PDA

View Full Version : في السابعة إلا عشر دقائق صباحاً



خالدعبدالقادر
10-08-2007, 10:45 AM
..


ماذا أخبرتُكِ عنِّي في المرةِ الأخيرة ؟
لا شيء
و المرة التي قبلها ؟
لا شيء
و التي قبلها و قبلها و قبلها
أيضاً .. لا شيء
لكنّكِ تعرفينني أكثر منّي
و الله يعرفني أكثر منّا
لا أحاول إخفاء شيءٍ عنه
رغم محاولاتي العديدة لإخفاء شيءٍ ما عنّكِ
لكنّكِ تعرفين
أخبري الله عنّي يا حبيبتي
أنّي أحبُّكِ
رغم أنه يعرف
أخاف هذه الأيام أن أحدثه عنّكِ
أنا بعيدٌ عنّه
و أقول يحبني
و يحبني
ما أخافه حقاً
أن يعاقبني بغيابِكِ
سيقتلني هذا تماماً
- بغضّ النظر عن أنّي مقتولٌ فيكِ .. تماماً -
لا أصدقُ أبداً أن وجودكِ في قلبي
قد يغضبه عليّ
هو موجودٌ بقلبي
لم أشركْ باللهِ فيكِ
فقط أسكنتكِ الغُرف الأربعة
بينما له كل مكان في صنيعته
..
هل أحدثكِ عن أشياء تعرفينها ؟
مثلاًعن الليل
الوقت الوحيد المناسب للتفكير في أي شيء
و لفعل أي شيء
عدا النوم طبعاً
..
عن قريتي
التي هجرها نصف سكانها
للعمل بدولٍ تبدو عربية
التي امتنعت عن زراعة الأبيض
و اكتفت بحصاد الأسفلت
..
عن القاهرة
التي أحاول ألاّ تغوص في جسدي أكثر
عن الأصدقاء فيها
الذين توهمتُ اختيارَهم
محمد
يأخذه الجيش
بيته بعيد
و أنفاسه قريبة
محمد
يريد الصحافة
أو تريده
ستأخذه قريباً
يختلفُ لونُ الدخان معه
و طعمه أيضاً
محمد
رجع بلاده
لا أحسها بلاده حقاً
أخذتْه من بلاده
هذا القرويُّ له طزاجةُ القمح
محمد
ربما يتزوج قريباً
طفلٌ يثير المشاكل
أشفق على خطيبته
أغار قليلاً منها
محمود
يذاكر كثيراً
يحبّ كثيراً
يكتب كثيراً
لا أراه .. إلاّ قليلاً
مروان
ينام في الحادية عشر و نصف تماماً
لا يجيب على الهاتف بعدها
و حين أراه
دائماً .. يأخذ تاكسي من أمام مجلس الشعب
يترك فقط .. قليلاً من المصطلحات
كثيراً من الوجع الآدمي
بالأمس
حكيت له حكاية لا قيمة لها
عن مشاجرة ما
فقط كنت أريد أن أتحدث
إبراهيم
أفسر شحوبه
بانكسار كأس ما في كفه
أسالت وقتها بعض الدماء
و بعض الضحك
دائماً على موعدٍ مع قطارٍ ما
إبراهيم
الذي أهديته نصّاً ما
فأهداني تشبيهه لي بقطعة العملة
التي سقطت من جيب صاحبها
يثرثر في مدونته
و لا يعرف أني أقرأ كل حرف
بالمناسبة
يحدث أن أكون وسط ثلة من الأطباء / الاصدقاء
يغمرني شعور أني مريضٌ فعلاً
هل فكروا مرةً في علاجي من الغياب ؟
لا يهم
فكل ما أتذكره كل مرة
أنكِ في مكانٍ ما حولي
تبتسمين
هل تحدثتُ كثيراً عن أصدقائي
إنهم أوطانٌ صغيرة يا حبيبتي
هل حدثتُك عن المترو
بالذات صيفاً .. صباحاً
الساعة السابعة إلاّ عشر دقائق
بالضبط
أكره السلم الكهربائي
أكره أن أقف على سيرٍ معدنيّ متحرك
أنا أكره المعادن أصلاً
إلاّ ما له لون عينيكِ
أحبّ هبوط السلم العادي
درجةً درجة
لثانيةٍ أو أقل
أحسّ بالطيران
و أسمع صوت أمي
" تاتا
تاتا
خطِّي العتبة "
في السابعة إلاّ عشر دقائق صباحاً
من محطة السادات / إتجاه شبرا
المترو متناسقٌ تماماً
كقصيدةٍ عمودية
أجلس كبدويٍّ أمام خيمته
قبالتي
يجلس
قلم ( بريما ) أزرق
في جيب قميصٍ لا لون له
يمسك هاتفاً ماركة نوكيا 3310
قديماً .. لكنّه أنيقٌ في جراب بلاستيكي
يغفو قليلاً خلف نظارته
الأشيب الذي يغفو
في السابعة إلاّ عشر دقائق
يذكرني بما قد يحدث لي
لو عشت عاماً آخر
أيضاً
الرضيع الذي أحنقه اهتمامي بعينيه الملونتين
ضحكتُ في وجهه
أنا متأكدٌ أني سمعته ينعتني بالغباء
أمه تبدو مشغولةً بطرف عبائتها
التي خدشها تراب الشارع
أيّ ترابٍ هذا الذي لا بيت له
ظلّ بالشارع
حتى السابعة إلاّ عشر دقائق ؟
تجاورني أخرى بيضاء
لها رائحة عطرٍ ما
شممته مرة في فيلم أجنبي
كعبها
- بصراحة -
أنظف من وجهي
تُرى ماذ يكون عملُها
الذي ينتهي في السابعة إلاّ عشر دقائق ؟
أحدهم
تبقى من مصحفه بضع صفحات
يحرك رأسه كبندولٍ
أظنُه في سورة الإخلاص
رأسه البندول لا يتوقف
حتى بعد السابعة إلاّ عشر دقائق
في المقعد المفرد بآخر العربة
يجلس قسٌّ
لماذا لا يخرج إنجيلاً و يقرأ ؟
أنا لا أرى قسّاً كلّ يوم
ٍلذا تابعتُه قليلاً
ماذا يعتقد قسٌ
في ولدٍ يجلس القرفصاء
و يراقبه
في السابعةِ إلاّ عشر دقائق ؟
هل أحدثّكِ عن ميدان المؤسسة
موقف الباصات
محطة المترو
كوبري علوي
أربع مداخن تتخللها مئذنة
في انسحابي من المشهد
أرى مدينة كوك تاون
التي كتب عنها تشارلز ديكنز في " أوقات عصيبة
الدخان المتصاعد يصيح
"fact ,fact ,fact "
تماماً كما كان يهتف السيد جرادجرايند
في الرواية التي درستها في الثانوية
و التي أكرهها مثل كل المقررات الدراسية
هكذا من ظَهْر الميكروباص
هل أخبرتُكِ أني أكره التوك توك
ذلك الكائن الثلاثي الأرجل
الذي يشبه البعوض
يزعجني أن يتسلقني كمٌّ هائلٌ منه
في مروري بميدان " بهتيم
تتسلقني القمامة أيضاً هناك
لكن .. هناك
أحبّ في السابعة إلاّ عشر دقائق
طبق الكسكي من عربة الرجل الضاحك
أحب رائحة العيش البلدي
ذي الخمسة قروش
فَرش الفاكهة
الفراولة التي تصطف مُصغرةً في شفتيكِ
صدقيني لا أجد فارقاً كبيراً بين ميدان بهتيم
و ميدان التحرير
كلّ ما هنالك
أن أحد المُهمين يمر هناك
و لا يمر هنا
أه .. بذكر التحرير
أكره هارديز جداً
المكان حوله محطة انتظار للكثير
حدث مرةً في غيابِك
أن كنت أنتظر الأصدقاء هناك
و حولي يحطّ انتظارٌ مقيت
الاصدقاء يتأخرون دائماً
و لم اسألهم أبداً لماذا
أتعلل بالنيابة عنهم لنفسي
المهم
أني مررت هناك مرةً
أحمل غابة نخيل على وجهي
كلحيةٍ مثلاً
و جيبي فارغٌ إلا من بعض حبات الترمس
و كان العالم كلّه منشغلاً عنّي
حتى أنتِ
وقفتُ هناك
لم يكن الوقت السابعة إلاّ عشر دقائق
كان وقتاً مختلفاً
انتظرتُ بالمكان قليلاً
لم أكن أنتظر أحداً
بعد ثلاث سجائر بالضبط
كنتُ أنتظر أحداً سيأتي
أسأل عن الساعة
أتأفف
أتعلل للغائب بعذرٍ لا أعرفه
أكح
أبصق على بلاط الرصيف
أتحرك في نطاق دخان السجائر
و أتساءل عن التأخير
و أنتظر أحداً
أشتري جريدة لا أقرأها
أفردها على الرصيف
و أجلس بجوار أحد المتسولين
يستكشفني .. خوفاً من مشاركتي رزقه
يطمئن
فقط مجذوبٌ آخر
و أنتظر أحداً
بعد عصرين حجريين
يحضر أحد
عُمر
لم أسلِّم عليه بما يليق بفرحته
كنت مفجوعاً بسؤال
لم أكن أنتظرك يا عُمر
ماذا لو لم تحضر ؟
ماذا لو لم يحضر أحد ؟
ماذا لو ؟
ماذا لو .. يا حبيبتي ؟
..
هل أحدثكِ عن التكعيبة
المقهى الذي يثرثر فيه المكسورون
على ناصية المقهى
رجلٌ يبيع تماثيل الآلهة
آه و الله
هذا ما رأيته
ذكريني أن أتأكد من ذلك
هذا يعود بي في القصيدة
للحديثِ عن الله
أنا أحب الله
حدثيه عنّي
قولي أنّي أكره أشياء كثيرة
أسوأها الانتظار
و الوحدة
و المصاعد
و الأسفلت
لكنني سأحبّ كل شيء
كل شيء
فقط .. لو تأتين
في السابعةِ إلاّ عشر دقائق
..
خالد

محمد العدوي
10-08-2007, 11:23 AM
ازيك يا خال

اولا انا اسمي مكتووب ...


يبدو أن لا . ما علينا ابقى احكيلها عني اكيد هيحصل تطورات بديعة ..

ثم إنه : جميل ..
وإني أحبك أيضا ..


بس بقى يا مولانا اسكانك إياها في أربعة غرف يعني انك ستموت يا سيدي .. لأنك أسكنتها مكان الحياة كاملة .. ربنا قسم القلب أربعة علشان كل حب يسكن مكان خاص .. الحب الذي في ألأبوة والذي في الأخوة والذي في العقيدة والذي في النص أعلاه ..


وبس

عبدالله بيلا
10-08-2007, 02:11 PM
الشاعر المجدِّد / خالد عبد القادر ..

إستوقفتني قصيدتك النثريةُ هذه .. وأنت تمخُر بي عباب وطنك الجميل

مصر .. متجوّلا في الشوارع والمقاهي والأرصفة ..

بصحبةِ ذكرى حبيبتك .. وأجسادِ أصدقائك ..

وذكرتني هذه القصيدة ببعض قصائد ( محمد الماغوط ) ..

ودُم شـاعراً ..

الغيمة
10-08-2007, 05:53 PM
جميلة.. وذكية..
بل رائعة..
تمتلك ذلك الحس الذكي الذي يمنعنك من تجاوز الخطوط الحمراء وفي الوقت ذاته تجاوز خطوط الجنون إلى مرحلة الإبداع..وهناك فرق بين الخطين حتما..
بس..أخخخخخخخخخ..
لو كانت على الأقل تفعيلة..لأسكنتنا جنة من جنان الشعر..وأنت بإذن الله قادر على ذلك يا بن عبد القادر..

الوردي ساري
10-08-2007, 06:52 PM
وتستطيع أن تكتب أكثر من هذا ...
في السابعةالاعشر دقائق صباحا ، تصطحبك الى حديقة الرمان .
وبعيدا عن الأسفلت ، عن صوت دقات القلب ،
عن حقيبتك السوداء ،
يمسح عرقك المتصبب أحرف جريدتك ..
ابق بالمحطة خمس دقائق حتى تعود لك ..
لك نبلي وامتناني

ساري

رابعة النهار
12-08-2007, 12:55 AM
كل هذا في الساعة سبع الا عشر !
سبحان الله
العلم بحر!!