PDA

View Full Version : رسالة في اللاهوت و السياسة - باروخ سبينوزا



jbahar
13-09-2007, 01:11 AM
هذا البحث تابع لموضوع قصة الفلسفة

باروخ سبينوزا

"هؤلاء الذين يريدون البحث في أسباب المعجزات, وفهم ظواهر الطبيعة كالفلاسفة, والذين لا يكتفون بالتحديق فيها في دهشة كما يفعل الأغبياء, سرعان ما نعتبرهم ملحدين كفرة."

ولد سبينوزا في عام 1632 م في أمستردام عن عائلة برتغالية من أصل يهودي تنتمي إلى طائفة
المرانوس .. كان والده تاجرا ناجحا و لكنه متزمت للدين اليهودي، فكانت تربية باروخ أورثودوكسية، ولكن طبيعته الناقدة و المتعطّشة للمعرفة وضعته في صراع مع المجتمع اليهودي. درس التلمود
في ايشيبا (مدرسة يهودية) من 1639"حتى 1650

ليس هناك تفصيلات عما درسه سبينوزا في هذه المدرسة ولكن لأن المدرسة كانت يهودية فمن المعتقد أنه درس شيئا من التلمود والتوراة وبعض شروحهما، ويعتقد كذلك أنه درس تاريخ بعض الشخصيات اليهودية وأعمالها مثل موسى بن ميمون (ت 1204م) وأبراهام بن عزرا (ت 1164م).وهما عالمان يهوديان مشهوران بين اليهود كانا قد نشئا ودرسا في الأندلس.
في آخر دراسته كتب تعليقا على التلمود. وفي صيف 1656 نُبذ سبينوزا من أهله و من الجالية اليهودية في أمستردام بسبب إدّعائه أن الله يكمن في الطبيعة والكون، وأن النصوص الدينية هي عبارة عن استعارات ومجازات غايتها أن تعرّف بطبيعة
اللهّ. بعد ذلك بوقت قصير حاول أحد المتعصبين للدين طعنه. من 1660 حتى 1663
أسس حلقة فكر من أصدقاء له و كتب نصوصه الأولى. من 1663 حتى أقام في رينسبرج كتب فيها رسالته في تحسين العقل, وكتاباً اسمه الأخلاق مؤيدة بالدليل الهندسي و ثم بعد نشر كتابه رسالة في اللاهوت و السياسة
ذهب ليستقرّ في لاهاي حيث اِشتغل كمستشار سرّي لجون دو ويت. توفّي سبينوزا في 21 أبريل 1677

فلسفته و فكره:
يعد باروخ سبينوزا واحداً من أشهر فلاسفة العصر الحديث في الغرب وواضع أسس الفلسفة العقلية التي ظهرت في القرن الثامن عشر ويعتبره اليهود أشهر فلاسفتهم على الإطلاق.
وقد قيل عن سبينوزا أنه فيلسوف مقنع يقول نصف الحقيقة و يترك النصف الآخر للذكاء أو للتاريخ أو للتطور الطبيعي. لم يحاول سبينوزا أن يضع مبدأ ثابت كمذهب, ومع ذلك فقد أثرت أفكاره في جميع الفلسفات التي جاءت من بعده, يقول عنه هيجل" إن من يريد أن يكون فيلسوفاً فعليه أن يقرأ سبينوزا أولاً
إن من أهم ما يميز سبينوزا هو سيره على منهج ديكارت و تطبيقه لهذا المنهج في المجالات التي لم يخض فيها ديكارت و هي المجال الديني و السياسي. ونتيجة لدخوله هذه المجالات فقد تم تشريده و حرمانه من الكنيس اليهودي على العكس من ديكارت الذي ربما نستطيع أن نقول بأنه قد هادن رجال الدين: ينبغي قبل كل شيء أن نتمسك بقاعدة تعصمنا من الزلل وهي أن ما أوحاه الله هو اليقين الذي لا يعادله يقين آخر إذاً نرى ديكارت متفق تماماً مع رجال الدين في إثبات العقائد, فالغاية واحدة هي إثبات وجود الله, وخلق العالم, و خلود النفس, وهي القضايا الدينية الثلاث في كل فكر ديني تقليدي.
إن الفكرة المركزية في ديكارت هي الوعي, و أن العقل يعرف نفسه بشكل مباشر أكثر من مقدرته على معرفة شيء آخر, و أنه يعرف العالم الخارجي فقط عن طريق أثر ذلك العالم على العقل بالإدراك الحسي, وبناء عليه يجب أن تبدأ كل الفلسفة بعقل الفرد وذاته, وتبدأ نقاشها الأول في كلمات ثلاث,
أنا أفكر إذاً فأنا موجود. لكن هذه الناحية من فلسفة ديكارت لم تثر اهتمام سبينوزا, فهو يريد أن يخرج من متاهة المنطق و المعرفة, و لكن الشيء الذي أثار اهتمامه في منهج ديكارت هو ما ذهب إليه في أن الوجود ينحل إلى عنصرين. عنصر متجانس تنطوي تحته جميع أشكال المادة, وعنصر متجانس آخر يندرج تحته جميع أشكال العقل. و هذا التقسيم كان تحدياً صريحاً لفكر سبينوزا الذي يدعو إلى التوحيد. و الشيء الآخر الذي جذب انتباه سبينوزا لديكارت, هو تفسيره للعالم كله ما عدا الله و النفس بالقوانين الآلية و الرياضية. وهي فكرة تعود إلى ليونارد و جاليليو. حيث قال ديكارت بأن الله قد دفع العالم الدفعة الأولى. و هكذا بقي تفسير كل الظواهر الفلكية و الجيولوجية متبعا هذا المبدأ, فكل حركة إنسان أو حيوان هي حركة ميكانيكية آلية, وكل جسم عبارة عن آلة, ولكن خارج العالم نجد إلهاً كما في داخل الجسم روحاً. وهنا توقف ديكارت. أما سبينوزا فهو الذي طبق منهج الأفكار الواضحة و المتميزة في ميدان العقائد و الدين, فليس العقل فقط هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس, بل هو أيضاً أفضل شيء في وجودنا.
لذلك فقد عزم على أن يعيد فحص الكتاب المقدس بحرية تامة, وأن لا يقبل شيء إذا لم يخضع لسلطان العقل و التجربة. أما في السياسة فنجد سبينوزا يعيد تطبيق منهج ديكارت مرة ثانية, حيث نجده يدرس أنظمة الحكم, و يقارن بينها, وينقد الأنظمة التسلطية القائمة على حكم الفرد المطلق, و انتهى إلى أن النظام الديمقراطي هو أكثر النظم اتفاقاً مع العقل ومع الطبيعة. أما ديكارت فنحن نعلم بأنه قد استثنى من الشك النظم السياسية, والتشريعات الوطنية, وعادات البلاد: الأولى أن أطيع قوانين بلدي و عاداته و أن أبقى على الدين الذي أكرمني الله به و نشأت عليه منذ الطفولة. لقد قيل دفاعاً عن ديكارت أن موقفه من رجال الدين هو موقف ذكي, حيث استطاع أن يحتويهم دون الصدام معهم و مع السلطة, و يكفيه أنه وضع قنبلة زمنية موقوتة انفجرت بعده في سبينوزا و فولتير, وسواء كان هذا الدفاع حق أم واجب, فإن الثورة الحقيقية في الفكر الديني و الواقع السياسي قد قام بها سبينوزا. رسالة سبينوزا إذن هي ثورة على الأوضاع الثقافية و السياسية في عصره و في كل عصر, وتطبيق للنور الطبيعي في مجال الدين و السياسة حتى لا يخلط الناس بين البدع و التعاليم الإلهية, أو بين التصديق الساذج و الإيمان الصادق.
كتب سبينوزا العديد من الكتب, و أهم هذه الكتب على الإطلاق هو كتاب "
رسالة في اللاهوت والسياسة – و كتاب الأخلاق
" يتناول الكتابان أهم الأفكار التي تتعلق بالدين و رجال السياسة و أخلاق المجتمع ككل, و ربما يحتاج كل كتاب إلى دراسة موثقة و دقيقة و سأحاول في هذا البحث أن أتطرق إلى الكتاب الأول و أهم ما جاء فيه من أفكار.


*** مذكرة تنويه:
تم تنسيق الموضوع من حيث حذف الرموز التي جعلت ظهور الموضوع " ملخبطا" :cd: و سبتم حذف الردود التي كانت كلها بسبب لخبطة التنسيق الذي تسبب فيه صاحب الموضوع :g:

jbahar
14-09-2007, 05:24 PM
شكراً يا أخت داليا, و الله لولاكم إنتو جماعة المشرفين شو كنا ساوينا :3_2: يلا هذا موضوع جديد تتسلي فيه لبين ما يصير موعد الإفطار:er:



كما ذكرت من قبل, فأني سأقتصر في هذا البحث على كتاب رسالة في اللاهوت و السياسة, وربما أيضاً لن أتطرق إلى جميع المواضيع, ولكن فقط المواضيع التي أراها مناسبة للتقديم بعيداً عن الفلسفة المحضة. إذاً دعونا نرفع المرساة و لنبحر إلى عالم سبينوزا الغامض بحثاً عن كنوز المعرفة.
يبدأ سبينوزا كتابه بمقدمة أشبه ما تكون بخاتمة, و كأني به يعطينا مفاتيح أبواب الكتاب, يلخص فيها ما يريد أن يقوله بكل وضوح على غير عادته, حيث أنه دائماً ما يكون غامضاً في كتاباته. سأخطو على آثار سبينوزا حيث سأقوم بإعادة صياغة المقدمة لتكون تمهيداً لرحلة الإبحار, و سيكون مرجعي الدائم هي مقدمة الدكتور حسن حنفي.
يحدد سبينوزا موضوع رسالته في أول فصل من الكتاب حيث تتم البرهنة فيها على أن حرية التفلسف لا تشكل خطراً على التقوى أو على الأمن و السلام في الدولة, بل أن القضاء عليها يؤدي إلى ضياع السلام و التقوى ذاتها. نستنتج إذن أن للرسالة هدفان: الأول إثبات أن حرية الفرد لا تمثل خطراً على الإيمان,أو يمكن القول أن العقل هو أساس الإيمان, أما الهدف الثاني فهو إثبات أن حرية الفكر لا تمثل خطراً على سلامة الدولة, أي أن العقل أيضاً هو أساس كل نظام سياسي تتبعه الدولة. فإذا غاب العقل ظهرت الخرافة, و إذا سادت الخرافة ضاع العقل. ويفرق سبينوزا بين الاعتقاد و الإيمان من ناحية, وبين التصديق و الخضوع الأعمى من ناحية أخرى, فكل اعتقاد له ما يبرره ويكون أقرب إلى فعل النفس وبالتالي يتضمن نوعاً من الحرية, أما الخضوع الأعمى فهو سيادة الانفعال و العبودية وبالتالي لا يمكن تبريره.
يرى سبينوزا أن أنظمة الحكم الاستبدادية تستغل الدين من أجل السيطرة على الجماهير و لإبقائها تحت سيطرة السلطة, إذ يكثر الديكتاتور من مظاهر العظمة في بناء المعابد, و الاحتفالات بالموالد, لذلك كانت الخرافة أفضل الوسائل لتسيير العامة, ووضع قيود على الفكر و العقيدة. يحاول سبينوزا أيضاً أن يدرس الصلة ما بين الدين و الدولة, حيث أن اللاهوت ليس نظرية في الله فقط بل ينشأ عنه نظام اجتماعي كذلك. و الحقيقة أن رسالة سبينوزا كما يرى حسن حنفي, هي ليست دراسة للصلة بين اللاهوت و السياسة بقدر ما هي دراسة للصلة ما بين السلطات اللاهوتية و السلطات السياسية. ويمكن القول أيضاً بأن الرسالة تدرس الوحي في التاريخ, عندما تتحقق النبوة في فترة معينة, وعند شعب معين. يأتي الوحي للتغلب على الطبيعة السائدة في الشعب, فينجح إلى حين, ثم تنتهي الطبيعة السائدة بالتغلب على الوحي. لقد أتى الوحي للشعب اليهودي حتى يتغلب على طبيعته الحسية المادية, وعلى تكوينه الوثني, ولكنه انتهى إلى أن سادته الوثنية, وتغلبت عليه الطبيعة الحسية, هم أتى الوحي المسيحي داعياً للسلام, من أجل التغلب على الطبيعة الحربية الرومانية, وداعياً للطهارة الروحية, من أجل التغلب على المادية الحسية اليهودية و الرومانية, ولكنه انتهى إلى أن سادته الحروب و التعصب. ويمكن القول أيضاً بأن الوحي الإسلامي جاء حتى تكون الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر, فإذا هي الآن مستعمرة من الخارج و مسلوبة الثروات من الداخل أي أنها انتهت إلى عكس ما قصد إليه الوحي.
دعونا لا نطيل في المقدمة و لنبدأ الرحلة كما بدأها سبينوزا و لكن أود فقط أن أذكر لمن قد وجه سبينوزا كتابه حيث يقول:
إنني أعتقد بأن الفلاسفة وحدهم يعرفون بالتفصيل أهم ما في هذا الموضوع. أما غير الفلاسفة فإني أنصحهم بألا يقرئوا رسالتي هذه لأني لا أرى سبباً يجعلني آمل أن يحظى الكتاب بقبولهم
النبوة أو الوحي بدأ سبينوزا بدراسة النبوة لأنها الموضوع الذي يتناوله الباحث عندما يريد دراسة الوحي, إذا يتم كشف الوحي من خلال النبوة. ويعرف سبينوزا النبوة على أنها المعرفة اليقينية التي يوحي الله بها إلى البشر عن شيء ما. و النبي هو المفسر لما أوحى الله به لأمثاله من الناس الذين لا يقدرون على الحصول على المعرفة اليقينية. نجد هنا أن النبوة تتطابق تماماً مع المعرفة الفطرية لأن ما تعرفه بالنور الفطري يعتمد على معرفة الله وحدها وعلى أوامره الفطرية " كل موجود يوجد في الله ولا يستطيع موجود أن يوجد أو يدرك بدون الله."
إذا كانت النبوة تعني تدخل الله في قوانين الطبيعة, فإن ذلك لم يحدث, لأن قدرة الله هي قدرة الطبيعة, وصفات الله هي قوانين الطبيعة, كما أن قدرة الله لا تفسر شيئاً لأن السبب المتعالي لا يمكنه تفسير واقعة طبيعية. وقد كان من عادة اليهود نسبة كل شيء لله يجهلون علته المباشرة بل يعتبرون وقائع الطبيعة كلها أعمالاً لله, خاصة خوارق العادات. لا تعني إذن "روح الله" أي معنى حقيقي, بل تعني عدة معان مجازية, خاصة و أن اليهود كانوا يعتبرون الجسد مصدر الشر, و الروح مصدر الخير. فعندما يذكر الكتاب أن روح الله كانت في النبي, أو أن الله أنزل روحه على البشر, فإن ذلك يعني أن الأنبياء كانوا بشراً ممتازين, يؤمنون بالله إيماناً صادقاً, و يستطيعون إدراك الأحكام الإلهية, ولذلك سميت الشريعة روح الله, وكذلك يمكن تسمية خيال النبي فكر الله, وبهذا المعنى يقال المسيح "ابن الله". ولكن إعتقاد من العبرانيين بأنهم أصفياء الله, ادعوا أن روح الله قد حلت في انبيائهم, لأن العامة من الناس تجهل العلل المباشرة للمعرفة النبوية.
كيف يظهر الوحي إذن من خلال النبوة؟ الوحي
هو كلام الله للبشر على لسان الأنبياء أو كشف الله نفسه للأنبياء, فالوحي كشف أو رؤية . في الحالة الأولى يتم كشف الوحي للأنبياء بالكلمات, وفي الحالة الثانية يكشف الله عن نفسه وعن الوحي بالرؤية. وتكون هاتان الوسيلتان إما حقيقة من الله, أو خيالاً ووهماً و اختراعاً من صنع الإنسان؛ إذ يتخيل النبي وهو في ساعة اليقظة أنه يسمع أو يرى شيئاً لا وجود له في الواقع.
مهمة النبي إذاً هي صياغة الوحي, أي المعاني الصرفة, بأسلوبه وبطريقته وباستدلالاته الفطرية أو البيئية المكتسبة حسب مستوى فهم العامة. إذاً لم يرسل الله وحياً بالمعنى و اللفظ, ولكنه أعطى المعنى فقط يقذفه في قلب النبي الذي يقوم بصياغته في ألفاظ من عنده. حيث يدرك النبي الوحي بمخيلته أي بالكلمات و الصور الذهنية صادقة أم كاذبة. لذلك تجاوز الأنبياء معرفة الأشياء بالحدود العقلية, وعبروا عنها بالرموز و الأمثلة, كما عبروا عن الحقائق الروحية بالتشبيهات الحسية, وهو الأسلوب المتفق مع طبيعة الخيال. ولما كان الخيال غامضاً متقلباً, ظهرت النبوة عند بعض الناس على فترات متباعدة في حياتهم. حيث لم يكن للأنبياء فكر أكمل بل خيال خصب. فمع أن سليمان
قد ملأ الأرض علماً وحكمة, إلا أنه لم يتمتع بهبة النبوة, وعلى العكس منه, كانت لهاجر
هبة النبوة دون ان يكون لها علم. لذلك لا تحتوي أسفار الأنبياء على معرفة عقلية للأشياء الطبيعية, بل على صور خيالية للتأثير على النفوس.
كما يتكيف الوحي حسب عقلية الأنبياء ومزاجهم وقدراتهم العقلية ومخيلتهم فإنه يتكيف أيضاً حسب عقلية الجمهور وطبقاً للمستوى الثقافي للعصر. فلم يقل الأنبياء شيئاً عن صفات الله إلا ما اتفق مع المعتقدات الشائعة للجمهور, ومع البيئة الثقافية للعصر. فلم يعرف آدم أن الله قادر قدرة مطلقة, وعالم علماً مطلقاً, ذلك لأنه قد اختبأ من الله, واعتذر عن خطيئته, وكأنه يعتذر لبشر مثله.
يرى سبينوزا بأن النبوة لا تزيد في علم النبي شيئاً, بل تتركهم و أفكارهم السابقة. فلقد جهل الأنبياء أشياء كثيرة, حيث أن كثير من أقوالهم في تناقض صريح مع العلم, فقد ظن أن الشمس تدور حول الأرض لأنه لم يكن عالماً في الفلك. كذلك ظن أن تناقص الظل يرجع إلى تناقص الشمس. ولكن جهل الأنبياء بالأمور النظرية لا يعني جهلهم بالإحسان وبقواعد السلوك البشري في الحياة, لذا فإن علينا تصديقهم فيما يتعلق بغاية الوحي وجوهره, وهو العدل و الإحسان.يطرح سبينوزا سؤال آخر وهو هل هناك صلة بين المعرفة النبوية و المعرفة الطبيعية؟ يرى سبينوزا أن لا فرق بين الاثنين حيث أن المعرفة النبوية هي معرفة يقينية, و المعرفة الطبيعية أيضاً معرفة يقينية. لكن المعرفة النبوية خاصة بالأنبياء وحدهم, أما المعرفة الطبيعية فهي عامة للبشر جميعاً, و يوجد فرقين اثنين يمكن تميزهما, الأول هو أن المعرفة النبوية تستعمل الصور الخيالية من أجل التأثير على النفوس, في حين أن المعرفة الطبيعية تدرك الحقائق ذاتها دون تخيل, والثاني أن المعرفة الطبيعية غايتها الحق, في حين أن المعرفة النبوية غايتها الخير. وفيما عدا الوسيلة و الغاية لا يوجد هناك فرق بين النبي و الفيلسوف يرى حسن حنفي
بأنه يوجد صلة شبه بين نظرية سبينوزا و نظريات الفلاسفة المسلمين حول النبوة و ربما يكون مرد ذلك إلى موسى بن ميمون الذي درس في الأندلس. حاولت جاهداً أن أعطي الفكرة العامة, حيث يوجد في الكتاب من التفصيلات ما يجعلنا ندور في حلقات. على أي حال, سيكون الفصل القادم من الكتاب هو
يتــــــبع


****** أرجو بصدق أن تعتمد قبل نقل الموضوع على كتابته ليس على الوورد بل على WordPad بما أنك تعمل نسخ لصق و ح يظهر موضوعك بكامل صحته بدل أن تجعلنا نتسلى فيه قبل موعد الإفطار (على حد قولك ) و كأنه ليس لدينا هموم في المطابع إلا تنسيق سيرة حياة اليهودي سبينوزا ( وجه مبتسم :) :gg1: )*********

jbahar
18-09-2007, 01:12 AM
في الحقيقة أود أن اعتذر عن سوء التنسيق, لكن إن شاء الله هل مرة مشي الحال, وأكيد احنا ما إلنا غنا عنكم إنتم جماعة المشرفين:d(5: :nn


الأنبياء



في نهاية الفصل السابق انتهينا إلى كون الأنبياء يتمتعون بخيال خصب وليس بفكر أكمل. يرى حسن حنفي بأن سبينوزا لديه أهداف بعيدة لا يمكن أن يفهمها إلا من يدقق النظر, حيث يرى بأن سبينوزا يرمي أيضاً إلى أن النبوة هي جزء من الخيال. وبذلك ربما نستطيع القول بأن سبينوزا قد هدم السلطة الزائفة للكتاب المقدس, حتى أن ليبنتز قال عنه:

يهودي من لاهاي يعلن عن الثورة العارمة التي اندلعت في أوربا

يرى سبينوزا بأن الخيال لا يتضمن اليقين بطبيعته, بل أن من الضروري للحصول على اليقين, أن نضيف للخيال شيئاً ما هو الاستدلال. و يترتب على ذلك أن النبوة لا تتضمن اليقين, ما دامت تعتمد على الخيال. ومن هذا نستنتج بأن الأنبياء لم يكونوا على يقين من الوحي الذي وهبهم الله إياه عن طريق الوحي نفسه بل اعتماداً على آية (أي علامة) ما. يضرب لنا سبينوزا العديد من الأمثلة, فعندما طلب ابراهيم من الله آية بعد سماعه وعد الله: فقال اللهم يارب بماذا أعلم أني أرثها. وهنا يشير حسن حنفي إلى نفس الآية في القرآن الكريم :قال أولم تؤمن؟ قال: بلى, ولكن ليطمئن قلبي.

إذاً هنا نجد ابراهيم مؤمناً ولكنه لم يطلب الآية لإثبات اعتقاده, بل ليعلم أن الله قد أعطاه هذا الوعد. فهذا يدل على أن الأنبياء كان لهم دائماً آيات تجعل لهم يقيناً بالأشياء التي يتخيلونها بهبة النبوة. يضع سبينوزا ثلاثة أمور أساسية في في اليقين النبوي:
1- تخيل الأنبياء للأشياء الموحى بها كأنها ماثلة أمامهم كما يحدث لنا عادة في حالة اليقظة عندما نتأثر بالأشياء.
2- الآية.
3- ميل قلوبهم إلى العدل و الخير, وهذا أهم شيء.
يرى سبينوزا بأن هذه الآيات تتفاوت بحسب النبي و قدرته و بيئته, بحيث لا يمكن للآية التي تعطي اليقين لهذا النبي أن تقنع آخر مشبعاً بآراء مختلفة. لذلك اختلفت الآيات باختلاف الأنبياء.

يعتقد سبينوزا بأن الكثيرين قد تسرعوا في الاقتناع بأن الأنبياء قد عرفوا كل ما يستطيع الذهن الانساني أن يحيط به, ولم يسلموا بأن الأنبياء قد جهلوا شيئاً ما. و يضرب لنا سبينوزا عدة أمثلة من الكتاب المقدس للدلالة على ذلك:

اعتقد يشوع, و ربما اعتقد معه كاتب قصته بدوران الشمس حول الأرض, وبثبات الأرض, وبتوقف الشمس بعض الوقت. ومع ذلك فنظراً إلى أن كثيراً من الناس لا يريدون التسليم بوقوع أي تغير في السموات و الأرض, فإنهم يفسرون النص بحيث يبدو وكأنه لم يشر مطلقاً إلى مثل هذا المعنى, وهناك آخرون, وهؤلاء قد تعودوا التفلسف, يعلمون أن الأرض تتحرك, وأن الشمس ثابتة, ولكنهم يبذلون جهوداً يائسة من أجل استخلاص هذه الحقيقة من الكتاب بالرغم من وضوح معانيه. و أيضاً كشف لاشعيا تراجع الظل على مستوى فهمه بتراجع الشمس لأنه كان يعتقد أيضاً بأن الشمس تتحرك, وبأن الأرض ثابتة.
نأتي الآن إلى نقطة مهمة جداً, وهي حقيقة إيمان اليهود بالله عز وجل, حيث يرى سبينوزا بأن إيمان اليهود لم يكن إيماناً حقيقياً, ولكن كان مجرد رغبة في الثواب و خوفاً من العقاب, وبذلك يكونون كالأطفال على حد تعبيره,و يظهر ذلك جلياً عندما عظموا العجل وعبدوه بعد بضعة أيام, معتقدين أن العجل هو هذه الآلهة التي أخرجتهم من مصر, وبذلك نستنتج بأن اليهود لم يعرفوا الله معرفة صحيحة, أو أن موسى قد علمهم شيئاً أكثر من مجرد قواعد السلوك في الحياة, وقد علمهم ذلك بطريقة المشرع بحيث يدفعهم إلى طاعة أوامر الشريعة في كيفية الحياة. وبذلك يكونون قد جهلوا سمو الفضيلة و السعادة الحقة, ولم يكونوا أحراراً ولم يعطوا الخير الحقيقي وهو اطمئنان النفس بل أعطاهم الرزق المادي فحسب.
ينتهي سبينوزا إلى ما أراد أن يثبته, وهو أن الوحي الذي أرسله الله كان يتغير وفقاً لفهم الأنبياء و آرائهم, وأن الأنبياء كان يمكن أن يجهلوا, بل وجهلوا بالفعل, تلك الموضوعات النظرية الخالصة التي تتعلق بالاحسان و بالحياة العملية, و أخيراً بان آراء الأنبياء كانت متعارضة فيما بينها. والنتيجة التي ينتهي لها سبينوزا هي: أننا لسنا ملزمين بالايمان بالأنبياء إلا فيما يتعلق بغاية الوحي وجوهره. أما فيما عدا ذلك فيستطيع كل فرد أن يؤمن بما يشاء بحرية تامة.وليحكم كل إنسان بما يتفق مع عقله.
في الحقيقة الموضوع شائك جداً و قد حاولت أن ألخص الأمور التي أجدها ضرورية ولكن يوجد من الشرح و الأمثلة في الكتاب ما هو أقدر على ايصال وجهة نظر سبينوزا, سيكون عنوان الفصل القادم هو المعجـــــــــزات

يتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبع........ .

jbahar
22-09-2007, 02:24 AM
المعجزات



اعتاد الناس تسمية العمل الذي يجهل العامة سببه عملاً إلهياً, أي عمل الله, فالعامة يظنون أن قدرة الله وعنايته تظهران بأوضح صورة ممكنة إذا حدث في الطبيعة شيء خارق للعادة, مناقض لما اعتاد العامة أن يتصوروه, وهم يعتقدون أن أوضح برهان على وجود الله هو الخروج الظاهر على نظام الطبيعة. لذلك يبدو ِفي نظرهم من يفسر الأشياء والمعجزات بالعلل الطبيعية أو من يبذل جهده من أجل معرفتها بوضوح, يبدو وكأنه قد ألغى الله. وبعبارة أخرى يظن العامة أن الله لا يفعل في الطبيعة ما دامت تسير على نظامها المعتاد, وبالعكس تبطل فاعلية الطبيعة وعللها الطبيعية عندما يفعل الله. وعلى ذلك فهم يتخيلون قدرتين متميزتين كل من الأخرى, قدرة الله و قدرة الأشياء الطبيعية. أما المقصود بهذه القدرة أو تلك, والمقصود بالله فلا يعرفون شيئاً سوى أنهم يتخيلون قدرة الله كقدرة الملك المعظم, وقدرة الطبيعة كقوة غاشمة. يعتقد سبينوزا بأن أصل هذه الفكرة يعود إلى اليهود القدماء, فقد قص هؤلاء اليهود معجزاتهم, وحاولوا أن يبينوا بذلك أيضاً أن الطبيعة كلها مسيرة لمصلحتهم وحدهم بأمر من الإله الذي يعبدونه, وذلك حتى يقنعوا المعاصرين لهم من غير اليهود الذين كانوا يعبدون آلهة منظورة كالشمس و النور و الأرض و الماء...إلخ, وحتى يبينوا لهم ضعف هذه الآلهة وتقلبها, أي تغيرها وخضوعها لإله غير منظور. وقد سر الناس بذلك إلى حد أنهم ما زالوا يصطنعون معجزات بخيالهم حتى يعتقد الآخرون أن الله قد فضلهم على الآخرين.
هناك نقطتان أساسيتان يريد سبينوزا التأكيد عليهما :

1- لا يحدث شيء يناقض الطبيعة, فالطبيعة تحتفظ بنظام أزلي لا يتغير.

2- لا يمكن معرفة ماهية الله أو وجوده من خلال المعجزات, كما لا يمكن معرفة العناية الإلهية أيضاً, ولكن يمكن معرفتها كلها عن طريق قانون الطبيعة الثابت الذي لا يتغير.

بالنسبة للنقطة الأولى سأوجز شرحها بأن القوانيين العامة للطبيعة ليست إلا مجرد أوامر إلهية تصدر عن ضرورة الطبيعة الالهية وكمالها. إذن, فلو حدث شيء في الطبيعة يناقض قوانينها العامة, كان هذا الشيء مناقضاً أيضاً لأمر الله وعقله وطبيعته, وهذا ممتنع كل الامتناع. أي أن كل ما يحدث يحدث بإرادة الله و بأمره الأزلي ووفقاً لقوانين وقواعد تنطوي على ضرورة وحقيقة أزليتين. وبذلك فهي تتبع نظام ثابت لا يتغير.
أما النقطة الثانية, يرى سبينوزا أن وجود الله غير معروف, لذا فمن الواجب استنتاجه من أفكار تبلغ من الرسوخ و الثبات حداً لا يمكن معه وجود أو تصور قوة قادرة على تغييرها. أما إذا تصورنا أن قوة ما, أياً كانت, قد غيرت هذه الأفكار, فإننا نشك عندئذ في صحتها, وبالتالي نشك في استنتاجنا: أي في وجود الله. إذن فالمعجزات يستحيل أن تكون وسيلة لاثبات وجود الله, بل أنها على العكس من ذلك تجعلنا نشك في وجوده, على حين أننا نستطيع أن نكون على يقين منه دون معجزات, أي عندما نعلم أن كل شيء في الطبيعة يتبع نظاماً ثابتاً لا يتغير.
هنا يحاول حسن حنفي أن يفسر هذا الكلام بالشكل التالي:

نحن نشك في وجود الله وبالتالي نشك في كل شيء طالما أننا لم نحصل على فكرة واضحة ومتميزة عن الله وطالما ظلت فكرتنا عنه مشوشة. وكما أن من يجهل طبيعة المثلث تماماً لايعلم أن مجموع زواياه قائمتان فإن من يتصور طبيعة الله تصوراً مشوشاً لا يرى أن الوجود ضروري له. فلكي يمكننا أن نتصور طبيعة الله بوضوح وتميز يتحتم علينا أن نلجأ إلى بعض الأفكار السهلة للغاية التي نسميها الأفكار الشائعة حتى نلحق بها ما يخص الطبيعة الالهية. حينئذ يتضح لنا أن الله موجود بالضرورة, وأنه في كل مكان.



يرى سبينوزا أننا لا نستطيع أن نستنتج أي شيء من المعجزات على الاطلاق, وحتى لو كنا نستطيع, فإننا لا نستطيع أن نستنتج منها وجود الله, لأن المعجزة عمل محدود, لا يدل إلا على قوة محدودة؛ بينما قوة الله ليست محدودة. وبذلك يرى سبينوزا أن من يلتجأ إلى إرادة الله عندما يجهل شيئاً ما, فإنه يكشف عن جهل و تفاهة في التفكير. ولما كان الجاهل لا يدرك شيئاً بوضوح فإنه يرى كل شيء من الله, أما الفيلسوف خاصة الفيلسوف الذي يؤمن بالحلول فإنه يرفض كل تفسير يفوق الطبيعة, ويستطيع الانسان أن يصل إلى الله بما يعرف لا بما يجهل.

في الواقع يريد سبينوزا أن يخبرنا من خلال هذا الكلام الطويل أن المعجزة هي مجرد عمل يتجاوز حدود الفهم الانساني أو نعتقد نحن أنه يتجاوزه, ولكن هذه المعجزة لا تخرق نظام الكون و الطبيعة أو تناقض قوانينهما. وعلى ذلك فإذا حدث شيء في الطبيعة لا يتبع قوانينها الخاصة, فإن ذلك يناقض النظام الضروري الذي وضعه الله, وبالتالي فإن التصديق بالمعجزة يجعلنا نشك في كل شيء ويؤدي بنا إلى الإلحاد. يحاول سبينوزا أن يؤيد كلامه هذا من الكتاب المقدس, ويعطي عدة أمثلة سأكتفي بواحدة.

ولو تمت الآية أو المعجزة التي كلمك عنها.. إلخ, فلا تسمع كلام هذا المتنبئ..إلخ, فإن الرب إلهكم ممتحنكم.. إلخ وذلك المتنبئ.. يقتل.

يستنتج سبينوزا من وصية موسى (التثنية, 13(2-5) عندما يحكم بالإعدام على متنبئ بالرغم مما يجريه من معجزات, ومن ذلك يظهر بوضوح أن مدعي النبوة يستطيعون بدورهم إجراء معجزات وأن الناس إن لم تعصمهم معرفة الله الصحيحة وحب الله, يمكنهم عن طريق المعجزات أن يعبدوا آلهة باطلة بنفس السهولة التي يعبدون بها الإله الحق.
هناك نقطة أيضاً تطرق إليها سبينوزا أود الإشارة إليها, وهي أن الناس نادراًما يروون شيئاً كما حدث بسهولة, دون اقحام رأيهم الخاص فيه. ونضف إلى ذلك أنهم إذا أرادوا شيئاً جديداً أو سمعوا به فإن أذهانهم تنشغل بهذه الآراء المسبقة إلى حد أنهم يدركون شيئاً مخالفاً كل الإختلاف لما رأوه أو لما سمعوه, ولا سيما إذا كان الأمر متعلقً بشيء يتجاوز فهم الراوي أو السامع, وبوجه أخص إذا كانت لهذا الشخص أو ذاك مصلحة في أن يحدث الشيء على نحو معين.
يختم سبينوزا بحثه بمقولة يمكن إستخلاص الآتي منها:

إن كل إنسان يستطيع أن يصدق أو لا يصدق بالمعجزات كما يرى, فإن لم يصدق فإنه يحكم العقل, وإن صدق فإنه يحكم السلطة.


سأحاول أن أختم في الفصل القادم هذا البحث, وسيكون المقال حول الدولة والسياسة و لنبتعد قليلاً عن الدين.

يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــع....

صبا الشرقية
22-09-2007, 10:53 AM
خلص اليتبع هذه حتى نقرأه قراءة متواصلة .. كدا ما راح يمشي الحال ...

jbahar
23-09-2007, 02:02 AM
بصراحة أسف لهل تأخير, لكن أنا عم حاول أول شي أقرأ الكتاب, وبعدين ألخص بشكل مفهوم الشي يلي يهمنا منو, وبعدين بدي أكتب هل ملخص, فأعذروني لأنو ياخذ معي وقت شوي, وأنا بصراحة وقتي مو ملكي فأرجو المعذرة.

Ophelia
23-09-2007, 02:17 AM
بصراحة أسف لهل تأخير, لكن أنا عم حاول أول شي أقرأ الكتاب, وبعدين ألخص بشكل مفهوم الشي يلي يهمنا منو, وبعدين بدي أكتب هل ملخص, فأعذروني لأنو ياخذ معي وقت شوي, وأنا بصراحة وقتي مو ملكي فأرجو المعذرة.

ولا يهمك jbahar
مواضيع الفلسفة تحديداً لا يمكن أن تنسلق سلق
وبعدين يا صبا اقري ما نقله لحد الآن وبعدين اذا خلصتيهم وفهمتيهم قبل ما يخلص jbahar الموضوع يبقى يحلها الحلال :ops2:
شكراً جزيلا لمجهودك jbahar

jbahar
26-09-2007, 10:12 PM
شكراً لردك أوفيليا, بس يمكن أنا فعلاً طولت شوي, رغم إنو المواضيع منفصلة لكن أتمنى تتحملوني شوي


مواطن حر في دولة حرة



لو كان من السهل السيطرة على الأذهان مثلما يمكن السيطرة على الألسنة, لما وجدت أية حكومة نفسها في خطر.

يبدأ سبينوزا هذا الفصل بهذه المقولة, ومن هنا تتضح لنا الأهمية من حرية التفكير, فكل فرد حر في أن يفكر وفي أن يعتقد بما يشاء, ويجب أن لا يتنازل عن هذا الحق. قد يحدث للبعض تبني أفكار غيرهم, ولكنهم سيشعرون يوماً ما بأنهم يفضلون أفكارهم على أفكار الغير.
مهما كان للسلطة من حق على الشعب فإنها لا تستطيع أن تمنعه حقه في إصدار حكمه أو في أن يشعر بما يريد. صحيح أن السلطة تعتبر من لا يعتنق وجهة نظرها عدواً لها, ولكن اسلوب القهر خطر على الدولة نفسها, وتقع الكارثة عندما تجبر السلطة أعضاء المجلس القومي على التفكير كما تشاء. إن السلطة تقوم على القهر و العنف عندما تسلب المواطنين حرية التفكير و تفرض عليهم آراءها.
يرى سبينوزا أن الغرض من إقامة نظام سياسي ليس السيادة أو القهر أو اخضاع الشعب لنير فرد آخر, بل التحرر من الخوف بحيث يعيش كل فرد في سلام و طمأنينة, أي المحافظة على الحق الطبيعي في الحياة و في السلوك و في العمل دون إلحاق الضرر بالغير. يقول سبينوزا:

إن الغاية من تأسيس الدولة ليست تحويل الموجودات العاقلة إلى حيوانات أو آلات صماء, بل المقصود منها هو اتاحة الفرصة لأبدانهم و أذهانهم كيما تقوم بوظائفها كاملة في أمان تام.... فالحرية إذن هي الغاية الحقيقية من قيام الدولة.

يتسائل سبينوزا عن كيفية تحقق هذه الحرية و كيفية ممارستها و عن حقوق المواطن و حقوق السلطة. ثم يبدأ بتعريف حق المواطن على أنه حق الفرد الطبيعي الذي يشمل كل ما تستطيعه طبيعته. فالفرد موجود طبيعي يعيش في الطبيعة, لذلك يعتقد بأن الحق الطبيعي لا يتحدد بالعقل بل بالرغبة و القدرة. حيث أن الطبيعة لا يمكن أن تخضع لقوانين العقل, فما يحسنه العقل ربما لا يكون حسناً في الطبيعة, وما قد يقبحه العقل ربما لا يكون قبيحاً في الطبيعة. ثم يعود سبينوزا للتأكيد على أن البشرية رغم هذا تود أن تعيش وفقاً للعقل كيما تعيش بسلام. لذلك وجب أن يتعاون الأفراد فيما بينهم, وبالتالي أصبح الحق الذي يتمتع به كل فرد حقاً اجتماعياً تحدده إرادة الجميع لا إرادة الأفراد. ومن هنا ينشأ العقد الاجتماعي, فغاية العقد الإجتماعي هي تحويل الفرد من العيش وفقاً للطبيعة إلى العيش وفقاً للعقل. وبذلك يعامل الفرد الآخرين ليس وفق ما يشاء و إنما وفق ما ينبغي أن يكون ووفق ما يجب أن يعامل به نفسه.
هنا طبعاً يشير سبينوزا إلى النظام الديمقراطي, حيث أن الجماعة الإنسانية قد تكونت بموجب عقد اجتماعي تمت برضاء الافراد الذين فوضوا حقهم للسلطة, ومن ثم فهم يطيعون القوانين طوعاً لا كراهية؛ لأنهم جميعاً قد اتفقوا على هذه القوانين بالتراضي, وباختيار حر لا خوفاً من العقاب. لكن سبينوزا يضع شرطاً لهذه الطاعة وهي ضرورة تنفيذ السلطة لبنود العقد الاجتماعي, لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق, ويجيز سبينوزا للأفراد الثورة على السلطة إذا لم تمثلهم بموجب العقد, فالسلطة هي مجموع ارادات الأفراد وليست مستقلة عنهم. يقول سبينوزا:

لا يعني دخول الناس في العقد الاجتماعي وطاعتهم للسلطة الممثلة لهم وقوعهم في العبودية؛ فالعبد هو عبد الشهوة أو عبد الغير, في حين أن العقد الاجتماعي يحرر الافراد من الشهوة, لأنهم يعيشون طبقاً للعقل, ويحررهم من الغير لأنهم يعيشون في نظام ديموقراطي. لذلك كان النظام الديموقراطي أفضل الأنظمة لأن الفرد يعيش فيه حراً في مجتمع منظم.

نرى بشكل واضح أن سبينوزا يدعوا إلى النظام الديمقراطي, ولكن ليس كما وصفه سقراط بأنه حكم الغوغاء, بل على أنه مجموعة من القوانين تتفق عليها الأغلبية لما فيه خير للمصلحة العامة. من المستحيل أن تجتمع الغالبية العظمى على ضلال.

يرى سبينوزا أن الفرد في النظام الديموقراطي يفكر و يعمل دون أن يصب عمله أو فكره في قالب واحد, ففيه تحظى فكرة الغالبية العظمى بموافقة الجميع مع الاحتفاظ بحق الغائها في المستقبل لو دعت الظروف إلى ذلك, ولو وجدت هناك فكرة أصلح منها.
ثم يتسائل سبينوزا فيما إذا أمرت الدولة الفرد بما يعارض طاعته لله؟ هل يطيع الله أم يطيع الدولة؟ يجيب سبينوزا على ذلك بأنه لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق. حيث يقول بأنه إذا تواجد مؤمن في دولة وثنية مثلاً فليس أمامه إلا حلان:

الأول رفض تفويض السلطة لها و التعرض للإفناء التام, هنا يشير حسن حنفي إلى حادثة استشهاد الحسين كمثال على هذا الحل. الثاني تفويض السلطة لها و الابقاء على النفس وطاعة قوانين الدولة. لكن سبينوزا يترك المجال مفتوحاً لحل ثالث وهو مقاومة الأوضاع عن طريق التنظيم السياسي.
يؤكد سبينوزا على ضرورة منح الحرية المطلقة في التفكير لجميع الأفراد و ذلك من خلال النقاط التالية:

1- يستحيل سلب الأفراد حريتهم في التعبير عما يعتقدون.
2- لا يهدد الاعتراف بهذه الحرية حق السلطة العليا أو هيبتها ويستطيع الفرد الاحتفاظ بحريته دون تهديد لهذا الحق بشرط ألا يسمح لنفسه بتغيير قوانين الدولة المعترف بها أو بأن يفعل شيئاً ضد القوانين العامة.
3- لا يجلب التمتع بهذه الحرية أي خطر على التقوى.

نلاحظ مدى اهتمام سبينوزا بضرورة منح الأفراد الحرية في التعبير عما يريدون ولكن ليس عما يفعلون. حيث يقول بأنه من الفسوق أن يفعل المرء شيئاً طبقاً لرأيه الخاص ضد مشيئة السلطة العليا التي يعد هو أحد رعاياها, إذ أنه لو استباح الجميع لأنفسهم أن يفعلوا ذلك لأدى هذا إلى انهيار الدولة.



قبل أن أختم هذا البحث أود فقط أن أصحح المفهوم العام عن سبينوزا و اتهام الكثيرين له بالإلحاد وذلك من خلال النقاط التالية التي آمن بها سبينوزا و أكد عليها في أكثر من مناسبة:

1- لقد شدد سبينوزا على ضرورة الإيمان بإله واحد, ووصفه بأنه أسمى الوجود, وهو خيّر ورحيم على نحو مطلق. و أكد على ضرورة أن لا يشك أحد في أنه لا يوجد شريك لله.

2- اعتقد سبينوزا بأن الله حاضر في كل مكان ويرى كل شيء.

3- اعتقد سبينوزا بأن لله الحق و القدرة المطلقة على كل شيء, و لا يمكن إجباره على الأفعال, بل يفعل ما يشاء بمشيئة مطلقة وبفضل ينفرد به, وبأن طاعته واجبة على الجميع.

أعتقد بأن من يؤمن بهذه الأمور لا يمكن أن يكون ملحداً, ولكن من يقرأ سبينوزا لأول مرة ربما يأخذ انطباعاً للوهلة الأولى بأن هناك شيء من الالحاد في كلامه, لكن من يتعمق بكتاباته, يجد انسان مؤمن كل الإيمان, وهذا الإنطباع مرده إلى الغموض في كتاباته.
ربما سأحاول إن شاء الله أن ألخص ما جاء عن سبينوزا في كتاب قصة الفلسفة
من أجل تسليط المزيد من الضوء على بقية كتبه الثلاثة المتبقية. و أعتذر مرة ثانية عن الإطالة في هذا البحث.

محب مالك بن نبي
26-12-2009, 11:11 PM
موضوع قيم وفيلسوف قيم مشكووورين على هذه المواضيع