والتباين ولا تمييز ولا تباين حين يذهب الناقدون هذا المذهب ويسترسلون في رد الأشياء إلى ما يسمونه حقائق لها وأصولا. فإنما هم منتهون في آخر الأمر إلى حالة يستوي فيها الأعمى والبصير والحي والميت. اذ هم رادون الحياة والأحياء كلها لا محالة إلى ذرات متشابهة ثم إلى عماء لا نهاية له ثم إلى ماذا؟ ثم إلى وجود كعدم وشيء كلا شيء وكون لا كون فيه بغير حد ولا فاصل يحسر عنه نظر البصير ولا يفقد منه العمى شيئاً.
وعلى أنه ما هي ضلالات الحياة وأباطيلها؟؟ لأكاد أقول أنني أتأمل هذه الحياة فلا أجد فيها ما هو أحق وأصدق وأرسخ في قرار الأشياء من هذه الضلالات والأباطيل. نعم! فلا ريب أن سراب الحياة أصدق من بحرها ووعدها أوثق من حاصلها وأملها أقرب إلى الحسن من موجودها. بل نقول أنه لا سراب على التحقيق في الحياة ولا يمكن أن تنخدع الحياة عن هداها. وإلا فأين ترى يكون السراب لو أن كان! ففي خارج الحياة لا يكون لنا سراب وفي داخلها لا يكون السراب سرابا وإنما هو ماء ترتوي منه العطاش وتنطفئ به وقدة القيظ وننتفع به ونزرع على شاطئه فنجني أحسن الثمر وأجمل الأزهار. وخليق بمن يرتاب في صدق ما نقول أن يذكر الأمل فيذكر أي سراب هو في نظر الحسن القريب والعقل الكليل ثم عليه أن يذكر بعد ذلك أي بحر هو للظامئين الضاربين في مفاوز الحياة الخابطين في مجاهلها الذين يملأون مزاودهم وهم يحسبونها موكاة خاوية ويشربون ملء نفوسهم وهم يتخيلونها ملتاحة صادية، وليقل لنفسه كيف يكون البحر إن لم يكن هذا السراب الخادع بحراً متلاطم الأمواج بعيد القاع محيياً للنفوس مميتاً لها كما يحيى كل بحر ويميت؟!
واذا أخذنا في سبر حقائق الحياة بمسبار المعري فأي باطل أبطل من المجد وأي ضلال أضل من حب النسل؟؟ كل ما هنالك وهم يتبعه وحلم تفيق منه على حلم؛ وأشواط تبدأ وتعاد "واجتهاد لا يؤدي إلى غناء اجتهاد"


ترى التشمير فيها كالتواني *** وحرمان العطية كالنجاح
ومن تحت التراب كمن علاه *** فلا تخدعك أنفاس الرياح

فما جدوى هذه الغصص كلها وما غايتها وما الفرق بين الغاية فيها والبداية؟؟
أجل ذلك مما يصح أن يقال. إلا أنه ينبغي أن لا يكون الانسان حياً حين يقول ذلك ويعمل بما يوجبه؛ أو ينبغي أن يقول لنا ما هو الصدق إن كان هذا كذباً وما هي الحكمة ان كان هذا غروراً. فإن لم يكن في الحياة صدق ولا حكمة فما ضرنا أن تؤمن بالباطل الذي لا نجد ما يبطله ونركن إلى الغرور الذي لا نعرف ما يزيفه وماذا علينا أن ننسى القاموس لحظة فندعو الأشياء بغير أسمائها ونسمي الكذب صدقاً والغرور حكمة ونحن في ذلك صادقون؟؟
والحق أنه يجب أن يساء الظن بكل فلسفة ترفض ما يسمونه أباطيل الحياة رفضاً باتاً وتتباهى بالخلاص من ضلالاتها وأوهامها. لأن الحياة تاجر يعرف قيمة بضائعه المرغوبة فلا يبيع النافق من بضاعته دون الكاسد ولا يرضى أن تشترى منه أنت على ما تشتهي وترد ولكنه يبيعك مع كل سلعة رائجة عشرات من سلعه المهملة المزهود فيها. فان قبلت مضى في معاملتك وإن لم تقبل لم يبعك شيئا ولو أغليت له الثمن وألحفت في التوسل والرجاء. فلا يغتبطن أحد بسلامته كل السلامة من غرور هذه الانسانية ولا يحسبن ذلك فخراً وفضلا فإن السلامة التامة من غرورها لا تكون إلا بالخلو التام من كمالاتها وفضائلها. ولا خيار للانسان في هذا الأمر ولا سبيل إلى ازدراد الحلوى التي في ثمرة الحياة دون بزورها. فإما حياة – بزورها وحلواها - وإما لا حياة! على أن البزور هي بيت القصيد في معظم الأحوال لأنها هي الجرثومة التي تنبت منها الحلوى وتنمو وتنتقل من زمان إلى زمان؛ ولو لم يختلط بعض الحياة ببعض هذا الاختلاط لما قاربنا غير حلواها السائغة الشهية ولنبذ الجرثومة المرة الخالدة فخسرنا خسراناً كبيراً


***

وإنما يؤتى العقل الناقد في هذه القضية من ناحية الالتباس بين ارادة الحي وارادة الحياة. ذلك أن للحي إرادة وللحياة إرادة وليس من الضروري أن تتفق الارادتان في كل شيء بل لعلهما على اختلاف دائم في كثير من الأشياء . هذه المعدة وهي أبسط أدوات الحياة في تنفيذ إرادتها وإنجاز مطالبها ألا تكلف الإنسان السعي والجهد من حيث يؤثر هو الدعة والعافية؟؟ ألا تأبى عليه القرار ويأبى هو الا القرر لو ملك التصرف والاختيار؟؟ وليست هي مع ذلك بمخطئة في إرادتها ولكنه هو المخطئ فيما يريد. وقس على ذلك سائر الأعضاء فيما تؤديه من وظائف لا اختيار للحي فيها ولا سلطان له عليها. فالذين يقصرون النظر على إرادة الحي يحكمون بالبطلان والضلال على كل سعي لا يؤول إلى منفعته ولا يقبض على ثمرته بيده وينظر إلى نتيجته بعينيه. أما الذي يلهمون إرادة الحياة فإنهم يعرفون الحق من هذه الأباطيل والضلالات ويشعرون بأنها لا تأتي من لا شيء ولا تذهب سدى ولا تسلط على الأفهام والغرائز عبثاً؛ ويعلمون أن الحي لم يخلق ليجني ثمرة الكون كله وإنه ليس كل ما يخسره المرء ضائعاً مفقوداً ولا كل ما يخدعه ويغريه ضلالا كاذباً ووهما فارغا . لأنه أن فقده هو جنه غيره وأن خفى اليوم فقد يظهر غداً. ومن الوهم مثلا أن يشغف الأب بابنه كأنه يستفيد من هذا الشغف لنفسه ولكن ليس من الوهم أن يتصل حبل الحياة وأن يضمن الناس البقاء. فهكذا تتقلب الخدعة حقيقة واضحة عندما تتسع الدائرة وتمتد المسافة، وهكذا تقرأ الأشياء بلغة الفرد فتفهم على وجه ثم تقرأ بلغة الانسانية فتفهم على وجه آخر شديد الاختلاف عن ذلك الوجه المحدود.
ومن تمام الحكمة وأصالة الفطرة أن يفرغ الرأي في اللغتين ويعبر فيه عن الارادتين وأن يجيء ذلك من طريق البداهة أو من طريق الروية على السواء.
أما المعري فلم يكن لارادته حظ كبير من فلسفته. كان فرديا في رأيه فرديا في معيشته وليس من مجرد الاتفاق أنه كان رهين المحبسين وأنه هو الراهب القائل فيما قال:


تواصل حبل النسل من عهد آدم *** إلي فلم توصل بلامي باء
تثاءب عمرو اذ تثاءب خالد *** بعدوى فما أعدتني الثوباء

Ophelia
29-07-2007, 05:45 AM
التشاؤم وأدوار العمر

كان المعري رفيق صباي. فرفته منذ عشرين سنة فلزمته وأقبلت على حديثه أتلقفه وأترنم به. وكان أشوق ما يشوقني منه ذلك السخط الذي تنضح به دواوينه وذلك الترفع المشوب بمرارة النقمة والألم وتلك الثورة الساكنة والحرد الصادق الذي لا يقبل التوبة. ثم مضت أيام وسنون بلوت فيها من آلام الحياة ما كنت أتخيله ورأيت من أوضار النفوس ما كنت أتمثله فأصبحت أحق بالسخط والتبرم وأولى وأولى بالثورة والتمرد وأقمن أن يزداد إعجابي بشعر المعري وأن تتوثق صداقتي له، ولكن ما هكذا حدث كما كنت أقدر بل تغيرت وفتحت الكتاب الثاني من دروس الحياة على استطراد بعيد عن فحوى كتابها الأول. فأنا اليوم أجل المعري ولكن لا أستشيره وأستمع لحديثه ولكن لا أصغي إلى سخطه. وإذا أصغيت فليس ذلك الاصغاء الطويل الذي عودته من قبل ولا ذلك الاقبال المطبوع الذي لا كلفة فيه ولا تجمل. وإنما هو إصغاء بالسمع دون القلب وإقبال فيه من الأدب أكثر مما فيه من الميل والرغبة، وكثيراً ما التفت إلى نفسي فجأة فإذا أنا متشاغل عن حديثه بأحاديث أخرى ما كانت تشغلني عنه فيما مضى.
وكان أول ما قرأت من شعر المعري ضاديته السهلة الجزلة التي يقول في مطلعها:


منك الصدود ومني بالصدود رضى ** من ذا علي بهذا في هواك قضى
بي منك ما لو غدا بالشمس ما طلعت ** من الكآبة أو بالبرق ما ومضا

والتي يقول منها:


اذا الفتى ذم عيشاً في شبيبته *** فما يقول اذا عصر الشباب مضى

تلك قضية كانت عندي لا غبار عليها فلا شك فيها ولا مناقشة. أليس الشباب زهرة العمر وصفوة أيام الحياة؟ أليس الشاب غنياً بثروة الحياة عزيزاً بصولة الفتوة جميلا بنضرة الصبا سعيداً بنشوة الحب؟ أليس في سن الشباب تخصب العواطف وتتألق الآمال وتغرد خواطر النفس تغريد الطير المبكر في فجر الربيع؟؟
بلى. فكيف يذم الشاب عيشه وماذا يقول اذا صحا من هذه السكرة وصار إلى سن الريب والتجربة والتكاليف الكثيرة؟
إلا أن القضية منقوضة من بعض وجوهها . إذ ليس هذا أيضاً ما يحدث كما كنا نقدر.. فالشباب – ولا نكران – ظالم حين ينقم على الحياة ولكن ما أشبه الظلم بجهل الشباب وشرته؟ فما من خصلة من تلك الخصال التي ذكرناها للشباب إلا فيها مدعاة لذم العيش في حالة من الحالات وان كانت في نظر الشيخ لهي غاية الآراب وبلاغ النفس من رضى واعجاب. فالشباب سن الغنى فهو سن القلق. وهو سن الحب والجمال فهو سن الدالة والتجني، وكأنما الشاب صبي الحياة المدلل الذي تحنقه الهفوة ولا يقنعه العطاء ولو كثر. عودته الحياة الكرم فتعود الطمع وذهب يشكو كثيراً لأنه يطلب كثيراً. ولا عجب أن يتعاطف الشاكي والمتشائم ثم لا عجب أن يجد الفلاسفة المتشائمون معظم أنصارهم بين مراتع الشباب الخضراء لا في قفار الشيخوخة الموحشة.
ولا يعرف الشباب ما فيه من نعمة حتى يقارنه بغيره. أي حتى يدبر عهد الشباب أو يهم بالادبار. هنالك يفهم حنين الشيوخ إلى عهد الصبا وتغني الشعراء بذكرى لياليه ولذاذة جهله ومتعة غروره وتيه غلوائه. هنالك يشتهي ما كان يتبرم به ويحمد ما كان ينقم عليه ويضن بما كان يسرف في انفاقه. فأما في دولة الشباب فلا حرص ولا اشفاق وليس إلا التبذير وقلة المبالاة بما بين اليدين من كنوز الحياة ونفائسها، وما أقل من يقول مع المتنبي:


ولقد بكيت على الشباب ولمتي *** مسودة ولماء وجهي رونق
حذراً عليه قبل يوم فراقه *** حتى لكدت بماء جفني أغرق

نعم ما أقل من يبكي على الشباب هذا البكاء وفي نفسه بقية من ثقته وعلى وجهه مسحة من رونقه! إن للشباب لثقة لا تزول إلا بزواله وان أكبر ما يأسف له الشيخ بعد فوات الشباب إنما هو تلك الثقة. ذلك أنها تحرمه فرصاً كانت وشيكة أن يتملاها في ابانها فأفلتها من بين يديه اعتماداً على دوامها، وكأس صفو كان متاحا له أن يشتفها فأهرقها جهلا منه بمقدارها. وهي تلك الثقة التي كثيرا ما أعمته عن خلل كان هيناً عليه أن يرتقه في حينه وضرر كان أحرى به أن يتقيه قبل استفحاله. إنما يأسف الشيخ على لذة كان من حقه اغتنامها فلم يغتنمها وخطأ كان ميسوراً له اجتنابه فلم يجتنبه، وإلا فعلام البكاء ولدى الباكين أيام وليالي باقية لاغتنام تلك اللذة واجتناب ذلك الخطأ؟ إنما على فوات هذه الفرص تطول الحسرة ويشتد الندم ويبكي الباكي حتى يغرق بماء جفنه لو بقي للشيخ هذا المعين الثرار من الدموع الطيعة، ولو تسنى لشاب أن يفقه ما يبكي من الشباب الراحل قبل فواته لما طال نظره في أعقاب تلك الجوهرة المجهولة ولما وقف في مفترق الطريق ينظر إليها كما ينظر العابر الذاهل إلى الشهاب المختطف في الأفق البعيد.
فغير عجيب إذاً أن يكثر دعاة التشاؤم في أجمل أدوار العمر وأحفلها بمسرات الحياة. وغير عجيب أن ترى الناس يميلون إلى الرضى والأنس بالحياة كلما طالت عشرتهم لها وريضت نفوسهم لمكارهها وطيباتها. هذه سنة كثير ممن صحبوا هذه الشيخة الفتية ونزلوا على حكمها تارة وأنزلوها على حكمهم تارة أخرى. فجيتي حولته السن من "الفرترية" إلى "الفاوستية" وهيني تغير سخره مع الزمن فصار مداعبة للحياة وتبسطاً معها بعد أن كان تبكيتا لها وازراء عليها. ونيتشة أعرض عن أستاذه شوبنهور وانتقض عليه بعد أن تعبد بعبادته وأخلص له الحب والولاء زمناً ليس بالقصير. والمعري نفسه ثاب إلى شيء من الطمأنينة والإيمان فحمد أشياء كان يذمها في شبيبته؛ وسكن إلى تداول الحالتين فعلم أننا :


اذا فزعنا فإن الأمن غايتنا *** وإن أمنا فما نخلو من الفزع
وشيمة الأنس ممزوج بها ملل *** فما ندوم على صبر ولا جزع

وألف الآلام فاستهان بها. وإذا ألف الشيء استهان به الفتى فلم يره بؤسى يعد ولا نعمي
وقد يشاهد مثل هذا عند كل فتى وكل شيخ من الكاتبين وغير الكاتبين. فكلهم شكا في الحياة أمراً ثم ألف ذلك الأمر. وكلهم ذاق من مائدة التشاؤم فاستعذب طعمه واستمرأ سمه ثم تغير له ذوقه وتنكرت له معدته. ولكنا نريد أن نتريث هنا متنبهين لئلا نحسب الشكوى العارضة تشاؤما فلسفيا أو نجاري أولئك الذين يخالون أنفسهم من المتشائمين وما هم في حقيقة الأمر إلا من الشاكين المتذمرين. فالشباب يشكو ولكنه قل أن يتشاءم والشيخ يرضى ولا يلزم من ذلك أن يكون متفائلاً. فلربما قنع المرء لقلة ما يطلب وضعف ما يحرك نفسه من بواعث الحياة. ويثير سخطه من ثوائرها؛ ولربما شكا ونفسه مكتظة بالشعور طافحة بالحياة لكثرة مطالبها في قلبه وشدة دفعتها في عروقه وقوة اضطرابها في عواطفه، فهل يسمى هذا متشائما وإن حسب نفسه كذلك؟؟ كلا ليس هذا تشاؤما بالمعنى الصحيح؛ وما أجدر التشاؤم أن يكون دليلا على نضوب في معين الحياة وشح في نصيب صاحبه من التخيل والشعور.

وبعد. فماذا ينبغي أن يفهم من قولنا أن الإنسان يحنق على الحياة لأنه يطلب منها الكثير؟؟ هل معناه أن الراضين عن الحياة لا يطلبون منها إلا قليلا وأن الرضى عن الحياة مقرون بضعف الثقة بها وسوء الظن بآمالها وأمثلتها العليا؟؟ هل معناه أننا نأخذ من رضى الحياة بقدر ما ندع من طلب الكمال؟؟ ليس هذا المعنى الذي أردناه وما من قصدنا أن نقول أن الإيمان بالمثل الأعلى موقوف على الحانقين الساخطين وأن اليأس أو القنوع من ديدن الراضين المستبشرين، إننا لا نسمي الرجل بعيد المطامع لأنه يطلب الغنى من مصباح علاء الدين ولا نسميه فاتر الهمة ضعيف الأمل لأنه يطلب الغنى من منجم أعدت معداته وسبرت أغواره ودرست مراقيه ومنحدراته. ولقد يكون الأول أعز مطلباً وأبعد غاية من الأخير، ولكن ماذا على من يطلب من غير حساب أن يطلب الدنيا والآخرة؟؟


العقاد

Ophelia
31-07-2007, 05:56 AM
الخيال في رسالة الغفران

هب أننا عمدنا إلى كتاب من الكتب الجغرافية فغيرنا عناوينه وأسماءه وجعلنا في موضع كل علم من أعلامه اسماً من أسماء الأساطير والخرافات وزعمنا أن هذه الحقائق التي اشتمل عليها الكتاب وصف لعالم من عوالم الجن أو كوكب من كواكب السماء. أيجوز لنا بعد هذا التبديل أن نعد هذا الكتاب بدعة من بدع القرائح وعملاً من أعمال الخيال؟؟
وهب أننا تناولنا تاريخ الدولة الرومانية؛ أو أية دولة من الدول البائدة؛ فرويناه على المستقبل بدلاً من روايته على الماضي وأجريناه مجرى التنبوء عما سيكون بدلا من اجرائه مجرى التاريخ لما قد كان، ونقلنا وقائعه من معاهدها التي حدثت فيها إلى واد من أودية السحر أو فج من فجاج الآخرة. فهل يصبح هذا التاريخ إذن قصيدة من قصائد الملاحم المأثورة أو طرفة من طرف الفنون؟؟
وعلى هذا النحو يمكننا أن نسأل عن حقيقة رسالة الغفران: ه هي قصة تاريخية أو بدعة فنية؟؟ وهل العمل الأكبر فيها للخيال و للدرس والاطلاع؟ وهل كان المعري فيها شاعراً مبتكراً أو كان قاصاً أديباً وحافظاً يسرد ما قد سمع ويروي عمن سبق؟؟ والصواب في أمر هذه الرسالة أنها كتاب أدب وتاريخ وثمرة من ثمار الدرس والاطلاع ليست بالبدعة الفنية ولا بالتخيل المبتكر؛ وقد سلك المعري فيها مسلك التلطف في القصص. فهو يورد طائفة من أخبار الشعراء والأدباء ونتفاً من أشعارهم وملحهم ويضيف إليها حواراً كان يقع مثله بين النحاة والرواة ممن تقدمه فيعزوه هو إلى الشعراء أنفسهم ويجعل أولئك الشعراء مرجعه الذي يفصل له فيما كان من الخلاف على لحن عباراتهم وضبط ألفاظهم ونوادر تراجمهم، فينحلهم آراءه في ذلك الخلاف ويلقنهم حكمه فيما يحسبه هو صواباً أو خطأ من أقاويل النقاد وأسانيد الرواة. فهو كان في تلك الرسالة إما مؤدياً لأخبار من سبق ناقلاً لأحاديثهم أو معلقاً برأيه على تلك الأخبار المؤداة والأحاديث المنقولة. وليس في كل هذا عمل كبير للتخيل والاختراع.
ولم ننس أن المعري نقل كل ما تقدم إلى جنة الخلد وأنه وصف لنا الجنة وطيباتها وما أعده الله لأهلها من عيش رخيم ونعيم مقيم وشهوات مطاعة ودعوات مجابهة؛ وذكر لنا كيف ينظر المتقون إلى الطير السابح فيسقط بين أيديهم مشوياً مطهياً وكيف يتشوقون إلى الثمر اليانع فينتفض أمامهم خلقاً سويا. فأسهب في هذه الصفات ما أسهب وأجاد فيها ما أجاد. ولكن أي شيء من هذه الأشياء لم يكن من قبل ذلك معروفاً موصوفاً؟؟ وأي خبر من أخبار الجنة المذكورة لم يكن في عصره معهوداً للناس مألوفاً؟؟ كل أولئك كان عندهم من حقائق الأخبار ووقائع العيان ينتظرونه ويؤمنون به ويصدقون أنهم ملاقوه في ساعة من ساعات الرضوان كما يصدقون أنهم داخلو بغداد و مصر اذا شخصوا إليها. فرسالة الغفران في هذا الباب أقرب إلى الكتب الجغرافية وأوصاف الرحلات المشاهدة منها إلى أفانين الشعر ومخترعات الخيال، وأشبه بالتواريخ المدونة منها بالنبوءات المؤملة والغرائب المستطرفة.


***

ولم يكن الخيال من ملكات المعري التي اشتهر بها. ولم يكن هو نفسه يحب أن يوصف بالقدرة عليه بل لعله كان يكره أن ينسب إلى أهله ويراه منافياً للصدق مخالفاً للأمانة في القول، وبحسب المحاسن المتخيلة من باطل الزخرف ولغو الكلام. وكأنه كان يريد أن يبرأ من الخيال حين قال في فاتحة لزومياته "كان من سوالف الأقضية أني أنشأت أبنية أوراق توخيت فيها صدق الكلمة ونزهتها عن الكذب والميط" وكأنه كان يشير إلى هذا المعنى حين ختم تلك المقدمة بقوله: "إني رفضت الشعر رفض السقب غرسه والرأل تريكته، والغرض ما استجيز فيه الكذب واستعين على نظامه بالشبهات فإما الكائن عظة للسامع وإيقاظاً للمتوسن وأمراً بالتحرر من الدنيا الخادعة وأهلها الذين جبلوا على الغش والمكر فهو ان شاء الله مما يلتمس به الثواب. وأضيف إلى ما سلف من الاعتذار أن من سلك في هذا الأسلوب ضعف ما ينطق به من النظام لأنه يتوخى الصادقة ويطلب من الكلام البرة. ويروى عن الأصمعي كلام معناه "أن الشعر باب من أبواب الباطل فإذا أريد به غير وجهه ضعف" وقد وجدنا الشعراء توصلوا إلى تحسين المنطق بالكذاب وهو من القبائح وزينوا ما نظموه بالغزل وصفة النساء ونعوت الخيل والابل وأوصاف الخمر وتسببوا إلى الجزالة بذكر الحرب واحتلبوا اخلاف الفكر وهم أهل مقام وخفض في معنى ما يدعون أنهم يعانون من حث الركائب وقطع المفاوز ومراس الشقاء"
فالمعري كان ينكر أن يصف شيئاً لا حقيقة له من الحس؛ ويأبى على الشعراء أن يتقولوا بما لا يعانون ويتوصلوا إلى تحسين المنطق بالكذب وتزيينه بالغزل والحماسة، ويعتذر من ضعف نظام اللزوميات باجتنابه غواية الزور فيها والتزامه الصدق والبر. أي أنه كان يحتجز مخيلته ويتهم وسواس قريحته ويحب أن يخرج صدقة للناس عاريا من كل زخرف وطلاوة. فكانت ملكة الخيال فيه على قصورها وضعفها مكبوحة لا تنطلق إلى مداها وكان هو إلى التمحيص والتعمق أميل منه إلى التحليق والتجميل. ولسنا نعني أن نقول أن الشاعر يدان باعترافه ويؤخذ بحكمه على ملكاته، فإن هذا يلزمنا أن نصدق كل مغرور في دعواه وأن نخلط بين حقيقة المرء وبين ما يراه المرء لنفسه من الحقيقة المحببة إليه؛ وليس هذا من الصواب ولا من الانصاف في شيء. ولكنا أردنا أن نبين ضعف سلطان الخيال على ملكات المعري وغلبة النزعة الفلسفية فيه على السليقة الفنية؛ وأن نستدل من رأيه في الأخيلة الشعرية على قلة تمكنها من طبعه وسهولة انصرافه عن فتنتها وافلاته من أوهاقها، وما عهدنا أن يسهل الافلات منها على ذي قريحة مطبوعة على التخيل.
ومن القصد في الحكم أن نقول هنا أن رسالة الغفران لم تخل من آثار الخيال ولم تعطل كل العطل من حلية الشاعرية. وهذا من البديهيات وإلا فكيف كان يتأتى أن تخلو من خيال وأن تعطل من شاعرية؟؟ وكيف كان يتهيأ للمعري أن يتوخى الصدق الحسي في الرسالة وأن يفصل بين الخيال والحقيقة في رواية هذه الغيبيات ولو تنبه لذلك جهده وحاوله بكل ما أوتي من قدرة؟؟ فأقل ما في الأمر أنه رجل كفيف نشأ على أن يستعين بالتصور الوهمي على ادراك الصور المرئية فلا بد له من قدر من التخيل تكسبه إياه المعالجة إن لم يكن قد طبع عليه طبعاً؛ وأنه مارس الشعر والتوصيف ولن تخلو الممارسة من فائدتها في تنمية الملكات واذكاء الخواطر؛ وانه يتحدث بأمور يختلف تصورها باختلاف متصوريها لأنها من الغيبيات التي لم تسمعها اذن ولم يلم بها نظر؛ فسبيله – سواء أراده أم لم يرده – أن يمزج بالوصف شيئاً من هواجس نفسه ويغشيه بمسحة من صبغة فكره؛ فيكون له فيه فضل فوق فضل النقل والرواية.
وهذا ما صنعه المعري في هذه الرسالة. فهي رحلة قديمة كما قلنا ولكنه أعادها علينا كأنه قد خطا خطواتها بقدميه وروى لنا أحاديثها كانما هو الذي ابتدعها أول مرة؛ فقد أعارها هواه واشربها روحه فهشت لها جوانحه، وتمنى فأعانه التمني على التخيل. ولا عجب أن يشغل المعري قلبه بمتع الجنات أو يتشاغل بها بعد اذ حرمته الدنيا متعها وحرم هو على نفسه ما بقي منها. فإن اللحم والدم لا ينسيان حظهما من الحياة نسية واحدة! ولا بد من يقظة للنفس في بعض أوقاتها التي تخلو بها على شياطينها وتنفرد بغرائزها ونزعاتها. وما حرم المعري طيبات هذه الدنيا إلا لقلة مؤاتاتها وأنفته من أن يتبذل في طلبها ويخل بوقاره واحتشامه في الأخذ بأسبابها والتصدي لشؤونها. على أنه كم من لحظة قال فيها لنفسه:

أيأتى نبي يجل الخمر طلقة *** فتحمل شيئاً من همومي وأحزاني!
أو قال في اخلاص وأسف:
تمنيت أن الخمر حلت لنشوة *** تجهلني كيف اطمأنت بي الحال
مقل من الأهلين يسر وأسرة *** كفى حزناً بين مشت واقلال!!
قبل أن يفيء إلى حلمه فيقول:
وهيهات لو حلت لما كنت شارباً *** مخففة في الحلم كفة ميزاني
أو يقول:
لو كانت الخمر حلا ما سمحت بها *** لنفسي الدهر لا سراً ولا علناً

فاما والخمر التي يشتهيها في رسالة الغفران خمر الجنان التي أعدها الله للصالحين من عباده فلا حرج عليه أن يصف مجالسها ويتحدث بمنادماتها ولا هو واجد – أن تمناها – من يلومه على هذا التمني أو يلجئه إلى مثل ذلك الاستدراك السريع..!


***

إن رسالة الغفران نمط وحدها في آدابنا العربية، وأسلوب شيق ونسق طريف في النقد والرواية، وفكرة لبقة لا نعلم أن أحداً سبق المعري إليها (اللهم إلا اذا استثنينا محاورات لوسيان في الاولمب والهاوية) وفذلكة جامعة لا شتات من نكات النحو واللغة. ذلك تقدير حق موجز لرسالة الغفران أما أن ينظر إليها كأنها نفحة من نفحات الوحي الشعري على مثال ما نعرف من القصائد الكبرى التي يفتن في تمثيلها الشعراء أو القصص التي يخترعونها اختراعا؛ أو ينظر إليها كأنها عمل من أعمال توليد الصور والباس المعاني المجردة لباس المدركات المحسوسة، فليس ذلك حقاً وليس في قولنا هذا غبن للمعري أو بخس لرسالة الغفران. كلا ولا هو مما يغضب المعري أن يقال هذا القول في رسالته.




العقاد

نور وبس
31-07-2007, 06:17 AM
جهد كبير ,تشكرون عليه .

Ophelia
01-08-2007, 10:20 PM
ملكة السخر عند المعري

مم يسخر الانسان؟؟ إنه ينظر إلى مواطن الكذب من دعاوى الناس فيبتسم، وينظر إلى لجاجهم في الطمع واعناتهم أنفسهم في غير طائل فيبتسم؛ وهذا هو العبث وذاك هو الغرور.
فالعبث والغرور بابان من أبواب السخر بل هما جماع أبوابه كافة. وكل ما أضحك من أعمال الناس فإنما هو لون من ألوان الغرور أو ضرب من ضروب العبث. وكثيراً ما يلتقيان. فإن الغرور هو تجاوز الانسان قدره والعبث هو السعي في غير جدوى، ولا يكون هذا في أكثر الأحيان إلا عن اغترار من المرء بنفسه وتعد منه لطوره.
والناس يعملون ذلك بالبداهة. فهم يعلمون أن الغرور والعبث مادة الضحك وجرثومته التي يتفرع منها كل مضحك من الأعمال والأقوال، ويجربون ذلك كل يوم في مداعباتهم لصغارهم وامتحانهم لقوة أطفالهم. يقبض الرجل كفه لابنه على غير شيء، فيأخذه بأن يفتحها ويعده بكل ما يجده فيها اذا هو قوي على فتحها. فيجاهد الطفل في ذلك ما يجاهد: يقول ويقعد. ويشتد ويحتد. ويلتوي ويعتدل. ويرفع اصبعاً بعد أصبع فاذا الذي رفعه قد عاد فأطبق مرة أخرى، ويعيبه الجهد فيركن إلى الملق والخديعة. وهو في كل هذا يحسب نفسه قادراً على أن يغلب أباه عنوة وقسراً أو يغلبه خديعة ومكراً. وهذا هو الغرور.
ثم تلين تلك القبضة فيفتحها فاذا هي خاوية واذا بذلك العناء الذي أجهده وبهره قد ذهب سدى. وهذا هو العبث. ومن هذا وذاك تضحكنا الطفولة وتعجبنا غرارتها وكبرياؤها ونتخذها تسلية ولهواً. ولكن هل يضحكنا من الكبار شيء غير هذا؟؟ وهل مهازل الحياة ومساخر التمثيل الا صورة مكبرة من هذه اللعبة الصبيانية، وسذاجة مركبة من هذه السذاجة البسيطة؟؟


***

واذا كان هذا معدن السخر وأصل الدعابة فما أجدر رجلاً كصاحب رسالة الغفران أن يكون ساخراً؟ ؟ بل ما أجدره أن لا يكون له عمل في الحياة غير السخر؟؟ إنه رجل استخف بالحياة جمعاء وهانت عليه الدنيا بما وسعت. فما من دعوى من دعاوى الناس تتنزه عن الغرور في اعتقاده وما من غاية من غايات الناس لا تنتهي في تقديره إلى عبث فارغ وخديعة ظاهرة ، كلهم مغرور وكلهم عابث وكلهم متعلق من الأقدار بمثل تلك القبضة التي يعييه أن يفض أصبعاً منها.. حتى اذا فضها أو خطر في وهمه أنه فضها لم يجد ثم شيئاً، أو وجدها ملأى بما يشبه الفراغ سخية بما ليس يختلف عن الحرمان.. وكلهم محتقب عدة لا تنجع ومتقلد سلاح لا يصيب:


ورب كمى يحمل السيف صارما *** إلى الحرب والأقدار تلهو وتسخر

لا بل هبه وصل إلى الحرب بسيفه الصارم وقاتل وظفر وسلم فماذا عساه يغنم؟؟ ألعله الثناء على الأفواه؟ أو لعله عرش مملكة؟؟ ان كان ذاك وقل أن يكون فلعمر أبي العلاء ما قصارى الثناء والسمعة:


وما يبالي الميت في لحده *** بذمه شيع أو حمده؟؟

وما العروش والدول. وما الملوك والأقيال؟؟ فلكم عبر على هذه الأرض من جيل وكم زال فيها من مجد أثيل وملك عريض طويل


وكم نزل القيل عن منبر *** فعاد إلى عنصر في الثرى
وأخرج من ملكه عاريا *** وخلف مملكة بالعرا

ماذا مضى من قبلنا؟؟ ماذا يأتي بعدنا؟؟ ما نحن؟؟ ماذا يبلغ من عقبى سعينا وغاية تدبيرنا وأي شيء يختلف على توالي الأعصر من سنة الدهر وأطوار الحوادث التي لا بداية لها ولا نهاية؟؟


نزول كما زال آباؤنا *** ويبقى الزمان على ما ترى
نهار يضيء وليل يجيء *** ونجم يغور ونجم يرى

وهذه الأنجم الغائرة الطالعة ما شأنها في ذلك الفضاء وما نهاية دورانها وماذا يلحق بها في أجواز سمائها؟ أتسري أم تقف؟ أتخبو أم تظل هكذا مضطرمة على المدى؟ أيعفيها ذلك الناعب القابع في كسر داره من قضائها الحتم؟ أيشفع لها عنده سناؤها ووضاءتها ونظامها وأبدية آفاقها في شيء مما سبق به حكم الفناء؟ لا عفو ولا شفاعة. إنها لفانية وإن أجلها لمنظور. وانه ليشرف على ساحة الأكوان فاذا هي أشلاء فوق أشلاء وأنقاض مطمورة بأنقاض: أشلاء كواكب لا أشلاء جسوم وأنقاض عوالم لا أنقاض أطلال ورسوم. وقد يشك ولكن شك من يهز كتفيه كأن الأمر لا يعنيه ولا يبالي على أي وجه يصير. فهل تطفأ الشمس أو لا تطفأ ؟ يجوز . نعم


يجوز أن تطفأ الشمس التي وقدت *** من قبل عاد وأذكى نارها الملك
فإن خبت في طوال الدهر جمرتها *** فلا محالة من أن ينقض الفلك

وقد يجزم ويبرم فاذا هو جزم لا فكاك منه وابرام تحس فيه صرامة القضاء:


زحل أشرف الكواكب دارا *** من لقاء الردى على ميعاد
ولنار المريخ من حدثان الدهر *** مطف وان علت في اتقاد
والثريا رهينة بافتراق الشـ *** ـمل حتى تعد في الافراد

فدنيا كهذه الدنيا التي يلحظها المعري أي شيء فيها يستحق العناء وأي عناء فيها يجل عن السخر؟ أي خطر لمهمة من المهام بين مصارع أكوان ومشاهد آباد وأزمان؟ أليس من ينشد ملكا أو ثراء في هذه المدرجة العاثرة كذلك الهالك الذي يفتقد حليته أو ساعته في السفينة الهاوية إلى قاع اليم؟ كلاهما مضحك!! بل ما من شيء إلا وهو مضحك في هذا الكون العامر بالخراب الثابت على التداعي والزوال!! وهل نسينا أن القبر يضحك من تزاحم الأضداد؟ فهكذا تتشابه الأمور فاذا الهزل كالجد واذا الحلم كالعيان


وشبيه صوت النعي اذا قيـ *** ـس بصوت البشير في كل واد

لا بل هو كل شيء ككل شيء. هو العلم كالجهل والحق كالباطل والهدى كالضلال:


وقد زعموا الأفلاك يدركها البلى *** فان كان حقاً فالنجاسة كالطهر

فعلام اذن يزعج الانسان نفسه وبأي شيء يحفل وما اجتهاده في التدبير والتقدير وتغيير ما كان بما سيكون؟ ألا أننا لنسعد ونشقى عبثاً ونسعى ونسكن عبثاً ونرجو ونقنط عبثاً ونبكي ونضحك عبثاً. ومن وراء ذلك كله هاتف يهتف بنا في غير رفق ولا رحمة.


تقفون والفلك المحرك دائر *** وتقدرون فتضحك الأقدار

نعم تضحك الأقدار وحق لها أن تضحك. ولئن ضحكت الأقدار لقد سمعنا من خلل ضحكاتها العالية ورواعد قهقهتها التي تغمر الأرض والسماء جميعاً تهانف ذلك الشيخ الساخر المتنكب عن طريق الدنيا العابرة في زاوية من زوايا المعرة.


***

ففي المعري ملكة السخر التي في الأقدار وهو يضحك حين تضحك ويسخر مما تسخر هي منه لأنه ينظر بعينها ويقرأ خطوطها الغامضة في كتابها ويطل معها على ساحة واحدة.
فالسخر هو ملكة المعري حقاً لا التجميل ولا الخيال. وإنه لمن سخر الأيام أن يكون المعري أو يكون المتشائمون عامة من أطبع الناس على السخر وأفطنهم إلى مواطن الضحك. فقد يلوح ان ذلك من التناقض الغريب والسخرية؟ هذا عجيب ولكنه مع ذلك هو الحقيقة المطردة والقياس المستقيم.
إن المتشائمين مستخفون بالدنيا وما السخر وما الاستخفاف؟ فلعلهما بعد أبناء عمومة إن لم يكونا أخوين شقيقين أو توأمين. ومن استخف بشيء فقد سخر منه؛ أو كان كالساخر منه في وجهة النظر إليه.
والمتشائمون يستخفون بالدنيا لأنهم لا يرون فيها نعيما يؤبه له ولا وطراً يستحق أن يسعى إليه. وإنما يعتريهم ذلك من دقة الاحساس وتقزز الخاطر وشدة تبريح الألم بنفوسهم اذا مسها طائف منه ولو من بعيد. وناهيك بما يعتريهم من عذاب التناقض بين الفكر والاحساس: بين فكر يرى أعظم الأشياء أهون من أن يكون لها شأن خطير؛ واحساس يجعل لكل همسة من همسات الحياة شأناً بل شؤوناً خطيرة..؟
فلذلك – أي لدقة احساسهم- تنغص عليهم لذاتهم وتنتابهم الأحزان والأشجان وتغلب عليهم الكآبة والقنوط . ولذلك – أي لدقة احساسهم أيضاً – يفطنون إلى دخائل النفس الخفية ويستمعون إلى دبيب الوساوس المتنكرة فتنفضح لهم المضحكات والمغامز ويتراءى قبلهم وحدهم نفاق الطوايا وذبذبة الضمائر. فان بكوا فحيث يجهل الناس بالبكاء، وان ضحكوا فحيث يغفل الناس عن أسباب الضحك. وهذا أيضاً باب من أبواب الشقاء. اذ لا تجد في الأشقياء أشد شقاء ممن يبتلى بجهل الناس اياه فلا يشاطرونه ألماً ولا سروراً ولا يفقهون سر لبشاشة منه أو عبوس. وكأنما هو اذ يمشي بينهم هائم في صحراء بلقع لا نجي فيها ولا معين، أو كأنما هو بينهم سجين غريب اللسان بين أيدي زبانية موكلين بتعذيبه وايجاعه. وما ظنك؟ بمن يضاف عليه ألم الوحدة إلى آلام المصائب اللازبة والمحن المتراكبة؟


***

وكم من شقاء غير هذا تجره على دقاق الاحساس من المتشائمين ملكة السخر وسرعة الفطنة إلى المضحك من أخلاق الناس!! فمن هذا الشقاء الكثير حذرهم من الضحك ونصبهم الناصب في توقي السخرية والبعد عن الجليل والدقيق من شبهاتها. فهم يحذرون السخرية لأنهم يشحذون سلاحها؛ وهم يغلون في الفرق من مظانها لأنهم يعرفون مناشئها. وفي ذلك بلاء لهم وأي بلاء.
ولا يبعد أن يكون هذا الخوف أول ما وسوس للمعري فجنح به إلى اجتناب الناس ولزوم داره . فقد كان الرجل شديد الاحتفاظ برصانته وابائه. وكان عظيم الاكبار لصفة الوقار. خصها بالذكر في رثائه لأبيه فقال:


ويا ليت شعري هل يخف وقاره *** اذا صار أحد في القيامة كالعهن
وهل يرد الحوض لروى مبادراً *** مع الناس أم يأبى الزحام فيستأنى

هذا وهو قد رثى أباه في شرخ الصبا وأوائل الشباب أي في سن الخفة والطيش وأوان العجلة والرعونة.
ولقد كان معه عزلته في داره اذ أراد أن يأكل انتحى جانباً من الدار مخافة أن يبدو من أكله بعض ما يعاب أو يزدرى، وكان يشتهي الخمر فلا يثنيه عنها الا أنها تحل عقال العقل وتطلق اللسان بالهذر، وكان يخشى أن يطول عمره وأكبر ما يخافه من طول العمر أن يهرم فيخرف فيعود أضحكومة لمن رآه وفي ذلك يقول:


وما أتوقى والخطوب كثيرة *** من الدهر إلا أن يحل بي الهتر

ومن كان هذا حذره من الضحك وخجله من السخرية فلن تطيب له عشرة الناس ولن يستريح منهم إلى مودة أو حفاوة. ولا شك أن الصبر على العزلة أولى به وأروح له وأهون عليه من اختلاط يعرضه لضحكة مؤذية أو لمزة جارحة؛ وهذا أيضاً من جنايات السخر على التشاؤم. ولكنهما كما قلنا رفيقان بينهما كثير من وشائج الرحم وأواصر المعرفة.



العقاد

Ophelia
01-08-2007, 10:24 PM
السخر في رسالة الغفران

من دواعي فلسفة السخط أو (التشاؤم) في الطبائع الخيرة أن يكون الإنسان مجبولا على الإحساس بالواجب والشعور باللياقة. ذلك أن الذي يجبل على هذا الخلق يرى الأشياء كما هي كائنة ثم يراها كما يجب أن تكون فلا يلبث أن يجد في كل شي نقصاً ولا يلبث أن يجد في كل شيء باعثاً للأسى والأسف وداعياً إلى النقد والمذمة. فيكون غضبه أكثر من رضاه وحزنه أعم من فرحه، ويكون إلى التنفير والقول بالتشاؤم أميل منه إلى التبشير والقول بالتفاؤل.

ومن دواعي ملكة السخط في الطبائع الخيرة أن يكون الانسان مجبولا على تلك الخصلة بعينها. أي أن يكون حي الحاسة الخلقية عظيم الشعور بالواجب واللياقة. لأن المرء إنما يضحك من كل شيء يوضع في غير موضعه ويظهر بغير المظهر الواجب له وفي غير الصورة اللائقة به: يضحك من الشيخ المتصابي ومن الغبي المتداهي، ومن الريفي الجلف الذي يتخايل في زي أهل الحضر والوضيع المهين الذي يولع بسمت الاعزاء من أصحاب الشأن والخطر. يضحك ممن يصول صولة الشجاع المقتحم حتى اذا لاحت له بارقة من الوهم هرب هروب الجبان المذعور، وممن يتغنى بالسماحة والجود حتى اذا دعي إلى البذل ظهر منه البخل وحار كيف يخلص من مأزقه ويفلت من الشرك الذي وضع فيه بسوء رأيه؛ وممن يتصدى لختل الناس فاذا هو مختول من أهون سبيل، أو يتقدم للعبث بمن يظن فيه الغفلة والحمق فاذا هو هزأة لذلك الغافل الأحمق في نظره.

فالضحك – على هذا – مقارنة سريعة مفاجئة بين حالة تراها وحالة تتخيلها: حالة كائنة وأخرى واجبة، حالة صحيحة ثابتة وحالة كاذبة مدعاة: مقارنة بين الظاهر والباطن وبين الحاصل والواجب وبين المشاهد والمقدر. ولا يقوى على هذه المقارنة في سرعة وفطنة غير الذهن المطبوع على تمثل الأشياء في صورها الحقيقية المثلى ووجوهها الصحيحة الواجبة. ومن هنا يغلب أن يكون السخر باعثاً قوياً على فعل الواجب ومراعاة اللياقة والوقوف على حد الكرامة.

ألا ترى أن الناس يقولون لمن ينصحونه: افعل هذا لئلا يضحك الناس منك؟؟ فهم يدركون العلاقة بين الضحك والواجب ويشعرون بالقرابة بين ملكة السخر والحاسة الخلقية، ويعلمون أن البصير بواجباته بصير كذلك بمواضع التقصير وأسباب الزراية والسخرية. ولكنهم يدركون ذلك على صورة مبهمة ملتبسة فيستغربون لأول وهلة أن يقال لهم أن الطبع الساخر هو الطبع العارف بواجبه المحتفظ بكرامته وأن الوقار والضحك قد يأتيان من عنصر واحد. ولا غرابة في الأمر لو نظرنا إليه من هذه الوجهة.


***

ولقد كان المعري شديد الاحتفاظ بالكرامة قوي الشعور بالواجب. كان يحمل على نفسه مضاضة الفاقة وشظف العيش لا لأن أبواب الرزق مغلقة دونه ولا لأن السعة محرمة عليه ولكن لأنه يضن بكرامته أن ينال منها نائل وأن تمسها دسيسة من مزاحم ماكر أو فرية حاسد متطاول؛ وكان يعف عما يشتهي من لحم الحيوان وألبانه وينهى أن يقتل البرغوث وأن يفجع النمل في العسل لاخشية من شر ذلك الحيوان ولا طوعا لشرع شارع ولكن لأنه يكره البغي ويستحي أن يدين غيره بما لا يدين به نفسه؛ ولأنه يعرف من معنى الواجب أنه شيء يفرضه الانسان على نفسه ولا يعرف من معناه ذلك الشيء الذي يفرضه عليه غيره.

فقد اجتمعت للمعري اذن خصال ثلاث: هذا الشعور النادر بالواجب، وتانك الخصلتان اللتان ذكرناهما في المقال السابق وهما : الاستخفاف بالدنيا ودقة الاحساس. وكل هذه الخصال من دواعي التشاؤم وكلها أيضاً من دواعي السخر فلا جرم يكون المعري الساخر ضريب المعري المتشائم؛ وتكون ملكة السخر فيه أول ما يسترعي النظر من تصانيفه وثمار قريحته.


***

هذه الملكة تظهر في نثر المعري ظهورها في شعره. وهي أظهر ما تكون في رسالة الغفران التي نحن بصدد الكلام عليها الآن. ففي هذه الرسالة كان المعري ساخراً جاداً في السخر؛ يخرج التشاؤم مخرج التفاؤل ويعرض اليأس في ثوب الأمل؛ ويبتسم من آمال الناس في الدنيا والآخرة ثم يعود فيبتسم من ابتسامه، ويعبث بالكافرين ويعرض بهم في ظاهر القول وهو بالمؤمنين أشد عبثاً وأبلغ تعريضاً. وقد وفق في بعض أحاديث الرسالة توفيقاً يذكرنا بغمزات هيني وتقريعات كارليل ودعابة سرفانتس؛ وغيرهم من كبار الساخرين والهجائين الذين تعتز الآداب الغربية بآثارهم ويعدها الكثير من قرائنا لغواً وهذراً لخلطهم بين الهزل والسخر وقلة تمييزهم بين ضحك المجون والبطالة وضحك المعرفة والشعور العميق.

انظر مثلاً إلى كوخ الحطيئة في الجنة. يذهب صاحب المعري "فاذا هو بيت في أقصى الجنة كأنه حفش أمة راعية، وفيه رجل ليس عليه نور سكان الجنة! وعنده شجرة قميئة ثمرها ليس بزاك
فيقول: يا عبد الله! لقد رضيت بحقير
فيقول: والله ما وصلت إليه إلا بعد هياط ومياظ وعرق من شقاء وشفاعة من قريش وددت أنها لم تكن"
فتأمل كيف ضن المعري على الحطيئة بقصر واحد حيث القصور لا عداد لها ولا كلفة في بنائها. ومثل في خلدك حال الحطيئة وقد أدخل الجنة بعد شق النفس فاذا هو بائس الدارين وساكن اكواخ في الأرض وفي السماء.. واذا هو لئيم غير زاكي المنبت خبيث اللسان ناكر للجميل كما كان في الدار الدنيا، فهو ينتفع بشفاعة قريش ويود أنها لم تكن. وينجو من النار ولا يحمد الله على ما صار إليه كأنه لا يزال يتمثل بقوله:


سئمت فلم تبخل ولم تعط طائلا ... فسيان لا ذم عليك ولا حمد

وإن شئت تستعين على استحضار صورة الكوخ في الجنة فتمثل موكباً من مواكب الفاتحين تمشي فيه بغلة أبي دلامة أو رهاناً في مضمار العتاق المسومات يدخله حمار كحمار المسيخ الدجال الذي تنبئنا عنه الأساطير. وانظر كيف يكون مرأى ذلك في النظر ووقعه في الخاطر! فكوخ الحطيئة في عليين هو بغلة أبي دلامة في موكب الملوك وحمار المسيخ في رهان الجياد وهو في جملته وتفصيله صورة مضحكة عريقة في الفكاهة بليغة في السخر والدعابة.

وانظر إلى قصة الاوز في الجنة. يمر بابن القارح صاحب المعري رف من أوز الجنة "فلا يلبث أن ينزل على تلك الروضة ويقف وقوف منتظر لأمر – ومن شأن طير الجنة أن يتكلم – فيقول ما شأنك؟؟
فيقلن: ألهمنا أن نسقط في هذه الروضة فنغني لمن فيها من شرب
فيقول: على بركة الله القدير
فينتفضن فيصرن جواري كواعب يرفلن في وشى الجنة وبأيديهن المزاهر وأنواع ما يلتمس من الملاهي" ولا يزلن في غناء وقصف وانشاد اشعار حتى يبدو الشيخ فيقول للنابغة الجعدي:
"يا أبا ليلى! ان الله جلت قدرته من علينا بهؤلاء الحور العين اللواتي حولهن عن خلق الاوز: فاختر لنفسك واحدة منهن فلتذهب معها إلى منزلك تلاحنك أرق الحان وتسمعك ضروب الألحان. فيقول لبيد ابن أبي ربيعة: أن أخذ أبا ليلى قينة وأخذ غيره مثلها أليس ينتشر خبرها في الجنة فلا يؤمن أن يسمى فاعلو ذلك أزواج الاوز؟؟
فتضرب الجماعة عن اقتسام أولئك القيان..."

وكأني بخلائق المعري المتوزعة في كتبه قد ظهرت كلها في هذه الكلمة الاخيرة. ففيها مزح مليح وسخر ظريف؛ وفيها فوق ذلك دليل على شعوره باللياقة وحذره من التعرض للضحك وزجره النفس عن شهواتها ولذاتها من أجل ذلك وأمثاله. وصدق بلو تارك صاحب التراجم المشهورة اذ قال أن نكتة واحدة تنقل عن الرجل قد تغني في الدلالة عليه مالا تغنيه الترجمة المسهبة والحوادث الكثيرة وشبيه بهذا في الدلالة على شدة اتقاء المعري للضحك وحضور الحذر منه في ذهنه حواره الذي أجراه بين عدي بن زيد وابن القارح اذ يسأل هذا عديا في اعراب بيت من شعره فيقول له: "دعني من هذه الأباطيل! ولكني كنت في الدار الفانية صاحب قنص فهل لك أن نركب فرسين من خيل الجنة فنبعثهما على صيرانها وخيطان نعامها واسراب ظبائها وعانات حمرها؟؟ فان للقنيص لذة!
فيقول الشيخ: إنما أنا صاحب قلم ولم أكن صاحب خيل. وما يؤمنني ان ركبت طرفا وأنا كما قال القائل:


لم يركبوا الخيل الا بعد ما كبروا ... فهم ثقال على أكتافها عنف

... أن يقذفني على صخور زمرد فيكسر لي عضدا أو ساقاً فأصير ضحكة في أهل الجنان.." وهذا حوار جاء عرضا مقتضبا مما تقدمه وتلاه، فيزيد في دلالته على ما أشرنا إليه أن المعري ابتدعه من عنده ولم يكن في سياق الحديث ما يدعو إليه أو يوحيه إلى الذهن بمناسبة قريبة. فكأن هاجس الحذر من الضحك قائم في ذهن المعري متجسم أمام وهمه تحركه أضعف المناسبات أو يحرك نفسه بغير مناسبة. ومثل هذا الحذر ينم بلا ريب على خلق كمين في النفس وعادة لاصقة بالفكر ويستدل منه على تيقظ الرجل للمضحكات واستعداده الدائم لتحاشيها، مما يدل على معرفة منه بمواطن السخر وسرعة اهتدائه إلى مناشئه ودواعيه.


***

وقد وضع المعري ابليس في جهنم كما ينبغي له. ولكنه لم يشغله عن الكيد والاغواء بما هو فيه من الضجر والعذاب. فلما أطال ابن القارح في سؤال أهل النار وأكثر عليهم من المناقشة مال ابليس إلى الزبانية يقول لهم: "ما رأيت أعجز منكم اخوان مالك! ألا تسمعون هذا المتكلم بما لا يعنيه؟؟ فلو أن فيكم صاحب نخيزة قوية لوثب وثبة حتى يلحق به فيجذبه إلى سقر!!" وهذا اصرار على الشر يستحق أن يضحك منه. اذ ما أبعد ما ينبغي أن يكون الاغواء من المعذب الذي يضطرب في الاغلال والسلاسل وتأخذه مقامع الحديد في أيدي الزبانية؟؟ وما أغرب أن يتخذ ابليس آلة وجنداً يستعين به على الاضرار والكيد وهم جند الله المسلط عليه لاضراره بالناس وكيده لهم؟؟ فهذا ما يسمونه المفارقة؛ أو هو التناقض المضحك الذي ألقاه المعري على شيخ الساخرين ليعجب من خبثه وعناده ويجعل منه سبيلا إلى ابتسامة من ابتساماته الهادئة الهازئة.. على أن أغرب ما في هذا الموقف أن يكون الساخر الاكبر نفسه سخرية وهزؤاً لأحد من الناس!!


***

وفي الرسالة كلمات كثيرة مبثوثة على هذا النحو تارة في وضوح وصراحة وتارة في خفاء ومواربة. فتأمل مثلا قول النابغة الجعدي لصاحبه الذبياني "أقسم أن دخولك الجنة من المنكرات. ولكن الأقضية جرت كما شاء الله! لحقك أن تكون في الدرك الأسفل من النار، ولقد صلى بها من هو خير منك ولو جاز الغلط على رب العزة لقلت أنك قد غلط بك" وتأمل قول الشيخ ابن القارح حين أراد أن يصلح بينهما: "يجب أن يحذر من ملك يعبر فيرى هذا المجلس فيرفع حديثه إلى الجبار الأعظم فلا يجر ذلك إلا إلى ما تكرهان. واستغنى ربنا أن ترفع الأخبار إليه ولكن جرى ذلك مجرى الحفظة في الدار العاجلة. أما علمتما أن آدم أخرج من الجنة بذنب حقير. فغير آمن من ولد أن يقدر له مثل ذلك!" وتأمل قول اوس بن حجر من أهل النار وهو تكرار لمعنى كلام النابغة الجعدي من أهل الجنة "ولقد دخل الجنة من هو شر مني ولكن المغفرة أرزاق. كأنها النشب في الدار العاجلة!". وأمثال هذه الكلمات كثيرة في رسالة الغفران لا نحصيها ولكن نحيل القارئ عليها. وحسبنا أن نقول هنا أن الرسالة كلها في وضعها وفي تركيبها وفيما بدا من معانيها القريبة وما انطوت عليه من المغازي البعيدة والمضامين الخفية ان هي إلا ضحكة واحدة متصلة يجهر بها المعري حينا ويوارب بها أحيانا. وقد يغرق في السخر حين يوارب ويداري حتى تخاله ساخراً من السخر مترفعاً عن الاهتمام لاظهار قصده لشدة استخفافه وقلة مبالاته.



العقاد

Ophelia
02-08-2007, 11:18 PM
حول رأي المعري في المرأة

المرأة أكبر حبائل الحياة. من تعلق منها بسبب فقد تعلق من الحياة بأسباب وخاض من الدنيا في أعمق الغمرات. فلا عجب أن يرفض المرأة من يرفض الحياة وأن يكون شعور المتشائمين من ناحية المرأة مختصر شعورهم من ناحية الحياة: حب يشوبه ضغن وشوق يغالبه حذر. وسوء ظن دائم بالحسن منها والقبيح على حد سواء، بل لعلة يكون بالحسن أشد واعظم لأنه باب الخديعة وحبالة الأطماع؛ ولأن القبيح من السهل أن يتقى ويدفع أما الحسن فلا يتقى إلا بمبالغة ولا يدفع إلا بعناء.

وليس ينتظر من المعري إلا أن يكون على دين زملائه واخوانه المتشائمين في الشرق والغرب في هذه العقيدة. فهو كاره للحياة كاره للمرأة ق برم بالعالم كله فقال في نفس واحد.


فأف لعصريهم نهار وحندس *** وجنسي رجال منهم ونساء!

ولكنه اذا التفت إلى المرأة خاصة عرف أنها الحياة مصغرة في ثوب من الجسد وأنها خلاصة ما في الحياة من الغوايات التي يوصى بالحذر منها والشرور التي يألم لها والغير والصروف التي يزدري الحياة من أجلها. فيرفضها رفضا مضاعفا ويخصها بذم غير مشارك . وله في اللزوميات أشعار كثيرة تنطق كلها بهذا الرأي في عبارات مختلفة. فهو اذا رفق فالمرأة ألعوبة ملهية:


وما الغواني في ملاعبها *** إلا خيالات وقت أشبهت لعبا

واذا اشتد فالمرأة حية مؤذية:


وإنما الخود في مساربها *** كربة السم في تسربها

وهي على كل حال آفة اللب وفتنة الحلم


يفندن الحليم بغير لب *** وهن وإن غلبن مفندات

ولن نصل منهن إلى خير ولن نحمد لمسراهن غبا


ولكن الأوانس باعثات *** ركابك في مهالك مقتمات
صحبنك فاستفدت بهن ولدا *** أصابك من أذاتك بالسمات
ومن رزق البنين فغير ناء *** بدلك عن نوائب مسقمات

وليست عصمة المرأة بمأمن ولا عفتها بمعقل محصن. فوصيته لكل ذي زوج أن يصاديها ويداريها ولا يرفع عين الخفارة عنها:


فإن أنت عاشرت الكعاب فصادها *** وحاول رضاها واحذرن غضابها
فكم بكرت تسقى الأمر حليلها *** من الغار اذ تسقى الخليل رضابها

واذا بلغ الوليد العشر فليضرب بينه وبين النساء بحجاب:


اذا بلغ الوليد لديك عشرا *** فلا يدخل عل الحرم الوليد
فان خالفتني وأضعت نصحي *** فأنت وان رزقت حجى بليد
إلا أن النساء حبال غي *** بهن يضيع الشرف التليد

أما العلم فحسبهن منه ما يصلح للمنزل من نسج وغزل وردن غناء ولا حاجة بهن إلى قراءة وكتابة:


ولا تحمد حسانك إن توافت *** بأيد للسطور مقومات
فحمل مغازل النسوان أولى *** بهن من اليراع مقلمات

هذا كلامه في اللزوميات. أما في رسالة الغفران فمجمل ما يؤخذ من وصفه للحور ونساء الجنة أن المراة عنده لا تعدو أن تكون متعة ولهوا وعونا على البطالة كأنها باطية خمر أو معزف من معازف السماع لا فرق بينها وبين هذا الضرب من الملاهي إلا في كونها تحس وتنطق وأنها أحب وأشهى إلى الحس من سائر تلك الملاهي. وأحر بمن كان هذا وصفه لنساء الجنة أن يصد عن قرب المرأة في الدنيا، لأنها اذا كانت في الجنة لذة لا تعقب ألما ولهواً لا يورث حسرة ولا يضيع أربا فليست هي في الدنيا كذلك وليس أحسن ما تطلب لأجله وهو اللهو والطرب بخال من أوشابه ومعقباته ولا بسليم من عيوبه وآفاته – فهي أمن إلى وجل ولذة إلى ملل وحظوة وشيكة إلى حرمان عاجل. وهي إن أسعفت حالت دونها العوائق وإن وفت لم تف بها الأيام. على أنها قل أن تسعف وندران تفي لأنها طبعت على شيمة الدنيا من التغير والتقلب واخلاف الظنون واجتواء الأصحاب والخلان؛ وقد كاد علقمة الفحل يستحق الجنة عند أبي العلاء لقوله في وصف النساء:


فإن تسألوني بالنساء فإنني *** بصير با دواء النساء طبيب
اذا شاب شعر المرء أو قل ماله *** فليس له في ودهن نصيب
يردن ثراء المال حيث وجدنه *** وشرخ الشباب عندهن عجيب

ولأبي العلاء في اللزوميات أشعار كثيرة بهذا المعنى؛ ولشعراء العرب مثلها بل هذا هو الرأي الغالب في أقوال الرجال عامة ولا سيما أبناء الأمم الشرقية. فهم مجمعون على أن المرأة قليلة الوفاء سريعة التحول لا يحفظ لها عهد ولا تصبر عن هوى ولا تعدل بحب الشباب والمال شيئاً. وعابوا على المرأة ذلك وتنقصوا عقلها وأخلاقها من أجله وسيروا فيه الأمثال والعبر وأجمعوا على ذلك اجماعا يدعونا إلى أن نسأل: هل أصاب القائلون بهذا القول وهل أنصفوا؟؟ إلا أنها مسألة جامعه متشعبة لا نريد أن نعرض لها هنا إلا من وجهة واحدة. اذ ليس مرادنا أن نحيل القضية على محكمة الأخلاق ولا أن نقابل عيوب النساء بعيوب الرجال ليعلم هؤلاء أنهم ينظرون إلى النساء وينسون أنفسهم . فهذا غرض لم نقصد إليه هنا؛ ولكننا إنما نريد أن نرجع الأمر إلى وظيفة المرأة وأن نبحث عن مكان هذه الأخلاق في طبيعتها لنرى هل هناك أصل لها نشأت منه؛ وهل هناك مسوغ لها يعتذر به ان كان في الأمر ما يوجب الاعتذار؟!

والذي نقوله في جملة واحدة أن المرأة وفية صادقة: وفية للحياة لا لهذا الرجل أو لذاك، وصادقة في الحب لا في ارضاء أهواء من تحب. ولو أنعمنا النظر لعرفنا أن المرأة تخون نفسها كما تخون الرجال في سبيل الأمانة للحياة، وتكذب على نفسها كما تكذب على محبيها في صيانة عهد الحب. فهي وفية بالفطرة رضيت أم لم ترض؛ وهي صادقة بالالهام حيث أرادت وحيث لا تريد. ومهما يؤخذ على المرأة من شيء في أهوائها وأخلاقها فذلك سيئة الحياة لا سيئتها؛ وأولى بنا أن نعده سيئة في ظاهر الأمر أما في الحقيقة فهو حسنة نافعة وفضيلة مطلوبة، أو هو عيب في اليوم واليومين أما في طويل السنين والأجيال فهو نافي العيوب ودرج الكمال. إن المرأة خلقت رسول الجسد وحارس النسل فهي تعرف كيف تؤدي رسالتها وتقوم بحراستها وهي أحصف من أن تتلقى درساً في تبليع السر الذي أودعته؛ نعم وأحرص من كل حريص على ذلك السر الذي أخذته من الحياة لتسلمه إلى الخلود دون أن تحزم حرفاً منه، لأنها أخذته سراً أعجم وتسلمه سراً أعجم دون أن تعي منه حرفاً ولا معنى.

ليقل علم الأخلاق ما بدا له فيما ينبغي أن يكون من أخلاق المرأة وليشهد النساك والمتشائمون شهادتهم وليزكها الرجال قاطبة تزكيتهم؛ فإن قالت المرأة بعد ذلك بلسان حالها لا بلسان مقالها أن للوفاء حداً وأن للأخلاق معنى غير معناها الذي يفهمه طلاب الراحة والرضى فلنصدق ما تقول فإن كل امرأة حذام فيما توحى به الفطرة؛ وكل امرأة في هذه الشئون قادرة على أن ترى القطامن مسيرة الأبد لا من مسيرة ثلاثة أيام.. ولنعلم أن ههنا صوتاً يتكلم أعلى من صوت الأخلاق، وحكما يأمر أنفذ وأقدس من حكم العرف والمواضعات: هما صوت الحياة وحكم القدرة التي تبعث الحياة في طريقها المجهول.

تحب المرأة الشباب ومنذا الذي لا يحب الشباب؟؟ إن الشباب نفحة الخلود وروح من روح الله، تصور الأقدمون الالهة فلم يفرقوا بينهم وبين الشباب وأسبغوا عليهم كساء سرمدياً من نسجه وبهاء متجدداً من صنعه. شعوراً منهم بأن الشباب سمة الحياة الخالدة وروح المعاني الالهية وترجيحاً لخير الشباب على شره ولمحاسنه على عيوبه، ولم يزل للشباب من لدن تشب عن الطوق إلى أن توارى في التراب ، وفي الدين الذي تلتهب به حرارة العقيد الفتية في صدور المؤمنين به؛ وفي رياض الربيع النامية، وفي ألاعيب الحب العابث حتى في قلوب الشيوخ. والشباب هو الحياة لأن ما قبله استعداد له وما بعده استعداد للموت.

والناس قد ألفوا أن ينظروا إلى حظ الشاب من شبابه فيلصقوا الشباب بحضيض هذه الأرض ويستصغروه لأنهم لا يرون ثمة إلا شهوات وأرجاساً. ولكنهم يخطئون ويظلمون. فما هذا الحظ القليل إلا اختلاس اللص السارق أو الأجير المسخر من تلك الأمانة الهائلة التي يشتمل عليها الشباب؛ وما يشتمل عليها إلا لفائدة الإنسانية كلها بل لفائدة الحياة التي تتخذ الانسانية آلة من آلاتها وجسراً لها على غاياتها. والمرأة إنما تساق سوقاً إلى عشق هذا الشباب الذي ليس لذاتها منه إلا نصيب قليل. فلو أنها نظرت إليه بعين التاجر لرفضته رفضاً لأنها تخسر منه أكثر مما تربح وتشقى به أضعاف ما تسعد؛ ولكنها تنظر إليه بعين المجاهد المغامر الذي تغلبه على رشده حماسة الحرب ونخوة البطولة. وتلك تفدية لا تستحق من العارفين بقدر الحياة إلا كل تقديس وإجلال.


***

ثم تحب المرأة المال ومنذ الذي يكره المال؟ غير أننا قد نرى للمرأة سبباً غير سائر الأسباب التي تغري بحب المال واعظام أصحابه. نرى أن كسب المال كان ولا يزال أسهل مسبار لاختبار قوة الرجل وحيلته وادعى الظواهر إلى اجتذاب القلوب والأنظار واجتلاب الاعجاب والاكبار. فقد كان أغنى الرجال في القرون الأولى أقدرهم على الاستلاب وأجرأهم على الغارات واحماهم أنفاً وأعزهم جاراً فكان الغني قرين الشجاعة والقوة والحمية وعنواناً على شمائل الرجولة المحببة إلى النساء أو التي يجب أن تكون محببة إليهن. ثم تقدم الزمان فصار أغنى الرجال أصبرهم على احتمال المشاق وتجشم الأخطار والتمرس بأهوال السفر وطول الاغتراب وأقدرهم على ضبط النفس وحسن التدبير فكان الغني في هذا العصر قرين الشجاعة أيضاً وقوة الارادة وعلو الهمة وصعوبة المراس. ثم تقدم الزمان فصار أغنى الرجال أبعدهم نظراً وأوسعهم حيلة وأكيسهم خلقاً وأصلبهم على المثابرة وأجلدهم على مباشرة الحياة ومعاملة الناس فكان الغني في هذا العصر قرين الثبات والنشاط ومتانة الخلق وجودة النظر في الأمور . وهكذا نجد اكتساب المال الكثير في كل عصر دليلاً على فضل الرجل وعلامة توحي إلى نفس المرأة ما يعين غريزتها على اختيار أجدر الرجال بحبها وأصلح الآباء لأبنائها. فلا تثريب عليها أن تختبر مزايا الرجل بهذا المسبار السهل القريب ولا لوم عليها أن تريد ثراء المال ولا تعدل به الفقر والفاقة. نعم ان هذه الحالات تختلف أحياناً وتنعكس في بعض المطالب التي يزاولها الرجال ولكن الفطرة العامة والميول الغريزية لا تركب على الشواذ ولا تبنى على المطالب الخاصة المستثناة وإنما تركب على القواعد الأصيلة والمطالب العامة التي تزاول في أكثر الأحوال وأشيعها على اختلاف الأمم والعصور.


***

ولقد عيب على المرأة تناقض شديد في الأخلاق والأطوار. فبينا هي عنيدة متغطرسة اذا هي مستسلمة ذليلة وبينا هي حكيمة حاذقة اذا هي غريرة ساذجة؛ تصبر صبر الأبطال ثم تجزع جزع الأطفال؛ وقد تخور فاذا قلب تهوله ذرات الهباء؛ وقد تقر فاذا جأش تنهزم عنه زعازع الأنواء. تقسو فتريك الوحش ضاريا. وتلين فتريك الماء جاريا. لها تضحية يضرب بها المثل. ولها أثرة تعز فيها الحيل. وهي في غالب أطوارها إما إلى هذا الطرف واما إلى ذاك الطرف ذهاباً وجيئة بين النقيضين المتباعدين؛ فلا توسط في فضائلها ولا اعتدال في نزعاتها؛ ولا يهمنا هنا من هذه الخلال أن ننقدها ونحاسب المرأة عليها وإنما نشير إليها لنقول أننا نحسبها من مقتضيات طبيعة المرأة وضرورات وظيفتها. ونبين ذلك فنقول أن المرأة خلقت يتنازعها احساسان قويان هما احساس العاشقة واحساس الوالدة وليس أغلب على نفسها ولا أملك لمشاعرها من هذين الاحساسين الغريزيين. فاذا تنبه فيها احساس العاشقة رامت من الرجل مراماً بعيداً وسرها منه أن يكون غلاباً لانداده مستعليا على خصومه مجازفا في مطامعه رهيب الجانب منيع الحوزة؛ وثارت في نفسها ثورة المزاحمة وما تستتبعه من عدد الجهات وصفات القسوة واللدد؛ واذا تنبه فيها احساس الأمومة آثرت الرفق والهوينا وودت لو كانت الأرض رخاء كلها فلا حرب ولا خصومة ولا غل ولا ملاحاة الا المودة والحسنى والسماحة للأعداء والعفو عن المسيئين؛ ومن هذا التناقض بين هذين الاحساسين ينشأ تناقض آخر في كثير من الهنات والبدوات. لأن الطبيعة متى بنيت على اختلاف الأهواء لم يقف هذا الاختلاف على موضوعه الأول وهو التنازع بين احساس العشق واحساس الأمومة بل تجاوزه إلى كل ما يجيش بالنفس من المشاعر والمدركات؛ والمرأة سواء نظرت بعين الحب الجنسي أو بعين الحنان الأموي تنقاد في الحالين للغريزة والشعور فلا تملك ارادتها ولا تستمع لنصيحة العقل اذا أمرها أو نهاها ومن كان لا يملك ارادة ولا يستمع لنصيحة عقل فهو عرضة للتناقض في كل حين كلما تغيرت عليه الطوارئ وتجاذبته الدواعي. كأنه سفينة تختلف عليها مهاب الرياح .

ومما يعاب على المرأة الرياء. ولست أبرئها منه ولكني أظن رياءها أنفع من صراحتها وأصدق في نظر الحياة من صدقها. فالمرأة مجبولة على الزينة والتمنع. والزينة ضرب من الرياء ولكنه منتسب إلى حب الجمال ونواميس الطبيعة في جميع طبقات الحيوان، والتمنع خلة تبلو بها المرأة أقصى ما عند الرجل لكيلا تسلم في قلبها لمن لا يستحق شرف الابوة لأبنائها. وقد تميل المرأة إلى الرجل لأول نظرة ولكنها تمنع نفسها منه حتى ترى أقصى ما يستطيعه من حول وحيلة وقوة جنان وخلابة لسان. فاذا سلمت له بعد ذلك سلمت مغلوبة على أمرها حتى لا ينال حبها إلا رجل غالب متفوق بين الرجال.

ان الزينة هي العناية بالظواهر والتمنع هو اخفاء ما في باطن النفس. وكلاهما لازم للمرأة أو للطبيعة وكلاهما يستدعي الرياء والمحاولة؛ ولا سيما إن كانا في خلق ضعيف لا يقدر على اظهار كل ما يخالجه ولا يأمن أن يبوح بكل سره. ولو أننا خيرنا بين امرأة صريحة أن تهجر الزينة وتطيع أول رغبة وبين امرأة مرائية أي تتحلى وتستعصم لما طال بنا التردد والاختيار ولعلمنا حينئذ أن فلسفة الطبيعة أصدق وأحكم من فلسفة علم الأخلاق.


***

وللمرأة خلال كثيرة من هذا القبيل يأباها علم الأخلاق وينفيها الفلاسفة من عداد الأخلاق الكريمة ولكنها عريقة في الطبيعة بعيدة الغور في الحياة فخير ما تصنعه المدنية في هذه الخلال أن توفق بينها وبين مطالبها أحسن توفيق مستطاع. أما أن تستأصلها وتقضي عليها فتلك جريمة كبرى وسعي عقيم.



العقاد

Ophelia
02-08-2007, 11:28 PM
إلى هنا تنتهي سلسلة مقالات العقاد عن المعري في كتابه ( مطالعات في الكتب والحياة)
وتنتهي معه رحلتنا في عالم المعري التي آمل أنها أمتعت وأفادت في فهم شيء من حكمة وفلسفة هذا المتشاءم والساخر ممن يدعي فهمه:


أقررت بجهلي وادّعى فهمي *** قوم فأمري وأمرهم عجب


وأخيراً ولمن يرغب بالاستزادة فهنالك دائماً المزيد:
إطلالة على السخرية عند أبي العلاء المعري (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=104267)
مع أبى العلاء فى سجنه (http://www.4shared.com/file/15337679/a19bcf5a/____.html)
تجديد ذكرى أبى علاء (http://www.4shared.com/file/15339154/88cb0d3/___.html)
شروح سقط الزند (http://www.4shared.com/file/15337986/bde08939/___online.html)



شكراً لكل من مر وقرأ واستمتع وترك أثراً
شكراً لكم وإلى اللقاء مع رحلة قادمة


^
^

تحس حالها نصابة :biggrin5: