PDA

View Full Version : المقامة الباريسية



qaswara
22-09-2007, 12:22 AM
بسم الله الرحمن الرحيم .


يا "حُداة الركب " فبعد غيابٍ رجعت إلى " الساخر " بهذه الخاطرة ، فإن لم ترقكم عدتُ أدراجي .
حدّثنا قسورة ، فقال:
بينما كنت اطرح عن نفسي الكسل ، و أنا غارق في الأمل ، شعور بالملل لكثرة العلل ، بما قد لاح من تجاعيد الصباح ، و ما تعودنا من روتين و ابتعاد عن الدين .. وأنا على هذه الحال و المنوال ، اذ اقترب مني أستاذ ، بالنسبة لي ملاذ ، و عن عصرنا شاذ ، يحفظ القريض ، و ينهل من العريض . و لي معه صحبتي و قراري ، لأني لا أراه يداري ، و الحاذق في بحره لا يجاري ، يبعث دومًا إصراري ، و يقتفي آثاري ، فكأنما يسير في فلكي و مداري ، و أمامه لا أكتم أسراري ، و أحبذه في جواري.
و كالعادة بما يبعث على السعادة ، بادرني بمعسول النحو ، و رونق الشدو ، لا يعكره دلو و لا يضيق به بهو . بالشعر حيّاني و نفض الغبار عن آذاني ، آهٍ ! فقد أيقض أشجاني ، و إلى المتنبي رماني ، و ألحقني بالحريري و الهمذاني . فاندفعت ألملـم أوراق زماني .. فكفكف مدامعي و التقط مجامعي حين ردّد على مسامعي :
حيتك عزة بعد الهجر وانصرفـت ****** فحي ويحك من حياك يا جمل
حدث هذا و نحن في موطن الفرنسيس بمدينة "باريس " التي قيل عنها ما قيل : أنها " بلد الجن و الملائكة " ، و كلها تخر صات و أقاويل .
هذا ، و كنت قد علقت منذ أمد أوتاري .. و ألجمت افكاري ، و غيبت جواري ، و كنت قد طويت مداري ، و اعتكفت ـ إلاّ عن العمل ـ بداري .
هذا ، بعد أن جفاني الزمان ، و تبدل الخلان ، و تداخلت الألوان و الغشاوة عمت المكان ، فلا أفق و لا أمان ، و الرداءة أصبحت العنوان ، و نكست الرؤوس عن الأبدان ، و استبيحت الأوزان ، و قول " الحق " من الشيطان ، و العبث طال الأرصفة و الجدران .
في هذا الزمن اختزلت الأشياء ، و في الوطن العربي تناطحت الأهواء ، و استفحل الداء و عظم البلاء ، و تحزبت الغوغاء ، و استر جلت حواء ، و الرجل قد غاب عن الأضواء .
نعم حدث عند العرب الكثير ، و الأمر هام و خطير ، فلا كبير و لا صغير ، و كل من هب و دب له ما يدير ، و لو المتاجرة ببيع الخمر و لحوم الخنزير ، و رغم الأذى و النفير ، و ما بالعراق يصير . كأني بالرهط في تخدير ، و بلا ألباب تسير ، و منهم من لا يعتبر ، رغم الذي ننتظر من هذا المحيط القذر .
و المصيبة أن الكل يعلم بأن لا احد سيسلم ، و لو ارتقى بسلّم مصاف الأمم ، فلا محالة من نصيبه الألم ، و الموت القادم الذي لا يرحم ، فالطالع ندم و الحاضر سقم .كأن الشاعر يعنينا في قوله فينا :
أرى حمـرًا فوق الصواهل جمة ****** فأبكي بعيني ذل تلك الصواهل
أعادني صاحبي إلى الوراء ، أجول بخاطري في تلك الأجواء ، حيث الحال غير الحال و الأمل يسعه المجال ، بل تمتد الآمال في أفق الخيال ، إن للخطاب فصله و للوزن نظمه و للجمهور نجمه ، لا يعتريه قصور و في تحديه جسور ، و عن ذوقه غيور . متجذر في أصوله ، مترفع في ميوله ، ينأى عمّا يضنيه الى ما يغنيه ، الوفاء منتهاه و العتق هواه .
و الأذن تحنّ للكريم ، و الذوق السليم ، و تطرب بعبد الحليم ، و تنفطر القلوب و تحوم ، مع قصيد أم كلثوم ، و لا نفيق من الألبوم و عبث الروم ، و الصدى المعدوم . ناهيك عن الصخب المبهم ، و اللحن ا لأفرم ، و سفور عجرم و هي تداعب الزجاجة ، إشهار و حاجة ، لتسويق دجاجة .
و رددت قول الشاعر :
جيفة أنـتنت فطــار إليها ****** من بني دهرها فراخ الذباب
قلت لصاحبي : كان للتربية مهد ، و للعربي عهد ، و للبيد فهد ، و للجار حرمة ، لا تصادم و لا أزمة ، و لا يصنعها مال ، بل إخلاص الرجال ، فالعزم و التضحية نضال . فالكل يساير دهره و يدرك قدره ، و لا يكشف ظهره .
قاطعني داحضًا ، و لامني واعضًا : صيرورة الزمان و شروط المكان ، فكلامك مدان ، فعالمنا اليوم واحة كله فسحة و ساحة ، و الناس في راحة. فضاء إليك و أنس بين يديك ، فخذ مما يليك . و انشد قائلاً :
تحلو الحياة لكل ثغر باسـم ****** و رشّ عطرها في الفؤاد الحالم.
فامرح وخذ مما يليك فكلها ****** وردٌ تفتــح بالأريج الدائـم .
شعرت بانقباض و قلت في امتعاض : ترتيبنا في الذيل ، و بنا طفح الكيل ، علوج في بلادنا تصول ، و يقعدنا الذهول ، و الأذى يلحق بالرسول ـ صلى الله عليه و سلم ـ و لا أمل بادي و لا حياة لمن تنادي ، و مناّ من يرى الأمر عادي .
كل هذا المجون ، و الكفر المجنون و ما يهدد البطون . فالخلق في ارق و قد قتلها القلق ، و الصدر ضاق و فاض ، و تهددت الحياض ...
حاول صاحبي كي يجامل ، ثم عض الأنامل ، و ناء كالبعير في تحسر كبير . صرخ و جال ، و استدار و قال : إلى متى السكوت و اليوم منا يفوت ..
ثم انكمش في دثاره متسائلاً في قراره ، متحاملاً عن جواره . و القدم منه قد خسف ، و الوجه تصبب و جف ، الفصل انكشف و الوضع انـتصف ، فالضر يحوم ، كجراد محموم ، القصد معلوم ، و الدرس مفهوم .
و من وحي الفراسة ، قال : ما بال الساسة ، و تجار السياسة . أحزاب و حكّام ، الكل نيام يتيهون على الدوام ، كأسراب الهوام ، ألا يعتبرون بصدام ؟..
تأوه صاحبي و تأوهت ، و من الأسى مهمه و مهمهت ، انكسر الحلم و انشطر الظلم . و انحصر الأمام ، و غاب الإمام ، فتلعثم الكلام و جفت الأقلام

طارق زيد المانع
22-09-2007, 12:43 AM
إبداع

روعة

رحم الله الحريري والهمذاني

وحفظك ورعاك

تحياتي

الغيمة
22-09-2007, 02:14 AM
عودا حميدا..
بمقامة جميلة تشكو حال القوم..وترنحهم بين سكرة ونوم..
شكوى مريض إلى طبيب..قد أرقه الوجع والنحيب..
يا رب هذه حالنا..ففرج كربتنا..وفك أزمتنا..وانصر أمتنا..
جزاك الله خيرا..
لك تقديري..

qaswara
22-09-2007, 07:59 PM
إبداع

روعة

رحم الله الحريري والهمذاني

وحفظك ورعاك

تحياتي

الأستاذ / طارق ...

أين الإبداع الذي تتكلم عنه ؟.. إنما هي خواطر ليس إلاّ .
أيها الغالي ، أراك قد عملقت قزمًا ...

سرني مرورك على خاطرتي ...


تحياتي.

qaswara
23-09-2007, 02:00 AM
عودا حميدا..
بمقامة جميلة تشكو حال القوم..وترنحهم بين سكرة ونوم..
شكوى مريض إلى طبيب..قد أرقه الوجع والنحيب..
يا رب هذه حالنا..ففرج كربتنا..وفك أزمتنا..وانصر أمتنا..
جزاك الله خيرا..
لك تقديري..




بسم الله الرحمن الرحيم .

الغيمة ، أيتها الشاعرة المبدعة .

لقد جاءت خاطرتي باهتة أمام درر ما تفضلتِ به رغم قصره و أقتضابه .

أشكر لكِ مرورك على " المقامة " و قراءتكِ لها .


تحياتي.