PDA

View Full Version : مظلة في قبر"قصص قصيرة جدا"لمصطفى الغتيري



ن.ليلـى
09-09-2007, 01:46 PM
http://i23.servimg.com/u/f23/11/01/06/72/10818410.jpg http://i23.servimg.com/u/f23/11/01/06/72/10818411.jpg


الإهداء
إلى كل الأحبة في كل مكان..


مالك الحزين

في مراكش.. على أسوار قلعتها القديمة، كان مالك الحزين يتربع على عرش المدينة.. من عليائه يتأمل تكاثر الحمام من حوله، وتناقص بنات جنسه، بشكل يهددها بالانقراض.. بروية كان يفكر في الأمر، وهو يسترجع تلك الحكاية القديمة، حين أفتى أحد أسلافه لحمامة برأي، أنقذ فراخها من الثعلب وأهلكه.
فجأة حطت بجانبه حمامة حزينة.. متألمة طفقت تبثه شكواها وتستعطفه المشورة .. أشاح مالك الحزين عنها بوجهه وقال:
"لقد تغير الزمان يا صغيرتي".
صفحة 13
الخطيئة
بخطى واثقة،توجه "نيوتن" نحو شجرة..
توفق تحتها، وطفق يتأمل ثمارها..
أحست تفاحة بوجوده فارتعبت ..
ألقي في روعها أنه أدم يوشك، ثانية، أن يرتكب فعل الخطيئة..
حين طال مكوثه، انتفضت التفاحة فزعة، فانكسر سويقها..
هوت على الأرض، واستقرت هامدة بالقرب من قديمة.
14

المرآة
حين تطلعت إلى المرأة، لتتأمل وجهك فيها، أذهلك فراغها. مرتبكا تقهقرت إلى الوراء، فركت عينيك جيدا. من جديد حملقت في صفحتها الصقيلة. بصلف تمدد الخواء أمامك.
بعد هنيهة، تبينت حقيقة الأمر: المرآة كانت تتأمل وجهها فيك.
15
الخلاص
أحدثت الطلقة صوتا مدويا، أفزع الطيور، فانتفضت هاربة وحدها عصفورة- كأنها تعاني من اكتئاب حاد – طارت في اتجاه الصياد، باحثة عن فرصة للخلاص.
متحسرا رفع الصياد عينيه، لمح العصفورة الضئيلة تحوم فوقه، استخسر فيها الطلقة، فتجاهلها.. لكن حين لاحظ إصرارها، تأملها لحظة.. وكأنها أوحت له بفكرة الانتحار، وجه فوهة البندقية نحو نفسه.. ثم ضغط الزناد.
16
بلقيس
في قصر سليمان، حينما كشفت بلقيس عن ساقيها المرمريتين، كان هناك في مكان ما، عين تختلس النظر، وترتشف بالتذاذ تفاصيل القوام البهي.
من مكانه، في إحدى شرفات القصر، رأى الهدهد ما حدث، فاعتصر قلبه الندم.
منذ ذلك الحين، أقسم الهدهد بأن لا ينقل مطلقا الأخبار بين البشر، وأن يلزم الصمت إلى أبد الآبدين.
17
المومياء
في كل خطوة خطاها "نابليون" نحو مصر، ظل يداعب خياله حلم، بأن يعثر هنالك على "كليوباترا" أخرى، ينسج صحبتها قصة حب، تخلد ذكراها في وجدان البشر.
جد نابليون في البحث، ونصب عينيه ما حدث منذ زمن سحيق بين "أنطونيو" ومعشوقته "كليوباترا" .
لم يأل جهدا في سبيل تحقيق مبتغاه، لكن بعد مدة طويلة من التقصي، اقتنع أخيرا، أن المرء ليس بوسعه السباحة في نفس النهر مرتين.
حينذاك حمل معه مومياء، وعاد، قانعا بغنيمته إلى فرنسا.
18
دخان أسود
حين أضرم "نيرون" النار في روما، تصاعد إلى السماء دخان كثيف، فتشكلت سحابة سوداء، ما فتئ حجمها يتزايد مع الزمن.
في قرية لا تبعد كثيرا من روما، لاحظ الأهالي خيط الدخان المتصاعد، فتساءل أحدهم:
-ما هذا الدخان الأسود؟
أجاب أخر:
-يبدو أن الكرادلة لم يتفقوا بعد على خليفة للبابا.
19
أبراهام
مبتهجا بغنيمته، عاد أبراهام من مصر، وأحلام بالثروة والجاه وسلالة من الأنبياء تدغدغ خياله.
في طريقه بسيناء، كان بين الفينة والأخرى، يهش على غنمه، ويتفقد عطية الفرعون بكثير من الحرص والاغتباط.
في لحظة ما، تطلع "أبراهام" إلى "ساراي".. التقت نظراتهما.. لمح في عمق عينيها نظرة، أدرك معناها جيدا، فران عليه غم ثقيل.. أبدا لم تفلح في إزاحته عن صدره، لا الثروة ولا الجاه ولا سلالة الأنبياء.
20
مترادفات
أمامي على المنضدة، تتمدد شبكة كلمات متقاطعة.. منهمكا كنت في محاولة إنهائها..
في الأعلى: "كأس تشرب".. حرف الحاء في الخانة الأولى.. الألف منتصبة في الخانة الثالثة.. فقط أحتاج حرفين.. فجأة لمعت في ذهني لفظة "حمام" أي الموت.. كتبتها..
في الوسط نهاية لا مفر منها (معرف).. في الخانة الرابعة حرف الدال.. لم أجد صعوبة في العثور على الكلمة "لردى" أي الموت.. كتبتها.
في الأسفل "مرتبط باللحد".. الحرف الأخير التاء.. لم أفكر في شيء.. فقط كتبتها "الموت".. لحظتئذ، تسلل بعض الضجر إلى نفسي.. فقدت الرغبة في إنهاء هذه اللعبة التافهة..
وضعت القلم.. شرد ذهني قليلا.. حين ببصري إلى المنضدة.. اختفت الشبكة..
21
العش
قبيل مرسم التوالد،
جدت العصفورة في بناء عشها قشة، قشة..
حين أزف المواعد، وضعت بيضها..
لم تكن تدري أن عصفورة أخرى تترصد، عن بعد، تحركاتها.
طارت العصفورة بحثا عن الغذاء..
اغتنمت العصفورة الأخرى فرصة غيابها.
رفرفت في اتجاه العش..
أزاحت البيض منه. وضعت بيضها، ثم توارت عن الأنظار.. حين عادت العصفورة الأولى، حامت حول العش للحظة، ثم حطت على إحدى حواشيه..
تأملت البيض برهة، التفتت يمينا وشمالا..
ثم حضنت البيض، في انتظار أن ينفقس.
22
الكلب
أحضر الرجل، إلى بيته، كلبا..
خوفا من هروبه، أحكم وثاقه.
ثائرا، غاضبا ظل الكلب يترنح متوترا، وعنه تصدر زمجرة، لا تلين حدتها.
ذات صباح، تأمل الرجل الكلب، فتألم لحالة. دون تردد عمد إلى فك وثاقه.
منتشيا بحريته، انطلق الكلب يعدو في كل الاتجاهات.
بعد لحظات احتجب عن النظر.
لم يمض زمن طويل، حتى عاد الكلب هادئا مستسلما..
وأمام ذهول صاحبه، توجه- مباشرة- نحو وثاقه.
23
عشق
حملت حمامة زاجلة رسالة عشق..
تخير فيها العشيقة عشيقها، بأنها إن لم تتلق منه ردا، قتلت نفسها.
كتب العشيق الرد...
طارت به الحمامة نحو العشيقة..
في طريقها صادفت بازا صيادا.. انقض عليها..
انتظرت العشيقة أسبوعا، أسبوعين.. شهرا،شهرين.. عاما، عامين..
لكنها بعد ذلك، نسيت أمر الرسالة والعشيق..
24

ظل
تفقد الرجل ظله، فلم يجده..
عبثا بحث عنه في كل مكان.
فجأة تراءى له ملقى في القمامة.
متلهفا، دلف نحوه..
التقطه..
لمعه جيدا.
ثم ألصقه به من جديد.
25
النورسة
هنالك في أعماق المحيط. حلقت نورسة جائعة.. عبثا ترقبت ظهور سمكة.. قوة الرياح أنهكتها. فهدها التعب. فجأة لاح لها، من بعيد، مركب صيد صغير، يتقاذفه المرج.. تمنت لو تستطيع أن ترسو عليه هنيهة لتستجمع أنفاسها، وتحلق من جديد.. لمحها الصياد، وقد أنهكه تقلب المرج.. تنمى، لحظتها، لو كان له جناحاها، لغادر المحيط في لحظات.
26
ديانا
في أعماق قلبها طفقت الأميرة تشيد هرم خوفو لبنة لبنة..
حين أوشكت على وضع الحجر الأخير، خاتلتها الملكة..
سحبت من قاعدة الهرم حجرا..
أنهدم البناء، فتصدع قلب الأميرة.
27
قمر
قبيل جلائها، أهدتنا فرنسا قمرا..
تسلينا كثيرا برؤيته..
لكن بعد اختفائه، اكتشفنا أنها رحلت..
وقد أخذت معها الزر الذي يُشْعِله.
28
مبدأ
اعتدل القاضي في جلسته.. تأمل مليا المتهم.. من جديد نظر في أوراقه.. لرابع مرة يمثل هذا الشخص أمامه بنفس التهمة.
أمام استغراب الجميع، غادر القاضي مقعده.. توجه نحو المتهم صافحه بحرارة.. ثم عاد إلى مقعده.
لحظتها مال نحوه المدعى العام.. سأله هامسا:
-لم فعلت ذلك سعادة القاضي؟
دون تردد أجابه:
-صافحت فيه الثبات على المبدأ.
29
انقراض
كانا متقابلين.. بينهما تفصل كراس متعددة.. وحيدة – مثله – تجلس في ركن قصي.. بين لحظة وأخرى يختلس النظر إليها.. ساهمة كانت، تعبث بخصلة من شعرها.. في لحظة ما، التقت نظراتهما..
ابتسم.. ابتسمت..
حرك رأسه.. حركت رأسها
رفع يده.. رفعت يدها..
حينذاك أيقن أن البشرية أبعد ما تكون عن خطر الانقراض.
30
سرنمة
فجأة غادرت الفتاة مضجعها..
مغمضة العينين قصدت النافذة..
فتحتها على مصراعيها..
تسرب داخل الغرفة تيار هواء بارد..
بلطف داعب خصلات شعرها..
تملكها يقين أنها – لحظتها – على قمة جبل جليدي..
روعة البياض سلبت لبها..
متعجلة انتعلت حذاء التزلج..
أوشكت – حينئذ – أن تتزحلق نحو سفح الجبل..
لكن يدا ما باغتتها، وقادتها، بلطف، نحو سريرها.
31
برتقالة
إلى أحمد بوزفور
صباحا فتحت باب الثلاجة.. مددت يدي داخلها.. تناولت برتقالة.. متلذذا شرعت أقشرها.. فجأة أمام ذهولي، تحولت البرتقالة إلى سيارة أجرة صغيرة حمراء.. شيئا فشيئا استحالت دهشتي إعجابا بالسيارة.. بتؤدة فتحت بابها الخلفي.. انبثق منها الكاتب متأبطا أوراقه.. مددت يدي نحوه.. دون تردد سلمني إحداها.. متلهفا قرأتها.. إنها قصة سيارة أجرة، تحولت إلى برتقالة..
32
مخاتلة
من بعيد لمح أدونيس الحلاج،
متثاقلا يمضي متكئا على عصاه..
بخطوات خرساء دلف نحوه..
حين أدركه تأمله لحظة،
ثم خاتله، وانتزع منه العكازة..
انكفأ الحلاج على وجهه، لا يدري ما أصابه.
أحكم أدونيس قبصته على العكازة..
بتحبب مرر عليها راحته.. فجأة انقلبت العصا فرسا مجنحه..
دون تردد امتطاها، فحلقت به في الأجواء البعيدة.
33
تحية
في بيت منعزل خارج المدينة،
كان رجل يتمدد على أريكة.
سمع أزيزا قويا.
خمن أن طائرة تحلق على ارتفاع منخفض، داخلها يجلس رجل.
حانت منه التفاتة نحو البيت المعزل،
فكر أن داخله رجلا وحيدا، ودّ لو يلقي عليه التحية.
لحظتها ابتسم الرجل، ورفع يده رادا على تلك التحية.

34
منطق
بعد قراءته المتكررة لسير العظماء.
لاحظ الرجل أن أكثرهم مات منتحرا.
بكثير من الرهبة استعرض أسماءهم:
هرقل.. كليوباترا.. هنبعل.. نيرون...
أخيرا استنتج ما يلي:
"لكي يكون المرء عظيما، لزاما عليه أن يموت منتحرا".
35
نيزك
رأت جدتي ضوءا لامعا، بسرعة خاطفة يمرق في القضاء.
متأثرة نظرت إلى مليا، ثم قالت:
-عمر أحدهم انقضى، يا بني.. نجمة ما قد سقطت.
أجبتها:
-ليس ذلك سوى نيزك، دخل الغلاف الجوي فاحترق.
نظرت جدتي إلى مليا، ثم قالت:
-لقد أفسدت الكتب عقلك يابني.

ن.ليلـى
09-09-2007, 01:46 PM
36

اكتشاف

من مكانها المتواري،

اختلست المرأة النظر..

رأت زوجها.. بتودد يحادث ابنتهما.

بكثير من الفصول تطلعت إلى القناة.

على شفتيها لمحت ابتسامة امرأة ناضجة،

فانصعقت.

أحست، لحظتها، وكأنها تكتشفها لأول مرة.

حينذاك أيقنت المرأة،

أن مرحلة من عمرها قد انقضت،

وما عليها سوى أن تستعد لمرحلة جديدة.

37

السيدة

في المقهى المقابل للعمارة، جلست السيدة تحتسي عصير برتقال.. في لحظة ما، أطلت الخادمة من النافذة وهي تمسك بين يديها كلبا.. رأت سيدتها، فلوحت لها بيدها محيية.. وكأنها لا ترى شيئا البتة، تجاهلتها.. عبثا كررت الخادمة المحاولة.. أخيرا اقتنعت بأن لا فائدة من إصرارها، فاختفت.. وحده الكلب ظل في مكانه يحملق في الفراغ..، اختلست السيدة نظرة ثانية نحو النافذة.. أبصرت الكلب لوحده، فابتهجت.. دون تردد رفعت يدها له ملوحة.. لكن الكلب كان منشغلا – إلى أبعد الحدود – بأمر آخر.. أبدا لا يمكن للسيدة أن تدركه..

38

الشيطان

في محرابه، وقد تملكته لحظة تأمل، تبدى له الشيطان فجأة.. حملق فيه برهة، ثم سأله:

-ماذا تفعل؟

دون تردد أجابه:

-أكتب قصصا.

مستغربا أردف الشيطان:

-ولم تفعل ذلك؟

فكر هنيهة، ثم رد عليه:

-لا أملك إلا أن أفعل.

على ملامح الشيطان ارتسمت سيماء الاستهجان.. رمق الكاتب بنظرة ازدراء، ثم تركه وذهب.

39

الأسير

بينما كان الأسير يتعثر في أغلاله، التفت فجأة نحو الجندي الذي يأسره.. التقت نظراتهما لحظة، ثم أبعد كل منهما بصره عن الأخر. بعد هنيهة أعادا الكرة.. علق الأسير ابتسامة على شفتيه الشاحبتين، فيما حافظ الجندي على صلابة ملامحه.. بعد تردد قال الأسير:

-لم لا تقتلني؟

تجاهله الجندي، فأعاد عليه السؤال.. نظر إليه مليا ثم أجانه:

-أسرك أفضل من قتلك.. سأنال – جراء ذلك – وساما..

أردف الأسير سائلا:

-وفيم يفيدك ذلك الوسام؟

دون ترد أجاب الجندي:

-إنه المجد والشرف.. سلالتي ستتوارث ذلك وتتفاخر به ..

صمت الأسير لحظة، ثم استفسره:

-وهل أنت متأكد من أنها ستفعل ذلك؟

شرد الجندي برهة، ثم قال:

-الحقيقة، لست متأكدا من شيء، لكن الأمور تتم بهذا الشكل ..

نظر كل منهما إلى الأخر، ثم تابعا سيرهما نحو المعسكر.

40


البهلوان

حين انتهى التوحيدي من ذكر ما لديه، خاطبه الوزير كعادته قائلا:

-هات، يا أبا حيان، ملحة الوداع.

فكر التوحيدي لحظة ثم قال:

-في سالف العصر ولأوان، كان ملك من بني ساسان، يستقدم حكيما يستنصحه، وحين يقضي منه حاجته، يأمره الإتيان بما يضحكه..كان يفعل ذلك ليذكره، دوما، بأنه مهما عظم شأنه، فهو ليس سوى بهلوان..

ضحك الوزير – أضحك الله سنه – وغادر التوحيدي المكان.

41

لحظة سلام

في حديقة الحيوانات، كانت الأسود خاملة، تجثم في أقفاصها.. على بعد خطوات، ترمق الغزلان، ترتع العشب، مطمئنة وبلا حذر.. بين لحظة وأخرى كانت الغزلان ترفع رؤوسها، فتفاجئها الأسود بحضورها المركب.. تضطرب برهة، ثم لا تلبث أن تستعيد هدوءها، فتشخص إلى الأسود بنظرات جانية.. وكأنها بذلك، تحن إلى لحظة من زمن مضى، حين حشر نوح في سفينته، قبيل الطوفان، أنواعا من الحيوانات، ليجنبها الهلاك.

حينذاك تحققت لحظة سلام فريدة، أبدا لم تتكرر إلا في حدائق الحيوانات.

42

الصومعة

من شقته في الطابق العلوي للعمارة، تطلع إلى الصومعة. للحظات تأمل شكلها، ثم عاد بنظره داخل الغرفة.. اصطدمت عيناه بصورة فرويد تزين غلاف كتاب..من موقعها في الرف كانت تشرف على الصومعة، تتأملها بما يشبه الاستغراق.

لفترة من الزمن شرد ذهنه، ثم شقت ابتسامة طريقها نحو شفتيه.

43

تأهب

على بعد خطوات من القفص، كان القط في حالة تأهب قصوى. لم يبال العصفور بتحفزه.. بلا مبالاة طفق ينتقل برشاقة داخل القضبان.بين لحظة وأخرى، تتوقف حركته، يدخل منقاره الرفيع في علبة، وبانتشاء يشرع في التقاط الحب، ثم لا يلبث أن ينخرط في وصوصة مسترسلة...

بعد فترة وجيزة، تسترخي عضلات القط، وترتسم على ملامحه مسحة من الوداعة، وكأنه اقتنع أخيرا، ألا جدوى من استنفاره.

من مكانه ظل القط يرقب العصفور، وقد دب في أعماقه شيء من اليأس، لكن ما إن يسري داخل القفص بعض النشاط، حتى يتحفز القط من جديد، متأهبا للانقضاض.

44

متاهة

استوقفتني يوما، عبارة لم أستوعبها جيدا.. من أجل فهمها كان لزاما على إعادة قراءة الكتاب بأكلمة. حين أنهيته، لم يتحقق مرادي فقط أحالني الكتاب على كتب أخرى، قد تسعفني في فهم تلك العبارة.

لردح من الزمن عكفت على مجموعة من الكتب.. تباعا أقرأها وبلا ملل، بيد أن تلك العبارة ظلت مستعصية على الفهم، لا تلين عريكتها.

إلى يومنا هذا، لازلت أطاردها، كلما وقعبصري على كتاب، عزيت نفسي قائلا: "ربما سأتمكن أخيرا من قهر تلك العبارة".. لكن عبثا أحاول وأحاول.. فكل كتاب يحيلني على كتاب أخر، وكأن في الأمر خدعة، أحكمت علي قبضتها، لتقذف بي في متاهة، يستحيل الخروج منها.

45

المتشائل

لأنه متفائل، حين قُدمت له كأس ممتلئ نصفها، اكتفى بالنظر إلى النصف الممتلئ، فابتهج.

أما المتشائم، حينما قدمت له نفس الكأس، ركز بصره على النصف الفارغ، فاكتأب.

ولأنني لست متفائلا، ولا متشائما، حينما قدمت لي الكأس ذاتها، نظرت إلى النصفين معا، فاجتاحني مزيج متناقض من الأحاسيس.

46

الشبيهة

عبر النافذة تسللت فراشة داخل الغرفة.. في أجوائها حامت فترة من الزمن.. بعد هنيهة حطت على المرأة.. باندهاش التقطت عيناها شبيهتها.. ابتهجت.. حركت جناحيها جذلة.. قلدتها الشبيهة.. فجأة سمعت باب الغرفة يفتح، فانتفضت هاربة.. تسللت إلى الخارج.. هناك ظلت عبثا تنتظر شبيهتها.. بعد لحظات أغلقت النافذة.. حينئذ أيقنت الفراشة بألم، أن الشبيهة قد هلكت.

47

احتمالات

أخذ الكتاب بين بدية.. متلهفا طفق يقلب صفحاته.. فجأة تملكته بلا رحمة، فكرة أن يتسبب الكتاب في موته..

احتمال أول:

- إنه يقرأ حكاية الملك يونان والحكيم دويان من كتاب ألف ليلة وليلة.

احتمال ثان:

- إنه يقرأ كتاب "اسم الوردة" لأمبيرطو إيكو.

احتمال ثالث"

- إذا تعرفت على هذا الاحتمال.. فإنك – بلا جدال – تستحق صفة مثقف.

48

تجدد

فجأة أمام عينه الذاهلتين سقط الرجل..بهستيرية أخذ يرفس الهواء بيديه ورجليه.. ومن فمه يتدفق الزبد.. بعد هنيهة بدأ جلده يتمزق، ثم سرعان ماانبثق من داخله رجل يشبهه.. رويدا رويدا، ظهر إلى العلن.. انتصب وافقا.. نظر حوله.. عمد إلى ملابس الرجل الأول.. ارتداها.. ثم لملم البقايا من على الأرض.. في صندوق قمامة رماها، ثم تابع طريقة، منشتيا بتجدده.

49

صرخة

دون عناء، انزلق الجنين من أحشاء أمه.. كقطعة لحم دبقة استقر بين دي المولدة.. تفحصته مليا.. هادئا كان وفي صحة جيدة.. شيء واحد أقلقها: إنه لم يصرخ.. "كل مولود جديد، لزاما عليه، أن يعلن عن قدومه بصرخة".. شرد ذهنها لحظة.. ثم أمسكت الصغير من قدميه تدلي إلى أسفل.. هوت على مؤخرته بضربات خفيفة وسريعة.. تألم الوليد فأفرج عن الصرخة..

50

خبرة

حل فصل الخريف..

تباعا جفت الأوراق وتساقطت..

وحدها ورقة تمسكت بالبقاء..

هادنت الرياح..

قاومت أمطار الشتاء القوية..

حين أزف فصل الربيع..

من جديد ظهرت الأوراق..

مبتهجة تطلعت إليها الورقة المخضرمة..

وهي الآن، تفكر – جديا – في نقل خبرتها إليها.

51

سعادة

مثقلا بالهم دخل الحانة..

شرب كأسا.. كأسين.. ثلاثة..

تدريجيا انحلت عقدة ما داخل صدره..

تيار الفرح تسلل إلى قلبه..

ما فتئ – مع مرور الزمن – أن أصبح جارفا..

قهقهات الانتشاء فكت من عقالها..

متوهجة انطلقت، تطيح بما تبقى في قلبه من هم..

لحظتها أدرك الذروة، فتردد في أعماقه:

"الله.. كم هو بخس ثمن الفرح !"

52

رقصة

ذات صباح حامت نحلة حول زهرة يانعة.. حركاتها المتناسقة أثارت انتباهها، فاشرأبت نحوها بكثير من الفضول.. بعد لحظات حطت على تويجها.. لم تتمالك الزهرة نفسها، فهمست قائلة:

-"رقصك جملية".

ارتبكت النخلة ثم دارت خجلها وقالت:

- "حقا؟.. هل أعجبتك؟"

ابتسمت الزهرة وقالت:

- "كم أتمنى أن أرى رقصتك كل صباح"

بغنج أجابت النحلة:

- "أعدك بذلك".. ثم امتصت بعض رحيقها ورحلت.

53

رغبة

في لحظة ما، دنا طفل من أمه.. في كل خطوة خطاها نحوها، كانت رائحتها تتملك عليه حواسه.. التردد يختلج على سحنته.. وفي أعماقه توق إلى أن يتمرغ في أحضانها، كما كان يفعل في وقت مضى، وأن يرشف بانتشاء عبق سحرها الأخاذ.. رشقته الأم بنظرة لم يفقه كنهها .

حين أوشك أن يرتمي في حضنها، إحساس غامض خالجه، فنكص على عقبيه، وقد اعتراه بعض الخجل.

لحظتها فقط، تذكر أن موعدا قد أزف، وهناك يستطيع أن يشتم رائحة تشبه رائحة أمه، دون يكبله الخجل.

54

كابوس

هبت الطفلة من نومها فزعة.. هرولت الأم نحوها.. ضمتها إلى صدرها، ثم سألتها:

-ما بك يا ابنتي؟

بصوت متهدج، يخالطه نحيب متقطع أجابت:

- كلب شرس يطاردني.. أوشك أن يعضني يا أمي.

صباحا أخذت الأم ابنتها إلى "فقيه" ليعد لها تعويذة..انبهر الفقيه بجمال الطفلة، فالتمعت في عينيه نظرة، كانت قد رأت مثلها في عيني شخص تعرفه جيدا.. ارتعبت الطفلة، فانطوت ذاتها..

حين حل الليل، رافقت الأم ابنتها إلى الفراش.. ظلت بجانبها إلى أن نامت..

لم يمض زمن طويل، حتى لعلعت في البيت صرختها.. أٍسرعت الأم إليها.. حضنتها بلطف ثم سألتها:

- الكلب ثانية يا ابنتي؟

مرتعبة أجانب الطفلة:

- بل كلبان يا أمي.

55

عولمة

صعد الزعيم إلى المنصة

لعن العولمة،

والإمبريالية،

واقتصاد السوق.

أحس – فجأة – بغلة تكتسح جوفه..

أومأ إلى أحدهم،

فأحضر له – دون تباطؤ -

زجاجة كوكاكولا.

56

اختيار

حدث صديق صديقة فقال:

لو قدر لك أن تكون إحدى شخصيات ملحمة جلجامش، أيها تختار؟

حائرا تطلع الصديق إليه لا يحير جوابا.. فأردف قائلا:

أتختار شخصية جلجامش، أم شخصية "أنكيدو"؟

فكر الصديق لحظة ثم أجاب:

- بل أختيار شخصية "لأفعى".

57


صفعة

غضب الأب..

صفع ابنه صفعة قوية ..

أحدثت في رأسه أزيزا..

تردد صداه، في مسمعه ، زمنا طويلا..

حين كبر ، أغضبه ابنه يوما.. رفع يده ليهوي عليه بصفعة..

لحظتها اخترقه الأزيز..

خفق قلبه بشدة..

تذكر بألم صفعة أبيه..

أغمض عينيه..

فتحهما..

ثم هوى على خد ابنه بصفعة قوية.

58


كذبة

"كل قصة هي كذبة متفق عليها ضمنيا بين الكاتب والقارئ" هذا ما تردد في ذهنه، وهو يقرأ القصة تلو الأخرى. حين قرأ الإلياذة، استوقفته حكاية "حصان طروادة".. ما إن أنهى قراءتها، حتى علق قائلا:

- "لقد طفح الكيل".

59

الهدية

فجأة ودون سابق إنذار، تملكته أريحية، لم يعهد مثلها من قبل ..

تحت تأثير حالته الجديد، فكر أن يقدم هدية لأحد معارفه.

من أجل اختيار أحدهم، وضع لائحة بأٍسماء من يعرفهم، وفق يشطب عليها واحد تلو الأخر.

لم يمض زمن طويل، حتى أتى على أخر في لائحته.. حينها اكتسحه إحساس مرير بالتعاسة، لأنه اكتشف بحسرة، أن ليس هناك من معرفة من يستحق الهدية.

حسرته لم تدم سوى لحظات، إذ سرعان ما انبثق من أعماقه فرح عارم، حين قرر أن يقدم الهدية لنفسه.

-60

ثورة*

أطلت زوجة الحاكم من شرفة قصرها.

رأت جحافل الشعب ثائرة.

سألت وصيفتها قائلة:

- لماذا يفعلون ذلك؟

أجابت الوصيفة:

- إنهم يطالبون بالخير، لقد أنهكهم الجوع.

مستغربة تساءلت زوجة الحاكم:

- ولم لا يأكلون الحلوى؟


*أحداث هذه القصة وقعت بالفعل.


61

الزوج

توقف القطار.. عانقت الزوجة زوجها مودعة.. بعد هنيهة ابتلعتها مقطورة.. عبر الزجاج أطلت عليه، وعلى ثغرها ابتسامة رحبة.. رد الزوج بأخرى أقل رحابة.. تحرك القطار، ثم ما لبث أن اختفى عن النظر.. لحظتها أجال الزوج بصره في المحطة.. لمح امرأة شاردة الذهن.. تأملها برهة.. بغتة داهمه إحساس بأن المرأة – لا ريب – ودعت زوجها.. وأنه اللحظة قد يكون في نفس المقطورة، حيث تجلس زوجته.

62

ادخار

تملكته الرغبة في شراء سيارة..

من أجل تحقيق ذلك قرر ادخار قدر من المال كل شهر..

في الشهر الأول ادخر ألف درهم..

في الشهر الثاني ادخر ألفا أخرى..

ثم ما لبث أن ضاعف المبلغ..

بعد سنة عد مدخراته..

داهمه انتشاء عظيم، وهو يقلب الأوراق النقدية بين يديه حينذاك صرف النظر نهائيا عن شراء السيارة..

قرر أن يستمر – إلى ما لا نهاية – في لعبة الادخار..

61

الغرفة

في العمارة المقابلة لبيته..

انبلج الضوء فجأة..

لاح خيال امرأة،

جابت أرضية الغرفة فترة، ثم اختفت..

انطفأ الضوء..

ثم ما لبث أن اشتعل من جديد..

هذه المرة لمح ظل رجل يتسكع داخل الغرفة..

لم يمض زمن طويل حتى اختفى الضوء..

حين عزم على النوم، أضيئت الغرفة من جديد..

بفضول تطلع إليها..

رأى ظل الرجل يحمل شيئا، ويغادر الغرفة..

ثم انطفأ الضوء.

62

خيانة

أبدا لم أخن زوجتي.

قال الرجل بلهجة واثقة.

فحين أختلي بامرأة ما..

أغمض عيني..

أستحضر زوجتي، فأشعر بأنني في حضنها..

إنني أتمتع بقوة خيال لا تضاهى..

63

كلمة

مرتبكا انتصب أمامها..

فقط يحتاج كلمة واحدة ليحسم الأمر.. نظر إليها مليا..

استهجن أن تمتلك كلمة واحدة كل هذه القوة..

حينذاك استحسن حسم الأمر بكلمتين..

حائرا ظل يبحث عنهما..

عبثا حاول العثور على الكلمتين المناسبتين..

حين يئس من ذلك، أشاح وجهه عنها وقد داهمه صمت مقيت.

64


نظرة

ثمة شيء غريب حيره في نظرتها، وكأنه احتجاج صامت.. قضى وقتا طويلا يحاول فك لغر تلك النظرة. حين لم يفلح في محاولته، توجه نحوها مباشرة، خاطبها قائلا:

- منذ مدة وأنا ألمح في عينك نظرة، لم أفهم معناها جيدا.

فاجأها كلامه.. التزمت الصمت، فأردف قائلا:

-أهناك شيء يزعجك؟

شردت لحظة، ثم أجابت:

- فقط كنت أفكر في تطلعك الدائم في عيني، وكأنك تبحث عن شيء أجهله.

65

لعبة

مستطلعا رفع عينيه نحو السماء.

رأى سحبا تتشكل على سجيتها.

بين لحظة وأخرى تتخذ هيئات مختلفة..

لذ له أن يصنع منها ما يشاء:

رأس كلب.. خارطة إيطاليا.. أذني حمار..

أبهجه ذلك، فقرر – منذئذ – أن يجعل من السماء لعبته المفضلة.


66

تشبيه

وهو يكتب قصته الطويلة، كان عليه أن يجد تشبيها مناسبا للطريق.. وضع القلم جانبا.. غاص في أعماقه باحثا.. فكر أن يشبهه بثعبان متمدد، لا نهاية لطوله.. في نفسه قال: إنه تشبيه مبتذل.. نظر إلى أعلى، ثم إلى الأسفل.. لم لا يشبهه بنهر متجمد، بدل أن يجري ماؤه يجري الناس فوقه؟.. لم يستلطف الفكرة.. من جديد غاص عميقا في ذاته.. فكر أن الطريق شاهد صامت على أحداث وقعت منذ الأزل..لو نطق يوما، لأذهلنا كلامه، وأصابنا الخرس.. حينذاك أمسك القلم من جديد وكتب:

"الطريق شريط من الذكريات"

داليا الهواري
09-09-2007, 05:52 PM
نتابعك ليلى
و إن كنت أتمنى لو كتبت لنا نبذة عنه ليتعرف القارئ عليه ككاتب من الجيل الأدبي الجديد إن صح التعبير..
تقبلي مروري

ن.ليلـى
10-09-2007, 03:12 AM
نتابعك ليلى
و إن كنت أتمنى لو كتبت لنا نبذة عنه ليتعرف القارئ عليه ككاتب من الجيل الأدبي الجديد إن صح التعبير..
تقبلي مروري
انت تأمري يا داليا
إليك نبذة عن الاستاذ مصطفى الغتيري



مصطفى لغتيري



من مواليد 1965 بالدارالبيضاء

عضو اتحاد كتاب المغرب

خريج كلية الآداب والعلوم الإنسانية

حاصل على

جائزة النعمان الأدبية من لبنان

تكريم الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب

جائزة ثقافة بلاحدود من سوريا

الإصدارات

هواجس امرأة - مجموعة قصصية- منشورات وزارة الثقافة-2001

شيء من الوجل -مجموعة قصصية -دار القرويين 2004
http://www.arabiancreativity.com/laghtiri.jpg

مظلة في قبر -قصص قصيرة جدا-منشورات القلم المغربي2006

"رجال وكلاب "- رواية- منشورات إفريقيا الشرق2007

كتب جماعية

مناررات-مختارات من القصة المغربية الجديدة-منشورات الزمن1999

أنطولوجيا القصة المغربية- منشورات وزارة الثقافة2005

seef
10-09-2007, 09:29 PM
الاخت ليلى مشكورة جدا على مانقلت من قصص قصيرة ورائعه..
انا اعشق القصص القصيرة ولي في المشهد مرة اخرى مشاركة
احسنت الاختيار دمت بخير ..

ن.ليلـى
16-09-2007, 02:14 PM
الاخت ليلى مشكورة جدا على مانقلت من قصص قصيرة ورائعه..
انا اعشق القصص القصيرة ولي في المشهد مرة اخرى مشاركة
احسنت الاختيار دمت بخير ..

سيف شكرا للمرور انا ايصا اعشق ال ق.ق.ج
ولكني لم احاول بعد كتابتها
مارأيك في هذه؟؟
:nn
مودتي القائمة ابدا

emana32
18-09-2007, 03:41 AM
خالص الشكر و التحية ...قصص على الرغم من قصرها الا انها معبرة بشكل غير عادى ..تحياتى ..

ن.ليلـى
07-10-2007, 08:10 AM
خالص الشكر و التحية ...قصص على الرغم من قصرها الا انها معبرة بشكل غير عادى ..تحياتى ..

الشكر التام لحضورك وللاهتمام بالموضوع
تحياتي واحترامي

عمر بك
08-10-2007, 12:52 AM
كاتب رائع جداً .. أرجو أن تسعفينا بالبقية ..

شكراً .

ن.ليلـى
24-10-2007, 01:43 AM
كاتب رائع جداً .. أرجو أن تسعفينا بالبقية ..
شكراً .
:2_12:
لن أبخل ولو ان عمي قوقل اسخى مني:ops2:
مودتي